النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
باب ٣٧ / ح ٤٢٤٠-٤٢٤١
كتاب المغازي
قوله: ((رَقِيَ الِبَرَ (١)) بكسرِ القاف بعدَها تحتانيَّة، أي: عَلا. وحَكَى ابن التِّين أنَّه رآه في
نُسخةٍ بفتح القاف بعدها ألف، وهو تحريف.
قوله: ((وعَذَرَه)) بفتح العين والذّال، على أنَّه فِعل ماضٍ، ولغير أبي ذرِّ بضمِّ العين وإسكان
الذّال عَطفاً على مفعولِ ((وذكر)).
قوله: ((وَشَهَّدَ عليٌّ فعَظَّمَ حَقَّ أبي بكر)» زاد مسلم في روايته (٥٣/١٧٥٩) من طريق
مَعمَر عن الزُّهْريِّ: وذكر فضيلتَه وسابِقتَهُ، ثمَّ مَضَى إلى أبي بكر فبایعَه.
قوله: ((وكان المسلمونَ إلى عليٍّ قريباً) أي: كان وُدُّهم له قريباً ((حين راجَعَ الأمرَ
المعروفَ))(٢) أي: من الدُّخول فيما دَخَلَ فيه الناس.
قال القُرطُبيّ: مَن تأمَّلَ ما دار بين أبي بكر وعليٍّ من المعاتَبة ومن الاعتذار، وما تَضَمَّنَ
ذلك من الإنصاف عَرَفَ أنَّ بعضَهم كان يَعتَرِفُ بفضلِ الآخَرِ، وأنَّ قلوبَهم كانت مُتَّفِقة
على الاحترام والمحَبّة، وإن كان الطَّبع البشريّ قد يَغْلِب أحياناً، لكنَّ الدّيانة تَرُدُّ ذلك،
والله الموفِّق ..
وقد تَسَّك الرافضةُ بتأخّرٍ عليٍّ عن بيعة أبي بكر إلى أن ماتت فاطمة، وهَذَیائُهم في ذلك
مشهور. وفي هذا الحديث الصحيح(٣) ما يَدِفَع في حُجَّتِهم. وقد صَحَّحَ ابن حِبّان (٤) وغيره
من حديث أبي سعيد الخُذْريِّ وغيره: أنَّ عليّاً بايعَ أبا بكر في أوَّل الأمرِ. وأمَّا ما وَقَعَ في
مسلم: عن الزّهْريِّ أنَّ رجلاً قال له: لم يُبايع عليٍّ أبا بكر حتَّى ماتت فاطمة، قال: لا ولا
(١) كذا في الأصول و(س): رقي المنبر. مع أنَّ الذي في اليونينية و((إرشاد الساري)) دون حكاية خلاف: رقي
على المنبر. بتعدیته بحرف الجر. وکلاهما جائز.
(٢) تحرف في (س) إلى: بالمعروف.
(٣) لفظة ((الصحيح)) سقطت من (س).
(٤) كذا عزاه الحافظ رحمه الله لابن حبان، ولم نقف عليه في ((صحيحه)) المطبوع، ولا عزاه الحافظ نفسه إليه
في («إتحاف المهرة)) (٤٨٥٧)، وإنما اقتصر على عزوه للحاكم وأحمد، فلعلَّ ما وقع هنا منه سبق قلم، أراد
أن يقول الحاكم، فقال: ابن حبان، والله أعلم. وهو عند الحاكم ٧٦/٣. ورواية أحمد (٢١٦١٧) مختصرة
لیس فیھا ذکر علي.

