النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
كتاب المغازي
وفي رواية ابنٍ عائذ من حديث ابن عمر(١) رضي الله عنهما قال: لم يَغْزُ رسول الله
قُرَيشاً حتَّى بَعَثَ إليهم ضَمْرة يُخِيِّرهم بين إحدى ثلاث: أن يَدُوْا قتيل خُزاعة، وبين أن
يَبْرؤوا من حِلفِ بَكر، أو يَنبذ إليهم على سواء. فأتاهم ضَمْرة فخيَّرهم، فقال قَرَظة بن
عَبْد عَمْرو(٢): لا نَدِي ولا نَبْرأ، ولكنّا نَنبذ إليه على سواء. فانصَرَفَ ضَمْرة بذلك،
فأرسَلَت قُرَيش أبا سفيان يسأل رسول الله وَ له في تجديد العَهد. وكذلك أخرجه مُسدَّد(٣)
من مُرسَل محمَّد بن عبّاد بن جعفر، فأنكَرَه الواقديُّ وزَعَمَ أنَّ أبا سفيان إنَّمَا تَوَجَّهَ مُبادِراً
قبل أن يَبلُغِ المسلمينَ الخبرُ، والله أعلم.
وفي مُرسَل عِكْرمة عند ابن أبي شَيْبة (١٤/ ٤٨٠-٤٨٥)، ونَحوه في («مغازي عُرْوة))
عند ابن إسحاق وابن عائذ: فخافَت قُرَيش، فانطَلَقَ أبو / سفيان إلى المدينة، فقال لأبي ٧/٨
بَكر: جَدِّد لنا الحِلف، قال: ليس الأمر إليَّ. ثمَّ أتى عمر فأغلَظَ له عمر. ثمَّ أتى فاطمة
فقالت له: ليس الأمر إليّ. فأتى عليّاً فقال: ليس الأمر إليّ. فقال: ما رأيت كاليومِ رجلاً
أَضَلّ، أي: من أبي سفيان، أنتَ کبیر الناس، فجدِّد الحلف. قال: فضَرَبَ إحدی یدیه علی
الأُخرى وقال: قد أجَرْتُ بين الناس. ورَجَعَ إلى مكَّة فقالوا له: ما جِئتنا بحَربٍ فَنَحذَرَ،
ولا بصُلحِ فنأمَنَ! لَفظ عِكْرمة، وفي رواية عُرْوة: فقالوا له: لَعِبَ بك عليّ، وإنَّ إخفارَ
جِوارِك لَهَيِّنٌّ عليهم. فيحتمل أن يكون قوله: بَلَغَ قُرَيشاً، أي: غَلَبَ على ظَنِّهم ذلك، لا
أنَّ مُبَلِّغاً بَلَّغَهم ذلك حَقيقةً.
قوله: ((خَرَجوا يَلْتَمِسونَ الخبر عن رسولِ اللهِ وَ﴿)» في رواية ابن عائذٍ: فَبَعَثُوا أبا سفيانَ
وحكيم بن حزام، فلَقِیَا بُدیل بن وَزْقاء، فاستصحباه فخرج معهما.
(١) أورده الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) في قسم المغازي، وأظهر بعض إسناده، وفيه راوٍ مبهم لم يُسمَّ.
(٢) في الأصلين و(س): قرظة بن عمرو، والتصويب من ((الإصابة)) ٦/ ٢٦٠ من ترجمة ابنه مسلم، وذكره الحافظ
على الصواب أيضاً في ((المطالب)) (٤٣٠٠). وعمرو وعبد عمرو أخوان لنوفل بن عبد مناف، وقرظة ابن
الثاني منهما.
(٣) كما في ((المطالب العالية)) (٤٣٠٠).

٥٠٢
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «حتَّى أتوا مرَّ الظَّهْران)» بفتح الميم وتشديد الرّاءِ مكان معروف، والعامّة تقوله
بسكونِ الرّاءِ وزيادة واو، والظّهران بفتح المعجَمة وسكون الهاء، بلفظ تَثنية ظَهر، وفي
مُرسَل أبي سَلَمَةَ: حَتَّى إذا دَنَوا من ثَنَّةَ مرِّ الظَّهران أظلَموا - أي: دخلوا في اللَّيل -
فأشرَفوا على الثَّنيّة، فإذا النّيرانُ قد أخَذَت الوادي كلّه. وعند ابن إسحاق: أنَّ المسلمينَ
أو قَدوا تلكَ الليلة عشرة آلاف نار.
قوله: ((فقال أبو سُفْيان: ما هذه)) أي: النّيران ((لكأنَّهَا)) جواب قَسَمِ محذوف.
وقوله: ((نِيران عَرَفة)) إشارة إلى ما جَرَت به عادَتُهم من إيقادِ النّيران الكثيرة ليلةَ عَرَفة.
وعند ابن سعد (٢/ ١٣٥): أنَّ النبيّ ◌َّهِ أَمَرَ أصحابَه في تلكَ اللَّيلة فأوقَدوا عشرةَ آلاف
نار.
قوله: ((فقال بُدَيل بن وَرْقاء: هذه نيران بني عَمْرو)) يعني خُزاعة، وعَمْرو: هو ابن لُحَيٍّ،
الذي تقدَّم ذِكرُه معَ نَسَب خُزاعة في أوَّل المناقب ((فقال أبو سفيان: عَمْرو أقلّ من ذلك))
ومثل هذا في مُرسَل أبي سَلَمَةَ، وفي ((مغازي عُرْوة)) عند ابن عائذ عَكس ذلك، وأنَّهم لمَّا
رأوا الفَساطيط وسمعوا صَهِيل الخيل، فراعَهم ذلك، فقالوا: هؤلاءِ بنو كعب - يعني
خُزاعة، وكعب أكبر بُطون خُزَاعة - جاشَت بهم الحربُ. فقال بُدَيل: هؤلاءِ أكثر من بني
كعب ما بَلَغَ تأليُها هذا. قالوا: فانتَجَعَتْ هَوازِنُ أرضَنا، والله ما نَعرِف هذا، فإنَّ هذا
لَمِثلُ حاجٌ الناس(١).
قوله: (فرآهم ناس من خَرَس رسول الله ێ، فأدرَ كُوهم فأخذُوهم)» في رواية ابن عائذ:
وكان رسول الله وَ لَبَعَثَ بين يَدَيه خيلاً تَقبض العُيون، وخُزاعة على الطَّريق لا يَتْرُكونَ أحداً
يمضي، فلمَّا دَخَلَ أبو سفيان وأصحابه عَسكر المسلمينَ أخَذَتهم الخيل تحت اللَّيل.
وفي مُرسَل أبي سَلَمَةَ: وكان حَرَسُ رسول الله وَ لَ نَفَراً من الأنصار، وكان عمر بن الخطّاب
(١) تحرفت العبارة في (أ) و(س) إلى: إنَّ هذا المثل صاح الناس، وأثبتناه على الصواب من (ع)، موافقاً لما جاء في
(مغازي الواقدي)) ٢/ ٨١٤، و((معجم الطبراني الكبير)) (٧٢٦٣).

