النص المفهرس
صفحات 721-740
٧٢١ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ كتاب المغازي ١٢١/٨ نَبیط/ بن هانب بن أُمیم بن لاوِذ بن سام بن نوح. قوله: ((من مَلِك غَسّان)) بغين معجمة وسين مُهمَلة ثقيلة: هو جبلةُ بن الأيهم، جَزَمَ بذلك ابن عائذ، وعند الواقديِّ: الحارث بن أبي شَمِر، ويقال: جبلةُ بن الأيهم، وفي رواية ابن مَردويه: فكَتَبَ إليَّ كتاباً في سَرَقٍ من حَریر. قوله: ((ولم يَجَعَلْك الله بدار هَوَان ولا مَضْيَعة)) بسكونِ المعجَمة ويجوز كسرها، أي: حيثُ يَضيعِ حَقَّك، وعند ابن عائذ: فإنَّ لك مُتَحوَّلاً. بالمهمَلة وفتح الواو، أي: مكاناً تَتَحوَّل إليه. قوله: ((فالحَق بنا نُواسِك)) بضمِّ النُّون وكسر المهمَلة: من المواساة، وزاد في رواية ابن أبي شَيْبة: في أموالنا. فقلت: إنّا لله، قد طَمِعَ فيَّ أهل الكفر. ونَحوه لابنِ مَردويه. قوله: ((فَتَمَّمْت)) أي: قَصَدت، والتّنور: ما يُبَز فيه. وقوله: ((فسَجَرته)) بسينٍ مُهمَلة وجيم، أي: أوقَدته، وأنَّثَ الكتاب على معنى الصَّحيفة. وفي رواية ابن مَردويه: فَعَمَدت بها إلى تَنّورِ فسَجَرته بها. ودَلَّ صَنيع كعب هذا على قوّة إيمانه ومَحَبَّته لله ولِرسولِهِ، وإلّا فمَن صارَ في مِثل حاله من الهَجر والإعراض قد يَضعُف عن احتمال ذلك، وتَحمِله الرَّغبة في الجاه والمال على هِجران مَن هَجَرَه، ولا سيَّمَا معَ أمنِه من الملِك الذي استَدعاه إليه أنَّه لا يُكرهه على فِراق دينه، لكن لمَّ احتُمِلَ عنده أنَّه لا يأمَن من الافتِتان حَسَمَ المادّة وأحرَقَ الكتاب ومَنَعَ الجواب، هذا معَ كَوْنه من الشُّعَراء الذينَ طُبعَت نفوسهم على الرَّغبة، ولا سيّما بعد الاستدعاء والحَثّ على الوصول إلى المقصود من الجاه والمال، ولا سيَّما والذي استَدعاه قريبه ونَسيبه، ومع ذلك فغَلَبَ عليه دِينُهُ وقَويَ عنده يقينُهُ، وَرَجَّحَ ما هو فيه من النَّكَد والتَّعذيب على ما دُعيَ إليه من الرّاحة والنَّعيم، حُبّاً في الله ورسوله، كما قال ◌َ له: ((وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما))(١). وعند ابن عائذ: أنَّه شا حاله إلى رسول الله بَّه وقال: ما زالَ إعراضُك عنِّي حتَّى رَغِبَ فيَّ أهل الشِّرك. (١) سلف برقم (١٦). ٧٢٢ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إذا رسولُ رسولِ الله وَلَّه)) لم أَقِفْ على اسمه، ثمَّ وجَدت في رواية الواقِديِّ: أنَّه خُزيمةُ بن ثابت، قال: وهو الرَّسول إلی هِلال ومُرارة بذلك. قوله: ((أن تَعْتَزِل امرأتَك)) هي عُمَيرةُ بنت جُبَير بن صخر بن أُميَّة الأنصاريَّة أمّ أولادِه الثلاثة عبد الله وعُبيد الله ومَعْبَد، ويقال: اسم امرأته الَّتي كانت يومئذٍ عنده خَيْرةُ، بالمعجَمة المفتوحة ثمَّ التَّحتانيَّة. قوله: ((الحَقي بأهلِك فتكوني عندهم حتَّى يَقْضِيَ اللهُ)) زاد النَّسائيُّ (٣٤٢٥) من طريق مَعِقِل بن عُبيد الله عن الزُّهْريّ: فلَحِقَت بهم. قوله: ((فجاءت امرأة هلال)) هيَ خَولة بنت عاصم. قوله: ((فقال لي بعض أهلي)) لم أقِفْ على اسمه، ويُشكِل معَ نَهي النبيّ ◌َّهِ عن كلام الثلاثة، ويُجاب بأنَّه لعلَّه بعض ولده أو من النِّساء، ولم يقع النَّهي عن كلام الثلاثة للنِّساءِ اللّاتي في بيوتهم، أو الذي كَلَّمَه بذلك كان مُنافقاً، أو كان ممَّن يَخْدُمه ولم يَدخُل في النَّهي. قوله: ((فأوْقَى(١)) بالفاءِ مقصور، أي: أشرَفَ واطَّلَعَ. قوله: ((على جبل سَلْع)) بفتح المهمَلة وسكون اللّام. وفي رواية مَعمَر: من ذُروة سَلْع. أي: أعلاه، وزاد ابن مَردَويه: وكنت ابتَنَيت خَيمةً في ظَهر سَلْع فكنت أكون فيها. ونَحوه لابنٍ عائذ، وزاد: أكون فيها نهاراً. قوله: ((يا كعبَ بنَ مالك أبشِرْ)) في رواية عمر بن كثير عن كعب عند أحمد (١٥٧٧١): إذ سمعت رجلاً على الثَّنيَّة يقول: كعباً كعباً، حتَّى دَنا مِنِّي، فقال: بَشِّروا كعباً. قوله: ((فخَرَرْت ساجِداً، وقد عَرَفْت أَنَّه جاء فَرَجٌ)) وعند ابن عائذ: فخَرَّ ساجداً يبكي فَرِحاً بالتوبة. قوله: ((وآذَنَ)) بالمدِّ وفتح المعجَمة، أي: أعلمَ، وللكُشْمِيهنيِّ: بغير مَدّ وبالكسرِ. ووَقَعَ (١) كذا في الأصلين و(س): فأوفى، بزيادة الفاء أوله، وليست في شيء من روايات البخاري حسب ما في اليونينية و((إرشاد الساري)). ٧٢٣ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ كتاب المغازي في رواية إسحاق بن راشد، وفي رواية مَعمَر: فأَنزَلَ الله تَوبَتنا على نبيّه حين بَقيَ الثُّلث الأخير من اللَّيل، ورسول الله وَِّ عند أمّ سَلَمةَ، وكانت أمّ سَلَمةَ مُحسِنَةً في شأني مُعتَنِيةً بأمري، فقال: ((يا أمّ سَلَمةَ تِيبَ على كعب)) قالت: أفَلا أُرسِل إليه فأُبَشِّره؟ قال: ((إذاً تَحِطِمَكم الناس، فَيَمنَعوكُم النَّوم سائرَ / اللَّيلة، حتَّى إذا صَلَّى الفجر آذَنَ بتَوبة الله علينا. ١٢٢/٨ قوله: ((وَرَكَضَ إليَّ رجل فَرَساً) لم أقِفْ على اسمه، ويُحتمل أن يكون هو حمزة بن عَمْرو الأسلميّ. قوله: ((وسَعَى ساعٍ من أسلَمَ) هو حمزة بن عَمْرو، رواه الواقديّ، وعند ابن عائذ: أنَّ اللَّذَينِ سَعَيا أبو بكر وعمر، لكنَّه صَدَّرَه بقوله: زَعَموا، وعند الواقديِّ: وكان الذي أوفَ على سَلْع أبا بكر الصِّدّيق فصاحَ: قد تابَ الله على كعب، والذي خرج على فرَسه الزُّبَير بن العَوّام. قال: وكان الذي بَشَّرَنِي فَنَزَعت له ثوبيَّ حمزة بن عَمْرو الأسلَميّ. قال: وكان الذي بَشَّرَ هلال بن أُميَّ بتَويَتِه سعيد بن زيد. قال: وخَرَجت إلى بني واقِفٍ فَبَشَّرته فسَجَدَ. قال سعيد: فما ظننتُ يَرفَع رأسه حتَّى تَخرُج نفسه. يَعني: لمَا