٤٤٢
باب ٣٧ / ح ٤٢٤٢ - ٤٢٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
أحدٌ من بني هاشم. فقد ضَعَّفَه البيهقيُّ بأنَّ الزّهْرِيَّ لم يُسنِدِه، وأنَّ الرّوايةَ الموصولةَ عن
أبي سعيد أصحّ. وجمعَ غيرُه بأنَّه بايعَه بيعة ثانية مُؤكِّدة للأولى، لإزالة ما كان وَقَعَ بسبب
الميراثِ كما تقدَّم، وعلى هذا فيُحمَل قول الزُّهْريِّ لم يُبابِعه عليٌّ في تلك الأيام على إرادة
الملازمة له والحضورِ عندَه وما أشبه ذلك، فإنَّ في انقطاع مثلِه عن مثلِه ما يوهمُ مَن لا يَعرِف
باطِنَ الأمر أنَّه بسبب عَدَمِ الرِّضا بخلافتِه، فأطلقَ مَن أطلقَ ذلك، وبسبب ذلك أظهَر عليٌّ
المبايعةَ التي بعدَ موتِ فاطمةَ عليها السَّلامُ، لإزالة هذه الشُّبهة.
٤٢٤٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حذَّثني حَرَمِيٌّ، حذَّثنا شُعْبُ، قال: أخبرني عُمارةُ، عن عِكْرمَ،
عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لمَّا فُتِحَت خَييرُ قُلْنا: الآنَ نَشْبَعُ مِن الَّهْرِ.
٤٢٤٣- حدَّثنا الحسنُ، حدَّثنا قُرَةُ بنُ حبيبٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ دِینارٍ،
عن أبيه، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: قال: ما شَبِعْنا حتَّى فَتَحْنا خَيْرَ.
الحديث التاسع والعشرون:
قوله: ((حدَّثني حَرَميّ)) هو بفتح المهمَلة والراءِ وكسر الميمِ بعدها تحتانيَّة ثقيلة، اسم
بلفظ النَّسَب، وهو ابن عُمارة شيخ شيخه، وعُمارة: هو ابن أبي حفصة، وعِكْرمة: هو مَولَى
ابن عبّاس، وليس لعِكْرمة عن عائشةً في البخاريّ غير هذا الحديث، وآخر سَبَقَ في
الطَّهارة (٣٠٩)، وثالث يأتي في اللِّباس (٥٨٢٥).
قوله: ((قلنا: الآنَ نَشَبَعُ من التمرِ)) أي: لكَثْرة ما فيها من النَّخيلِ. وفيه إشارة إلى أنَّهم
كانوا قبل فتحِها في قِلّةٍ من العیشِ.
الحدیث الثلاثون:
قوله: ((حدَّثنا الحسن)) هو ابن محمد بن الصبّاحِ الَّعفَرانيّ، وَقَعَ مَنسوباً في رواية أبي
عليّ بن السَّكَن عن الفِرَبْري، وقال الكَلاباذيّ: يقال: إنَّه الَّعفَرانيّ، وأمَّا الحاكم فقال: هو
٤٩٦/٧ الحسن بن شُجاع، يعني: البَلْخِيّ، أحدُ الحُفّاظ، وهو من أقران البخاريِّ، وماتَ/ قبلَه
بائتَتَي عشرةَ سنة، وهو شابّ. وسيأتي في تفسير سورة الزُّمرِ حديث آخر (٤٨١٣) عن الحسن،

٤٤٣
باب ٣٨ / ح ٤٢٤٤-٤٢٤٧
كتاب المغازي
غير منسوب، فقيل أيضاً: إنَّه هو. وقُرّةُ بنُ حبيبٍ، أي: ابن يزيد القَنَويّ، بفتح القاف
والنّونِ الخفيفة، نسبةً إلى بيع القَنا، وهي الرِّماح، وكذا يقال له أيضاً: الرَّمَّاح، وهو قُشَيريّ
النَّسَب، بصريٌّ، أصلُه من نَيْسابور، وقد لَقيَه البخاريّ وحدَّث عنه في ((الأدب المفردِ))،
وليس له في ((الصحيح)) سوى هذا الموضع، وماتَ سنة أربعٍ وعشرين ومئتَينٍ.
