النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ باب ٤٣ / ح ٤٢٦٢- ٤٢٦٣ كتاب المغازي قوله: ((وأنا أطَّلِعُ من صائرِ الباب، تعني: من شَقِّ الباب)) ووَقَعَ في رواية القابِيِّ: من صائرِ الباب بشِقٌّ الباب، وللنَّسَفيّ: شِقّ بغير موخَّدةٍ، والأوَّل أصوَبُ هنا. وشقّ، بالكسرِ وبالفتح أيضاً، يقال: بالفتح: هو الموضعُ الذي يُنظَرُ منه كالكُوّة، وبالكسرِ: الناحية. وهذه الرِّوايةُ تَدُلُّ على أنَّ في الرِّواية التي تقدَّمت في الجنائز (١٢٩٩) بلفظ: من صائرِ الباب شقّ الباب؛ إدراجاً، وأنَّه تفسيرٌ من بعض رواته. وذكر ابن التِّين وغيره: أنَّ الذي وَقَعَ في الحديث بلفظ: صائر، تغيير، والصواب: صِير، بكسرِ المهمَلة وتحتانيَّةٍ ساكنةٍ ثُمَّ راءٍ، قال الجوهريُّ: الصِّيرُ: شقُّ الباب، وفي الحديث: ((مَن نظرَ من صِيرِ بابٍ ففُقِئَت عينُه فهي هَدَرٌ))(١). قال أبو عُبيد: لم أسمع هذا الحرفَ إلّا في هذا الحديث. قوله: ((فأتاه رجل)) لم أقِفْ على اسمِهِ. قوله: ((إنَّ نساء جعفر)) يحتمل أن يريد زوجاته، ويحتمل أن يريد مَن يُنسب إليه من النِّساء في الجملة، وهذا الثاني هو المعتَمَد، لأنّا لا نَعرِف لجعفرِ زوجةً غير أسماء بنت عُمیسٍ. قوله: «فذکر بکاءهنَّ» في روایة الگُشْمِیھنیّ: وذکر بواوٍ. قوله: ((فأمَرَه أن يأتيَهنَّ) كذا رأيت في أصلِ أبي ذرِّ، فإن كان مضبوطاً ففيه حذفٌ تقديرُه: فتَهاهنّ، وأظنّه مُحرَّفاً، فإنَّ الذي في سائر الرِّوايات: فأمَرَه أنَّ يَنهاهنَّ. وهو الوجه، وكذا وَقَعَ في الجنائز (١٢٩٩). قوله: ((وذكر أنَّه لم يُطِعْنه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: وذكَر أنَّهنَّ. وهو أوجه. قوله: ((لقد غَلَبْتَنَا)) أي: في عَدَمِ الامتثال لقولِه، وذلك إمّا لأنَّه لم يُصرِّح لهنَّ بنَهي الشّارع عن ذلك، فحَمَلْنَ أمرَه على أنَّه يَحَتَسِبُ عليهِنَّ من قِبَلِ نفسِهِ، أو حَلْنَ الأمر على التنزيه، فتَمَادَين على ما هنَّ فيه، أو لأنَّهنَّ لشِدّة المصيبة لم يَقدِرنَ على تَركِ البكاءِ. والذي يَظهَر أنَّ النَّهي إنَّما وَقَعَ عن قَدرِ زائدٍ على مَضِ البكاءِ كالنَّوحِ ونحو ذلك، فلذلك أمَرَ (١) أورده بهذا اللفظ أبو عبيد في ((غريب الحديث))، ولم نقف عليه في شيء من مصادر التخريج التي بأيدينا. ٤٨٢ باب ٤٣ / ح ٤٢٦٢-٤٢٦٣ فتح الباري بشرح البخاري الرجلَ بتَكرار النَّهي. واستَبعَدَه بعضهم من جهة أنَّ الصحابيّات لا يَتَمَادَین بعد تكرار النَّهي على أمرٍ مُحَّم، ولعلَّهنَّ تَرَكنَ النَّوحَ ولم يَترُكنَ البكاء، وكان غَرَضُ الرجلِ حَسْمَ المادّة ولم يُطِعْنَه، لكن قوله: ((فاحْثُ في أفواهِهِنَّ من التُّراب)) يدلّ على أنَّهنَّ تَمَادَين على ٥١٥/٧ الأمر الممنوع، ويجوز في الثاءِ المثلَّثة من / قولِه: ((فاحْث)) الضَّمُّ والكسرُ، لأنَّه يقال: حَثَى يَثُو وتجئي. قوله: ((من العَناءِ)) بفتح العين المهمَلة وبالنّونِ والمدِّ: هو التعَب، ووَقَعَ في رواية العُذْريّ عندَ مسلمٍ (٩٣٥) من الغَيّ، بغَينٍ مُعجَمة وتحتانيَّة ثقيلة، وللطبري(١) مثله لكن بعين مُهمَلة(٢). ومُراد عائشة: أنَّ الرجلَ لا يَقدِرُ على ذلك، فإذا كان لا يَقدِرُ فقد أَتعَبَ نفسَه ومَن يُخَاطِبُهُ في شيءٍ لا يَقدِرُ على إزالتِهِ، ولعلَّ الرجلَ لم يفهم من الأمر الحَتْم(٣). وقال القُرطُبيُّ: لم يكنِ الأمرُ للرجلِ بذلك على حقيقَتِهِ، لكن تقديرُه: إن أمكنَك، فإنَّ ذلك يُسكِّتُهنَّ إن فعَلتَه وأمكَنَك، وإلّا فالملاطفةُ أولَى. وفي الحديث جوازُ مُعاقَبَة مَن نُّهِيَ عن مُنگٍ فتمادَی علیه بما یلیقُ به. وقال النَّوَويُّ: معنى كلام عائشة: إنَّك قاصر عن القيام بما أُمِرت به من الإنكار، فينبغي أن تُخبرَ النبيَّ ◌َّ بِقُصورِك عن ذلك ليُرسِلَ غيرك، وتَستَريح أنتَ من العَناء. ووَقَعَ عند ابن إسحاق(٤) من وجهٍ آخرَ صحيحٍ عن عائشةَ في آخره: قالت عائشة: وعَرَفتُ أنَّه لا يَقدِر أن يَحِثْيَ في أفواههِنَّ التُراب. قالت: ورُبَّمَا ضَرَّ التَكَلُّفُ أهلَه. وفي حديثٍ عائشةَ من الفوائدِ: بيانُ ما هو الأَوْلى بالمصاب من الهيئات. ومشروعيَّةٌ (١) تحرف في (س) إلى: وللطبراني. (٢) هو كذلك عند مسلم في بعض طرقه من غير رواية العُذْري. قال النووي في ((شرح مسلم)) ٦/ ٢٣٧: هكذا هو في معظم نسخ بلادنا هنا: العي، أي: التعب، وهو بمعنى العناء السابق في الرواية الأولى. وقال القاضي عياض في ((المشارق)) ٢/ ٩٣: ووقع عند بعضهم الغي بالمعجمة، وكلاهما وهم، والصواب: العناء. (٣) تحرف في (س) إلى: المحتّم. (٤) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٣٨١/٢. ٤٨٣ باب ٤٣ / ح ٤٢٦٤-٤٢٦٦ كتاب المغازي الانتصاب للعَزاءِ على هيئةِ ملازمة(١) الوَقَار والتثبُتِ. وفيه جوازُ نظرٍ مَن شأنُه الاحتجابُ من شَقِّ الباب، وأمَّا عَكسه فممنوع. وفيه إطلاق الدُّعاء بلفظ لا يَقصِد الدّاعي إيقاعه بالمدعوِّ به، لأنَّ قولَ عائشةَ: أرغَمَ الله أنفك، أي: ألصَقَه بالتُّراب. ولم تُرِد حقيقةَ هذا، وإنَّما جَرَت عادة العرب بإطلاق هذه اللَّفظة في موضع الشَّماتة بمن يقال له. ووجه المناسَبة في قوله: ((احثُ في أفواهِهِنَّ) دون أعيُنِهِنَّ - مع أنَّ الأعيُنَ محلُّ البكاءِ - الإشارةُ إلى أنَّ النَّهيَ لم يقع عن مُجرَّدِ البكاء، بل عن قَدْرٍ زائٍ عليه من صياحٍ أو نياحةٍ، والله أعلم. ٤٢٦٤- حدَّثني محمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ، حدَّثنا عمرُ بنُ عليٍّ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عامرٍ، قال: كان ابنُ عمرَ إذا حَيّا ابنَ جعفرٍ، قال: السَّلامُ عليكَ يا ابنَ ذي الجناحَينِ. ٤٢٦٥- حدَّثنا أبو نُعَيم، حذَّثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن قيسِ بنِ أبي حازِمِ، قال: سمعتُ خالدَ بنَ الوَلِيدِ يقول: لقد