٥٠٣
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
كتاب المغازي
عليهم تلكَ اللَّيلة فجاؤوا بهم إليه، فقالوا: جئناك بنَفَرِ أخذناهم من أهلِ مگَّةَ، فقال عمر: والله
لقد (١) جِئْتُموني بأبي سفيان ما زِدتُم، قالوا: قد أتيناك بأبي سفيان. وعند ابن إسحاق: أنَّ العبّاس
خرج ليلاً فَلَقيَ أبا سفيان وبُدَيلاً، فحَمَلَ أبا سفيان معه على البَغلة ورَجَعَ صاحباه. ويُمكِن
الجمع بأنَّ الْحَرَس لمَّا أخَذوهم استَقَذَ العبّاسُ أبا سفيان.
وفي رواية ابن إسحاق: فلمَّا نزلَ رسول اللهِوَ لَ مَرَّ الظَّهران، قال العبّاس: والله لَئِن
دَخَلَ رسول الله وَّهِ مَكَّة عَنوةً قبل أن يأتوه فيَستأمِنُوه إنَّه لَهَلاكُ قُرَيش، قال: فجلست
على بَغلة رسول الله وَ له حتَّى جِئت الأراك، فقلت: لعلّي أجِدُ بعضَ الحَطّابة أو ذا حاجةٍ
يأتي مكَّة فيُخِرَهم، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبُدَيل بن وَرْقاء، قال: فعَرَفت صوته،
فقلت: يا أبا حَنظَلة، فعَرَفَ صوتي، فقال: أبا الفَضْل؟ قلت: نعم. قال: ما الحيلة؟ قلت:
فاركَب في عَجُزِ هذه البَغلة، حتَّى آتيَ بك رسولَ الله وَِّ، فأستأمنَه لك، قال: فَرَكِبَ خَلْفي
وَرَجَعَ صاحباه. وهذا مخالف للرِّواية السابقة أنَّهم أخَذوهم، ولكن عند ابن عائذ: فدَخَلَ
بُدَيلٌ وحَكِيمٌ على رسول الله وَّ﴿ فأسلَما. فيُحمَل قوله: وَرَجَعَ صاحباه، أي: بعد أن أسلَما،
واستمرّ أبو سفيان عند العبَّاس لأمرِ رسول الله وَّ له أن يحبسه/ حتَّى يرى العساكر. ويحتمل ٨/٨
أن يكونا رَجَعا لمَّا التَّقَى العبَّاس بأبي سفيان فأخَذَهما العَسكَر أيضاً.
وفي ((مغازي موسى بن عُقْبة)) ما يُؤْيِّد ذلك، وفيه: فلقيَهم العبَّاس فأجارَهم وأدخَلَهم
إلى رسول الله وَ ﴾، فأسلَمَ بُدَيلٌ وحَكِيمٌ، وتأخَّرَ أبو سفيان بإسلامه حتَّى أصبَحَ. ويُجمَع
بين ما عند ابن إسحاق ومُرسَل أبي سَلَمَةَ بأنَّ الحَرَس أخَذوهم، فلمَّا رأوا أبا سفيان معَ
العبّاس تَرَکوه معه.
وفي رواية عِكْرمة: فذهب به العبَّاس إلى رسول الله وَّهِ، ورسول الله وَّةٍ فِي قُبّةٍ له،
فقال: ((يا أبا سفيان أسلِمْ تَسلَمْ))، قال: كيف أصنَع باللات والعُزَّى؟ قال: فسمعَه عمر،
فقال: لو كنتَ خارجاً من القُبّة ما قلتَها أبداً، فأسلَمَ أبو سفيان، فذهب به العبَّاس إلى
مَنزِله، فلمَّا أصبَحَ ورأى مُبادَرة الناس إلى الصَّلاة أسلَمَ.
(١) تحرفت في (سٍ) إلى: لو.

٥٠٤
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((احبس أبا سُفْيان)) في رواية موسى بن عُقْبة: أنَّ العبّاس قال لرسولِ الله وَّ: لا
آمَنُ أن يَرجِعَ أبو سفيان فيَكفُرَ، فاحبسه حتَّى تُرِيه جنود الله، ففَعَلَ، فقال أبو سفيان:
أغَدراً يا بني هاشم؟ قال العبّاس: لا، ولكن لي إليك حاجة، فتُصبح فَتَنظُر جنود الله، وما
أَعَذَّ الله للمشركينَ، فحَبَسَه بالمضيق دون الأراك حتَّى أصبحوا.
قوله: ((عند خَطْم الجبل)) في رواية النَّسَفيّ والقابسيّ: بفتح الخاء المعجَمة وسكون المهمَلة
وبالجيم والموحّدة، أي: أنف الجبل، وهي رواية ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي. وفي رواية
الأكثَر بفتح المهمَلة من اللَّفظة الأولَى، وبالخاءِ المعجَمة وسكون التَّحتانيَّة، أي: ازدِحامها. وإنّما
حَبَسَه هناكَ لكَوْنِهِ مَضيقاً لِيَرَى الجَميع ولا يَفوتَه رُؤية أحد منهم.
قوله: ((فَجَعَلَتِ القبائل تَمُرّ)) في رواية موسى بن عُقْبة: وأمَرَ النبيّ لنَّهِ مُنادياً ينادي:
لتُظهِر كلّ قبيلة ما معها من الأداة والعُدّة، وقَدَّمَ النبيّ ◌َّهُ الكتائب، فمرَّت كتيبةٌ فقال أبو
سفيان: يا عبَّاس أفي هذه محمَّد؟ قال: لا، قال: فمَن هؤلاءِ؟ قال: قُضاعة. ثمَّ مَرَّت
القبائل، فرأى أمراً عظيماً أرعَبَه.
قوله: ((كَتيبة كَتيبة)) بمُثنّة وزن عظيمة: وهي القطعة من الجيش، فَعِيلة من الكَتْب،
بفتح ثمَّ سکون، وهو الجمع.
قوله: ((ما لي ولِغِفارَ، ثمَّ مَرَّت جُهَينة، قال مِثلَ ذلك)) وفي مُرسَل أبي سَلَمَةَ: مَرَّت
جُهَينة، فقال: أيْ عبَّاس، مَن هؤلاءِ؟ قال: هذه جُهَينة. قال: ما لي ولِجُهَينة، والله ما كان
بيني وبينَهم حربٌ قَطُّ.
والمذكور في مُرسَل عُرْوة هذا من القبائل: غِفار وجُهَينة وسَعْد بن هُذَيم وسُلَيم، وفي
مُرسَل أبي سَلَمةَ من الزّيادة: أسلَم ومُزَينة، ولم يَذْكُر سعدَ بنَ هُذَيم وهم من قُضاعة، وقد
ذُكِرِ قُضاعةُ عند موسى بن عُقْبة. وسَعد بن هُذَيم المعروف فيها سعد هُذَیم بالإضافة، ويَصِحّ
الآخرُ على المجاز، وهو سعد بن زيد بن ليث بن سود، بضمِّ المهمَلة، ابن أسلُم، بضمِّ اللّام،
ابن الحافِ بمُهمَلة وفاء، ابن قُضاعة.

٥٠٥
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
كتاب المغازي
وفي سعد هُذَيم طَوائف من العرب، منهم بنو ضِنَّة، بكسرِ المعجَمة ثمَّ نون، وبنو عُدرة
وهي قبيلة كبيرة مشهورة. وهُذَيم الذي نُسِبَ إليه سعد: عبدٌ كان رَبّاه، فنُسِبَ إليه.
وذكر الواقديُّ في القبائل أيضاً أشجَع وأسلَمَ وتَميماً وفَزارة.
قوله: ((معه الرّاية)) أي: راية الأنصار، وكانت راية المهاجِرينَ معَ الزُّبیر، كما سيأتي.
قوله: ((فقال سعد بن عُبَادةَ: يا أبا سُفْيان اليومَ يوم المَلْحَمة)) بالحاءِ المهمَلة، أي: يوم
حرب لا يُوجَد منه تَخَلَصٌ، أو يوم القتل(١)، يقال: لَمَ فلانٌ فلاناً: إذا قتلَه.
قوله: ((اليوم تُستَحلّ الكعبة، فقال أبو سُفْيان: يا عبَّاس حَبَّذًا يومُ الذِّمار)) وكذا وَقَعَ في
هذا الموضع مختصراً، ومُراد سعد بقوله: يوم الملحَمة: يوم المقتَلة العُظمَى، ومُراد أبي
سفيان بقوله: يوم الذُّمار، وهو بكسرِ المعجَمة وتخفيف الميم، أي: الهلاك، قال الخَطّابيُّ:
تَنَّى أبو سفيان أن يكون له يدٌ فيَحمي قومه ويَدفَع عنهم. وقيلَ: المراد: هذا يوم الغضب
للحَريمِ والأهل والانتِصار لهم لمن قَدَر عليه. وقيلَ: المراد: هذا يومٌ يَلزَمك فيه حِفظي
وحِمايتي من أن يَنالني مكروه.
قال ابن إسحاق: زَعَمَ بعض أهل العلم أنَّ سعداً قال: اليوم يوم الملحَمة، اليوم
تُستَحلّ الحُرمة، فسمعَها رجل من المهاجِرينَ، فقال: يا رسول الله،/ ما آمَنُ أن يكون ٩/٨
السَعدٍ في قُرَيش صَولةٌ. فقال لعليٍّ: أدرِكه فخُذِ الرّاية منه، فكُن أنتَ تَدخُل بها. قال ابن
هشام: الرجل المذكور هو عمر. قلت: وفيه بُعد، لأنَّ عمر كان معروفاً بشِدّة البَأس
عليهم. وقد روى الأُمَويّ في ((المغازي)): أنَّ أبا سفيان قال للنبيِّ وََّ لمَّا حاذاه: أُمِرتَ
بقتل قومك؟ قال: ((لا)) فذكر له ما قاله سعد بن عُبَادة، ثمَّ ناشَدَه اللهَ والرَّحِمَ، فقال: ((یا
أبا سفيان اليوم يوم المرحَمة، اليوم يُعِزُّ الله قُرَيشاً)). وأرسَلَ إلى سعد فأخَذَ الرّاية منه فدَفَعَها
إلى ابنه قیس.
وعند ابن عساكر من طريق أبي الزُّبَير عن جابر، قال: لمَّا قال سعد بن عُبَادة ذلك عارَضت
(١) في (س): أي: يوم قتل.

٥٠٦
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
امرأة من قُرَيش (١) رسول الله وَلَةٍ، فقالت:
يانبيَّ الهُدَى إليك لَجا حيُّ قُرَيشٍ ولاتَ حينَ لَجَاءِ
ضٍ وعَادَاهمُ إلهُ السماءِ
حين ضاقَتْ عليهمُ سَعَةُ الآر
إنَّ سعداً يريدُ قاصِمةَ الظَّهْـ ـرِ بِأهلِ الحَجُونِ والبَطْحاءِ
فلمَّا سمعَ هذا الشِّعر دَخَلَته رأفةٌ لهم ورحمةٌ، فأمَرَ بالرّاية فأُخِذَت من سعد، ودُفِعَت إلى
ابنه قیس.
وعند أبي يَعْلى (٦٨٤) من حديث الزُّبَيرِ: أنَّ النبيّ ◌َِّ دَفَعَها إليهِ، فدَخَلَ مَكَّة بلواءَينِ.
وإسناده ضعيف جدّاً. لكن جَزَمَ موسى بن عُقْبة في ((المغازي)) عن الزُّهْرِيِّ: أنَّه دَفَعَها إلى
الزُّبَير بن العَوّام.
فهذه ثلاثة أقوال فيمَن دُفِعَت إليه الرّاية التي نُزِعَت من سعد. والذي يَظهَر في الجمع
أنَّ عليّاً أُرسِلَ بنَزِعِها، وأن يَدخُل بها، ثمَّ خَشِيَ تَغْيُر خاطِرٍ سعد فأمَرَ بدَفعِها لابنِهِ قيس، ثمَّ
إنَّ سعداً خَشِيَ أن يقع من ابنه شيء يُنْكِرِه النبيّ ◌َّهِ، فسألَ النبيَّ ◌َّ أَن يأخُذَها منه، فحينئذٍ
أَخَذَها الزُّبَير. وهذه القِصّة الأخيرة قد ذكرها البزَّار (٧٣١٦) من حديث أنس بإسنادٍ على
شرط البخاريّ، ولَفظه: كان قيس في مُقدِّمة النبيّ وََّ لِمَّا قَدِمَ مكَّة، فَكَلَّمَ سعدٌ النبيَّ ◌َّل أن
يَصِرِفَه عن الموضع الذي فيه، مَافةَ أن يُقدِم على شيء، فصَرَفَه عن ذلك.
والشِّعر الذي أنشَدَتْه المرأة ذكر الواقديُّ(٢) أنَّه لضِرار بن الخَطّاب الفِهِريّ، وكأنَّه أرسَلَ
به المرأة لتكونَ أبلَغْ في المُعاطَفة عليهم.
وسيأتي في حديث الباب أنَّ أبا سفيان شَكا إلى النبيّ وَِّ ما قال سعد، فقال: ((كَذَبَ
سعدٌ)) أي: أخطاً. وذكر الأُمَويّ في ((المغازي)) أنَّ سعد بن عُبَادة لمَّا قال: اليوم تُستَحلُّ الحُرمة،
(١) نُسِبت هذه الأبيات في غير هذه الرواية إلى ضرار بن الخطاب الفهري، كما سيشير إليه الحافظ قريباً، وقد
جاء كذلك في ((الإصابة)) للحافظ نفسه، في ترجمة ضرار المذكور.
(٢) كلُّ من أورده نسبه إلى ضرار هذا، كالزبير بن بكار وغيره.

٥٠٧
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
كتاب المغازي
اليوم أذَلَّ الله قُرَيشاً، فحاذَى رسولُ اللهِ وََّ أبا سفيان لمَّا مرَّ به، فناداه: يا رسول الله،
أُمِرتَ بقتل قومك؟ - وذكر له قول سعد بن عُبَادة - ثمَّ قال له: أنْشُدُك الله في قومك،
فأنتَ أبَرُّ الناس وأوصَلُهم، فقال: ((يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحَمة، اليوم يُعِزّ الله فيه
قُرَيشاً)) فأرسَلَ إلى سعد، فأخذَ اللّواء من يده فجعله في يد ابنه قیس.
قوله: ((ثُمَّ جاءت كَتيبة، وهي أقلّ الكتائب)) أي: أقلّها عَدَداً، قال عياض: وَقَعَ للجَميعِ
بالقاف، ووَقَعَ في ((الجمع)) للحُميديّ: أجَلّ. بالجيم، وهي أظهَر، ولا يَبعُد صِحّةُ الأولَى
لأَنَّ عَدَد المهاجِرِينَ كان أقلّ من عَدَد غيرهم من القبائل.
قوله: ((وراية النبيّ ◌ََّ مِعَ الزُّبَير بن العَوّام، فلمَّا مَّ رسول الله وَّل بأبي سُفْيان قال: ألم تَعْلم ما
قال سعد بن عُبَادةَ؟)) لم يَكتَفِ أبو سفيان بما دار بينه وبين العبّاس، حتَّى شَكا للنبيِّ وَّه.
قوله: ((فقال: كَذَبَ سعد)) فيه إطلاق الكَذِب على الإخبار بغير ما سيَقَعُ، ولو كان
قائله بناه على غَلَبة ظنِّه وقوّة القَرِينة.
قوله: ((يومٌ يُعظّم الله فيه الكعبة)) يشير إلى ما وَقَعَ من إظهار الإسلام وأذان بلال على
ظَهرها، وغير ذلك ممّا أُزيل عنها ممّا كان فيها من الأصنام ومَحو ما فيها من الصّوَر وغير
ذلك.
قوله: ((ويومٌّ تُكْسَى فيه الكعبة)) قيلَ: إِنَّ قُرَيشاً كانوا يَكسونَ الكعبة في رمضان
فصادَفَ ذلك اليوم، أو المراد باليومِ: الَّمان، كما قال/ يومَ الفتح، فأشارَ النبيّ ◌َ إلى أنَّه ١٠/٨
هو الذي يكسوها في ذلك العام، ووَقَعَ ذلك.
قوله: ((وأمَرَ رسول الله وَّهِ أَن تُركَز رايتُه بالحَجُونِ)) بفتح المهمَلة وضمّ الجيم الخفيفة:
هو مكان معروف بالقُرب من مَقبَرة مگَّة.
قوله: ((قال عُرْوة: فأخبَرَني نافع بن جُبَير بن مُطْعِم، قال: سمعت العبَّاسَ يقول للزُّبَيرِ بن
العَوام: يا أبا عبد الله، هاهنا أمَرَك رسول الله وَّهِ أَن تَركُزَ الرّاية؟)) وهذا السّياق يوهم أنَّ
نافعاً حَضَرَ المقالة المذكورة يوم فتح مگّة، وليس كذلك، فإنَّه لا صُحْبة له، ولكنَّه محمول