كان فيه من الجَهد. فقد قيلَ: إِنَّه امتَنَعَ من الطَّعام حتَّى كان يواصل الأيام صائماً ولا يَفتُّر من البُكاء. وكان الذي بَشَّرَ مُرارة بتَويَتِه سِلْكان بن سَلامة أو (١) سَلَمَةَ بن سَلامة بن وَقْش. قوله: ((والله ما أملِك غيرهما يومئذٍ)) يريد من چِنس الثّياب، وإلّا فقد تقدَّم أنَّه كان عنده راحلَتان، وسيأتي أنَّه استأذَنَ أن يَخْرُج من ماله صَدَقة. ثمَّ وجَدت في رواية ابن أبي شَيْبة التَّصريح بذلك ففيها: ووالله ما أملك يومئذٍ ثوبينٍ غیرهما. وزاد ابن عائذ من وجه آخر عن الزُّهْرِيّ: فلَبسهما. قوله: ((واستَعَرْت ثَوْبينٍ)) زاد في رواية الواقديِّ: من أبي قَتَادة. قوله: ((وانطَلَقْت إلى رسول الله مَّ) في رواية مسلم (٥٣/٢٧٦٩): فانطَلَقت أتأمَّم رسولَ الله وَلّ. (١) كذا وقع في الأصلين و(س)، وكذا في ((عمدة القاري)): أو سلمة، بالشك، والذي في ((مغازي الواقدي)) ٣/ ١٠٥٤ أنَّ كليهما بشَر مُرارةَ، فالصواب أن يجمع بينهما بالواو. ٧٢٤ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فَوْجاً فَوْجاً)) أي: جماعة جماعة. قوله: ((لِيَهْنِكَ)) بكَسْرِ النّونِ، وَزَعَمَ ابن التِّين أنَّه بفتحها، بل قال السَّفاقُسيُّ: إنَّه أصوَب، لأنَّه من الهناء، وفيه نظر. قوله: (ولا أنْساها لطَلْحَةَ)) قالوا: سبب ذلك أنَّ النبيّ وَلِّ كان آخرى بينه وبين طلحة لمَّا آخَى بين المهاجِرِينَ والأنصار، والذي ذكره أهل المغازي أنَّه كان أخا الزُّبَير، لكن كان الزُّبَير أخا طلحة في أُخوّة المهاجِرِينَ فهو أخو أخيه. قوله: ((أبشِر بخيرٍ يوم مرَّ عليك منذُ ولدَتْك أمّك)) استُشكِلَ هذا الإطلاق بيومٍ إسلامه، فإنَّه مرَّ عليه بعد أن ولدَته أمّه وهو خير أيامه، فقيلَ: هو مُستَئِنَّى تقديراً وإن لم يَنطِقِ به لَعَدَمِ خَفائِهِ، والأحسن في الجواب أنَّ يوم تَوبَته مُكَمِّل ليومٍ إسلامه، فيوم إسلامه بداية سَعادَته ويوم تَوبَته مُّكَمِّل لها فهو خير من جَميع أيامه، وإن كان يومُ إسلامه خيرَها، فيومُ تَوبَته المضاف إلى إسلامه خيرٌ من يوم إسلامه المجَرَّد عنها. والله أعلم. قوله: ((قال: لا، بل من عند الله)) زاد في رواية ابن أبي شَيْبة: ((إنَّكُمْ صَدَقتُم الله فصَدَقَكُم)). قوله: ((حَتَّى كأَنَّه قِطْعة قَمَر)) في رواية إسحاق بن راشد في التَّفسير (٤٦٧٧): حتَّى كأنَّه قِطعة من القمر. ويُسأل عن السِّ في التَّقييد بالقِطعة معَ كَثْرة ما وَرَدَ في كلام البُلَغاء من تشبيه الوجه بالقمرِ بغير تقييد، وقد تقدَّم في صفة النبيّ وَّ تشبيههم له بالشمس طالعة وغير ذلك(١)، وكان كعب بن مالك قائل هذا من شُعَراء الصَّحابة وحاله في ذلك مشهور، فلا بُدّ في النَّقیید بذلك من حِكمة. وما قيلَ في ذلك من الاحتراز من السَّواد الذي في القمر ليس بقويٌّ، لأنَّ المراد بتشبيهِهِ ما في القمر من الضّياء والاستنارة، وهو في تمامه لا يكون فيها أقلّ ممّا في القِطعة المجَرَّدة. وقد ذكرت في صفة النبيّ وَّ بذلك توجيهات: ومنها أنَّه للإشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجَبين، وفيه يَظهَر السُّرور كما قالت عائشة: مسروراً تَبرُق أسارير وجهه (٢). فكأنَّ التَّشبيه وَقَعَ على بعض الوجه فناسَبَ أن يُشَبَّه ببعضِ القمر. (١) أوردها في شرحه على الحديث رقم (٣٥٥٢). (٢) تقدم برقم (٣٥٥٥). ٧٢٥ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ كتاب المغازي قوله: «و کنّا نَعْرِف ذلك منه» في رواية الگُشْمِیھنيِّ: فیه. وفیه ما کان النبيّ ◌َّ عليه من كمال الشَّفَقة على أمَّته والرَّأفة بهم والفَرَح بما يَسُرّهم. وعند ابن مردويه(١) من وجه آخر عن كعب بن مالك: لمَّ نزلت تَوبَتي أتيت النبيّ وَِّ، فَقَبَّلت يده ورُكبته. قوله: ((إنَّ من تَوْبَتي أن أنْخَلِع من مالي)) أي: أخرج من جَميع مالي. قوله: (صَدَقَةً)) هو مصدر في موضع الحال، أي: متصدِّقاً، أو ضَمَّنَ أنخَلِع معنى أتصَدَّق، وهو مصدر أيضاً. وقوله: ((أمسِكْ علیك بعض مالك، فهو خير لك))/ في رواية أبي داود (٣٣٢١) عن كعب أنَّه ١٢٣/٨ قال: إنَّ من تَوبَتي أن أخرُجَ من مالي كلِّه إلى الله ورسوله صَدَقة، قال: ((لا)) قلت: نصفه، قال: ((لا)) قلت: فثُلُته، قال: ((نعم). ولابنِ مَرْدويه من طريق ابن عُيَينَةَ عن الزُّهْريّ: فقال النبيّ ◌َلّ. (يُجزىء عنك من ذلك الثُّلث)). ونَحوه لأحمد (١٥٧٥٠) في قِصّة أبي لُبابة حين قال: إنَّ من تَوبَتي أن أنخَلِع من مالي كلّه صَدَقة لله ورسوله، فقال النبيّ وَّ: ((يُجزىء عنك الثُّلث)). قوله: ((فوالله ما أعلم أحداً من المسلمينَ أبلاه الله)) أي: أنعَمَ عليه. وقوله: ((في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسولِ الله ◌َّةٍ أحسن ممّا أبلاني)) وكذلك قوله بعد ذلك: ((فوالله ما أنعَمَ الله عليَّ من نِعمةٍ قَطَّ بعد أن هَداني إلى الإسلام أعظَمَ من صِدقي لرسولِ الله ◌ِّر)) ففي قوله: أحسن وأعظَم، شاهد على أنَّ هذا السّياق يُورَد ويُراد به نفي الأفضليَّة لا المساواة، لأنَّ كعباً شارَكَه في ذلك رَفيقان، وقد نَفَى أن يكون أحد حَصَلَ له أحسن ممّا حَصَلَ له، وهو كذلك، لكنَّه لم يَنْفِ المساواة. قوله: ((أن لا أكون كَذَبْته)) ((لا)) زائدة، كما نَبَّهَ عليه عياض. قوله: ((وكنَّا تُخُلِّفْنا)) بضمٍّ أوَّله وكسر اللّام(٢)، وفي رواية مسلم وغيره: خُلِّفنا، بضمِّ المعجَمة من غير شيء قبلها. (١) وهو أول حديث ذكره ابن المقرئ في ((تقبيل اليد))، وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك الحديث. (٢) كذا ضبطه الحافظ رحمه الله، وهو خلاف ما في اليونينية، حيث ضُبط بفتح