النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
باب ٦٠ / ح ٤٣٥٠
كتاب المغازي
فاصطَفَى عليّ منه لنفسِه سَبيئة؛ بفتح المهمَلة وكسر الموحّدة بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ همزة،
أي: جارية من السَّبْي، وفي رواية له: فأخَذَ منه جارية ثمَّ أصبَحَ يَقطُر رأسُه، فقال خالد
لبُرَيدة: ألا تَرَى ما صَنَعَ هذا؟ قال بُرَيدة: وكنت أُبغِض عليّاً. ولأحمد (٢٢٩٦٧) من
طريق عبد الجليل عن عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه: أبغَضت عليّاً بُغضاً لم أُبغِضه أحداً،
وأحبَبت رجلاً من قُرَيش لم أُحِبّه إلّا على بُغضه عليّاً، قال: فأصَبْنا سَبْياً فَكَتَبَ - أي:
الرجل - إلى النبيّ وَّ: ابعَث إلينا مَن يُخَمِّسه، قال: فَبَعَثَ إلينا عليّاً، وفي السَّبي وصيفةٌ
هي أفضل السَّبْي، قال: فخَمَّسَ وقَسَمَ، فخرج ورأسه يَقطُر، فقلت: يا أبا الحسن ما هذا؟
فقال: ألم تَرَ إلى الوَصيفة، فإنَّهَا صارت في الخُمُس، ثمَّ صارت في آلٍ محمَّد، ثمَّ صارت في
آلٍ عليّ فوَقَعتُ بها.
قوله: ((فلمَّا قَدِمْنا على النبيّ وَّ) في رواية عبد الجَليل: فَكَتَبَ الرجل إلى النبيّ
بالقِصّة، فقلت: ابعَثني فبَعَثَني، فجَعَلَ يقرأ الكتاب ويقول: صَدَقَ.
قوله: «فقال: یا بُريدُ، آتبغِضُ علّاً؟/ فقلت: نعم، قال: لا تُبغِضْه)) زاد في رواية عبد الجليل: ٦٧/٨
((وإن كنت تُحِبّه فازدَدْ له حُبّا)).
قوله: «فإنَّ له في الخُمُس أكثَرَ من ذلك)) في رواية عبد الجليل: ((فوالذي نفس محمَّد بيدِه
لَنَصيب آلٍ عليّ في الخُمُس أفضل من وصيفة))، وزاد: قال: فما كان أحد من الناس أحَبَّ
إليَّ من عليّ.
وأخرج أحمد (٢٣٠١٢) هذا الحديث أيضاً من طريق أجلَح الكنديّ (١) عن عبد الله بن
بُرَيدة بطوله، وزاد في آخره: ((لا تقع في عليّ، فإنَّه منِّي وأنا منه، وهو ولیکم بعدي)).
وأخرجه أحمد (٢٢٩٦١) أيضاً والنَّسائيُّ (ك٨٤١١) من طريق سعد بن عُبيدة عن عبد الله
ابن بُرَيدة مختصراً، وفي آخره: فإذا النبيّ نَّه قد احمرَّ وجهه يقول: ((مَن كنت وليَّه فعليٌّ
ولُّه)).
(١) هو ضعيف يُعتَبر به إذا توبع، وقد انفرد بهذه السياقة ولم يتابَع عليها.

٦٢٢
باب ٦٠ / ح ٤٣٥١
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرجه الحاكم (١٢٩/٢ -١٣٠) من هذا الوجه مُطوَّلاً، وفيه قِصّة الجارية نحو رواية
عبد الجليل. وهذه طرق يُقوِّي بعضها بعضاً.
قال أبو ذرِّ الهَرَويُّ: إنَّما أبغَض الصَّحابيّ عليّاً، لأنَّه رآه أخَذَ من المغنَم، فظَنَّ أنَّه غَلَّ،
فلمَّا أعلمه النبيّ وَّرِ أَنَّه أخَذَ أقلّ من حَقّه أحَبَّه. انتهى، وهو تأويل حَسَن، لكن يُبعِده
صَدر الحديث الذي أخرجه أحمد، فلعلَّ سبب البُغض كان ◌َعنّى آخر وزالَ بنَهْي النبيّ ◌َّـ
لهم عن بُغضه.
وقد استُشكِلَ وقوع عليّ على الجارية بغير استبراء، وكذلك قِسمَته لنفسِهِ. فأمَّا الأوَّل
فمحمولٌ على أنَّها كانت بِكراً غير بالغ، ورأى أنَّ مِثلها لا يُستَبرأ كما صارَ إليه غيره من
الصَّحابة، ويجوز أن تكون حاضَت عَقِب صَيرورَتها له ثمَّ طَهُرَت بعد يوم وليلة، ثمَّ وَقَعَ
عليها وليس في السياق(١) ما يَدِفَعه. وأمَّا القسمة فجائزة في مِثل ذلك ثمَّن هو شَرِيك فيما
يَقسِمه؛ كالإمام إذا قَسَمَ بين الرَّعيَّة وهو منهم، فكذلك مَن نَصَّبَه الإمام قامَ مقامه. وقد
أجابَ الخَطّابِيُّ بالثّاني، وأجابَ عن الأوَّل باحتمالٍ(٢) أن تكون عَذْراء أو دون البلوغ، أو
أدّاه اجتهاده أن لا استبراءَ فيها.
ويُؤخَذ من الحديث: جواز التَّسَرّي على بنت رسول الله وَّل بِخِلاف التَّزويج عليها لمَا
وَقَعَ في حديث المِسوَر في كتاب النِّكاح (٥٢٣٠).
٤٣٥١- حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، عن عُمارةَ بنِ القَعْقاعِ بنِ شُبْرُمَةَ، حدَّثنا
عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي نُعْمِ، قال: سمعتُ أبا سعيدِ الخُذْريَّ يقول: بَعَثَ عليٌّ عَلُه إلى رسولِ الله ◌ِّ
مِن الْيَمَنِ بِذُّهَيبةٍ في أدِيم مَقْروظٍ، لم تُحَصَّل من ترابها، قال: فقَسَمَها بينَ أربعةِ نَفَرٍ: بينَ عُيَينَةَ
ابن بَدْرٍ، وأقرَعَ بنِ حابِسٍ، وزيدِ الخيلِ، والرّابعُ إمّا عَلْقمةُ وإِمّا عامرُ بنُ الطَّفَيلِ، فقال رجلٌ
من أصْحابه: كنَّا نحنُ أحقّ بهذا من هؤلاءِ، قال: فَبَلَغَ ذلك النبيَّ ◌َّ، فقال: ((ألا تَأْمَنوني وأنا
(١) قوله: ((في السياق)) سقط من (س).
(٢) تحرف في (س) إلى: لاحتمال.

٦٢٣
باب ٦٠ / ح ٤٣٥١
كتاب المغازي
أمِينُ مَن في السماءِ، يأتيني خَبَرُ السماءِ صباحاً ومَساءً؟)) قال: فقامَ رجلٌ غائرُ العينَينِ، مُشْرِفُ
الوَجْتَتَيْنِ، ناشزُ الجَبْهةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، محلوقُ الرّأسِ، مُشَمَّرُ الإزار، فقال: يا رسولَ الله، اتَّقِ الله،
قال: ((ويلَكَ! أَوَلَسْتُ أحقَّ أهلِ الأرضِ أن يَتَّقِيَ الله؟!)) قال: ثمَّ ولَّى الرجلُ، قال خالدُ بنُ
الوليد: يا رسولَ الله، ألا أضْرِبُ عُنُقَه؟ قال: «لا، لعلَّه أن يكونَ يُصَلّي)» فقال خالدٌ: وكم من
مُصَلِّ يقول بلِسانه ما ليس في قَلْبِهِ، قال رسولُ الله ◌َّةِ: «إني لم أُوْمَر أن أُنقِّبَ عن قلوبِ الناسِ،
ولا أَشُقَّ بُطونَهمْ)) قال: ثمَّ نظرَ إليه وهو مُقَفٍّ، وقال: ((إنَّه تَخْرُجُ من ضِتْضِئِ هذا قومٌ يَتْلونَ
كتابَ الله رَطْباً، لا يُحاوِزُ حَناجِرَهم، يَمْرُقونَ مِن الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِن الَّمِيَّةِ)) وأظُنُّهُ
قال: (لَئِنْ أَدْرَ كْتُهم لأقْتُلَنَّهم قَتْلَ ثَمُودَ».
٦٨/٨
الحديث الثالث: حديث أبي سعيد.
قوله: ((حدثنا عبد الواحد)) هو ابن زياد (١).
قوله: ((عن حُمارة بن القَعْقاع بن شُبرُمةَ)) بضمِّ المعجَمة والرّاء، بينهما موحّدة ساكنة.
و(انُعْمِ))(٢) بضمِّ الُّون وسكون المهمَلة.
قوله: ((بِذُهَيبةٍ)) تصغير ذَهَبة، وكأنَّه أنَّثَها على معنى الطائفة أو الجملة، وقال الخَطّابيُّ:
على معنى القِطعة. وفيه نظر لأنَّها كانت تِبْراً، وقد يُؤنَّث الذَّهَب في بعض اللُّغات. وفي
مُعظَم النُّسَخِ من مسلم (١٠٦٤): بذهبةٍ. بفَتحَتَينِ بغير تصغير.
قوله: ((في أديم مَقْروظ)» بظاءٍ مُعجَمة مُشالَة، أي: مدبوغ بالقَرَظِ.
قوله: (لم تُحصَّل من ترابها)) أي: لم تُخُلَّص من تراب المعدِن، فكأنَّها كانت تِبْراً. وتَخليصُها
بالسّبكِ.
قوله: ((بين عُيَينةَ بن بَدْر)) كذا نُسِبَ لجدِّه الأعلى، وهو عُيَّينةُ بن حِصْن بن حُذَيفة بن
بدر الفزاري.
(١) هذه العبارة سقطت من (س).
(٢) وقع في (س) قبلها: قوله: حدثنا عبد الرحمن، هو ابن زياد. وهو خطأ.

