النص المفهرس
صفحات 701-720
٧٠١ باب ٧٧ / ح ٤٤١٥ كتاب المغازي الحديث الثالث عشر: حديث سعد: وهو ابن أبي وقّاص في الوَصيّة بالثُّلثِ. وقد تقدَّم شرحه في الوصايا (٢٧٤٢)، وتقريرُ كَوْن ذلك وَقَعَ في حجّة الوداع، وبيانُ توجیه مَن قال: إنَّ ذلك في فتح مگّة، ووجهُ الجمع بين الرِّوایتینِ بما يُغني عن إعادته. الحديث الرابع عشر: حديث ابن عمر في الحلق في حجّة الوداع. أورَدَه من طريقَينِ، وقد تقدَّم شرحه في الحجّ (١٧٢٦). الحديث الخامس عشر: حديث ابن عبّاس في الصَّلاة بمِنَّى. وقد تقدَّم شرحه في أبواب السُّترة في الصَّلاة (٤٩٣). الحديث السادس عشر: حديث أُسامة بن زيد: كان يسير في حَجَّته العَنَق. بفتح المهمَلة والُّون والقاف. وقد تقدَّم شرحه في الحجّ أيضاً (١٦٦٦). الحديث السابع عشر: حديث أبي أيوب في الجمع بين المغرب والعشاء في حجّة الوَداع. وقد تقدَّم شرحه في الحجّ أيضاً (١٦٧٤). ٧٧- باب غزوة تبوك وهي غزوة العُشْرة ٤٤١٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي بُرْدَ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى عليه، قال: أرسَلَني أصْحابٍ إلى رسولِ اللهِوََّ أسألُهُ الحُمْلان لهم، إذ هم معه في جيشِ العُشْرةِ، وهي غزوةُ تَبُوكَ، فقلتُ: يا نبيَّ الله، إنَّ أصْحابي أرسَلوني إليكَ لِتَحمِلَهم، فقال: ((والله لا أحِلُكُم على شيءٍ) ووافَقْتُه وهو غَضْبانُ ولا أشعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِيناً مِن مَنْعِ النبيِّ وَّةِ، ومن تَخافةٍ أن يكونَ النبيُّ ◌َل﴾ وجَدَ في نفسِه عليَّ، فرَجَعْتُ إلى أصْحابي فأخبَرَتُهُمُ الذي قال النبيُّ ◌َّهَ، فلم ألبَثْ إلَّا سُوَيعةً إذ سمعتُ بلالاً ينادي: أينَ عبدُ الله بنُ قيسٍ؟ فأجَبتُه، فقال: أجِب رسولَ الله وَّهِ يَدْعوكَ، فلمَّا أتيتُه قال: ((خُذْ هذَينِ القَرِينَيْنِ، وهذَينِ القَرِينَينِ - لِسِتّةِ أبعِرةٍ ابْتاعَهُنَّ حينئذٍ من سعدٍ - فانطَلِقٍ بِهِنَّ إلى أصْحابكَ فقُلْ: إنَّ الله - أو قال: إنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ - يَجْمِلُكُم على هؤلاءٍ، فاركَبوهُنَّ) فانطَلَقْتُ إليهم بِنَّ، فقلتُ: إِنَّ النبيَّ وَّهِ يَحْمِلُكُمْ على هؤلاءٍ، ولكنّي والله لا أدَعُكُم حتَّى يَنطَلِقَ معي بعضُكم إلى مَن سمعَ ٧٠٢ باب ٧٧ / ح ٤٤١٥ فتح الباري بشرح البخاري ١١١/٨ مقالةَ رسولِ اللهِ وَّةِ، لا تَظُنُوا أَنّي حَدَّثْتُكُم شيئاً لم يَقُلْه رسولُ اللهِ وَّةِ، / فقالوا لي: والله إِنَّكَ عندَنا لَمُصَدَّقٌ، ولَنَفْعَلَنَّ ما أحبَبْتَ، فانطَلَقَ أبو موسى بنَفَرٍ منهم، حتَّى أَتُوُا الَّذِينَ سمعوا قولَ رسولِ الله وَّهِ مَنْعَه إيّاهم، ثمَّ إِعْطَاءَهم بَعْدُ، فحَدَّثوهم بمِثْلِ ما حدَّثهم به أبو موسى. قوله: ((باب غزوة تَبُوك)) هكذا أورَدَ المصنّف هذه التَّرجمة بعد حجّة الوداع، وهو خطأ وما أظنّ ذلك إلّا من النُّسّاخِ، فإنَّ غزوة تَبُوك كانت في شهر رَجَب من سنة تسع قبل حَجّة الوَداع بلا خِلاف، وعند ابن عائذ من حديث ابن عبّاس: أنَّها كانت بعد الطائف بستّة أشهُر. وليس مخالفاً لقولٍ مَن قال: في رَجَب إذا حَذَفنا الكُسور، لأَنَّهِ لَ قد دَخَلَ المدينة من رُجوعه من الطائف في ذي الحجّة. وتَبُوك(١): مكان معروف هو نصف طريق المدينة إلى دِمَشق، ويقال: بين المدينة وبينه أربع عشرة مَرحَلة، وذكرها في ((المحكَم)) في الثَّلاثيّ الصَّحيح، وكلام ابن قُتَيبة يقتضي أنَّها من المعتَلّ، فإنَّه قال: جاءها النبيّ وَّهِ وهم يَبوكُون(٢) مكانَ مائها بقَدَحِ، فقال: ((ما زِلتُم تَبُوكونَهَا!» فسُمّيَت حينئذٍ تَبُوك. قوله: ((وهي غزوة العُسْرة)) بمُهمَلتَينِ الأولى مضمومة وبعدها سكون، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]، وفي أوَّل أحاديث الباب قول أبي موسى: في جيش العُسرة، وهي غزوة تَبُوك. وفي حديث ابن عبَّاس: قيلَ لعمر: حَدِّثنا عن شأن ساعة العُسرة، قال: خَرَجنا إلى تَبُوك في قَيظٍ شديدٍ، فأصابنا عَطَش ... الحديث، أخرجه ابن خُزَيمةَ (١٠١). وفي ((تفسير عبد الرَّزّاق)) (١/ ٢٩٠) عن مَعمَر عن ابن عقيل قال: خَرَجوا في قِلّة من (١) هي اليوم أحد مدن الحجاز الرئيسة، تبعدُ عن المدينة النبوية شمالاً (٧٧٨) كيلو متراً على طريقٍ مُعبّدة تمرُّ بخیبر وتيماء. (٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: يبكون. ويبوكون، أي: يُحُرّكون. ٧٠٣ باب ٧٧ / ح ٤٤١٥ كتاب المغازي الظَّهر، وفي حَرّ شديد، حتَّى كانوا يَنحَرونَ البعير، فيَشرَبونَ ما في کَرِشِه من الماء، فكان ذلك عُسرةً من الماء، وفي الظَّهر، وفي النَّفَقة، فسُمّيَت غزوةَ العُسرة (١). وتَبُوك المشهور فيها عَدَم الصَّرف للتَّأنيثِ والعَلَميَّة، ومَن صَرَفَها أراد الموضع. ووَقَعَت تسميَتُها بذلك في الأحاديث الصَّحيحة: منها في ((صحيح مسلم)) (١٠/٢٢٨١): ((إِنَّكُم ستأتونَ غَداً عين تَبُوك))(٢)، وكذا أخرجه أحمد (٢٣٣٩٥) والبزَّار (٢٨٠٠) من حديث حُذَيفة، وقيلَ: سُمَّت بذلك لقوله وَّه للرجلينِ اللَّذَينِ سَبَقاه إلى العين: ((ما زِلتُما تَبُوكانها مُنذُ اليوم))، قال ابن قُتَيبة: فبذلك سُمّيَت عينَ تَبُوك، والبَوْك كالحَفْرٍ، انتهى. والحديث المذكور عند مالك (١٤٣/١-١٤٤) ومسلم (١٠/٢٢٨١) بغير هذا اللَّفظ، أخرَجاه من حديث معاذ بن جبل: أنَّهم خَرَجوا في عام تَبُوك معَ النبيّ وَِّ فقال: ((إِنَّكُم ستأتونَ غَداً إن شاء الله تعالى عين تَبُوك، فمَن جاءها فلا يَمَسّ من مائها شيئاً) فچِئناها وقد سَبَقَ إليها رجلان، والعين مِثل الشِّراك تَبِضّ بشيءٍ من ماء، فذكر الحديث في غسل رسول الله وَلّ وجهه ويَدَيه بشيءٍ من مائها ثمَّ أعادَه فيها، فجَرَتِ العين بماءٍ كثير فاستَقَى الناسُ. وبينها وبين المدينة من جهة الشّام أربع عشرة مَرحَلة، وبينها وبين دِمَشق إحدى عشرة مرحلة. وكان السَّبَب فيها ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره، قالوا: بَلَغَ المسلمينَ من الأنباط الذينَ يَقدَمونَ بالَّيتِ من الشّام إلى المدينة