٥٠٨
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
عندي على أنَّه سمعَ العَبَّاس يقول للزُّبَيرِ ذلك بعد ذلك في حَجّة اجتَمَعوا فيها، إمّا في
خِلافة عمرَ أو في خلافة عثمان، ويحتمل أن يكون التَّقدير: سمعت العبّاس يقول: قلت
للزُّبَيرِ .. إلى آخره، فخُذِفَت ((قلتُ)).
قوله: ((قال: وأمَرَ رسول الله وََّ)) القائل ذلك هو عُرْوة وهو من بَقيَّة الخبر، وهو ظاهر
الإرسال في الجَميع إلّا في القَدر الذي صَرَّحَ عُرْوة بسماعِه له من نافع بن جُبَير، وأمَّا باقِيه
فيحتمل أن يكون عُرْوة تَلَقّاه عن أبيه، أو عن العبّاس فإنَّه أدرَكَه وهو صغير، أو جمعه مِن
نَقْل جماعة له بأسانيد مُخْتَلِفة، وهو الرّاجِح.
قوله: ((وَأُمَرَ النبيّ وَّهِ يومئذٍ خالد بن الوليد أن يَدخُل من أعلى مكَّة من كَداءٍ)) أي: بالمدِّ
((ودَخَلَ النبيّ وَِّ مِن كُدا)) أي: بالقصرِ، وهذا مخالف للأحاديثِ الصَّحيحة الآتية أنَّ
خالداً دَخَلَ من أسفَل مكَّة والنبيّ وَّ من أعلاها، وكذا جَزَمَ ابن إسحاق: أنَّ خالداً دَخَلَ
من أسفَل ودَخَلَ النبيّ بَّهِ من أعلاها، وضُرِبَت له هناكَ قُبَّة.
وقد ساقَ ذلك موسى بن عُقْبة سياقاً واضحاً، فقال: وبَعَثَ رسول الله وَّهِ الزُّبَير بن
العَوّام على المهاجِرينَ وخيلهم وأمَرَه أن يَدخُل من كَدَاءٍ من أعلى مكَّة، وأمَرَه أن يَغرِز
رايتَه بالحَجُونِ ولا يَبرَحَ حتَّى يأتيَه، وبَعَثَ خالد بن الوليد في قبائل قُضَاعة وسُلَيم
وغيرهم وأمَرَه أن يَدخُل من أسفل مكَّة، وأن يَغرِز رايتَه عند أدنى البيوت، وبَعَثَ سعد
ابن عُبادة في كتيبة الأنصار في مُقدِّمة رسول الله،َّه وأمَرَهم أن يَكُفّوا أيديهم ولا يقاتلوا
إلّا مَن قاتَلَهم.
وعند البيهقيِّ(١) بإسنادٍ حَسَن من حديث ابن عمر قال: لمَّا دَخَلَ رسول الله وَلّ عام
الفتح رأى النِّساء يَلطِمْنَ وجوهَ الخيل بالخُمُرِ، فَتَبَسَّمَ إلى أبي بكر، فقال: ((يا أبا بكر، كيف
قال حسَّان؟)) فأنشده قوله:
(١) في ((دلائل النبوة)) ٦٦/٥، وفي إسناده عبد الله بن عمر العُمَري، وهو ضعيف الحديث، وقد انفرد به،
فکیف یحسُنُ إسنادُه؟!

٥٠٩
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
كتاب المغازي
عَدِمتُ بُنيَّتِي إن لم تَرَوها تُثيرُ النَّفْعَ مَوعِدُها كَدَاءُ
يُنازِعْنَ الأسِنّةَ مُسرَجاتٍ يُلَطِّمُهُنَّ بالْخُمُرِ النِّساءُ
فقال: ((ادخُلُوها من حيثُ قال حسَّان)).
قوله: ((فقُتِلَ من خيل خالد بن الوليد ﴾ يومئذٍ رجلان: حُبَيَش)) بمُهمَلہ ثمَّ موخَّدة ثمَّ
مُعجَمة، وعند ابن إسحاق: بمُعجَمة ونون ثمَّ مُهمَلة، مُصغَّر ((ابن الأشعَر)) وهو لَقَب،
واسمه: خالد بن سعد (١) بن مُنِقِذ بن ربيعة بن أصْرَمَ (٢) الخُزَاعِيّ، وهو أخو أمّ مَعبَد التي
مرَّ بها النبيّ ◌َِّ مُهاجِراً.
وروى البَغَويُّ (٣) والطبرانيُّ (٣٦٠٥) وآخرونَ قِصَّتها من طريق حِزام بن هشام بن
حُبَيش عن أبيه عن جَدّه(٤)، وعند(٥) أحمد (٦): حدَّثنا موسى بن داود حدَّثنا حِزام بن هشام
ابن حُبَيش [عن أبيه]، قال: شَهِدَ جَدّي الفتحَ مع رسول الله ◌ِّ.
قوله: ((وكُرْز)) بضمِّ الكاف وسكون الرّاء بعدها زاي: هو ابن جابر بن حِسْل، بمُهمَلتَينِ،
بكسرٍ ثُمَّ سكون، ابنِ الأَحَبّ، بمُهمَلة مفتوحة وموخَّدة مُشدَّدة، ابنِ حبيب الفِھْريّ،
وكان من رُؤَساء المشركينَ، وهو الذي أغارَ على سَرْحِ النبيّ ◌َّ في غزوة بدر الأولى، ثمَّ
أسلَمَ قديماً، وبَعَثَه النبيّ ◌َ ◌ّه في طلب العُرَنِّينَ.
وذكر ابنُ إسحاق أنَّ هذَينِ الرجلينِ سَلَكا طريقاً فشَذًا عن عسكر خالد، فقَتَلَهما
(١) كذا ذكر الحافظ في نسبه سعداً هنا وفي ((الإصابة)) ٢/ ٢٧، ولم نجد له سلفاً في ذكر هذا الاسم في نسب
حُبيش. وانظر ((أسد الغابة)) ١ / ٤٥١، وانظر ترجمة أخته أم معبد في ((الطبقات)) لابن سعد ٢٨٨/٨.
(٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: أخزم، وفي (ع) إلى: أحمد، والتصويب من ترجمته في ((الإصابة)) ٢٧/٢، وكذا
فيه ١٠٦/١ في ترجمة أكثم بن الجون بن عبد العزى بن منقذ بن ربيعة.
(٣) في ((معجم الصحابة)) (٥٠٥).
(٤) يعني عن قصة حبيش بن خالد، وإلّا فكيف يحدث حبيش ابنه وقد قُتل يوم فتح مكة، ويوضح ذلك
رواية البغوي حيث لم يقل فيها: عن جده.
(٥) تحرف في (س) إلى: وعن.
(٦) في ((العلل ومعرفة الرجال)) له (٥٦٢٠).

٥١٠
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
المشركونَ يومئذٍ. وذكر ابن إسحاق أنَّ أصحاب خالد لَقُوا ناساً من قُرَيش، منهم سُهَيل
ابن عَمْرو وصفوان بن أُميَّة كانوا تَجمَّعوا بالخَنْدَمة - بالخاءِ المعجمة والنُّون: مكان أسفَل
١١/٨ مكَّة - ليقاتلوا المسلمينَ، فناوَشُوهم / شيئاً من القتال، فقُتِلَ من خيل خالد سلمة(١) بن
الميلاء الجُهَنيّ، وقُتِلَ من المشركينَ اثنا عشر رجلاً أو ثلاثة عشر وانهزَموا، وفي ذلك يقول
حِماسُ بن قيس بن خالد البَكْريّ - قال ابن هشام: ويقال: هي للمرعاش(٢) الهُذَلِيّ -
يُخَاطِب امرأته حين لامَته على الفِرار من المسلمينَ:
إِنَّكِ لوشَهِدْت يوم الحَندَمَهْ إذفرَّ صفوانُ وفَرَّ عِكْرمَهْ
واستَقبَلَتنا بالسُّيوفِ المسلِمَهْ يَقطَعنَ كلَّ ساعِدٍ وجُجُمَهْ
ضَرْباً فلا يُسمَعُ إلّا غَمْغَمَهْ لم تَنطِقِي فِي اللّوْمِ أدَنَى كَلِمَهْ
وعند موسى بن عُقْبة: واندَفَعَ خالد بن الوليد حتَّى دَخَلَ من أسفَلِ مَّة، وقد تَجَمَّعَ بها
بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مَناة وناس من هُذَيل، ومن الأحابيش الذينَ استَنْصَرَت بهم
قُرَيش، فقاتَلوا خالداً، فقاتَلَهم، فانهزَموا، وقُتِلَ من بني بَكر نَحوُ عشرينَ رجلاً، ومن
هُذَيل ثلاثة أو أربعة، حتَّى انتَهَى بهم القتل إلى الحَزْوَرة إلى باب المسجد، حتَّى دخلوا في الدّور،
وارتَفَعَت طائفة منهم على الجبال، وصاحَ أبو سفيان: مَن أغلَقَ بابه وكَفَّ يدَه فهو آمِن، قال:
ونَظَر رسول الله وَّ إلى البارِقة، فقال: ((ما هذا، وقد نَهيتُ عن القتال؟!)) فقالوا: نَظُنّ أنَّ خالداً
قُوتِلَ ويُدِىَ بالقتال، فلم يكن له بُدُّمن أن يقاتل، ثمَّ قال: وقال رسول اللهوَلّه بعد أن اطمأنَّ
لخالدِ بن الوليد: «لمَ قاتَلتَ وقد نَهيتُك عن القتال؟» فقال: هم بَدَؤونا بالقتال ووَضَعوا فينا
السِّلاح، وقد كَفَفت يَدي ما استَطَعتُ، فقال: ((قضاء الله خير)).
وذكر ابن سعد أنَّ عِدّة مَن أُصيبَ من الكفَّار أربعة وعشرونَ رجلاً، ومن هُذَيل خاصّة
أربعة. وقيلَ: مجموع مَن قُتِلَ منهم ثلاثة عشرَ رجلاً.
(١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: مسلمة، والتصويب من ترجمته في ((الإصابة)) ١٥٤/٣.
(٢) كذا في الأصلين و(س)، وفي مطبوع ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٤٠٧: للرعاش الهذلي.