٦٢٤
باب ٦٠ / ح ٤٣٥١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وأقرَعَ بن حابس)) قال ابن مالك: فيه شاهد على أنَّ ذا الألف واللّام من
الأعلام الغالبة قد يُنزعان عنه في غیر نداءٍ ولا إضافةٍ ولا ضَرُورة، وقد حگی سیبویه عن
العرب:
هذا يوم اثنَينِ مباركاً(١)
وقال مِسْكينٌ الدَّارِميُّ:
ونابغةُ الجَعْدِيُّ(٢) في الرَّمْلِ بِيتُه(٣)
وقد تقدَّم ذِكْر عُيَينةَ والأقرَع في غزوة حُنَينٍ (٤٣٣٦)، وقد مضى في أحاديث الأنبياء
(٣٣٤٤) ويأتي في التوحيد (٧٤٣٢) من طريق سعيد بن مسروق عن ابن أبي نُعْمٍ بلفظ:
والأقرَع بن حابس الحَنظَليّ ثمَّ المُجاشِعيّ.
قوله: ((وزيد الخيل)) أي: ابن مُهَلهِلٍ الطائيّ. وفي رواية سعيد بن مسروق: وبين زيد الخيل
الطائيّ ثُمَّ أحد بني نَبْهان، وقيل له: زيد الخيل، لكَرائم الخيل الَّتي كانت له، وسَّه النبيّ ◌َِّ.
زيد الخير، بالرّاءِ بَدَل اللّام، وأثنَى عليه، وأسلَمَ فحَسُنَ إسلامه، وماتَ في حياة النبيّ ◌َّ.
قوله: ((والرّابع إمّا عَلْقَمة)) أي: ابن عُلَاثة - بضمِّ المهملة والمثلَّثة - العامريّ ((وإمّا عامر
ابن الطَّفَيل)) وهو العامريّ، وجَزَمَ في رواية سعيد بن مسروق بأنَّه عَلقَمة بن عُلَاثة العامريّ
ثمَّ أحد بني كِلاب، وهو من أكابر بني عامر، وكان يَتَنَازَع الرّياسة هو وعامر بن الطُّفَيل،
وأسلَمَ علقمةُ فحَسُنَ إسلامه، واستَعمَلَه عمر على حَوْرانَ، فماتَ بها في خلافته.
(١) في (أ) و(س): مبارك بالرفع، والمثبت من (ع)، يوافق ما في ((شواهد التوضيح)) لابن مالك ص٢١٧،
بالنصب على الحالية.
(٢) تحرف في (س) إلى: في الجعدية.
(٣) هذا صدر بيت للشاعر الأموي ربيعة بن عامر الدارمي التميمي، المشهور بمسكين الدارمي، وعجزه:
عليه صَفيحٌ مِن تُرابٍ مُوضَّعُ
والنابغة المذكور في البيت اسمه قيس بن عبد الله الجَعْدي، المشهور بالنابغة الجعدي، وإنما قال ((نابغة))
مجرَّداً من الألف واللام لأنه خرج عن باب الصفة الغالبة حتى صار اسماً. انظر ((الكتاب)) لسيبويه
٢٤٤/٣، و((المخصص)) لابن سيده ٥/ ١٦٢.

٦٢٥
باب ٦٠ / ح ٤٣٥١
كتاب المغازي
وذِكرُ عامر بن الطُّفَيل غلطٌ من عبد الواحد فإنَّه كان ماتَ قبل ذلك(١).
قوله: ((فقال رجل من أصْحابه)) لم أقِفْ على اسمه، وفي رواية سعيد بن مسروق: فغَضِبَت
قُرَيش والأنصار، وقالوا: يُعطي صَناديد أهل نَجد ويَدَعُنا، فقال: ((إنَّمَا أَتْأَلَّفُهم)). والصَّناديد،
بالمهمَلة والنُّون: جمع صِنديد، وهو الَّئيس.
قوله: ((فقال: ألا تَأْمَنوني وأنا أمينُ مَن في السماء، يأتيني خَبَرَ السماء صباحاً ومَساء)» في
رواية سعيد بن مسروق أنَّه وَ لّ إنَّما قال ذلك عَقِب قول الخارجيّ الذي يُذكَر بعد هذا،
وهو المحفوظ.
تنبيه: هذه القِصّة غير القِصّة المتقدِّمة في غزوة حُنَينٍ (٤٣٣٦) ووَهِمَ مَن خَلَطَها بها.
واختُلِفَ في هذه الذَّهَيبة، فقيلَ: كانت ◌ُمُس الخُمُس. وفيه نظر. وقيلَ: من الخُمُس، وكان
ذلك من خصائصه أنَّه يَضَعه في صِنفٍ من الأصناف للمَصلَحة. وقيلَ: من أصل الغنيمة.
وهو بعيد. وسيأتي الكلام على قوله: ((مَن في السماء)) في كتاب التوحيد (٧٤٣٢).
قوله: ((فقامَ رجل غائر العينَينِ)) بالغين المعجمة والتَّحتانيَّة، وزن فاعِل، من الغَوْر،
والمراد: أنَّ عينَيَه داخلَتان في مَحَاجِرِهما، لاصقَتَينِ بقَعرِ الحَدَقة. وهو ضِدّ الجُحوظ.
قوله: ((مُشْرِف)) بشينِ مُعجَمة وفاء، أي: بارِزُهما. والوَجَتَان: العَظمان المشرِفان على
الخَدَّينِ.
قوله: ((ناشز)) بنونٍ وشينٍ مُعجَمة وزاي، أي: مُرتَفِعُها، في رواية سعيد بن مسروق:
ناتئ الجَبين، بنونٍ ومُثنّاة، على وزن فاعِل، من النُّتوء، أي: أنَّه يَرتَفِع على ما حوله.
قوله: ((محلوق)) سيأتي في أواخر التوحيد (٧٥٦٢) من وجه آخر أنَّ الخوارج سيماهم
التَّحليق، وكان السَّلَف يوَفِّرونَ شُعورهم ولا يَحِلِقونَها،/ وكانت طريقة الخوارج حَلْق جميع ٦٩/٨
رؤوسِھم.
(١) تقدم ذكر خبره في قصة بئر معونة برقم (٤٩١)، وأنه كان رئيس المشركين ومات كافراً.

