النص المفهرس

صفحات 741-760

٧٤١
باب ٨٢ / ح ٤٤٢٨
كتاب المغازي
حَجّة الوداع (١) حديث ابن عمر: نزلت سورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ في أيام التَّشريق في
حَجّة الوداع، وعند الطبرانيّ(٢) (١١٩٠٣) عن ابن عبّاس من وجه آخر: أنَّها لمَّا نزلت
أَخَذَ رسولُ اللهِ وَلَه أشدّ ما كان اجتهاداً في أمر الآخِرة. وللطََّرانيِّ (٢٦٧٦) من حديث
جابر: لمَّا نزلت هذه السّورة قال النبيّ وَّة/ لِجِبْرِيل: ((نُعِيَت إليَّ نفسي)) فقال له جِبْريل: ١٣١/٨
﴿وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾.
٤٤٢٨- وقال يونسُ: عن الزُّهْريِّ، قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ رضي الله عنها: كان النبيُّ ◌َّه
يقول في مرضِه الذي ماتَ فيه: ((يا عائشةُ ما أزالُ أجِدُ أَمَ الطَّعام الذي أكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فهذا
أوانُ وجَدْتُ انقطاعَ أبْهَري من ذلك السُّمِّ).
الحديث الثالث:
قوله: ((وقال يونس)) هو ابن يزيد الأيليّ، وهذا قد وَصَلَه البزَّار(٣) والحاكم (٨٥/٣)،
والإسماعيليّ من طريق عَنْبَةَ بن خالد عن يونس، بهذا الإسناد. وقال الزَّار: تفرَّد به
عَنْبَسةُ عن يونس. أي: بوَصلِهِ، وإلّا فقد رواه موسى بن عُقْبة في ((المغازي)) عن الزُّهْريّ
لكنَّه أرسَلَه، وله شاهدان مُرسَلان أيضاً أخرجهما إبراهيم الحَرْبيّ في ((غريب الحديث)) له،
أحدهما من طريق يزيد بن رومان، والآخر من رواية أبي جعفر الباقر، وللحاكم (٢١٩/٣)
موصولاً من حديث أمّ مُبشِّر قالت: قلت: يا رسول الله، ما تَتَّهم بنفسِك؟ فإنّي لا أنَّهم
بابني إلّ الطَّعام الذي أكَلَ بخَيْبَر - وكان ابنها بشر بن البراء بن معرور ماتَ - فقال: ((وأنا
لا أَّهم غيرها، وهذا أوان انقطاع أبهَري)» (٤).
(١) عند شرح الحديث (١٧٤٢)، وعزاه هناك للبيهقي، وضعفه. وهو عند البيهقي في ((السنن الكبرى)) ١٥٢/٥،
وفي ((الدلائل)) ٤٤٧/٥.
(٢) هو أيضاً عند النسائي في ((الكبرى)) (١١٦٤٨).
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من ((مسند البزار))، وقد عزاه إليه أيضاً الزيلعي في ((تخريج أحاديث الكشاف))
٦٩/١.
(٤) وأخرجه أيضاً أحمد في «المسند» (٢٣٩٣٣)، وأبو داود (٤٥١٣) و(٤٥١٤)، لكن ذهل عنهما الحافظ
رحمه الله.

٧٤٢
باب ٨٢ / ح ٤٤٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
وروى ابن سعد (٢٠٢/٢) عن شيخه الواقديِّ بأسانيد مُتَعَدِّدة في قِصّة الشّاة الَّتي
سُمَّت له بخَيبَ، فقال في آخِرِ ذلك: وعاشَ بعد ذلك ثلاث سنينَ، حتَّى كان وجَعه الذي
قُبِضَ فيه. وجَعَلَ يقول: ((ما زِلت أجِدُ ألم الأكلة الَّتي أكَلتُها بخَيبَرَ عِداداً (١) حتَّى كان هذا
أوان انقطاع أبهَري))؛ عِرق في الظَّهر، وتُوُنِّيَ شهيداً. انتهى، وقوله: عِرق في الظَّهر، من كلام
الراوي، وكذا قوله: وتُوقَّ شهيداً.
وقوله: ((ما أزال أجِد ألم الطَّعام)) أي: أُحِسّ الألم في جَوفي بسَبَب الطَّعام. وقال الدّاووديُّ:
المراد أنَّه نَقَصَ من لَذّة ذَوقه. وتَعقَّبَه ابن النِّن.
وقوله: ((أوان)) بالفتح على الظَّر فيَّةُ(٢). قال أهل اللُّغة: الأبْهَر: عِرق مُستَبطِن الصُّلْب،
مُتَّصِل بالقلب، إذا انقَطَعَ ماتَ صاحبه. وقال الخطّابُّ: يقال: إنَّ القلب مُتَّصِل به. وقد تقدَّم
شرح حال الشّاة الَّتي سُمَّت بخَيْبَرَ فِي غَزَوة خَيْبَرَ مُفصَّلاً (٤٢٤٩).
٤٤٣٩ - حدَّثني(٣) حِبّانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
عُرْوةُ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها أخبَرَتْه: أنَّ رسولَ الله وَّرِ كان إذا اشتكَى نَفَثَ على نفسِه
بالمعَوِّذات، ومَسَحَ عنه بَيَدِه، فلمَّا اشْتَكَى وجَعَه الذي توفِّيَ فيه، طَفِقْتُ أَنِفِثُ عنهُ بالمعَوِّذات
الَّتي كان يَنْفِثُ، وأمسَحُ بَيَدِ النبيِّ ◌َّ عنه.
[أطرافه في: ٥٠١٦، ٥٧٣٥، ٥٧٥١]
الحديث الرابع:
قوله: ((اشتكَى)) أي: مَرِضَ، و((نَفَثَ)) أي: تَفَلَ بغير ريق، أو معَ ريق خفيف.
قوله: ((بالمعَوِّذات)) أي: يقرأها ماسحاً لجسدِه عند قراءتها، ووَقَعَ في رواية مالك عن
(١) عداداً، أي: يُعاودُ في أوقات معلومةٍ.
(٢) كذا ضبطها الحافظ بالنصب على الظرفية وجهاً واحداً، وضبط في اليونينية بالضم على الخبرية، وذكر
الوجهين العيني في «عمدة القاري)) ١٨/ ٦١.
(٣) كذا جاء هذا الحديث هنا في رواية أبي ذر الهروي التي اعتمد ترتيبها الحافظ رحمه الله في شرحه، وجاء في
غير رواية أبي ذر بعد حديث عائشة في استنانه والر بالسواك قبل وفاته، وهو الحديث (٤٤٣٨).

٧٤٣
باب ٨٢ / ح ٤٤٣١
كتاب المغازي
ابن شهاب في فضائل القرآن (٥٠١٦) بلفظ: يقرأ على نفسه بالمعوِّذات. وسيأتي في الطِّبّ
(٥٧٥١) قول مَعمَر بعد هذا الحديث: قلت للزُّهْريِّ: كيفَ يَنِفِث؟ قال: يَنِفِث علی یَدَیه،
ثمَّ يَمسح بهما وجهه.
وسيأتي في الدَّعَوات (٦٣١٩) من طريق عُقَيل عن الزُّهْريّ: أنَّه وَّ كان يَفْعَل ذلك
إذا أخَذَ مَضجَعه. هذه رواية اللَّيث عن عُقَيل. وفي رواية المفَضَّل بن فضالة عن عُقَيل في
فضائل القرآن (٥٠١٧): كان إذا أوَى إلى فِراشه جَمَعَ كَفَّيِه، ثمَّ نَفَثَ فيهما، ثمَّ يقرأ: قل هو الله
أحد، وقُل أعوذ برَبِّ الفَلَق، وقُل أعوذ بَرَبِّ الناس. والمراد بالمعَوِّذات: سورة قل أعوذ
برَبِّ الفَلَق وقُل أعوذ برَبِّ الناس. وُجُمِعَ إمّا باعتبار أنَّ أقلّ الجمع اثنان، أو باعتبار أنَّ المراد
الكلمات الَّتِي يقع التَّعَوُّذ بها من السّورتَينِ. ويُحتمل أنَّ المراد بالمعَوِّذات هاتان السّورَتان
معَ سورة/ الإخلاص، وأُطلِقَ ذلك تَغليباً. وهذا هو المعتمد.
١٣٢/٨
قوله: ((وأمْسَحُ بَيَدِه عنه)) في رواية مَعمَر: وأمسَح بَيَدِ نفسه لبَرَكَتِها. وفي رواية مالك
(٥٠١٦): وأمسَح بَيَدِه رَجاء بَرَكَتها. ولمسلم (٢١٩٢) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه
عن عائشة: فلمَّا مَرِضَ مرضه الذي ماتَ فيه جَعَلت أنِفِث عليه، وأمسَح بيدٍ نفسه، لأنَّها
كانت أعظَم بَرَكة من يدي. وسيأتي في آخِرِ هذا الباب من طريق ابن أبي مُلَيكةَ عن عائشة:
فذهبت أُعَوِّذه، فَرَفَعَ رأسه إلى السماء وقال: ((في الرَّفيق الأعلى)). وللطَّبَرانيِّ(١) من حديث
أبي موسى: فأفاقَ وهي تَمَسَح صَدره وتَدعو بالشِّفاءِ، فقال: ((لا، ولكن أسأل الله الرّفيق
الأعلى)) وسأذكرُ الكلام على الرَّفيق الأعلى في الحديث السابع (٤٤٣٥).
٤٤٣١ - حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا ابنُ عُيَينةَ، عن سليمانَ الأحوَلِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال:
قال ابنُ عبَّاسٍ: يومُ الخميسِ، وما يومُ الخميسِ! اشتَّ برسولِ اللهِ وَّهِ وَجَعُه، فقال: ((ائْتوني
أكتُبْ لكُم كتاباً، لَن تَضِلّوا بعدَه أبداً)) فتَنَازَعوا ((ولا يَنبَغي عندَ نبِيٍّ تنازُعٌ)) فقالوا: ما شأنُه؟
أهَجَرَ؟ استَفْهِمُوه، فذهبوا يَرُدّونَ عنه، فقال: ((دَعُوني، فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا تَدْعونني إليه))
(١) مسند أبي موسى الأشعري من جملة المفقود من ((معجم الطبراني الكبير)) إلى وقتنا هذا.