٥١١
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
كتاب المغازي
وروى الطبرانيُّ (١١٠٠٣) من حديث ابنِ عبَّاس قال: خَطَبَ رسول الله وَ لَه فقال:
((إنَّ الله حَرَّمَ مكَّة)) الحديث، فقيلَ له: هذا خالد بن الوليد يَقتُل، فقال: ((قُم يا فلان فقُل له
فليَرفَعِ القتلَ)) فأتاه الرجل، فقال له: إنَّ نبيّ الله يقول لك: اقتُل مَن قَدَرت عليه. فَقَتَلَ
سبعينَ، ثمَّ اعتَذَرَ الرجلُ إليهِ، فسَكَتَ.
قال(١): وقد كان رسول الله وَل﴿ أَمَرَ أُمَراءَه أن لا يَقتُلوا إلّا مَن قاتَلَهم، غير أنَّه أهدَرَ
دَمَ نَفَرٍ سَمّاهم.
وقد جمعت أسماءَهم من مُفرَّقات الأخبار وهم: عبد العُزَّى بن خَطَلٍ، وعبد الله بن
سعد بن أبي سَرْحِ، وعِكْرمة بن أبي جهل، والحوَيرِث بن نُقَيد، بنونٍ وقافٍ مُصغَّر،
ومِقْيَسُ بن صُبَابة، بمُهمَلةٍ مضمومة وموخَّدتَينِ الأولَى خفيفة، وهَبّار بن الأسوَد، وقَيْتَتَان
كانتا لابنٍ خَطَل، كانتا تُغَنَّانِ بَهَجْوِ النبيّ ◌َّهِ وسارة مولاة بني المطَّلِب، وهي التي وُجِدَ
معها کتاب حاطب.
فأمَّا ابنُ أبي سَرح فكان أسلَمَ، ثمَّ ارتَدَّ ثمَّ شَفَعَ فيه عثمان يوم الفتح إلى النبيّ
صَلَى اللّهـ
فحَقَنَ دَمَه وقبل إسلامه.
وأمَّا عِكْرمة ففَرَّ إلى اليمن، فتَبِعَتْه امرأته أمّ حَكيم بنتِ الحارث بن هشام، فَرَجَعَ معها
بأمانٍ من رسول الله ◌ّله.
وأمَّا الْحُوَيرِث فكان شديد الأذَى لرسولِ الله وَّل بمكَّة، فقَتَلَه عليّ يوم الفتح.
وأمَّا مِقْيَس بن صُبابة فكان أسلَمَ، ثمَّ عَدا على رجل من الأنصار فقَتَلَه، وكان
الأنصاريّ قتل أخاه هشاماً خطأً، فجاء مِقْيَس فأخَذَ الدّية، ثمَّ قتل الأنصاريّ، ثمَّ ارتَدَّ،
فقَتَلَه نُمَيلة بن عبد الله يوم الفتح.
وأمَّا هَبّارٌ فكان شديد الأذى للمسلمين، وعَرَضَ لزينبَ بنتِ رسول الله وَّ لمَّا
هاجَرَت، فَنَخَسَ بها(٢) فَأَسقَطَت، ولم يزل ذلك المرض بها حتَّى ماتت، فلمَّا كان يوم
(١) هكذا أطلق الحافظُ القولَ ولم يبيّن القائل، وإنما هو ابنُ إسحاق كما في ((سيرة ابن هشام)» ٤٠٩/٢.
(٢) في (س): بعيرها. والمثبت من الأصلين يوافق ما في ((طبقات ابن سعد)) نقلاً عن الواقدي والمعنى واحد.

٥١٢
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
الفتح بعد أن أهدَرَ النبيّ ◌َِّ دَمَه أعلَنَ بالإسلام، فقبلَ منه، فعَفا عنه.
وأمَّا القَينَتَان فاسمُهما فَرْتَنِى وَقُرَيبة (١)، فاستُؤْمِن لإحداهما فأسلَمَت، وقُتِلَت الأُخرى.
وأمَّا سارة فأسلَمَت وعاشَت إلى خلافة عمر. وقال الحميديّ: بل قُتِلَت.
وذكر أبو مَعشَر فيمَن أُهْدِرَ دَمُه الحارث بن طُلاطِل الخُزَاعيّ، قتله عليّ.
وذَكَر غير ابنٍ إسحاق أنَّ فَرْتَنى هيَ الَّتي أسلَمَت، وأنَّ قُرَيبة قُتِلَت.
١٢/٨
وذكر الحاكم أيضاً (٥٧٩/٣) مَّن أُهدِرَ دَمُه كعب بن زُهَير، وقِصَّته مشهورة، وقد
جاء بعد ذلك وأسلَمَ ومَدَحَ.
ووَحْشِيّ بن حَرْب، وقد تقدَّم شأنه في غزوة أُحُد (٤٠٧٢). وهِند بنت عُتبةَ امرأة أبي
سفيان، وقد أسلَمَت. وأرنَبُ مولاة ابنِ خَطَلِ أيضاً قُتِلَت. وأُمّ سعد قُتِلَت، فيما ذكر ابنٍ
إسحاق، فگمُلَت العِدّة ثمانية رجال وستّ نِسوة.
ويحتمل أن تكونُ أرنَبُ وأُمّ سَعْد هما القَينَتَان، اختُلِفَ في اسمهما، أو باعتبار الكُنية
واللَّقَب.
قلت: وسيأتي في حديث أنسٍ في هذا الباب(٢) ذِكْر ابنٍ خَطَل.
وروى أحمد (١٠٩٤٨)، ومسلم (١٧٨٠) والنَّسائيُّ (ك١١٢٣٤) من طريق عبد الله بن
رَباح عن أبي هريرة قال: أقبَلَ رسول الله وَلِّ، وقد بَعَثَ على إحدى المُجَنِّتَين(٣) خالد
ابن الوليد، وبَعَثَ الزُّبَير على الأُخرى، وبَعَثَ أبا عبيدة على الحُسَّرِ - بضمِّ المهمَلة وتشديد
السّين المهمَلة، أي: الذينَ بغير سلاح - فقال لي: ((يا أبا هريرة اهتِف لي بالأنصار)» فهَتَفَ
بهم، فجاؤوا، فأطافوا به، فقال لهم: ((أترَونَ إلى أوباش قُرَيش وأتباعهم؟)) ثمَّ قال بإحدى
يَدَيه على الأُخرى ((احصُدوهم حَصداً حتَّى توافوني بالصَّفا)) قال أبو هريرة: فانطَلَقنا فما
(١) تصحفت في (س) إلى: قرينة. وضبط اسمَها الفيومي في ((المصباح)) في مادة ((قين)).
(٢) هو الحديث (٤٢٨٦).
(٣) تحرفت في (س) إلى: الجنبتين.

