النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ باب ٥٦ / ح ٤٣٣٨ كتاب المغازي قوله: ((فَغيَّرَ وجهُه)) في رواية الواقديِّ: حتَّى نَدِمتُ على ما بَلَّغته. قوله: ((رحمة الله على موسى)) تقدَّمت الإشارة إلى شيء من شرحه في أحاديث الأنبياء (٣٤٠٤ و ٣٤٠٥). وفي الحديث جواز المفاضلة في القسمة. والإعراض عن الجاهل، والصَّفح عن الأذَى. والتَّأسّي بمَن مضى من النُّظَراء. تنبيه: وَقَعَ حديث ابن مسعود مُقدَّماً على طريق معاذ عن ابن عَوْن عن هشام عن أنس في رواية أبي ذرِّ، والصَّواب تأخيره لتَتَوالَى طرق حديث أنس، وأظنّه من تغيير الرُّواة عن الفِرَبْريّ، فإنَّ طريق أنس الأخيرة سَقَطَت من رواية النَّسَفيّ، فلعلَّ البخاريّ ألحقها فُتِبَت مُؤخّرةً عن مكانها. ٥٦ - باب السَّريّة التي قِبَلَ نجدٍ ٤٣٣٨ - حدّثنا أبو التُّعْمان، حدَّثنا حَمَّادٌ، حدّثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: بَعَثَ النبيُّ نَ ◌ّهِ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ، فكنتُ فيها، فَبَلَغَت سُهْمَانُنا اثْنَي عَشَرَ بَعِيراً، ونُقِّلْنا بَعِيراً بَعِيراً، فَرَجَعْنا بثلاثةَ عَشَرَ بَعِيراً. قوله: ((باب السَّريَّة الَّتي قِبَل نَجْد)) قِبَل بكسرِ القاف وفتح الموحّدة، أي: في جِهة نَجد، هكذا ذكرها بعد غزوة الطائف. والذي ذكره أهل المغازي أنَّها كانت قبل التوَجُّه لفتح مكَّة. فقال ابن سعد: كانت في شعبان سنة ثمان. وذكر غيره أنَّها كانت قبل مَؤتةَ، ومؤتة كانت في ◌ُمادَى كما تقدَّم من السَّنة. وقيلَ: كانت في رمضان. قالوا: وكان أبو قَتَادة أميرها، وكانوا خمسة وعشرينَ، وغَنِموا من غَطَفانَ بأرضٍ مُحارب مئتي بعير وألفَي شاة. والسَّريَّة، بفتح المهمَلة وكسر الرّاء وتشديد التَّحتانيَّة: هيَ الَّتِي تَخرُجِ باللَّيلِ. والسَّارية: الَّتِي تَخرُج بالنَّهار، وقيلَ: سُمَّت بذلك لأنَّهَا يَخْفى ذهابُها، وهذا يقتضى أنَّها أُخِذَت من السِّ، ولا يَصِحّ لاختلاف المادّة، وهي قِطعة من الجيش تَخرُج منه وتعود إليهِ، وهي من مئة إلى خمس مئة. فما زاد على خمس مئة يقال له: مَنْسِر، بالنّونِ والمهملة، فإن زاد على الثمان ٦٠٢ باب ٥٧ / ح ٤٣٣٩ فتح الباري بشرح البخاري مئة سُمّيَ جيشاً، وما بينهما يُسَمَّى هيضلة(١)، فإن زاد على أربعة آلاف يُسَمَّى جَحفَلاً، فإن زاد فجيش جَرّار، والخميس: الجيش العظيم، وما افتَرَقَ من السَّريَّة يُسَمَّى بَعْئاً، فالعشرة فما دونها تُسمَّى حَضِيرة (٣)، والأربعونَ عُصبة، وإلى ثلاث مئة مِقنَب، بقاف ونون ثمَّ موحّدة، فإن زاد سُمّيَ جْرة، بالجيم، والكَتِيبة: ما اجتَمَعَ ولم يَنْتَشِر. وحديث ابن عمر المذكور في الباب قد تقدَّم شرحه في فرض الخُمُس (٣١٣٤). وفي ذِكْرِه عَقيب حديث أبي فَتَادة(٣) إشارة إلى اتّحادهما. ٥٧- باب بعثِ النبيّ وَّ خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمة ٥٧/٨ ٤٣٣٩- حدَّثنا محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ (ح) وحدَّثني نُعَيمٌّ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌّ، عن الزُّهْريِّ، عن سالمٍ، عن أبيه، قال: بَعَثَ النبيُّ ◌ََّ خالدَ بنَ الوليدِ إلى بني جَذِيمةَ، فَدَعاهم إلى الإسلام، فلم يُحْسِنوا أن يقولوا: أسلَمْنا، فجَعَلوا يقولون: صَبَأْنا صَبَأنا، فجَعَلَ خالدٌ يَقْتُلُ وبأسِرُ، ودَفَعَ إلى كلِّ رجلٍ مِنّا أَسِيرَه، حتَّى إذا كان يومٌ أمَرَ خالدٌ أن يَقْتُلَ كُلُّ رجلٍ مِنّا أسِيرَه، فقلتُ: والله لا أقْتُلُ أسِيري، ولا يَقْتُلُ رجلٌ من أصْحابي أسِيرَه، حتَّى قَدِمْنا على النبيِّنَّهِ فَذَكَرْناه، فَرَفَعَ النبيُّ ◌َهِ يَدَيِهِ، فقال: ((اللهمَّ إنِّي أبَرَأُ إليكَ ممّا صَنَعَ خالدٌ)) مرَّتَيْنِ. [طرفه في: ٧١٨٩] قوله: ((باب بَعْث النبيّ ◌َير خالد بن الوليد إلى بني جَذيمة)) بفتح الجيم وكسر المعجَمة ثمَّ تحتانيَّة ساكنة، أي: ابن عامر بن عبد مَناة بن كِنانة. ووَهِمَ الكِرْمانيُّ فظَنَّ أنَّه من بني جَذيمة بن عَوْف بن بكر بن عَوْف قبيلة من عبد القيس. وهذا البَعْث كان عَقِبَ فتح مكَّة (١) تحرفت في الأصلين و(س) إلى: هبطة. غير أنَّها جاءت في (أ) بالياء التحتانية بدل الباء الموحدة. والمثبت من ((سبل الهدى والرشاد)) المعروف بالسيرة الشامية للصالحي ٤/٦ حيث نقله عن الحافظ على الصواب. (٢) تحرفت في (أ) و(س) إلى: حفيرة. بالفاء بدل الضاد، وفي (ع) إلى: حفدة. والمثبت على الصواب من ((سبل الهدى والرشاد)» أيضاً نقلاً عن الحافظ. (٣) يعني عند من ذكرهما على هذا الترتيب من أهل المغازي والسير. ٦٠٣ باب ٥٧ / ح ٤٣٣٩ كتاب المغازي في شوّال قبل الخروج إلى حُنَينٍ عند جميع أهل المغازي، وكانوا بأسفَل مكَّة من ناحية يَلَملَم. قال ابن سعد: بَعَثَ النبيّ وَلّه إليهم خالد بن الوليد في ثلاث مئة وخمسين من المهاجرينَ والأنصار داعياً إلى الإسلام، لا مُقاتِلاً. قوله: «حدّثنا محمود» هو ابن غَیْلان. وقوله: ((وحدَّثني نُعَيم)) هو ابن حمّاد، وعبد الله: هو ابن المبارك. وعند الإسماعيليّ ما يدلّ على أنَّ السّياق الذي هُنا لَفظ ابن المبارك. قوله: (بَعَثَ النبيّ ◌ِّ)) قال ابن إسحاق(١): ((حدَّثني حكيم بن عبّاد عن أبي جعفر - يعني الباقر - قال: بَعَثَ رسول الله وَ ◌ّهِ خالد بن الوليد حين افتَتَحَ مَكَّة إلى بني جَذيمة داعياً، ولم يَبعَثْه مُقاتلاً. قوله: ((فلم يُحْسِنوا أن يقولوا: أسلَمْنا، فجَعَلوا يقولون: صَبَأنا صَبأنا)) هذا من ابن عمر راوي الحديث يدلّ على أنَّه فهمَ أَّهم أرادوا الإسلام حقيقةً. ويؤيدُ فهمَه أنَّ قُرَيشاً كانوا يقولون لكلِّ مَن أسلَمَ: صَبَأ، حتَّى اشْتَهَرَت هذه اللَّفظة، وصاروا يُطلِقُونَها في مقام الذَّمَ. ومن ثَمَّ لمَّ أسلَمَ ثُمامة بن أُثالٍ وقَدِمَ مَّة مُعتَمِراً قالوا له: صَبَأْتَ؟ قال: لا، بل أسلَمتُ. فلمَّا اشْتَهَرت هذه اللَّفظة بينهم في موضع: أسلمت، استعملَها هؤلاءٍ، وأمَّا خالد فحَمَلَ هذه اللَّفظة على ظاهرها، لأنَّ قولهم: صَبَأنا، أي: خَرَجنا من دين إلى دين، ولم يَكتَفِ خالد بذلك حتَّى يُصرِّحوا بالإسلام. وقال الخَطّابيُّ: يحتمل أن يكون خالد نَقَمَ عليهم العُدول عن لَفظ الإسلام، لأنَّه فهمَ عنهم أنَّ ذلك وَقَعَ منهم على سبيل الأنَفة ولم يَنقادوا إلى الدّين، فقَتَلَهم مُتأوّلاً قولهَم. قوله: (فَجَعَلَ خالد يَقتُل ويأسِر)) في كلام ابن سعد: أنَّه أمَرَهم أن يَستأسِروا فاستأسَروا، فكَتَفَ بعضهم بعضاً، وفَرَّفَهم في أصحابه. فيُجمَع بأنَّهم أعطَوا بأيديهم بعد المحاربة. قوله: ((ودَفَعَ إلى كلّ رجل مِنّا أسيره)) أي: من أصحابه الذينَ كانوا معه في السَّريّة، وفي (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٤٢٨/٢ -٤٢٩. ٦٠٤ باب ٥٧ / ح ٤٣٣٩ فتح الباري بشرح البخاري رواية الباقر: فقال لهم خالد: ضَعوا السِّلاح، فإنَّ الناس قد أسلموا، فوَضَعوا السِّلاح، فأمَرَ بهم فكُتِفُوا ثمَّ عَرَضَهم على السَّيف. قوله: ((حتَّى إذا كان يومٌ)) كذا بالتَّنوين، أي: من الأيام، و((كان)) تامّة، وعند ابن سعد: فلمَّا كان السَّحَرُ نادى خالد: مَن كان معه أسير فليَضرِب عُنُقَه. قوله: ((أن يَقتُل كلُّ رجل مِنّا أسيرَه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: كلّ إنسان. قوله: ((فقلتُ: والله لا أقتُل أسيري ولا يَقتُل رجل من أصحاب أسيرَه)) وعند ابن سعد: فأمَّا بنو سُلَيم فقَتَلوا مَن كان في أيديهم، وأمَّا المهاجِرونَ والأنصار فأرسَلوا أسراهم. وفيه جواز الخَلِف على نفي فِعل الغير إذا وثِقَ بطَواعِيَّتِه. قوله: ((اللهمَّ إنّ أبرَأْ إليك ممّا صَنَعَ خالد)) قال الْخَطّبيُّ: أنكَرَ عليه العَجَلة/ وتَرْك ٥٨/٨ الَّثُبُّت في أمرهم قبل أن يَعلم المرادَ من قولهم: صَبَأنا. قوله: ((مَرَّتَينِ)) زاد ابن عَسكَر عن عبد الرَّزاق: أو ثلاثة. أخرجه الإسماعيليّ. وفي رواية الباقينَ: ثلاث مرّات. وزاد الباقر في روايته: ثمَّ دَعَا رسولُ اللهِوَ له عليّاً فقال: ((اخرُج إلى هؤلاءِ القوم، واجعل أمر الجاهليّة تحت قَدَمَيك)) فخرج حتَّى جاءهم ومعه مال فلم يَبْقَ لهم أحد إلّا وَداه. وذكر ابن هشام في زياداته أنَّه انفَلَتَ منهم رجل فأتى النبيَّ ◌َِّ بالخبرِ، فقال: ((هل أنكَرَ عليه أحد؟)) فَوَصَفَ له صفة ابن عمر وسالم مَولَى أبي حُذَيفة. وذكر ابن إسحاق(١) من حديث ابن أبي حَدْرَد الأسلَميّ قال: كنت في خيل خالد، فقال لي فتّى من بني جَذِيمة، قد ◌ُّعَت يَداه إلى عُنُقُه برُمّةٍ: يا فتى، هل أنتَ آخِذٌ بهذه الرُّة فقائدي إلى هؤلاءِ النِّسوة، فقلت: نعم، فقُدْته بها، فقال: اسلَمي حُبَيش، قبل نَفَاد العَيْش: أَرَيتُكِ إِذْ(٢) طالَبِتُكُمْ فَوَجَدتُّكُم بِحَلْيَةَ أو أدرَكْتُكُم بالخَوانِقِ (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٤٣٣. (٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: إن. ٦٠٥ باب ٥٨ / ح ٤٣٤٠ كتاب المغازي الأبيات، قال: فقالت له امرأة منهنَّ: وأنت فحَبِيتَ(١) عشراً وتسعاً وَتراً(٢)، وثمانياً تَتْرى. قال: ثمَّ ضَرَبتُ عُنُق الفتى، فأكَبَّت عليه فما زالت تُقبِّله حتَّى ماتت. وقد روى النَّسائيُّ (ك ٨٦١٠) والبيهقيُّ في ((الدَّلائل)» (١١٧/٥-١١٨) بإسنادٍ صحيح من حديث ابن عبّاس نحو هذه القِصّة، وقال فيها: فقال: إنّ لست منهم، إنّ عَشِقتُ امرأةً منهم فدَعُوني أنظُرْ إليها نظرةً، قال فيه: فضَرَبوا عُنُقُه، فجاءت المرأة فوَقَعَت عليه فشَهَقَت شَهْقَةً أو شَهقَتَينِ ثمَّ ماتت، فذَكَروا ذلك للنبيِّ وَّ فقال: ((أما كان فيكم رجلٌ رحيم؟!))، وأخرجه البيهقيُّ(٣) من طريق ابن عصام عن أبيه نحو هذه القِصّة، وقال في آخرها: فانحَدَرَت إلیه من هَودَجها فحَنت علیه حتَّى ماتت. ٥٨ - باب سريّة عبد الله بن حُذافة السّهميّ وعلقمة بن مُجُزِّزِ المُدلِجيّ ويقال: إنَّهَا سَرِيَّةُ الأنصاريّ. ٤٣٤٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حذَّثني سعدُ بنُ عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن عليٍّ ◌ُ، قال: بَعَثَ النبيُّوَلِّ سَرِيَّةً، واستعْمَلَ رجلاً مِن الأنصار، وأمَّرَهم أن يُطِيعوه، فغَضِبَ فقال: أليس أمَرَكُمُ النبيُّ ◌َِّ أن تُطِيعوني؟ قالوا: بَلَى، قال: فاجَمَعوا لي خَطَباً، فجَمَعوا، فقال: أوْقِدوا ناراً، فأوْقَدوها، فقال: ادْخُلوها، فَهَمّوا وجَعَلَ بعضُهم يُمْسِكُ بعضاً، ويقولون: فَرَرْنا إلى النبيِّ وَ ◌ّهِ مِن النار، فما زالوا حتَّى ◌َمَدَتِ النارُ، فسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النبيَّ ◌َّةِ، فقال: ((لو دخلُوها ما خَرَجوا منها إلى يوم القيامةِ، الطّاعةُ في المعروف)). [طرفاه في: ٧١٤٥، ٧٢٥٧] (١) في (س): نجيت. (٢) في (س): ووترا. بواو العطف، وهي مقحمة. (٣) في ((دلائل النبوة)) ١١٧/٥، وفات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((سنن النسائي الكبرى))، إذ هو فيه برقم (٨٧٨٧). ٦٠٦ باب ٥٨ / ح ٤٣٤٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب سَريَّة عبد الله بن حُذافة السَّهْميّ وعَلْقَمة بن مُجزِّز المُدْلِجِيّ، ويقال: إنَّهَا سَريَّة الأنصاري)) قلت: كذا تَرجَمَ، وأشارَ بأصلِ التَّرجمة إلى ما رواه أحمد (١١٦٣٩) وابن ماجه (٢٨٦٣) وصَخَّحَه ابن خُزيمةَ وابن حِبّان (٤٥٥٨) والحاكم (٦٣٠/٣ -٦٣١) من طريق عمر بن الحكم عن أبي سعيد الخُدْريِّ قال: بَعْثَ رسول الله وَلّهِ عَلقَمة بن