٧٤٤
باب ٨٢ / ح ٤٤٣١-٤٤٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأوْصاهم بثلاثٍ، قال: ((أخرِجوا المشركينَ من جَزِيرةِ العربِ، وأجِيزوا الوَفْدَ بنحو ما كنتُ
أُجِيزُهمْ)) وسَكَتَ عن الثّالثةِ، أو قال: فَنَسِيتُها.
٤٤٣٢- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن
عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُثْبةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لمَّا حُضِرَ رسولُ اللهِ وَه
وفي البيتِ رجالٌ، فقال النبيُّ وََّ: ((هَلُمّوا أكتُبْ لكُم كتاباً لا تَضِلّوا بعدَه)) فقال بعضُهمْ: إِنَّ
رسولَ اللهِ وَ﴿ قد غَلَبَه الوَجَعُ، وعندَكُمُ القرآنُ، حَسْبُنا كتابُ الله، فاختَلَفَ أهلُ البيتِ
واختَصَموا، فمنهم من يقول: قَرِّبوا يَكْتُبْ لكُم كتاباً لا تَضِلّوا بعدَه، ومنهم مَن يقول غيرَ
ذلك، فلمَّا أكثَروا اللَّغْوَ والاختِلافَ، قال رسولُ الله ◌ََّ: ((قُومُوا)).
قال عُبيدُ الله: فكان ابنُ عبَّاسٍ يقول: إنَّ الرَّزِيَّةَ كلَّ الرَّزِيَّةِ، ما حالَ بينَ رسولِ الله
وبينَ أن يَكْتُبَ لهم ذلك الكتابَ، لاختِلافهم ولَغَطِهِمْ.
الحديث الخامس:
قوله: ((يوم الخميس)) هو خَبَرَ لمبتَدَأ محذوف أو عكسه.
وقوله: ((وما يوم الخميس)) يُستَعمَل عند إرادة تفخيم الأمر في الشِّدّة والتَّعَجُّب منه،
زاد في أواخر الجهاد (٣٠٥٣) من هذا الوجه: ثمَّ بَكَى حتَّى خَضَبَ دَمعُه الحَصَى. ولمسلمٍ
(٢١/١٦٣٧) من طريق طلحة بن مُصَرِّف عن سعيد بن جُبَير: ثمَّ جَعَلَ تَسيلُ دُموعه،
حتَّى رأيتها على خَدَّيه كأنَّهَا نِظام اللُّؤْلُؤْ. وبُكاء ابن عبّاس يُحتمل لكَوْنِهِ تَذَكَّرَ وفاة
رسول الله فتَجَدَّدَ له الحُزن عليه، ويحتمل أن يكون انضاف إلى ذلك ما فاتَ في مُعتَقَده من
الخير الذي كان يَحَصُل لو كَتَبَ ذلك الكتاب، ولهذا أطلقَ في الرِّواية الثّانية أنَّ ذلك رَزِيَّة،
ثمَّ بالَغَ فيها فقال: كلّ الرَّزيَّة. وقد تقدَّم في كتاب العلم (١١٤) الجواب عَمَّن امتَنَعَ من
ذلك، کعمر ۵﴾.
قوله: ((اشتَّ برسولِ اللهِ﴿ ﴿ وَجَعُه)) زاد في الجهاد: يوم الخميس، وهذا يُؤْيِّد أنَّ ابتداء
مرضِه، كان قبل ذلك، ووَقَعَ في الرّواية الثّانية: لمَّا حُضِرَ رسول اللهَله بضمِّ الحاء المهمَلة

٧٤٥
باب ٨٢ / ح ٤٤٣١-٤٤٣٢
كتاب المغازي
وكسر الضّاد المعجَمة، أي: حَضَرَه الموت، وفي إطلاق/ ذلك تَجُوُّز، فإنَّه عاش بعد ذلك إلى ١٣٣/٨
يوم الاثنينِ.
قوله: ((كتاباً)) قيلَ: هو تعيين الخليفة بعده، وسيأتي شيء من ذلك في كتاب الأحكام في
(باب الاستخلاف)) منه (٧٢١٧ -٧٢٢١) (١).
قوله: ((لن تَضِلّوا)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((لا تَضِلّونَ)). وتقدَّم في العلم: ((لا تضلوا)»،
وكذا في الرِّواية الثّانية، وتقدّم توجيهه.
قوله: ((ولا يَنْبَغي عند نبيّ تَنازُع)) هو من ◌ُلة الحديث المرفوع. ويحتمل أن يكون مُدرَجاً من
قول ابن عبّاس، والصَّواب الأوَّل، وقد تقدَّم في العلم بلفظ: ((لا ينبغي عندي التََّازُع)).
قوله: ((فقالوا: ما شأنه؟ أهَجَرَ)) بهمزةٍ لجميع رواة البخاريّ، وفي الرّواية الّتي في الجهاد بلفظ:
فقالوا: هَجَرَ، بغير همزة، ووَقَعَ للكُشْمِيهنيِّ هناكَ: فقالوا: هَجَرَ، هَجَرَ رسولُ اللهِ وَّهِ. أَعادَ
هَجَرَ مَرَّتَينٍ. قال عياض: معنى أهْجَرَ: أفحَشَ، يقال: هَجَرَ الرجل: إذا هَذَى، وأهجَرَ: إذا
أفحَشَ. وتُعقِّبَ بأَنَّه يَسْتَلِمِ أن يكون بسكونِ الهاء، والرِّوايات كلّها إنَّما هي بفتحها.
وقد تَكلَّمَ عياض وغيره على هذا الموضع فأطالوا، ولَخَّصه القُرطُبيّ تلخيصاً حَسَناً ثمّ
لخّصتُه من كلامه، وحاصله: أنَّ قوله: هَجَرَ، الرّاجح فيه إثبات همزة الاستفهام،
وبفَتَحاتٍ على أنَّه فِعلٌ ماضٍ، قال: ولِبَعضِهم: أهُجْراً، بضمِّ الهاء وسكون الجيم والتَّنوين،
على أنَّه مفعول بفعلٍ مُضمَر، أي: قال مُجْراً، والهُجْر، بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون: الهَذَيان،
والمراد به هنا: ما يقع من كلام المريض الذي لا يَنتَظِم ولا يُعتَدُّ به لعَدَمِ فائدته. ووقوع
ذلك من النبيّ ◌َّ مُستَحيل، لأنَّه معصوم في صِحَّته ومرضه، لقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
الْهُوَى﴾ [النجم: ٣] ولقوله ◌َيّ: ((إنّي لا أقول في الغضب والرِّضا إلّا حَقّاً))(٢)، وإذا عُرِفَ
(١) هذه الفقرة لم تَرِدْ برمَّتها في الأصلين، وهي ثابتة في (س).
(٢) أخرجه أحمد (٦٥١٠) و(٦٩٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو حديث صحيح. وقد ساقه
الحافظ بالمعنى.

