النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١
باب ٥٣ / ح ٤٣٢١-٤٣٢٢
كتاب المغازي
يُنافي قوله في رواية حَمَّاد بن زيد: أنَّه وهَبَ عمَرَ جاريَتَينِ، فيُجمَع بينهما بأنَّ عمر أعطَى إحدى
جاريَتَيه لولدِه عبد الله، والله أعلم.
وذكر الواقديُّ أنَّه أعطَى لعبد الرَّحمن بن عَوْف وآخرينَ معه من الجواري، وأنَّ
جارية سعد بن أبي وقّاص اختارَته فأقامَت عنده ووَلَدَت له، والله أعلم. وقد تقدَّم ما
يَتَعلَّق بالاعتكاف (٢٠٣٢ و٢٠٤٣) في بابه، ويأتي ما يَتَعلَّق بالنَّذْرِ في بابه (٦٦٩٧) إِن
شاء الله تعالى.
٤٣٢١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عمرَ بنِ كَثيرِ
ابنِ أفلَحَ، عن أبي محمَّدٍ مولى أبي قَتَادةَ، عن أبي قَتَادةَ، قال: خَرَجْنا معَ رسولِ اللهِ وَِّ عامَ
مُنَينٍ، فلمَّا التَّقَينا كانت للمسلمينَ جَوْلٌ، فرأيتُ رجلاً مِن المشركينَ قد عَلا رجلاً مِن
المسلمينَ، فضَرَبتُه من ورائِه على حَبْلِ عاتقِه بسيفٍ، فقطَعْتُ الدِّرْعَ، فأقبَلَ عليّ فضَمَّني
ضَمّةً، وجَدْتُ منها رِيحَ الموتِ، ثمَّ أدْرَكَه الموتُ، فأرسَلَني، فَلَحِقْتُ عمر بنَ الخطّاب فقلتُ:
ما بالُ الناسِ؟ قال: أمرُ الله عزَّ وجلَّ، ثمَّ رجعوا، فجلَسَ النبيُّ وَّهِ، فقال: ((مَن قَتَلَ قَتِيلاً له
عليه بَيَِّةٌ فَلَه سَلَبِّه) فقلتُ: مَن يَشهَدُ لي؟ ثمَّ جَلَسْتُ، فقال النبيُّ نَّهِ مِثْلَه، فقلتُ: مَن يَشْهَدُ
لي؟ ثمَّ جَلَسْتُ، قال: ثمَّ قال النبيُّ نَّهِ مِثْلَه، فقُمْتُ، فقال: ((ما لكَ يا أبا قَتَادةَ؟)) فأخبَرْتُه،
فقال رجلٌ: صَدَقَ، وسَلَبُّه عندي، فأرضِه منه، فقال أبو بَكْرٍ: لاها اللَّهِ إذاً، لا يَعْمِدُ إلى أسَدٍ
من أُسْدِ الله، يقاتِلُ عن الله ورسوله، فيُعْطِيَكَ سَلَبَه، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((صَدَقَ، فأعطِهِ)) فأعطانيه،
فابْتَعْتُ بِه ◌َخْرَفاً في بني سَلِمَةَ، وإِنَّه لأوَّلُ مالٍ تَأَثَلْتُّهُ في الإسلامِ.
٤٣٢٢ - وقال اللَّيْثُ: حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُمرَ بنِ كَثِيرِ بنِ أفلَحَ، عن أبي محمَّدٍ
مولى أبي قَتَادَةَ، أَنَّ أبا قَتَادةَ قال: لمَّا كان يومُ حُنَينٍ، نظرْتُ إلى رجلٍ مِن المسلمينَ يقاتِلُ رجلاً
مِن المشركينَ، وآخَرُ مِن المشركينَ يَخْتِلُه من ورائه لِيَقْتُلَه، فأسرَعْتُ إلى الذي يَخْتِلُهُ، فَرَفَعَ يدَه
لَيَضْرِبني، فأضْرِبُ يدَه فقطَعْتُها، ثمَّ أخَذَني فضَمَّني ضَمّاً شديداً، حتَّى تَخْوَّقْتُ، ثمَّ بَرَكَ
فَتَحلَّلَ، ودَفَعْتُه ثمَّ قَتَلْتُه، وانهَزَمَ المسلمونَ وانهَزَمْتُ معهم، فإذا بعمرَ بنِ الخطّاب في الناسِ،
٥٦٢
باب ٥٣ / ح ٤٣٢١- ٤٣٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
فقلتُ له: ما شأنُ الناسِ؟ قال: أمرُ الله، ثمَّ تَراجَعَ الناسُ إلى رسولِ الله وَّةِ، فقال رسولُ الله
وَّةِ: (مَن أقامَ بَيِّنّةً على قَنِيلِ قَتَلَه، فَلَه سَلَبُه)) فقُمْتُ لألْتَمِسَ بَيِّنّةً على قَتِيلي، فلم أرَ أحداً يَشهَدُ
لِي، فَجَلَسْتُ، ثمَّ بَدَا لِي فَذَكَرْتُ أمرَه لِرسولِ وَّةِ، فقال رجلٌ من جُلَسائه: سِلاحُ هذا القَتِيلِ
الذي يَذكُرُ عندي، فأَرضِه منه، فقال أبو بَكْرٍ: كَلّا، لا يُعْطِهِ أُصَيِغَ من قُرَيش، ويَدَعُ أسَداً من
٣٧/٨ أُسْدِ الله / يقاتِلُ عن الله ورسولِهِ وََّ. قال: فقامَ رسولُ اللهِوَ لَ، فأدّاه إليَّ، فاشتَرَيتُ مِنْه خِرافاً،
فكان أوَّلَ مالٍ تَأَثَّلتُه في الإسلامِ.
الحديث الخامس: حديث أبي قَتَادةُ.
قوله: ((عن يحيى بن سعيد)) هو الأنصاريّ، وعمر بن كثير بن أفلَحَ: مَدَنيّ مَولَی أبي
أيوب الأنصاريّ، وثَّقه النَّسائيُّ وغيره، وهو تابعيّ صغیر، ولکنَّ ابن حِبّان ذكره في أتباع
التابعينَ، وليس له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث بهذا الإسناد، لكن ذكره في مواضع:
فتقدَّم في البُيوع (٢١٠٠) مختصراً، وفي فرض الخُمُس (٣١٤٢) تامّاً، وسيأتي في الأحكام
(٧١٧٠). وقد ذكرت في البُيوع أنَّ يحيى بن يحيى الأندَلُسيّ حَرَّفَه في روايتِه فقال: عن
عَمْرو بن كثير. والصَّواب عمر.
قوله: «عن أبي محمّد» هو نافع بن عبّاس معروف باسمِه وگُنْيته.
قوله: ((فلمَّا التَقَينا كانت للمسلمينَ جَوْلٌ)) بفتح الجيم وسكون الواو، أي: حركة فيها
اختلاط(١)، وقد أطلقَ في رواية اللَّيث الآتية بعدها أنَّهم انهزموا، لكن بعد القِصّة الَّتي
ذكرها أبو قَتَادة، وقد تقدَّم في حديث البراء (٤٣١٥) أنَّ الجَميع لم يَنْهَزِ موا.
قوله: «فرأيت رجلاً من المشْرِكينَ قد عَلَا رجلاً من المسلمينَ)) لم أقِفْ على اسمهما، وقوله:
عَلا، أي: ظَهَرَ. وفي رواية اللَّيث الَّتي بعدها: نَظَرت إلى رجل من المسلمينَ يقاتل رجلاً
من المشركينَ وآخرُ من المشركينَ يَخْتِلُه، بفتح أوَّله وسكون الخاء المعجمة وكسر المثنّة، أي:
يريد أن يأخُذَه على غِرّةٍ. وتَبيَّن من هذه الرِّواية أنَّ الضَّمير في قوله في الأولَى: فضَرَبتُه من
(١) في (س): اختلاف.
٥٦٣
باب ٥٣ / ح ٤٣٢١-٤٣٢٢
كتاب المغازي
ورائه. لهذا الثّاني الذي كان يريد أن يَخْتِل المسلم.
قوله: ((على حَبْل عاتقه)) حَبْل العاتق: عَصَبُه، والعاتق: موضع الرِّداء من المنكِب، وعُرِفَ منه
أنَّ قوله في الرِّواية الثّانية: فأضرِبُ يده فقطَعتُها. أنَّ المراد باليَدِ: الذِّراع والعَضُد إلى الكَتِفِ.
وقوله: ((فقَطَعتُ الدِّرع)) أي: الَّتي كان لابِسَها وخَلَصَت الضَّرْبةُ إلى يده فقطَعَتُها.