أنَّ الرّوم ◌َعَت ◌ُوعاً، وأجلَبَت معهم لَخْم وجُذَام وغيرهم من مُتَنَصِّرة العرب، وجاءت مُقدِّمتهم إلى البَلْقاء، فنَدَبَ النبيّ ◌َّ الناس إلى الخروج، وأعلمهم بجهة غَزْوهم كما سيأتي في الكلام على حديث كعب بن مالك (٤٤١٨). وروى الطبرانيُّ (١٨/ ٥٧٧) من حديث عِمران بن حُصَينٍ قال: كانت نَصارَى العرب كَتَبت إلى هِرَقَلَ: أنَّ هذا الرجل الذي خرج يَدَّعي النُّبّة هَلكَ وأصابتهم سِنُونَ، فَهَلَكَت (١) قوله: ((فسميت غزوةَ العسرة)) لم يَرِدْ في مطبوع ((تفسير عبد الرزاق)). (٢) من حديث معاذ بن جبل. ٧٠٤ باب ٧٧ / ح ٤٤١٥ فتح الباري بشرح البخاري أموالهم، فبَعَثَ رجلاً من عُظَمائهم يقال له: صناد(١)، وجَهَّزَ معه أربعينَ ألفاً، فَبَلَغَ النبيَّ وَّلـ ذلك، ولم يكن للنّاس قوّة، وكان عثمان قد جَهَّزَ عِيراً إلى الشّام، فقال: يا رسول الله، هذه مئتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومئتا أوقيَّة، قال: فسمعته يقول: ((لا يَضُرّ عثمانَ ما عَمِلَ بعدها»، وأخرجه التِّرمِذيّ (٣٧٠٠) والحاكم (٢) من حديث عبد الرَّحمن بن خَبّاب نحوه. ١١٢/٨ وذكر أبو سَعْد (٣) في (شَرَف المصطفى))، والبيهقيُّ في ((الدَّلائل))/ (٢٥٤/٥-٢٥٥) من طريق شهر بن حَوشَبٍ عن عبد الرَّحمن بن غَنْمِ: أنَّ اليهود قالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادِقاً فالحَق بالشّام، فإنَّها أرض المحشَر وأرض الأنبياء، فغَزَا تَبُوك لا يريد إلّا الشّام، فلمَّا بَلَغَ تَبُوك أَنزَلَ الله تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦] الآية. انتهى، وإسناده حَسَن معَ كَوْنه مُرسَلاً. قوله: ((أسأله الحُمْلان لهم)) بضمِّ الحاء المهمَلة، أي: الشَّيء الذي يَركَبونَ عليه ويَحمِلهم. قوله: «لا أجِدُ ما أحْمِلُكُم عليه (٤) في رواية موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب: وجاء نَفَر كلّهم مُعسِرٍ يَستَحمِلونَه، لا يُحِبّونَ التَّخَلُّف عنه، فقال: ((لا أجِد)) قال: ومن هؤلاءِ نَفَر من الأنصار ومن بني مُزَينَ. وفي ((مغازي ابن إسحاق)): أنَّ البَكّائِينَ سبعة نَفَر: سالم بن عُمَير، وأبو ليلى بن كعب، وعَمْرو بن الحمام، وعبد الله بن مُغفَّل، وقيلَ: ابن عمرو (٥)، وعُلْبة(٦) بن زيد، وهَرَميّ (١) تحرف في (أ) إلى: قباد، وكذلك في (ع) إلّا أنه بالفاء والنون بدل القاف والباء. وفي (س) كذلك إلَّا أنه بالقاف والباء وإعجام آخره: قباذ. والمثبت من النسختين المحققتين من ((تاريخ دمشق))، وكذلك هو في ((معجم الطبراني)) لكنه بالضاد المعجمة بدل المهملة. (٢) لم نقف عليه في ((المستدرك))، ولم ينسبه إليه الحافظ في ((إتحاف المهرة)) (١٣٤٨٣)، فلعله في ((الإكليل)) أو في كتاب آخر له، والله أعلم. (٣) تحرف في (أ) و(س) إلى: أبو سعيد. (٤) لم يُروَ حديث أبي موسى قط بهذا اللفظ، وإنما لفظه: ((والله لا أحملكم على شيء)) وقد ذكر الحافظ نص الآية التي نزلت في شأن أولئك الذي قال لهم النبي وسر ذلك. (٥) تحرف في الأصلين و(س) إلى: غَنمة. (٦) تصحفت في (س) إلى: علية. ٧٠٥ باب ٧٧ / ح ٤٤١٦ كتاب المغازي ابن عبد الله، وعِرباضُ بن سارية(١). قال: فبَلَغَني أنَّ أبا ياسر اليهوديّ - وقيلَ: ابن يامينَ - جَهَّزَ أبا ليلى وابن مُغفَّل. وقيلَ: كان في البَكّائِينَ بنو مُقرِّن السَّبعة: مَعِقِل وإخوته. قوله: ((خُذْ هذَينِ القَرِينَينِ)) أي: الْجَمَلَينِ المشدودَينِ أحدهما إلى الآخر، وقيلَ: النَّظيرَينِ المتساويَينِ، وفي رواية أبي ذرِّ عن المُستَمْلي: ((هاتَينِ القَرِينَتَينِ)) أي: الناقَتَينِ، وتقدَّم في قُدوم الأشعَرِيّينَ (٤٣٨٥): أنَّه ◌َّرِ أَمَرَ لهم بخمس ذَود، وقال هنا (٢): بستّة أبعِرَة. فإمّا تَعَدَّدَتِ القِصّة، أو زادَهم على الخمْس واحداً. وأمَّا قوله: ((هاتَينِ القَرِينَتَينِ وهاتَينٍ القَرِينَتَينِ)»، فيحتمل أن يكون اختصاراً من الراوي، أو كانت الأولَى اثنَتَينِ والثّانية أربعة، لأنَّ القَرِين يَصدُق على الواحد وعلى الأكثر. وأمَّا الرِّواية الَّتي فيها: ((هذَينِ القَرِينَينِ)) فِذَكَّرَ ثمَّ أَنَّثَ، فالأولَى على إرادة البعير، والثّانية على إرادة الاختصاص لا على الوصفيَّة. قوله: ((ابتاعَهُنَّ)» في رواية الگُشْمِيهنئِّ: ابتاعَهم، وكذا ((انطَلَقَ بهنَّ» في روايته: بهم، وهو تحريف، والصَّواب ما عند الجماعة لأنَّه جمع ما لا يَعِقِل. قوله: ((حينئذٍ من سعد)) لم يَتَعيَّن لي مَن هو سعد إلى الآن، إلّا أنَّه يَهجِسُ في خاطِرِي أنَّه سعد بن عُبَادة. وفي الحديث استحباب حَنْث الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيراً منها، كما سيأتي البحث فيه في الأيمان والنُّذور. وانعِقاد اليمين في الغضب (٦٦٧٨)، وسنذكر هناكَ (٦٧٢١) بقيّة فوائد حدیث أبي موسی إن شاء الله تعالى. ٤٤١٦- حدَّثنا مُسدّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن الحَكَم، عن مُصْعَبٍ بنِ سعدٍ، عن أبيه: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ خرج إلى تَبُوكَ واستَخْلَفَ عليّاً، فقال: أَتُّخَلِّفُني في الصِّبْيان والنِّساءِ؟ قال: ((ألا تَرْضَى أن تكونَ منّي بمَنزِلةِ هارون من موسى؟ إلَّا أَنَّ لَيس نبيٌّ بَعْدِي)). وقال أبو داودَ: حدَّثْنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، سمعتُ مُصْعَباً. (١) زاد في الأصلين و(س): وسلمة بن صخر، وهو خطأ إذالم يرد ذكره في ((سيرة ابن هشام) ٥١٨/٢ في البكّائين، على أنَّ المذكورين يتم بهم العدد سبعة. ولذلك حذفناه. (٢) لفظة ((غير)) سقطت من (س). ٧٠٦ باب ٧٧ / ح ٤٤١٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، والحَكَم: هو ابن عُتَية، بمُثّة وموخَّدة مُصغَّر. قوله: ((بمَنزِلةِ هارون من موسى)) في رواية عطاء بن أبي رَباح مُرسَلاً عند الحاكم في ((الإكليل)): فقال: ((يا عليّ اخلُفني في أهلي، واضِرِب وخُذ وعِظ)) ثمَّ دَعَا نساءَه، فقال: (اسمَعنَ لعليٍّ وأُطِعِنَ)). قوله: ((وقال أبو داودَ: حدَّثنا شُعْبة ... )) إلى آخره، أراد بيان التَّصريح بالسَّماع في رواية الحَكَم عن مُصعَب، وطريق أبي داود هذه - وهو الطَّيالسُّ - وَصَلَها أبو نُعَيم في ((المستَخرَج))، والبيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٢٢٠/٥) من طريقه. ٤٤١٧ - حدَّثنا عُبِيدُ الله بنُ سعيدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَكْرٍ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: سمعتُ عطاءً يُخْبِرُ، قال: أخبرني صَفْوانُ بنُ يَعْلَى بنِ أُميََّ، عن أبيه، قال: غَزَوْتُ معَ النبيِّ وَِّ العُشْرةَ، ١١٣/٨ قال: كان يَعْلَى يقول: تلكَ / الغزوةُ أَوْثَقُ أعمالي عندي. قال عطاءٌ: فقال صَفْوانُ: قال يَعْلَى: فكان لي أجِيرٌ، فقاتَلَ إنساناً فعَضَّ أحدُهما يَدَ الآخَرِ - قال عطاءٌ: فلقد أخبرني صَفْوانُ أَيُّهما عَضَّ الآخَرَ فَنَسِيتُه - قال: فانتَزَعَ المعضوضُ يدَه من فِي العاضُّ، فانتَزَعَ إحدَى ثَنِيِّتَه، فأتيا النبيَّ ◌َّهِ فأهدَرَ ثَنِيَّتَه. قال عطاءٌ: وحَسِبتُ أنَّه قال: قال النبيُّ مَ: ((أَفَيَدَعُ يدَه في فيكَ تَقْضَمُها، كأنََّا فِي فِي فَحْلٍ يَقْضَمُها؟!». قوله: ((غَزَوْت معَ رسول الله وَِّ العُسْرة)» كذا للأكثَرِ، وفي رواية السَّرَخْسيّ: العُسَيرة، بالتَّصغیرِ. قال: ((كان يَعْلَى يقول: تلكَ الغزوة أوْثَق أعمالي عندي)) تقدَّم في الإجارة بلفظ: أجمالي، وبالعين المهملة أصحّ. قوله: «قال عطاء» هو موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((كان لي أجير، فقاتَلَ إنساناً فعَضَّ أحدُهما يدَ الآخَر - قال عطاء: فلقد أخبرني صَفْوان أيّهما عَضَّ الآخَرِ فَتَسِيته)) سيأتي البحث في ذلك وتَتِمّة شرح هذا الحديث في کتاب الدّیات (٦٨٩٢ و٦٨٩٣) إن شاء الله تعالى. ٧٠٧ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ كتاب المغازي ٧٨ - حدیث کعب بن مالكٍ وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ ﴾ [التوبة: ١١٨]. ٤٤١٨ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ ابنِ عبدِ الله بنِ كعبٍ بنِ مالكٍ، أنَّ عبد الله بنَ كعبٍ بنِ مالكِ - وكان قائدَ كعبٍ من بَنِه حینَ عَمِيَ - قال: سمعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُ حينَ تَخَلَّفَ عن قِصّةٍ تَبُوكَ، قال كعبٌ: لم أَتَخَلَّف عن رسولِ اللهِوَ لِّ في غزوةٍ غَزاها إلّ في غزوةٍ تَبُوكَ، غيرَ أنّ كنتُ تَخَلَّفْتُ في غزوةٍ بَدْرٍ، ولم يُعاتِبْ أحداً تَخْلَّفَ عنها، إنَّما خرج رسولُ اللهِ وَّه يريدُ عِيرَ قُرَيشٍ، حتَّى ◌َمَعَ الله بينَهم وبينَ عَدِّهم على غیرِ مِیعادٍ. ولقد شَهِدْتُ معَ رسولِ اللهِوَ ◌ّ ليلةَ العَقَبَةِ حينَ تَواثَقْنا على الإسلام، وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإن كانت بَدْرٌ أذْكَرَ في الناسِ منها، كان من خَبَرَي أنّي لم أكُن قَطُّ أقوَى ولا أيسَرَ حينَ تَخَلَّفْتُ عنه في تلكَ الغَزاةِ، والله ما اجْتَمَعَت عندي قبلَه راحلَتان قَطُّ، حتَّى ◌َعْتُهما في تلكَ الغزوةِ، ولم يكن رسولُ الله ◌َّه يريدُ غزوةً إلا ورَّى بغيرِها، حتَّى كانت تلكَ الغزوةُ، غَزاها رسولُ اللهِ وَّهِ فِي حَرِّ شديدٍ، واستقبَلَ سَفَراً بَعِيداً، ومَفازاً وعَدوّاً كثيراً، فجَلَّى للمسلمينَ أمَرَهم ليَتَأَبوا أُهْبةَ غَزْوِهم، فأخبَرَهم بوَجْهِه الذي يريدُ، والمسلمونَ معَ رسولِ الله ◌َّهَ كَثِيرٌ، ولا يَجِمَعُهم كتابٌ حافظٌ - يريدُ الدِّيوانَ - قال كعبٌ: فما رجلٌ يريدُ أن يَتغيَّبَ إلا ظنَّ أنه سَيَخْفَى له، ما لم يَنْزِل فيه وحْيُ الله، وغَزا رسولُ اللهِ وَِّ تلكَ الغزوةَ حينَ طابَتِ الثِّارُ والظِّلَالُ، وَتَجَهَّزَ رسولُ الله ◌َِّ والمسلمونَ معه، فطَفِقْتُ أغدو لكَي أنْجَهَّزَ معهم، فأرجِعُ ولم أقضِ شيئاً، فأقولُ في نفسي: أنا قادِرٌ عليه، فلم يزل يَتَادَى بي حتَّى اشتَّ الناسُ الجِدَّ، فأصبَحَ رسولُ اللهِ وَلاَ/ والمسلمونَ معه، ولم أقضِ من جَهازي شيئاً، فقلتُ: أتجَهَّزُ بعدَه ١١٤/٨ بيومٍ أو يومينٍ، ثمَّ الحَقُهم، فغَدَوْتُ بعدَ أن فصَلوا لأَتْجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ ولم أقضِ شيئاً، ثمَّ غَدَوْتُ ثَّ رَجَعْتُ ولم أقضِ شيئاً، فلم يزَل بي حتَّى أسرَعوا وتَفارَطَ الغَزْوُ، وهَمْتُ أن أرَحِلَ فَأُدْرِكَهمْ، ولَيْتَنَي فعَلْتُ، فلم يُقَدَّر لي ذلك، فكنتُ إذا خَرَجْتُ في الناسِ، بعدَ خروج رسولِ الله ◌ِِّ، فَطُفْتُ ٧٠٨ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري فيهم، أحزَنَني أنّ لا أرَى إِلَّ رجلاً مَغْموصاً عليه النِّفاقُ، أو رجلاً ممَّنْ عَذَرَ الله مِن الضُّعَفاءِ، ولم يَذْكُرْني رسولُ الله ◌َِّ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فقال وهو جالسٌّ في القوم بتبوكَ: ((ما فعَلَ كعبٌ؟)) فقال رجلٌ من بني سَلِمةَ: يا رسولَ الله، حَبَسَه بُرْداه ونَظَرُّه في عِطْفِه، فقال معاذُ بنُ جبلٍ: بْسَ ما قلتَ! والله يا رسولَ الله ما عَلمْنا عليه إلَّا خيراً، فسَكَتَ رسولُ اللهِوَّةِ، قال كعبُ بنُ مالكٍ: فلمَّا بَلَغَنِي أَنَّه تَوَجَّهَ قافلاً حَضَرَني هَمّي، وطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وأقولُ: بماذا أخرُجُ من سَخَطِهِ غَداً؟ واستَعَنْتُ على ذلك بكلِّ ذي رأي من أهلي، فلمَّا قيل: إنَّ رسولَ الله وَلِّ قد أَظَلَّ قادِماً زاحَ عنِّي الباطِلُ، وعَرَفْتُ أنّي لَن أخرُجَ مِنْه أبداً بشيءٍ فيه كَذِبٌ، فأْمَعْتُ صِدْقَه، وأصْبَحَ رسولُ الله ◌ِ﴿ قادِماً، وكان إذا قَدِمَ من سَفَرِ بَدَأ بالمسجدِ، فَرْكَعُ فیه رَكْعَتَينِ، ثمَّ جَلَسَ للنّاسِ، فلمَّا فَعَلَ ذلك جاءه المخلَّفونَ، فطَفِقوا يَعْتَذِرونَ إليه، ويَخْلِفُونَ له - وكانوا بضْعَةً وثمانينَ رجلاً - فقَبِلَ منهم رسولُ الله ◌ِّهَ عَلَانيَتَهم، وبايعَهم واستَغْفَرَ لهم، ووَكَلَ سَرائرَهم إلى الله، فجِثْتُه، فلمَّا سَلَّمْتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثمَّ قال: (تَعالَ)) فجِئْتُ أمشي حتَّى جَلَسْتُ بِينَ يَدَيه، فقال لي: ((ما خَلَّفَكَ، ألم تكن قد ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟)) فقلتُ: بَلَى، إِنِّ والله لو جَلَسْتُ عندَ غيرِكَ من أهلِ الدُّنْيا، لَرأيتُ أن سَأَخرُجُ من سَخَطِهِ بعُذْرٍ، ولقد أُعْطِيتُ جَدَلاً، ولكنّي والله لقد عَلمْتُ لَئِنِ حَدَّثْتُكَ اليومَ حديثَ كَذِبٍ تَرْضَى به عنِّي، لَيوشِكَنَّ الله أن يُسْخِطَكَ عليَّ، ولَئِنِ حَدَّثْتُكَ حديثَ صِدْقٍ تَجِدُ عليَّ فيه، إنّ لأرجو فيه عَفْوَ الله، لا والله، ما كان لي من عُذْرٍ، والله ما كنتُ قَطُّ أقوَى ولا أيسَرَ منّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عنكَ، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((أمَّا هذا فقد صَدَقَ، فقُم حتَّى يَقْضِيَ الله فيكَ)) فقُمْتُ وثارَ رجالٌ من بني سَلِمةَ، فَاتَّبَعوني، فقالوا لي: والله ما عَلِمْناكَ كنتَ أَذْنَبْتَ ذَنْباً قبلَ هذا، ولقد عَجَزْتَ أن لا تكونَ اعْتَذَرْتَ إلى رسولِ الله ◌ِِّ بِما اعْتَذَرَ إليه المُخَلَّفُونَ، قد كان كافيَكَ ذَنْبَكَ استِغْفَارُ رسولِ اللهَوَّلكَ، فوالله ما زالوا يُؤَنِّبُونَني حتَّى أَرَدْتُ أن أرجِعَ فَأُكَذِّبَ نفسي، ثمَّ قلتُ لهمْ: هل لَقِيَ هذا مَعي أحدٌ؟ قالوا: نعم، رَجُلان قالا مِثلَ ما قلتَ، فقيل لهما مِثلُ ما قيل لكَ، فقلتُ: مَن هما؟ قالوا: مُرَارةُ بنُ الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ، وهلالُ بنُ أُميَّةَ الواقِيُّ، فَذَكَروا لي رجلَينِ ١١٥/٨ صالحَينٍ، قد شَهِدا بَدْراً فيهما إِسْوةٌ، فمَضَيتُ حينَ ذَكَروهما لي، ونَهَى رسولُ اللهِ وَّ/ المسلمينَ ٧٠٩ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ كتاب المغازي عن كلامِنا أيُّها الثَّلاثةُ من بينِ مَن تَخَلَّفَ عنه، فاجْتَنَنا الناسُ وتَغيَّرُوا لَنا، حتَّى تَنْكَّرَتْ في نفسي الأرضُ، فما هي الَّتي أعرِفُ، فَلَِثْنا على ذلك خمسينَ ليلةً، فأَمَّا صاحباي فاستكانا وقَعَدا في بُيُوتِهِما يَبْكِيان، وأمَّا أنا فكنتُ أشَبَّ القومِ وأجْلَدَهم، فكنتُ أخرُجُ فأشهَدُ الصَّلاةَ معَ المسلمينَ، وأطوفُ في الأسواق، ولا يُكلِّمُني أحدٌ، وآتي رسولَ الله ◌َِّ فَأَسَلِّمُ عليه وهو في مَجْلِه بعدَ الصَّلاةِ، فأقولُ في نفسي: هل حَرَّكَ شَفَتَيهِ بَدِّ السَّلامِ عليَّ أم لا؟ ثمَّ أُصَلّ قريباً منه، فأُسارقُه النَّظَرَ، فإذا أقبَلْتُ على صَلاقٍ أقبَلَ إليَّ، وإذا التَقَتُّ نحوَه أعرَضَ عِنِّي، حتَّى إذا طالَ عليَّ ذلك من جَفْوةٍ الناسِ، مَشَيتُ حتَّى تَسوَّرْتُ جِدَارَ حائطِ أبي قَادَةَ، وهو ابنُ عَمّي، وأحَبُّ الناسِ إلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عليه، فوالله ما رَدَّ عليَّ السَّلامَ، فقلتُ: يا أبا قَتَادةَ، أنشُدُكَ بالله! هل تعلمُني أُحِبُّ الله ورسولَه؟ فسَكَتَ، فعُدْتُ له فتَشَدْتُه، فسَكَتَ، فَعُدْتُ له فتَشَدْتُه، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضَت عيناي، وتَوَلَّتُ حتَّى تَسوَّرْتُ الجدارَ. قال: فبينا أنا أمشي بسوقِ المدينةِ، إذا نَبَطِيُّ من أنْباطِ أهلِ الشَّامِ مَمَّن قَدِمَ بالطَّعامِ يَبِيعُه بالمدينةِ، يقول: مَن يدلَّ على كعبٍ بنِ مالكِ؟ فطَفِقَ الناسُ يُشِيرونَ له، حتَّى إذا جاءني دَفَعَ إليَّ كتاباً من مَلِكِ غَسّانَ، فإذا فيه: أمَّا بَعْدُ فإنَّه قد بَلَغَني أنَّ صاحبَكَ قد جَفاكَ، ولم يَجْعَلْكَ الله بدار هَوانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالحَقْ بنا نُواسِكَ، فقلتُ لمَّا قرأتُها: وهذا أيضاً مِن البلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بها التَّورَ فسَجَرْتُه بها، حتَّى إذا مَضَت أربعونَ ليلةً مِن الخمسينَ، إذا رسولُ رسولِ الله وَد. يأتيني، فقال: إنَّ رسولَ اللهَوَّه يأمرُكَ أن تَعْتَزِلَ امرأتكَ، فقلتُ: أَطَلِّقُها أم ماذا أفعَل؟ قال: لا، بَلِ اعْتَزِنها ولا تَقْرَبْها، وأرسَلَ إلى صاحبيَّ مِثْلَ ذلك، فقلتُ لامرأتي: الحَقِي بأهلِكِ، فتكوني عندَهم حتَّى يَقْضِيَ الله في هذا الأمرِ، قال كعبٌ: فجاءتِ امرأةٌ هلال بنِ أُميَّةً رسولَ الله ◌َ﴿، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ هلالَ بنَ أُميَّةَ شيخٌ ضائعٌ، ليس له خادٌِ، فَهَل تَكْرَه أن أخدُمَه؟ قال: ((لا، ولكن لا يَقْرَبْكِ)) قالت: إنَّه والله ما به حركةٌ إلى شيءٍ، والله ما زالَ بَيْكي منذُ كان من أمرِهِ ما كان إلى يومِه هذا، فقال لي بعضُ أهلي: لَوِ استَأذَنْتَ رسولَ الله وَلِ فِي امرأتِكَ، كما أذِنَ لامرأةٍ هلال بنِ أُميَّةَ أن تَخْدُمَه، فقلتُ: والله لا أستَأذِنُ فيها رسولَ الله وَلآ، وما يُدْرِيني ما يقول رسولُ اللهَوَّل﴿ إذا استَأْذَنْتُه فيها، وأنا رجلٌ شابٌّ؟ فَبِثْتُ بعدَ ذلك عَشْرَ ٧١٠ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري لَيَالٍ، حتَّى كَمَلَت لنا خمسونَ لیلةً من حينَ نَهَى رسولُ الله ◌َ ◌ِّ عن کلامِنا، فلمَّاً صَلَّیتُ صلاةَ الفَجْرِ صُبْحَ خمسينَ ليلةً، وأنا على ظَهْرِ بئيتٍ من بُيوتِنا، فبينا أنا جالس على الحال الَّتي ذكر الله: قد ضاقَت عليَّ نفسي وضاقَت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ، سمعتُ صوتَ صارخٍ أوْلَى على جبلٍ ١١٦/٨ سَلْعٍ بأعلى صوتِه: يا كعبَ بنَ مالكٍ أبشِرْ، قال: فخَرَرْتُ / ساجِداً، وعَرَفْتُ أن قد جاء فرَجٌ، وآذَنَ رسولُ اللهِ وَّهِ بِتَوْبةِ الله علينا حينَ صَلَّى صلاةَ الفَجْرِ، فذهب الناسُ يُبِّرُونَنا، وذهب قِبَلَ صاحبَيَّ مُبِشِّرونَ، وَرَكَضَ إليَّ رجلٌ فَرَساً، وسَعَى ساعٍ من أسلَمَ، فَأَوْقَى على الجبلِ، وكان الصَّوْتُ أسرَعَ مِن الفرسِ، فلمَّا جاءني الذي سمعتُ صوتَه يُبِّرُني نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ، فكَسوْتُه إِيّاهما بُشْراه، والله ما أملِكُ غيرَهما يومَئذٍ، واستَعَرْتُ ثَوْبينٍ فَلَبِسْتُهما، وانطَلَقْتُ إلى رسولِ الله وَّهِ فِيَتَلَقّاني الناسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَثُّونَني بالتوْبةِ، يقولون: لِتَهْنِكَ تَوْبةُ الله عليكَ! قال كعبّ: حتَّى دَخَلْتُ المسجدَ، فإذا رسولُ اللهِ وَّهِ جالسٌ حَوْلَه الناسُ، فقامَ إليَّ طَلْحُ بنُ عُبيدِ الله ◌ُتَرْوِلُ حتَّى صافَحَني، وهَنّاني، والله ما قامَ إليَّ رجلٌ مِن المهاجِرِينَ غيرُه، ولا أنْساها لِطَلْحَةَ، قال كعبٌّ: فلمَّا سَلَّمْتُ على رسولِ اللهِ وَّةِ، قال رسولُ الله ◌َِّ وهو يَبْرُقُ وجهُه مِن السُّرورِ: ((أبشِر بخيرٍ يومٍ مَّ عليكَ منذُ وَلَدَتْكَ أمُّكَ!)). قال: قلتُ: أمِن عندِكَ يا رسولَ الله، أم من عندِ الله؟ قال: ((لا، بل من عندِ الله)) وكان رسولُ الله ◌َّةِ إذا سُرَّ اسْتَنَارَ وجهُه، حتَّى كأَنَّ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وكنّا نَعْرِفُ ذلك منه، فلمَّا جَلَسْتُ بينَ يَدَيه قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ من تَوْبَتي أن أنْخَلِعَ من مالي صَدَقَةً إلى الله وإلى رسولِ الله، قال رسولُ الله وَّ: ((أمسِك عليكَ بعضَ مالكَ، فهو خيرٌ لكَ)) قلتُ: فإنّ أُمْسِكُ سَهْمي الذي بِخَيْرَ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ الله إنَّما نَجّاني بالصِّدْقِ، وإنَّ من تَوْبَتي أن لا أُحدِّثَ إلَّا صِدْقاً ما بَقِيتُ، فوالله ما أعلم أحداً مِن المسلمينَ أبلاه الله في صِدْقِ الحديثِ، منذُ ذَكَرْتُ ذلك لِرسولِ الله وَ لِّ، أحسنَ مَّا أبلاني، ما تَعَمَّدْتُ منذُ ذَكَرْتُ ذلك لِرسولِ الله وَله إلى يومي هذا كَذِباً، وإنّي لأرجو أن يَخْفَظَني الله فيما بَقِيتُ، وأَنزَلَ الله على رسوله وَّةِ: ﴿لَّقَد تَابَ اللّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَدِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧]، فوالله ما أنْعَمَ الله عليَّ من نِعْمةٍ قَطُّ - بعدَ أن هَدَاني للإسلام - أعظَمَ في نفسي من صِدْقِي لِرسولِ اللهِوَال أن لا ٧١١ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ كتاب المغازي أكونَ كَذَبْتُه، فأهلِكَ كما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبوا، فإنَّ الله قال للَّذِينَ كَذَّبوا حينَ أَنزَلَ الوَحْيَ شَرَّ ما قال لأحدٍ، فقال تَبَارَكَ وتعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥] قال كعبٌ: وكنَّا تَخَلَّفْنا أيُّها الثَّلاثةُ عن أمرٍ أولئكَ الَّذِينَ قَبِلَ منهم رسولُ الله ◌ِِّ حِينَ حَلَفوا له، فبايعَهم، واستَغْفَرَ لهم، وأرجَأ رسولُ الله وَلـ أمرَنا، حتَّى قَضَى الله فيه، فبِذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾ [التوبة:١١٨] وليس الذي ذكر الله ممّا خُلِّفْنا عن الغَزْوِ، إنَّما هو تَخْلِيفُهُ إِيّانا، وإرْجاؤه أمرَنا عَمَّن حَلَفَ له وَاعْتَذَرَ إليه، فقَبِلَ منه. قوله: ((حديث كعب بن مالك، وقول الله تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ ﴾)) سيأتي الكلام على قوله: ﴿ خُلِّفُواْ﴾ في آخِر الحديث. قوله: ((عن عبد الرّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أنَّ عبد الله بن كعب)) كذا عند الأكثَر، / ووَقَعَ عن الزُّهْريّ في بعض هذا الحديث روايةٌ عن عبد الرَّحمن بن كعب بن مالك، ١١٧/٨ وهو عَمّ عبد الرَّحمن بن عبد الله الذي حدَّث به عنه هُنا، وفي رواية: عن عبد الله بن كعب نفسه، قال أحمد بن صالح فيما أخرجه ابن مردويه: كان الزّهْريّ سمعَ هذا القَدر من عبد الله بن كعب نفسه، وسمعَ هذا الحديث بطوله من ولده عبد الرّحمن بن عبد الله بن كعب، وعنه أيضاً رواية عن عبد الرّحمن بن عبد الله بن كعب عن عَمّه عُبيد الله بالتَّصغيرِ. ووَفَعَ عند ابن جَرِير (١١/ ٥٧) من طريق يونس عن الزُّهْريّ في أوَّل الحديث بغير إسناد: قال الزُّهْريّ: غَزَا رسول الله وَِّ غزوة تَبُوك وهو يريد نَصارَى العرب والرّوم بالشّام، حتَّى إذا بَلَغَ تَبُوك أقامَ بضع عشرةَ ليلة، ولَقيَه بها وفد أذْرُح ووَفْدُ أَيْلَةَ، فصالَهم رسول الله وَّل على الجِزية، ثمَّ قَفَلَ من تَبُوك ولم يُحاوِزها، وأنزَلَ الله تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾ الآية [التوبة: ١١٧] والثلاثة الذينَ خُلِّفُوا رَهْطٌ من الأنصار في بضعة وثمانينَ رجلاً، فلمَّا رَجَعَ صَدَقَه أولئكَ واعتَرَفوا بذنوبهم، وكَذَبَ سائرهم فحَلَفوا ما حَبَسهم إلّا العُذر، فقبلَ ذلك منهم، ونَهَى ٧١٢ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري عن كلام الذينَ خُلِّفوا. قال الزّهْريّ: وأخبرني عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب، فساقَ الحدیث بطوله. قوله: ((وكان قائد كعب من بنيهِ)) بفتح الموحّدة وكسر النُّون بعدها تحتانيَّة ساكنة. وَقَعَ في رواية القابِسيّ هُنا، وكذا لابنِ السَّكَن في الجهاد: من بيته، بفتح الموحَّدة وسكون التَّحتانيَّة بعدها مُثنّاة، والأوَّل هو الصَّواب. وفي رواية معقل عن ابن شهاب عند مسلم (٥٥/٢٧٦٩): وكان قائد كعب حين أُصيب بَصَره، وكان أعلم قومه وأوعاهم لأحاديث أصحاب رسول الله ولاتل . قوله: ((حين تَخَلَّفَ)) أي: زمان تَخُلُّفه. وقوله: ((عن قِصّة)) مُتعلِّق بقوله: مُحدِّث. قوله: ((إلّا في غزوة تَبُوك)) زاد أحمد (٢٧١٧٥) من رواية مَعمَر: وهيَ آخِر غزوة غَزاها. وهذه الزّيادة رواها موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب بغير إسناد، ومثله في زيادات ((المغازي)) ليونس بن بُکَیر من مُرسَل الحسن. وقوله: ((ولم يُعاتب أحدا) تقدَّم في غزوة بدر (٣٩٥١) بهذا السَّنَد: ولم يُعاتب الله أحداً. قوله: ((تَوَاثَقْنا)) بمُثلَّثةٍ وقاف، أي: أخَذَ بعضنا على بعضِ الميثاقَ لمَّا تَبايعنا على الإسلام والجهاد. قوله: ((وما أُحِبّ أنَّ لي بها مَشْهَدَ بَدْر)) أي: أنَّ لِي بَدَلها. قوله: «وإن کانت بدر أذْکر في الناس» أي: أعظم ذِكْراً. وفي رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم (٥٣/٢٧٦٩): وإن كانت بدر أكثَر ذِكْراً(١) في الناس منها. ولأحمد (٢٧١٧٥) من طريق مَعمَر عن ابن شِهاب: ولَعَمري إنَّ أَشَرَف مشاهد رسول الله وَل ◌ِ لَبدر. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وتبعه العيني، بأنَّ رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم بهذا اللفظ، مع أنَّ الذي في المطبوع من ((صحيح مسلم))، وكذا في نسخة ابن خير الإشبيلي، وكذا في ((شرح النووي على مسلم)) كرواية عقيل عن ابن شهاب التي عند المصنف هنا، أي: بلفظ: أذكر في الناس. فالله تعالى أعلم. ٧١٣ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ كتاب المغازي قوله: ((أقوَى ولا أيسَر)) زاد مسلمٌ: مِنّي. قوله: ((ولم يكن رسول الله وَل﴿ يريد غزوة إلّ ورَّى بغيرِها)) أي: أوهَمَ غيرها، والتورية: أن يَذكُر لَفظاً يحتمل مَعنَينِ أحدهما أقرَب من الآخر، فيوهم إرادة القريب، وهو يريد البعيد. وزاد أبو داود (٢٦٣٧) من طريق محمَّد بن ثَور عن مَعمَر عن الزّهْريّ: وكان يقول: ((الحرب خدعة)). تنبيه: هذه القطعة من الحديث أُفرِدَت منه، وقد تقدَّمت في الجهاد بهذا الإسناد (٢٩٤٧)، وزاد فيه (٢٩٤٩) من طريق يونس عن الزُّهْريّ: وقَلَّما كان يَخْرُج إذا خرج في سَفَر إلّا يوم الخميس. وللنَّسائيِّ (ك٨٧٣٦) من طريق ابن وَهْب عن يونس: ((فِي سَفَر جهاد ولا غيره)). وله (ك٨٧٣٤) من وجه آخر: وخرج في غزوة تَبُوك يوم الخميس. قوله: ((وعَدوّاً كَثيراً) في رواية: وَغَزْوَ عدوٍّ كثيرٍ (١). قوله: ((فجَلَّى)) بالجيم وتشديد اللّام ويجوز تخفيفها، أي: أوضَحَ. قوله: ((أُهْبة غَزْوهمْ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: أُهبة عَدوّهم. والأهبة بضمِّ الهمزة وسكون الهاء: ما يُحتاج إليه في السَّفَر والحرب. قوله: ((ولا يَجِمَعهم كتابٌ حافظٌ)) بالتَّنوين فيهما، وفي رواية مسلم بالإضافة، وزاد في رواية مَعِقِل: يزيدونَ على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ. وللحاكم في (الإكليل)) من حديث معاذ: خَرَجنا معَ رسول الله وَّهِ إلى غزوة تَبُوك زيادة على ثلاثينَ ألفاً. وبهذه العِدّة جَزَمَ ابن إسحاق، / وأورَدَه الواقديُّ بسندٍ آخر موصول، وزاد: أنَّه كان معه عشرة آلاف ١١٨/٨ فرس. فتُحمَل رواية مَعقِل على إرادة عَدَد الفرسان. ولابنِ مَرْدويه: ولا يجمعهم ديوان حافظ؛ يعني كعبٌ بذلك الدّيوان، يقول: لا يجمعهم ديوان مكتوب، وهو يُقوِّي رواية التَّنوین. وقد نُقِلَ عن أبي زُرْعة الرّازيِّ أنَّهم كانوا في غزوة تَبُوك أربعينَ ألفاً، ولا تُخالف الرّواية الَّتي في ((الإكليل)): أكثر من ثلاثين ألفاً، لاحتمال أن يكون مَن قال: أربعينَ ألفاً جَبَرَ الكسر. (١) هذه رواية ابن سعد في ((طبقاته)) ١٦٧/٢. ٧١٤ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((يريد الدّيوان)) هو كلام الزُّهْريّ، وأراد بذلك الاحتِراز عمَّا وَقَعَ في حديث حُذَيفة: أنَّ النبيّ وَِّ قال: ((اكتُبُوا لِي مَن تَلَفَّظَ بالإسلام))(١). وقد ثَبَتَ أنَّ أوَّل مَن دَوَّنَ الدیوان عمر ﴾(٢). قوله: «قال کعب» هو موصول بالإسناد المذکورِ. قوله: «فما رجل» في رواية مسلم: فقَلَّ رجل. قوله: ((إلّا ظِنَّ أَنَّه سَيَخْفَى)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: أن سَيَخْفَى، بتخفيفِ النُّون بلا هاء، وفي رواية مسلم: أنَّ ذلك سَيَخفَی له. قوله: ((حين طابَت الثِّار والظُّلال)) في رواية موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب: في قَيظ شديد في لَيالي الخَريف، والناس خارفونَ في نَخيلهم. وفي رواية أحمد من طريق مَعمَر: وأنا أقدَر شيءٍ في نفسي على الجِهاد(٣) وخِفّة الحاذٍ، وأنا في ذلك أصْغو إلى الظِّلال والثِّار. وقوله: الحاذ، بحاءِ مُهمَلة وتخفيف الذّال المعجَمة: هو الحال وزناً ومَعنَى. وقوله: أصغو، بصادٍ مُهمَلة وضمّ المعجَمة، أي: أمِيل، ويُروَى: أصعَر، بفتح (٤) العين المهمَلة بعدها راء. وفي رواية ابن مردویه: فالناس إليها صُعُر. قوله: ((حتَّى اشتَّ الناسُ الجِدَّ) بكسر الجيم: وهو الجِدُّ في الشَّيء والمبالَغة فيهِ، وضَبَطوا الناس بالرَّفع على أنَّه الفاعِل، والجِدَّ بالنَّصب على نَزع الخافض، أو هو نَعت لمصدَرٍ محذوف، أي: اشتَدَّ الناس الاشتِدادَ الجِدَّ، وعند ابن السَّكَن: اشتَدَّ بالناس الجِدّ. برفع الجِدّ وزيادة الموحّدة، وهو الذي في رواية أحمد ومسلم وغيرهما، وفي رواية الگُشْمِيهنئِّ: بالناس الجِدّ. والجِدّ على هذا فاعِل، وهو مرفوع، وهي رواية مسلم، وعند ابن مَردويه: حتَّى شَمَّرَ الناس (١) سلف برقم (٣٠٦٠). (٢) أخرج ذلك عبد الله بن أحمد بن حنبل في زياداته على ((فضائل الصحابة)) لأبيه (٤٦٤) بسند صحيح عن جابر بن عبد الله. (٣) في (س): على الجهاز. (٤) تحرف في (س) إلى: بضم. ٧١٥ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ كتاب المغازي الجِدّ. وهو يُؤيِّد التوجيه الأوَّل. قوله: ((فأصْبَحَ رسول الله ◌َّ والمسلمونَ معه ولم أقضِ من جَهازي)) بفتح الجيم ويكسرها. وعند ابن أبي شَيْبة، وابن جَرِير من وجه آخر عن كعب: فأخَذت في جَهازي، فأمسَيت ولم أَفُرُغ، فقلت: أنَجَهَّز في غَد (١). قوله: ((حتَّى أسرَعوا)) وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: حتَّى شَرَعوا. بالشّينِ المعجَمة، وهو تصحیفٌ. قوله: ((وتَفارَطَ)) بالفاءِ والطاء والمهمَلة، أي: فاتَ وسَبَقَ، والفَرْط: السَّبْق. وفي رواية ابن أبي شَيْبة (١٤ / ٥٤١): حتَّى أمعَنَ القوم وأسرَعوا، فطَفِقت أغدو للتَّجهيزِ (٢) وتَشغَلني الرِّجال، فأجَمَعتُ القُعود حتى سَبَقَني القوم. وفي رواية أحمد (١٥٧٧١) من طريق عمر ابن كثير عن كعب: فقلت: أيهاتَ، سارَ الناس ثلاثاً، فأقَمت. قوله: ((وَيَتَنِي فَعَلْت)) زاد في رواية ابن مَرْدويه: ولم أفعَل. قوله: ((مَغْموصاً)) بالغين المعجمة والصّاد المهمَلة، أي: مطعوناً عليه في دينه مَتْهُوماً بالنِّفاق، وقيلَ: معناه: مُستَحقَراً، تقول: غَمَصتُ فلاناً: إذا استَحقَرتَه. قوله: ((حتَّى بَلَغَ تَبُوك)) بغير صَرف للأكثَرِ، وفي رواية: تَبوكاً. على إرادة المكان. قوله: ((فقال رجلٌ من بني سَلِمة)) بكسرِ اللّام، وفي رواية