٧٤٦
باب ٨٢ / ح ٤٤٣١- ٤٤٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك فإنَّما قاله مَن قاله مُنكِراً على مَن توقف في امتثال أمره بإحضار الكَتِفِ والدَّواة، فكأنَّه
قال: كيفَ تَتَوَقَّف، أتظُنُّ أنَّه كغيره يقول الهَذَيان في مرضه؟ امتَثِلْ أمره وأحضِر ما طلبَ،
فإنَّه لا يقول إلّ الحقّ، قال: هذا أحسن الأجوبة.
قال: ويحتمل أنَّ بعضهم قال ذلك عن شكٌّ عَرَضَ له، ولكن يُعِده أن لا يُنكِرِه الباقونَ
عليه معَ كَوْنهم من كِبار الصَّحابة، ولو أنكَروه عليه لَيُعِلَ. ويُحتمل أن يكون الذي قال ذلك
صَدَرَ عن دَهَش وحَیْرةٍ، كما أصاب كثيراً منهم عند موته.
وقال غيره: يُحتمل أن يكون قائل ذلك أراد أنَّه اشتدَّ وجَعه فأطلقَ اللّازِم وأراد
الملزوم، لأنَّ الهَذَيان الذي يقع للمريضِ يَنشَأ عن شِدّة وجَعه. وقيلَ: قال ذلك لإرادة
سُكوت الذينَ لَغَطوا ورَفَعوا أصواتهم عنده، فكأنَّه قال: إنَّ ذلك يُؤذيه ويُفضي في العادة
إلى ما ذُكِرَ.
ويُحتمل أن يكون قوله: أهجَرَ، فِعلاً ماضياً من الهَجْر، بفتح الهاء وسكون الجيم، والمفعول
محذوف، أي: الحياة، وذكره بلفظ الماضي مُبالَغة لما رأى من علامات الموت.
قلت: ويَظهَر لي ترجيح ثالث الاحتِمالات الَّتِي ذَكَرِها القُرطُبيّ، ويكون قائل ذلك
بعض مَن قَرُبَ دخوله في الإسلام(١)، وكان يَعهَد أنَّ مَن اشتَدَّ عليه الوَجَعُ قد يَشْتَغِل به
عن تحرير ما يريد أن يقوله لجوازٍ وقوع ذلك. ولهذا وَقَعَ في الرّواية الثّانية: فقال بعضهم:
إنَّه قد غَلَبَه الوَجَع. ووَقَعَ عند الإسماعيليّ من طريق محمَّد بن خَلّادٍ عن سفيان في هذا الحديث:
فقالوا: ما شأنه يَهجُر؟ استَفْهِموه. وعند ابن سعد (٢٤٢/٢) من طريق أُخرى عن سعيد
(١) كذا استظهر الحافظُ رحمه الله، وتبعه العيني: أنَّ قائل ذلك بعض من قَرُبَ دخوله في الإسلام. وإنما قائل
ذلك عمر بن الخطاب ﴾ كما صرّحت به بعضُ الروايات، كالرواية السالفة برقم (١١٤)، لكنه ورد
أحياناً بلفظ: قد غلبه الوجعُ وعندنا كتاب الله حسبنا، وورد أحياناً بلفظ: ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه.
ولهذا قال ابن الأثير عن هذا اللفظ الثاني مفسِّراً له: أهَجَر، أي: اختلف كلامه بسبب المرض على سبيل
الاستفهام، أي: هل تغير كلامه واختلط لأجل ما به من المرض، وهذا أحسن ما يقال فيه ولا يُجعل
إخباراً فيكون إما من الفحش أو الهذيان، والقائل كان عمر ولا يُظَن به ذلك.

٧٤٧
باب ٨٢ / ح ٤٤٣١-٤٤٣٢
كتاب المغازي
ابن جُبَير: إنَّ نبيّ الله لَيَهجُر. ويُؤيِّده أنَّه بعد أن قال ذلك قال: استَفهموه بصيغة الأمر
بالاستفهام، أي: اختبروا أمره، بأن تستفهموه عن هذا الذي أراده، وتبحثُوا معه في گونه
الأولى أو لا.
وفي قوله في الرِّواية الثّانية: ((فاختَصَموا فمنهم مَن يقول: قَرِّبوا يَكتُبْ لكُم)) ما يُشعِر بأنَّ
بعضهم كان مُصَمِّماً على الامتثال والردّ على مَن امتَنَعَ منهم، ولمَّا وَقَعَ منهم الاختلاف
ارتَفَعَت البَرَكة كما جَرَت العادة بذلك عند وقوع التَّنَازُع والتَّشاجُر. وقد مضى في الصيام
(٢٠٢٣): أَنَّه وَّه خرج يُخبرهم بليلة القَدر فرأى رجلينِ يَخْتَصِمان فُرُفِعَت.
قال المازريُّ: إِنَّمَا جازَ للصَّحابة الاختلاف في هذا الكتاب معَ صريح أمره لهم بذلك،
لأنَّ الأوامر قد/ يُقارنها ما يَنقُلها من الوُجوب، فكأنَّه ظَهَرَت منه قَرِينة دَلَّت على أنَّ الأمر ١٣٤/٨
ليس على الثَّحَتُّم بل على الاختيار، فاختَلَفَ اجتهادهم، وصَمَّمَ عمر على الامتِناعِ لمَا قامَ
عنده من القرائن بأنَّه وَ لَ قال ذلك عن غير قصد جازِم، وعَزْمُهُ بَّ كان إمّا بالوحي وإمّا
بالاجتهاد، وكذلك تَرْكه إن كان بالوحي فبالوحي وإلّا فبالاجتهادِ أيضاً، وفيه حُجّة لمن
قال بالرُّجوع إلى الاجتهاد في الشّرعيّات.
وقال النَّوَويّ: اتَّفَقَ قول العلماء على أنَّ قول عمر: حَسْبنا كتاب الله. من قوّة فقهه
ودَقيق نظره، لأنَّه خَشِيَ أن يَكتُب أُموراً رُبَّمَا عَجَزوا عنها فاستَحقّوا العُقوبة لگوْنِها
منصوصةً، وأراد أن لا يَنسَدّ باب الاجتهاد على العلماء، وفي تَركه ◌َيِّ الإنكار على عمر
إشارة إلى تَصويبه رأيه، وأشارَ بقولهِ: حَسْبنا كتاب الله إلى قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِ اُلْكِتَبِ
مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ويُحتمل أن يكون قَصَدَ التَّخفيف عن رسول الله وَّ لمَّا رأى ما هو
فيه من شِدّة الكَرب، وقامَت عنده قَرِينة بأنَّ الذي أراد كتابته ليس ممّا لا يَستَغنونَ عنه، إذ
لو كان من هذا القبيل لم يَتْرُكِه وَّه لأجلِ اختلافهم، ولا يعارض ذلك قول ابن عبّاس: إنَّ
الرَّزيَّة ... إلى آخره، لأنَّ عمر كان أفقَه منه قطعاً.
وقال الخَطّابيُّ: لم يَتَوهَّم عمر الغَلَط فيما كان النبيّ ◌َّ يريد كتابته، بل امتناعه محمول