قوله: ((ما شَبِعنا حتَّى فَتَحْنا خَيْبَرَ)) يُؤْيِّدُ حديثَ عائشةَ الذي قبله.
٣٨- باب استعمال النبيّ وَّ على أهل خيبر
٤٢٤٤، ٤٢٤٥ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ المجيدِ بنِ سُهَيلٍ، عن
سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ وأبي هريرةَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وَل
استَعمَلَ رجلاً على خَيْرَ، فجاءه بتَمْرِ جَنِيبٍ، فقال رسولُ الله وَّةِ: ((كلُّ تَمْرِ خَيْبرَ هكذا؟))
قال: لا والله يا رسولَ الله، إنّا لَنأْخُذُ الصّاعَ من هذا بالصّاعَينِ بالثَّلاثةِ، فقال: ((لا تَفْعَلْ، بع
الجمعَ بالدَّراهمِ، ثمَّ ابتَعْ بالدَّراهمِ جَنِيباً».
٤٢٤٦، ٤٢٤٧- وقال عبدُ العزيزِ بنُّ محمَّدٍ: عن عبد المجيدِ، عن سعيدٍ، أنَّ أبا سعيدٍ وأبا
هريرةَ حَدَّثَاهِ: أنَّ النبيَّ وَلَّهَبَعَثَ أخا بني عَدِيٌّ مِن الأنصار إلى خَيْبِرَ، فأمَرَه عليها.
وعن عبدِ المجيدِ، عن أبي صالحِ السَّان، عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ، مِثلَه.
قوله: ((باب استِعمال النبيّ ◌َ ﴿ه على أهل خَيبَرَ)) أي: بعد فتحها لتنمية الثمار.
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أوَيسٍ. وسَبَقَ الحديثُ وشرحُه في أواخرِ الْبُيوع
(٢٢٠١).
قوله: ((وقال عبد العزيز بن محمد)) هو الدَّراوَرديّ. وقد وَصَلَه أبو عَوَانة (٥٤٤٣)
والدّارَ قُطنيُّ (٢٨٤٩) و(٢٨٥٠) من طريقِهِ.
قوله: ((عن عبد المجيد)) هو ابن سُهَيل شيخ مالك فيه.
قوله: ((عن سعيد)) هو ابن المسيّب.

٤٤٤
باب ٣٩ -٤٠ / ح ٤٢٤٨ -٤٢٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بَعَثَ أخا بني عَديٍّ من الأنصار)) في رواية أبي عَوَانة والدّارَقُطنيّ: سواد بن
غَزِيَّة. وهو من بني عَديٍّ بن النَّجّار، وسواد بتخفيفِ الواو، وشَذَّ السُّهَيلِيُّ فِشَدَّدَها، ولعلَّه
اعتَمَدَ على بعض ما في نُسَخ الدّارَ قُطنيِّ: سوار، آخره راء، لكن ذكر أبو عمر أنَّها تصحيف.
وروى الخطيب(١) من وجهٍ آخرَ: أنَّ النبيَّ وَّهِ استعملَ على خَيْبَرَ فلان بن صَعصَعةَ،
فلعلَّها قِصّةٌ أُخرَى.
قوله: ((وعن عبد المجيد)) هو مَعطوف على الذي قبله، وهو عن عبد العزيز الدَّراوَرديِّ
عن عبد المجيد، فلعبد المجيد فيه شيخان، والله أعلم.
٣٩- باب معاملة النبيّ ◌َليل أهل خيبر
٤٢٤٨ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيرِيةُ، عن نافع، عن عبدِ الله ﴾، قال:
أعطَى النبيُّ ◌َّهِ خَيْرَ اليهودَ أن يَعْمَلوها ويَزْرَعوها، ولهم شَطْرُ ما يَخْرُجُ مِنْها.
قوله: ((باب مُعامَلة النبيِّ وَ ﴿ أَهلَ خَيْيَرَ)) ذكر فيه حديث ابن عمر مختصراً، وقد تقدَّم
في المزارعة مع شرحِه واضحاً (٢٣٢٨).