٦٢٦
باب ٦٠ / ح ٤٣٥١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أَوَلَستُ أحقَّ أهل الأرض أن يَتَّقِيَ الله؟!)» وفي رواية سعيد بن مسروق: فقال:
((ومَن يُطِيعُ الله إذا عَصَيتُه؟!)) وهذا الرجل: هو ذو الُوَيصِرة التَّميميّ، كما تقدَّم صريحاً في
علامات النُّبوّة (٣٦١٠) من وجه آخر عن أبي سعيد الخُدْريِّ، وعند أبي داود (٤٧٧٠)
اسمه: نافع، ورَجَّحَه السُّهَيلِيّ، وقيلَ: اسمه حُرقوص بن زُهَير السَّعْديّ. وسيأتي تحریر
ذلك في كتاب استتابة المرتدِّينَ (٦٩٣٣).
قوله: ((فقال خالد بن الوليد)) في رواية أبي سَلَمةَ عن أبي سعيد في علامات النُّبوّة: فقال
عمر. ولا تُنافيه هذه الرِّواية لاحتمال أن يكون كلّ منهما سألَ في ذلك.
قوله: ((ألا أضرِبُ عُنُقُه؟ قال: لا، لعلَّه أن يكون يُصلّ)) فیه استعمال ((لعلَّ)) استعمال
(عَسَى))، نَبَّهَ عليه ابن مالك. وقوله: (يُصَلّى)) قيلَ: فيه دلالة من طريق المفهوم على أنَّ
تارك الصَّلاة يُقتل. وفيه نظر.
قوله: ((أن أُنْقِّب)) بنونٍ وقاف ثقيلة بعدها موحّدة، أي: إنَّما أُمِرت أن آخذَ بظواهر
أُمورِهم. قال القُرطُبيّ: إنَّما مَنَعَ قتله وإن كان قد استوجَبَ القتل لثَّا يَتَحَدَّث الناس أنَّه
يَقتُل أصحابه، ولا سيَّما مَن صَلَى، كما تقدَّم نَظِيره في قِصّة عبد الله بن أُبيّ (٣٥١٨). وقال
المازَريّ: يُحتمل أن يكون النبيّ وَله لم يفهم من الرجل الطَّعْن في النُّبوّة، وإِنَّمَا نَسَبَه إلى تَرك
العَدل في القسمة، وليس ذلك كبيرة، والأنبياء مَعصومونَ من الكبائر بالإجماعِ، واختُلِفَ
في جواز وقوع الصَّغائر، أو لعلَّه لم يُعاقب هذا الرجل لأنَّه لم يَثْبُت ذلك عنه، بل نَقَلَه عنه
واحد، وخَبَرَ الواحد لا يُراق به الدَّم. انتهى، وأبطَلَه عِياض بقوله في الحديث: اعدِلْ يا محمَّد.
فخاطَبَه في الملا بذلك حتَّى استأذَنوه في قتْلِهِ، فالصَّواب ما تقدَّم.
قوله: ((يَخْرُج من ضِئْضِئٍ)) كذا للأكثَرِ بضادَينِ مُعجَمَتَينِ مكسورتَينِ بينهما تحتانيَّ مَهموزة
ساكنة، وفي آخره تحتانيَّة مَهموزة أيضاً. وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: بصادَينِ مُهمَلتَينِ. فأمَّا
بالضّادِ المعجَمة فالمراد به: النَّسل والعَقِب، وزَعَمَ ابن الأثير أنَّ الذي بالمهمَلة بمعناه(١)،
وحَكَى ابن الأثير: أنَّه رُويَ بالمدِّ بَوَزنٍ قِنديل، وفي رواية سعيد بن مسروق في أحاديث
(١) وفي ((اللسان)) مادة (صأصا) أنَّ هذا قول ابن السِّكِّيت.

٦٢٧
باب ٦٠ / ح ٤٣٥٢-٤٣٥٤
كتاب المغازي
الأنبياء (٣٣٤٤): أنَّ من ضِئضِيٍ هذا أو من عَقِب هذا.
قوله: ((يَتْلُونَ كتاب الله رَطْباً)) في رواية سعيد بن مسروق: ((يَقرؤونَ القرآن)).
قوله: ((لا يُجاوز حَناجِرَهم)) تقدَّم شرحه في علامات النُّبوّة (٣٦١٠).
قوله: ((يَمْرُقونَ من الدّین)» في رواية سعيد بن مسروق: ((من الإسلام»، وفیە رَدّ علی مَن
أوَّل الدّين هُنا بالطاعة، وقال: إنَّ المراد أنَّهم يَخْرُجونَ من طاعة الإمام كما يَخْرُجِ السَّهم من
الرَّمِيَّة، وهذه صفة الخوارج الذينَ كانوا لا يُطيعونَ الُلَفاء. والذي يَظهَر أنَّ المراد بالدّينِ
الإسلام كما فَسَّرَته الرِّواية الأُخرى، وخَرَجَ الكلامُ مَخَرَجَ الزَّجر، وأنَّهم بفِعلِهِم ذلك يَخْرُ جونَ
من الإسلام الكامل. وزاد سعيد بن مسروق في روايته: ((يَقتُلُونَ أهل الإسلام ويَدَعونَ
أهل الأوثان)). وهو ممّا أخبر به ◌َ ل( من المغيَّبات، فوَقَعَ کما قال.
قوله: ((وأَظُنّه قال: لَئِنْ أَدْرَكْتُهم لَأَقْتُلَنَهم قَتْل ثَمُود)» في رواية سعيد بن مسروق: ((لَئِن
أدرَكتهم لَأَقْتُلَنّهم قتل عادٍ))، ولم يَتَرَدَّد فيه، وهو الرّاجِح، وقد استُشكِلَ قوله: ((لَئِن أدرَكتهم
لَأَقْتُلَنّهم)) معَ أنَّه نَهَى خالداً عن قتل أصلهم، وأُجيب بأنَّه أراد إدراك خروجهم واعتراضهم
المسلمينَ بالسَّيفِ، ولم یکن ظَهَرَ ذلك في زمانه، وأوَّل ما ظَهَرَ في زمان عليّ کما هو مشهور، وقد
سَبَقَت الإشارة إلى ذلك في ((علامات النُّبوّة))، واستُدِلَّ به على تَكفير الخوارج، وهي مسألة
شَهيرة في الأُصول، وسيأتي الإلمام بشيءٍ منها في استتابة المرتدِّينَ (٦٩٣٠ -٦٩٣٢).
٤٣٥٢ - حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، عن ابنِ جُرَيج، قال عطاءٌ: قال جابرٌ: أمَرَ النبيُّ ونَه
عليّاً أن يُقِيمَ على إحرامِه.
زادَ محمَّدُ بنُ بَكْرٍ، عن ابنِ جُرَيج، قال عطاءٌ: قال جابرٌ: فقَدِمَ عليٌّ بنُ أبي طالبٍ
◌َُ / بسِعَايَتِهِ، وقال له النبيُّ وَّ: ((بمَ أهلَلْتَ يا عليُّ؟)) قال: بما أهَلَّ به النبيُّ نَِّ، قال: «فَأَهْدِ ٧٠/٨
وامكُثْ حَراماً كما أنتَ)) قال: وأهدَى له عليٌّ هَدْياً.
٤٣٥٣، ٤٣٥٤ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثْنا بِشرُ بنُ المفَضَّلِ، عن مُميدِ الطَّوِيلِ، حدَّثنا بَكْرٌ، أنَّه
ذَكَر لابنِ عمرَ، أنَّ أنساً حدَّثُهمْ: أنَّ النبيَّ وَ أَهَلَّ بِعُمْرةٍ وحَجّةٍ، فقال: أهَلَّ النبيُّ ◌َّ بِالحِّ

٦٢٨
باب ٦١ / ح ٤٣٥٥-٤٣٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
وأهلَلْنا به معه، فلمَّا قَدِمْنا مكَّةَ قال: ((مَن لم يكن معه هَدْيٌ فَلْيَجْعَلْها عُمْرةً)).
وكان معَ النبيِّ ◌َِّ هَدْيٌّ، فقَدِمَ علينا عليُّ بنُ أبي طالبٍ مِن اليَمَنِ حاجّاً، فقال النبيُّ ◌َ
((بمَ أهلَلْتَ؟ فإنَّ مَعَنا أهلَكَ)) قال: أهلَلْتُ بما أهَلَّ به النبيُّنَِّ، قال: «فأمسِك، فإنَّ مَعَنا
هَدْیاً)).
الحديث الرابع: حديث جابر في مجيءٍ عليٍّ من اليمن إلى الحجّ في حَجّة الوداع، وقد تقدَّم
بالسَّنَدَينِ المذكورَينِ في كتاب الحجّ، وتقدَّم شرحه هناكَ (١٥٥٧ و١٥٥٨).
وقوله هنا: ((وقَدِمَ عليٌّ بسِعايتِه)) بكسرِ السّين المهمَلة، يَعني: ولايته على اليمن، لا
بسِعاية الصَّدَقة، قال النَّوَويّ تَبَعاً لغيرهٍ: لأنَّه كان يَجِرُم عليه ذلك كما ثَبَتَ في ((صحيح
مسلم)) (١٠٧٢) في قِصّة طلب الفضل بن العبَّاس أن يكون عاملاً على الصَّدَقة، فقال له
النبيّ وَّ: ((إنَّها أوساخ الناس)) والله أعلم.
٦١ - باب غزوة ذي الخَلَصةِ
٤٣٥٥- حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا خالدٌّ، حدَّثنا بَيَانٌ، عن قيسٍ، عن جَریرٍ، قال: كان بيتٌ في
الجاهليةِ يُقال له: ذُو الخَلَصةِ والكعبةُ اليَانِيَةُ والكعبةُ الشامِيَّةُ، فقال لي النبي ◌َّ: ((ألا تُّرِيحُنِي
من ذِي الخَلَصةِ)) فَتَفَرتُ في مئةٍ وخمسينَ راكباً، فكسَرْناهُ، وقتَلْنا مَن وَجَدْنا عندَه، فأتيتُ النبيَّ
وَ، فأخبرتُه، فدعا لَنا ولِأَحْمَسَ.
٤٣٥٦ - حدَّثني مُحمّدُ بن المثنَّى، حدثنا يحيى، عن إسماعيلَ، حدَّثْنا قَيسِ، قال: قال لي
جَرِيرٌ ﴾: قال لي النبيُّ وََّ: ((ألا تُرِيحُنِي مِن ذِي الخَلَصةِ)) وكان بيتاً في خَفْعَمِ يُسمَّى الكعبةَ
الْيَمَانِيَةَ، فَانْطلقْتُ في خمسينَ ومئةٍ فارِسٍ، وكانُوا أصحابَ خَيلٍ، وكنت لا أَثْبُتُ على الخَيلِ،
فضَرَب على صَدْري حتّى رأيتُ أثرَ أصابعِه في صَدْري، وقال: «اللهُمَّ ثَبِّتْه، واجعَلْهُ هادِياً
مَهْدِيّا) فانطلَق إليها فكَسَرها وحَرَّقها، ثم بعث إلى رسول الله وََّ، فقال رسولُ جَرِيرٍ: والذي
بعثَكَ بالحقِّ ما جِئْتُكَ حتى تَركْتُها كأنها جملٌ أَجْرَبُ، قال: فَبَارَكَ في خيلٍ أَحَسَ ورجالِها
خمسَ مرّاتٍ.