مُجُزِّز على بَعْث أنا فيهم، حتَّى انتَهَينا إلى رأس غَزاتنا أو كنّا ببعضِ الطَّريق، أذِنَ لطائفةٍ من الجيش وأمَّرَ عليهم عبدَ الله بن حُذافة السَّهميّ، وكان من أصحاب بدر، وكانت فيه دُعَابة، الحديث. وذكر ابن سعد (٢/ ١٦٣) هذه القِصّة بنَحوِ هذا السّياق، وذكر أنَّ سببها أنَّ بَلَغَ النبيّ ٥٩/٨ ◌َّ: / أنَّ ناساً من الحَبَشة تَراءَاهم أهلُ جُدّة، فَبَعَثَ إليهم عَلَقَمة بن مُجُزِّز في ربيع الآخر في سنة تسع، في ثلاث مئة، فانتَهَى إلى جزيرة في البحر، فلمَّا خاضَ البحر إليهم هَرَبوا، فلمَّا رَجَعَ تَعَجَّلَ بعضُ القوم إلى أهلهم، فأمَّرَ عبدَ الله بن حُذَافة على مَن تَعَجَّلَ. وذكر ابن إسحاق أنَّ سبب هذه القِصّة أنَّ وقّاص بن مُجُزِّز كان قُتِلَ يوم ذي قَرَد، فأراد عَلقَمة بن مُجُزِّز أن يأخُذ بثَارِهِ، فأرسَلَه رسول الله وَّ في هذه السَّريّة. قلت: وهذا يُخالف ما ذكره ابن سعد، إلّا أن يُجمَع بأن يكون أمَرَ بالأمرَينِ. وأرَّخَها ابن سعد(١) في ربيع الآخر سنة تسع، فالله أعلم. وأمَّا قوله: ((ويقال: إنَّهَا سَريَّة الأنصاريّ)) فأشارَ بذلك إلى احتِمال تعدُّد القِصّة، وهو الذي يَظهَر لي لاختلاف سياقهما واسم أميرهما، والسَّبَب في أمره بدُخولِهِم النارَ. ويُحتمل الجمع بينهما بضربٍ من التَّأويل، ويُبعِده وصف عبد الله بن حُذافة السَّهميّ القُرَشِيّ المهاجِريّ بكَونِه أنصاريّاً، فقد تقدَّم بيان نَسَب عبد الله بن حُذافة في كتاب العلم (٩٢). ويحتمل الحَمْل على المعنى الأعَمّ، أي: أنَّ نَصَرَ رسول الله وَّه في الجملة. وإلى التعدُّد جَنَحَ ابن القَيِّم. وأمَّا ابن الجَوْزيّ فقال: قوله: ((من الأنصار)) وهمٍّ من بعض الرُّواة، وإنَّما هو سهميّ. (١) جاء في الأصلين عندنا: ابن إسحاق، بدل: ابن سعد، وهو خطأ. والمثبت من (س) هو الصواب الموافق لما في ((طبقات ابن سعد)) ٢/ ١٦٣، وابن سعد أخذه عن شيخه الواقدي إذ ذكره في (المغازي)) ٣/ ٩٨٣. ٦٠٧ باب ٥٨ / ح ٤٣٤٠ كتاب المغازي قلت: ويُؤيِّده حديث ابن عبّاس عند أحمد (٣١٧٤) في قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِّ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، نزلت في عبد الله بن حُذافةً بن قيس بن عَدِيّ، بَعَثَه رسول الله وَّه فِي سَريَّة. وسيأتي في تفسير سورة النِّساء (٤٥٨٤) إِن شاء الله تعالى. وقد رواه شُعْبة عن زُبَيد الياميّ عن سعد بن عُبيدة فقال: رجلاً. ولم يَقُل: من الأنصار، ولم يُسمِّه. أخرجه المصنِّ في كتاب خَبَر الواحد (٧٢٥٧). وأمَّا عَلقَمة بن مُجُزِّز فهو بضمٍّ أوَّله وجيم مفتوحة ومُعجَمَتَينِ الأولَى مكسورة ثقيلة، وحُكَيَ فتحُها، والأوَّل أصوَب، وقال عياض: وَقَعَ لأكثَرَ الرُّواة بسكونِ المهمَلة وكسر الرّاء المهمَلة، وعن القابِسيّ: بجيمٍ ومُعجَمَتَينٍ، وهو الصَّواب. قلت: وأغرَبَ الكِرْمانِيُّ فحَكَى أنَّه بالحاءِ المهمَلة وتشديد الرّاء فتحاً وكسراً، وهو خطأ ظاهر، وهو وَلَد القائف الذي يأتي ذِكْره في النِّكاح (٦٧٧١)، في حديث عائشة في قوله في زيد بن حارثة وابنه أُسامة: إنَّ بعض هذه الأقدام لَمِن بعض. فعَلقَمة صَحابيّ ابن صَحابيّ. قوله: «حدّثنا عبد الواحد)» هو ابن زياد. قوله: ((حدَّثني سعد بن عُبيدة)) بالنَّصغيرِ. قوله: ((عن أبي عبد الرَّحمن)) هو السُّلَميّ. % قوله: ((فَغَضِبَ)) في رواية حفص بن غياث عن الأعمَش في الأحكام (٧١٤٥): فغَضِبَ عليهم. وفي رواية مسلم (١٨٤٠/ ٤٠): فأغضَبوه في شيء. قوله: ((فقال: أوْقِدوا ناراً)) في رواية حفص: فقال: عَزَمتُ عليكم لَمَا جمعتُمْ خَطَباً وأوقَدتُم ناراً ثمَّ دَخَلتُم فيها. وهذا يُخالف حديث أبي سعيد، فإنَّ فيه: فأوقَدَ القوم ناراً ليصنعوا عليها صَنيعاً لهم أو يَصطَلُونَ، فقال لهم: أليس عليكُم السَّمع والطاعة؟ قالوا: بَلَى. قال: أعزِمُ عليكم بحَقّي وطاعَتي لَمَا تَوائَبتُم في هذه النار. قوله: ((فَهَمّوا وجَعَلَ بعضهم يُمْسِك بعضاً)) في رواية حفص: فلمَّا هُمُّوا بالدُّخولِ فيها ٦٠٨ باب ٥٨ / ح ٤٣٤٠ فتح الباري بشرح البخاري فقاموا يَنظُر بعضهم إلى بعض. وفي رواية ابن جَرِير(١) من طريق أبي معاوية عن الأعمَش: ((فقال لهم شابّ منهم: لا تَعجَلوا بدُخولها)»، وفي رواية زُبَيد عن سعد بن عُبيدة في خَبَر الواحد (٧٢٥٧): فأرادوا أن يَدخُلوها، وقال آخرونَ: إِنَّمَا فَرَرنا منها. قوله: ((فما زالوا حتَّى ◌َدَت النار)) في رواية حفص: فبينما هم كذلك إذ ◌َدَت النار. وَدَت: هو بفتح الميم، أي: طَفِئَ هُبُها، وحَكَى المطَرِّزيّ كسرَ الميم من خَدَت. قوله: ((فسَكَنَ غَضَبُه)) هذا أيضاً يُخالف حديث أبي سعيد، فإنَّ فيه: أنَّه كانت فيه دُعابة، وفيه: أنَّهم تَحَجَّزوا حتَّى ظنَّ أنَّهم واثِبونَ فيها، فقال: احبِسوا أنفُسكُم فإِنَّما كنت أضحَك معكم. قوله: ((فِبَلَغَ النبيّ ◌َ ﴿)) في رواية حفص: فذُكِرَ ذلك للنبيِّ ◌َّر. ولمسلم(٢) (١٨٤٠/ ٤٠): فلمَّا رجعوا ذَكَروا ذلك للنبيِّ وَّ. ٦٠/٨ قوله: ((ما خَرَجوا منها إلى يوم القيامة)) في رواية حفص: / «ما خَرَجوا منها أبداً»، وفي رواية زُبَيد: ((فلم يزالوا فيها إلى يوم القيامة)). يَعني: أنَّ الدُّخول فيها مَعصية، والعاصي يَسْتَحِقّ النار. ويُحتمل أن يكون المراد: لو دخلوها مُستَحِلّينَ لمَا خَرَجوا منها أبداً، وعلى هذا ففي العِبارة نوع من أنواع البَديع، وهو الاستخدام (٣)، لأنَّ الضَّمير في قوله: ((لو دخلوها)) للنّار الَّتي أو قَدوها، والضَّمير في قوله: ((ما خَرَجوا منها أبداً» لِنار الآخِرة، لأنَّهم ارتَكَبوا ما نُهُوا عنه من قَتْل أنفُسهم. ويُحتمل - وهو الظّاهر - أنَّ الضَّمير للنّار الَّتي أُوقِدَت لهم، أي: ظَنّوا أنَّهم إذا دخلوا بسَبَب