٥١٣
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
كتاب المغازي
نَشاء أن نَقتُل أحداً منهم إلّا قتلناه، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أُبيحَت خَضْراء
قُرَيش، لا قُرَيش بعد اليوم، قال: فقال رسول الله وَّهِ: ((مَن أغلَقَ بابَه فهو آمِن)) وقد
تَسَّك بهذه القِصّة مَن قال: إنَّ مكَّة فُتِحَت عَنوة، وهو قول الأكثر.
وعن الشّافعيّ ورواية عن أحمد أنَّهَا فُتِحَت صُلحاً لمَّا وَقَعَ هذا التَّأمين، ولإضافة الدّور إلى
أهلها، ولأنَّها لم تُقسَم، ولأنَّ الغانمينَ لم يَمِلِكوا دُورها، وإلّا لَجَازَ إخراج أهل الدُّور منها.
وحُجّة الأوَّلينَ: ما وَقَعَ من التَّصريح من الأمر بالقتال، ووقوعه من خالد بن الوليد،
وبتصريحِهِ وَ لَه بأنَّهَا أُحِلَّت ساعةً من نهار، وتَهيه عن التَّأْسّي به في ذلك. وأجابوا عن تَرك
القسمة بأنَّها لا تَستَلِزِم عَدَم العَنوة، فقد تُفتَح البَلَد عَنوة ويُمَنُّ على أهلها وتُتْرَكُ لهم
دورُهم وغَنائمُهم، لأنَّ قِسمة الأرض المغنومة ليست مُتَّفَقاً عليها، بل الخِلاف ثابت عن
الصَّحابة فمَن بعدهم، وقد فُتِحَت أكثَر البلاد عَنوة فلم تُقْسَم، وذلك في زمن عمر
وعثمان معَ وُجود أكثَرِ الصَّحابة، وقد زادَت مكَّة عن ذلك بأمرٍ يُمكِن أن يُدَّعَى اختصاصها
به دون بَقيَّة البلاد، وهي أنَّها دارُ النُّسُك ومُتَعَبَّد الخلق، وقد جعلها الله تعالى حَرَماً سواء
العاکِفُ فيه والبَادِ.
وأمَّا قول النَّوَويّ: احتَجَّ الشّافعيّ بالأحاديثِ المشهورة بأنَّ النبيّ وَّ صالَحَهم بمَرِّ
الظَّهران قبل دُخول مكَّة، ففيه نظر، لأنَّ الذي أشارَ إليه إن كان مُراده ما وَقَعَ له من قوله ◌َّ.
((مَن دَخَلَ دارَ أبي سفيان فهو آمِن)) كما تقدَّم وكذا ((مَن دَخَلَ المسجد)) كما عند ابنِ
إسحاق، فإنَّ ذلك لا يُسَمَّى صُلْحاً، إلّا إذا التَزَمَ مَن أُشير إليه بذلك الكَفَّ عن القتال،
والذي وَرَدَ في الأحاديث الصَّحيحة ظاهرٌ في أنَّ قُرَيشاً لم يَلْتَزِموا ذلك لأنَّهم استعدّوا
للحرب، كما ثَبَتَ في حديث أبي هريرة عند مسلم (١٧٨٠): أنَّ قُرَيشاً وبَّشَت أوباشاً لها
وأتباعاً، فقالوا: نُقَدّم هؤلاءٍ، فإن كان لهم شيء كنّا معهم، وإن أُصيبوا أعطينا الذي
سُئلنا(١)، فقال النبيّ وَّ: «أترَونَ أوباش قُرَيش؟» ثمَّ قال بإحدى يَدَيه على الأُخرى، أي:
(١) تحرفت العبارة في (س) إلى: أعطيناه الذين سألنا.

٥١٤
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
((احصُدوهم حَصداً حتَّى توافوني على الصَّفا)). قال: فانطَلَقنا فما نَشاء أن نَقتُل أحداً إلّا
قتلناه. وإن كان مُراده بالصُلحِ وقوع عَقد به، فهذا لم يُنقَل، ولا أظنُّه عَنَى إلّ الاحتمال
الأوّل، وفيه ما ذكرته.
وتَسَّك أيضاً مَن قال: إنَّه أمَّنهم(١)، بما وَقَعَ عند ابنِ إسحاق في سياق قِصّة الفتح:
فقال العبّاس: لعلّي أجِد بعض الخَطّابة أو صاحب لبَنٍ أو ذا حاجة، يأتي مكَّة فيُخبرهم
بمكان رسول الله وَليّ، ليَخرُجوا إليه فيَستأمِنوه قبل أن يَدخُلَها عَنوة. ثمَّ قال في القِصّة
بعد قِصّة أبي سفيان: ((مَن دَخَلَ دارَ أبي سفيان فهو آمِن، ومَن أغلَقَ عليه بابَه فهو آمِن،
ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن)) فتَفرَّقَ الناس إلى دورهم وإلى المسجد(٢).
وعند موسى بن عُقْبة في ((المغازي)) - وهي أصحُّ ما صُنَِّ في ذلك عند الجماعة ــ ما
١٣/٨ نَصّه: أنَّ أبا سفيان وحكيم بن حِزام قالا:/ يا رسول الله، كنت حَقيقاً أن تجعل عُدَّتك
وكَيدك لهوازن، فإنَّهم أبعَدُ رَحِماً وأشدُّ عَداوة، فقال: ((إنّي لَأرجو أن يجمعَهما اللهُ لي: فتحَ
مكَّة وإعزاز الإسلام بها، وهَزيمة هَوازِن وغَنيمة أموالهم)) فقال أبو سفيان وحَكيم: فادعُ
الناس بالأمان، أرأيت إن اعتَزَلَت قُرَيش فَكَفَّت أيديها، آمِنونَ هم؟ قال: ((مَن كَفَّ يدَه
وأغلَقَ دارَه فهو آمِن)) قالوا: فابعَثنا نُؤَذِّن بذلك فيهم، قال: ((انطَلِقوا، فمَن دَخَلَ دارَ أبي
سفيان فهو آمِن، ومَن دَخَلَ دارَ حَکیم فهو آمِن)» ودار أبي سفيان بأعلى مكَّة ودار حَكیم
بأسفَلِها. فلمَّا تَوَجَّها قال العَبَّاس: يا رسول الله، إنّ لا آمَنُ أبا سفيان أن يَرتَدٌ، فُرُدَّه حتَّى
تُريه جنود الله. قال: ((افعَل)) فذكر القِصّة. وفي ذلك تصريح بعُموم التَّأمين، فكان هذا
أماناً منه لكلِّ مَن لم يقاتل من أهل مكَّة.
فمن ثَمَّ قال الشّافعيّ: كانت مكَّة مأمونة، ولم يكن فتحُها عَنوةً، والأمان كالصُّلح.
وأمَّا الذينَ تَعرَّضوا للقتال أو الذينَ استُثنوا من الأمان، وأمَرَ أن يُقتَلوا ولو تَعلَّقوا بأستار
الكعبة، فلا يَستَلِزِم ذلك أنَّهَا فُتِحَت عَنْوة.
(١) تحرف في (س) إلى: مبهم.
(٢) قوله: ((ومن دخل المسجد ... )) إلى آخره سقط من (س).

٥١٥
باب ٤٧ / ح ٤٢٨١
كتاب المغازي
ويُمكِن الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره وَ له بالقتال، وبين حديث الباب في تأمينه وَل
لهم: بأن يكون التَّأمين عُلِّقَ بشرطٍ، وهو تَرك قُريش المجاهَرةَ بالقتال، فلمَّا تَفرَّقوا إلى دُورهم،
ورَضوا بالتَّأمينِ المذكور، لم يَسْتَلِم أنَّ أوباشهم الذينَ لم يقبلوا ذلك، وقاتلوا خالد بن الوليد
ومَن معه فقاتَلَهم حتَّى قتلهم وهَزَمَهم، أن تكون البلد فُتِحَت عَنْوة، لأنَّ العِبرة بالأُصولِ لا
بالأتباع، وبالأكثرِ لا بالأقلّ، ولا خِلاف معَ ذلك أنَّه لم يَجر فيها فَسمُ غَنيمة ولا سَبْيٌ من
أهلها مَمَّن باشَرَ القتال أحدٌ، وهو ممّا يُؤْيِّد قول مَن قال: لم يكن فتحها عَنوة.
وعند أبي داود (٣٠٢٣) بإسنادٍ حَسَن عن جابر أنَّ سُئِلَ: هل غَنِمتُم يوم الفتح شيئاً؟
قال: لا.
وجَنَحَت طائفة - منهم الماوَرْديّ - إلى أنَّ بعضها فُتِحَ عَنوة، لمَا وَقَعَ من قِصّة خالد
ابن الوليد المذكورة، وقَرَّرَ ذلك الحاكم في ((الإکلیل)).
والحقّ أنَّ صورة فتحِها كان عَنوة، ومُعامَلة أهلها مُعامَلة مَن دُخِلتْ بأمانٍ.
ومَنَعَ جمعٌ منهم السُّهَيلِيّ تَرَتُّب عَدَم قِسمَتها وجواز بيع دورها وإجارَتها على أنَّهَا
فُتِحَت صُلحاً. أمَّا أوّلاً، فلأنَّ الإمام مُخُيَّر في قِسمة الأرض بين الغانمينَ إذا انتُزِعَت من
الكفَّار وبين إبقائها وقفاً على المسلمينَ، ولا يَلزَم من ذلك مَنع بيع الدّور وإجارَتها. وأمَّا
ثانياً، فقال بعضهم: لا تَدخُل الأرض في حُكم الأموال، لأنَّ مَن مضى كانوا إذا غَلَبوا على
الكفَّار لم يَغْنَموا الأموالَ، فَتَنزِل النار فتأكُلها، وتَصير الأرض عُموماً لهم، كما قال الله
تعالى: ﴿آدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَتِ كَنَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٢١]، وقال: ﴿وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ
الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٧]، والمسألة
مشهورة فلا نُطیل بها هنا، وقد تقدّم کثیر من مباحث دُورٍ مگَّة في «باب توریث دُورٍ مگَّة»
من كتاب الحجّ (١٥٨٨).
٤٢٨١- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن معاويةَ بنِ قُرّةَ، قال: سمعتُ عبد الله بنَ
مُغَفَّلٍ يقول: رأيتُ رسولَ الله ◌ِّهِ يومَ فتْح مكَّةَ على ناقَتِهِ، وهو يقرأ سورةَ الفتحِ يُرجِّعُ، وقال:

٥١٦
باب ٤٧ / ح ٤٢٨١ -٤٢٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
لولا أن يَجِتَمِعَ الناسُ حَوْلِي لَرَجَّعْتُ كما رَجَّعَ.
[أطرافه في: ٤٨٣٥، ٥٠٣٤، ٥٠٤٧، ٧٥٤٠]
٤٢٨٢- حدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، حدَّثنا سعدانُ بنُ يحيى، حدَّثني محمَّدُ بنُ أبي حفصةَ،
عن الزّهْريِّ، عن عليٍّ بنِ حُسَين، عن عَمْرِو بنِ عثمانَ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ: أنَّه قال زمنَ الفتحِ:
يا رسولَ الله، أينَ تَنزِلُ غَداً؟ قال النبيُّ ◌َّهِ: ((وهَلْ تَرَكَ لنا عَقِيلٌ من مَنزِلٍ».
٤٢٨٣ - ثمَّ قال: ((لا يَرِثُ المؤمنُ الكافرَ، ولا يَرِثُ الكافرُ المؤمنَ)).
١٤/٨
قبل للزُّهْريِّ: مَن وَرِثَ أبا طالبٍ؟ قال: وَرِثَه عَقِيلٌ وطالبٌ.
قال مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ: أين تَنزِلُ غَداً؟ في حَجَّتِهِ.
ولم يَقُل يونسُ: حَجَّتَه، ولا زمنَ الفتحِ.
٤٢٨٤ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ
وَُّ، قال عن النبيّ ◌َّ: ((مَنْزِلُنا إن شاء الله إذا فتَحَ الله الخَيفُ، حيثُ تَقاسَمُوا على الكُفْرِ)).
٤٢٨٥- حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهیمُ بنُ سعدٍ، أخبرنا ابنُ شِهاب، عن أبي
سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال رسولُ الله ◌ِِّ حِينَ أرادَ حُنَيناً: ((مَنزِلُنَا غَداً إن شاء الله
بِخَيفٍ بني كِنانةَ، حيثُ تَقَاسَموا على الكُفْرِ)).
ثم ذكر المصنف في الباب بعد هذا الحديث ستة أحاديث:
الحديث الأول:
قوله: ((حدَّثنا أبو الوليد)) كذا في الأُصول، وزَعَمَ خَلَف أنَّه وَقَعَ بَدَلَه سليمان بن حَرْب.
قوله: «عن معاوية بن قُرّة» في رواية حَجّاج بن منهال عن شُعْبة: أخبرنا أبو إياس. أخرجه
في فضائل القرآن (٥٠٣٤). وأبو إياس: هو معاوية بن قُرّة.
قوله: ((وهو يقرأ سورة الفتح)) زاد في رواية آدَم عن شُعْبة في فضائل القرآن (٥٠٤٧):
قراءة لَيِّنة.
قوله: ((يُرجِّع)) بتشديد الجيم، والتَّرجيع: تَرديد القارئ الحرفَ في الحلق.

٥١٧
باب ٤٧ / ح ٤٢٨١-٤٢٨٥
كتاب المغازي
قوله: ((وقال: لولا أن يَجتَمِعَ الناس)) القائل: هو معاوية بن قُرّة راوي الحديث، بيَّن
ذلك مسلم بن إبراهيم في روايته لهذا الحديث عن شُعْبة، وهو في تفسير سورة الفتح
(٤٨٣٥)، وفي أواخر التوحيد (٧٥٤٠) من رواية شَبَابة عن شُعْبة في هذا الحديث نحوُه
وأتمُّ منه، ولَفظه: ثمَّ قرأ معاوية يَحْكي قراءة ابن مُغَفَّل، وقال: لولا أن يَجتَمِع الناس
عليكُمْ لَرَجَّعتُ كما رَجَّعَ ابن مُغَفَّل، يَحْكِي النبيَّ ◌َّ. فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعُه؟
قال: آآآ، ثلاث مرّات. وللحاكم في ((الإكليل)) من رواية وَهْب بن جَرِير عن شُعْبة:
لَقرأت بذلك اللَّحن الذي قرأ به النبيّ ◌َّ(١).
الحديث الثاني:
قوله: ((حدَّثنا سليمان بن عبد الرَّحمن)) هو المعروف بابنٍ بنت شُرَ حبيل. وسَعْدان بن
يحيى: هو سعيد بن يحيى بن صالح اللَّخْمَيّ أبو يحيى الكوفيّ، نَزيل دِمَشق، وسَعْدان لَقَبُه، وهو
صَدوق. وأشارَ الدّارَ قُطنيُّ إلى لِينِهِ. وما له في البخاريّ سِوَى هذا الموضع. وشیخه محمّد بن أبي
حفصة، واسم أبي حفصة: مَيَسَرة، بصريّ يُكْنى أبا سَلَمَةَ، صَدوق، ضَعَّفَه النَّسائيّ. وما له في
البخاريّ سِوَى هذا الحديث، وآخرَ في الحجّ (١٥٩٢)، قَرَنَه فيه بغيره.
قوله: ((أَنَّه قال زمن الفتح: يا رسول الله، أينَ تَنزِلُ غَداً؟)) تقدَّم شرحه مُستَوقَى في ((باب
توریث دور مگَّة)) من كتاب الحجّ (١٥٨٨).
قوله: ((قيلَ للزُّهْرِيِّ: مَن ورِثَ أبا طالب؟)) السائلُ عن ذلك لم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((ورِثَه عَقِيل وطالب)) تقدَّم في الحجّ من رواية يونس عن الزُّهْريّ بلفظ: وكان
عَقِيل ورِثَ أبا طالب هو وطالبٌ، ولم يَرِث جعفر ولا عليّ شيئاً لأنَّهما كانا مسلمَينٍ، وكان
عَقیل وطالب کافرینٍ، انتھی.
وهذا يدلُّ على تَقَدُّم هذا الحُكم في أوائل الإسلام، لأنَّ أبا طالب ماتَ قبل الهجرة.
ويحتمل أن تكون الهجرة لمَّا وقَعت استَولَى عَقيل وطالب على ما خَلَّفَه أبو طالب، وكان
(١) وأخرجه البيهقي في ((السنن)) ٢٢٩/١٠ عن الحاكم من هذا الطريق.