٦٢٩
باب ٦١ / ح ٤٣٥٥-٤٣٥٧
كتاب المغازي
٤٣٥٧- حدَّثنا يوسُفُ بنُ موسى، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن
قيسٍ، عن جَريٍ، قال: قال لي رسول الله وَّ: ((أَلَا تُرِيحُنِي مِن ذِي الخَلَصةِ)) فقلت: بلى،
فانطلقْتُ في خمسينَ ومئةٍ / فارِسٍ مِن أَحَمَسَ، وكانوا أصحابَ خَيلٍ، وكنتُ لا أَثبُتُ على ٧١/٨
الخيلِ، فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ وَّةِ، فضربَ يَدَه على صَدْري، حتى رأيتُ أثَرَ يدِه في صَدْري،
وقال: ((اللهُمَّ ثَبَّهُ، واجعلْهُ هادِياً مَهْدِيَّ)) قال: فما وقعتُ عن فَرَسِ بعدُ، قال: وكان ذُو
الخَلَصةِ بيتاً باليمن لِخَثعمَ وبَجِيلَةَ، فيه نُصُبٌ تُعبَدُ، يقال له: الكعبةُ، قال: فأتاها فحَرَّقها
بالنار وكَسَرها، قال: ولما قدِمَ جَرِيرٌ اليمنَ كان بها رجلٌ يَستَقْسِمُ بالأزْلامِ، فقيل له: إن رسُولَ
رسُولِ اللهِوَ ﴿ هاهنا، فإن قَدَرَ عليكَ ضرَبَ عُنُقَكَ، قال: فبينما هو يضِرِبُ بها إِذْ وَقَفَ عليه
جَرِيرٌ، فقال: لَتَكسِرِنَها، ولَتَشْهَدَنَّ أن لا إله إلَّ الله، أو لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، قال: فَكَسَرِها،
وشهدَ، ثم بَعَثَ جَرِيرٌ رجُلاً مِن أَحَسَ يُكنَى أبا أَرْطاةَ إلى النبي ◌َِّ يُشِّرِه بذلك، فلما أتى
النبيَّ وَّه قال: يا رسولَ الله، والذي بَعثَكَ بالحقِّ، ما جِئتُ حتّى تَرَكْتُها كأنها جملٌ أجْرَبُ،
قال: فَبَرَّك النبيُّ وَّلِ على خيلِ أحَمَسَ ورجالِها خمسَ مرّاتٍ.
قوله: ((غزوة ذي الخَلَصة)) بفتح الخاء المعجَمة واللّام، بعدها مُهمَلة، وحَکَی ابن دُرَید
فتح أوَّله وإسكان ثانيه، وحَكَى ابن هشام ضَمَّها، وقيلَ: بفتح أوَّله وضمّ ثانيه. والأوَّل
أشهرُ. والخَلَصة: نبات له حَبّ أحمر كخَرَزِ العَقيق، وذو الخَلَصة: اسم للبيت الذي كان
فيه الصَّنَم، وقيلَ: اسمُ البيت الخَلَصة، واسمُ الصَّنَم ذو الخَلَصة، وحَكَى المَبَرِّد أنَّ موضع
ذي الخَلَصة صارَ مسجداً جامعاً لبَلدةٍ يقال لها: العَبَلات من أرض خَثعَمَ. ووَهِمَ مَن قال:
إنّه کان في بلاد فارس.
قوله: ((حدَّثْنا خالد)) هو ابن عبد الله الطَّحّان، وبَيَانٌ بموحَّدةٍ ثمَّ تحتانيَّة خفيفة، وهو
ابن بِشْر، وقيس: هو ابن أبي حازم.
قوله: ((كان بيت في الجاهليّة يقال له: ذو الخَلَصة)) في الرِّواية الَّتي بعدها: أنَّه كان في
خَتْعَمَ، بمُعجَمةٍ ومُثلَّثة، وزن جعفر: قبيلة شَهيرة يَنْتَسِبونَ إلى خَثعَم بن أنمارٍ، بفتح أوَّله

٦٣٠
باب٦١ / ح ٤٣٥٥-٤٣٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
وسكون النُّون، أي: ابن إراش، بكسرٍ أوَّلِه وتخفيف الرّاءِ وفي آخره مُعجَمة، ابن عَنْزِ،
بفتح المهمَلة وسكون النّونِ بعدها زاي، أي: ابن وائل، يَنتَهي نَسَبهم إلى ربيعة بن نِزار،
إخوة مُضَر بن ◌ِزار جَدّ قُرَيش وقيس(١)، وقد وَقَعَ ذِكْر ذي الخَلَصة في حديث أبي هريرة
عند الشَّيخَينِ (٢)، في كتاب الفتن مرفوعاً: ((لا تقوم الساعة حتَّى تَضطَرِب أَلَيَات نِساء
دَوْس حول ذي الخَلَصة))، وكان صَنَما تَعبُده دَوس في الجاهليّة. والذي يَظهَر لي أنَّه غير
المراد في حديث الباب، وإن كان السُّهَيلِيُّ يشير إلى اتّحادهما لأنَّ دَوْساً قبيلة أبي هريرة، وهم
يَنْتَسِبونَ إلى دَوس بن عُدثان، بضمِّ المهمَلة وبعد الدّال الساكنة مُثلَّئة، ابن عبد الله بن
زَهران، يَنتَهي نَسَبهم إلى الأزدِ، فبينهم وبين خَثعَمَ تَبَايُنٌّ في النَّسَب والبَلَد. وذكر ابن دحية
أنَّ ذا الْخَلَصة المرادَ في حديث أبي هريرة كان عَمْرو بن لُحَيّ قد نَصَبَه أسفَل مكَّة، وكانوا
يُلِبِسونَه القَلائد، ويَجِعَلونَ عليه بَيض النَّعام، ويَذْبَحونَ عنده، وأمَّا الذي لخَنعَم فكانوا قد
بَنَوا بيتاً يُضاهونَ به الكعبة، فظَهَرَ الافتراق وقَويَ التعدُّد، والله أعلم.
قوله: ((والكعبة اليَمَانيَّة والكعبة الشّاميَّة)) كذا فيه، قيلَ: وهو غَلَط، والصَّواب اليَمَانية
فقط، سَمَّوها بذلك مُضاهاة للكعبة، والكعبة البيت الحرام بالنّسبة لمن يكون جهة اليمن
شاميَّةٌ، فسَمَّوا الَّتي بمكّة شاميَّةً والَّتي عندهم يَمانية، تَفريقاً بينَهما. والذي يَظهَر لي أنَّ الذي
في الرِّواية صواب، وأنَّها كان يقال لها: اليَمَانية باعتبار كَوْنها باليمن، والشّاميَّة باعتبار أنَّهم
جَعَلوا بابها مُقابلَ الشّام.
وقد حَكَى عِيَاض أنَّ في بعض الرِّوايات: والكعبة اليَمَانية الكعبة الشّاميَّة، بغير واو، قال:
٧٢/٨ وفيه إيهام، قال: والمعنى: كان يقال/ لها تارةً هكذا وتارةً هكذا. وهذا يُقوِّي ما قلتُه، فإنَّ إرادة
ذلك معَ ثُبوت الواو أَولى، وقال غيره: قوله: والكعبة الشّاميَّة، مُبْتَدَأ محذوف الخبر، تقديره:
هي الَّتِي بمكَّة، وقيلَ: الكعبة مُبتَدَأ، والشّاميَّة خَبَرَه، والجملة حال، والمعنى: والكعبة هي
الشّاميَّة لا غير. وحَكَى السُّهَيليُّ عن بعض النَّحوّينَ أنَّ ((له)) زائدة، وأنَّ الصَّواب: كان يقال:
(١) قوله: ((وقيس)) سقط من (س).
(٢) سيأتي برقم (٧١١٦)، وهو عند مسلم (٢٩٠٦).