أوله وثانيه وثالثه على البناء للفاعل. ٧٢٦ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وأرجَأَ)) مهموزاً، أي: أخَّرَ، وزناً ومعنّى، وحاصله أنَّ كعباً فَسَّرَ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثََّاشَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨] أي: أُخّروا حتَّى تَابَ الله عليهم، لا أنَّ المراد أنَّهم خُلِّفوا عن الغَزو، وفي ((تفسير عبد الرَّزّاق)) (١ /٢٩٠) عن مَعمَر عَمَّن سمعَ عِكْرمة في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِّقُواْ﴾ قال: خُلِّفوا عن التوبة. ولابنِ جَرِير (٥٦/١١) من طريق قَتَادة نحوه. قال ابن جَرِير: فمعنى الكلام: لقد تابَ الله على الذينَ أُخِّرَت توبتهم. وفي قِصّة كعب من الفوائد غير ما تقدَّم: جواز طَلب أموال الكفّار من ذَوي الحرب. وجواز الغَزو في الشَّهر الحرام. والتَّصريح بجهة الغَزو إذا لم تَقْتَضِ المصلحة سَتْرَه. وأنَّ الإمام إذا استَنفَرَ الجيش عُموماً لَزِمَهم النَّفير ولَحِقَ اللَّوم بكلّ فرد فرد أن لو تَخَلَّفَ. وقال السُّهَيليُّ: إنَّما اشتَدَّ الغضب على مَن تَخَلَّفَ وإن كان الجهاد فرضَ كِفاية لكنَّه في حَقّ الأنصار خاصّةً فرض عين، لأنَّهم بايعوا على ذلك، ومصداق ذلك قولهم وهم يَحِفِرونَ الخندق: نحنُ الذينَ بايعوا محمَّدا على الجِهاد ما بَقِينا أبدا فكان تَّخُلُّفهم عن هذه الغزوة كبيرةً لأنَّها كالنَّكثِ لبيعَتِهم. كذا قال ابن بَطّال، قال السُّهَيلُّ: ولا أعرِف لها وجهاً غير الذي قال. قلت: وقد ذكرت وجهاً غير الذي ذكره ولعلَّه أقعَد، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿ مَاكَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ﴾ الآية [التوبة: ١٢٠]. وعند الشّافعيّة وجهُ أنَّ الجهاد كان فرضَ عين في زمن النبيّ ◌َِّ. فعلى هذا فيَتَوجَّه العِتاب على مَن تَخَلَّفَ مُطلَقاً. وفيها أنَّ العاجِز عن الخروج بنفسِه أو بماله لا لَوم عليه. وفيها استخلاف مَن يقوم مقام الإمام على أهله والضَّعَفة. وفيها تَرك قتل المنافقينَ، ويُستَنَبَط منه تَرك قتل الزِّنديق إذا أظهَر التوبة، وأجابَ مَن أجازَه بأنَّ التَّرك كان في زمن النبيّ وَلِّ لمصلَحة التَّأليف على ٧٢٧ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ كتاب المغازي الإسلام. وفيها عِظَم أمر المعصية، وقد نَبََّ الحسن البصريّ على ذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم عنه (١٩٠٤/٦)، قال: يا سبحان الله ما أكَلَ هؤلاءِ الثلاثة مالاً حَراماً، ولا سَفَكوا دَماً حَراماً، ولا أفسَدوا في الأرض، وأصابهم ما سمعتُم وضاقَت عليهم الأرض بما رَحُبَت، يعني: فكيف بمَن يواقع الفواحش والكبائر؟! وفيها أنَّ القويّ في الدّين يُؤاخَذ بأشدَّ ممّا يُؤاخَذ الضَّعيف في الدّين. وجواز إخبار المرء عن تقصيره وتَفريطه وعن سبب ذلك، وما آلَ إليه أمره تَحذيراً ونَصيحة لغيرِهِ، وجواز مَدح المرء بما فيه من الخير إذا أَمِن الفتنة. وتَسلية نفسه بما لم يَحَصُل له بما وَقَعَ لنَظِيرِهِ. وفضل أهل بدر والعَقَبة. والحَلِفِ للتَّأكيدِ من غير استحلاف. والتورية عن المقصِد. ورَدّ الغيبة. وجواز تَرك وَطْء الزَّوجة مُدّة. وفيه أنَّ المرء إذا لاحَت له فُرصة في الطاعة فحَقّه أن يُبادِر إليها ولا يُسوِّف بها لئلا ١٢٤/٨ يُجرَمها كما قال تعالى: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ومثله قوله تعالى: ﴿وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَرْ يُؤْمِنُواْبِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، ونسأل الله تعالى أن يُلهمنا المبادَرة إلى طاعته، وأن لا يَسلُبنا ما خَوَّلَنا من نِعمَته. وفيها جواز تَمنّي ما فاتَ من الخير، وأنَّ الإمام لا يُهمِل مَن تَخَلَّفَ عنه في بعض الأُمور بل يُذكِّرِه ليُراجِع التوبة. وجواز الطَّعن في الرجل بما يَغْلِب على اجتِهاد الطاعِن حَيَّةٌ لله ورسوله. وفيها جواز الردّ على الطاعِنِ إذا غَلَبَ على ظَنّ الرّادّ وهمُ الطاعِن أو غَلَطُه. وفيها أنَّ المستَحَبّ للقادِمِ أن يكون على وضوء، وأن يَبدَأ بالمسجدِ قبل بيته فيُصَلّي ثمّ تَجِلِس لمن يُسَلِّم عليه. ومشروعيَّة السَّلام على القادِمِ وتَلَقّيه. والحُكم بالظّاهِرِ، وقَبُول المعاذير. واستحباب بُكاء العاصي أسَفاً على ما فاتَه من الخير. وفيها إجراء الأحكام على الظّاهر ووُكول السَّرائر إلى الله تعالى. وفيها تَرك السَّلام على مَن أذنَبَ، وجواز هَجره أكثر من ثلاث. وأمَّا النَّهي عن الهَجر فوق الثلاث فمحمول على مَن لم يكن هِجرانه شَرعيّاً، وأنَّ ٧٢٨ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري التَّبسُم قد يكون عن غَضَب كما يكون عن تَعَجُّب، ولا يَخْتَصّ بالسُّرورِ. ومُعاتَبة الكبير أصحابَه ومَن يَعِزّ علیه دون غيره. وفيها فائدة الصِّدق وشُؤم عاقبة الكَذِب. وفيها العَمَل بمفهوم اللَّقَب إذا حَفَّته قَرِينة، لقوله ◌ََّ لمَّا حدَّثه كعب: ((أمَّا هذا فقد صَدَقَ))، فإنَّه يُشعِر بأنَّ مَن سواه كَذَبَ، لكن ليس على عُمومه في حَقّ كلّ أحد سواه، لأنَّ مُرارة وهلالاً أيضاً قد صَدَقا، فيَخْتَصّ الكَذِب بمَن حَلَفَ واعتَذَرَ، لا بمَن اعتَرَفَ، ولهذا عاقَبَ مَن صَدَقَ بالتَّأديب الذي ظَهَرَت فائدَته عن قُرب، وأَخَّرَ مَن كَذَبَ للعِقاب الطَّيل، وفي الحديث الصَّحيح: ((إذا أراد الله بعبد خيراً عَجَّلَ له عُقوبَته في الدُّنيا، وإذا أراد به شَرّاً أمسَكَ عنه عُقوبَته، فيَرِد القيامة بذُنوبِه))(١). قيلَ: وإنَّما غُلِّظَ في حَقّ هؤلاءِ الثلاثة لأنَّهم تَرَكوا الواجب عليهم من غير عُذر، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ ﴾ وقول الأنصار: نحنُ الذينَ بايَعوا محمَّدا على الجِهاد ما بَقِينا أبدا وفيها تبريد حَرِّ المصيبة بالتَّأسّي بالنَّظيرِ. وفيها عِظَم مِقدار الصِّدق في القول والفعل. وتَعليق سَعادة الدُّنيا والآخِرة والنَّجاة من شَرّهما به. وأنَّ من عُوقِبَ بالهَجِرِ يُعذَر في التَّخَلُّف عن صلاة الجماعة لأنَّ مُرارة وهلالاً لم يَخْرُجا من بيوتهما تلكَ المدّة. وفيها سُقوط رَدّ السَّلام على المهجور عَمَّن سَلَّمَ عليه، إذ لو كان واجباً لم يَقُل كعب: هل حَرَّكَ شَفَتَيَه برَدِّ السَّلام. وفيها جواز دُخول المرء دار جاره وصديقه بغير إذنه ومن غير الباب إذا عَلمَ رِضاه. وفيها أنَّ قول المرء: ((الله ورسوله أعلم)) ليس بخِطابٍ ولا كلام، ولا تَحَنَث به مَن حَلَفَ أن لا يُكلِّم الآخَر إذا لم يَنِ به مُكالمتَه، وإنَّما قال أبو قَتَادة ذلك لمَّا أَلَخَّ عليه كعب، وإلّا فقد تقدَّم أنَّ رسول مَلِك غسّان لمَّا سألَ عن كعب جَعَلَ الناس يشيرونَ له إلى کعب ولا يتكلَّمونَ بقولهم مثلاً: هذا كعب، مُبالَغةً في هَجره والإعراض عنه. وفيها أنَّ مُسارَقة (١) أخرجه بنحو هذا اللفظ الذي ساقه الحافظ: أحمد (١٦٨٠٦)، وابن حبان (٢٩١١) وغيرهما. ٧٢٩ باب ٧٩ / ح ٤٤١٩- ٤٤٢٠ كتاب المغازي النَّظَر في الصَّلاة لا تَقدَح في صِحَّتها. وإيثار طاعة الرّسول على مَوَدّة القريب. وخِدمة المرأة زوجها. والاحتياط لمجانَبة ما يُحْشَى الوقوع فيه. وجواز تحريق ما فيه اسم الله للمَصلَحة. وفيها مشروعيّة سُجود الشُّكر. والاستباق إلى البشارة بالخير، وإعطاءُ البشير أنفَس ما يَحَضُر الذي يأتيه بالبشارة. وتَهنئة مَن تَجدَّدَت له نِعمة، والقيام إليه إذا أقبَلَ. واجتماع الناس عند الإمام في الأُمور المهمّة. وسُروره بما يَسُرّ أتباعه. ومشروعيَّة العاريّة. ومُصافَحة القادم والقيام له. والتزام المداومة على الخير الذي يُنتَفَع به. واستحباب الصَّدَقة عند التوبة. وأنَّ مَن نَذَرَ الصَّدَقة/ بكلِّ ماله لم يَلزَمه إخراج جميعه. وسيأتي البحث فيه في كتاب ١٢٥/٨ النَّذر (٦٦٩٠) إن شاء الله تعالى. وقال ابن التِّين: فيه أنَّ كعب بن مالك من المهاجرينَ الأوَّلينَ الذينَ صَلَّوا إلى القِبلتَينِ. كذا قال، وليس كعب من المهاجِرِينَ إنَّما هو من السابقينَ من الأنصار. ٧٩ - باب نزول النبيّ ◌َلّ الحِجْر ٤٤١٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ الجُعْفيُّ، حذَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: لمَّا مَرَّ النبيُّ ◌َِّ بالِحِجْرِ، قال: ((لا تَدْخُلُوا مَساكنَ الَّذِينَ ظَلَموا أنفُسَهم، أن يُصِيبَكُم ما أصابَهم، إلا أن تكونوا باكِينَ)) ثمَّ قَنَّعَ رأسَه، وأسرَعَ السَّيرَ حتَّى أجازَ الواديَ. ٤٤٢٠ - حدَّثنا يحيى بن بُكَير، حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ وَّه لأصحاب الحِجْرِ: ((لا تَدْخُلوا على هؤلاءِ المعَذَّبِينَ، إِلَّا أن تکونوا باکِینَ، أن يُصِیبگُم مِثلُ ما أصابهم)). قوله: ((باب نزول النبيّ وَّ الِحِجْر)) بكسرِ المهمَلة وسكون الجيم، وهي منازِل ثَمُود. زَعَمَ بعضهم أنَّه مَّ به ولم يَنِزِل، ويَرُدّه التَّصريح في حديث ابن عمر (٣٣٧٨) بأنَّه لمَّا نزلَ الحِجر أمَرَهم أن لا يَشرَبوا. وقد تقدَّم حديث ابن عمر في بئر ثَمُود (٣٣٨٠ و٣٣٨١)، وقد تقدَّمت مباحثه في أحاديث الأنبياء. ٧٣٠ باب ٨٠ / ح ٤٤٢١- ٤٤٢٣ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((أن يُصيبَكُم)) بفتح الهمزة، مفعول له، أي: كراهة الإصابة. وقوله: ((أجازَ الوادي)) أي: قَطَعَه. وقوله في الرواية الثانية: ((قال النبيّ وَّمِ لأصحاب الحِجْرِ: لا تَدْخُلوا)) قال الكِرْمانيُّ: أي: قال لأصحابه الذينَ معه في ذلك الموضع، وأُضيفَ إلى الحِجر لعُبورهم عليه. وقد تَكلَّمَ في ذلك وتَعَسَّفَ، وليس كما قال، بل اللّام في قوله: لأصحاب الحِجْر، بمعنى ((عن)) وحَذَفَ المُقُول لهم لِيَعُمّ كلّ سامع، والتَّقدير: قال لأُمَّتِهِ عن أصحاب الحِجر، وهم ثَمُود: لا تَدخُلوا على هؤلاءِ المعَذَّبينَ، أي: ثَمُود. وهذا واضح لا خَفاءَ به. ٨٠- بابٌ ٤٤٢١ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، عن اللَّيثِ، عن عبدِ العزيزِ بنِ أبي سَلَمَةَ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن نافعٍ بِنِ جُبَيٍ، عن عُرْوةَ بنِ المغِيرةِ، عن أبيه مُغيرةَ بنِ شُعْبةَ، قال: ذهب النبيُّ ◌ِه لبعضٍ حاجَتِهِ، فَقُمْتُ أسكُبُ عليه الماءَ - لا أعلمه إِلَّا قال: في غزوةٍ تَبُوكَ - فَغَسَلَ وجهَه وذهب يَغْسِلُ ذِراعَيه، فضاقَ عليه كُمُّ الْجُبّةِ، فأخرَجَهما من تحتِ جُنَّتِهِ، فَغَسَلَهما، ثُمّ مَسَحَ على ◌ُقّیه. ٤٤٢٢- حدَّثنا خالدُ بنُ مَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ، عن عَمْرو بنِ يحيى، عن عبّاسِ بنِ سَهْلٍ ابنِ سعدٍ، عن أبي ◌ُميدٍ، قال: أقبَلْنا معَ النبيِّ وَّر من غزوةٍ تَبُوكَ، حتَّى إذا أشرَفْنا على المدينةِ قال: ((هذه طابةُ، وهذا أُحُدٌّ، جبلٌ مُحِبُّنَا ونُحِبُّه)). ١٢٦/٨ ٤٤٢٣- حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مُميدٌ الطَّوِيلُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ رسولَ الله ◌ََّ رَجَعَ من غزوةٍ تَبُوكَ، فَدَنا مِن المدينةِ، فقال: ((إنَّ بالمدينةِ أقواماً، ما سِرْتُم مَسِيراً ولا قَطَعْتُم وادياً إلَّا كانوا معكمْ)) قالوا: يا رسولَ الله، وهم بالمدينةِ؟! قال: ((وهم بالمدينةِ، حَبَسَهمُ العُذْر)). قوله: ((باب)) كذا فيه بغير ترجمة، وهو كالفَصْلِ مَمّا تقدَّم، لأنَّ أحاديثه تتعلَّق ببقيَّة قِصّة تَبُوك. ٧٣١ باب ٨١ / ح ٤٤٢٤ كتاب المغازي قوله: ((عن اللَّيث، عن عبد العزيز بن أبي سَلَمةَ، عن سعد بن إبراهيم) تقدَّم في الطَّهارة (٢٠٣) عن اللَّيث عن يحيى بن سعيد عن سعد بن إبراهيم، فكأنَّ له فيه شیخَينِ. قوله: ((ذهب النبيّ ◌َّه لبعض حاجَتِهِ، فَقُمْت أسكُبُ عليه الماء، لا أعلمه إلّا في غزوة تَبُوك)) كذا فيهِ، وقد قَدَّمت في المسح على الخُفَّينِ بيان مَن رواه بغير تَرَدُّد، وذكرت هناكَ بَقيَّة شرحه. ووَقَعَ عند مسلم (١٠٥/٤٢١) من رواية عبّاد بن زياد عن عُرْوة بن المغيرة أنَّ المغيرة أخبَرَه: أنَّه غَزَا معَ رسول الله وَّل تَبُوك، فذكر حديث المسح كما تقدَّم، وزاد المغيرة: فأقبَلَت معه حتَّى نَجِد الناس قد قَدَّموا عبد الرّحمن بن عَوْف يُصَلّ بهم، فأدرَكَ النبيّ وَّهِ الرَّكعة الأخيرة، فلمَّا سَلَّمَ عبد الرَّحمن قامَ رسول الله وَّه يُّتِمّ صَلاته. فأفزَعَ ذلك الناس. وفي رواية له: قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرَّحمن، فقال النبيّ وَّ: ((دَعه)). قوله: ((سلیمان)) هو ابن بلال، و (عمر بن یحیی)) هو المازنيُّ. وقد تقدَّمت مباحث حدیث أبي حُميدٍ هذا في أواخر الزكاة (١٤٨١)، وفي الجهاد (٢٨٩٣)(١) في ((باب مَن غَزَا بصبيِّ للخدمة)». قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك. وقد تقدَّمت مباحث الحديث سنداً ومَتناً في الجهاد (٢٨٣٨ و٢٨٣٩) في (باب مَن حَبَسَه العُذر عن الغَزو)). ٨١- باب کتاب النبيّ ټڑ إلى کسری وقيصر ٤٤٢٤- حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله، أنَّ ابنَ عبَّاسِ أخبَرَه: أنَّ رسولَ الله وَ﴿ بَعَثَ بكتابه إلى كِسْرَى مِعَ عبدِ الله بنِ حُذافةَ السَّهْمِيِّ، فأمَرَه أن يَدْفَعَه إلى عظيمِ البحرَينِ، فَفَعَه عظيمُ البحرَينِ إلى كِسْرَى، فلمَّا قرأه مَزَّقَه - فَحَسِبتُ أنَّ ابنَ المسيّب - قال: فَدَعَا عليهم رسولُ الله أن يُمَزَّقوا كلَّ ثُمَّقٍ. (١) هذا حديث أنس بن مالك في قوله ◌َله: ((هذا جبل يحبنا ونحبه)). ٧٣٢ باب ٨١ / ح ٤٤٢٤-٤٤٢٧ فتح الباري بشرح البخاري ٤٤٢٥ - حدَّثنا عثمانُ بنُ الهيثم، حدَّثنا عَوْفٌ، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرةَ، قال: لقد نَفَعَني الله بكلمةٍ سمعتُها من رسولِ اللهِ وَِّ أيامَ الجملِ، بعدَما كِدْتُ الحَقُّ بأصْحاب الجملِ، فأُقاتلُ معهم، قال: لمَّا بَلَغَ رسولَ الله وََّ أنَّ أهلَ فارسَ قدْ مَلَّكوا عليهم بنتَ كِسْرَى، قال: (ن يُفْلِحَ قومٌ وَلَّوْا أمرَهُمُ امرأةً)). [طرفه في: ٧٠٩٩] ٤٤٢٦- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ يقولُ: سمعتُ السائبِ بنَ يَزِيدَ، يقول: أذْكُرُ أَنّي خَرَجْتُ معَ الغِلْمَان إلى ثَنِيَِّ الوَدَاعِ، نَتَلَقَّى رسولَ اللهَِ. وقال سفيانُ مرَّةً: معَ الصِّبْيان. ٤٤٢٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن السائبِ: أذْكُرُ أنّي ١٢٧/٨ خَرَجْتُ معَ / الصِّبْيان، نَتَلَقَّى النبيَّ ◌َّهَ إلى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، مَقْدَمَه من غزوةٍ تَبُوكَ. قوله: ((باب كتاب النبيّ ◌َّهُ إلى كِسْرَى وَقَيَصَر)) أمَّا كِسرَى: فهو أَبْرَوَيْزُ(١) بن هُرمُز بن أنُوشَرْوان، وهو كِسرَى الكبير المشهور، وقيل: إنَّ الذي بَعَثَ إليه النبيّ ◌َّ هو أنُوشَروان، وفيه نظرٌ لما سيأتي: أنَّ النبيّ وَّهِ أَنذَرَ أن (٢) ابنَه يَقتُّله، والذي قتله ابنه: هو كسرى أبرَوَيز(٣). وكِسرَى، بفتح الكاف وبكسرها: لَقَبُ كلّ مَن تَلَّكَ الفُرس، ومعناه بالعربِيَّة المظفَّر(٤)، وقد تقدَّم الكلام في ضبط كافِه في ((علامات النَّبّة)) (٣٦١٨)، وأمَّا فَيَصَر: فهو هِرَقل، وقد تقدَّم شأنه في أوَّل الكتاب (٧). قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن راهويه، ويعقوب بن إبراهيم، أي: ابن سعد، وصالح: هو ابن كَيْسانَ، وقد تقدَّم للمصنَّفِ في العلم (٦٤) عالياً عن إبراهيم بن سعد. (١) تحرف في (أ) و(س) إلى: ابن برويز، وجاء على الصواب في (ع)، كما ضبطه شارح ((القاموس)). (٢) تحرف في (س) إلى: أخبر أن زربان. وإنما اسم ابنه شيرويه كما سيذكره الحافظ أثناء الشرح. (٣) تحرف في (س) إلى: کسری بن برویز. (٤) تحرف في (س) إلى: المظفري. ٧٣٣ باب ٨١ / ح ٤٤٢٤-٤٤٢٧ كتاب المغازي قوله: ((مَعَ عبد الله بن حُذافة)) هذا هو المعتمَد، ووَقَعَ في رواية عمر بن شَبّة: أنَّه خُنَيس ابن حُذافة، وهو غَلَط، فإنَّه ماتَ بأُحُدٍ، فتأيَّمَت منه حفصة، وبَعْث الرُّسُل كان بعد الهُدْنة سنة سبع، ووَقَعَ في ترجمة عبد الله بن عيسى في (١) ((كامل ابن عَديّ)) من طريقه عن داود ابن أبي هِند عن عِكْرمة عن ابن عبّاس، في قِصّة اتّخاذ الخاتم، وفيه: وبَعَثَ كتاباً إلى كِسِرَى ابن هُرمُز بَعَثَ به معَ عمر بن الخطّاب، كذا قال، وعبد الله ضعيف، فإن ثَبَتَ فلعلَّهِ كَتَبَ إلى مَلِك فارس مرَّتَين، وذلك في أوائل سنة سبع. قوله: ((إلى عظیم البحرینِ» هو المنذر بن ساوى العبديّ. قوله: ((فَدَفَعَه)) الفاء عاطِفة على محذوف تقديرهُ: فَتَوَجَّهَ إليه، فأعطاه الكتاب، فأعطاه لقاصدٍ عنده، فتَوَجَّه به، فدفَعَه إلی کِسری، ومُحتمل أن یکون المنذر تَوَجّة بنفسِه فلا يحتاج إلى القاصدٍ ويحتمل أن يكون القاصِد لم يُباشر إعطاء كِسِرَى بنفسِه، كما هو الأغلَب من حال الملوك. فيزداد التَّقدير. قوله: ((فلمَّا قرأ (٣)) كذا للأكثَرِ بحذفِ المفعول، وللكُشْمِيهنيِّ: فلمَّا