قوله: ((وَجَدتُ منها ريح الموت)) أي: من شِدَّتها. وأشعَرَ ذلك بأنَّ هذا المشرك كان
شديد القوّة جدّاً.
قوله: ((ثُمَّ أَدْرَكَه الموت فأرسَلَني)) أي: أطلقَني.
قوله: ((فلَحِقْت عمر)) في السّياق حذف بَّنْه الرِّوايةُ الثّانية، حيثُ قال: فَتَحلَّلَ ودَفَعتُه ثمَّ
قَتَلتُه، وانهزَمَ المسلمونَ وانهزَمتُ معهم فإذا بعمر بن الخطّاب.
قوله: ((أمر الله)) أي: حُكم الله وما قَضَى به.
قوله: ((ثمَّ رجعوا)) في الرّواية الثّانية: ثمَّ تَراجَعوا. وقد تقدَّم في الحديث الأوَّل كيفيَّة
رُجوعهم وهَزيمةِ المشركينَ بما يُغني عن إعادته.
قوله: ((مَن قَتَلَ قتيلاً له عليه بَيَِّة فله سَلَبُّه)) تقدَّم شرح ذلك مُستَوقَى في فرض الخُمُس.
قوله: ((فقلت: مَن يَشهَد لي)) زاد في الرّواية الَّتي تَلي هذه: فلم أرَ أحداً يَشهَد لي. وذكر
الواقديُّ أنَّ عبد الله بن أُنْيس شَهِدَ له. فإن كان ضَبَطَه احتُمِلَ أن يكون وجَدَه في المرّة
الثّانية، فإنَّ في الرِّواية الثّانية: فجلستُ ثمَّ بَدالي فذكرتُ أمرَه.
قوله: ((فقال رجل)) في الرّواية الثّانية: من جُلَسائه. وذكر الواقديُّ أنَّ اسمه أسود بن
خُزاعيّ. وفيه نظر لأنَّ في الرِّواية الصَّحيحة أنَّ الذي أخَذَ السَّلَب قُرَشِيّ.
قوله: ((صَدَقَ، وسَلَبه عندي فأرضِه منه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: فأرضه منِّي.
قوله: ((فقال أبو بكر الصِّيق: لاها اللّهِ إذاً، لا يَعْمِد إلى أسَدٍ من أُسْدِ الله يقاتل عن الله
ورسوله فيُعْطِيَك سَلَبَه)) هكذا ضبطناه في الأُصول المعتمَدة من ((الصحيحين)) وغيرهما بهذه
الأحرُف: لاها اللَّهِ إذاً.
٥٦٤
باب ٥٣ / ح ٤٣٢١- ٤٣٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
فأمَّا ((لاها اللَّهِ)) فقال الجَوْهريّ: ((ها)) للتَّنبيه، وقد يُقْسَم بها، يقال: لاها اللَّهِ ما فَعَلتُ
كذا. قال ابنُ مالك: فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القَسَم بحرفِ التَّنبيه. قال: ولا
يكون ذلك إلّا معَ الله، أي: لم يُسمَع: لاها الرَّحمن، كما سُمِعَ: لا والرّحمن. قال: وفي النُّطْق
بها أربعة أوجُه، أحدها: ها اللَّهِ، باللّام بعد الهاء بغير إظهار شيءٍ من الألفَينِ، ثانيها: مِثله
٣٨/٨ لكن بإظهار ألفٍ / واحدة بغير همز، كقولهم: التَّقَت حَلْقَتا الِطان، ثالثها: ثُبُوت الألفَينِ
بهمزة قطع، رابعُها: بحذفِ الألف وثُبوت همزة القطع. انتَهى كلامُه، والمشهور في الرواية
من هذه الأوجُه الثّالثُ ثمَّ الأوَّل، وقال أبو حاتم السِّجِستانيّ: العرب تقول: لاهَا اللَّهِ
إذاً(١) بالهمزِ، والقياس ترك الهمز، وحَكَى ابنُ التِّين عن الدّاوُوديّ أنَّه رُوِيَ برفع ((الله))،
قال: والمعنى: يأبَى الله. وقال غيره: إن ثَبَتَتِ الرِّواية بالرَّفع فتكونُ ((ها)) للتَّنبيه و ((الله))
مُبْتَدَأ و((لا يَعمِد)) خبرُه. انتهى، ولا يَخْفَى تكلُّفه، وقد نَقَلَ الأئمّة الاتّفاق على الجرّ، فلا
يُلتَفَتُ إلى غيره.
وأمَّا ((إذا)) فَثَبَتَت في جميع الرِّوايات المعتمَدة والأُصول المحقَّقة من ((الصحيحينِ))
وغيرهما، بكسرِ الألف ثمَّ ذال مُعجَمة منوَّنة، وقال الخطّابُّ: هكذا يَروُونَه، وإنَّما هو في كلامهم
- أي: العرب -: لاها اللَّهِ ذا، والهاء فيه بمَنزِلة الواو، والمعنى: لا والله يكون ذا.
ونَقَلَ عياض في ((المشارق)) عن إسماعيل القاضي أنَّ المازِنيَّ قال: قول الرُّواة: لاها اللَّهِ
إذاً، خطأ، والصَّواب: لاها اللَّهِ ذا، أي: ذا يميني وقَسَمي. وقال أبو زيد: ليس في كلامهم
لاها اللَّهِ إذاً، وإنَّما هو: لاها اللَّهِ ذا، و((ذا)) صِلَة في الكلام، والمعنى: لا والله، هذا ما أُقْسِم
به، ومنه أخَذَ الجَوْهريّ فقال: قولهم: لاها اللَّهِ ذا، معناه: لا والله هذا، ففَرَّقوا بین حرف
التَّنبيه والصِّلة، والتَّقدير: لا والله ما فعلتُ ذا.
وتَوارَدَ كثير مَمَّن تَكلَّمَ على هذا الحديث أنَّ الذي وَقَعَ في الخبر بلفظ ((إذاً)) خطأ، وإنَّما
هو ((ذا)) تَبَعاً لأهلِ العربيَّةِ، ومَن زَعَمَ أنَّه وَرَدَ في شيء من الرِّوايات بخِلاف ذلك فلم يُصِب،
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: ذا، وجاء على الصواب في (ع): موافقاً لما نقله الأزهري في ((تهذيب اللغة))
٦/ ٢٥٢ عن أبي حاتم.
٥٦٥
باب ٥٣ / ح ٤٣٢١-٤٣٢٢
كتاب المغازي
بل يكون ذلك من إصلاح بعض مَن قَلَّدَ أهل العربيَّة في ذلك.
وقد اختُلِفَ في كتابة ((إذا) هذه هل تُكتَب بألِفٍ أو بنونٍ؟ وهذا الخِلاف مَبنيّ على أنَّها
اسم أو حرف، فمَن قال: هي اسم، قال: الأصل فيمَن قيلَ له: سَأجيءُ إليك، فأجابَ: إذاً
أكرِمَك، أي: إذا جِئتني أُكرِمك، ثمَّ حَذَفَ ((جِئْتني)) وعَوَّضَ عنها التَّنوين، وأُضمِرَت
((أنْ))، فعلى هذا يُكتَب بالنّونِ.
ومَن قال: هي حرف - وهم الجمهور - اختلفوا، فمنهم من قال: هي بسيطة، وهو
الرّاجِح، ومنهم مَن قال: مُركَّبة من ((إذ))(١) و((أن)) فعلى الأوَّل تُكتَب بألِفٍ، وهو الرّاجِح،
وبه وَقَعَ رَسم المصاحف، وعلى الثّاني تُكتَبُ بنوٍ.
واختُلِفَ في معناها: فقال سيبويه: معناها: الجواب والجزاء، وتَبِعَه جماعة فقالوا: هي
حرف جواب يقتضي التَّعليل. وأفادَ أبو عليّ الفارسيّ أنَّها قد تَتمَخَّض للجواب، وأكثَرُ ما
نَجِيء جواباً لـ (لو)) و((إن)) ظاهراً أو مُقدَّراً. فعلى هذا لو ثَبَتَت الرِّواية بلفظ: ((إذا)) لاختَلَّ
نَظْم الكلام، لأنَّه يصير هكذا: لا والله، إذاً لا يَعمِد إلى أسَدٍ ... إلى آخره. وكان حَقّ
السّياق أن يقول: إذاً يَعمِد، أي: لو أجابَك إلى ما طلبتَ لَعَمَد إلى أسَدٍ ... إلى آخره، وقد
ثَبَتَت الرِّواية بلفظ: لا يَعمِد ... إلى آخره، فمِن ثَمَّ اذَّعَى مَن ادَّعَى أنَّها تغيير، ولكن قال
ابن مالك: وَقَعَ في الرِّواية ((إذاً)) بألفٍ وتنوينٍ، وليس ببعيدٍ. وقال أبو البَقَاء: هو بعيد،
ولكن يُمكِن أن يوَجَّه بأنَّ التَّقدير: لا والله لا يُعطَى إذاً، يَعني: ويكون ((لا يَعمِد ... )) إلى
آخره تأكيداً للنَّفي المذكور وموضِّحاً للسَّبَب فيه.