انقَطَعَت في يَدي يومَ مُؤْتَةَ تسعةُ أسيافٍ، فما يَقِيَ في يَدي إِلَّا صَفِیحةٌ يَمانِيَة. [طرفه في: ٤٢٦٦] ٤٢٦٦- حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، قال: حدَّثني قيسٌ، قال: سمعتُ خالدَ بنَ الوَلِيدِ يقول: لقد دُقَّ في يدي يومَ مُؤْتَةَ تسعةُ أسيافٍ، وصَبَرَتْ في يدي صَفِيحَةٌ لِي يَمَانِيَّةٌ. الحديث الرابع: قوله: ((حذَّثني محمد بن أبي بكر)) هو المقدَّمَيّ، وعمر بن عليّ: هو عَمّه، وعامر: هو الشَّعبيّ. قوله: ((يا ابن ذي الجناحَينِ)) تقدَّم شرحه في مناقب جعفر (٣٧٠٩)، وأنَّه عُوِّضَ بذلك عن قطع يَدَيه في تلك الوَقعة، حيثُ أخَذَ اللَّواءَ بيمينه فقُطِعَت، ثمَّ أَخَذَه بشِماله فقُطِعَت، (١) في (س): على هيئته وملازمة، والمثبت من الأصول الخطية الثلاثة هو الوجه، وهو بمعنى: على حالِ المحافظةِ على الوقار والتثبت. ٤٨٤ باب ٤٣ / ح ٤٢٦٤ - ٤٢٦٦ فتح الباري بشرح البخاري ثُمَّ احتَضَنَه فقُتِل. وأنَّ النَّسَفيّ روى عن البخاريّ أنَّه قال: يقال لكلِّ ذي ناحيتينِ: جناحان، وأنَّه أشارَ إلى أنَّ الجناحَينِ في هذه القِصّة ليسا على ظاهر هما. وقال السُّهَيليُّ: قوله: جناحان، ليسا كما يَسْبِقِ إلى الوَهْمِ كجناحَي الطَّير وريشه، لأنَّ الصّورةَ الآدميَّةَ أشرَفُ الصّوَر وأكمَلُها، فالمراد بالجناحين صِفة مَلكيّة وقوّة روحانيَّة أُعطيَها جعفرٌ. وقد عَبَّرَ القرآن عن العَضُد بالجناح تَوَسُّعاً في قوله تعالى: ﴿وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]. وقال العلماء في أجنحة الملائكة: إنَّها صفات مَلَكيَّة لا تُفهَم إلّا بالمعاينة، فقد ثَبَتَ أنَّ لِجِبْريل ست مئة جناح(١). ولا يُعهَد للطَّير ثلاثة أجنحة فضلاً عن ٥١٦/٧ أكثر من ذلك، وإذا لم يَثْبُت خَبَر في بيان/ كيفيَّتها فنُؤمن بها من غيرِ بَحث عن حقيقَتِها، انتھی. وهذا الذي جَزَمَ به في مقام المنع، والذي نَقَلَه عن العلماءِ ليس صريحاً في الدَّلالة لمَا ادَّعاه، ولا مانع من الحَملِ على الظّاهرِ إلّا من جهة ما ذكره من المعهودِ، وهو من قياس الغائب على الشّاهدِ وهو ضعيفٌ، وكَونُ الصّورة البشريّة أشرَفَ الصّوَرِ لا يَمنَع من حَمْل الخَبَرَ على ظاهره، لأنَّ الصّورة باقية. وقد روى البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٣٦٩/٤) من مُرسَل عاصم بن عمر بن قَتَادة: أنَّ جناحي جعفر من ياقوت(٢). وجاء في جناحي چِبريل أَّهما لُؤْلُؤْ. أخرجه ابن مَندَهْ في ترجمة وَرَقة. الحدیث الخامس: قوله: ((حدَّثنا سفيان)) هو الثَّوريّ، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، والإسناد كلّه كوفيّونَ إلّ الصحابيّ. قوله: ((دُقَّ فِي يَدِي)) بضمِّ الدّال، فَسَّرَه في الرِّواية الأولى بقوله: انقَطَعَت. قوله: ((يَمانية)) بتخفيف التحتانيَّة، وحُكيَ تشديدها، وهذا الحديث يقتضي أنَّ المسلمين (١) سلف برقم (٣٢٣٢). (٢) في إسناده محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك. ٤٨٥ باب ٤٣ / ح ٤٢٦٧ -٤٢٦٨ كتاب المغازي قَتَلوا من المشركين كثيراً. وقد روى أحمد (٢٣٩٩٧) وأبو داود (٢٧١٩) من حديث عَوْف ابن مالك: أنَّ رجلاً من أهل اليمن رافَقَه في هذه الغزوة، فقَتَلَ روميّاً وأخَذَ سَلَبَه، فاستَكثَرَه خالد بن الوليد، فشَكَاه(١) إلى رسول الله وَّةٍ(٢)، فدَلَّ على أنَّ ذلك بعد أن قامَ خالد ابن الوليد بالأمر، وهو يُرجِّح أنَّ خالداً لم يَقتَصِر على حَوْز المسلمين والنَّجاة بهم، بل باشَرَ القتال، فيُمكِن الجمعُ كما تقدَّم. ٤٢٦٧- حدَّثْنِي عِمْرانُ بنُ مَيسَرَةَ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُضَيلٍ، عن حُصَينٍ، عن عامٍ، عن النُّعْمانِ ابنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما، قال: أُغْمِيَ على عبدِ الله بنِ رواحةَ، فجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرةُ تَبْكي، واجَبَلَاهْ، واكذا واكذا، تُعَدِّدُ عليه، فقال حينَ أفاقَ: ما قلتِ شيئاً إِلََّ قيلَ لي: أنْتَ كذلك؟! [طرفه في: ٤٢٦٨] ٤٢٦٨- حدَّثْنَا قُتَيَبةُ، حدَّثنا عَبْثَرُ، عن حُصَينٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ، قال: أُغْمِيَ على عبدِ الله بنِ رَوَاحةً، بهذا. فلمَّا ماتَ لم تَبْكِ عليه. الحديث السادس: قوله: ((عن حُصَين)) هو ابن عبد الرحمن، وعامر: هو الشَّعبيّ، كما في الرِّواية الثانية. قوله: ((أُغميَ على عبدِ الله بن رواحة)) أي: ابن ثعلبة(٣) بن امرئ القيس الأنصاريّ الخَزَرَجيّ، أحد شُعَراء النبيّ ◌َّهِ من الأنصار، وأحد النَّقَباءِ بالعَقَبة، وأحد البدريّين. قوله: ((فجَعَلَتْ أُختُه عَمْرةُ)) هي والدة النُّعمان بن بشير راوي الحديث، ووَقَعَ في رواية هُشَيمِ(٤) عند أبي نُعَيم وفي مُرسَل أبي عمران الجَونيّ عند ابن سعد (٥٢٩/٣): أنَّها أمّه، وهو خطأ، فلو كانت أمُّه تُسَمَّى عَمْرةَ لَوَّزتُ وقوع ذلك لهما، ولكنَّ اسم أمِّه كَبشة بنت واقد، وهذا الحديث ذكره خَلَفٌ في مُسنَد النُّعمان، وذكره المِّيّ في مُسنَد عبد الله بن رواحة، (١) الضمير يعود إلى عوف بن مالك. (٢) فات الحافظ رحمه الله أن يخرج الحديث أيضاً من مسلم، وهو فيه برقم (١٧٥٣). (٣) تحرفت في (ع) و(س) إلى: ثعلب، والمثبت على الصواب من (أ) موافقاً لما في كتب التراجم والأنساب. (٤) يعني في رواية هشيم عن حصين، كما سينبه عليه الحافظ قريباً. ٤٨٦ باب ٤٤ / ح ٤٢٦٩ فتح الباري بشرح البخاري وهو واضح لأنَّ المتن منقول عنه، وينبغي أن يُذكَر أيضاً في مُسنَد عَمْرةَ لقولِه في الطَّريق الثانية: لم تَبكِ عليه. أي: عَمْرة، فهو نقلٌ من النُّعمان لما صَنَعَت أمّه، ولِمَا قال خالُه، لكن يَصغُر النُّعمان عن إدراك ذلك من خاله، فالذي يَظهَر أنَّه إنَّما نَقَلَ جميع ذلك عن أمّه فيكون الحديث من رواية النُّعمان عن