٧٤٨
باب ٨٢ / ح ٤٤٣١-٤٤٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
على أنَّه لمَّا رأى ما هو فيه من الكَرب وحضور الموت خَشِيَ أن يَجِد المنافقونَ سبيلاً إلى الطَّعن
فيما يَكتُبُه وإلى ◌َمله على تلكَ الحالة الَّتي جَرَت العادة فيها بوقوع بعض ما يُخالف الاتّفاق،
فكان ذلك سبب تَوَقُّف عمر، لا أنَّه تَعَمَّدَ مُخالَفة قول النبيّ وَّةِ، ولا جواز وقوع الغَلَط عليه
حاشا وكَلًا. وقد تقدَّم شرح حديث ابن عبّاس في أواخر كتاب العلم (١١٤).
وقوله: ((فذهبوا(١) يَرُدّونَ عنه)) يُحتمل أن يكون المراد: يَرُدّونَ عليه، أي: يُعيدونَ علیه مقالته
ويَستَبتونَه فيها. ويحتمل أن يكون المراد: يَرُدّونَ عنه القول المذكور على مَن قالَه.
قوله: ((فقال دَعُوني: فالذي أنا فيه خير ممّا تَدْعونَني إليه)) قال ابن الجَوْزيّ وغيره: يحتمل
أن يكون المعنى: دَعُوني فالذي أُعاينه من كرامة الله الَّتي أعَدَّها لي بعد فِراق الدُّنيا خير ممّا أنا فيه
في الحياة، أو أنَّ الذي أنا فيه من المراقبة والتَّأَهُّب للقاءِ الله والتفكّر في ذلك ونحوه أفضل من
الذي تسألونَني فيه من المباحَثة عن المصلحة في الكتابة أو عَدمها. ويحتمل أن يكون المعنى: فإنَّ
امتناعي من أن أكتُب لكم خير ممّا تَدعونَني إليه من الكتابة. قلت: ويحتمل عَكسه، أي: الذي
أشرت عليكُم به من الكتابة خير ممّا تَدعونَني إليه من عَدمها، بل هذا هو الظّاهر. وعلى الذي
قبله كان ذلك الأمر اختباراً وامتِحاناً، فَهَدَى الله عمر لمرادِهِ، وخَفيَ ذلك على غيره.
وأمَّا قول ابن بَطّال: عمر أفقَهُ من ابن عبّاس، حيثُ اكتَفَى بالقرآن ولم يَكتَفِ ابن
عبَّاس به، فتُعُقِّبَ بأنَّ إطلاق ذلك معَ ما تقدَّم ليس بجيِّدٍ، فإنَّ قول عمر: حَسبنا كتاب الله.
لم يُرِدِ أنَّ يَكتَفي به عن بيان السُّنّة، بل لمَا قامَ عنده من القَرِينة، وخَشِيَ من الذي يَتَرتَّب
على كتابة الكتاب مما تقدَّمت الإشارة إليهِ، فرأى أنَّ الاعتماد على القرآن لا يَتَرتَّب عليه شيء ممّا
خَشِيَه، وأمَّا ابن عبّاس فلا يقال في حَقّه: لم يَكتَفِ بالقرآن معَ كَوْنه حِبْر القرآن، وأعلم
الناس بتفسيره وتأويله، ولكنَّه أسِفَ على ما فاتَه من البيان بالتَّنصيصِ عليه، لكَوْنِه أولَى
من الاستنباط، والله أعلم. وسيأتي في كفّارة المرض (٥٦٦٩) في هذا الحديث زيادة لابنِ عبَّاس،
وشرحها إن شاء الله تعالى.
(١) تحرف في (س) إلى: وقد ذهبوا.

٧٤٩
باب ٨٢ / ح ٤٤٣١- ٤٤٣٢
كتاب المغازي
قوله: ((وأَوْصاهم بثلاثٍ)) أي: في تلكَ الحالة. وهذا يدلُّ على أنَّ الذي أراد أن يَكتُبه لم
يكن أمراً مُتَحَتّاً، لأنَّه لو كان ممّا أُمِرَ بتَبليغِه لم يكن يَترُكه لوقوع اختلافهم، ولَعاقَبَ اللهُ
مَن حالَ بينه وبين تبليغه، ولَبَلَّغَه لهم لفظاً كما أوصاهم بإخراج المشركينَ وغير ذلك، وقد
عاشَ بعد هذه المقالة أياماً وحَفِظوا عنه أشياء لَفظاً، فيحتمل أن يكون مجموعها ما أراد أن
يَكتُبه، والله أعلم.
وجَزيرة العرب تقدَّم بيانها في كتاب الجهاد (٣٠٥٣).
وقوله: ((أجيزوا/ الوَقْد)) أي: أعطُوهم، والجائزة: العَطيَّة. وقيل: أصله أنَّ ناساً وَفَدوا ١٣٥/٨
على بعض الملوك، وهو قائم على قَنطَرة، فقال: أجيزوهم، فصاروا يُعطونَ الرجل ويُطلِقونَه،
فيجُوز على القَنطَرَة مُتَوَجِّهاً، فسُمّيَت عَطيَّةٍ مَن يَفِدُ على الكبير جائزةً، وتُستَعمَل أيضاً في
إعطاء الشّاعِر على مَدحه ونَحو ذلك.
وقوله: ((بنَحوِ ما كنت أُجيزُهم)) أي: بقريبٍ منه. وكانت جائزة الواحد على عَهْده ◌َّل
أُوقّة من فِضّة، وهي أربعونَ دِرِهَماً.
قوله: ((وسَكَتَ عن الثّالثة، أو قال: فَتَسيتُها)» يحتمل أن يكون القائل ذلك: هو سعيد بن جُبَير.
ثُمَّ وجَدت عند الإسماعيليّ التَّصريحَ بأنَّ قائل ذلك هو ابن عُبَينَةَ. وفي ((مُسنَد الحميديِّ))
(٥٢٦)، ومن طريقه أبو نُعَيم في ((المستَخرَج): قال سفيان: قال سليمان -أي: ابن أبي مسلم -: لا
أدري أذكَر سعيد بن جُبَير الثّالثةَ فَنَسيتها أو سَكَتَ عنها؟ وهذا هو الأرجَح.
قال الدّاووديُّ: الثّالثة: الوَصِيَّ بالقرآن، وبه جَزَمَ ابن التِّين. وقال المهلَّب: بل هي تجهيز
جيش أسامة، وقَوّاه ابن بَطّال بأنَّ الصَّحابة لمَّا اختلفوا على أبي بكر في تنفيذ جيش أسامة
قال لهم أبو بكر: إنَّ النبيّ ◌َّهِ عَهِدَ بذلك عند موته. وقال عياض: يحتمل أن تكون هي قوله:
((ولا تَتَّخِذُوا قبري وَثَنَاً) فإنَّهَا ثَبَتَت في ((الموطَّأ)» (٨٩٢/٢) مقرونة بالأمرِ بإخراجِ اليهود.
ويحتمل أن يكون ما وَقَعَ في حديث أنس أنَّها قوله: ((الصَّلاةَ وما مَلَكَت أيمانكم))(١).
(١) أخرجه أحمد (٥٨٥)، وأبو داود (٥١٥٦)، وابن ماجه (٢٦٩٨) من حديث عليٍّ، وأحمد (١٢١٦٩)،
وابن ماجه (٢٦٩٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٠٥٧) من حديث أنس، وهو حديث صحيح.

٧٥٠
باب ٨٢ / ح ٤٤٣٣-٤٤٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله في الرواية الثانية: ((فاختَلَفَ أهل البيت)) أي: مَن كان في البيت حينئذٍ من الصَّحابة، ولم
يُرِد أهل بيت النبيّ وَّه.
قوله فيها: ((فقال: قوموا)) زاد ابن سعد من وجه آخر (٢٤٤/٢): فقال: ((قوموا عنِّي))(١).
٤٤٣٣، ٤٤٣٤ - حدَّثنا يَسَرةُ بنُ صَفْوانَ بنِ جميلِ اللَّخْميُّ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن
أبيه، عن عُزْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: دَعَا النبيُّ ◌َّ فاطمةَ عليها السَّلام في شَكْواه التي
قُبِضَ فيها، فسارَّها بشيءٍ فَبَكَتْ، ثمَّ دَعاها فسارَّها بشيءٍ فضَحِكَتْ، فسألْناها عن ذلك،
فقالت: سارَّفي النبيُّ ◌َّهِ أَنَّه يُقْبَضُ في وَجَعِه الذي تُوِّيَ فيه، فبَكَيتُ، ثمَّ سارَّني فأخبرني أنّ
أوَّلُ أهلِهِ يَتْبَعُه، فضَحِكْتُ.
الحديث السادس:
قوله: ((حدثنا يسرة)) بفتح التحتانية والمهملة، ووالد سعد(٢): هو إبراهيم بن عبد
الرحمن بن عوف.
قوله: ((دعا النبي ◌َّ فاطمة في شكواه التي قُبض فيها فسارَّها بشيء)» وفي أول هذا
الحديث من رواية مسروق عن عائشة كما مضت في علامات النبوة (٣٦٢٣): أقبلت
فاطمة تمشي، كأن مِشيتَها مشيةُ النبيِوََّ، فقال النبي ◌َّ: ((مرحباً بابنتي))، ثم أجلسها عن
يمينه أو عن شماله، ثم سارَّها. ولأبي داود (٥٢١٧)، والترمذي (٣٨٧٢)، والنسائي
(ك ٨٣١١)، وابن حبان (٦٩٥٣) والحاكم (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣) من طريق عائشة بنت طلحة
عن عائشة، قالت: ما رأيت أحداً أشبه سَمْتاً وهَدْياً ودَلاً برسول الله وَ ل بقيامها وقعودها
من فاطمة، وكانت إذا دخلت على النبي وَله قام إليها وقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا
دخل عليها فعلتْ ذلك، فلما مرض دخلت عليه فأكبَّت عليه تقبِّلُه.
(١) كذا عزاه هنا لابن سعد، وعزوه للبخاري فيما سلف عنده برقم (١١٤) أَولى، كما استدركه الحافظُ على
نفسه عند شرح الحديث (٥٦٦٩).
(٢) في (أ) و(س): ووالد إبراهيم بن سعد، بإقحام ((إبراهيم بن))، وإنما أراد الحافظ بيان والد سعد، لإبهامه
هنا، فالمثبت من (ع) هو الصواب.