وقال الطِّييُّ: ثَبَتَ في الرِّواية ((لاها اللَّهِ إِذاً) فحَمَلَه بعض النَّحويّينَ على أنَّه من تغيير
بعض الرُّواة، لأنَّ العرب لا تَستَعمِل ((لاها الله)) بدون ((ذا))، وإن سَلِمَ استعماله بدونِ ((ذا))
فليس هذا موضع ((إذاً)) لأنَّها حرف جزاء، والكلام هُنا على نقيضه، فإنَّ مُقتَضَى الجزاء أن
لا يَذْكُر ((لا)) في قوله: لا يَعِد، بل كان يقول: إذاً يَعمِد إلى أسَدٍ ... إلى آخره، ليَصِحّ جواباً
(١) تحرفت في (أ) و(س) إلى: ((إذا)).
٥٦٦
باب ٥٣ / ح ٤٣٢١-٤٣٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
لطلب السَّلَب، قال: والحديث صحيح والمعنى صحيح، وهو كقولك لمن قال لك: افعَل
كذا، فقلت له: والله إذاً لا أفعَل، فالتَّقدير: إذاً والله لا يَعمِد إلى أسَدٍ ... إلى آخره، قال: ويحتمل
أن تكون ((إذا)) زائدة، كما قال أبو البَقَاء: إنَّها زائدة في قول الحَماسيّ(١):
إذاً لَقامَ بنَصْرِي مَعشَرٌ خُشُنٌ
في جواب قوله:
لو كنتُ من مازِنٍ لم تَسْتَبِحْ إيلي(٢)
٣٩/٨ قال: والعَجَب ◌َمَّن يَعتَنِي بشرح الحديث ويُقَدِّم نقل بعض الأُدَباء/ على أئمّة الحديث وجَهابذَتِهِ
ويَنسُبونَ إليهم الخطأ والتَّصحيف، ولا أقولُ إنَّ جَهابذة المحدِّثينَ أعدَل وأتقَن في النَّقْل، إذ
يقتضي المشارَكة بينهم، بل أقولُ: لا يجوز العُدول عنهم في النَّقل إلى غيرهم.
قلت: وقد سَبَقَه إلى تقرير ما وَقَعَ في الرّواية ورَدِّ ما خالَفَها الإمام أبو العبّاس
القُرطُبيّ في ((المُفهِم)»، فتَقَلَ ما تقدَّم عن أئمّة العربيَّة، ثمّ قال: وَقَعَ في رواية العُذْريّ
والهَوزَنيّ في مسلم (١٧٥١): لاها الله ذا، بغير ألفٍ ولا تنوين، وهو الذي جَزَمَ به مَن
ذَكَر ناه. قال: والذي يَظهَر لي أنَّ الرِّواية المشهورة صَواب، وليست بخطأِ، وذلك أنَّ هذا
الكلام وَقَعَ على جواب إحدى الكَلِمَتَينِ للأُخرى، والهاء هي الَّتي عُوِّض بها عن واو القَسَم،
وذلك أنَّ العرب تقول في القَسَمِ: ((اللَّهِ لَأَفعَلَنّ)) بمَدِّ الهمزة وبقصرها، فكأنَهم عَوَّضوا عن
الهمزة ((ها)) فقالوا: ها الله، لتَقارُب ◌َرجَيهما، وكذلك قالوا بالمدِّ والقصر، وتحقيقه أنَّ الذي
(١) نسبة إلى كتاب ((الحماسة))، وهو مجموعة أشعار من شعر الجاهلية والإسلام انتقاها واختارها أبو تمام حبيب
ابن أوس الطائي، الشاعر العباسي المشهور.
(٢) صدرا بيتين من الشعر للشاعر الإسلامي قُريط بن أُنيف العنبري من قطعة أوردها له صاحب ((الحماسة))
٣/١-٤، وأولها:
لو كنتُ من مازنٍ لم تَسْتَبَحْ إِبلي بنو اللَّقيطةِ من ذُهْلِ بنِ شَيبانا
عند الحفيظةِ إِنْ ذو لُوثةٍ لانا
إذًا لقامَ بنَصْري معشرٌ خُشْنٌ
٥٦٧
باب ٥٣ / ح ٤٣٢١-٤٣٢٢
كتاب المغازي
مَدّ معَ الهاء كأنَّه نَطَقَ بَهَمِزَتَيْنِ، أبدَلَ من إحداهما ألِفاً استثقالاً لاجتماعِهما، كما تقول: آلله،
والذي قَصَرَ كأنَّه نَطَقَ بهمزةٍ واحدةٍ كما تقول: ألله.
وأمَّا ((إذا) فهي بلا شَكٍّ حرف جواب وتَعليل، وهي مِثل الّتي وقَعَت في قوله {وَِّ،
وقد سُئِلَ عن بيع الرُّطَب بالتَّمرِ، فقال: ((أيَنقُصُ الرُّطَب إذا جَفَّ؟)) قالوا: نعم. قال:
((فلا إذا)(١) فلو قال: فلا والله إذاً، لكان مُساوياً لمَا وَقَعَ هُنا، وهو قوله: ((لاها الله إذاً)) من
كلّ وجه، لكنَّه لم يَحْتَجْ هناكَ إلى القَسَمِ فتَرَكَه، قال: فقد وضَحَ تقرير الكلام ومُنَاسَبته
واستقامَته معنَى ووَضْعاً من غير حاجة إلى تكلُّفٍ بعيدٍ يَخرُج عن البلاغة، ولا سِيَّما مَن
ارتَكَبَ أبعَدَ وأفسَدَ فجَعَلَ الهاء للتَّنبيه و((ذا)) للإشارة، وفَصَل بينَهما بالمُقْسَمِ به، قال:
وليس هذا قياساً فيُطَّرَدَ، ولا فصيحاً فيُحمَل عليه الكلام النَّبويّ، ولا مَرويّاً بروايةٍ ثابتة.
قال: وما وُجِدَ للعُذْريّ وغيره فإصلاحٌ ممن اغتَرَّ بما حُكيَ عن أهل العربيَّة، والحقّ أحقّ
أن يُتَّبَع.
وقال بعض مَن أدرَكناه، وهو أبو جعفر الغَرْناطيّ نَزيل حَلَب في حاشية نُسخَته من
البخاريّ: استَرسَلَ جماعة من القُدَماء في هذا الإشكال إلى أن جَعَلوا المَخْلَص منه أن
النَّهَموا الأثبات بالتَّصحيفِ، فقالوا: والصَّواب: ((لاها الله ذا)) باسم الإشارة. قال: ويا
عَجباً من قوم يقبلونَ التَّشكيك على الرّوايات الثّابتة، ويَطلُبُونَ لها تأويلاً، وجوابهم أنَّ((ها الله))
لا يَستَلِزِم اسم الإشارة، كما قال ابن مالك. وأمَّا جَعْل «لا يَعمِد)» جواب «فأرضِه)» فهو
سبب الغَلَط، وليس بصحيح ممَّن زَعَمَه، وإنَّما هو جواب شرط مُقدَّر يدلّ عليه قوله(٢).
((صدق فأرضِهِ))، فكأنَّ أبا بكر قال: إذا صَدَقَ في أَنَّه صاحب السَّلَب، إذاً لا يَعمِد إلى السَّلَب
(١) هو بهذا اللفظ من حديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد في ((المسند)) (١٥٤٤)، وأبي يعلى (٨٢٥)،
والطحاوي ٦/٤، وابن حبان (٤٩٩٧)، والدار قطني ٣٨/٢. والحاكم ٣٨/٢.
وأخرجه أبو داود (٣٣٥٩)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٤٥٤٥) لكن
بلفظ: فنهى عن ذلك، بدل قوله: «فلا إذاً».
(٢) لفظة ((قوله)) سقطت من (س).
٥٦٨
باب ٥٣ / ح ٤٣٢١-٤٣٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
فِيُعطيَك حَقَّه، فالجزاء على هذا صحيح، لأنَّ صِدقَه سَبَّب أن لا يَفعَل ذلك. قال: وهذا واضح
لا تكلُّف فيه. انتهى، وهو توجيه حَسَن، والذي قبله أقعَدُ.
ويُؤيِّد ما رَجَّحَه من الاعتماد على ما ثَبَتَت به الرِّواية كَثْرة وقوع هذه الجملة في كثير
من الأحاديث: منها ما وَقَعَ في حديث عائشة في قِصّة بَريرة لمَّا ذَكرت أنَّ أهلها يَشتَرِطونَ
الوَلاء، قالت: فانتَهَرتُها، فقلت: لاها الله إذاً(١).