٦٣١
باب ٦١ / ح ٤٣٥٥-٤٣٥٧
كتاب المغازي
الكعبة الشّاميّة، أي: لهذا البيت الجديد، والكعبة اليَمَانية، أي: للبيت العتيق، أو بالعكس. قال
السُّهَيليُّ: وليست فيه زيادة، وإنَّما اللّام بمعنى من أجل، أي: كان يقال من أجله: الكعبة
الشّاميَّة والكعبة اليَمَانية، أي: إحدى الصِّفَتَينِ للعَتيق والأُخرى للجدید.
قوله: ((ألا تُريحُني)) هو بتخفيفِ اللّام: طلبٌ يَتَضَمَّن الأمر. وخَصَّ جَرِيراً بذلك لأنَّهَا
كانت في بلاد قومه، وكان هو من أشرافهم، والمراد بالرّاحة: راحة القلب، وما كان شيءٌ
أتعَبَ لقلب النبيّ وَلّه من بقاء ما يُشرَك به من دون الله تعالى. وروى الحاكم في ((الإكليل))
من حديث البراء بن عازِب قال: قَدِمَ على النبيّ وَِّ مئةُ رجل من بني بَجيلة وبني قُشَيِرٍ
منهم جَرِير بن عبد الله، فسألَه عن بني خَثعَم، فأخبَرَه أنَّهم أبَوا أن يُجيبوا إلى الإسلام،
فاستعملَه على عامّة مَن كان معه، ونَدَبَ معه ثلاث مئة من الأنصار، وأمَرَه أن يسير إلى
خَتعَمْ فَيَدعوَهم ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى الإسلام قبلَ منهم، وهَدَمَ صنمَهم ذا الخَلَصة،
وإلّا وَضَعَ فيهم السّيف.
قوله: ((فتَفَرْتُ)) أي: خَرَجتُ مُسرِعاً.
قوله: ((في مئة وخمسينَ راكباً)) زاد في الرِّواية الَّتي بعدها: وكانوا أصحابَ خيل، أي:
يَثْبُتُونَ عليها لقوله بعده: وكنت لا أثبت على الخيل. ووَقَعَ في روايةٍ ضعيفة في الطبرانيِّ
(٢٢٩٦): أنَّهم كانوا سبع مئةٍ، فلعلَّها إن كانت محفوظة يكون الزّائد رَجَّالةً وأتباعاً، ثمّ
وجدتُ في ((كتاب الصَّحابة)) لابنِ السَّكَن: أنَّهم كانوا أكثرَ من ذلك، فذكر عن قيس بن
غَربة الأحَمَسيِّ: أنَّه وَفَدَ في خمسِ مئةٍ، قال: وقَدِمَ جَرِير في قومه، وقَدِمَ الحجّاجِ بن ذي
الأعنق(١) في مئتَينٍ، قال: وضمَّ إلينا ثلاث مئة من الأنصار وغيرهم، فغَزَونا بني خَثْعَم.
فكأنَّ المئة والخمسينَ هم قوم جَرِير، وتكملة المتتَينِ أتباعهم، وكأنَّ الرِّواية الَّتي فيها سبعُ
مئةٍ مَن كان من رَهْط جَرِير وقيس بن غَربة لأنَّ الخمسينَ كانوا من قبيلة واحدة، وغَربة،
(١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: الأعين، والتصويب من ((الإصابة)) للحافظ في ترجمة قيس بن غربة
٤٩٣/٥، وأورد له الحافظ في ((الإصابة)) ٣١/٢ ترجمة سماه فيها: الحجاج بن ذي العنق، وهذا يوافق ما
نقله القلقشندي في ((نهاية الأرب)» ص٤٠٨، فلعلَّ هذا هو الصواب في اسمه.

٦٣٢
باب ٦١ / ح ٤٣٥٥-٤٣٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
بفتح المعجَمة والرّاء المهمَلة بعدها موحّدة، ضَبَطَه الأَمير(١).
قوله: ((فكَسَرْناه)) أي: البيت، وسيأتي البحث فيه بعدُ.
قوله: ((فأتيت النبيّ ◌َ لَ فأخبرته)) كذا فيه، وفي الرّواية الأخيرة: أنَّ الذي أخبر النبيّ وَّ
بذلك رسول جَرِير، فكأنَّه نُسِبَ إلى جَرِير مجازاً.
قوله: ((فَدَعا لنا ولأحْمَسَ)) بمُهمَلةٍ وزن أحمرَ، وهم إخوة بَجِيلة، بفتح الموحّدة وكسر
الجيم، رَهْط جَرِير، يَنْتَسِبونَ إلى أحَمَسَ بن الغَوْث بن أنمار، وبَجيلة: امرأة نُسِبَت إليها
القبيلة المشهورة، ومَدار نَسَبهم أيضاً على أنمار. وفي العرب قبيلة أُخرى يقال لها: أحمَس،
ليست مُرادةً هنا يَتَسِبونَ إلى أحمَس بن ضُبيعةً بن ربيعة بن نِزار. ووَقَعَ في الرِّواية الَّتي بعد
هذه: فبارَكَ في خيل أحَمَس ورجالها، خمس مرّات، أي: دَعًا لهم بالبَرَكة، ووَقَعَ عند
الإسماعيليّ من رواية أبي (٢) شِهاب عن إسماعيل بن أبي خالد: فدَعَا لأحمَس بالبَرَكة.
قوله: ((وكنت لا أثْبُت على الخيل، فضَرَبَ على صَدْري حتَّى رأيت أثَر أصابعه في
صَدْري)) في حديث البراء عند الحاكم: فشَكا جَرِير إلى رسول الله بَّهِ القَلَع فقال: ((ادنُ
مِنِّي)) فدنا منه فوَضَعَ يده على رأسه، ثمَّ أرسَلَها على وجهه وصَدره، حتَّى بَلَغَ عانَته، ثمّ
وضَعَ يده على رأسه وأرسَلَها على ظهره حتَّى انتَهَت إلى أَلْيَته وهو يقول مِثل قوله الأوَّل.
فكان ذلك للتََّرُّكِ بَيَدِه المباركة.
فائدة: القَلَع بالقاف ثمَّ اللّام المفتوحَتَينِ، ضَبَطَه أبو عُبيد الهَرَويُّ(٣): الذي لا يَثْبُت على
السَّرج. وقيلَ: بكسرٍ أوَّله، قال الجَوْهريّ: رجل قِلْع القَدَم بالكسر: إذا كانت قدمه لا تَثْبُت
عند الحرب، وفلان قَلَعة: إذا كان يَتَقَلَّع عن سَرْجه. وسُئِلَ عن الحكمة في قوله: ((خمس مرّات))
(١) أي: الأمير أبو نصر بن ماكولا، في كتابه («الإكمال)) ٧/ ٢٠، وتحرف في (س) إلى: الأكثر، ووقع في (ع):
ابن الأثير، قلنا: وقد ذكره ابن الأثير في («أسد الغابة» في ترجمة قیس لكنه نقله عن الأمیر.
(٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: ابن. ولا يُعرف لابن شهاب رواية عن إسماعيل بن أبي خالد، وأبو شهاب
المذکور: هو عبد ربه بن نافع الحنّاط، وله عن إسماعيل رواية.
(٣) كذا قال الحافظ، والهروي في ((الغريبين)) ١٥٧٨/٥ إنما ذكره ((قِلع)) بكسر القاف - كما نص الَّبيدي في
(تاج العروس)) - ثم نقل عن بعضهم أنه بفتح القاف وكسر اللام، ولم يذكر فتح القاف واللام.