٧٥١
باب ٨٢ / ح ٤٤٣٤
كتاب المغازي
واتفقت الروايتان على أن الذي سارّها به أولاً فبكت: هو إعلامه إياها بأنه میت من
مرضه ذلك، واختلفتا(١) فيما سارَّها به ثانياً فضحكت، ففي رواية عروة: أنه إخباره إياها
بأنها أول أهله لحوقاً به، وفي رواية مسروق: أنه إخباره إياها بأنها سيدة نساء أهل الجنة،
وجعل كونها أول أهله لحوقاً به مضموماً إلى الأول، وهو الراجح، فإن حديث مسروق
يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة، وهو من الثقات الضابطين، فما زاده مسروق
قول عائشة: فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقربَ من حزن، فسألتها عن ذلك، فقالت: ما
كنت لأُفشي سرَّ رسول الله وَّةِ، حتى توفي النبي ◌ََّ، فسألتُها، فقالت: أسرَّ إليّ((أن جبريل كان
يعارِضني / القرآن كلّ سنة مرةً، وأنه عارضني العامَ مرتين، ولا أُراه إلّا حضر أجلي، وإنك أول ١٣٦/٨
أهل بيتي لحوقاً بي)).
وقولها: ((كأن مِشيتَها)) هو بكسر الميم، لأن المراد الهيئة، وقولها: ((ما رأيت كاليوم فرحاً»
تقدم توجيهه في الكسوف(٢)، وأن التقدير: ما رأيت كفرح اليوم فرحاً، أو ما رأيت فرحاً
كفرحٍ رأيته اليوم، وقولها: حتى توفي. متعلق بمحذوف تقديره: فلم تقل لي شيئاً حتى
توفي. وقد طَوَى عروة هذا كلَّه، فقال في روايته بعد قوله: فضحكت: فسألناها عن ذلك
فقالت: سارَّني أنه يُقبَض في وجعه الذي توفي فيه، الحديث.
وفي رواية عائشة بنت طلحة من الزيادة: أنَّ عائشة لما رأت بكاءها وضحكها، قالت:
إن كنتُ لأظن أن هذه المرأة من (٣) أعْقل النساء، فإذا هي من النساء.
ويحتمل تعدد القصة، ويؤيده الجزم في رواية عروة بأنه ميت من وجعه ذلك، بخلاف
رواية مسروق، ففيها أنه ظن ذلك بطريق الاستنباط مما ذكره من معارضة القرآن. وقد يقال:
لا منافاة بين الخبرين إلَّ بالزيادة، ولا يمتنع أن يكون إخباره بأنها أول أهله لحوقاً به سبباً
(١) تحرفت في (س) إلى: واختلفا. بالتذكير.
(٢) يعني في بيان معنى قول النبي ◌َّ في خطبة الكسوف: ((لم أر منظراً كاليوم قطَّ أفظعَ)) من حديث ابن عباس
(١٠٥٢)، إذ هي هناك مثلها من حيث التقدير.
(٣) لفظة ((من)) سقطت من (س).

٧٥٢
باب ٨٢ / ح ٤٤٣٥-٤٤٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
لبكائها وضحكها معاً باعتبارين، فذكر كلٍّ من الراويَين ما لم يذكره الآخر. وقد روى
النسائي (ك٨٣٠٨) من طريق أبي سلمة عن عائشة في سبب البكاء أنه ميت، وفي سبب
الضحك الأمرين الآخرين. ولابن سعد من رواية أبي سلمة عنها (١): أن سبب البكاء موته،
وسبب الضحك أنها سيدة النساء. وفي رواية عائشة بنت طلحة عنها: أن سبب البكاء
موته، وسبب الضحك لحاقها به. وعند الطبراني(٢) (٢٢/ ١٠٣١) من وجه آخر عن عائشة: أنه
قال لفاطمة: ((إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المسلمين أعظم رزيّة(٣) منكِ، فلا تكوني
أدنى امرأة منهن صبراً».
وفي الحديث إخباره وَّليه بما سيقع فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة عليها السلام
كانت أول من مات من أهل بيت النبي وَلهم بعده، حتى من أزواجه.
٤٤٣٥- حدَّثني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سعدٍ، عن عُرْوةَ، عن
عائشةَ، قالت: كنتُ أسمَعُ أَنَّه لا يموتُ نبِيٌّ حَتَّى يُخِيَّرَ بينَ الُّنْيا والآخِرةِ، فسمعتُ النبيَّ نَله
يقول في مرضِه الذي ماتَ فيه - وأخَذَتْه بُحّةٌ - يقول: ((﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم﴾)) الآيَةَ
[مريم: ٥٨]، فظَنْتُ أنَّه خُيُّرَ.
[أطرافه في: ٤٤٣٦، ٤٤٣٧، ٤٤٦٣، ٤٥٨٦، ٦٥٠٩،٦٣٤٨]
٤٤٣٦- حدَّثنا مسلمٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سعدٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، قالت: لمَّا مَرِضَ
النبيُّ ◌َّهِ المرضَ الذي ماتَ فيه، جَعَلَ يقول: ((في الَّفِيقِ الأعلى)».
٤٤٣٧- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ
عائشةَ قالت: كان رسولُ الله ◌ِّهِ وهو صَحِيحٌ يقول: ((إنَّه لم يُقْبَض نبيٌّ قَطُّ، حتَّى يَرَى مَقْعَدَه
(١) كذا وقع في الأصلين و(س): رواية أبي سلمة عنها، والذي وقفنا عليه في ((الطبقات)) ٢٤٨/٢ باللفظ
المذكور إنما هو من حديث أم سلمة. وإذا كان كذلك فعزوه للترمذي أولى، إذ حديث أم سلمة فيه برقم
(٣٨٧٣).
(٢) تحرف في (س) إلى: الطبري.
(٣) تحرف في (ع) و(س) إلى: ذرية.

٧٥٣
باب ٨٢ / ح ٤٤٣٥-٤٤٣٧
كتاب المغازي
مِن الجنَّةِ، ثُمَّ يُحيّا؛ أو يُخِيََّ)) فلمَّا اشتكَى وحَضَرَه القَبْضُ، ورأسُه على فَخِذٍ عائشةَ، غُشَِ
عليه، فلمَّا أفاقَ شَخَصَ بَصَرُه نحوَ سَقْفِ البيتِ، ثمَّ قال: ((اللهمَّ في الرَّفِيقِ الأعلى)) فقلتُ:
إذاً لا يُجَاوِرُنا، فعَرَفْتُ أَنَّه حديثُه الذي كان يُحدِّثُنا وهو صحيحٌ.
الحديث السابع:
حديث عائشة، ذكره من طريق شُعْبة عن سعد: وهو ابن إبراهيم المذكور قبله. أورَدَه
عالياً مختصراً ونازِلاً تاماً، ثمَّ أورَدَه أتمّ منه من طريق الزُّهْريّ عن عُرْوة، فأمَّا الرِّواية
النازِلة فإنَّه ساقَها من طريق غُندَر/ عن شُعْبة، وأمَّا الرِّواية العاليَة فأخرجها عن مسلم: ١٣٧/٨
وهو ابن إبراهيم، ولَفظه مُغاير للرِّواية الأُخرى: قالت عائشة: لمَّا مَرِضَ النبيّ ◌َُّ
المرض الذي ماتَ فيه جَعَلَ يقول: ((الرَّفيق الأعلى))، وهذا القَدر ليس في رواية غُندَر منه
شيء، وقد وَقَعَ لي من طريق أحمد بن حَرْب عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاريّ فيه بزيادةٍ
بعد قوله: الذي قُبضَ فيه: أصابته بُحّة، فجَعَلت أسمَعه يقول: ((في الرَّفيق الأعلى، ﴿مَعَ
الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ))) الآية، قالت: فعَلمت أنَّه يُخِيَّر. فكأنَّ البخاريّ اقتَصَرَ
من رواية مسلم بن إبراهيم على موضع الزّيادة وهي قوله: ((في الرَّفيق الأعلى)) فإنّها ليست من
رواية غُندَر، وقد اقتَصَرَ الإسماعيليّ على تخريج رواية غُندَر دون رواية مسلم بن إبراهيم،
وأخرجه من طريق معاذ بن معاذ عن شُعْبة، ولَفظه: مثلُ غُندَر (١).
قوله: ((كنت أسمع أنَّه لا يموت نبيّ حتَّى يُخَّر)) بضمٍّ أوَّله وفتح الخاء المعجَمة، ولم
تُصَرِّح عائشة بذِكْر مَن سمعَت ذلك منه في هذه الرِّواية، وصَرَّحَت بذلك في الرّواية الَّتي
تَليها من طريق الزُّهْريّ عن عُرْوة عنها، قالت: كان رسول الله وَ ل وهو صحيح يقول:
((إنَّه لم يُقْبَض نبيّ قَطُّ حتَّى يَرِى مَقعَده من الجنَّة، ثمَّ يُحَيَّا أو يُخِيَّر)) وهو شَكّ من الراوي
هل قال: يُحَيَّ بضمِّ أوَّله وفتح المهمَلة وتشديد التَّحتانيَّة بعدها أُخرى، أو يُخْيَّر، كما في
رواية سعد بن إبراهيم، وعند أحمد (٢٤٤٥٤) من طريق المطَِّب بن عبد الله عن عائشة(٢):
(١) في (س): مثل غندر قولها. بزيادة لفظة: قولها، ولا معنى لها.
(٢) المطلب لم يدرك عائشة.