ومنها ما وَقَعَ في قِصّة جُلَيبيب، بالجيم والموحَّدتَينِ مُصغَّراً: أنَّ النبيّ وَِّ خَطَبَ عليه
امرأةً من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتَّى أستأمِر أمَّها، قال: ((فنعم إذاً)) قال: فذهب إلى
امرأته فذكر ذلك لها فقالت: لاها الله إذاً، وقد مَنَعناها فلاناً، الحديث، صَخَّحَه ابنُ حِبّان
(٤٠٥٩) من حديث أنسٍ.
ومنها ما أخرجه أحمد في ((الزُّهد))(٢) قال: قال مالك بن دينار للحَسَنِ: يا أبا سعيد لو
لَبست مِثل عَباءَتي هذه، قال: لاها الله إذاً، لا(٣) ألبس مِثل عَباءَتك هذه. وفي ((تهذيب
الكمال)» (٦٦/١٦) في ترجمة ابنِ أبي عَتيق: أنَّه دَخَلَ على عائشة في مرضها فقال: كيف
أصبَحتِ جَعَلَني الله فِداكِ؟ قالت: أصبحتُ ذاهبةً، قال: فلا إذاً؛ وكان فيه دُعابة.
ووَقَعَ في كثير من الأحاديث في سياق الإثبات بقَسَمٍ وبغير قَسَمٍ، فمن ذلك في قِصّة
جُلَیبيب.
ومنها حديث عائشة في قِصّة صَفيَّة لمَّا قال ◌َّةِ: ((أحابسَتُنا هيَ؟)) وقال: إنَّها طافَت
٤٠/٨ بعدما / أفاضَت فقال: ((فلتَنِفِرْ إذاً))، وفي رواية: ((فلا إذا)(٤).
ومنها حديث عَمْرو بن العاص وغيره في سؤاله عن أحَبّ الناس: فقال: ((عائشة)) فقال: لم
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (١٥٠٤).
(٢) لم نقف عليه في مطبوع ((الزهد)).
(٣) حرف ((لا)) سقط من (س).
(٤) سلف برقم (١٧٥٧) بلفظ: ((فلا إذًا))، وبلفظ: ((فلتنفر إذاً)) أخرجه الشافعي في ((الأم)) ٢/ ١٩٨، وأحمد
(٢٤١٠١)، والبيهقي ١٦٢/٥.
٥٦٩
باب ٥٣ / ح ٤٣٢١ - ٤٣٢٢
كتاب المغازي
أعنِ النِّساء؟ قال: ((فأبوها إذاً)(١).
ومنها حديث ابنِ عبَّاس في قِصّة الأعرابيّ الذي أصابته الحُمَّى، فقال: بَل حُمَّى تَفُور،
على شيخ كبير، تُزيره القُبور، قال: ((فَنَعَم إذاً) (٢).
ومنها ما أخرجه الفاكِهِيّ(٣) من طريق سفيان قال: لَقيت لَبَطَةُ(٤) بن الفَرَزدَق فقلت:
أسمعت هذا الحديث من أبيك؟ قال: إنيْ ها الله إذاً، سمعت أبي يقول، فذكر القِصّة.
ومنها ما أخرجه عبد الرَّزّاق (٣٧٤٥) عن ابنِ جُرَيج قال: قلت لعطاءٍ: أرأيت لو أنّي
فَرَغت من صَلاقي فلم أرضَ كمالها، أفَلا أعود لها؟ قال: بلى ها الله إذاً.
والذي يَظهَر من تقدير الكلام بعد أن تَقرَّرَ أنَّ ((إذا)) حرف جواب وجزاء أنَّه كأنَّه
قال: إذاً والله أقولُ لك: نعم، وكذا في النَّفي كأنَّه أجابَه بقولهِ: إذاً والله لا يُعطيك، إذاً والله
لا أشتَرِط، إذاً والله لا ألبَس. وأَخَّرَ حرف الجواب في الأمثلة كلّها.
وقد قال ابن جُرَيج في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾
[النساء: ٥٣]: فلا يُؤْتُونَ الناس إذاً، وجَعَلَ ذلك جواباً عن عَدَم النَّصْب(٥) بها، معَ أنَّ الفِعل
مُستَقبَل. وذكر أبو موسى المدينيّ في ((المغيث)) له في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ
إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٦]، ((إذا)) قيلَ: هو اسم بمعنى الحروف الناصِبة، وقيل: أصله ((إذا))
الذي هو من ظُروف الزَّمان، وإنَّما نوِّنَ الفَرقِ، ومعناه: حينئذٍ، أي: إن أخرَ جوك من مكَّة،
فحينئذٍ لا يَلْبَثُونَ خَلْفك إلّا قليلاً. وإذا تَقرَّرَ ذلك أمكنَ حَمل ما وَرَدَ من هذه الأحاديث
عليه، فيكون التَّقدير: لا والله حينئذٍ، ثمَّ أراد بيان السَّبَب في ذلك فقال: لا يَعمِد ... إلى
آخره، والله أعلم.
(١) أخرجه بهذا اللفظ عبد الرزاق (٢٠٣٩٩)، وهو عند البزار (٦٥٥٨)، والطبراني في «الأوسط)) (٤٨٧)
من حديث أنس، بهذا اللفظ أيضاً.
(٢) سيأتي برقم (٣٦١٦).
(٣) في ((أخبار مكة)) (٦٧٦).
(٤) تصحف في (س) إلى: ليطة. وانظر ((الاشتقاق)) لابن دريد ٢٤٠.
(٥) تحرف في (س) إلى: النصيب.
٥٧٠
باب ٥٣ / ح ٤٣٢١-٤٣٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
وإِنَّمَا أَطَلْتُ في هذا الموضع لأنَّني مُنذُ طلبتُ الحديثَ، ووَقَفت على كلام الخَطّابيّ،
وقَعَت عندي منه نَفْرة للإقدام على تَخْطِئَة الرّوايات الثّابتة، خصوصاً ما في ((الصحيحينِ))،
فما زِلت أتطَلّبُ المخْلَص من ذلك إلى أن ظَفِرت بما ذكرته، فرأيت إثباته كلِّه هُنا، والله
لموَفِّق.
قوله: ((لا يَعْمِد)) إلى آخره، أي: لا يَقصِدُ رسولُ اللهِ وَ لَه إلى رجل كأنَّه أسَد في الشَّجاعة
يقاتل عن دين الله ورسوله فيأخُذَ حَقّه ويُعطيكَه بغير طيبة من نفسه. هكذا ضُبطَ للأكثرِ
بالتَّحتانيَّة فيه وفي ((يُعطيك))، وضَبَطَه النَّوويّ بالنّونِ فيهما.
قوله: ((فِيُعْطِيَكِ سَلَبَه)) أي: سَلَب قتیله، فأضافَه إليه باعتبار أنَّهِمِلكُه.
تنبيه: وَقَعَ في حديث أنس أنَّ الذي خاطَبَ النبيَّ وَّ بذلك عمر، أخرجه أحمد
(١٣٩٧٥) من طريق حمّاد بن سَلَمةَ عن إسحاقَ بن أبي طلحة عنه، ولَفظه: إنَّ هَوازِنَ
جاءت يوم حُنَينٍ، فذكر القِصّة قال: فَهَزَمَ الله المشركينَ، فلم يُضرَب بسيفٍ ولم يُطعَن
بُرُمحِ، وقال رسول الله وَّه يومئذٍ: ((مَن قتل كافراً فله سَلَبه)) فقَتَلَ أبو طلحة يومئذٍ
عشرينَ راجِلاً وأخَذَ أسلابهم. وقال أبو قَتَادة: إنّ ضَرَبتُ رجلاً على حَبْل العاتق وعليه
دِرْع فأُعجِلتُ عنه، فقام رجل فقال: أخَذتها فأرْضِه منها، وكان رسول الله وَلّه لا يُسأل
شيئاً إلا أعطاه أو سَكَتَ، فسَكَتَ، فقال عمر: والله لا يُفيتُها الله على أسَد من أُسْده ويُعطيكَها،
فقال النبيّ وَّ: (صَدَقَ عمر)). وهذا الإسناد قد أخرج به مسلم (١٨٠٩) بعض هذا
الحديث، وكذلك أبو داودَ (٢٧١٨). لكنَّ الرّاجِح أنَّ الذي قال ذلك أبو بكر كما رواه أبو
قَتَادة، وهو صاحب القِصّة فهو أتقَنُ لمَا وَقَعَ فيها من غيره. ويُحتمل الجمع بأن يكون
عمر أيضاً قال ذلك تَقويَة لقولِ أبي بكر، والله أعلم.