٦٣٣
باب ٦١ / ح ٤٣٥٥-٤٣٥٧
كتاب المغازي
فقيلَ: مُبالَغةً واقتصاراً على/ الوتر، لأنَّه مطلوب. ثمَّ ظَهَرَ لي احتمال أن يكون دَعَا للخيلِ ٧٣/٨
والرِّجال أولاً(١) معاً. ثمَّ أراد التَّأكيد في تَكرير الدُّعاء ثلاثاً، فدَعا للرِّجال مرَّتَيْنِ أُخرَيَينِ،
وللخيلِ مرَّتَيْنِ أُخرَيَينِ ليكمُل لكلٍّ من الصِّنفَينِ ثلاثاً، فكان مجموع ذلك خمس مرّات.
قوله: ((اللهمَّ ثَبِّتْه واجْعَلْه هادياً مَهْدّاً) قيل: فيه تقديم وتأخير، لأنَّه لا يكون هادياً
حتَّى يكون مَهديّاً، وقيل: معناه: كاملاً مُكَمَّلاً، ووَقَعَ في حديث البراء أنَّه قال ذلك في
حال إمرار يدِه عليه في المَرَّتَينِ. وزاد: ((وبارِك فيه وفي ذُرِيَّته)).
تنبيه: كلام المِزّيّ في ((الأطراف)) يقتضي أنَّ قوله: ((واجعَله هادياً مَهديّا)) من أفراد مسلم
(٢٤٧٥ و٢٤٧٦)، وليس كذلك، لأنَّ ثَبَتَ هنا من طريقَينِ.
قوله: ((فكَسَرَها وحَرَّقَها)) أي: هَدَمَ بناءَها، ورَمَى النار فيما فيها من الخشب.
قوله في الرواية الثالثة: ((ولّا قَدِمَ جَرِيرٌ الْيَمَنَ ... )) إلى آخره، يُشعِر باتِّحَادِ قِصَّته في غزوة
ذي الخَلَصة بقِصّة ذهابه إلى اليمن، وكأنَّه لمَّا فَرَغَ من أمر ذي الخَلَصة وأرسَلَ رسوله
مُبَشِّراً استَمرَّ ذاهباً إلى اليمن للسَّبَب الذي سَيُذكَرُ بعد بابٍ.
وقوله: (يَستَقْسِم) أي: يَستَخرِج غَيبَ ما يريد فِعلَه من خير أو شَرّ، وقد حَرَّمَ الله ذلك
بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ﴾ [المائدة: ٣].
وحَكَى أبو الفَرج الأصبهاني: أنَّهم كانوا يَستَقْسِمونَ عند ذي الخَلَصة، وأنَّ امْرَأ
القيس لمَّ خرج يَطلُب بثَأرِ أبيه استَقْسَمَ عنده، فخرج له ما يَكرَه، فسَبَّ الصَّنَم ورَماه
بالحجارة وأنشد:
لو كنتَ ياذا الخَلَص الموتُورا لم تَنْهَ عن قَتْل العُداةِ زُورا
قال: فلم يَستَقْسِم عنده أحد بعدُ حتَّى جاء الإسلام. قلت: وحديث الباب يدلّ على أنَّهم
استَمرّوا يَستَقسِمونَ عنده حتَّى نَهاهم الإسلام. وكأنَّ الذي استَقسَمَ عنده بعد ذلك لم
(١) تحرف في (س) إلى: أولهما.

٦٣٤
باب ٦١ / ح ٤٣٥٥-٤٣٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
يَبلُغه التَّحريم، أو لم يكن أسلَمَ حتَّى زَجَرَه جَرِیرٌ.
قوله: ((ثُمَّ بَعَثَ جَرِير رجلاً من أحَمَسَ يُكنَى أبا أرطاةَ)) بفتح الهمزة وسكون الرّاء بعدها
مُهمَلة وبعد الألف هاء تأنيث، واسم أبي أرطاةَ هذا: حُصَينُ بن ربيعة، وَقَعَ مُسَمَّى في
((صحيح مسلم)) (٢٤٧٦/ ١٣٧)، ولِبَعضٍ رواته: حُسَين، بسينٍ مُهمَلة بَدَل الصّاد، وهو
تصحيف، ومنهم مَن سَمّه: حِصْن، بكسرٍ أوَّله وسكون ثانيه. وقَلَبَه بعض الرُّواة فقال:
ربيعة بن حُصَينٍ. ومنهم مَن سَمّه: أرطاةَ. والصَّواب: أبو أرطاةَ حُصَينُ بن ربيعة، وهو
ابن عامر بن الأزوَر، وهو صَحابيّ بَجَليّ، لم أرَ له ذِكْراً إلّا في هذا الحديث.
قوله: ((كأنَّهَا ◌َل أجْرَب)) بالجيم والموخَّدة، هو كِناية عن نَزع زينَتَها وإذهاب بَهَجَتها.
وقال الخَطّابيُّ: المراد أنَّها صارت مِثل الجَمَل المطليّ بالقَطِران من جَرَبه، إشارة إلى أنَّها
صارت سوداء لمَا وَقَعَ فيها من التَّحريق. ووَقَعَ لبعضِ الرُّواة، وقيلَ: إنَّها رواية مُسدّد(١):
أجوَف بواوٍ بَدَل الرّاء، وفاء بَدَل الموحَّدة، والمعنى: أنَّها صارت صورةً بغير معنَى،
والأجوَف: الخالي الجَوف معَ كِبره في الظّاهر. ووَقَعَ لابنِ بَطّال معنى قوله: أجرَب، أي:
أسود، ومعنى قوله: أجوَف، أي: أبيض، وحكاه عن ثابت السَّرَقُسطيّ، وأنگرَه عیاض
وقال: هو تصحيف وإفسادّ للمعنى. كذا قال، فإن أراد إنكار تفسير أجوَف بأبيض
فمقبول، لأنَّه يُضادُّ معنى الأسوَد، وقد ثَبَتَ أنَّه حَرّقَها، والذي يُحرَّق يصير أثره أسود لا
مَحَالةَ فيه، فكيف يوصَف بكَوْنِه أبيضَ؟ وإن أراد إنكار لَفظ ((أجوَف)) فلا إفساد فيه، فإنَّ
المراد: أنَّه صارَ خالياً لا شيء فيه، كما قَرَّرتُه.
وفي الحديث مشروعيَّ إزالة ما يَفتَتِن به الناس من بناء وغيره، سواء كان إنساناً أو
حيواناً أو جماداً.
وفيه استمالة نفوس القوم بتأمير مَن هو منهم، والاستمالة بالدُّعاءِ والنَّناء والبشارة في
الفُتوح. وفضل ركوب الخيل في الحرب. وقَبُول خَبَر الواحد. والمبالَغة في نِكاية العَدوّ. ومناقب
(١) سلفت روايته عند البخاري برقم (٣٠٢٠) على الشك، فقال: كأنها جمل أجوف أو أجرب.

٦٣٥
باب ٦٢ / ح ٤٣٥٨
كتاب المغازي
لجَرِير ولقومِه. وبَرَكة يد النبيّ وَّهُ ودُعائه، وأنَّه كان يَدعُو وِتراً وقد يُجاوز الثلاث.
وفيه/ تخصيص لعُموم قول أنس: كان إذا دَعَا دَعا ثلاثاً، فيُحمَل على الغالب، وكأنَّ ٧٤/٨
الزّيادة لمعنَى اقتَضَى ذلك، وهو ظاهرٌ في أحَمَسَ لمَا اعتَمَدوه من دَحْض الكفر ونَصْر الإسلام،
ولا سيَّما معَ القوم الذينَ هم منهم.
٦٢ - باب غزوة ذات السلاسل، وهي غزوة لَخْمِ وجُذَامِ
قاله إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ.
وقال ابنُّ إسحاقَ، عن يَزِيدَ، عن عُرْوةَ: هي بلادُ بَلِيٍّ وعُذْرةَ وبني القَينِ.
٤٣٥٨- حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا خالدٌ، عن خالدِ الحَذَّاءِ، عن أبي عثمانَ: أنَّ رسولَ الله ◌ِصَلـ
بَعَثَ عَمْرَو بنَ العاص على جيشٍ ذات السَّلاسِلِ، قال: فأتيتُه فقلتُ: أيُّ الناسِ أحَبُّ إليكَ؟
قال: ((عائشةٌ)) قلتُ: مِن الرِّجال؟ قال: ((أبوها)) قلتُ: ثمَّ مَنْ؟ قال: ((عمرُ)) فعَدَّ رجالاً، فسَكَثُ
تَخَافةَ أن يَجْعَلَني في آخِرِ هم.
قوله: ((باب غزوة ذات السَّلاسِل)» تقدَّم ضبطها وبيان الاختلاف فيها في أواخر مناقب
أبي بَكر (٣٦٦٢)، قيلَ: سُمّيَت ذاتَ السَّلاسل، لأنَّ المشركينَ ارتَبَطَ بعضهم إلى بعض
تَخَافة أن يَفِرّوا، وقيلَ: لأنَّ بها ماء يقال له: السَّلسَل، وذكر ابن سعد أنَّها وراء وادي
القُرَى، وبينها وبين المدينة عشرة أيام.
قال: وكانت في ◌ُمادَى الآخِرة سنة ثمانٍ من الهجرة، وقيلَ: كانت سنة سبعٍ، وبه جَزَمَ
ابن أبي خالد (١) في كتاب ((صحيح التاريخ))، ونَقَلَ ابن عساكر الاتِّفاق على أنَّها كانت بعد
غزوة موتةً، إلّا ابن إسحاق فقال: قبلها. قلت: وهو قَضيّة ما ذُكِرَ عن ابن سعد وابن أبي
خالد.
قوله: ((وهيَ غزوة لَخْم وجُّدام، قاله إسماعيل بن أبي خالد)) وعند ابن إسحاق: أنَّه ماء
(١) هو أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد القيرواني المعروف بابن الجزار، له معرفة بالطب والتاريخ، كان في أيام الدولة
العُبيدية. له ترجمة في ((سير أعلام النبلاء)) ١٥/ ٥٦١.