قرأه. وفيه مجاز فإنَّه لم يقرأه بنفسِه، وإنَّما قُرِئَ عليه كما سيأتي. قوله: (مَزَّقَه)) أي: قَطَّعَه. قوله: ((فحَسِبْت أنَّ ابن المسيّب)» القائل: هو الزُّهْريّ، وهو موصول بالإسناد المذكور، ووَقَعَ في جميع الطّرق مُرسَلاً، ويُحتمل أن يكون ابن المسيّب سمعَه من عبد الله بن حُذافة صاحب القِصّة، فإنَّ ابن سعد (١/ ٢٦٠) ذكر من حديثه أنَّه قال: فَقُرئ عليه كتاب رسول الله ﴿ّ﴾، فأخَذَه فمَزَّقَه. قوله: «فدعا علیه رسول الله ێ)) أي: علی کِسری وجنوده. (١) تحرف في (أ) إلى: بن كامل، وفي (ع) إلى: وكامل، وفي (س) إلى: أخي كامل، وإنما هو: في ((كامل ابن عدي)» بإضافة اسم الكتاب إلى اسم صاحبه ابن عدي، وهو فيه ٤/ ٢٥٢. (٢) كذا وقع للحافظ رحمه الله! مع أنَّ الذي في اليونينية و((إرشاد الساري)) دون حكاية خلاف: ((فلما قرأه)» بذكر المفعول. ٧٣٤ باب ٨١ / ح ٤٤٢٤-٤٤٢٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أن يُمَزَّقوا كلّ مُمَّق)) بفتح الزّاي، أي: يَتَفرَّقوا ويَتَقَطَّعوا. وفي حديث عبد الله ابن حُذافة: فلمَّا بَلَغَ ذلك رسولَ اللهِّه قال: ((اللهمَّ مَزِّق مُلكه))، وكَتَبَ إلى باذانَ عامِلِه على اليمن: ابعَث مِن عندك رجلينٍ إلى هذا الرجل الذي بالحِجازِ، فَكَتَبَ باذانُ إلى النبيّ وَّ، فقال(١): ((أبلِغَا صاحبَكُما أنَّ رَبّي قتل رَبَّه في هذه اللَّيلة)) قال: وكان ذلك ليلة الثُّلاثاء لعشرٍ مَضَينَ من ◌ُهمادَى الأولَى سنة سبع، وإنَّ الله سَلَّطَ عليه ابنَه شيرَوَيْه فقَتَلَه. وعن الزُّهْرِيّ قال: بَلَغَني أنَّ كِسرَى كَتَبَ إلى باذانَ: بَلَغَني أنَّ رجلاً من قُرَيش يَزِعُمْ أَنَّه نبيّ، فسِرٍ إليه، فإن تابَ وإلّا فابعث إليَّ برأسِهِ، فذكر القِصّة، قال: فلمَّا بَلَغَ باذانَ أسْلَمَ هو ومَن معه من الفُرس. تنبيه: جَزَمَ ابن سعد بأنَّ بَعْث عبد الله بن حُذافة إلى كِسرَى كان في سنة سبع في زمن الهُدنة، وهو عند الواقديِّ من حديث الشِّفاء بنت عبد الله بلفظ: مُنصَرَفه من الحُدَيبية. وصَنيع البخاريّ يقتضي أنَّه كان في سنة تسع، فإنَّه ذكره بعد غزوة تَبُوك، وذكر في آخر الباب حديث السائب: أنَّه تَلَقَّى النبيّ ◌َّهِ لمَّا رَجَعَ من تَبُوك، إشارةً إلى ما ذكرتُ، وقد ذكر أهل المغازي أنَّه ◌َ لمَّا كان بتَبوك كَتَبَ إلى قَيَصَر وغيره، وهي غير المرّة الّتِي كَتَبَ إلیه معَ دِحِية، فإنَّها كانت في زمن الهُدنة كما صَرَّحَ به في الخبر، وذلك سنة سبع. ووَقَعَ عند مسلم (١٧٧٤) عن أنس: أنَّ النبيّ ◌َّلِ كَتَبَ إلى كِسْرَى وقَيَصَر، الحديث، وفيه: وإلى كلّ جَبّار عَنيد. وروى الطبرانيُّ (١٢/٢٠) من حديث المِسوَر بن ◌َخَرَمةَ قال: ١٢٨/٨ خرج / رسول الله وَ له إلى أصحابه، فقال: ((إنَّ الله بَعَثَني للنّاس كافّة، فأَدُّوا عنِّي ولا تَخْتَلِفُوا عليّ))، فبَعَثَ عبد الله بن حُذافة إلى كِسَرَى، وسَليط بن عَمْرو إلى هَوْذَة بن عليّ باليَمامة، والعلاء بن الحضرَميّ إلى المنذِر بن ساوَى بَهَجَر، وعَمْرو بن العاص إلى جَيفَر وعيّاذ(٢) ابنَي الْجُلَندى بعُمان، ودِحية إلى قَيَصَر، وشُجاع بن وَهْب إلى ابن أبي شَمِر الغَسّانيّ، وعَمْرو بن أُميَّة إلى النَّجاشِيّ، فرجعوا جميعاً قبل وفاة النبيّ وََّه غير عَمْرو بن (١) القائل هو النبي ◌َلل. (٢) كذا ضبطه الحافظ قبل شرح الحديث (٤٣٨٣). ٧٣٥ باب ٨١ / ح ٤٤٢٤-٤٤٢٧ كتاب المغازي العاص. وزاد أصحاب السّير: أنَّه بَعَثَ المهاجِر بن أبي أُميَّة إلى (١) الحارث بن عبد كُلال، وجَريراً إلى ذي الكَلاع، والسائبَ إلى مُسَيلمة، وحاطِبَ بن أبي بَلتَعةَ إلى المقَوقِس. وفي حديث أنس الذي أشرتُ إليه عند مسلم (١٧٧٤): أنَّ النَّجاشيّ الذي بَعَثَ إليه معَ هؤلاءِ غير النَّجاشيّ الذي أسلَمَ. قوله: ((حدَّثْنا عَوْف)) هو الأعرابيّ، والحسن: هو البصريّ، والإسناد كلّه بصريّونَ، وسماع الحسن من أبي بَكْرة تقدَّم بيانه في الصُّلح (٢٧٠٤). قوله: (نَفَعَني الله بكلمةٍ سمعتها من رسول الله بَّ أيام الجمل)) فيه تقديم وتأخير، والتَّقدير: نَفَعَني الله أيام الجَمَل بكلمةٍ سمعتها من رسول الله وََّ، أي: قبل ذلك، فأيام يَتَعَلَّق بـ (نَفَعَني)) لا بـ(سمعتها)، فإنَّه سمعَها قبل ذلك قطعاً، والمراد بأصحاب الجَمَل: العَسكر الذینَ كانوا معَ عائشة. قوله: ((بعدَما كِدْت ألحَقُ بأصْحاب الجمل)) يعني: عائشة رضي الله عنها ومَن معها، وسيأتي بيان هذه القِصّة في كتاب الفتن (٧٠٩٩-٧١٠٧) إن شاء الله تعالى، ومُحُصَّلها: أنَّ عثمان لمَّا قُتِلَ وبُويعَ عليّ بالخِلافة خرج طلحة والزُّبَير إلى مگَّة فوَجَدا عائشة، وكانت قد حَجَّت، فاجتَمَعَ رأيهم على التوَجُّه إلى البَصرة يَسْتَنِفِرونَ الناس للطََّب بدَمِ عثمان، فبَلَغَ ذلك عليّاً فخرج إليهم، فكانت وقعة الجَمَل، ونُسِبَت إلى الجَمَل الذي كانت عائشة قد رَكِبَتَه وهي في هَودَجها تَدعو الناس إلى الإصلاح. والقائل: ((لمَّا بَلَغَ)) هو أبو بَكْرة، وهو تفسير لقوله: بكلمةٍ. وفيه إطلاق الكلمة على الکلام الکثیر. قوله: ((مَلَّكوا عليهم بنت كِسْرَى)) هيَ بُوران بنت شِيْرَويه بن كِسرَى أَبْرَوَيْزِ(٢). وذلك أَنَّ شِيرويه لمَّا قَتَل أباه كما تقدَّم كان أبوه لمَّا عَرَفَ أنَّ ابنه قد عَمِلَ على قتله احتالَ علی (١) تحرف في (أ) و(س) إلى: بن. (٢) تحرف في (س) إلى: بن برويز. ٧٣٦ باب ٨١ / ح ٤٤٢٤-٤٤٢٧ فتح الباري بشرح البخاري قتل ابنه بعد موته، فعَمِلَ في بعض خزائنه المختَصّة به حُقّاً مَسموماً وكَتَبَ عليه: حُقّ الجماع، مَن تَناوَلَ منه كذا جامع كذا، فقرأه شیرویه، فتَناوَلَ منه فكان فيه