٤٠ - باب الشّاة الّتي سُمّت للنّبيّ وَّ بخيير
٤٩٧/٧
رواه عُرْوةُ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ◌َِّ.
٤٢٤٩- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدَّثنا اللَيثُ، حدَّثني سعيدٌ، عن أبي هريرةَ عُه،
قال: لمَّا فُتِحَت خَيِبرُ أُهْدِيَتْ لِرسولِ اللهِّ شاةٌ فيها سُمِّ.
قوله: ((باب الشّاة التي سُمَّت للنبيِّ وَ﴿ بِخَيِبَرَ)) أي: جُعِلَ فيها السُّمّ، والسُّمُّ مُثَلَّثُ
السّينِ.
قوله: ((رواه عُرْوة عن عائشة)) لعلَّه يشيرُ إلى الحديث الذي ذكره في الوفاة النَّبويّة من
هذا الوجه مُعلَّقاً أيضاً، وسيأتي ذِكرُه هناك (٤٤٢٨).
(١) في ((الأسماء المبهمة)) ص ٣٧٥ من حديث مالك بن صعصعة: أنَّ النبي ◌َّليل كان يبعثه إلى تمر خيبر يستوفيه. كذا
سماه مالكاً، ولم يقل: فلان، كما قال الحافظ هنا.

٤٤٥
باب ٤٠ / ح ٤٢٤٩
كتاب المغازي
قوله: ((حدَّثني سعيد)) هو ابن أبي سعيد المقبريّ.
قوله: ((لمَّا فُتِحَت خَيْبَرَ أُهديَتْ لرسولِ اللهِوَِّ شاةٌ فيها سُمِّ)) هكذا أورَدَه مختصراً، وقد
سَبَقَ مُطوَّلاً في أواخرِ الجِزية (٣١٦٩)، فذكر هذا الطَّرَفَ، وزادَ: فقال النبيُّ ◌َّ: ((اجَمَعوا
لي مَن كان هاهنا من يهودَ» فذكر الحديث. وسيأتي شرح ما يتعلَّق بذلك في كتاب الطِّبّ
(٥٧٧٧). قال ابن إسحاق: لمَّ اطمأنَّ النبيُّ وَّ بعدَ فتح خَيْبَرَ أهدَت له زينب بنت
الحارث امرأة سَلَام بن مِشْكَم شاةً مَشويَّةً(١)، وكانت سألَت: أيُّ عُضو من الشّاة أحَبّ
إليه؟ قيل لها: الذِّراع، فأكثرَت فيها من السُّمِّ، فلمَّا تَناوَلَ الذِّراع لاكَ منها مُضغة ولم
يُسِغْها، وأكَلَ معه بشرُ بن البراءِ فأساغَ لُقْمتَه، فذكر القِصّة، وأنَّه صَفَحَ عنها، وأنَّ بشرَ بنَ
البراءِ ماتَ منها.
وروى البيهقيُّ(٢) من طريق سفيان بن حُسَينٍ عن الزُّهْريِّ عن سعيد بن المسيّب وأبي
سَلَمة عن أبي هريرة: أنَّ امرأةً من اليهودِ أهدَت لرسولِ الله ◌ِ لّهِشَاةً مَسمومةً فأكَل، فقال
لأصحابه: ((أمسِكوا فإنَّهَا مَسمومة)) وقال لها: ((ما حَمَلك على ذلك؟)) قالت: أردت إن
كنت نبيّاً فيُطلِعُك الله، وإن كنت كاذِباً فأُريحُ الناسَ مِنك، قال: فما عَرَضَ لها. ومن طريق
أبي نَضْرةَ عن جابر نحوه، فقال: فلم يُعاقبها. وروى عبد الرَّزّاق في «مُصنَّفِه)) (١٩٨١٤)
عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ عن عبد الرحمن بن كعب مثله، وزادَ: فاحتَجَمَ على الكاهل. قال:
قال الزُّهْري: فأسلَمت فتَرَكَها. قال مَعمَر: والناس يقولون: قتلها. وأخرج ابن سعد
(٢/ ٢٠١ -٢٠٣) عن شيخِه الواقديِّ بأسانيدَ مُتَعَدِّدة له هذه القِصّة مُطوَّلة. وفي آخره: قال:
فدَفَعَها إلى وُلاة بشرِ بن البراء فقَتَلوها. قال الواقديُّ: وهو الثََّت.