قوله: ((صَدَقَ)) أي: القائل ((فأعطِهِ)) بصيغة الأمر للَّذي اعتَرَفَ بأنَّ السَّلَب عندَه.
قوله: ((فابْتَعْتُ به)) ذكر الواقديُّ أنَّ الذي اشتَراه منه حاطِب بن أبي بَلتَعَةَ، وأنَّ الثَّمَن
کان سبعَ أواقٍ.
٥٧١
باب ٥٣ / ح ٤٣٣٢
كتاب المغازي
قوله: ((َخْرَفاً) بفتح الميم والرّاء ويجوز كسر الرّاء، أي: بُستاناً، سُمّيَ بذلك لأنَّه يُخْتَرَف
منه الثَّمَر، أي: يُجِتَنَى، وأمَّا بكسرِ الميم فهو اسم الآلة الَّتي يُخْتَرَف بها، وفي الرِّواية الَّتي
بعدها: خِرافًا، وهو بكسرٍ أوَّله: وهو الثَّمَر الذي يُخْتَرَف، أي: يُحِتَنَى، وأطلقَه على البُستان
مَجَازاً، فكأنَّه قال: بُستان خِراف. وذكر / الواقديُّ أنَّ البُستان المذكور كان يقال له: ٤١/٨
الوديين(١).
قوله: ((في بني سَلِمة) بكسرِ اللّام، هم بطن من الأنصار، وهم قوم أبي قَتَادة.
قوله: (تَأَثَلْته)) بمُئنّاة ثمَّ مُثلَّئة، أي: أصَّلْته، وأَثْلة كلّ شيءٍ أصلُه. وفي رواية ابن
إسحاق: أوَّل مال اعتَقَدتُه. أي: جَعَلتُهُ عُقدةً، والأصل فيه من العَقْد، لأنَّ مَن مَلكَ شيئاً
عَقَدَ علیه.
قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني يحيى بن سعيد)) هو الأنصاريّ شيخ مالك فيهِ، وروايته
هذه وَصَلَها المصنّف في الأحكام (٧١٧٠) عن قُتَيبة عنه، لكن باختصارٍ، وقال فيه: عن
يحيى، لم يَقُل: حدَّثني، وذكر في آخره كلمة قال فيها: قال لي عبد الله: عن(٢) اللَّيث يعني:
بالإسناد المذكور، وعبد الله: هو ابن صالح كاتب اللَّيث، وأكثر ما يُعلِّقه البخاريّ عن
اللَّيث ما أخَذَه عن عبد الله بن صالح المذكور، وقد أشبعتُ القول في ذلك في المقدِّمة، وقد
وَصَلَ الإسماعيليّ هذا الحديث من طريق حَجّاج بن محمَّد عن اللَّيث قال: حدَّثني يحيى بن
سعید، وذكره بتمامه.
قوله: ((تَخَوَّفْت)) حُذِفَ المفعول، والتَّقدير: الهلاك.
(١) كذا في الأصلين و(س)، وكذلك جاء في ((إرشاد الساري)) ٦/ ٤٠٧، وفي ((شرح الزرقاني على الموطأ))
٢٣/٣ أنَّ البستان المذكور يقال له: الوديين. والذي في ((مغازي الواقدي)) المطبوع ٩٠٩/٣: الرُّدَيني،
وكذلك هو في ((السيرة الشامية)) ٣٣٧/٥ نقلاً عن الواقدي، ويغلب على ظننا أنَّ هذا هو الصحيح، وما في
الأصلين وغيرهما تحریف عنه، والله أعلم.
(٢) جاء في الأصلين و(س) هنا: حدثنا، بدل: عن، والتصويب من كلام الحافظ على شرح الحديث
(٧١٧٠)، حيث أتى به على الصواب، موافقاً لليونينية دون حكاية خلاف أنَّ الرواية: قال لي عبد الله:
عن اللیث.
٥٧٢
باب ٥٤ / ح ٤٣٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ثمَّ بَرَكَ)) كذا للأكثرِ بالموخَّدة، ولبعضِهم بالمثّة، أي: تَرَكَني، وفي رواية
الإسماعيليّ: ثمَّ نُزِفَ، بضمِّ النُّون وكسر الزّاي بعدها فاء، ويُؤيِّده قوله بعدها: فَتَحلَّلَ.
قوله: ((سِلاح هذا القتيل الذي يَذكُر)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: الذي ذكره. وتَبيَّن بهذه
الرِّواية أنَّ سَلَبَه كان سِلاحاً.
قوله: ((أُصَييغ)) بمُهمَلةٍ ثمَّ مُعجَمة عند القابِيّ، وبمُعجَمٍ ثمَّ مُهمَلة عند أبي ذرٍّ، قال
ابن التِّين: وصَفَه بالضَّعفِ والمهانة، والأُصَيبغ: نوع من الطَّير، أو شَبَّهَه بنَبَاتٍ ضعيف
يقال له: الصَّبغاء، إذا طَلَعَ من الأرض يكون أوَّل ما يَلي الشمسَ منه أصفَر، ذكر ذلك
الخطَّابِيّ، وعلى هذا رواية القاِسيّ، وعلى الثّاني تصغير الضَّبُع على غير قياس، كأنَّه لمَّا
عَظَّمَ أبا قَتَادة بأنَّه أسدٌ، صَغَّرَ خصمَه وشَبَّهَه بالضّبُع لضعفِ افتراسه وما يُوصَف به من
العجز، وقال ابن مالك: أُضَييع، بمُعجَمةٍ وعين مُهمَلة: تصغير أضْبَع، ويُكْنى به عن
الضَّعیف.
قوله: ((ويَدَع)) أي: يَترُك، وهو بالرَّفع، ويجوز النَّصْب والجرّ.
٥٤- باب غزوة أوطاس
٤٣٢٣- حذَّثني محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ بنِ عبدِ الله، عن أبي بُرْدَ،
عن أبي موسى ، قال: لمَّا فَرَغَ النبيُّ ◌َه مِن حُنَينٍ، بَعَثَ أبا عامٍ على جيشٍ إلى أوْطاسٍ،
فَلَقِيَ دُرَيدَ بنَ الصِّمّةِ، فَقُتِلَ دُرَيِدٌ، وهَزَمَ الله أصْحابَه. قال أبو موسى: وبَعَثَنِي معَ أبي عامٍ،
فُرُمِيَ أبو عامرٍ في رُكْبَتِهِ، رَماه ◌ُشَمِيٌّ بسَهْمٍ فَأَثْبَتَه في رُكْبَتِهِ، فَانتَهَيتُ إليه فقلتُ: يا عَمِّ، مَن
رَماكَ؟ فأشارَ إلى أبي موسى، فقال: ذاكَ قاتلي الذي رَماني، فقَصَدْتُ له، فلَحِقْتُه فلمَّا رآني وَّى،
فَاتَّبَعْتُهُ وجَعَلْتُ أقولُ له: أَلَا تَستَحْيِي أَلَا تَثبُتُ؟ فَكَفَّ، فاختَلَفْنا ضَرْبَتَينِ بالسَّيفِ، فقَتَلتُه، ثمَّ
قلتُ لأبي عامٍ: قَتَلَ الله صاحبَكَ، قال: فانزع هذا السَّهْمَ، فَزَعْتُهُ فَزَا مِنْه الماءُ، قال: يا ابنَ
أخي، أقرِئِّ النبيَّ ◌َِّ السَّلامَ وقُل له: استَغْفِرْ لي، واستَخْلَفَني أبو عامٍ على الناسِ، فمَكُثَ
يَسِيراً، ثمَّ ماتَ فَرَجَعْتُ، فَدَخَلْتُ على النبيِّ ◌َّه في بيتِه على سَرِيرٍ مُرَمَّلٍ، وعليه فِراشٌ قد أثّرَ
٥٧٣
باب ٥٤ / ح ٤٣٢٣
كتاب المغازي
رِمِالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وجَنُيَه، فأخبَرَّتُه بِخَبَرِنا وخَيَرِ أبي عامٍ، وقال: قل له: اسْتَغْفِرِ لي، فدعا بماءٍ
فَتَوضَّأْ،/ ثمَّ رَفَعَ يَدَيه، فقال: ((اللهمَّ اغفِرٍ لِعُبيدٍ أبي عامٍ)) ورأيتُ بياضَ إِيطَيه، ثمَّ قال: ((اللهمَّ ٤٢/٨
اجْعَلْه يومَ القيامةِ فوقَ كَثير من خلقِكَ ومِن الناسِ)) فقلتُ: ولي فاستَغفِرْ، فقال: ((اللهمَّ اغفِر
لعبدِ الله بنِ قيسٍ ذَنْبَه، وأدْخِلْه يومَ القيامةِ مُدْخَلاً كَرِيماً)).