هلاكه، فلم يَعِش بعد أبيه سِوَى ستّة أشهُر. فلمَّا ماتَ لم يُخلِّف أخاً لأنَّه كان قتل إخوته حرصاً على الملك، ولم يُخُلِّف ذَكَراً، وكَرهوا خروج الملك عن ذلك البيت فمَلَّكوا المرأة، واسمها بُورانُ، بضمٌ الموحّدة. ذكر ذلك ابن قُتَيبة في ((المعارف))(١). وذكر الطَّبَرِيُّ أيضاً أنَّ أُختها أزْرَمِيدُخْت مَلكَت أيضاً. قال الخطّابيُّ: في الحديث أنَّ المرأة لا تَلي الإمارة ولا القضاء، وفيه أنَّها لا تُزَوِّج نفسها، ولا تَلي العَقد على غيرها. كذا قال، وهو مُتَعقَّبٌ، والمنع من أن تَلي الإمارة والقضاء قول الجمهور، وأجازَه الطَّبَرِيُّ، وهي رواية عن مالك، وعن أبي حنيفة: تلي الحُكم فيما تجوز فيه شهادة النِّساء. ومُناسَبة هذا الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّه تَتِمّة قِصّة كِسرَى الذي مَزَّقَ كتاب النبِّ وَلِّه فسَلَّطَ الله عليه ابنه فقَتَلَه ثمَّ قتل إخوَته حتَّى أفضَى الأمر بهم إلى تأمير المرأة، فجَرَّ ذلك إلى ذهاب مُلكهم، ومُزِّقوا كما دَعَا به النبيّ ◌َّ. قوله: ((وقال سُفْيان مرَّة: معَ الصِّبْيان)) هو موصول، ولكن بيَّن الراوي عنه أنَّه قال مرَّة: الغِلمان، ومرَّة: الصِّبيان، وهو بالمعنى. ثمَّ ساقَه عن شيخ آخر عن سفيان وزاد في آخره: مَقْدَمه من تَبُوك. فأنكَرَ الدّاووديُّ هذا، وتَبِعَه ابن القَيِّم، وقال: ثَنَّة الوَدَاع من جهة مكَّة لا من جهة تَبُوك، بل هيَ مُقابلها كالمشرق والمغرب. قال: إلّا أن يكون هناكَ ثَنَّة أُخرى في تلك الجهة. والثَِّيَّة: ما ارتَفَعَ في الأرض، وقيلَ: الطَّريق في الجبل. قلت: لا يَمنَعِ كَوْنها من جِهة (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: ((المغازي))، وليس لابن قتيبة كتاب بهذا الاسم، وقد ذكر في كتاب ((المعارف)) نُبَذاً من أخبار ملوك الفرس. وأنَّ شيرويه قتل من إخوته ثمانية عشر رجلاً وهرب بقية أهل بيته. ولم يذكر قصة قتل شيرويه لأبيه، بل ذكر أنَّ كسرى أبرويز إنما خُلع خلعاً، ولم يذكر أنه قُتْل، فالظاهر أنَّ الحافظ أراد نسبة القول بقتله لإخوته لابن قتيبة، والله أعلم. ٧٣٧ باب ٨٢ كتاب المغازي الحجاز أن يكون خروج المسافر إلى الشّام من جِهَتها، وهذا واضح كما في دُخول مكَّة من ثَنَّة، والخروج منها من أُخرى، ويَنتَهي / كلاهما إلى طريق واحدة، وقد رُوِّينا بسندٍ مُنقَطِع ١٢٩/٨ في ((الخِلَعِيّات)) (١) قول النِّسوة لمَّا قَدِمَ النبيّ ◌َلِّ المدينة: طَلَعَ البدرُ علينا من ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ فقيل: كان ذلك عند قُدومه في الهجرة. وقيلَ: عند قُدومه من غزوة تَبُوك. تنبيه: في إيراد هذا الحديث آخِرِ هذا الباب إشارة إلى أنَّ إرسال الكتب إلى الملوك كان في سنة غزوة تَبُوك، ولكن لا يَدفَع ذلك قول مَن قال: إنَّه كاتَبَ الملوك في سنة الهُدنة كَفَيَصَرَ. والجمع بين القولَينِ أنَّه كاتَبَ قَيصَرِ مرَّتَينِ، وهذه الثّانية قد وَقَعَ التَّصريح بها في ((مُسنَد أحمد)) (١٤٦٠٤)، وكاتَبَ النَّجاشيَّ الذي أسلَمَ وصلَّى عليه لمَّا ماتَ(٢)، ثمَّ كاتَبَ النَّجاشيَّ الذي وليَ بعده، وكان كافراً، وقد روى مسلم (١٧٧٤) من حديث أنس قال: كَتَبَ النبيّ وَّه إلى كلّ جَبّار يَدعُوهم إلى الله. وسَمَّى منهم كِسرَى وقَصَر والنَّجاشيّ. قال: وليس بالنَّجاشيِّ الذي أسلَمَ. ٨٢ - باب مرض النبيّ ◌َلُ﴾ ووفاته وقولِ الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ قَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠-٣١]. قوله: ((باب مرض النبيّ وَّه ووفاته، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَهُم قَِّّتُونَ ﴾)) سيأتي في الكلام على الحديث السادس عشر(٣) من هذا الباب وجه مُناسَبة هذه الآية لهذا الباب. وقد ذکر في الباب أيضاً ما يدلّ على چِنس مرضه كما سيأتي. وأمّا ابتداؤُه فكان في بيت (١) تحرف في (س) إلى: الحلبيات. وإنما هي ((الخلعيات))، وهي عشرون جزءاً في الحديث، صنفها القاضي أبو الحسن علي بن الحسن الخِلمي. (٢) من مكاتباته ودخل له ما بعث به إليه مع عمرو بن أمية الضمري في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه، كما أخرجه أحمد في «المسند» (١٧٧٧٧) من حديث عمرو بن العاص الطويل، وأخرج نصَّ الكتاب البيهقي في ((الدلائل)) ٣٠٨/٢ و٣٠٩. وقصة صلاته عليه سلفت برقم (١٢٤٥). (٣) بل الثامن عشر (٤٤٥٤). أما السادس عشر فلم يشرح عليه شيئاً، وقال: تقدم. ٧٣٨ باب ٨٢ فتح الباري بشرح البخاري ميمونة كما سيأتي، ووَقَعَ في ((السِّيرة)) لأبي مَعشَر: في بيت زينب بنت جَحْش، وفي ((السِّيرة)) لسليمان التَّيْميِّ: في بيت رَيْجانة، والأوَّل المعتمَد، وذكر الخَطّابيُّ أنَّه ابتَدَأ به يوم الاثنينِ، وقيلَ: يوم السَّبت، وقال الحاكم أبو أحمد: يوم الأربعاء. واختُلِفَ في مُدّة مرضه، فالأكثَر على أنَّها ثلاثة عشر يوماً، وقيلَ: بزيادة يوم. وقيلَ: بنقصِه. والقولان في ((الرَّوضة))، وصَدّرَ بالثّاني، وقيلَ: عشرة أيام. وبه جَزَمَ سليمان التَّيْمِيُّ في («مغازيه))، وأخرجه البيهقيُّ (٧/ ٢٣٤) بإسنادٍ صحيح. وكانت وفاته يوم الاثنينِ بلا خِلاف من ربيع الأوَّل، وكادَ يكون إجماعاً، لكن في حديث ابن مسعود عند البزَّار: في حادي عشر رمضان، ثمَّ عند ابن إسحاق والجمهور: أنَّها في الثّاني عشر منه، وعند موسى بن عُقْبة واللَّيث والخوارزميّ وابن زَبْر (١): ماتَ لهلال ربيع الأوَّل، وعند أبي مِخْتَف والكَلْبِيّ: في ثانيه، ورَجَّحَه السُّهَيليّ. وعلى القولَينِ يتنزَّل ما نَقَّلَه الرّافعيّ أنَّه عاشَ بعد حَجَّته ثمانينَ يوماً،. وقيلَ: أحداً وثمانينَ، وأمَّا على ما جَزَمَ به في ((الرَّوضة)) فيكون عاشَ بعد حَجَّته تسعينَ يوماً أو أحداً وتسعينَ. وقد استَشكَلَ ذلك السُّهَيلُّ ومَن تبعه، أعني گونه مات يوم الاثنينِ ثاني عشر شهر ربيع الأوَّل، وذلك أنَّهم اتَّفَقوا على أنَّ ذا الحجّة كان أوَّله يوم الخميس، فمهما فُرِضَت الشُّهور الثلاثة تَوَامَّ أو نَواقصَ أو بعضها لم يَصِحّ، وهو ظاهر لمن تأمَّلَه. وأجابَ البارِزيُّ ثمَّ ابن كثير باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كَوامِل، وكان أهل مكَّة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجّة، فرآه أهل مكَّة ليلة الخميس، ولم يَرَه أهل المدينة إلّا ليلة الجمعة، فحَصَلَت الوَقفة برُؤية أهل مكَّة، ثمَّ رجعوا إلى المدينة فأرَّخوا بُرُؤية أهلها، فكان أوَّل ذي الحجّة الجمعة وآخره السَّبت، وأوَّل المحرَّم الأحد وآخره الاثنَينِ، وأوَّل صَفَر الثُّلاثاء وآخره الأربعاء، وأوَّل ربيع الأوَّل الخميس فيكون ثاني عشره الاثنَينِ. (١) تحرف في (أ) إلى: ابن زمر، وفي (ع) إلى: ابن زيد، والمثبت على الصواب من (س)، وابن زَبْر هذا: هو أبو سليمان محمد بن عبد الله بن زَبْر الرَّبَعي، صاحب كتاب ((تاريخ مولد العلماء ووفياتهم))، وقد ذكر تاريخ وفاة النبي ◌ُ ◌ّ ص ٣٤. ٧٣٩ باب ٨٢ كتاب المغازي وهذا الجواب بعيد من حيثُ إنَّه يَلزَم توالي أربعة أشهُر كَوامل. وقد جَزَمَ سليمان التَّيْمِيُّ أحد الثُّقات بأنَّ ابتداء مرض رسول الله وَ ﴿ كان يوم السَّبت الثّاني والعشرينَ من صَفَر، وماتَ يوم الاثنينِ لليلَتَينِ خَلَتا من ربيع الأوَّل. فعلى هذا كان صَفَر ناقصاً، ولا يُمكِن أن يكون أوَّل صَفَر السَّبت إلّا إن كان ذو الحجّة والمحرَّم ناقصَينِ، فيَلزَم منه نقص ثلاثةِ أشهُر / مُتَوالية، وأمَّا على قول مَن قال: ماتَ أوَّل يوم من ربيع الأوَّل ١٣٠/٨ فيكون اثنان ناقصَينٍ وواحد كاملاً، ولهذا رَجَّحَه السُّهَيليّ. وفي ((المغازي)) لأبي مَعشَر، عن محمَّد بن قيس قال: اشتَكَى رسول الله وَ لي يوم الأربعاء لإحدى عشرة بقيت(١) من صَفَر. وهذا موافق لقولٍ سليمان التَّيْمِيِّ المقتضي أنَّ(٢) أوَّلَ صَفَر كان السَّبت، وأمَّا ما رواه ابن سعد (٢/ ٢٧٢) من طريق عمر بن عليّ بن أبي طالب قال: اشتَكَى رسول الله يوم الأربعاء لليلةٍ بَقيَت من صَفَر، فاشتَكَى ثلاث عشرة ليلة، وماتَ يوم الاثنينِ لاثنَتَي عشرة مَضَت من ربيع الأوَّل. فيَرِدُ على هذا الإشكالُ المتقدِّم، وكيف يَصِحّ أن يكون أوَّل صَفَر الأحد(٣) فيكون تاسع عشرينِهِ الأربعاء؟ والفَرْض أنَّ ذا الِحِجّة أوَّله الخميس، فلو فُرِضَ هو والمحرَّم كاملَينِ لكان أوَّلَ صَفَر الاثنَينِ، فكيف يَتَأخَّر إلى يوم الأربعاء؟! فالمعتمد ما قال أبو مِخنَف. وكأنَّ سبب غَلَط غيره أنَهم قالوا: ماتَ في ثاني شهر ربيع الأوَّل، فتَغيَّرَت فصارت ثانيَ عشر، واستَمرَّ الوَهْم بذلك يَتْبَع بعضهم بعضاً من غير تأمُّل، والله أعلم. وقد أجابَ القاضي بدر الدّين بن جماعة بجوابٍ آخر، فقال: يُحِمَل قول الجمهور لاثنتي عشرة ليلةً خَلَت، أي: بأيامها، فيكون موته في اليوم الثّالث عشر، وتُفرَض الشُّهور كَواملَ، فيَصِحّ قول الجمهور. ويُعكّر عليه ما يُعكّر على الذي قبله معَ زيادة مُخالَفة (١) تحرف في (س) إلى: مضت. (٢) في (أ) و(س): المقتضى لأن، بزيادة اللام قبل ((أن)) والصواب حذفها، لأنَّ الحافظ إنما أراد بيان موافقة أبي معشَرٍ للتيميِّ في أنَّ أول صفر يوم السبت. وفي (ع): المتقدم لأن، وهو خطأ. (٣) في الأصلين: الأربعاء، والمثبت من (س)، وهو الصواب. ٧٤٠ باب ٨٢ / ح ٤٤٢٩ - ٤٤٣٠ فتح الباري بشرح البخاري اصطلاح أهل اللِّسان في قولهم: لاثنَتَي عشرة، فإنَّهم لا يفهمونَ منها إلّا مُضِيّ اللَّيالي، ويكون ما أُرِّخَ بذلك واقعاً في اليوم الثّاني عشر. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة وعشرين حديثاً: ٤٤٢٩ - حدَّثنا (١) يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله ابنِ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن أمِّ الفَضْلِ بنت الحارثِ، قالت: سمعتُ النبيَّ ◌ِله يقرأ في المغربِ بالمرسَلَات عُرْفاً، ثمَّ ما صَلَّى لنا بعدَها، حتَّى قَبَضَه الله. الحديث الأول: قوله: ((عن أمّ الفَضْل)) هيَ والدة ابن عبَّاس، وقد تقدَّم شرح حديثها في القراءة في الصَّلاة (٧٦٣). ٤٤٣٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي بِشْرِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: كان عمرُ بنُّ الخطّابِ ﴾ يُذْني ابنَ عبَّاسٍ، فقال له عبدُ الرّحمنِ بنُ عَوْفٍ: إنَّ لنا أبناءً مِثْلَه، فقال: إنَّه من حيثُ تعلمُ، فسألَ عمرُ ابنَ عبَّاسٍ عن هذه الآيةِ ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال: أجَلُ رسولِ الله وَّر أعلمَه إيّاه، فقال: ما أعلمُ منها إلّا ما تَعْلَم. الحديث الثاني: قوله: ((عن ابن عبّاس قال: كان عمر بن الخَطّابِ ﴾ِ يُذْني ابن عبّاس)) هو من إقامة الظاهر مقام المضمَر. وقد أخرجه التِّرمِذيّ (٣٣٦٢) من طريق شُعْبةَ المذكورة بلفظ: كان عمر يسألني معَ أصحاب رسول الله ◌َل﴾. وتقدَّم شرح حديث الباب في غزوة الفتح (٤٢٩٤) من طريق آخر عن أبي بِشْر أتمَّ سياقاً وأكثَرَ فوائدَ، وأحلْنا بشرحِه على تفسير سورة النَّصر (٤٩٧٠)، وتقدَّم في (١) كذا جاء هذا الحديث في رواية أبي ذر الهروي على هذا الترتيب الذي اعتمده الحافظ رحمه الله، مُصدِّراً به أحاديث الباب، وقد جاء قبله في غير رواية الهروي حدیثُ عائشة المعلق الآتي بعد حديث ابن عباس التالي.