٦٣٦
باب ٦٢ / ح ٤٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
لبني جُذام ولَخْم، أمَّا لَخْم، فبفتح اللام وسكون المعجَمة: قبيلة كبيرة شَهيرة يُنسَبونَ إلى
لَخْم، واسمه: مالك بن عَديّ بن الحارث بن مرَّة بن أُدَدٍ. وأمَّا جُذَام، فبضمِّ الجيم بعدها
مُعجَمة خفيفة: قبيلة كبيرة شَهيرة أيضاً يُنسَبونَ إلى عَمْرو بن عَديّ، وهم إخوة لَخْم على
المشهور، وقيل: هم من ولد أسَد بن خُزَيمةَ.
قوله: ((وقال ابن إسحاق، عن يزيد، عن عُرْوة: هي بلاد بَلِيٍّ وعُذْرةَ وبني القَينِ)) أمَّا يزيد:
فهو ابن رُومان، مَدَنيّ مشهور، وأمَّا عُرْوة: فهو ابن الزُّبَير بن العَوّامّ. وأمَّا القبائل الَّتي
ذكرها، فالثلاثة بُطون من قُضاعة، أمَّا بَليّ، فبفتح الموحّدة وكسر اللّام الخفيفة بعدها ياء
النَّسَب: قبيلة كبيرة يُنسَبونَ إِلى بَليّ بن عَمْرو بن الحافِ بن قُضاعة، وأمَّا عُذْرة، فبضمٌ
العين المهمَلة وسكون الذّال المعجَمة: قبيلة كبيرة يُنسَبونَ إلى عُذرة بن سعد هُذَيم بن زيد
ابن ليث بن سود (١) بن أسلُمَ - بضمِّ اللّام - بن الحافِ بن قُضاعة، وأمَّا بنو القَيْن: فقبيلة
كبيرة أيضاً يُنسَبونَ إلى القَين بن جَسْر، ويقال: كان له عبد يُسَمَّى القَين حَضَنَه فنُسِبَ إليه،
وكان اسمه: النُّعمان بن جَسْر بن شِيْع الله - بكسرِ المعجَمة (٢) وسكون التَّحتانيَّة بعدها عين
مُهمَلة - بن أسد بن وَبَرة بن تَغْلِب(٣) بن حُلوان بن عِمرانَ بن الحافِ بن قضاعة. ووَهِمَ
ابن التِّن فقال: بنو القَيْن قبيلة من بني تميم.
وذكر ابن سعد أنَّ جمعاً من قُضاعة تَجمَّعوا وأرادوا أن يَدِنُوا من أطراف المدينة، فدَعا
النبيّ وََّ عَمْرو بن العاص فعَقَدَ له لواءً أبيضَ، وبَعَثَه في ثلاث مئةٍ من سَراة المهاجِرِينَ
والأنصار، ثمَّ أمَدَّه بأبي عبيدة بن الجرّاح في مئتَينٍ، وأمَرَه أن يَلحَق بعَمٍو، وأن لا يختلفا،
فأراد أبو عُبيدة أن يَؤُمّ بهم، فمَنَعَه عَمْرو، وقال: إِنَّا قَدِمتَ عليَّ مَدَداً وأنا الأمير، فأطاعَ له
أبو عُبيدة فصَلَّى بهم عَمْرو، وتقدَّم في التيمُّم(٤): أنَّه احتَلَمَ في ليلة باردة فلم يَغْتَسِل، وتَيمَّمَ
(١) تحرف في (س) إلى: سوید.
(٢) كذا ضبطه الحافظ رحمه الله هنا بكسر المعجمة، وضبطه في ((تبصير المنتبه)) ٢ / ٦٧٤ بفتحها، وهو الصواب
الموافق لضبط ابن الأثير في ((جامع الأصول)) والفيروزآبادي في ((القاموس))، وغيرهما.
(٣) تصحفت في (س) إلى: ثعلب. وانظر ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص٤٥٢ -٤٥٥.
(٤) قبل الحديث (٣٤٥).

٦٣٧
باب ٦٢ / ح ٤٣٥٨
كتاب المغازي
وصَلَّى بهم، الحديث. وسارَ عَمْرو / حتَّى وَطِئَ بلاد بَليٍّ وعُذْرة. وكذا ذكر موسى بن عُقْبة ٧٥/٨
نحوَ هذه القِصّة.
وذكر ابن إسحاق أنَّ أمّ عَمْرو بن العاص كانت من بَليّ، فَبَعَثَ النبيّ ◌َّهِ عَمْراً يَسْتَنِفِر
الناسَ إلى الإسلام، ويَستألِفُهم بذلك.
وروى إسحاق بن راهويه والحاكم (٤٢/٣-٤٣)(١) من حديث بُرَيدة: أنَّ عَمْرو بن
العاص أمرهم في تلك الغزوة أن لا یوقدوا ناراً، فأنگرَ ذلك عمر، فقال له أبو بكر: دَعه،
فإنَّ رسول الله بَّهلم يَبعَثه علينا إلّا لعِلمِه بالحرب، فسَكَتَ عنه. فهذا السَّبَب أصحّ إسناداً
من الذي ذكره ابن إسحاق، لكن لا يمتنعُ الجمعُ. وروى ابن حِبّان (٤٥٤٠) من طريق
قيس بن أبي حازِم عن عَمْرو بن العاص: أنَّ رسول الله وَ له بَعَثَه في ذات السَّلاسل، فسألَه
أصحابه أن يُوقِدوا ناراً فمَنَعَهم، فكلَّموا أبا بكر فكَلَّمَه في ذلك، فقال: لا يوقِد أحد منهم
ناراً إلّا قَذَفته فيها، قال: فَلَقُوا العدوّ فَهَزَمَهم، فأرادوا أن يَتْبعوهم فمَنَعَهم، فلمَّ انصَرَفوا
ذَكَروا ذلك للنبيِّ وَّهِ، فسألَه، فقال: كَرهتُ أن آذَنَ لهم أن يُوقِدوا ناراً فيَرَى عَدوُّهم
قِلَّتَهم، وكرهتُ أن يَتْبعوهم فيكون لهم مَدَد، فحَمِدَ أمرَه، فقال: يا رسول الله، مَن أحَبّ
الناس إليك؟ الحديث. فاشتَمَلَ هذا السّياق على فوائدَ زوائدَ، ويُجمَع بينه وبين حديث
بُرَيدة بأنَّ أبا بكر سألَه، فلم يُحِه فسَلَّمَ له أمره، وأَخَوا على أبي بكر حتَّى يسأله، فسأله فلم
◌ُجِیه.
قوله: ((حدّثنا إسحاق)) هو ابن شاهين، وخالد: هو ابن عبد الله الطّحّان، وشيخه خالد:
هو ابن مِهرانَ الحَذّاء، وأبو عثمان: هو النَّهْديّ.
(١) الحديث عند الحاكم موصول بذكر بريدة، ولكنه عند إسحاق بن راهويه، كما في ((المطالب العالية)) للحافظ
(٢١٤٨) عن ابن بريدة مرسلاً، ونظن أنَّ ما وقع للحاكم وهم، لأنَّ البيهقي روى هذا الخبر عنه وعن أبي
بكر أحمد بن الحسن القاضي، كلاهما عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم، بإسناد ((المستدرك)) نفسه،
فلم يذكر بريدة في إسناده، وإنما أرسله عن عبد الله بن بريدة. وهذا أصح لأنه يوافق ما عند ابن راهويه،
والله أعلم.