قال أبو بُرْدَ: إحداهما لأبي عامٍ، والأخرى لأبي موسى.
قوله: ((باب غزوة أوطاسٍ» قال عياض: هو وادٍ في ديار هوازن(١)، وهو موضع حرب
◌ُنَينٍ. انتهى، وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السّيَرَ، والرّاجِح أنَّ وادي أوطاسٍ
غير وادي حُنَينٍ، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق: أنَّ الوَقعة كانت في وادي حُنَينٍ، وأنَّ
هَوازِن لمَّ انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف وطائفة إلى نخلة (٢) وطائفة إلى أوطاسٍ،
فأرسَلَ النبيّ نَّهِ عَسكَراً مُقدَّمُهم أبو عامر الأشعَريّ إلى مَن مضى إلى أوطاسٍ. كما يدلّ
عليه حديث الباب، ثمَّ تَوَجَّهَ هو وعساكره إلى الطائف، وقال أبو عُبيد(٣) البَكْريّ:
أوطاس: وادٍ في ديار هَوازِن، وهناكَ عَسكَروا هم وثَقيف ثمَّ التَّقَوا بحُنَينٍ.
قوله: ((بَعَثَ أبا عامر)) هو عُبيد بن سُلَيم بن حَضّار الأشعَريّ، وهو عَمّ أبي موسى.
وقال ابن إسحاق: هو ابن عمّه. والأوَّل أشھَر.
قوله: (فِلَقِيَ دُريد بن الصِّمّة فقُتِلَ دُرَيد)) أمَّا الصِّمّة فهو بكسرِ المهمَلة وتشديد الميم، أي: ابن
بَكر بن عَلقَمة - ويقال: ابن الحارث بن بكر بن عَلَقَمة - الجُشَميّ، بضمِّ الجيم وفتح المعجَمة،
من بني ◌ُشَم بن معاوية بن بَكْر بن هَوازِن، فالصِّمّة لَقَبٌّ لأبيه، واسمه: الحارث (٤).
(١) هو سهلٌ يقع على طريق حاجّ العراق إذا أقبل من نجد قبل أن يصعد الحرة شمال شرقي مكة، وأما حنين
فهو وادٍ يبعد عن مكة ستة وعشرين كيلومتراً شرقاً، يُعرف اليوم بالشرائع، بل يُسمَّى رأسُه الصدر
وأسفله الشرائع. فافترقا كما رجحه الحافظ رحمه الله.
(٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: بجيلةٍ، وإنما هو نخلة، وهو وادٍ من أودية الحجاز وهو إحدى شعبتي مرّ
الظهران، يأخذ مياه هدأة الطائف ويأخذ نخلة هذه طريق الطائف القديم وطريق نجد من مكة.
(٣) تحرف في (س) إلى: أبو عبيدة.
(٤) هذا خلاف ما جاء في ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص ٢٧٠ أنَّ اسمه معاوية.
٥٧٤
باب ٥٤ / ح ٤٣٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((فَقُتِلَ)) رُوِّيناه على البناء للمجهولِ. واختُلِفَ في قاتله، فجَزَمَ محمَّد بن إسحاق
بأنَّه ربيعة بن رُفَيع - بفاءٍ مُصغَّر - بن وَهْبان بن ثَعْلبة بن ربيعة السُّلَميّ، وكان يقال له:
ابن لَذْعَةٍ(١) بمُعجَمة ثمَّ مُهمَلة - ويقال: بمُهمَلة ثمَّ مُعجَمة - وهي أمّه. وقال ابن هشام:
يقال اسمه عبد الله بن قُنيع(٢) بن أُهبان، وساقَ بَقِيَّة نَسَبه. ويقال له أيضاً: ابن الدُّغُنّة
وليس هو ابن الدغنة المذكور في قِصّة أبي بكر في الهجرة.
وروى البزَّار (٦٥١٨) في مُسنَد أنس بإسنادٍ حَسَن(٣) ما يُشعِر بأنَّ قاتل دُريد بن الصِّمّة
هو الزُّبَيرِ بن العَوّامِ، ولَفظه: لمَّ انهَزَمَ المشركونَ انحازَ دُريد بن الصِّمّة في ستّ مئة نفس
على أكمة فرأوا كتيبة، فقال: خَلُّوهم لي، فخَلَّوهم، فقال: هذه قُضاعة ولا بأس عليكم،
ثمَّ رأوا كتيبة مِثل ذلك، فقال: هذه سُلَيم، ثمَّ رأوا فارساً وحده، فقال: خَلُّوه لي، فقالوا:
مُعتَجِر بعِمامةٍ سوداء، فقال: هذا الزُّبَير بن العَوّام، وهو قاتلُكُم ومُرِجُكُم من مكانكُم
هذا، قال: فالتَّفَتَ الزُّبَير فرآهم، فقال: علامَ هؤلاءِ هاهنا؟ فمضى إليهم، وتَبعَه جماعة
فقَتَلوا منهم ثلاث مئة، فحَّ رأس دُرَيد بن الصِّمّة فجعله بین یَدَیه. ويُحتمل أن يكون ابن
الدُّغُنّة كان في جماعة الزُّبَيرِ فباشَرَ قتلَه، فنُسِبَ إلى الزُّبَيرِ مجازاً.
وكان دُرَيد من الشُّعَراءِ الفُرسان المشهورينَ في الجاهليَّةِ، ويقال: إنَّه كان لمَّا قُتِلَ ابنَ
عشرينَ - ويقال: ابن ستّينَ - ومئة سنة.
قوله: ((قال أبو موسى: وبَعَثَني)) أي: النبيّ وَِّ ((مَعَ أبي عامر)) أي: إلى مَن التَجَأ إلى
أوطاسٍ، وقال ابن إسحاق: بَعَثَ النبيّ ◌َّ أبا عامر الأشعَريّ في آثار مَن تَوَجَّهَ إلى أوطاسٍ،
فأدرَكَ بعض مَن انهزَمَ فناوَشُوه القتال.
(١) تحرف في (س) إلى: الذعنة.
(٢) تصحف في (س) إلى: قبيع. وأورده ابن الأثير في ((أسد الغابة)) بعد عبد الله بن قمامة، وضبطه الحافظ
نفسه في ((الإصابة)) ٨٢/٤ و٢٠٦/٥ بقاف ونون مصغراً.
(٣) كذا حسَّن الحافظ إسناده هنا، وخالف في ((مختصر زوائد البزار)) (١٣٩٥) فقال: هذا المتن منكر، فيه مخالفة في
مواضع لما رواه الثقات، وبيَّن أنَّ علي بن عاصم الواسطي أحد رواته سيئ الحفظ، قلنا: وكلامه هذا هو
الصواب.
٥٧٥
باب ٥٤ / ح ٤٣٢٣
كتاب المغازي
قوله: ((فُرُمِي أبو عامر في رُكْبَته، رَماه جُشَميٌّ)) بضمِّ الجيم وفتح المعجَمة، أي: رجل من
بني ◌ُشَم، واختُلِفَ في اسم هذا الجُشَميّ، فقال ابن إسحاق: زَعَموا أنَّ سَلمةَ بن دُرَيد بن
الصِّمّة هو الذي رَمَى أبا عامر بسهم فأصاب رُكبَتَه فقَتَلَه، وأخَذَ الرّايةَ أبو موسى الأشعريّ،
فقاتَلَهم ففَتَحَ اللهُ علیه.
وقال ابن هشام: حدَّثني مَن أَثِقٍ به أنَّ الذي رَمَى أبا عامر أخَوان من بني جُشَمٍ، وهما
أوَى والعلاء ابنا الحارث - وفي نُسخة: وافَى، بَدَل: أوفَى - فأصاب أحدهما رُكبَتَه، وقتلهما
أبو موسى الأشعريّ.
وعند ابن عائذ والطبرانيٍّ في ((الأوسط))(١) (٦٧٣٨) من وجه آخر عن أبي موسى
الأشعَريّ/ بإسنادٍ حَسَن: لمَّا هَزَمَ الله المشركينَ يومٍ حُنَينٍ، بَعَثَ رسول اللهَ وَّل على خيل ٤٣/٨
الطَّلَب أبا عامر الأشعَريّ وأنا معه فقَتَلَ ابنُ دُرَيد أبا عامر، فعَدَلتُ إليه فقَتَلْته وأخَذت
اللِّواءَ، الحديث. فهذا يُؤيِّد ما ذكره ابن إسحاق.