طاعة أميرهم لا تَضُرّهم، فأخبر النبيّ وَيه أنَّهم لو دخلوا فيها لاحتَرَقوا فماتوا، فلم يَخْرُجوا. قوله: ((الطّاعة في المعروف)) في رواية حفص: ((إنَّما الطاعة في المعروف))، وفي رواية زُبید: (١) لم نقف عليه في ((تفسير الطبري)) ولا في ((تهذيب الآثار))، وقد عزاهُ إليه الحافظ أيضاً في ((العُجاب في بيان الأسباب))، فلعله في بعض كتب الطبري الأخرى. على أنَّ هذا الخبر بهذا اللفظ من هذه الطريق في ((مسند أحمد)) (٦٢٢)، لكن ذهل عنه الحافظ رحمه الله. (٢) قوله: ((ولمسلم)) سقط من (س). (٣) الاستخدام: أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مُراداً به أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى الآخر، أو يراد بأحد ضميريه أحد المعنيين، ثم يراد بالضمير الآخر معناه الآخر. انظر ((الكليات)) لأبي البقاء ص ١٤٤. ٦٠٩ باب ٥٩/ ح ٤٣٤١-٤٣٤٢ كتاب المغازي ((وقال للآخرينَ: لا طاعة في مَعصية))، وفي رواية مسلم (٣٩/١٨٤٠) من هذا الوجه: ((وقال للآخرينَ - أي: الذينَ امتَنَعوا - قولاً حَسَناً))، وفي حديث أبي سعيد: ((مَن أمَرَكُم منهم بمَعصية فلا تُطیعوه)). وفي الحديث من الفوائد: أنَّ الحُكم في حال الغضب يَنفُذ منه ما لا يُخالف الشَّرع. وأنَّ الغضب يُغَطّي على ذوي العقول. وفيه أنَّ الإيمان بالله يُنَجّي من النار لقولهم: إنَّما فَرَرنا إلى النبيّ وَّه من النار. والفِرار إلى النبيّ ◌ََّ فِرار إلى الله، والفِرار إلى الله يُطلَق على الإيمان، قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّواْ إِلَ اُللهِ إِ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠]. وفيه أنَّ الأمر المطلَق لا يَعُمّ الأحوال، لأنَّه ◌ِ لِ أَمَرَهم أن يُطيعوا الأمير، فحَمَلوا ذلك على عموم الأحوال حتَّى في حال الغضب وفي حال الأمر بالمعصية، فبيَّن لهم وَّ أَنَّ الأمر بطاعَتِه مقصور على ما كان منه في غير معصية، وسيأتي مَزيد لهذه المسألة في كتاب الأحكام (٧١٤٢ -٧١٤٥) إن شاء الله تعالى. واستَنَبَطَ منه الشَّيخ أبو محمّد بن أبي جَمْرة أنَّ الجمع من هذه الأمة لا يَجْتَمِعونَ على خطأ، الانقسام السَّريّة قِسمَينٍ: منهم مَن هانَ عليه دُخول النار فظَنَّه طاعةً، ومنهم مَن فهمَ حَقيقة الأمر، وأنَّه مقصور على ما ليس بمَعصيةٍ، فكان اختلافهم سبباً لرحمة الجميع. قال: وفيه أنَّ مَن كان صادقَ النّيَّة لا يقع إلّا في خير، ولو قَصَدَ الشَّ فإنَّ الله يَصرِفه عنه، ولهذا قال بعض أهل المعرفة: مَن صَدَقَ معَ الله وَقَاه الله، ومَن تَوَكَّلَ على الله كَفَاه الله. ٥٩- باب بعث أبي موسى ومعاذٍ إلى اليمن قبل حجّة الوداع ٤٣٤١، ٤٣٤٢ - حدَّثنا موسى، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، حدَّثنا عبدُ الملِكِ، عن أبي بُرْدةَ، قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ وَرَ أبا موسى ومعاذَ بنَ جبلٍ إلى اليَمَنِ، قال: وبَعَثَ كلَّ واحدٍ منهما على مِخْلافٍ، قال: واليَمَنُ مِخْلافان، ثمَّ قال: ((يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُتَفِّرًا)) فانطَلَقَ كلُّ واحدٍ منهما إلى عَمَلِهِ، وكان كلُّ واحدٍ منهما إذا سارَ في أرضِه، كان قريباً من صاحبِه، أحدَثَ به عَهْداً، فسَلَّمَ عليه، فسارَ معاذ في أرضِه قريباً من صاحبِه أبي موسى، فجاء يَسِيرُ على بَغْلَتِهِ ٦١٠ باب ٥٩ / ح ٤٣٤١- ٤٣٤٢ فتح الباري بشرح البخاري حتَّى انتَهَى إليه، فإذا هو جالسٌ وقدِ اجْتَمَعَ إليه الناسُ، وإذا رجلٌ عندَه قد مُمعَت يَداه إلى عُنُقِهِ، فقال له معاذٌ: يا عبد الله بنَ قيسٍ، أيُّمَ هذا؟ قال: هذا رجلٌ كفرَ بعدَ إسلامِهِ، قال: لا أنْزِلُ حتَّى يُقْتَلَ، قال: إنَّما جِيءَ به لذلك، فانزِلْ، قال: ما أنْزِلُ حتَّى يُقْتَلَ، فأمَرَ به فقُتِلَ، ثمَّ نزلَ فقال: يا عبد الله، كيفَ تَقْرَأُ القرآنَ؟ قال: أنفَوَّقُه تَفَوُّقاً، قال: فكيفَ تَقْرَأُ أنتَ يا معاذ؟ قال: أنامُ أوَّلَ اللَّيلِ، فأقومُ وقد قَضَيتُ جُزْنِي مِن النّومِ، فأقرَأُ ما كَتَبَ الله لي، فاحتَسَبْتُ نَوْمَتي كما احتَسَبْتُ قَومَتِي. [طرفه في : ٤٣٤٥] ٦١/٨ قوله: ((باب بَعْث أبي موسى ومعاذ إلى اليَمَن قبل حَجّة الوَداع)» كأنَّه أشارَ بالتَّقیید بما قبل حَجّة الوَدَاعِ إلى ما وَقَعَ في بعض أحاديث الباب: أنَّه رَجَعَ من اليمن فَلَقِيَ النبيَّ وَّلـ بمكَّة في حَجّة الوَدَاعِ، لكنَّ القَبْليَّةِ نِسبيَّةٌ، وقد قدَّمت في الزكاة (١٤٩٦) في الكلام على حديث معاذ متى كان بعثه إلى اليمن. وروى أحمد (٢٢٠٥٢) من طريق عاصم بن حُيدٍ عن معاذ: لمَّا بَعَثَه رسول الله وَ إلى اليمن خرج يُوصِيه ومعاذٌ راكب، الحديث. ومن طريق يزيد بن قُطَيب عن معاذ (٢٢٠٥٣): لمَّا بَعَثَنِي النبيّ ◌َِّ إلى اليمن قال: ((قد بَعَشُك إلى قومٍ رَقيقةٍ قلوبُهم، فقاتل بمَن أطاعَك مَن عَصَاك))، وعند أهل المغازي أنَّها كانت في ربيع الآخر سنة تسعٍ من الهجرة. قوله: ((حدَّثنا عبد الملك)) هو ابن عُمَير. قوله: ((عن أبي بُرْدة قال: بَعَثَ رسول الله ◌ِّهِ أبا موسى)) هذا صورته مُرسَل، وقد عَقَّبَه المصنّف بطريق سعيد بن أبي بُرْدة عن أبيه عن أبي موسى، وهو ظاهر الاتّصال، وإن كان فيما يَتَعلَّق بالسُّؤال عن الأشربة، لكن الغرض منه إثبات قِصّة بَعْث أبي موسى إلى اليمن، وهو مقصود الباب، ثمَّ قَوّاه بطريق طارق بن شِهاب (٤٣٤٦) قال: حدَّثني أبو موسى قال: بَعَثَني رسول الله بَيّه إلى أرض قومي، الحديث. وهو وإن كان إنَّما يَتَعلَّق بمسألة الإهلال، لكنَّه يُثبت أصلَ قِصّة البَعْث المقصودة هُنا أيضاً، ثمَّ قَوَّی قِصّة معاذ بحديثٍ ابن ٦١١ باب ٥٩ / ح ٤٣٤١- ٤٣٤٢ كتاب المغازي عبَّاس (٤٣٤٧) في وصيّة النبيّ وَِّ له حين أرسَلَه إلى اليمن، وبرواية عَمْرو بن ميمون عن معاذ (٤٣٤٨)، والمراد بها أيضاً إثبات أصل قصّة بعث معاذ إلى اليمن، وإن كان سياق الحديث في معنّی آخر. وقد اشتَمَلَ الباب على عِدّة أحاديث: الحديث الأوَّل: أصل البَعْث إلى اليمن، وسيأتي في استتابة المرتدِّينَ (٦٩٢٣) من طريق ◌ُميدٍ بن هلال عن أبي بُرْدة عن أبي موسى سبب بَعثه إلى اليمن، ولَفظه: قال: أقبَلت ومَعي رجلان من الأشعَريّينَ، وكلاهما سألَ -يَعني أن يَستَعمِلَه - فقال: لَن نَستَعمِل على عَمَلنا مَن أرادَه، ولكن اذهَب أنتَ يا أبا موسى إلى اليمن، ثمَّ أتبعه معاذَ بن جبل. قوله: ((وبَعَثَ كلَّ واحد منهما على مِخْلاف، قال: والیَمَن مِخْلافان)» المخلاف، بکسٍ الميم وسكون المعجَمة وآخره فاءٌ: هو بلغة أهل اليمن، وهو الكُورة والإقليم والرُّستاق، بضمِّ الرّاء وسكون المهمَلة بعدها مُثنّاة وآخرها قاف. وكانت جهة معاذ العُليا إلى صَوب عَدَن، و کان من عَمَله الجند، بفتح الجيم والنّون، وله بها مسجد مشهور إلى الیوم، وكانت جهة أبي موسى السُّفلَى، والله أعلم. قوله: ((يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُتَفِّرًا)) قال الطِّييُّ: هو - يعني(١) الثّاني - من باب المقابلة المعنَويَّة، لأنَّ الحقيقية أن يقال: بَشِّروا ولا تُنْذِروا وآنِسُوا ولا تُنَفِّروا (٢)، فجَمَعَ بينهما لِيَعُمّ البشارة والنِّذارة، والتّأنيس والتَّنغير. قلت: ويَظهَر لي أنَّ النُّكتة في الإتيان بلفظ البشارة - وهو الأصل ـــ ويلفظ التَّنفير - وهو اللّازِم - وأتى بالذي بعده على العكس، للإشارة إلى أنَّ الإنذار لا يُنفَى مُطلَقاً بخلاف التَّنفير، فاكتَفَى بما يَلزَم عنه الإنذار، وهو التَّفير، فكأنَّه قيلَ: إن أنذَرتُم فليكن بغير تنفير، كقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ، قَوْلاً لَِّنَا﴾ [طه: ٤٤]. (١) تحرف في (س) إلى: معنى. (٢) إنما أتى بها الطيبي بصيغة الجمع شارحاً لرواية أبي داود (٤٨٥٣) التي أتى بها مختصرة بصيغة الجمع، وهي التي أوردها صاحب ((المشكاة))، وعليها شرح الطيبي. ونزل الحافظ شرح الطيبي على رواية الحديث هنا. وعليه فما في (س) بصيغة المفرد تحريف، وجاء في الأصلين على الصواب بصيغة الجمع. ٦١٢ باب ٥٩ / ح ٤٣٤١- ٤٣٤٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إذا سارَ في أرضه كان قريباً من صاحبه أحْدَثَ به عَهْداً)) كذا فيهِ للأكثَرِ (١): إذا سارَ في أرضه كان(٢) قريباً أحدث - أي: جَدَّدَ - به العَهد بزيارته. ووَقَعَ في رواية سعيد بن أبي بُرْدة الآتية في الباب: فجَعَلا يَتَزَاوَران، فزارَ معاذٌّ أبا موسى. زاد في رواية حُميدٍ بن هلال: فلمَّا قَدِمَ علیه ألقى له وسادةً، قال: انزِل. قوله: ((وإذا رجل عنده)) لم أقِفْ على اسمه، لكن في رواية سعيد بن أبي بُرْدة أنّه يهوديّ، وسيأتي كذلك في رواية حُميدٍ بن هلال في استتابة المرتدِّينَ معَ شرح هذه القِصّة، وبيان الاختلاف في مُدّة استتابة المرتدِّينَ. وقوله: (أيُّمَ)) بفتح الميم، وتَرك إشباعها، لغةٌ، وأخطَأْ مَن ضَمَّها، وأصله ((أي)) الاستفهاميَّة، دَخَلَت عليها ((ما)). وقد سُمِعَ: أَيْم هذا، بالتَّخفيف، مثل: أيش هذا، فحُذِفَت الألف من ((أيم)) والهمزة من ((أيش)). ٦٢/٨ قوله: («ثمَّ نزلَ فقال: / يا عبد الله)) هو اسم أبي موسى («كيف تَقْرَأ القرآن؟ قال: أتفَوَّقُه تَفَوُّقاً) بالفاءِ ثمَّ القاف، أي: أُلازِم قراءته ليلاً ونهاراً شيئاً بعد شيء، وحيناً بعد حين: مأخوذ من فُواق الناقة: وهو أن تُحلَب ثمّ تُترَك ساعة حتَّى تَدِرّ ثمَّ تُحلَب، هكذا دائماً. قوله: «وقد قَضَیت ◌ُزْئي» قال الدِّمیاطيّ: لعلّه آربي، وهو الوجه. وهو كما قال لو جاءت به الرُّواية، ولكن الذي جاء في الرِّواية صحيح، والمراد به أنَّه جَزَّا اللَّيل أجزاءً: جُزءاً للنّومِ، وجُزءاً للقراءة والقيام، فلا يُلتَفَت إلى تَخْطِئة الرِّواية الصَّحيحة الموجّهة بمُجَّدٍ التَّخَيُّل. قوله: ((فاحتَسَبْت نَوْمَتي كما احتَسَبْت قَومَتي)» كذا لهم بصيغة الفعل الماضي، وللگُشْمِیھنیّ: فأحتَسِبُ، بغير المثنّاة في آخره، بصيغة الفعل المضارع، ومعناه: أنَّه يَطلُب الثَّواب في الرّاحة كما (١) وقع في (أ) و(س): كذا فيه وللأكثر. بإقحام حرف الواو، وإنما المذكور هو رواية الأكثر، كما جاء في اليونينية، وجاء على الصواب في (ع)، وكذا في ((عمدة القاري)) للعيني ٣/١٨. (٢) وقع في الأصلين و(س): وكان، بإقحام حرف الواو، وإنما رواية الأكثر كما في اليونينية و((عمدة القاري)) بإسقاطها، والله أعلم. ٦١٣ باب ٥٩ / ح ٤٣٤٣ -٤٣٤٥ كتاب المغازي يَطِلُبه في الثَّعَب، لأنَّ الرّاحة إذا قُصِدَ بها الإعانة على العبادة حَصَّلَتِ الثَّواب. تنبيه: كان بَعث أبي موسى إلى اليمن بعد الرُّجوع من غزوة تَبُوك، لأنَّه شَهِدَ غزوة تَبُوك معَ النبيّ وَّر كما سيأتي بيان ذلك في الكلام عليها فيما بعد (٤٤١٥) إن شاء الله تعالى. واستُدِلَّ به على أنَّ أبا موسى كان عالماً فطِناً حاذِقاً، ولولا ذلك لم يوَلِّه النبيّ ﴾ صَلىالله الإمارة، ولو كان فَوَّضَ الحُكم لغيره لم يَحَتَجْ إلى تَوصيته بما وصّاه به، ولذلك اعتَمَدَ عليه عمر ثمَّ عثمان ثمَّ عليّ، وأمَّا الخوارج والرَّوافض فطَعَنوا فيه وسَبُّوه(١) ونَسَبوه إلى الغَفلة وعَدَمِ الفِطنة، لمَا صَدَرَ منه في التَّحكيم بصِفّينَ، قال ابن العربيّ وغيره: والحقّ أنَّه لم يَصدُر منه ما يقتضي وصفَه بذلك، وغاية ما وَقَعَ منه أنَّ اجتهاده أدّاه إلى أن يَجعَل الأمر شورَى بين مَن بَقِيَ من أكابر الصَّحابة من أهل بدر ونَحوهم لمَا شاهَدَ من الاختلاف الشَّديد بين الطائفتَينِ بصِفّينَ، وآلَ الأمرُ إلى ما آلَ إليه. ٤٣٤٣- حدّثنا إسحاقُ، حدَّثنا خالدٌ، عن الشَّيبانيِّ، عن سعيدِ بنِ أبي بُرْدةَ، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعَرِيِّ : أنَّ النبيَّ ◌َّ بَعَثَه إلى اليَمَنِ، فسألَه عن أشِرِيةِ نُصْنَعُ بها؟ فقال: ((وما هي)) قال: البِتْعُ والِزْرُ، فقلتُ لأبي بُرْدَةَ: ما البِتْعُ؟ قال: نَبِيذُ العَسَلِ، والِزْرُ: نَبِيذُ الشَّعِيرِ، فقال: ((كلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ)». رواه جَرِيرٌ وعبدُ الواحدِ، عن الشَّيبانيِّ، عن أبي بُرْدةَ. ٤٣٤٤، ٤٣٤٥ - حدَّثنا مُسلِمٌ، حدَّثنا شُعبةُ، حدَّثنا سعيدُ بنُّ أَبِي بُرْدةَ، عن أَبيِهِ، قال: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َّهِ جدَّهُ أَبا موسى ومُعاذاً إِلى اليمنِ، فقالَ: ((يَسِّرًا ولا تُعَسِّرَا، وبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرًا، وتَطَاوَعَا)) فقالَ أَبو موسى: يا نَبِيَّ الله، إِنَّ أَرْضَنا بِهَا شَرابٌ مِن الشَّعِيرِ المِزْرُ، وشَرابٌ مِن العسَلِ البِتْعُ، فقالَ: ((كُلُّ مُسكِرٍ حَرَامٌ) فانْطَلَقًا، فقالَ مُعاذٌ لأَبِي موسى: كيفَ تَقرَأُ القُرآنَ؟ قالَ: قَائِماً وقاعِداً، وعلى راحِلَتِي، وأَنْفَوَّتُهُ تَفَوُّقاً، قالَ: أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وأَقُومُ، فَأَحْتَسِبُ نَومَتِي كما (١) قوله: ((وسبوه)) سقط من (س). ٦١٤ باب ٥٩ / ح ٤٣٤٣-٤٣٤٥ فتح الباري بشرح البخاري ٦٣/٨ أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي، وضَرَبَ فُسْطَاطاً، فجَعَلَا يَتَزَاوَرَانٍ، فَزَارَ مُعاذٌ أَبا موسى، فإذا/ رجُلٌ مُوثَقٌ، فقالَ: ما هذا؟! فقالَ أبو موسى: يُهُودِيٌّ أَسلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ، فقالَ مُعاذٌ: لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَه. تَابَعُهُ العَقَدِيُّ وَوَهْبٌ عن شُعبةَ. وقالَ وكيعُ والنَّضْرُ وأَبو داودَ: عن شُعبةَ، عن سعيدٍ، عن أَبيهِ، عن جدِّه، عن النَّبِّ وَّه. الحديث الثاني: قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن منصور(١)، وخالد: هو ابن عبد الله الطَّحّان، والشَّيبانيّ: اسمه سلیمان بن فیروز. قوله: ((البِتْع)) بكسرِ الموحّدة وسكون المثنّاة بعدها عین مُهمَلة، وقد ذکر تفسیره عن أبي بُرْدة راويه، وأنَّه نبيذ العَسَل، ويأتي شرح المتن في كتاب الأشربة (٥٥٨٥ و٥٥٨٦) إن شاء الله تعالى. قوله: ((رواه جَرِير وعبد الواحد، عن الشَّيبانيّ، عن أبي بُرْدة)) يَعني أنَّهمَا رَوَياه عن الشَّیبانيِّ عن أبي بُرْدة بدونِ ذِكْر سعید بن أبي بُرْدة. وهو كما قال. وأمّا روایة جَرِیر، وهو ابن عبد الحميد، فوَصَلَها الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شَيْبة، ومن طريق يوسف بن موسى، كلاهما عن جَرِير عن الشَّيبانيِّ عن أبي بُرْدة عن أبي موسى، وأمَّا رواية عبد الواحد، وهو ابن زياد، فوَصَلَها(٢). ثم ساقَ المصنِّف الحديث عن مسلم، وهو ابن إبراهيم، عن شُعْبة قال: حدّثنا سعيد بن أبي بُرْدة عن أبيه، فذكره مُرسَلاً مُطوَّلاً، فيه قصّة بَعثِهما، وذِكْر الأشربة وقِصّة اليهوديّ وسؤال معاذ عن القراءة، كما أشرنا إليه أوَّلاً، وقال بعده: تابَعَه العَقَديّ ووَهْب بن جَرِیر (١) كذا جزم الحافظ هنا بأنه ابن منصور، وخالف ما قاله الدارقطني في ((التتبع)) ص ٢٢٤، حيث جزم بأنه ابن شاهين، وتبعه المزي في ((تحفة الأشراف)» (٩٠٨٦)، وهو كما قالا، إذ لا يعرف لابن منصور رواية عن خالد بن عبد الله الطحان. (٢) بيّض له الحافظ هنا وفي ((تغليق التعليق)) ١٥٣/٤، وتبعه العيني، ولم نقف نحن عليه موصولاً في شيء من مصادر التخريج المتوفرة. ٦١٥ باب ٥٩ / ح ٤٣٤٦ كتاب المغازي عن شُعْبة، وقال وكيع والنَّضر وأبو داود: عن شُعْبة عن سعيد. يَعني: أنَّ مسلم بن إبراهيم والعَقَديّ ووَهْب بن جَرِير أرسَلوه عن شُعْبة، وأنَّ وكيعاً والنَّضر، وهو ابن شُمَيلٍ، وأبا داود، وهو الطَّيالسُّ رَوَوه عن شُعْبة موصولاً. فأمَّا رواية العَقَديّ: وهو أبو عامر عبد الملك بن عَمْرو فَوَصَلَها المؤلّف في الأحكام (٧١٧٢). وأمَّا رواية وَهْب بن جَرِير فَوَصَلَها إسحاق بن راهويه في ((مُسنَده)) عنه. وأمَّا رواية وكيع فوَصَلَها المؤلّف في الجهاد (٣٠٣٨) مختصراً، وأورَدَها ابن أبي عاصم في ((كتاب الأشربة)) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن وكيع مُطوَّلاً، وهي في ((مُسنَد أبي بكر بن أبي شَيْبة) كذلك. وأمَّا رواية النَّضر بن شُمَيلٍ فَوَصَلَها المؤلِّف في الأدب (٦١٢٤). وأمَّا رواية أبي داود الطَّيالسيِّ فَوَصَلَها كذلك في ((مُسنَدَه)) المرويِّ(١) من طريق يونس بن حبيب عنه، ولكنَّه فَّقَه حديثَين (٤٩٨ و٤٩٩)، ولذلك وَصَلَها النَّسائيُّ (٥٥٩٥) من طريق أبي داودَ. ٤٣٤٦- حدَّثني عبّاسُ بنُ الوليدِ - هو النَّرْسي - حدَّثنا عبدُ الواحدِ، عن أيوبَ بنِ عائذٍ، حذَّثنا قيسُ بنُ مسلم، قال: سمعتُ طارقَ بنَ شِهابٍ يقول: حدَّثني أبو موسى ◌ُ، قال: بَعَثَني رسولُ الله وَّه إلى أرضٍ قومي، فحِثْتُ ورسولُ اللهِ وَلَهُ مُّنِيخٌ بالأبطَحِ، فقال: ((أحَجَجْتَ یا عبدَ الله بنَ قيسٍ؟)) قلتُ: نعم يا رسولَ الله، قال: ((كيفَ قلتَ؟)) قال: قلتُ: لَبِّكَ إِهْلالٌ كَإِهْلالكَ، قال: ((فَهَل سُقْتَ مَعَكَ هَذْياً؟» قلتُ: لم أسُقْ، قال: «فطُف بالبيتِ، واسعَ بينَ الصَّفا والمَرْوةِ، ثمَّ حِلَّ)) ففَعَلْتُ حتَّى مَشَطَت لي امرأةٌ من نساءٍ بني قيسٍ، ومَكُثْنا بذلك حتَّى استُخْلِفَ عمر. الحديث الثالث: قوله: ((حدَّثْنا عبَّاس بن الوليد)) بموخَّدةٍ ثمَّ مُهمَلة ((هو النَّرْسِيّ)) بفتح النُّون وبالسِّين المهمَلة. قال أبو عليّ الجَيّانيّ: رواه ابن السَّكَن والأكثر هكذا، وفي رواية أبي أحمد - يعني (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: المروزي، وجاء على الصواب في ((عمدة القاري)) للعيني ٤/١٨. ٦١٦ باب ٥٩ / ح ٤٣٤٧ فتح الباري بشرح البخاري ٦٤/٨ الجُرجانيّ -: حدَّثنا عبَّاس، ولم / يَنسُبه، وفي رواية أبي زيد المروَزيِّ مِثلُه، إلّا أنَّه قرأ عليهم بالتَّحتانيَّة والشّين المعجمة، وليس بشيءٍ، إنَّما هو بالموخَّدة والمهمَلة، وهو النَّرْسيّ، وما له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث وآخرَ في علامات النُّبوّة (٣٦٣٤). وجَزَمَ بِمِثلِ ذلك صاحب (المشارق)) و((المطالع))، وأمَّا الدِّمياطيّ فضَبَطَه بالمعجَمة، وعَيَّنَ أنَّه الرَّقّام، ونُوزعَ في ذلك، والصَّواب النَّرْسِيّ. قوله: ((عبد الواحد)) هو ابن زياد، وأيوب بن عائذ، بتحتانيَّة بعدها ذال مُعجَمة، وهو مُدلِيّ بصريّ، وثَّقه يحيى بن مَعِين وغيره، ورُميَ بالإرجاءِ، وليس له في البخاريّ سِوَى هذا الموضع. وقد أورَدَه في الحجّ (١٥٥٩ و١٥٦٥) من طريق شُعْبة وسفيان عن قيس بن مسلم شيخ أيوب بن عائذ فيه، وتقدّم الكلام عليه هناكَ مُستَوفَّى. ٤٣٤٧- حدَّثني حِبّانُ، أخبرنا عبدُ الله، عن زكريّا بنِ إسحاقَ، عن يحيى بنِ عبدِ الله بنِ صَيْفِيٍّ، عن أبي مَعْبَدٍ مولى ابنِ عبَّاسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ وَئِه لمعاذٍ بِنِ جبلٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: ((إِنَّكَ سَتَأْتي قوماً أهْلَ كتابٍ، فإذا جِئْتَهم فادْعُهم إلى أن يَشْهَدوا أن لا إلهَ إلَّ الله، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، فإن هم أطَاعُوا لكَ بذلك، فأخبِرْهم أنَّ الله قد فَرَضَ عليهم خمسَ صَلَواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطَاعُوا لكَ بذلك، فأخبِرْهم أنَّ الله قد فَرَضَ عَلَيهم صَدَقَةٌ، تُؤْخَذُ من أغنِيائهم فتُرَدُّ على فُقَرائهم، فإن هم أَطَاعُوا لكَ بذلك، فإِيَّاكَ وكَرائمَ أموالهم، واتَّقِ دَعْوَ المَظْلومِ، فإنَّه ليس بينَه وبينَ الله حجابٌ)). قال أبو عبد الله: ((طَوَّعَت)) طاعَت، وأطاعَت لغةٌ، طُعْتُ وطِعْتُ وأَطَعْت. الحديث الرابع: قوله: ((حدَّثْنِي حِبّان)) بكسرِ أوَّله ثمَّ موخَّدة ثمَّ نون: ابن موسى، وعبد الله: هو ابن المبارك. قوله: ((حین بَعَثَه إلى اليَمَن) تقدَّم بیان الوقت الذي بعثه فيه، وما فيه من اختلاف في أواخر كتاب الزكاة (١٤٩٦) معَ بَقيَّة شرح الحديث مُستَوفَّى، ولله الحمد. ٦١٧ باب ٥٩ / ح ٤٣٤٨ كتاب المغازي قوله: ((قال أبو عبد الله: طَوَّعَت، طاعَت، وأطاعَتْ)) وقَعَ هذا وما بعده لغير أبي ذرِّ والنَّسَفيِّ، وأراد بذلك تفسير قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، فَثْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣] على عادَته في تفسير اللَّفظة الغريبة من القرآن إذا وافَقَت لَفظةً من الحديث، والذي وَقَعَ في. حديث معاذ: ((فإن هم أطاعوا))، فإنَّ عند بعض رواته كما ذكره ابن التِّين: ((فإن هم طاعُوا)) بغير ألف، وقد قرأ الحسن البصريّ وطائفة معه ((فطاوَعَت له نفسُه)). قال ابن التِّين: إذا امتَثَلَ أمْرَه فقد أطاعَه، وإذا وافَقَه فقد طاوَعَه، قال الأزهَريّ: الطَّوْعِ نَقيض الكَرْهِ، وطاعَ له: انقادَ، فإذا مضى لأمره فقد أطاعَه. وقال يعقوب بن السِّكّيت: طاعَ وأطاعَ بمعنَّى. وقال الأزهَريّ أيضاً: منهم مَن يقول: طاعَ له، يَطُوعِ طَوْعاً فهو طائع، بمعنَى أطاعَ. والحاصل: أنَّ طاعَ وأطاعَ استُعمِلَ كلٌّ منهما لازِماً ومُتَعَدّياً، إمّا بمعنّى واحد مثل: بَدَأ الله الخلق وأبدَأه، أو دَخَلَت الهمزة للتَّعدية وفي اللّازِم للصَّيرورة، أو ضُمِّنَ المتعَدّي بالهمزة معنى فعلٍ آخرَ لازِم، لأنَّ كثيراً من أهل العلم باللَّغة فسَّروا أطاعَ بمعنى: لانَ وانقادَ، وهو اللّائق في حديث معاذ هُنا، وإن كان الغالب في الرُّباعيّ التعدّي، وفي الثَّلاثيّ اللَّزوم، وهذا أولَى من دَعوَى فعَل وأفعَل بمعنَى واحد، لكَوْنِه قليلاً، وأولَى من دَعوَى أنَّ اللّام في قوله: ((فإن هم أطاعوا لك)) زائدة، وقد تقدَّم شيء من هذا في شرح الحديث في الزكاة. وقوله بعد ذلك: ((طُعتُ وطِعت وأطَعتُ)) الأولى بالضَّمِّ، والثّانية بالكسرِ، والثّالثة بالفتح، بزيادة ألف في أوَّلِه. ٤٣٤٨ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن حبيبٍ بنِ أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ ٦٥/٨ جُبَيرٍ، عن عَمْرِو بنِ ميمونٍ: أَنَّ معاذاً ﴿ لمَّا قَدِمَ اليَمَنَ صَلَّى بهمُ الصُّبْحَ، فقرأ: ﴿وَأَّخَذَ اللّهُ إِبْرَهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: ١٢٥] فقال رجلٌ مِن القومِ: لقد قَرَّت عينُ أمِّ إبراهيمَ. زادَ معاذٌ، عن شُعْبةَ، عن حبيبٍ، عن سعيدٍ، عن عَمٍو: أنَّ النبيَّ ◌َّهَ بَعَثَ معاذاً إلى اليَمَنِ، فقرأ معاذٌ في صلاةِ الصُّبْحِ سورةَ النِّساءِ، فلمَّا قال: ﴿ وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ قال رجلٌ خَلْفَه: قَرَّت عينُ أمِّ إبراهيمَ. ٦١٨ باب ٦٠ / ح ٤٣٤٩ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الخامس: قوله: ((عن عَمْرو بن ميمون)) هو الأَوْديّ، وهو من المخَضرَمین. قوله: ((أنَّ معاذاً لمَّا قَدِمَ اليَمَن)) هو موصول، لأنَّ عَمْرو بن ميمونٍ كان باليمن لمَّا قَدِمَها معاذ. قوله: ((فقال رجل من القوم: قَرَّتْ عينُ أمّ إبراهيم)) أي: حَصَلَ لها السُّرور، وكَنَّى عنه بقَرَّت عينُها، أي: بَرَدَت دَمْعَتها، لأنَّ دَمعة السُّرور باردة بخِلاف دَمعة الحُزن؛ فإنّها حارّة، ولهذا يقال فيمَن يُدعَى