٧٥٤
باب ٨٢ / ح ٤٤٣٥-٤٤٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
أنَّ النبيّ وَّهكان يقول: ((ما من نبيّ يُقْبَض إلّا يُرى الثَّواب ثمَّ يُخْيَّر))، ولأحمد (١٥٩٩٦)
أيضاً من حديث أبي مُوَيِهِبةَ قال: قال لي رسول الله ◌َله: ((إنّي أُوتيت مفاتيح خزائن
الأرض والخُلْد ثمَّ الجنَّة، فخُيِّتُ بين ذلك وبين لقاء رَبّ والجنَّة، فاختَرت لقاء رَبِّ
والجنَّة)، وعند عبد الرَّزّاق (٢٠٠٣٤) من مُرسَل طاووس رَفَعَه: ((خُيِّرت بين أن أبقَی حتَّى
أَرَى ما يُفتَح على أمَّتي وبين التَّعجيل، فاختَرت التَّعجيل)).
تنبيه: فَهْمُ عائشة من قوله ◌َِّ: ((مع الرَّفيق الأعلى)) أنَّه خُيِّرَ، نَظِيرُ فَهْم أبيها تُ من
قوله وَّهِ: ((إنَّ عبداً خيَّره الله بين الدُّنيا وبين ما عنده فاختارَ ما عنده)) أنَّ العبد المراد: هو
النبيّ وَِّ، حتَّى بَكَى كما تقدَّم في مناقبه (٣٦٥٤).
قوله: ((وأخَذَتْه بُحّة)) بضمِّ الموخَّدة وتشديد المهمَلة: شيء يَعرِض في الحَلْق فيَتغيَّر له
الصَّوت، فَيَغلُظ، تقول: بَحِحْتُ بالكسرِ بَحّاً، ورجلٌ أبَحّ: إذا كان ذلك فيه خِلْقةً.
قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ في رواية المطَّلِب عن عائشة عند أحمد: فقال: ((معَ
الرَّفيق الأعلى ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَهِم مِّنَ النَّبِيْئِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ إلى قوله:
﴿رَفِيقًا﴾))، وفي رواية أبي بُرْدة بن(١) أبي موسى عن أبيه (٢) عند النَّسائيِّ (ك٧٠٦٧ و١٠٨٧٠)
وصَخَّحَه ابن حِبّان (٦٥٩١): فقال: ((أسأل الله الرَّفيق الأعلى الأسعد، معَ چِبريل وميكائيلَ
وإسرافيل)) وظاهره أنَّ الرَّفيق: المكان الذي تَحصُل المرافقة فيه معَ المذكورِينَ، وفي رواية
الزّهْريّ (٤٤٦٣): ((في الرَّفيق الأعلى))، وفي رواية عبّاد عن عائشة (٤٤٤٠) بعد هذا قال:
((اللهمَّ اغْفِر لي وارحَمني وألحِقني بالرَّفيقِ))، وفي رواية ذَكْوانَ عن عائشة (٤٤٤٩): فجَعَلَ
يقول: ((في الرَّفيق الأعلى)) حتَّى قُبِضَ، وفي رواية ابن أبي مُلَيكةً عن عائشة (٤٤٥١) وقال:
((في الرَّفيق الأعلى، في الرَّفيق الأعلى))، وهذه الأحاديث تَرُدّ على مَن زَعَمَ أنَّ((الرَّفيق)) تغيير
من الراوي، وأنَّ الصَّواب: الرَّقيع بالقاف والعين المهمَلة، وهو من أسماء السماء.
(١) تحرف في (س) إلى: عن.
(٢) كذا في الأصلين و(س)، وإنما هو من رواية أبي بردة عن عائشة، فلعله سبق قلم من الحافظ رحمه الله لأنَّ
أبا بردة عن أبيه طريق معهودة مسلوكة قد يسبق إليها القلمُ.

٧٥٥
باب ٨٢ / ح ٤٤٣٥-٤٤٣٧
كتاب المغازي
وقال الجَوْهريّ: الرَّفيق الأعلى: الجنَّة. ويُؤيِّده ما وَقَعَ عند ابن(١) إسحاق(٢): الرّفيق
الأعلى: الجنَّة. وقيلَ: بل الرَّفيق هُنا اسم جِنس يَشمَل الواحد وما فوقه، والمراد: الأنبياء
ومَن ذُكِرَ في الآية، وقد خُتِمَت بقوله: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، ونُكْتَة
الإتيان بهذه الكلمة بالإفرادِ الإشارة إلى أنَّ أهل الجنَّة يَدخُلوَها على قلب رجل واحد.
نَبَّهَ عليه السُّهَيليّ.
وزَعَمَ بعض المغاربة أنَّ يحتمل أن يُراد بالرَّفيق الأعلى: الله عزَّ وجلَّ، لأنَّه من أسمائه،
كما أخرج أبو داود (٤٨٠٧) من حديث عبد الله بن مُغفَّل رَفَعَه: ((إنَّ الله رَفيق يُحِبّ
الرِّفق))، كذا اقتَصَرَ عليه، والحديث عند مسلم (٢٥٩٣) عن عائشة فعَزوه إليه أولَى.
قال:/ والرَّفیق یحتمل أن یکون صفة ذات کالحكيم، أو صفة فعل. قال: ويحتمل أن يُراد به ١٣٨/٨
حَضْرة القُدس.
ويحتمل أن يُراد به الجماعة المذكورونَ في آية النِّساء، ومعنى كَوْنِهِم رَفيقاً تَعاوُنُهم على
طاعة الله وارتفاق بعضهم ببعضٍ، وهذا الثّالث هو المعتمَد، وعليه اقتَصَرَ أكثَر الشُّراح.
وقد غَلَّطَ الأَزهَريّ القول الأوَّل، ولا وجه لتَغليطِه من الجِهَة الَّتِي غَلَّطَه بها، وهو قوله:
((معَ الرَّفيق)) أو ((في الرَّفيق)) لأنَّ تأويله على ما يليق بالله سائغ.
قال السُّهَيليُّ: الحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة كَوْنها تَتَضَمَّن التوحيد
والذِّكر بالقلب، حتَّى يُستَفاد منه الرُّخصة لغيره أنَّه لا يُشتَرَط أن يكون الذِّكر باللِّسان،
لأنَّ بعض الناس قد يَمنَعه من النُّطْق مانعٌ، فلا يَضُرّه إذا كان قلبُه عامراً بالذِّكرِ. انتَهَى
مُلخَّصاً.
قوله: ((فظَنْتُ أَنَّه خُيِّ)) في رواية الزُّهْريّ: فقلت: إذاً لا يختارنا، فعَرَفت أنَّه حديثه
الذي كان يُحِدِّثنا وهو صحيح، وعند أبي الأسوَد في ((المغازي)) عن عُرْوة: أنَّ حِبْرِيل نزلَ
إليه في تلك الحالة فخيَّره.
(١) تحرفت في (س) إلى: أبي.
(٢) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٦٥١/٢ و ٦٥٤ -٦٥٥.