مَعمَر: من قومي. وعند الواقديٌّ: أنَّه عبد الله بن أَنْيسِ السَّلَمي، بفتحتين، وهذا غير الجُهَنيِّ الصَّحابيّ المشهور، وقد (١) هذا اللفظ الذي ساقه الحافظ هو لفظ رواية ابن جرير الطبري ١١/ ٥٧، وهي من طريق عمر بن كثير ابن أفلح عن كعب. وهي أيضاً عند أحمد (١٥٧٧١)، ولم نقف عليه عند ابن أبي شيبة بهذا اللفظ، لكنه جاء من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب ١٤/ ٥٤١-٥٤٥ بنحو لفظ البخاري هنا، فالله أعلم، على أنَّ بقية إحالات الحافظ الآتية أثناء شرح الحديث لابن أبي شيبة موافقة للرواية المذكورة. (٢) كذا في (أ) و(س)، وفي (ع): للتجهُّزِ، وفي طبعتي ابن أبي شيبة المحققتين، طبعة عوامة، وطبعة اللحيدان والجمعة: للحديث. والمثبت أليق بالمقام، وأوفق مع بقية الروايات، والله أعلم. ٧١٦ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري ذكر الواقديُّ فيمَن استُشهِدَ باليمامة عبد الله بن أُنيسِ السَّلَمَيّ، بفَتَحَتَينٍ، فهو هذا. والذي رَدّ عليه هو معاذ بن جبل اتِّفاقاً إلّا ما حَكَى الواقديّ: وفي رواية أنَّه أبو قَتَادة. قال: والأوَّل أثبت. قوله: ((حَبَسَهُ بْداه والنَّظَر في عِطْفه)) بكسرِ العين المهمَلة، وكنَى بذلك عن حُسْنه وبهجَته، والعرب تَصِف الرِّداء بصفة الحُسن، وتُسَمّيه ◌ِطفاً، لوقوعِه على عِطفَي الرجل. قوله: ((فسَكَتَ رسول الله وٍَّ)) فَبِينَمَا هو كذلك رأى رجلاً مُبَيِّضاً(١) يَزِول به السَّراب، ١١٩/٨ فقال رسول الله وَلّ: ((كُن أبا خَيْئمةَ)) فإذا هو أبو خَيْئمةَ/ الأنصاريّ. قلت: واسم أبي خَيْئمةَ هذا سعد بن خَيْئمةَ. كذا أخرجه الطبرانيُّ (٥٤١٩) من حديثه، ولَفظه: تَخَلَّفتُ عن رسول الله وَ لّ، فَدَخَلت حائطاً، فرأيت عَريشاً قد رُشَ بالماءِ، ورأيت زوجَتي، فقلت: ما هذا بإنصافٍ! رسول الله وَّ فِي السَّموم والحَرِّ وأنا في الظِّلّ والنَّعيم! فقُمت إلى ناضحِ لي وتَراتٍ فخَرَجتُ، فلمَّا طَلَعتُ على العَسكَر، فرآني الناس، قال النبيّ ◌َّ: «كُنْ أَبا خَيْئِمَةَ» فجِئْتُ، فَدَعَالي، وذكره ابن إسحاق(٢) عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم مُرسَلاً، وذَكَر الواقديُّ أنَّ اسمه عبد الله بن خیثمةَ، وقال ابن شهاب: اسمه مالك بن قیس. قوله: ((فلمَّا بَلَغَنِي أَنَّه تَوَجَّهَ قافلاً) في رواية مسلم: فلمَّا بَلَغَني أنَّ رسول الله وَّهِ. وذكر ابن سعد أنَّ قُدوم رسول الله ێ# المدینة كان في رمضان. قوله: ((حَضَرَنِي هَمّي)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: همّتي(٣)، وفي رواية مسلم: بَثِّي، بالموخَّدة ثمَّ المثلَّثة، وفي رواية ابن أبي شَيْبة (١٤ / ٥٤١ -٥٤٥): فطَفِقت أُعِدّ العُذر لرسولِ الله وَل إذا جاء، وأُمَيِّئ الكلام. (١) تحرف في (أ) إلى: متنصباً. وفي (س) إلى: منتصباً، والمثبت على الصواب من (ع)، موافقاً لرواية مسلم، إذ هذه الزيادة عنده (٢٧٦٩). والمبيِّض، بكسر المثناة التحتانية: هو لابسُ البياض. (٢) أخرجه من طريقه البيهقي في ((الدلائل)) ٢٢٢/٥. (٣) كذا قال الحافظ رحمه الله بأنَّ رواية الكُشميهني كذلك، والذي في ((المشارق)) للقاضي عياض أنَّ هذه رواية الحموي، لا الكُشميهني، ووافق العينيُّ في ((عمدة القاري)) عياضاً، فقال: حضرني همي، هكذا رواية الكُشميهني. وقد تصحفت هذه اللفظة في (أ) و(س) إلى: همني. ٧١٧ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ كتاب المغازي قوله: ((وأجَمَعْتُ صِدْقَه)) أي: جَزَمت بذلك، وعَقَدت عليه قصدي، وفي رواية ابن أبي شَيْبة: وعَرَفتُ أنَّه لا يُنجيني منه إلّ الصِّدق. قوله: ((وكان إذا قَدِمَ من سَفَر بَدَأ بالمسجدِ، فَيَرَكَع فيه رَكْعتَينِ، ثمَّ جَلَسَ للنّاسِ)» هذه القطعة من هذا الحديث أُفرِدَت في الجهاد (٣٠٨٨). وقد أخرجه أحمد (٢٧١٧٠) من طريق ابن جُرَيج عن ابن شِهاب، بلفظ: لا يَقدَم من سَفَر إلّا في الضُّحَى فِيَبْدَأ بالمسجدِ فَيُصَلّي فيه ركعتَينِ ويَقعُد. وفي رواية ابن أبي شَيْبة: ثمَّ يَدخُل على أهله. وفي حديث أبي ثَعْلبة عند الطبرانيِّ (٥٩٥/٢٢): كان إذا قَدِمَ من سَفَر بَدَأ بالمسجدِ فصَلَّى فيه ركعتَينِ، ثمَّ يُنِّي بفاطمة، ثمَّ يأتي أزواجه. وفي لفظ (٢٢/ ٥٩٦): ثمَّ بدأ بیتِ فاطمة، ثمَّ أتی بیوت نسائه. قوله: ((جاءه المخلَّفونَ فطَفِقوا يَعْتَذِرونَ إليه ويَحْلِفُونَ له، وكانوا بضْعةً وثمانِينَ رجلاً)) ذكر الواقديُّ أنَّ هذا العَدَد كان من مُنافقي الأنصار، وأنَّ المعَذِّرينَ من الأعراب كانوا أيضاً اثنَينِ وثمانينَ رجلاً من بني غِفار وغيرهم، وأنَّ عبد الله بن أبيِّ ومَن أطاعَه من قومه كانوا من غير هؤلاءِ، وكانوا عَدَداً كثيراً. قوله: ((فلمَّا سَلَّمْتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّم المُغْضَب)) وعند ابن عائذ في ((المغازي)): فأعرَضَ عنه، فقال: يا نبيّ الله، لمَ تُعرِض عنِّي؟ فوالله ما نافَقتُ ولا ارتَبْت ولا بَدَّلتُ، قال: ((فما خَلَّفَك؟». قوله: ((والله(١) لقد أُعْطيتُ جَدَلاً) أي: فصاحةً وقوّةَ كلام، بحيثُ أخرُج عن عُهدة ما يُنسَب إليَّ بما يُقبَل ولا يُردّ. قوله: (تَجِد عليَّ)) بكسرِ الجيم، أي: تَغْضَب. قوله: ((حتَّى يَقْضي الله فيك، فقُمْت)) زاد النَّسائيُّ (٧٣١) من طريق يونس عن الزُّهْريّ: '7 فمَضَیت. (١) لم يرد التصريح بلفظ الجلالة في هذا الحديث، ولا في سائر مصادر تخريجه، فلعلَّ الحافظَ ذكره تقديراً، والله أعلم. ٧١٨ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وثارَ رجالٌ)) أي: وثَبوا. قوله: ((كافيك ذَنْبَك)) بالنَّصب على نَزع الخافض أو على المفعوليَّة أيضاً، و((استغفار)) بالرَّفع على أنَّه الفاعِل. وعند ابن عائذ: فقال كعب: ما كنت لأجْمَع أمرَينٍ: أتخَلَّف عن رسول الله څے، و أكذبه، فقالوا: إنَّك شاعر جريء، فقال: أمَّا على الگَذِب فلا. زاد في رواية ابن أبي شَيْبة: كما صَنَعَ ذلك بغيرِك، فقبلَ منهم عُذرَهم واستَغفَرَ لهم. قوله: ((فقيل لهما مِثْلِ ما قيلَ لك)» في رواية ابن مردويه: وقال لهما مِثلَ ما قال