عليه: أسخَنَ الله عينَه. وقد استُشكِلَ تقرير معاذٍ لهذا القائل في الصَّلاة وتَرْكِ أمره بالإعادة، وأُجيب عن ذلك: إمّا بأنَّ الجاهل بالمحُكم يُعذَر، وإمّا أن يكون أمَرَه بالإعادة ولم يُنقَل، أو كان القائل خَلْفهم ولكن لم يَدخُل معهم في الصَّلاة. قوله: ((زادَ معاذ عن شُعْبة)) فذكره، المراد بالزيادة قوله: إنَّ النبيّ وَِّ بَعَثَ معاذاً. وليس بين الرِّوايتَينِ مُنافاة، لأنَّ معاذاً إِنَّمَا قَدِمَ اليمن لمَّا بَعَثَه النبيّ وَّرِ خاصّة، فالقِصّة واحدة، ودَلَّ الحديث على أنَّه كان أميراً على الصَّلاة، وحديث ابن عبّاس(١) يدلّ على أنَّه كان أميراً على المال أيضاً، وقد تقدَّم في الزكاة (١٤٩٦) ما يوضِّح ذلك. ٦٠ - باب بعث عليّ بن أبي طالبٍ وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجّة الوداع ٤٣٤٩- حدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ، حدَّثنا شُرَيحُ بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسفَ بنِ إسحاقَ بنِ أبي إسحاقَ، حدَّثني أبي، عن أبي إسحاقَ، سمعتُ البراءَ ﴾: بَعَثَنا رسولُ اللهِه معَ خالدِ بنِ الوليدِ إلى الْيَمَنِ، قال: ثمَّ بَعَثَ عليّاً بعدَ ذلك مكانَه، فقال: ((مُرْ أصْحابَ خالدٍ، مَن شاءَ منهم أن يُعَقِّبَ مَعَكَ فَلْيُعَقِّبْ، ومَن شَاءَ فَلْيُقْبِلْ)) فكنتُ فيمَن عَقَّبَ معه، قال: فغَنِمْتُ أواقيَّ ذواتٍ عَدَدٍ. (١) يعني الذي قبله. ٦١٩ باب ٦٠ / ح ٤٣٤٩ كتاب المغازي قوله: ((باب بَعْث عليّ بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليَمَن قبل حَجّة الوداع» قد ذكر في آخِرِ الباب حديث جابر: أنَّ عليّاً قَدِمَ من اليمن فلاقَى النبيّ ◌َه بمكّة في حَجّة الوَداع، وقد تقدَّم الكلام عليه في كتاب الحجّ (١٥٥٧ و١٥٥٨). وقد أخرج أحمد (٦٩٠)، وأبو داود (٣٥٨٢)، والتِّرمِذيّ (١٣٣١) من طريق أُخرى عن عليّ قال: بَعَثَني النبيّ ◌َّ إلى اليمن فقلت: يا رسول الله، تَبعَثني إلى قوم أسَنّ منِّي وأنا حديث السِّنّ لا أبصُر القضاء؟ قال: فَوَضَعَ يده على صَدري، وقال: ((اللهمَّ ثَبِّت لسانه واهدٍ قلبه)) وقال: ((يا عليٌّ، إذا جَلَسَ إليك الخَصمان فلا تَقضِ بينهما حتَّى تَسمَع من الآخر)) فذكر الحديث. الحديث الأول: قوله: ((شُرَيح)) هو بالشّينِ المعجَمة وآخره حاء مُهمَلة. قوله: ((بَعَثَنا رسول الله وَلَ معَ خالد بن الوليد إلى اليَمَن)» كان ذلك بعد رجوعِهم من الطائف، وقسمة الغنائم بالجِعرانة. قوله: ((أن يُعَقِّب مَعَك))/ أي: يَرجِع إلى اليمن، والتَّعقيب: أن يعود بعض العسكر بعد ٦٦/٨ الرُّجوع ليُصيبوا غزوةً من الغَد. كذا قال الخَطّابيّ، وقال ابن فارس: غَزاةً بعد غَزاة. والذي يَظهَر أنَّه أعَمّ من ذلك، وأصله أنَّ الخليفة يُرسِل العَسكَر إلى جهةٍ مُدّةً، فإذا انقضت رجعوا وأرسَلَ غيرهم، فمَن شاءَ أن يَرجِعِ من العَسكَر الأوَّل معَ العَسكَرِ الثّاني سُمّيَ رُجوعه تَعقیباً. قوله: ((فَغَنِمْت أواقيَّ)) بتشديد التَّحتانيَّة، ويجوز تخفيفها. وقوله: ((ذوات عَدَد)) لم أقِفْ على تحريرها. تنبيه: أوَرَدَ البخاريّ هذا الحديث مختصراً، وقد أورَدَه الإسماعيليّ من طريق أبي عُبيدة ابن أبي السَّفَر: سمعت إبراهيم بن يوسف. وهو الذي أخرجه البخاريّ من طريقه، فزاد فيه: قال البراء: فكنت مَمَّن عَقَّب معه، فلمَّا دَنَونا من القوم خَرَجوا إلينا، فصَلَّى بنا عليّ وصَفّنا صَفّاً واحداً، ثمَّ تقدَّم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول الله وَ لِّ، فأسلَمَت ◌َمْدانُ ٦٢٠ باب ٦٠ / ح ٤٣٥٠ فتح الباري بشرح البخاري جَميعاً، فكَتَبَ عليٌّ إلى رسول الله وَّهِ بإسلامهم، فلمَّا قرأ الكتاب خَرَّ ساجِداً، ثمَّ رَفَعَ رأسه وقال: ((السَّلام على هَمْدانَ». وعند التِّرمِذيّ (١٧٠٤) من طريق الأحوَص بن جَوّاب [عن يونس(١) بن أبي إسحاق] عن أبي إسحاق في حديث البراء قِصّة الجارية، وسأذكرُ بيان ذلك في الحديث الذي بعده إن شاء الله تعالى. ٤٣٥٠ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حَدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبَادةَ، حدَّثنا عليٌّ بنُ سُوَيدِ بنِ مَنْجوفٍ، عن عبدِ الله بنِ بُرَيدةَ، عن أبيه ، قال: بَعَثَ النبيُّ وَهَ عليّاً إلى خالدٍ لِيَقْبِضَ الخُمُسَ، وكنتُ أُبْغِضُ عليّاً، وقَدِ اغتَسَلَ، فقلتُ لِخالدٍ: ألا تَرَى إلى هذا؟ فلمَّا قَدِمْنا على النبيِّ وَلَه ذَكَرْتُ ذلك له، فقال: ((يا بُرِيدُ أَتْبْغِضُ عليّاً؟)) فقلتُ: نعمْ، قال: ((لا تُبْغِضْه، فإنَّ له في الخُمُسِ أكثر من ذلك». الحديث الثاني: حديث بريدة: قوله: ((حدَّثنا عليّ بن سويد بن مَنْجوف)) بفتح الميم وسكون النُّون وضمّ الجيم وسكون الواو. ووَقَعَ في رواية القابِسيّ: عن عليّ بن سَوَيد عن مَنجوف. وهو تصحيف، وعليّ بن سوَيد بن مَنجوف سَدوسيٌّ بصريّ ثقة ليس له في البخاريّ سِوَى هذا الموضع. قوله: ((عن عبد الله بن بُرَيدةَ)) في رواية الإسماعيليّ: حدَّثني عبد الله. قوله: (بَعَثَ النبيّ ◌َ عليّاً إلى خالد)) أي: ابن الوليد ((ليَقْبض الخُمُس)) أي: خمس الغنيمة، وفي رواية الإسماعيليّ الَّتي سأذكرُها: لِيَقْسِم الخُمُس. قوله: ((وكنت أُبِغِض عليّاً وقد اغتَسَلَ، فقلت لخالدٍ: ألا تَرَى؟)) هكذا وَقَعَ عنده مختصراً، وقد أورَدَه الإسماعيليّ من طرق إلى رَوح بن عُبَادة الذي أخرجه البخاريّ من طريقه فقال في سياقه: بَعَثَ عليّاً إلى خالد ليَقسِم الخُمُس. وفي رواية له: ليَقْسِم الفَيء، (١) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، وأثبتناه من ((جامع الترمذي)) على أنه لا يُعرف للأحوص بن جوَّاب رواية عن أبي إسحاق، وإنما هو يروي عن ابنه يونس بن أبي إسحاق.