٧٥٦
باب ٨٢ / ح ٤٤٣٨-٤٤٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
تنبيه: قال السُّهَيلِيُّ: وجَدت في بعض كتب الواقديِّ أنَّ أوَّل كلمة تَكلَّمَ بها وَلِّ وهو
مُستَرضَع عند حَليمة: ((الله أكبر))، وآخِرِ كلمة تَكلَّمَ بها كما في حديث عائشة: ((في
الرَّفيق الأعلى))، وروى الحاكم (٣/ ٥٧) من حديث أنس: أنَّ آخِرِ ما تَكلَّمَ به: ((جَلَال
رَبِّ الرَّفیع)»(١).
٤٤٣٨ - حدَّثني محمَّدٌ، حدَّثنا عَفّانُ، عن صَخْرِ بنِ جُوَيرِيةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ،
عن أبيه، عن عائشةَ: دَخَلَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي بَكْرٍ على النبيِّ بَِّ، وأنا مُسْنِدَتُه إلى صَدْري،
ومَعَ عبدِ الرَّحمنِ سواكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ به، فأبدَّه رسولُ اللهِّهِ بَصَرَه، فأخَذْتُ السِّواكَ فقَضِمتُه
ونَفَضْتُهُ وطَّتُه، ثمَّ دَفَعْتُه إلى النبيِّ وَّةِ، فاستَنَّ به، فما رأيتُ رسولَ الله ◌َّهِ استَنَّ اسْتِناناً فَطُّ
أحسنَ منه، فما عَدا أن فَرَغَ رسولُ اللهِوَّهِ رَفَعَ يدَه - أو إصْبَعَه - ثمّ قال: ((في الرَّفِيقِ الأعلى))
ثلاثاً، ثمَّ قَضَى. وكانت تقولُ: ماتَ بينَ حاقِتَتِي وذاقِنَتِي.
٤٤٤٠ - حدَّثنا (٢) مُعَلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مُخْتَارٍ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن
عبّادِ بنِ عبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ، أنَّ عائشةَ أخبَرَتْه: أنََّا سَمِعَت رسولَ الله وَّةِ، وأَصْغَت إليه قبلَ أن
بموتَ، وهو مُسْنِدٌ إِلَيَّ ظَهْرَه، يقول: ((اللهمَّ اغفر لي وارَمْني، وأُحِقْني بالَّفِيقِ)).
[طرفه في: ٥٦٧٤]
الحديث الثامن: حديث عائشة في السواك.
قوله: ((حدَّثني محمَّد)) جَزَمَ الحاكم بأنَّه محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيّ، وسَقَطَ عند ابن السَّكَن،
فصارَ من رواية البخاريّ عن عَفّانَ بلا واسطة، وعَفّانُ من شيوخ البخاريّ قد أخرج عنه
بلا واسطة قليلاً، من ذلك في كتاب الجنائز (١٣٦٨).
(١) وقد خطأ الحاكم هذه الرواية بحديث أنس الثابت عند أحمد (١٢١٦٩) وابن ماجه (٢٦٩٧): أنَّ آخر
وصية رسول الله وَ ﴿ حين حضره الموت: ((الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم)) وما زال يغرغر بها في
صدره، وما يُفِيص (بالمهملة، أي: ما يُبين) بها لسانه، وبحديث عائشة هذا.
(٢) جاء قبل هذا الحديث في غير رواية أبي ذر الهروي حديث عائشة في نفئه وله وقراءته بالمعوذات على نفسه
إذا اشتكى، وهو رابع أحاديث الباب في ترتيب أبي ذر الهروي الذي اعتمده الحافظ رحمه الله، ولهذا
قدَّمناه.

٧٥٧
باب ٨٢ / ح ٤٤٣٨-٤٤٤٠
كتاب المغازي
قوله: ((ومعَ عبد الرّحمن سواكٌ رَطْبٌ)) في رواية ابن أبي مُلَيكةً عن عائشة (٤٤٥١): ومرَّ
عبد الرَّحمن وفي يده جَريدة رَطبة، فَنَظَرَ إليهِ، فظَنَنت أنَّ له بها حاجة، فأخَذتها فمَضَغت
رأسَها ونَفَضتها فدَفَعتها إليه.
قوله: (يَسْتَنّ به)) أي: يَستاك. قال الخَطّابيُّ: أصله من السَّنّ، أي: بالفتح، ومنه المِسَنّ الذي
يُسَنّ عليه الحدید.
قوله: «فَأَبَدَّهُ)) بتشديد الدّال، أي: مَدّ نظره إليهِ، يقال: أَبْدَدْتُ فلاناً النَّظَرَ: إذا طَوَّلْتَه
إليهِ. وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: فأمَدَّه. بالميمِ.
قوله: ((فقَضِمْتُه) بفتح القاف وكسر الضّاد المعجَمة، أي: مَضَغته، والقَضم: الأخذ
بطَرَفِ الأسنان، يقال: قَضِمَت الدّابّة - بكسرِ الضّاد - شَعِيرَها تَقضَم - بالفتح -: إذا
مَضَغَته. وحَكَى عياض أنَّ الأكثر رَوَوه بالصّادِ المهملة، أي: گَسَرتُه أو قَطَعتُه، وحَگی ابن
التِّين رواية بالفاءِ والمهمَلة، قال المحِبّ الطََّرَيُّ: إن كان بالضّادِ المعجَمة فيكون قولها:
فطَيَّتُه، تَكراراً،/ وإن كان بالمهمَلة فلا، لأنَّه يصير المعنى: كَسَرتُه لطوله، أو لإزالة المكان ١٣٩/٨
الذي تَسوَّكَ به عبد الرّحمن، قوله: ثمَّ لَيَّنته ثمَّ طَيَّبته، أي: بالماءِ، ويحتمل أن يكون طيِّتُه
تأكيداً للَّنْتُهُ(١)، وسيأتي (٤٤٤٩) من رواية ذَكْوانَ عن عائشة: فقلت: آخذه لك؟ فأومأ
برأسِه: أن نعم، فتَناوَلتُه فأدخَلتُه في فيه فاشتَدَّ، فَتَنَاوَلتُه فقلت: أُلَيِّنْه لك؟ فأومأ برأسِه أن
نعم. ويُؤخَذ منه العَمَل بالإشارة عند الحاجة إليها، وقوّة فِطْنة عائشة.
قوله: ((ونَفَضْتُه)) بالفاءِ والضّاد المعجمة.
وقوله: ((فما عَدا أن فرَغَ)) أي: من السِّواك.
قوله: ((وكانت تقول: ماتَ ورأسه بين حاقِنَتَي وذاقِنَتي)) وفي رواية ذَكْوانَ عن عائشة:
تؤُفَّ في بيتي، وفي يومي، وبين سَحْري ونَحْري، وإِنَّ الله جَمَعَ ريقي وريقه عند موته. وفي
(١) لفظ التليين لم يرد في هذه الرواية، ولكنه ورد في رواية ذكوان عن عائشة، الآتية برقم (٤٤٤٩)، وأشار
إليها الحافظ هنا، فالظاهر أنَّ كلام المحب الطبري على مجموع هذه الروايات معاً.