لك. قوله: ((يُؤْنِّونني)) بنونٍ ثقيلة ثمَّ موخَّدة، من التَّأنيب: وهو اللَّوم العَنيف. قوله: ((مُرَارة)) بضمِّ الميم وراءَينِ الأولَى خفيفة. وقوله: ((العَمريّ)) بفتح المهمَلة وسكون الميم: نسبة إلى بني عَمْرو بن عَوْف بن مالك ابن الأوس، ووَقَعَ لبعضِهم: العامريّ. وهو خطأ. وقوله: ((ابن الرَّبيع)) هو المشهور، ووَقَعَ في رواية مسلم (٥٣/٦٧٦٩): ابن ربيعة، وفي حديث ◌ُجُمِّع بن جارية عند ابن مَرْدويه: مُرَارة بن رِبعيٍّ، وهو خطأ، وكذا ما وَقَعَ عند ابن أبي حاتم (١) من مُرسَل الحسن من تسميته: ربيع بن مُرارة، وهو مقلوب، وذكر في هذا ١٢٠/٨ المرسَل: أنَّ سبب تَخُلُّفه أنَّه كان له حائط حين زَهَا، فقال في نفسه: / قد غَزَوتُ قبلها، فلو أقَمتُ عامي هذا، فلمَّا تَذَكَّرَ ذَنبَه قال: اللهمَّ إنّ أُشهِدك أنّي قد تَصَدَّقت به في سبيلك. وفيه: أنَّ الآخر - يعني: هلالاً - كان له أهلٌ تَفرَّقوا ثمَّ اجتَمَعوا، فقال: لو أقَمتُ هذا العام عندهم، فلمَّا تَذَكَّرَ قال: اللهمَّ لك عليَّ أن لا أرجِع إلى أهل ولا مال(٢). قوله: ((وهلال بن أُميَّة الواقفيّ)) بقافٍ ثمَّ فاء، نِسبةً إلى بني واقِف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس. (١) في ((تفسيره)) ١٩٠٤/٦، لكنه وقع فيه على الشك: ربيع بن مرارة أو مرارة بن الربيع. (٢) لا ندري لم اقتصر الحافظ على ذكر قول كعب وهلال، ولم يذكر قول مرارة! مع أنه مذكور في ((تفسير ابن أبي حاتم) ونصه: وقال الآخر: اللهم إنَّ لك عليّ أن تَقَطَّعَ نفسي أو ألحقَ بالقوم. ٧١٩ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ كتاب المغازي قوله: (فَذَكَروالي رجلينِ صالحَينِ قد شَهِدا بَدْراً)) هكذا وَقَعَ هُنا، وظاهره أنَّه من كلام كعب ابن مالك، وهو مُقتَضَى صَنيع البخاريّ، وقد قَرَّرتُ ذلك واضحاً في غزوة بدر(١). ومَمَّن جَزَمَ بأنَّمَا شَهِدا بدراً أبو بكر الأثرم، وتَعقَّبَه ابن الجَوْزيّ ونَسَبَه إلى الغَلَط، فلم يُصِب. واستَدَلَّ بعض المتأخِرينَ لكَوْنِما لم يَشْهَدا بدراً بما وَقَعَ في قِصّة حاطِبٍ، وأنَّ النبيّ ◌َئه لم يَهْجُرُه ولا عاقَبَه معَ كَوْنه جَسَّ عليه، بل قال لعمر لمَّا هَمَّ بقتله: ((وما يُدريك لعلَّ الله الطَّلَعَ على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شِئْتُم فقد غَفَرت لكُم))(٢). قال: وأين ذَنب التَّخَلُّف من ذَنب الجَسّ؟ قلت: وليس ما استَدَلَّ به بواضح، لأنَّه يقتضي أنَّ البدريّ عنده إذا جَنَى جِنايةً ولو كَبُرَت لا يُعاقَب عليها، وليس كذلك، فهذا عمر معَ كَوْنه المخاطَب بقِصّة حاطِب قد جَلَدَ قُدامةَ بن مَظعون الحَدَّ لمَّا شَرِبَ الخَمر، وهو بدريّ كما تقدَّم (٤٠١١)، وإنَّما لم يُعاقب النبيّ ◌َ﴿ حاطِباً ولا هَجَرَه، لأَنَّه قَبِلَ عُذره في أنَّهِ إِنَّما كاتَبَ قُرَيشاً خَشْيَةً على أهله ووَلَده، وأراد أن يَتَّخِذ له عندهم يداً، فعَذَرَه بذلك، بخلاف تَخلُّف کعب وصاحبيه، فإنَّم لم يكن لهم عُذر أصلاً. والله أعلم. قوله: ((لي فيهما إسوة)) بكسرِ الهمزة ويجوزُ ضَمُّها، قال ابن التِّين: التَّأَسّي بالنَّظير يَنفَع في الدُّنيا بخِلاف الآخِرة، فقد قال تعالى: ﴿ وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذَظَلَمْتُمْ﴾ الآية [الزخرف: ٣٩]. قوله: ((فَمَضَيت حين ذَكَروهما لي)) في رواية مَعمَر: ((فقلت: والله لا أرجع إليه في هذا أبداً. قوله: ((ونَهَى رسول الله وَّرِ المسلمينَ عن كلامنا أيّها الثَّلاثة)) بالرَّفع، وهو في موضع نصب على الاختصاص، أي: مُتَخَصِّصينَ بذلك دون بقيَّة الناس. قوله: ((حتَّى تَنَّرَتْ في نفسي الأرضُ، فما هيَ بالََّي(٣) أعرِف)) وفي رواية مَعمَر: وتَنَكَّرَتْ لنا (١) بإثر الحديث رقم (٣٩٨٩). (٢) سلف برقم (٣٠٠٧). (٣) كذا في الأصلين و(س): بالتي، بزيادة الباء، مع أنَّ الذي في اليونينية والقسطلاني دون حكاية خلاف: التي. بإسقاط الباء، بل ليست في شيء من روايات الحديث. ٧٢٠ باب ٧٨ / ح ٤٤١٨ فتح الباري بشرح البخاري الحِيطان، حتَّى ما هي بالحيطان الَّتِي نَعرِف، وتَنْكَّرَ لنا الناس حتَّى ما هم الذينَ نَعرِف. وهذا يَجِدِه الحزين والمهموم في كلّ شيء حتَّى قد يَجِده في نفسه، وزاد المصنِّف في التَّفسير (٤٦٧٧) من طريق إسحاق بن راشد عن الزّهْريّ: وما من شيء أهمّ إليَّ من أن أموت فلا يُصَلّي عليَّ رسولُ اللهِ وََّ، أو يموت فأكونَ من الناس بتلكَ المنزلة، فلا يُكلِّمني أحد منهم ولا يُصَلي عليّ. وعند ابن عائذ: حتَّى وَجِلوا أشدَّ الوَجَل، وصاروا مِثل الزُّهبان. قوله: ((هل حَرَّكَ شَفَتَيَه بَرَدِّ السَّلام عليَّ) لم يَجِزِم كعب بتحريكِ شَفَتَيَه عليه السلام، ولعلَّ ذلك بسَبَب أنَّه لم يكن يُديم النَّظَر إليه من الحَجَل. قوله: ((فُسارته)) بالسِّين المهمَلة والقاف، أي: أنظُر إليه في خُفية. قوله: «من جفوة الناس» بفتح الجيم وسکون الفاء، أي: إعراضهم، وفي رواية ابن أبي شَيْبة (١٤ /٥٤٠-٥٤٥): وطَفِقِنا نمشي في الناس، لا يُكلِّمنا أحد ولا يَرُدّ علينا سلاماً. قوله: ((حتَّى تَسوَّرْت)) أي: عَلَوتُ سورَ الدّار. قوله: ((جِدار حائط أبي قَتَادةَ، وهو ابن عمّي وأحَبّ الناس إليّ)» ذکر أنَّه ابنُ عمّه لگوْنِما معاً من بني سَلِمة، وليس هو ابنَ عمّه أخي أبيه الأقرب. وقوله: ((أنشُدك)) بضمِّ المعجَمة وفتح أوَّله، أي: أسألك. وقوله: ((الله ورسوله أعلم)) ليس هو تكليماً لكعبٍ، لأنَّه لم يَنوِ به ذلك، كما سيأتي تقريره. قوله: ((وَتَوَلَّيْتُ حتَّى تَسوَّرْت الحائط)) وفي رواية مَعمَر: فلم أملِك نفسي أن بَکَیت، ثمَّ اقتَحَمت الحائط خارجاً. قوله: ((إذا نَبَطَيّ)) بفتح النُّون والموخَّدة. قوله: ((من أنباط أهل الشّام)) نسبة إلى استنباط الماء واستخراجه، وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهلَ الفِلاحة، وهذا النَّبَطَيّ الشّاميّ كان نصرانيّاً كما وَقَعَ في رواية مَعمَر: إذا نَصرانيّ جاء بطعامٍ له يبيعه. ولم أقِفْ على اسم هذا النَّصرانيّ، ويقال: إنَّ النَّبَط يُنسَبونَ إلى