٥١٨
باب ٤٧ / ح ٤٢٨١-٤٢٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
١٥/٨ أبو طالب قد وَضَعَ يده على ما خَلّفَه عبد الله والد النبيّ وَِّ، لأنَّه/ كان شَقِيقَه، وكان
النبيّ ◌ِقَّهِ عند أبي طالب بعد موت جَدّه عبد المطَّلِب، فلمَّا ماتَ أبو طالب ثمَّ وقَعَت الهجرة،
ولم يُسلِمِ طالبٌ، وتأخَّرَ إسلام عَقِيل استَولَيا على ما خَلّفَ أبو طالب، وماتَ طالب قبل بدر
وتأخَّرَ عَقِيل، فلمَّا تَقرَّرَ حُكم الإسلام بتَركِ توريث المسلم من الكافر استَمرَّ ذلك بيَدِ
عَقيل، فأشارَ النبيّ ◌َّ إلى ذلك، وكان عَقيل قد باعَ تلكَ الدُّور كلّها.
واختُلِفَ في تقرير النبيّ ◌ِ ◌َ عَقيلاً على ما يَخُصّه هو، فقيل: تَرَكَ له ذلك تَفَضُّلاً عليه،
وقيل: استمالةً له وتأليفاً، وقيل: تصحيحاً لتَصَرُّفات الجاهليَّة، كما تُصَحَّح أنكِحَتُهم.
وفي قوله: ((وهل تَرَكَ لنا عَقيل من دار (١)) إشارة إلى أنَّه لو تَرَكَها بغير بيع لَنزِلَ فيها،
وفيه تَعقُّب على الخَطّابِيّ حيثُ قال: إنَّما لم يَنْزِل النبيّ ◌َّه فيها، لأنَّها دور هَجَروها في الله
تعالى بالهجرة، فلم يَرَ أن يَرجِع في شيء تَرَكَه لله تعالى. وفي كلامه نظر لا يَخْفَى، والأظھَر
ما قَدَّمتُه، وأنَّ الذي يَخْتَصّ بالتَركِ إِنَّما هو إقامة المهاجِر في البَلَدِ الَّتي هاجَرَ منها، كما تقدَّم
تقريره في أبواب الهجرة (٣٩٣٣)، لا يُجَرَّد نزوله في دار يَملِكها إذا أقامَ المدّة المأذون له
فيها، وهي أيام النُّسُك وثلاثة أيام بعده، والله أعلم.
قوله: ((وقال مَعمَر عن الزُّهْريِّ) أي: بالإسناد المذكور («أين تَنزِل غَداً؟ في حَجَّتِه»
طريق مَعمَر تقدَّمت موصولة في الجهاد (٣٠٥٨).
قوله: ((ولم يَقُل يونس)) أي: ابن يزيد ((حَجَّته، ولا زمن الفتح)) أي: سَكَتَ عن ذلك، وبَقيَ
الاختلاف بين ابن أبي حفصة ومَعمَر، ومعمرٌ أوثَق وأتقَن من محمَّد بن أبي حفصة.
الحديث الثالث:
قوله: ((عن عبد الرَّحمن)) هو الأعرج.
قوله: ((مَنزِلنا إن شاء الله)) هو للتَّبَرُّكِ.
(١) قوله: ((من دار)) تصرّفٌ من الحافظ رحمه الله تعالى، وإلّا لم يُخْتَلَف في أنَّ الرواية هنا: ((من منزل)) كما في
اليونينية و(إرشاد الساري))، ولكن سلف في النكاح (١٥٨٨) من رواية يونس عن ابن شهاب بلفظ:
«من رباع أو دور)).

٥١٩
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٦-٤٢٨٧
كتاب المغازي
قوله: ((إذا فتح الله الخيف)) هو بالرَّفع، وهو مُبتَدَأْ خَبَرَه ((مَنزِلنا))، وليس هو مفعول ((فتح)).
والخيف: ما انحَدَرَ عن غِلَظ الجبل، وارتَفَعَ عن مَسيل الماء.
قوله: ((حيثُ تَقاسَموا)) يَعني قُرَيشاً ((على الكفر)) أي: لمَّا تحالَفتْ(١) قُرَيش أن لا يُبابِعوا
بني هاشم ولا يُناكِحوهم ولا يُؤووهم، وحَصَروهم في الشِّعب، وتقدَّم بيان ذلك في المبعَث،
وتقدَّم أيضاً شرحه في ((باب نزولِ النبيّ ◌َّ بمكّة)) من كتاب الحجّ (١٥٨٩).
قوله في الطريق الثانية: ((قال رسول الله (وَّ﴿ حين أرادَ حُنَيناً)) أي: في غزوة الفتح، لأنَّ
غزوة حُنَينٍ عَقِب غزوة الفتح، وقد تقدَّم في الباب المذكورِ في الحجِّ من رواية شُعَيبٍ عن
الزُّهْريِّ، بلفظ: حين أراد قُدوم مكَّة. ولا مُغايرة بين الرِّوايتَينِ بطريق الجمع المذكور، لكن
ذكره هناكَ أيضاً من رواية الأوزاعيِّ عن الزُّهْريِّ بلفظ: قال وهو بمِنى: «نحنُ نازِلونَ
غَداً بخيفٍ بني كِنانة)) وهذا يدلُّ على أنَّه قال ذلك في حَجَّته، لا في غزوة الفتح، فهو شَبيه
بالحديث الذي قبله في الاختلاف في ذلك. ويحتمل التعدُّد، والله أعلم.
قيلَ: إِنَّما اختارَ النبيّ ◌َّ الُّزول في ذلك الموضع ليَتَذَگَّر ما كانوا فيه، فيَشكُر الله تعالى
على ما أنعَمَ به عليه من الفتح العظيم، وتمكُّنهم من دُخول مكَّة ظاهراً على رَغم أنف مَن
سَعَى في إخراجه منها، ومُبالَغة في الصَّفْحِ عن الذينَ أساؤوا، ومُقَابَلَتهم بالمنِّ والإحسان،
ذلك فضل الله يُؤتیه مَن يَشاء.
٤٢٨٦ - حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعَةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ
النبيَّ وَّلَ دَخَلَ مَكَّةَ يومَ الفتحِ، وعلى رأسِه المِغْفَرُ، فلمَّا نَزَعَه جاء رجلٌ، فقال: ابنُ خَطَلِ مُتعلِّقٌ
بأستار الكعبةِ، فقال: ((اقتُلْه)).
قال مالكٌ: ولم يكنِ النبيُّنَّه فيما نُرَى - والله أعلم - يومَئذٍ مُحرِماً.
٤٢٨٧- حدَّثْنَا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ، عن
أبي مَعمَر، عن عبدِ اللهِ عَُّ، قال: دَخَلَ النبيُّ ◌َّهِ مِكَّةَ يومَ الفتحِ، وحَوْلَ البيتِ سِتّونَ وثلاثُ
(١) تحرفت في (س) إلى: تحالف.

٥٢٠
باب ٤٧ / ح ٤٢٨٦-٤٢٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
١٦/٨ مئةِ نُصُبٍ، فجَعَلَ / يَطْعُنُها بعُودٍ في يدِه، ويقول: (﴿جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ ﴾ ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا
يُبْدِئُ الْبَطِلُ وَمَايُعِيدُ﴾)».
٤٢٨٨- حدَّثني إسحاقُ، حدَّثنا عبدُ الصَّمَد، قال: حدَّثني أبي، حدَّثنا أيوبُ، عن
عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِوَهِ لمَّا قَدِمَ مكَّةَ أَبَى أن يَدخُلَ البيتَ
وفيه الآلهةُ، فأمَرَ بها فأُخرِ جَتْ، فَأُخرِجَ صورةُ إبراهيمَ وإسماعيلَ في أيدِيهما مِن الأزْلامِ، فقال
النبيُّ وَّ: «قاتَلهمُ الله، لقد عَلِموا ما استَقْسَما بها قَطُ)) ثمَّ دَخَلَ البيتَ فكبَّ في نواحي البيتِ،
وخرج، ولم يُصَلِّ فیه.
تابَعَه مَعمَرٌ، عن أيوبَ.
وقال وُهَيبٌ: حدّثنا أيوبُ، عن عِكْرمةَ، عن النبيِّ ◌ِل.
الحديث الرابع:
قوله: ((يحيى بن قَزَعة)) بفتح القاف والزّاي بعدها مُهمَلة.
قوله: ((عن ابن شهاب)) في رواية يحيى بن عبد الحميد عن مالك: حدَّثني ابن شِهاب.
أخرجه الدّارَ قُطنيّ(١). وفي رواية أحمد (١٣٤٣٦) عن أبي أحمد الزّبَيريّ عن مالك عن ابن
شِهاب: أنَّ أنس بن مالك أخبَرَه(٢).
قوله: ((المِغْفَر)) في رواية أبي عبيد القاسم بن سَلّام(٣) عن يحيى بن بُكَير عن مالك: مِغْفَر
من حَديد. قال الدّارَ قُطنيُّ: تفرَّد به أبو عُبيد. وهو في ((الموطَّ)) ليحيى بن بُكَير مِثل الجماعة،
ورواه عن مالك جماعة من أصحابه خارج ((الموطَّا)) بلفظ: مِغفَر من حَديد. ثمَّ ساقَه من
رواية عشرة عن مالك كذلك، وكذلك هو عند ابن عَديّ (١٨٣/٤) من رواية أبي أويس
(١) الظاهر أنه في ((الموطآت)) له، كما يشير إليه كلامه، ولم نقف عليه مطبوعاً. وعند مسلم (١٣٥٧) من
رواية يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: قلتُ لمالك: أحدثك ابن شهاب ... ؟ وذكر الحديث، فقال
مالكٌ: نعم.
(٢) وعند أحمد أيضاً (١٢٦٨١) عن عبد الرزاق عن مالك عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك.
(٣) أخرجه في «الأموال)» (٢٩٧) و(٣٥١).