٧٥٨
باب ٨٢ / ح ٤٤٣٨- ٤٤٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
رواية ابن أبي مليكة عنها: وجمع الله بين ريقي وريقه في آخِر يوم من الدُّنيا وأول يوم من
الآخرة. والحاقنة، بالمهمَلة والقاف: ما سَفَلَ من الذَّقَن، والذّاقنة: ما عَلا منه. أو الحاقنة: ثُغْرة
التَّرْقُوة من الصدر (١)، وهما حاقِتَتَان. ويقال: إنَّ الحاقِنة المطمَئِن من التَّرْقُوة والحَلْق. وقيلَ:
ما دون التَّرْقُوة من الصَّدر. وقيل: هي تحت السُّرّة. وقال ثابت: الذّاقِنة: طَرَف الحُلقوم.
والسَّحْر، بفتح المهمَلة وسكون الحاء المهمَلة: هو الصَّدر، وهو في الأصل الرِّئة. والنَّحر،
بفتح النُّون وسكون المهمَلة، والمراد به: موضع النَّحر. وأغرَبَ الدّاووديُّ فقال: هو ما بين
النَّدَيَينِ. والحاصل أنَّ ما بين الحاقنة والذّاقِنة هو ما بين السَّحْر والنَّحْرِ، والمراد أنَّه ماتَ ورأسه
بين حَنْكها وصَدْرِها وَّ﴿ ورضي عنها. وهذا لا يُغاير حديثها الذي قبل هذا أنَّ رأسه كان على
فخِذها، لأنّه محمول على أنَّهَا رَفَعَته من فخذها إلى صدرها.
وهذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم (٢) وابن سعد (٢٦٢/٢ -٢٦٣) من طرق: أنَّ
النبيّ ◌ََّ ماتَ ورأسه في حِجْر عليّ. وكلّ طريق منها لا يخلو من شيعيّ، فلا يُلتَفَت إليهم.
وقد رأيت بيان حال الأحاديث الَّتي أشرت إليها دَفعاً لتَوهُّمِ التَّعَصُّب: قال ابن سعد:
ذكر مَن قال: تؤُنّيَ في حِجر عليّ. وساقَ من حديث جابر: سألَ كعبُ الأحبار عليّاً: ما كان
آخر ما تَكلَّمَ به ◌َّهَ؟ فقال: أسنَدتُه إلى صَدْري، فَوَضَعَ رأسه على مَنكِبي، فقال: ((الصَّلاةَ
الصَّلاةَ)) فقال كعب: كذلك آخِرِ عَهد الأنبياء. وفي سنده الواقديُّ وحَرام بن عثمان، وهما
مترو کان.
وعن الواقديِّ عن عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ عن أبيه عن جَدّه قال: قال
رسول الله وَلّ في مرضه: ((ادعوا إليَّ أخي)) فدُعيَ له عليّ: فقال: ((ادنُ منِّي)) قال: فلم يزل
مُستَنِداً إليّ، وإِنَّه ليُكلِّمني حتَّى نزلَ به. وثَقُلَ في حِجري، فصِحتُ: يا عبَّاس، أدرِكني فإنّ
هالك، فجاء العبَّاس، فكان جُهدهما جميعاً أن أضجَعاه. فيه انقطاع معَ الواقديِّ، وعبد الله
فیه لین.
(١) قوله: ((من الصدر)) أثبتناه من (أ).
(٢) هو في كتاب ((الإكليل)) كما سيصرح بذلك الحافظ قريباً.

٧٥٩
باب ٨٢ / ح ٤٤٣٨-٤٤٤٠
كتاب المغازي
وبه عن أبيه عن عليّ بن الحسين: قُبضَ ورأسه في حِجر عليّ. فيه انقطاع.
وعن الواقديِّ عن أبي الحُوَيرِثِ عن أبيه عن الشَّعبيّ: ماتَ ورأسه في حِجر عليّ. فيه
الواقديُّ والانقطاع، وأبو الحَوَيرِثِ اسمه: عبد الرَّحمن بن معاوية بن الحارث المدنيّ، قال
مالك: ليس بثقةٍ، وأبوه لا يُعرَف حاله.
وعن الواقديِّ عن سليمان بن داود بن الحُصَين عن أبيه عن أبي غَطَفانَ، سألت ابن
عبَّاس قال: تُؤُثّيَ رسول الله وَّل وهو إلى صَدر عليّ، قال: فقلت: فإنَّ عُرْوة حدَّثني عن
عائشة قالت: تُوُثَّ النبيّ ◌َّه بين سَحْري ونَحْري، فقال ابن عبّاس: لقد توقَّ وإنَّه لَمُستَيْد
إلى صَدر عليّ، وهو الذي غَسَّلَه وأخي الفضل، وأبَى أبي أن يحضُر. فيه الواقديّ، وسليمان
لا يُعرَف حاله، وأبو غَطَفانَ، بفتح المعجَمة ثمَّ المهمَلة اسمه: سعد، وهو مشهور بكُنْتِهِ،
وثَّقه النَّسائيّ.
وأخرج الحاكم في ((الإكليل)) من طريق حَبّة العُرَبيِّ(١) عن عليّ: أسنَدته إلى صدري، فسالَت
نفسه. و حبّة ضعيف.
ومن حديث أمّ سَلَمةَ قالت: عليّ آخرهم عَهداً برسولِ الله ◌ِه.
والحديث عن عائشة أثبت من هذا، ولعلَّها أرادَت آخِرِ الرِّجال به عَهداً. ويُمكِن
الجمع بأن يكون عليّ آخرَهم عَهداً به، وأنَّه لم يُفارقه حتَّى مالَ، فظنّ أنَّه ماتَ ثمَّ أفاقَ بعد
أن تَوَجَّهَ فأسنَدَتْه عائشة بعده إلى صَدرها فقُبضَ.
ووَقَعَ عند أحمد (٢٥٨٤١) من طريق يزيد بن بابَنُوس، / بموخَّدتَينِ بينهما ألف غير ١٤٠/٨
مَهموز وبعد الثّانية المفتوحة نون مضمومة ثمَّ واو ساكنة ثمَّ سين مُهمَلة، في أثناء حديث:
فبينما رأسه ذات يومٍ على مَنكِيي إذ مالَ رأسه نَحو رأسي، فظَنَت أنَّه يريد من رأسي حاجة،
فخرجت من فيه نُقطة باردة فوَقَعَت على ثُغرة نَحْري، فاقشَعَرَّ لها جِلدي، وظَنَنت أنَّه
غُشِيَ عليه، فسَجَّيته ثوباً.
(١) تحرف في (س) إلى: العدني.

٧٦٠
باب ٨٢ / ح ٤٤٤١ - ٤٤٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
٤٤٤١- حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن هلالِ الوَزّان، عن عُرْوةَ بنِ
الزُّبَيرِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قال النبيُّ ◌َّ في مرضِه الذي لم يَقُم مِنْه: ((لَعن الله
اليهودَ! اَّخذوا قُبُورَ أنبيائهم مَساجِدَ)) قالت عائشةُ: لولا ذلك، لأَبْرِزَ قَبْرُه، خَشِيَ أن يُتَّخَذَ
مسجداً.
٤٤٤٥- أخبرني عُبِيدُ الله، أنَّ عائشةَ قالت: لقد راجَعْتُ رسولَ اللهِ وَلَ في ذلك، وما
حَلَني على كَثْرةِ مُراجَعَتِهِ، إلا أنَّه لم يَقَع في قَلْبِي أن تُحِبَّ الناسُ بعدَه رجلاً قامَ مقامَه أبداً، ولا
كنتُ أُرَى أَنَّه لَن يقومَ أحدٌ مقامَه، إلا تشاءَمَ الناسُ به، فَأرَدْتُ أن يَعْدِلَ ذلك رسولُ الله ◌ِه
عن أبي بكرٍ.
رواه ابنُ عمَرَ وأبو موسى وابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهم، عن النبيِّ ◌َّ.
الحديث التاسع:
حديث النَّهي عن اتّخاذ القُبور مَساجِد، تقدَّم شرحه في المساجِد من كتاب الصَّلاة
(٤٣٥ -٤٣٧)، وفي كتاب الجنائز (١٣٣٠).
٤٤٤٦ - حدَّثنا (١) عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، قال: حدَّثني ابنُ الهادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ
ابنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: ماتَ النبيُّمِ له وإنَّه لَبينَ حَاقِتَتِي وذاقِتَتَي، فلا أكرَه
شِدّةَ الموتِ لأحدٍ أبداً بعدَ النبيِّ وَله .
الحديث العاشر:
قولها: ((فلا أكرَه شِدّة الموت لأحدٍ أبداً بَعْد النبيّ(وَ)) سيأتي بيان الشِّدّة المذكورة في
الحديث الآتي أواخر الباب من رواية ذَكْوانَ عن عائشة، ولَفظه: بين يَدَيه رَكوة - أو عُلبة -
بها ماءٌ، فجَعَلَ يُدخِلِ يَدَيه في الماء فيَمسَح بها وجهه يقول: ((لا إله إلّا الله، إنَّ للموتِ
لَسَكَرات)). وعند أحمد (٢٤٣٥٦)، والتِّرمِذيّ (٩٧٨)، وغيرهما (٢) من طريق القاسم عن
(١) كذا جاء هذا الحديث هنا في ترتيب رواية أبي ذر الهروي التي اعتمدها الحافظ في «شرحه)»، وجاء في رواية غير
أبي ذر مؤخراً إلى ما بعد الأحاديث الثلاث التالية.
(٢) وأخرجه أيضاً ابن ماجه (١٦٢٣)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٧٠٦٤).