وذَكَر ابن إسحاق(٢) في ((المغازي)) أيضاً أنَّ أبا عامر لَقِيَ يوم أوطاسٍ عشرة من
المشركينَ إخوةً فقَتَلَهم واحداً بعد واحدٍ، حتَّى كان العاشرُ فحَمَلَ عليه وهو يَدعوه إلى
الإسلام وهو يقول: اللهمَّ اشهَد عليه، فقال الرجل: اللهمَّ لا تشهد عليَّ، فَكَفّ عنه أبو
عامر ظنّاً منه أنَّه أسلَمَ فقَتَلَه العاشر، ثمَّ أسلَمَ بعدُ فحَسُن إسلامه، فكان النبيّ ◌َّهِ يُسَمّيه
شهيد أبي عامر. وهذا يُخالف الحديث الصَّحيح في أنَّ أبا موسى قتل قاتلَ أبي عامر، وما في
الصَّحيح أولى بالقَبُول، ولعلَّ الذي ذكره ابن إسحاق شارَكَ في قتله.
قوله: ((فتَزَا منه الماءُ)) أي: انصَبَّ من موضع السَّهم.
قوله: ((قال: يا ابن أخي)) هذا يَرُدّ قول ابن إسحاق: إنَّه ابن عمّه. ويحتمل - إن كان
ضبطه ۔ أن یکون قال له ذلك لگَوْنِه كان أسَنَّ منه.
(١) وهو أيضاً عند البخاري في ((التاريخ الأوسط)) (٦٦).
(٢) كذا نسب الحافظ هذه الرواية لابن إسحاق، مع أنَّ الذي في المطبوع المحقق من ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٤٥٧
أنها لابن هشام. وكذلك جاء في ((الروض الأنف)) للسُّهيلي ٤/ ٢٢٤.
٥٧٦
باب ٥٥ / ح ٤٣٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فَرَجَعْتُ فَدَخَلْت على النبيّ ◌َّ)) في رواية ابن عائذ: فلمَّا رآني رسول الله وَ ل
معي اللِّواء قال: ((يا أبا موسى، قُتِلَ أبو عامر؟».
قوله: ((على سرير مُرَمَّل)) براءٍ مُهمَلة ثمَّ ميم ثقيلة، أي: معمول بالرِّمال، وهي حِبال
الحُصرِ الَّتي تُضَفَّر بها الأسِرّة.
قوله: ((وعليه فِراش)) قال ابن التِّين: أنكَرَه الشَّيخ أبو الحسن، وقال: الصَّواب: ما عليه
فِراش، فسَقَطَت ((ما)). انتهى، وهو إنكار عجيب، فلا يلزم من گَوْنه رَقَدَ علی غیر فِراش
کما في قِصّة عمر(١) أن لا یکون على سريره دائماً فِراش.
قوله: ((فدعا بماءٍ فَتَوضَّأ ثمَّ رَفَعَ بَدَيهِ)) يُستَفاد منه استحبابُ التطهُّر لإرادة الدُّعاء.
ورفعُ اليَدَينِ في الدُّعاء، خِلافاً لمن خَصَّ ذلك بالاستسقاءِ، وسيأتي بيان ما وَرَدَ من ذلك
في كتاب الدَّعَوات (٦٣٨٣).
قوله: ((فوق كثيرٍ من خلقك)) أي: في المرتَبة، وفي رواية ابن عائذ: ((في الأكثَرِينَ يوم القيامة)).
قوله: ((قال أبو بُرْدة» هو موصول بالإسناد المذكور.
٥٥- باب غزوة الطائف
في شوَّال سنة ثمانٍ. قاله موسى بن عقبة
٤٣٢٤- حدَّثنا الحُمَيديُّ، سمعَ سفيانَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن زَينَبَ بنتِ أبي
سَلَمَةَ، عن أمِّها أمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: دَخَلَ عليَّ النبيُّ وَلَه وعندي مُخَنَّثٌ، فسمعتُه يقول
لعبدِ الله بنِ أبي أُميََّ: يا عبد الله، أرأيتَ إن فَتَحَ الله عليكم الطّائفَ غَداً، فعليكَ بابنةٍ غَيْلانَ،
فإِنَّها تُقْبِلُ بأربعٍ وتُدْبِرُ بثمانٍ، وقال النبيُّ ◌َهِ: ((لا يَدخُلَنَّ هؤلاءِ عليكُنَّ)).
قال ابنُ عُيَينةَ: وقال ابنُ جُرَيج: المخَنَّثُ: هِيتٌ.
حذَّثنا محمودٌ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، بهذا، وزادَ: وهو مُحاصِرٌ الطّائفَ يومَئذٍ.
[طرفاه في: ٥٢٣٥، ٥٨٨٧]
(١) ستأتي برقم (٤٩١٣).
٥٧٧
باب ٥٥ / ح ٤٣٢٤
كتاب المغازي
قوله: ((باب غزوة الطّائف)) هو بَلَد كبير مشهور، كثير الأعناب والنَّخيل، على ثلاث
مَراحل أو اثنَتَينِ من مكَّة من جِهة المشرق، قيلَ: أصلها أنَّ جِبْريل عليه السلام اقتَلَعَ الجنَّة
الَّتي كانت لأصحاب الصَّريم فسارَ بها إلى مكَّة، فطافَ بها حول البيت، ثمَّ أنَزَنَا حيثُ
الطائف فسُمّيَ الموضع بها، وكانت أوَّلاً بنواحي صنعاء، واسم الأرض: وَجّ، بتشديد الجيم،
سُمّيَت برجلٍ، وهو ابن عبد الحيّ (١) من العمالقة، وهو أوَّل مَن نَزَلها. وسارَ النبيّ ◌َّ إليها
بعد مُنصَرَفه من حُنَينٍ، وحَبَسَ الغنائم بالجِعرانة، وكان مالك بن عَوْف النَّصْري(٢) قائد
هَوَازِن لمَّا انهزَمَ دَخَلَ الطائف، وكان/ له حصنٌ بِلِيَةَ، وهي بكسرِ اللّام وتخفيف الثَّحتانيَّةِ، ٤٤/٨
على أميالٍ من الطائف، فمرَّ به النبيّ وَّه وهو سائر إلى الطائف فأمَرَ بَهَدمِه.
قوله: «في شوّال سنة ثمان. قاله موسی بن عُقْبة)) قلت: كذا ذكره في (مغازیه))، وهو قول
◌ُمهور أهل المغازي. وقيلَ: بل وصَلَ إليها في أوَّل ذي القَعدة.
ثمَّ ذكر المصنّف فيه أحاديث:
الأول: حديث أمّ سَلَمةَ. وهشام: هو ابن عُرْوة، وفي الإسناد لطيفة: رجل عن أبيه،
وهما تابعيّان، وامرأة عن أمّها وهما صَحابيَّتان.
قوله: ((أرأيت إن فتَحَ الله عليكُم الطّائف)) الحديث يأتي شرحه في كتاب النِّكاح (٥٢٣٥).
والغرض منه هُنا ذِكْر حِصار الطائف، ولذلك أورَدَ الطَّريق الأُخرى بعده حيثُ قال فيها:
وهو محاصرٌ الطائفَ يومئذٍ. وعبد الله بن أبي أُميَّة هو أخو أمّ سَلَمةَ راويةِ الحديث، وكان
إسلامه معَ أبي سفيان بن الحارث المقدَّم ذِكْرُه في غزوة الفتح(٣)، واستُشهِدَ عبد الله بالطائفِ
أصابه سهم فقَتَلَه.
وقوله في الرواية الأولى: ((قال ابن عُيَينةَ وقال ابن جُرَيج)) هو موصول بالإسناد الأوَّل.
(١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: ابن عبد الجن، والتصويب من ((معجم ما استعجم)) للبكري، و((معجم البلدان))
لیاقوت الحموي، وغيرهما.
(٢) تصحف في (س) إلى: النضري، وإنما هو من نَصْر بن معاوية بن بكر بن هوازن.
(٣) بل في غزوة حنين (٤٣١٥).
٥٧٨
باب ٥٥ / ح ٤٣٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((المخَنَّث: هِيت)) أي: اسمه، وهو بكسرِ الهاء وسكون التَّحتانيَّة بعدها مُثنّة،
وضَبَطَه بعضهم بفتح أوَّله، وأمَّا ابن دُرُستويه فضَبَطَه بنونٍ ثمَّ موخَّدة، وزَعَمَ أنَّ الأوَّل
تصحيف، قال: والهِنْب: الأحمقُ. وسيأتي ما قيلَ في اسمه من الاختلاف هل هو واحد أو
جماعة في كتاب النِّكاح، وكذا ما قيلَ في اسم المرأة، والأشهر أنَّها بادية إن شاء الله تعالى.