أمِّه عن أخيها، فيكون ذلك من رواية ثلاثةٍ من الصحابة في نَسَقٍ. قوله: ((واجبَلاه واكذا وكذا، تُعَدِّدُ عليه)) في رواية هُشَيمٍ عن حُصَين عند أبي نُعَيم في (المستخرَج)): واعضُداه. وفي مُرسَل الحسن عند ابن سعد (٥٢٩/٤): واجبلاه، واعِزّاه. وفي مُرسَل أبي عمران الجونيّ عنده: واظَهْراه. وزاد فيه: إنَّ رسول الله وَلَ كان عادَه فأُغمَيَ عليه، فقال: ((اللهمَّ إن كان أجَلُه قد حَضَرَ فيَسِّرِ عليهِ، وإلّا فاشِفِهِ)) قال: فَوَجَدَ ٥١٧/٧ خِفّةً، فقال: / كان مَلَكٌ قد رَفَعَ مِرزَبّةً من حديد، يقول: آنتَ كذا؟! فلو قلتُ: نعم، لَقَمعَني بها. قوله: ((قيل لي: آنتَ كذلك؟!)) هو استفهام إنكار، وفي مُرسَل الحسن: آنتَ جبلُها، آنتَ عِزُّها؟! وزاد أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق هُشَيمٍ في آخره: فنَهاها عن البكاء عليه. وبها تَظهَر النُّكتة في قوله في الرِّواية الثانية: فلمَّا ماتَ لم تَبكِ عليه. أي: امتثالاً لأمرهِ. وبهذه الزّيادة وهي قوله: فلمَّا ماتَ لم تَبكِ عليه. تَظهَر النُّكتة في إدخال هذا الحديث في هذا الباب، ويَظهَر ويَتَّجِه الردُّ على مَن قال: لا مُناسَبة لدخولِه فيه، لأنَّ موت عبد الله بن رواحة لم يكن في ذلك المرض، والله أعلم. ٤٤- باب بعث النبيّ وَ لَه أسامة بن زيدٍ إلى الحُرَقات من جُهَينة ٤٢٦٩ - حدَّثني عَمْرو بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هُشَيٌ، أخبرنا حُصَينٌ، أخبرنا أبو ظَبْيانَ، قال: سمعتُ أُسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما يقول: بَعَثَنا رسولُ اللهِ وَّهِ إلى الحُرَقَةِ، فصَبَّحْنا القومَ، فَهَزَمْناهُم، فلَحِقْتُ أنا ورجلٌ مِن الأنصار رجلاً منهم، فلمَّا غَشِيناه قال: لا إلهَ إلَّا الله، فكَفَّ الأنصاريُّ عنه فطَعَتُهُ بُرُنحي حتَّى قَتَلتُه، فلمَّا قَدِمْنا بَلَغَ النبيَّ وَِّ فقال: ((يا أسامةُ، أقَتَلْتَه ٤٨٧ باب ٤٤ / ح ٤٢٦٩-٤٢٧٣ كتاب المغازي بعدما قال: لا إلهَ إلَّ الله؟!)) قلتُ: كان مُتَعَوِّذاً، فما زالَ يُكَرِّرُها حتَّى تَّيتُ أنّي لم أكُن أسلَمْتُ قبلَ ذلكَ اليومِ. [طرفه في: ٦٨٧٢] ٤٢٧٠ - حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حاتمٌ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، قال: سمعتُ سَلَمَةً ابنَ الأكوَعِ يقول: غَزَوْتُ معَ النبيِّ وَّهِ سِبِعَ غَزَواتٍ، وَخَرَجْتُ فيما يَبْعَثُ مِن البُعوثِ تسعَ غَزَواتٍ: مَرّةً علينا أبو بَكْرٍ، ومَرّةً علينا أُسامة. [أطرافه في: ٤٢٧١، ٤٢٧٢، ٤٢٧٣] ٤٢٧١- وقال عمرُ بنُ حفصٍ: حدَّثنا أبي، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، قال: سمعتُ سَلَمَةً يقول: غَزَوْتُ معَ النبيِّ وَّهَ سِبعَ غَزَواتٍ، وخَرَجْتُ فيما يَبْعَثُ مِن البُعُوثِ تسعَ غَزَواتٍ، علينا مَرّةًّ أبو بَكْرٍ، ومَرّةً أَسامة. ٤٢٧٢ - حدَّثنا أبو عاصم، أخبرنا يَزِيدُ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ ظُ، قال: غَزَوْتُ معَ النبيِّ وَلَيه سبعَ غَزَواتٍ، وغَزَوْتُ معَ ابنِ حارثةَ، استَعمَلَه علينا. ٤٢٧٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا حَادُ بنُ مَسْعَدةَ، عن يزيدَ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ، قال: غَزَوتُ معَ النبيِّ وََّ سِبعَ غَزَواتٍ، فذكر خَيْبِرَ، والحُدَيِيةَ، ويومَ حُنَيْنٍ ويومَ القَرَدِ. وقال يَزِيدُ: ونَسِيتُ بَقِيَّتَهم. قوله: ((باب بَعث النبيّ ◌َّلِ أَسامة بن زيد إلى الحُرَقات)) بضمِّ المهمَلة وفتح الراءِ بعدها قاف، نِسبة إلى الحُرَقة، واسمه جَهِيشُ(١) بن عامر بن ثَعْلبة بن مَودَعة بن جُهَينة، يُسَمَّی الْحُرَقة لأنَّه حَرَّقَ قوماً بالقتلِ فبالَغَ في ذلك، ذكره/ ابن الكلبيّ. ٥١٨/٧ (١) كذا وقع هذا الاسمُ للحافظ رحمه الله تعالى، ونقله عنه العيني والقسطلّاني وصاحب ((السيرة الشامية))، وأعاده الحافظ كذلك في ((الإصابة)) ٣٨٨/٣ في ترجمة شهاب بن حمزة الجهني. والذي في كتب الأنساب والتراجم والتاريخ أنه حُميس بن عامر، حتى عُرِفَ قومٌ بنسبة الحُميسي. فالذي وقع للحافظ رحمه الله تحريف عن ◌ُمیس. وانظر «الاشتقاق) لابن درید ص٥٤٩. ٤٨٨ باب ٤٤ / ح ٤٢٦٩-٤٢٧٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أخبَرَنا خُصَينٌ)) هو ابن عبد الرحمن، وأبو ظَبيان، بالمعجَمة ثمَّ الموحّدة: اسمه حُصَيْنُ بن ◌ُندُب. قال النَّوَويّ: أهل اللُّغة يَفْتَحونَ الظّاء، يعني: المشالة من ظَبيان، وأهلُ الحديث يَكسِرونَها. قوله: (بَعَثَنَا رسول الله وَّهِ إلى الحُرَقةِ)) ليس في هذا ما يدلّ على أنَّه كان أميرَ الجيش، كما هو ظاهر الترجمة، وقد ذكر أهل المغازي سَريَّة غالب بن عبد الله اللَّيِيِّ إلى المَيفَعة، بتحتانيَّة ساكنة وفاء مفتوحة، وهي وراء بطن نَخل(١)، وذلك في رَمَضان سنة سبع، وقالوا: إنَّ أُسامة قتل الرجل في هذه السَّريّة. فإن ثَبَتَ أنَّ أُسامة كان أميرَ الجيش فالذي صَنَعَه البخاريّ هو الصواب، لأنَّه ما أمِّرَ إلّا بعد قتل أبيه بغزوة مؤتةً وذلك في رَجَب سنة ٹمان، وإن لم يثبت أنّه كان أمیرها رَجَحَ ما قال أهل المغازي، وسیأتي شرح حديث الباب في كتاب الدّيات (٦٨٧٢) وفيه تسمية الرجل المقتول إن شاء الله تعالى. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث سَلَمَةَ بن الأكوع قال: غَزَوتُ مع النبيّ ◌َِّ سبع غَزواتٍ، وخَرَجت فيما يَبعَث من البُعوث تسعَ غَزَواتٍ، مَرّة علينا أبو بكر، ومَرّة علينا أُسامة بن زيد ابن حارثة. أمَّا غَزَوات سَلَمة مع النبيّ ◌َّه فتقدَّم بيانها في غزوة الحُدَيبية (٢)، وقد ذكر منها في الطَّريق الأخيرة من حديث الباب خَيْبَرَ، والحُدَيبية، ويوم حُنَين، ويوم القَرَدِ، وفي آخره: قال يزيد - يعني ابن أبي عُبيد الراوي عنه -: ونسيت بقيَّهم. كذا فيه بالميمِ في ضمير جمع الغَزَوات، والمعروف فيه التأنيث، وكذا وَقَعَ في رواية النَّسَفيّ بالميمِ، وضَبَّبَ عليهِ، ووَقَعَ في روايةٍ حكاها الكِرْمانيُّ ولم أقِفْ على بقيَّتها. وهي أوجَهُ، وأمَّا بقيَّة الغَزَوات التي نَسَيَهنَّ يزيد فهنَّ غزوة الفتح وغزوة الطائف، فإنَّهما وإن كانا في سنة غزوة حُنَينٍ فهما غيرهما، وغزوة تَبُّوك وهي آخِر الغَزَوات النَّبويَّة، فهذه سبع غَزواتٍ كما ثَبَتَ في أكثر الرِّوايات، وإن كانت الرّواية الأولى وهي (١) يسمى الآن الحناكية، ويقع على الطريق بين المدينة والقصيم، على مسافة مئة كيلومتر عن المدينة المنورة. (٢) تقدم بيان بعضها وليس كلها عند شرح الحديثين (٤١٢٧) و(٤١٩٤). ٤٨٩ باب ٤٤ / ح ٤٢٦٩-٤٢٧٣ كتاب المغازي رواية حاتم بن إسماعيل بلفظ: ((التِّسع))(١) محفوظة، فلعلَّه عَدَّ غزوةَ وادي القُرَى التي وقَعَت عَقِب خَيْبَرَ، وعَدَّ أيضاً عمرة القضاء غزوةً كما تقدَّم من صَنيع البخاريّ، فَكَمَلَ بها التِّسعة. وأمَّا ما وَقَعَ عند أبي نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق نَصْر بن عليّ عن حمّاد بن مَسعَدة فذكر هذا الحديث فقال في أوَّلِه: أُحُد وخَيبَ. ففيه نظر، لأنَهم لم يَذْكُرُوا سَلَمة فيمن شَهِدَ أُحُداً. وقد أخرجه الإسماعيليّ من وجهٍ آخرَ عن حَمَّاد بن مَسعَدة، ولم يَذكُر فيه أُحُداً، والله أعلم. وأمَّا البعوث: فسَريَّة أبي بكر الصِّدِّيق إلى بني فزارة، كما ثَبَتَ من حديثه عند مسلم (١٧٥٥)، وسَريَّتُه إلى بني كِلاب ذكرها ابن سعد (١١٧/٢)، وبَعْثُه إلى الحجّ سنة تسع. وأمَّا أُسامة فأوَّل ما أُرسِل في السَّريَّة التي وَقَعَ ذِكرُها في الباب، ثمَّ في سَرِيَّة إلى أُبنَى، بضمِّ الهمزة وسكون الموحَّدة ثمَّ نون مقصور، وهي من نواحي البَلقاء(٢)، وذلك في صَفَر، فَوَقَفنا ممّا ذكره على خمس سَرايا وبَقيَت أربع. فليستدرك على أهلِ المغازي فإنَّهم لم يَذكَروا غيرَ الذي ذكرته بعد التتُّع البالغ، ويحتمل أن يكون فيه حذف تقديره: ومَّة علينا غير هما، وأيضاً فإنَّه لم يَذكُر في بعض الرِّوايات للبُعوثِ عدداً. قوله: ((وقال عمر بن حفص)) أي: ابن غياث، وهو من شيوخ البخاريّ، ورُبَّما حدَّث عنه بواسطةٍ، وهذا الحديث قد وَصَلَه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق أبي بشرٍ إسماعيل ابن عبد الله عن عمر بن حفص به. (١) كذا وقعت رواية حاتم بن إسماعيل للحافظ رحمه الله بلفظ: ((التسع))! مع أنَّ رواية حاتم المذكورة بلفظ (السبع))، ووقع نظيره في ((إرشاد الساري)) للقسطلّاني في رواية أبي عاصم الضحاك الآتية أنها في الفرع بلفظ (التسع))، مع أنه ليس في اليونينية أية إشارة إلى وجود خلاف بين رواه البخاري أنها بلفظ: ((السبع))، ويؤيد ما في اليونينية أنَّ الخبر قد أخرجه عن أبي عاصم الضحاك غيرُ واحد، رووه جميعاً بلفظ: ((سبع غزوات))، منهم ابن سعد في ((الطبقات)) ٣٠٥/٤، وأبو عوانة (٦٩٥٤)، وابن حبان (٧١٧٤) والحاكم ٢١٨/٣، والبيهقي في ((الدلائل)) ٤٥٧/٥، وفي ((الكبرى)) ٩/ ٤٠. (٢) ووقع عند ابن سعد ٦٧/٤ بسند رجاله ثقات: أنَّ أُبنى من ساحل البحر. وبه جزم أبو مُسهر الدمشقي، وقال: هي يُبنى فلسطين. أسنده عنه أبو داود (٢٦١٧)، وهي موضع بين الرملة وعسقلان من أرض فلسطین، كما قال ابن الأثير الجزري. ٤٩٠ باب ٤٥ / ح ٤٢٧٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وغَزَوت مع ابن حارثة، استعملَه علينا)) كذا أبهَمَه البخاريّ عن شيخه أبي عاصم، وقد ذكرت ما فيه في ((باب غزوة زيد بن حارثة)) (٤٢٥٠)، ولعلَّ البخاريّ أبهَمَه عَمداً لمخالفته بقيَّة روايات الباب في تعيينٍ أُسامة. قوله: ((حدَّثنا محمد بن عبد الله، حدَّثنا حَمَّاد بن مَسعَدة)) يقال: إنَّ محمد بن عبد الله هذا هو الذُّهْلِيُّ، نَسَبَه إلى جَدِّه، وهو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس، وكان أبو داود إذا حدَّث عنه نَسَبَ أباه يحيى إلى جَدِّه فارس، ولا يَذكُر خالداً. ويقال: إنَّ محمد بن عبد الله المذكور: هو المُخَرِّمي(١)، وجَزَمَ الكَلاباذيّ والبَرْقانيُّ بأنَّه الذُّهْلِيّ، والله أعلم. ٤٥ - باب غَزْوة الفتح ٥١٩/٧ وما بَعَث به حاطِبُ بنُ أبي بَلْتَعَةَ إلى أهلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهم بِغَزْوِ النبيِّ ◌ََِّ. ٤٢٧٤ - حدَّثْنَا قُتَبةُ بن سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، قال: أخبرني الحسنُ بنُ محمَّدٍ، أَنَّه سمعَ عُبيد الله بنَ أبي رافع يقول: سمعتُ عليّاً عُه يقول: بَعَثَني رسولُ الله ◌َّ ل أنا والزُّبَيرَ والِقْدَادَ، فقال: ((انطَلِقوا حتَّى تَأْتوا رَوْضةَ خاخٍ، فإنَّ بها ظَعِينَةً معها كتابٌ، فخُذُوا مِنْها)) قال: فانطَلَقْنَا تَعادَى بنا خَيلُنا حتَّى أتينا الرَّوْضةَ، فإذا نحنُ بالظَّعِينةِ، قُلْنا لها: أخرِجي الكتابَ، قالت: ما مَعي كتابٌ، فقُلْنا: لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ، أو لَتُلْقِيَنَّ الِّابَ، قال: فأخرَ جَتْه من عِقاصها، فأتينا به رسولَ الله ◌َِّ، فإذا فيه من حاطِبٍ بنِ أبي بَلْتَعَةَ إلى ناسٍ بمكَّةَ، مِن المشركينَ، يُخْرُهم ببعضِ أمرِ رسولِ الله وَةِ، فقال: ((يا حاطِبُ ما هذا؟)) قال: يا رسولَ الله لا تَعْجَل عليَّ، إنّي كنتُ امرَأْ مُلْصَقاً في قُرَيشٍ - يقول: كنتُ حَلِيفاً، ولم أكُن من أنفُسِها - وكان مَن مَعَكَ مِن المهاجِرِينَ مَن لهم قَراباتٌ يَحْمُونَ أهلِيهم وأموالهم، فأحبَبتُ إذ فاتَني ذلكَ مِن النَّسَبِ فيهم أن أَتَّخِذَ عندَهم يداً يَحْمُونَ قَرابَتي، ولم أفعَلْه ارتداداً عن دِيني، ولا رِضاً بالكُفْرِ بعدَ الإسلامِ، فقال رسولُ اللهَ وَِّ: (أما إنَّه قد صَدَقَكُمْ) فقال عمرُ: يا رسولَ الله دَعْني أضْرِبْ عُنُقَ هذا المنافِقِ، فقال: ((إنَّه قد شَهِدَ بَذْراً، وما يُدْرِيكَ لعلَّ الله الطَّلَعَ على مَن شَهِدَ (١) تحرف في (س) إلى: المخزومي. ٤٩١ باب ٤٥ / ح ٤٢٧٤ كتاب المغازي بَدْراً، فقال: اعْمَلُوا ما شئتُم فقد غَفَرْتُ لكُمْ)) فأنزَلَ الله السّورَةَ: ﴿يَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]. قوله: ((باب غزوةِ الفتح)) أي: فتح مكَّةَ شَرَّفَها الله تعالى، وسَقَطَ لفظ ((باب)) من نسخة الصغانيِّ. وكان سبب ذلك أنَّ قُرَيشاً نَقَضوا العَهد الذي وَقَعَ بالْحُدَيبية، فبَلَغَ ذلك النبيّ رَّ فغزاهم. قال ابن إسحاق(١): حدَّثني الزُّهْريُّ عن عُرْوةَ عن المِسوَر بن ◌َرَمةَ(٢): أنَّه كان في الشَّرْطِ: مَن أحَبَّ أن يدخلَ في عَقْدِ رسول الله وَّه وعَهدِه فليدخُل، ومَن أحَبَّ أن يدخُل في عَقْدِ قُرَيشٍ وعَهِدِهم فليدخُل، فدَخَلَت بنو بكر - أي: ابن عبد مناة بن كِنانة - في عهد قُرَيشٍ، ودَخَلَت خُزاعة في عَهدِ رسولِ الله وََّ. قال ابن إسحاق: وكان بين بني بكر وخُزَاعة حُروب وقتلَى في الجاهليَّة، فتَشاغَلوا عن ذلك لمَّا ظَهَرَ الإسلام، فلمَّا كانت الهُدنة خرج نَوفَل بن معاوية الدِّيليّ من بني بكر في بني الدِّيلِ حتَّى بَيّتَ خُزاعةَ على ماء لهم يقال له: الوَتير، فأصاب منهم رجلاً يقال له: مُنبِّه، واستَقَظَت لهم خُزاعة، فاقتَتَلوا إلى أن دخلوا الحَرَمَ، ولم يَترُكوا القتال، وأمَدَّت قُرَيش بني بكر بالسِّلاح، وقاتَلَ بعضُهم معهم ليلاً في خُفْية، فلمَّ انقَضَت الحربُ خرج عَمْرو بن سالم الخُزَاعِيُّ، حتَّى قَدِمَ على رسول الله وَليلة، وهو جالس في المسجد، فقال: ٥٢٠/٧ يا رَبِّ إنّي ناشِدٌ محمَّدا حِلفَ أبينا وأبيه الأتْلَدا فانصُر هَداك الله نَصْراً أيِّدا وادعُ عبادَ الله يأتُوا مَدَدا إِنَّ قُرِيشاً أخلَفوكَ المَوعِدا ونَقَضوا مِيثاقَك المُؤَكَّدا هُمْ بَيَتَونا بالوَتير مُجَّدا وقَتَلونا رُكَّعاً وسُجَّدا وزَعَموا أنْ لستُ أدعو أحدا وهُمْ أذَلُّ وأقلُّ عَدَدا (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٣٩٠/٢. (٢) اقتصر الحافظ رحمه الله على ذكر الرواية الموصولة، وإلَّا فعُرْوة يرويه عن المسور بن مخرمة وعن مروان بن الحكم مرسلاً. ٤٩٢ باب ٤٥ / ح ٤٢٧٤ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن إسحاق: فقال له رسول الله وَلَهُ: (نُصِرتَ يا عَمْرو بن سالم)»، فكان ذلك ما هاجَ فتحّ مكَّة. وقد روى البزَّار (٨٠١٣) من طريق حمَّد بن سَلَمة عن محمد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة بعضَ الأبيات المذكورة في هذه القِصّة، وهو إسناد حَسَن موصول. ولكن رواه ابن أبي شَيْبة (١٤/ ٤٧٣) عن يزيد بن هارون عن محمد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة، مُرسَلاً. وأخرجه أيضاً (١٤/ ٤٨٠-٤٨٢) من رواية أيوب عن عِكْرمة، مُرسَلاً، مُطوَّلاً، قال فيه: لمَّا وادَعَ رسول الله وَ فيِ أهل مكَّة، وكانت خُزاعة في صُلحِه وبنو بكر في صُلحِ قُرَيش، فكان بينهم قتالٌ، فأمَدَّتهم قُرَيش بسلاحِ وطعامٍ، فظَهَروا على خُزاعةً، وقَتلوا منهم. قال: وجاء وَفْد خُزاعة إلى النبيّ وَّهَ، فدَعَاه إلى النَّصر، وذَكَر الشِّعر، وأخرجه عبد الرَّزّاق (٩٧٣٩) من طريق مِقْسَمٍ عن ابن عبّاسٍ(١) مُطوَّلاً، وليس فيه الشِّعرُ. وأخرجه الطبرانيُّ (١٠٥٢/٢٣) من حديث ميمونةَ بنت الحارث مُطوَّلاً، وفيه أيضاً أنَّها سمعت رسولَ الله وَلَه يقول ليلاً وهو في مُتَوضَّتِهِ: ((نُصِرتَ نُصِرتَ)) فسألَته، فقال: ((هذا راجزُ بني كعبٍ يَسْتَصِرِ خُني، وزَعَمَ أنَّ قُرَيشاً أعانت عليهم بني بكر)) قالت: فَأَقَمْنا ثلاثاً، ثمَّ صَلَّى الصُّبحَ بالناس، ثمَّ سمعت الراجز يُنشِدُه. وعند موسى بن عُقْبة في هذه القِصّة قال: ويَذكُرونَ أنَّ مَمَّن أعانهم من قُرَيش صفوان بن أُميَّة وشَيْبة بن عثمان وسهيل(٢) بن عَمْرو. قوله: ((وما بَعَثَ به حاطِب بن أبي بَلتَعَةَ إلى أهل مكَّة يُخبرهم بغَزْوِ النبيّ ◌َّ)) سَقَطَ لفظ (به)) من بعض النَّسَخ، أي: لعَزمِ النبيِّ وَِّ على غَزوِهم. وعند ابن إسحاق(٣) عن محمد بن (١) رواية عبد الرزاق التي في ((المصنف)) عن مقسم مرسلة، ليس فيها ابنُ عباس، وقد نصّ على إرسالها الزيلعي في ((تخريج أحاديث الكشاف)) ١١٣/٣-١١٤، لكن أخرج الحازمي في ((الاعتبار)) ص١٥٣ بعض قصة الفتح المطولة، من طريق عبد الرزاق موصولة بذكر ابن عباس، فلا ندري لعله وقعت للحافظ رواية عبد الرزاق لقصة الفتح بطولها خارج ((المصنف)) موصولة، والله أعلم. (٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: سهل. والمثبت من هامش (ع)، موافقاً لما جاء عند البيهقي في ((الدلائل)) ٩/٥-١٠ بإسناده إلى موسى بن عقبة. (٣) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٣٩٨/٢-٣٩٩. ٤٩٣ باب ٤٥ / ح ٤٢٧٤ كتاب المغازي جعفر بن الزبير(١) عن عُرْوة قال: فلمَّا أجمَعَ رسول الله وَِّ المسير إلى مكَّة كَتَبَ حاطِب بن أبي بَلتَعَةَ إلى قُرَيشٍ يُخبرُهم بذلك، ثمَّ أعطاه امرأةً من مُزَينة. وفي مُرسَلٍ أبي سَلَمة المذكورِ عند ابن أبي شَيْبة: ثُمَّ قال النبيّ وَّهِ لعائشة: ((جَهِّزيني ولا تُعلِمي بذلك أحداً)) فدَخَلَ عليها أبو بكر، فأنكَرَ بعضَ شأنها، فقال: ما هذا؟ فقالت له، فقال: والله ما انقَضَتِ الهُدنة بيننا، فذكر ذلك للنبيِّ وَّهِ، فذكر له أنَّهم أوَّلُ مَن غَدَر. ثمَّ أمَرَ بالطُّرقِ فحُبسَت، فغُمَّ على أهل مكَّة لا يأتيهم خَبَرٌّ. قوله: ((حدَّثنا سفيان)) هو ابن عُيَينة. قوله: ((عن عَمْرو)) تقدَّم في الجهاد (٣٠٠٧) عن عليّ عن سفيان: سمعت عمرو بن دینارٍ. قوله: (بَعَثَنِي رسول الله وَّل أنا والزُّبَير والمقداد)) كذا في رواية عُبيد الله بن أبي رافع، وفي رواية أبي عبد الرحمن السُّلَمَيّ عن عليٍّ، كما تقدَّم (٣٩٨٣) في ((فضلِ مَن شَهِدَ بدراً)): بَعَثَني وأبا مَرِئَد الغَنَويّ والزُّبَيرَ بن العَوام. فيُحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه، فذكر أحد الراويَينِ عنه ما لم يَذكُرُه الآخر، ولم يَذْكُر ابن إسحاق مع عليّ والزُّبَير أحداً، وساقَ الخَبَر بالتثنية، قال: فخَرَجا حتَّى أدرَكاها فاستَنزَلاها .. إلى آخره. فالذي يَظهَرُ أنَّه كان مع كلُّ منهما آخرُ تَبَعاً له. قوله: ((فإنَّ بها ظَعينةً معها كتابٌ)) في أواخِرِ الجهاد (٣٠٨١) من وجهٍ آخرَ عن عليٍّ: ((وَجِدونَ بها امرأةً أعطاها حاطِبٌ كتاباً)، وذكر ابن إسحاق أنَّ اسمها سارة، والواقديّ(٢) أنَّ اسمَها كَنود، وفي روايةٍ سارة، وفي أُخرَى أمّ سارة. وذكر الواقديُّ أنَّ حاطِباً جَعَلَ لها عشرة دنانير على ذلك، وقيل: ديناراً واحداً، وقيل: إنَّها كانت مولاةَ العبّاس. قوله: «فأخر جته من عِقاصھا» قد تقدَّم في الجهاد (٣٠٨١) بیان الاختلاف في ذلك، ووجه الجمع بين كَونِه في عِقاصها أو في حُجزَتِها. (١) تحرف في (س) إلى: الزبيدي. (٢) في ((المغازي)) ٧٩٨/٢. ٤٩٤ باب ٤٦ / ح ٤٢٧٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (يُخبرُهم ببعض أمر رسولِ الله ◌َّه) وفي مُرسَل عُرْوةَ: يخبرُهم بالذي أجمع عليه رسولُ اللهِوَّه من الأمر في السَّير إليهم، وجَعَلَ لها جُعْلاً على أن تُبلِّغَهِ قُرَيشاً. ٥٢١/٧ قوله: ((إنّ كنت امرأً مُلصَقاً في قُرَيش)) أي: حَليفاً،/ وقد فَسَّرَه بقولِه: كنت حَليفاً ولم أكُن من أنفُسها. وعند ابن إسحاق: ليس لي (١) في القوم من أصل ولا عَشيرة. وعند أحمد(٢): وكنت غريباً. قال السُّهَيليُّ: كان حاطِب حَليفاً لعبدِ الله بن محُميدٍ بن زُهَير بن أسد ابن عبد العُزَّى، واسم أبي بَلتَعةَ عَمْرو. وقيل: كان حَليفاً لقُرَيْشٍ. قوله: ((يَحِمُونَ)) بها (قَرابَتي)) في رواية ابن إسحاق: وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانَعْتُهم عليه. وسيأتي تكملة شرح هذا الحديث في سورة الممتحنة (٤٨٩٠)، وذكر بعض أهل المغازي وهو في ((تفسير يحيى بن سَلّام)) أنَّ لفظ الكتاب: أمَّا بعد يا مَعشَر قُرُيش، فإنَّ رسول الله وَّ﴿ جاءكم بجيشٍ كاللَيلِ، يسير كالسَّيلِ، فوالله لو جاءكم وحدَه لَنَصَرَه الله وأنجَزَ له وعده. فانظُرُوا لأنفُسِكم والسَّلام. كذا حكاه السُّهَيليّ. وروى الواقديُّ(٣) بسندٍ له مُرسَل: أنَّ حاطِباً كَتَبَ إلى سُهَيل بن عَمْرو وصفوان بن أُميَّة وعِكْرمة: أنَّ رسول الله وَيه أذَّنَ في الناس بالغزوِ، ولا أُراه یرید غیر کم، وقد أحببتُ أن یکون لي عندکم ید. ٤٦- باب غزوة الفتح في رمضان ٤٢٧٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُثْبةَ، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ أخبَرَه: أنَّ رسولَ الله وَ غَزَا غزوةَ الفتحِ في رمضانَ. (١) لفظة ((لي)) سقطت من (أ) و(س): وثبتت في (ع)، كما في ((سيرة ابن هشام)) ٣٩٩/٢. (٢) لم نقف عليه في ((مسند أحمد)) بهذا اللفظ، لكن أخرجه الطحاوي في ((شرح المشكل)) (٤٤٤٠)، وابن حبان (٤٧٩٧) من حديث جابر بن عبد الله، وحديث جابر هذا في ((مسند أحمد)) (١٤٧٧٤) لكنه بلفظ: كنت عزيزاً بين ظهرَيهم. فلعلها وقعت للحافظ رحمه الله في نسخته من ((المسند)) بلفظ: غريباً، والله أعلم. وقد جاء بهذا اللفظ أيضاً عن عمر بن الخطاب عند البزار (١٩٧) والطحاوي (٤٤٣٦) وغيرهما. (٣) في ((المغازي)) ٢/ ٧٩٨ . ٤٩٥ باب ٤٦ / ح ٤٢٧٥-٤٢٧٩ كتاب المغازي قال: وسمعتُ ابنَ المسيّب يقول مِثلَ ذلك. وعن عُبيدِ الله بنِ عبد الله أخبره، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: صامَ النبيُّ ◌َلَ حتَّى إذا بَلَغَ الكَدِيدَ - الماءَ الذي بينَ قُدَيدٍ وعُسْفانَ - أَفطَرَ، فلم يزلْ مُفطِراً حتَّى انسَلَخَ الشَّهِرُ. ٤٢٧٦ - حدَّثني محمودٌ، أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، قال: أخبرني الزُّهْريُّ، عن عُبيدِ الله ابن عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّالنبيَّ ◌َ ◌ِّ خرج في رمضانَ مِن المدينةِ، ومعه عَشَرةُ آلافٍ، وذلك على رأسِ ثمانٍ سنينَ ونِصْفٍ من مَقْدَمِه المدينةَ، فسار معه مِن المسلمينَ إلى مَكََّ يصومُ ويصومونَ، حتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ - وهو ماءٌ بينَ عُسْفَانَ وَقُدَيدٍ - أفطَرَ وأفطَروا. قال الزُّهْريُّ: وإنَّما يُؤْخَذُ من أمرِ رسولِ الله ◌َّةِ، الآخِرُ فالآخِرُ. ٤٢٧٧- حدَّثْنا عيّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثْنا خالدٌّ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عِبَّاسٍ، قال: خرج رسولُ اللهَوَّ في رمضانَ إلى حُنَينٍ، والناسُ مختلفونَ، فصائمٌ ومُفطِرٌ، فلمَّاً استَوَى على راحلَتِهِ دَعَا بإناءٍ من لبنٍ أو ماءٍ، فَوَضَعَه على راحَتِه - أو راحلَتِهِ - ثمَّ نظرَ الناسُ، فقال المفطرونَ للصُّوَّم: أفطِروا. ٤٢٧٨- وقال عبدُ الرَّزّاق: أخبرنا مَعمَرٌ، عن أيوبَ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: خرج النبيُّ ◌َِّ عامَ الفتحِ. وقال حَمَّدُ بنُّ زيدٍ، عن أيوبَ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ◌َّ. ٤٢٧٩ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن مَنصورٍ، عن مُجاهدٍ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: سافَرَ رسولُ اللهِ وَّه في رمضانَ، فصامَ حتَّى بَلَغَ عُسْفانَ، ثُمَّ دَعَا بإناءٍ من ماءٍ، فشَرِبَ نهاراً لِيُرِيَه الناسَ، فأفطَرَ حتَّى قَدِمَ مكَّةَ. قال: وكان ابنُ عبَّاسٍ يقول: صامَ رسولُ اللهِ وَّهِ فِي السَّفَرِ وأفطَرَ، فمَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفطَرَ. قوله: ((باب غزوة الفتح في رمضان)) أي: كانت في رمضان سنة ثمان من الهجرة، وقد تقدَّم بيان ذلك في كتاب الصيام (١٩٤٤) في الكلام على حديث ابن عبّاس المذكور في هذا ٤٩٦ باب ٤٦ / ح ٤٢٧٥-٤٢٧٩ فتح الباري بشرح البخاري الباب، وقد تقدَّم هناكَ أنَّهم خَرَجوا من المدينة لعشرِ مَضَينَ من رمضانَ(١)، وزاد ابن إسحاق(٢) عن الزُّهْريِّ بهذا الإسناد: أنَّه ◌َ لَّاستعملَ على المدينة أبا رُهْمِ الغِفاري. قوله: ((قال: وسمعت ابن المسيّب يقول مِثْلَ ذلك)) قائل ذلك هو الزُّهْريّ، وهو موصول بالإسناد المذکور. قوله: ((وعن عُبيد الله بن عبد الله)) هو موصول بالإسناد المذكور، وقد تقدَّم بيان ذلك أيضاً في الصيام. وبيَّن البيهقيُّ(٣) من طريق عاصم بن عليٍّ عن اللَّيث ما حَذَفَه البخاريّ منه، فإنَّه ساقَه إلى قوله: وسمعت سعيد بن المسيّب يقول مِثلَ ذلك. وزاد: لا أدري أَخرج في شعبانَ فاستقبل رمضان، أو خرج في رمضان بعدَما دَخَلَ، غير أنَّ عُبيد الله بن عبد الله أخبرني، فذَكَر ما ذكره البخاريُّ. فحَذَفَ البخاريّ منه التردُّد المذكور. ثمَّ أخرج البيهقيُّ (٢٣/٥) من طريق ابن أبي حفصة عن الزُّهْريِّ بهذا الإسناد قال: صَبَّحَ رسولُ اللهِ وَّلْ مِكَّة لثلاثَ عشرة خَلَت من رمضان. ثمَّ ساقَه من طريق مَعمَر عن الزُّهْرِيِّ، وبيَّن أنَّ هذا القَدْر من قول الزُّهْريِّ، وأنَّ ابن أبي حفصة أدرَجَه، وكذا أخرجه يونس عن الزُّهْريِّ، وروى أحمد بإسنادٍ صحيحٍ (١١٨٢٦) من طريق قَزَعةَ بن يحيى عن أبي سعيد قال: خَرَجنا معَ النبيّ ◌َُّ عام الفتح ◌ِليلتَينِ خَلَتا من شهر رمضان. وهذا يَدِفَع التردُّد الماضي ويُعيِّن يومَ الخروج، وقول الزُّهْريّ يُعيِّن يومَ الدُّخول، ويُعطي أنَّه أقامَ في الطَّريق اثنَي عشر يوماً. وأمَّا ما قال الواقديُّ(٤): إنَّه خرج لعشرٍ خَلَونَ من رمضان، فليس بقويٌّ لمخالَفَتِهِ ما هو أصحُ منه. وفي تعيين هذا التاريخ أقوال أُخرى: منها عند مسلم (٩٣/١١١٦): لستَّ عشرة، ولأحمد (١١٨٧٠): لثمانيَ عشرة، وفي أُخرى (١١٤١٣): لِشِتَي عشرة. والجمع بين هاتَينِ بحَمْلِ إحداهما على ما مضى والأُخرى على ما بَقيَ. (١) سيذكر الحافظ قريباً ما يدفع هذا القول. (٢) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٣٩٩/٢. (٣) في ((دلائل النبوة)) ٢١/٥. (٤) ذكر الحافظ عند شرح الحديث (١٩٤٤) أنَّ هذا القول اتفق عليه أهل السير. ٤٩٧ باب ٤٦ / ح ٤٢٧٥-٤٢٧٩ كتاب المغازي والذي في المغازي: دَخَلَ لتسعَ عشرةَ مَضَت. وهو محمولٌ على الاختلاف في أوَّل الشَّهرِ. ووَقَعَ في أُخرى (١١٦٨٤) بالشكِّ في تسعَ عشرةَ أو سبعَ عشرةَ. وروى يعقوب بن سفيان(١) من رواية ابن إسحاق عن جماعة من مشايخه: أنَّ الفتح كان في عشر بَقينَ من رمضان. فإن ثَبَتَ حُملَ على أنَّ مُراده أنَّه وَقَعَ في العشر الأوسط، قبل أن يَدخُل العشر الأخير. قوله في الطريق الثانية: ((ومعه عشرةُ آلاف)) أي: من سائر القبائل. وفي مُرسَل عُرْوة عند ابن إسحاق وابن عائذ: ثمَّ خرج رسول الله وَّه في اثنَي عشر ألفاً من المهاجرين والأنصار وأسلَمَ وغِفار ومُزَينَةَ وجُهَينة وسُلَيم. وكذا وَقَعَ في ((الإكليل)) و(شَرَف المصطفى)). ويُجمَع بينَهما بأنَّ العشرة آلاف خرج بها من نفس المدينة ثمَّ تَلاحَقَ بها الألفان. وسيأتي تفصيل ذلك في مُرسَل عُرْوة الذي بعد هذا. قوله: ((وذلك على رأس ثمان سنينَ ونِصْف من مَقْدَمِه المدينةَ)) هكذا وَقَعَ في روایة مَعمَر، وهو وهمٌّ، والصَّواب: على رأس سبع سنينَ ونصف، وإنَّما وَقَعَ الوَهْم من كَوْن غزوة الفتح كانت في سنة ثمان، ومن أثناء ربيع الأوَّل إلى أثناء رمضان نصف سنة سواء، فالتَّحرير أنَّها سبع سنينَ ونصف، ويُمكِن توجيه رواية مَعمَر بأنَّه بناءً على التاريخ بأوَّل السَّنة من المحرَّم، فإذا دَخَلَ من السَّنة الثّانية شهران أو ثلاثة، أُطلِق عليها سنة مجازاً من تسمية البعض باسم الكلّ، ويقع ذلك في آخِر ربيع الأوَّل، ومن ثَمَّ إلى رمضان نصف سنة. أو يقال: كان آخِرَ شعبان تلكَ السَّنة آخِرَ سبع سنينَ ونصفٍ من أوَّل ربيع الأوَّل، فلمَّا دَخَلَ رمضان دخَلتْ سنة أُخرى، وأَوَّل السَّنة يَصدُق عليه أنَّه رأسها، فيَصِحّ أنَّه رأس ثمان سنينَ ونصف، أو أنَّ رأس الثَّمان كان أوَّلَ ربيع الأوَّل وما بعده نصف سنةٍ. قوله: ((يصوم ويصومون)) تقدَّم شرحُه في كتاب الصيام. قوله: ((خالد)) هو الخَذّاء «عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: خرج رسول الله ◌َّ في رمضان إلى (١) ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) ٢٤/٥. ٤٩٨ باب ٤٦ / ح ٤٢٧٥-٤٢٧٩ فتح الباري بشرح البخاري ٥/٨ حُنَينٍ)) / استَشكَلَه الإسماعيليّ بأنَّ حُنَيناً كانت بعد الفتح فيحتاج إلى تأمُّل، فإنَّه ذكر قبل ذلك أنَّه خرج من المدينة إلى مكَّة، وكذا حَكَى ابن التِّين عن الدّاووديّ أنَّه قال: الصَّواب أنَّه خرج إلى مكَّة، أو كانت ((خَيْبَ)) فَتَصَخَّفَت. قلت: وحَمْلُه على خَيْبَرَ مردود، فإنَّ الخروج إليها لم يكن في رمضان. وتأويله ظاهر، فإنَّ المراد بقولهِ: إلى حُنَينٍ، أي: التي وَقَعَت عَقِب الفتح، لأنَّها لمَّا وَقَعَت إثرَها أَطلَق الخروجَ إليها. وقد وَقَعَ نَظِير ذلك في حديث أبي هريرة الآتي قريباً، وبهذا جَمَعَ المحِبّ الطَّريّ. وقال غیرہ: يجوز أن یکون خرج إلى حُنينٍ في بقيّة رمضان. قاله ابن التِّين، ويُعگِّر عليه أنَّه خرج من المدينة في عاشر رمضان فقَدِمَ مَّة وسَطه، وأقامَ بها تسعة عشر كما سيأتي. قلت: وهذا الذي جَزَمَ به مُعتَرَضٌ، فإنَّ ابتداء خروجِه مُتَلَف فيه، كما مضى في آخِر الغزوة من حديث ابن عباس، فیکون الخروج إلى حُنينٍ في شوّال. قوله في هذه الرواية: «دَعا بإناءٍ من لبن أو ماء)) في رواية طاووس عن ابن عبّاس آخِرَ الباب: دَعا بإناءٍ من ماء فشَرِبَ نهاراً، الحديث. قال الدّاووديُّ: يحتمل أن يكون دَعَا بهذا مرَّةً وبهذا مرَّةً. قلت: لا دليل على التعدُّد، فإنَّ الحديث واحد والقِصّة واحدة، وإنَّما وَقَعَ الشكّ من الراوي فتُقدَّمُ(١) عليه روايةٌ مَن جَزَمَ. وأبعَد ابن التِّين فقال: كانت قِصَّتان إحداهما في الفتح والأُخرى في خُنَينٍ. قوله: ((فقال المفطرونَ للصُّوَّم: أفطِروا)) كذا لأبي ذرِّ، ولغيره: للصُّوّام، بألِفٍ، وكلاهما جمع صائم. وفي رواية الطَّبَرَيِّ في ((تهذيبه))(٢): فقال المفطرونَ للصُّوّام: أفطِروا يا عُصاة. قوله: ((وقال عبد الرَّزّاق: أخبَرَنا مَعمَر)) وَصَلَه أحمد بن حَنبَل (٣٤٦٠م) عنه(٣)، وبَقِيَّتَه: خرج النبيُّ ◌َّهِ عامَ الفتح في شهر رمضان، فصامَ حتَّى مَرَّ بغَديرِ في الطَّريق، الحديث. (١) تحرفت في (س) إلى: فقدم. (٢) في قسم مسند ابن عباس ١/ ٨٩. (٣) وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (٤٤٧٣). ٤٩٩ باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠ كتاب المغازي قوله: ((وقال حمّاد بن زيد عن أيوب عن عِكْرمة عن ابن عبّاس)» كذا وَقَعَ في بعض نُسَخِ أبي ذرِّ، وللأكثَرِ ليس فيه ابن عبّاس. وبه جَزَمَ الدّارَقُطنيُّ وأبو نُعَيم في ((المستَخرَج)). وكذلك وَصَلَه البيهقيُّ(١) من طريق سليمان بن حَرْب، وهو أحدُ مشايخ البخاريّ، عن حمّاد بن زيد عن أيوب عن عِكْرمة، فذكر الحديث بطوله في فتح مكَّة. قال البيهقيُّ في آخِر الكلام عليه: لم يُجاوز به أيوبُ عِكْرمةَ. قلت: وقد أشرتُ إليه قبله(٢)، وأنَّ ابن أبي شَيْبةَ أخرجه هکذا مُرسَلاً عن سليمان بن حَرْب، به، بطوله (١٤ / ٤٨٠-٤٨٥)، وسأذكرُ ما فيه من فائدة في أثناء الكلام على شرح هذه الغزوة. وطريق طاووس عن ابن عبّاس قد تقدَّم الكلام عليها في كتاب الصيام أيضاً (١٩٤٨). ٤٧- باب أين رَكَزَ النبيُّ ◌َ لّ الرّاية يوم الفتح؟ ٤٢٨٠ - حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، قال: لمَّا سارَ رسولُ الله ◌َِّ عامَ الفتحِ، فَبَلَغَ ذلك قُرَيشاً، خرج أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ، وحَكِيمُ بنُ حِزامِ، وبُدَيلُ بنُ وَرْقاءَ، يَلْتَمِسونَ الخبرَ عن رسولِ الله ◌ِّهِ، فَأقبَلوا يَسِيرونَ حتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْران، فإذا هم بنيرانٍ كأنَّا نِيرانُ عَرَفَةَ، فقال أبو سفيانَ: ما هذه، لكأنَّا نِيرانُ عَرَفَةَ؟ فقال بُدَيلُ بنُ وَرْقاءَ: نِيرانُ بني عَمرو، فقال أبو سفيانَ: عَمْرٌو أقلُّ من ذلك، فرآهم ناسٌ من حَرَسِ رسولِ الله ◌ٍَّ، فَأَدْرَكُوهم فأخَذُوهم، فأَتَوْا بهم رسولَ الله وَّهِ، فَأَسلَمَ أبو سفيانَ، فلمَّا سارَ قال للعبَّاسِ: ((احبِسْ أبا سفيانَ عندَ خَطْم الجبلِ، حتَّى يَنظُرَ إلى المسلمينَ)) فحَبَسَه العَبَّاسُ، فِجَعَلَتِ / القبائلُ تَمُّ معَ النبِّ وَّهِ، تَمُرُّ كَتِيبةً كَتِيبةً على أبي سفيانَ، فمرَّت كَتِيبةٌ، فقال: يا ٦/٨ عبَّاسُ مَن هذه؟ قال: هذه غِفارُ، قال: ما لي ولِغِفارَ، ثمَّ مَرَّت جُهَينةُ، قال مِثلَ ذلك، ثمَّ مَرَّت سعدُ بنُ هُذَيمٍ، فقال مِثْلَ ذلك، ثم مَرَّت سُلَيمُ، فقال مِثْلَ ذلك، حتَّى أقبَلَت كَتِيبةٌ لم يَرَ مِثْلَها قال: مَن هذه؟ قال: هؤلاءِ الأنصارُ عليهم سعدُ بنُ عُبَادةَ معه الرّايةُ، فقال سعدُ بنُ عُبَادَ: يا (١) في ((دلائل النبوة)) ٣٢/٥-٣٥. (٢) عند شرح الحديث (٤٢٧٤). ٥٠٠ باب ٤٧ / ح ٤٢٨٠ فتح الباري بشرح البخاري أبا سفيانَ، اليومَ يومُ المَلْحَمةِ، اليومَ تُستَحِلُّ الكعبةُ، فقال أبو سفيانَ: يا عبَّاسُ، حَبَّذًا يومُ الدِّمار، ثمَّ جاءت كَتِيبةٌ، وهي أقلُّ الكتائبِ، فيهم رسولُ الله وٍَّ وأصحابُه، ورايةُ النبيِّ وَل معَ الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ، فلمَّا مَّ رسولُ الله ◌َِّ بأبي سفيانَ: قال: ألم تَعْلَم ما قال سعدُ بنُ عُبَادةَ؟ قال: ((ما قال؟)) قال: كذا وكذا، فقال: ((كَذَبَ سعدٌ، ولكنْ هذا يومٌ يُعظِّمُ اللهُ فيه الكعبةَ، ويومٌ تُكسَى فيه الكعبةُ)) قال: وأمَرَ رسولُ الله ◌ِِّ أَن تُركَزَ رایتُهُ بالحَجُونِ. قال عُرْوةُ: وأخبرني نافعُ بنُ جُبَير بنِ مُطْعِم، قال: سمعتُ العبَّاسَ يقول للزُّبَيرِ بن العَوّامِ: يا أبا عبدِ الله، هاهُنا أمَرَكَ رسولُ اللهِ وَهِ أَن تَرِكُزَ الرّايَةَ؟ قال: وأمَرَ رسولُ الله ◌ِلَيهِ يومَئذٍ خالدَ بنَ الوليدِ أن يَدخُلَ من أعلى مكَّةَ مِن كَدَاءٍ، ودَخَلَ النبيُّ ◌َِّ مِن كُدا، فَقُتِلَ من خيلٍ خالد بن الوليد ه يومَئذٍ رجلان: حُبَيْشُ بنُ الأشعَرِ، وكُرْزُ بنُ جابرِ الفِهْريّ. قوله: ((باب أينَ رَكَزَ النبيّ وَِّ الرّاية يوم الفتح؟)) أي: بيان المكان الذي رُكِزَت فيه راية النبيّ ◌َاليم بأمره. قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة ((عن أبيه قال: لمَّا سارَ رسولُ الله وَ لير عام الفتح)) هكذا أورَدَه مُرسَلاً، ولم أرَه في شيء من الطّرق عن عُرْوة موصولاً، ومقصود البخاريّ منه ما تَرجَمَ به وهو آخِر الحديث، فإنَّه موصول عن عُرْوة عن نافع بن جُبَير بن مُطعِم عن العبّاس بن عبد المطَّلِّب والزُّبَير بن العَوام. قوله: (فبَلَغَ ذلك قُرَيشاً) ظاهره أنَّهم بَلَغَهم مَسِيرُه قبل خروج أبي سفيان وحَكيم بن حِزام، والذي عند ابن إسحاق وعند ابن عائذ من («مغازي عُرْوة)): ثمَّ خَرَجوا وقادُوا الخُيُولَ حتَّى نزلوا بمَرِّ الظَّهْران، ولم تعلم بهم قُرَيٌ. وكذا في رواية أبي سَلَمةَ عند ابن أبي شَيْبةٍ (١٤ / ٤٧٣ - ٤٨٠): أنَّ النبيّ ◌َّهِ أُمَر بالطُّرقِ فحُبسَت، ثمَّ خرج، فغُمَّ على أهل مكَّة الأمر، فقال أبو سفيان لحَكيمٍ بن حِزام: هل لك أن تَركَب إلى مَوِّ (١) لعلَّنا أن نَلقَى خَبَراً؟ فقال له بُدَيل بن وَرْقاء: وأنا معكم، قالا: وأنتَ إن شِئتَ، فرَكِبوا. (١) تحرفت في الأصلين و(س) إلى: أمر. وإنما أراد أبو سفيان بمرِّ مَرَّ الظهران.