٦٣٨
باب ٦٢ / ح ٤٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أنَّ رسول الله ◌ََّ بَعَثَ عَمْرو بن العاص على جيش ذات السَّلاسِل)) هذا صورته
مُرسَل، بل جَزَمَ الإسماعيليّ بأنَّه مُرسَل، لكنَّ الحديث موصول لقوله بعد ذلك: قال:
فأتيته. فإنَّ المراد: قال عَمْرو بن العاص، وأبو عثمان سمعَ من عَمْرو بن العاص، وقد
أخرجه مسلم (٢٣٨٤) عن يحيى بن يحيى، والإسماعيليّ من رواية وَهْب بن بَقيَّة ومُعلَّى بن
منصور، كلّهم عن خالد بن عبد الله، بالإسناد الذي أخرجه البخاريّ، فقال في روايته:
عن أبي عثمان عن(١) عَمْرو: أنَّ النبيّ ◌َّهِ بَعَثَه على جيش ذات السَّلاسل، فأتيته فذكر
الحديث. وتقدَّم في مناقب أبي بكر (٣٦٦٢) من طريق أُخرى عن خالد الخَذّاء عن أبي
عثمان، قال: حدَّثنا عَمْرو بن العاص، فذكره.
قوله: ((فأتيته)) في رواية مُعلَّ بن منصور المذكورة: قَدِمت من جيش ذات السَّلاسل، فأتيت
النبيّ ◌َّهُ. وعند البيهقيِّ(٣) من طريق عليّ بن عاصم عن خالد الحَذّاء في هذه القِصّة: قال
عَمْرو: فحَدَّثت نفسي أنَّه لم يَبعَثني على قوم فيهم أبو بكر وعمر إلّا لمنزلةٍ لي عنده، فأتيته حتَّى
قَعَدت بين يَدَيه، فقلت: يا رسول الله، مَن أحَبّ الناس إليك؟ الحديث.
قوله: ((فعَدَّ رجالاً)) في رواية عليّ بن عاصم: قال: قلت في نفسي: لا أعود لِثلِها أسأل
عن هذا.
وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل إذا امتازَ المفضول بصفةٍ تتعلَّق بتلكَ
الولاية. ومَزيَّة أبي بكر على الرِّجال وبنتِه عائشة على النِّساء، وقد تقدَّمت الإشارة إلى ذلك
في المناقب. ومَنقَبَةٌ لعَمِرٍو بن العاص لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر، وإن كان
ذلك لا يقتضي أفضليَّتَه عليهم، لكن يقتضي أنَّ له فضلاً في الجملة. وقد رُوِّينا في ((فوائد
أبي بكر بن أبي الهَثَم)) من حديث رافع الطائيّ قال: بَعَثَ النبيّ ◌َلَّ جيشاً واستعملَ عليهم
عَمْرو بن العاص وفيهم أبو بكر. قال: وهي الغزوة الَّتي يَفتَخِر بها أهل الشّام. وروى أحمد
(١) بل وقع عند مسلم تصريح أبي عثمان النهدي بسماعه له من عمرو بن العاص.
(٢) في ((دلائل النبوة)) ٤ / ٤٠٠-٤٠١.

٦٣٩
باب ٦٣ / ح ٤٣٥٩
كتاب المغازي
(١٧٧٦٣)، والبخاريّ في الأدب (٢٩٩)، وصَحَّحَه أبو عَوَانة، وابن حِبّان (٣٢١٠
و٣٢١١)، والحاكم (٢/٢ و٢٣٦) من طريق عُلَيّ بن رَباح عن عَمْرو بن العاص قال: بَعَثَ
إليَّ النبيّ وَّهِ يأمرني أن آخذ ثيابي وسِلاحي فقال: ((يا عَمْرو، إنّي أُريدُ أن أبعثَك على جيش
فِيُغْنِمَك اللهُ ويُسَلِّمك)) قلت: إنّ لم أُسلم رَغبة في المال! قال: ((نِعمَ المالُ الصالح للمَرءِ
الصالح)»، وهذا فيه إشعار بأنَّ بَعْثه عَقِب إسلامه، وكان إسلامه في أثناء سنة سبعٍ من
الهجرة.
قوله في آخر الحديث: ((فسَكَتْ)) بتشديد المثنّة المضمومة، هو مَقُول عمرو.
٦٣ - باب ذهاب جریٍ إلی الیمن
٧٦/٨
٤٣٥٩ - حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ العَبْسِيُّ، حدَّثنا ابنُ إذْرِيسَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي
خالدٍ، عن قيسٍ، عن جَرِير، قال: كنتُ باليمنِ، فَلَقِيتُ رجلَينِ من أهلِ اليَمَنِ: ذا كَلاعٍ، وذا
عَمٍوٍ، فَجَعَلْتُ أُحدِّثُهم عن رسولِ الله وَّةِ، فقال له ذو عَمٍو: لَئِن كان الذي تَذْكُرُ من أمرٍ
صاحبِكَ، لقد مرَّ على أجَلِهِ منذُ ثلاثٍ، وأقبَلا مَعي، حتَّى إذا كنَّا في بعضِ الطَّرِيقِ رُفِعَ لنا
رَكْبٌ من قِبَلِ المدينةِ، فسألْناهم، فقالوا: قُبِضَ رسولُ اللهِ وَّةِ، واستُخْلِفَ أبو بَكْرٍ، والناسُ
صالحونَ، فقالا: أخبر صاحبَكَ أنّا قد جِئْنا، ولعلَّنا سَنَعودُ إن شاء الله، وَرَجَعا إلى اليَمَنِ،
فأخبَرْتُ أبا بَكْرٍ بحديثِهم، قال: أَفَلا جِئْتَ بهِمْ؟ فلمَّا كان بَعْدُ قال لي ذو عَمٍو: يا جَرِيرُ، إنَّ
بكَ عليَّ كَرامةً، وإنّي مُخْبِرُكَ خَبَرَاً، إِنَّكُمْ مَعْشَرَ العربِ لَن تزالوا بخيرٍ ما كنتُم إذا هَلَكَ أمِيرٌ
تآمَرْتُم في آخَرَ، فإذا كانت بالسَّيفِ كانوا ملوكاً يَغْضَبونَ غَضَبَ الملوكِ، ويَرْضَوْنَ رِضا
الملوكِ.
قوله: ((باب ذهاب جَرِير)) أي: ابن عبد الله البَجَليّ ((إلى اليمن)) ذكر الطبرانيُّ (٢٣٩٢)
من طريق إبراهيم بن جَرِير عن أبيه قال: بَعَثَني النبيّ ◌َلّه إلى اليمن أُقاتلهم وأدعوهم أن
يقولوا: لا إله إلّا الله. فالذي يَظهَر أنَّ هذا البعث غير بعثه إلى هَدم ذي الخَلَصة، ويحتمل
أن يكون بَعَثَه إلى الجِهَتَينِ على التَّرتيب، ويُؤيِّده ما وَقَعَ عند ابن حِبّان (٧٢٠٢) في حديث

٦٤٠
باب ٦٣ / ح ٤٣٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
جَرِير: أنَّ النبيّ وَّهِ قال له: ((يا جَرِير، إنَّه لم يَبقَ من طَواغيت الجاهليّة إلّا بيت ذي
الخَلَصة))، فإنَّه يُشعِر بتأخّر هذه القِصّة جدّاً، وسيأتي في حَجّة الوداع (٤٤٠٥) أنَّ جَرِيراً
شَهِدَها، فكأنَّ إرساله كان بعدها، فَهَدَمَها ثمَّ تَوَجَّهَ إلى اليمن، ولهذا لمَّا رَجَعَ بَلَغَته وفاة
النبيّ ◌َلّ.
قوله: ((حدَّثني عبد الله بن أبي شَيْبة)) هو أبو بكر - واسم أبيه محمَّد بن أبي شَيْبة، واسمه:
إبراهيم بن عثمان العَبسيّ، بالموخَّدة - الحافظ، وابن إدريس: هو عبد الله، وقيس: هو ابن
أبي حازِم، والإسناد كلّه كوفيّونَ.
قوله: ((كنت باليَمَنِ)) في رواية أبي إسحاق عن جَرِير عند ابن عساكر(١): أنَّ النبيّ
صَلىالله
وسام
بَعَثَه إلى ذي عَمْرو وذي الكَلَاعِ يَدعوهما إلى الإسلام فأسلما، قال: وقال لي ذو الكلاع:
ادخُل على أمّ شُرَ حبيل. يعني: زوجته. وعند الواقديِّ في ((الرِّدّة)) بأسانيد مُتَعَدِّدة نحو هذا.
قوله: ((فَلَقِيت رجلينِ من أهل اليَمَن)) في رواية الإسماعيليّ: كنت باليمن، فأقبلت
ومَعي ذو الكلاع وذو عَمْرو. وهذه الرِّواية أبيَن، وذلك أنَّ جَرِيراً قَضَى حاجته من اليمن
وأقبَلَ راجِعاً يريد المدينة، فصَحِبَه من ملوك اليمن ذو الكلاع وذو عَمْرو. فأمَّا ذو الكَلَاعِ،
فهو بفتح الكاف وتخفيف اللام، واسمه: اسمَيفَع، بسكونِ المهمَلة وفتح الميم وسكون التَّحتانيَّة
وفتح الفاء وبعدها مُهمَلة - ويقال: أيفَع - بن ناكورا(٢)، ويقال: ابن حَوشَبٍ بن عَمْرو.
وأمَّا ذو عَمْرو فكان أحد ملوك اليمن، وهو من حِمِيَر أيضاً، ولم أقِفْ له على اسم غيره، ولا
رأيت من أخباره أكثر ممّا ذُكِرَ في حديث الباب، وكانا عزَمَا على التوجُّه إلى المدينة، فلمَّا
بَلَغَهما وفاةُ النبيّ ◌َِّرَجَعا إلى الیمن، ثمَّ هاجرا في زمن عمر.
قوله: ((لَئِن كان الذي تَذْكُر من أمر صاحِبك)) أي: حَقّاً، في رواية الإسماعيليّ: لَئِن كان
کما تذكر.
(١) في ((تاريخ دمشق)) ٢٨٤/١٧.
(٢) تصحفت في (س) إلى: باكوراء.