٤٣٢٥- حذَّثنا علُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرٍو، عن أبي العَبَّاسِ الشّاعرِ
الأعمَى، عن عبدِ الله بنِ عُمرَ: قال: لمَّا حاصَرَ رسولُ اللهِوَِّ الطّائِفَ، فلم يَنَلْ منهم شيئاً،
قال: ((إنّا قافِلونَ إن شاء الله)) فثَقُلَ عليهم، وقالوا: نذهبُ ولا نَفتَحُه - وقال مرَّةً: نَقْفُل -
فقال: ((اغدُوا على القتال)) فَغَدَوْا، فأصابهم جِراحٌ، فقال: ((إنّا قافلونَ غَداً إن شاء الله))
فأعجَبَهم، فضَحِكَ النبيُّ ◌َ له. وقال سفيانُ مرَّةٌ: فتَبَسَّمَ.
قال: قال الحُمَيديُّ: حدَّثنا سفيانُ الخبرَ كلَّه.
[طرفاه في: ٦٠٨٦، ٧٤٨٠]
الحديث الثاني:
قوله: ((سُفْيان)) هو ابن عُيَينة.
قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن دينار، وأبو العبَّاس الشّاعِرِ الأعمَى تقدَّم ذِكْرِه وتسميته في
قيام اللّيل (١١٥٣).
قوله: ((عن عبد الله بن عمر)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: عبد الله بن عَمْرو، بفتح العين وسكون
الميم، وكذا وَقَعَ في رواية النَّسَفيّ والأَصِيلِيِّ، وقُرِئَ على أبي زيد (١) المروزيِّ كذلك فَرَدَّه بضمِّ
العين، وقد ذكر الدّارَ قُطْنيُّ الاختلافَ فيه، وقال: الصَّواب عبد الله بن عمر بن الخطّاب.
والأوَّل هو الصَّواب في رواية عليّ بن المَدِينيّ وكذلك الحميديُّ وغيرهما من حُفّاظ
أصحاب ابن عُيَينَةَ، وكذا أخرجه الطبرانيُّ من رواية إبراهيم بن بشّار(٢) وهو ممّن لازم ابنَ
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: ابن زيد.
(٢) تصحف في (س) إلى: يسار. وإنما هو ابن بشار الرمادي.
٥٧٩
باب ٥٥ / ح ٤٣٢٥
كتاب المغازي
عُيَينةَ جدّاً. والذي قال عن ابن عُيَينةَ في هذا الحديث: عبد الله بن عمرو هم الذينَ سمعوا
منه مُتأخّراً، كما نَبَّهَ عليه الحاكم، وقد بالَغ الحميديُّ في إيضاح ذلك فقال في «مُسنَده))
(٧٠٦) في روايته لهذا الحديث عن سفيان: عبد الله بن عمر بن الخطّاب. وأخرجه البيهقيُّ
في «الدَّلائل» (١٦٧/٥) من طريق عثمان الدَّارِميِّ عن عليّ بن المَدِينيّ قال: حدَّثنا به
سفيان غير مرَّة يقول: عبد الله بن عمر بن الخطّاب، لم يَقُل: عبد الله بن عَمْرو بن العاص.
وأخرجه ابن أبي شَيْبة (١٤ / ٥٠٧) عن ابن عُيَينةَ فقال: عبد الله بن عمرو(١)، کذا رواه عنه
مسلم (١٧٧٨)، وأخرجه الإسماعيليّ/ من وجه آخر عنه فزاد: قال أبو بكر: سمعت ابن عُيَينةَ ٤٥/٨
مرَّة أُخرى يُحدِّث به عن ابن عمر.
وقال المفضَّل الغَلَابي(٢) عن يحيى بن مَعِين: أبو العبّاس عن عبد الله بن عَمْرو وعبد الله
ابن عُمر، في الطائف، الصَّحيح: ابن عمر.
قوله: ((لمَّا حاصَرَ رسول الله وَّهِ الطّائف، فلم يَنَل منهم شيئاً)) في مُرسَل أبي الزُّبَيرِ(٣)
عند ابن أبي شَيْبة (١٤ / ٥٠٨) قال: لمَّا حاصَرَ النبيّ ◌َلِّ الطائف قال أصحابه: یا
رسول الله أحرَقَتْنا نِبال ثَقيف، فادعُ الله عليهم، فقال: ((اللهمَّ اهدِ ثَقيفاً)). وذكر أهل
المغازي أنَّ النبيّ وَِّ لمَّا استَعصَى عليه الحِصْن، وكانوا قد أعَدّوا فيه ما يكفيهم لحِصار
سنةٍ وَرَمَوْا على المسلمينَ سِكَك الحديد المُحْماة ورَمَوهم بالنَبْلِ، فأصابوا قوماً، فاستشارَ
نَوفَلَ بن معاوية الدِّيلِيّ فقال: هم ثَعلَب في جُحْر، إن أقَمت عليه أخَذْتَه، وإن تَرَكتَه لم
يَضُرَّك، فَرَحَلَ عنهم.
(١) الذي في الطبعات المحققة من ((مصنف ابن أبي شيبة)): عن عبد الله بن عمرو، وقال مرة: عن ابن عمر.
كالذي عند الإسماعيلي.
(٢) تحرف في (س) إلى: العلائي.
(٣) تحرف في (أ) و(س) إلى: ابن الزبير، وسقطت لفظة ((أبي)) من (ع)، والتصويب من الطبعات المحققة من
((مصنف ابن أبي شيبة)). وقد جاء عند ابن أبي شيبة في موضع آخر من الطريق نفسه ١٢ / ٢٠١ موصولاً بذكر
جابر، بما يؤيد أنه أبو الزبير إذ هو مكثر عن جابر. وقد أخرجه من طريق أبي الزبير عن جابر موصولاً أيضاً
أحمد (١٤٧٠٢)، والترمذي (٣٩٤٢).
٥٨٠
باب ٥٥ / ح ٤٣٢٦-٤٣٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
وذَكَر أنس في حديثه عند مسلم (١٣٦/١٠٥٩) أنَّ مُدّة حِصارهم كانت أربعينَ يوماً.
وعند أهل السّيَر اختلاف، قيلَ: عشرينَ يوماً، وقيلَ: بضعة عشر، وقيلَ: ثمانية عشر،
وقيلَ: خمسة عشر.
قوله: ((إنّا قافِلونَ)) أي: راجِعونَ إلى المدينة.
قوله: ((فَقُلَ عليهم)) بُيِّنَ سبب ذلك بقولهم: نَذْهَب ولا نَفْتَحه. وحاصل الخبر: أنَّهم
لمَّا أخبَرَهم بالرُّجوع بغير فتح لم يُعجِبهم، فلمَّا رأى ذلك أمَرَهم بالقتال فلم يُفتَح لهم
فَأُصيبوا بالجِراح، لأنَّهم رَمَوا عليهم من أعلى السّور، فكانوا يَنالونَ منهم بسِهامهم، ولا
تَصِل السِّهام إلى مَن على السّور، فلمَّا رأوا ذلك تَبيَّن لهم تَصويبُ الرُّجوع، فلمَّا أعادَ
عليهم القول بالرُّجوع أعجَبَهم حينئذٍ، ولهذا قال: فضَحِكَ.
وقوله: ((وقال سفيان مرَّة: فتبَسَّمَ)) هو تَرديد من الراوي.
قوله: ((قال الحُمَيديُّ: حدَّثنا سُفْيان الخبر كلّه)) بالنَّصب، أي: أنَّ الحميديّ رواه له بغیر
عَنْعَنةٍ، بل ذكر الخبر في جَميع الإسناد، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: بالخبرِ كلّه. وقد أخرجه
أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) وفي ((الدَّلائل)) من طريق بشر بن موسى عن الحميديِّ: حدَّثنا
سفيان حدَّثنا عَمْرو سمعت أبا العبّاس الأعمَى يقول: سمعت عبد الله بن عُمر يقول،
فذكره.
٤٣٢٦، ٤٣٢٧ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عاصم، قال:
سمعتُ أبا عثمانَ، قال: سمعتُ سعداً، وهو أوَّلُ مَن رَمَى بسَهْمٍ في سبيلِ الله، وأبا بَكْرةَ،
وكان تَسوَّرَ حِصْنَ الطّائفِ في أناسٍ، فجاء إلى النبيِّ وَِّ، فقالا: سمعْنا النبيَّ ◌َِّ يقول: ((مَنِ
ادَّعَى إلى غيرِ أبيه وهو يَعْلَمُ، فالجنَّةُ عليه حرامٌ)».
وقال هشامٌ: أخبرنا مَعمَرٌ، عن عاصمٍ، عن أبي العاليَةِ، أو أبي عثمانَ النَّهْدِيِّ، قال:
سمعتُ سعداً وأبا بَكْرةَ، عن النبيِّ وَّ.
قال عاصمٌ: قلتُ: لقد شَهِدَ عندَكَ رجلان حَسْبُكَ بهما، قال: أجَلْ، أَمَّا أحدُهما فأوَّلُ مَن