وأخرج أبو داود (٤٥١٠) من طريق يونس عن الزُّهْريِّ عن جابر، نحو رواية مَعمَر
عنه، وهذا مُنقَطِع لأنَّ الزّهْريَّ لم يَسمَع من جابر، و(٤٥١١) من طريق محمد بن عَمْرو
(١) في (أ) و(د): مسمومة.
(٢) في ((الدلائل)) ٢٥٩/٤ - ٢٦٠.

٤٤٦
باب ٤٠ / ح ٤٢٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
عن أبي سَلَمة، نحوه مُرسَلاً. قال البيهقيُّ(١): وَصَلَه حَمَّاد بن سَلَمة عن محمد بن عَمْرو عن
أبي سَلَمة عن أبي هريرة.
قال البيهقيُّ: يُحتمل أن يكون تَرَكَها أوَّلاً ثمَّ لمَّا ماتَ بشر بن البراءِ من الأكلة قتلها.
وبذلك أجابَ السُّهَيليُّ وزادَ: أَنَّه كان تَرَكَها لأنَّه كان لا يَنْتَقِم لنفسِهِ، ثمَّ قتلها بِبِشٍ
قِصاصاً.
قلت: ويُحتمل أن يكون تَرَكَها لكونها أسلَمَت، وإنَّما أخّرَ قتلَها حتَّى ماتَ بشر، لأنَّ
بموتِهِ تَحَقَّقَ وُجوب القِصاص بشرطِهِ. ووافق موسى بنُ عُقْبة على تسميَتِها زَينبَ بنت
الحارث. وأخرج الواقديُّ بسندٍ له عن الزّهْرِيِّ(٢): أنَّ النبيَّ ◌َّه قال لها: ((ما حَمَلك على ما
فعَلت؟)) قالت: قَتَلتَ أبي وعَمّي وزوجي وأخي. قال(٣): فسألت إبراهيمَ بن جعفر فقال:
عَمّها يَسار وكان من أجبَنٍ(٤) الناس، وهو الذي أُنزِلَ من الشِّقِّ(٥)، وأخوها زُبَير، وزوجها
سَلَامُ بن مِشكَم، ووَقَعَ في ((سُنَنِ أبي داود)) (٤٥٠٩): أُخت مَرَحَب، وبه جَزَمَ السُّهَيلِيّ،
وعند البيهقيِّ في ((الدَّلائلِ)) (٢٦٣/٤): بنت أخي مَرحَبٍ.
ولم يَنْفَرِد الزُّهْرِيُّ بِدَعْواه أنَّها أسلَمَت، فقد جَزَمَ بذلك سليمان التيميُّ في ((مغازيه))
ولفظُه بعد قولها: وإن كنت كاذباً أرَحتُ الناسَ مِنك، وقد استَبان لي الآن أنَّك صادق،
٤٩٨/٧ وأنا أُشهِدُك ومَن حَضَرَ أنّ على دينك، وأن/ لا إلهَ إلّا الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله، قال:
فانصَرَفَ عنها حين أسلَمَت.
(١) كذا قال في ((الدلائل)) ٢٦٢/٤، ورواه بإسناده إلى حماد بن سلمة به في ((السنن الكبرى)) ٤٦/٨.
(٢) قد روى الواقدي هذه القصة بعدة أسانيد له، كما يظهر من ((طبقات ابن سعد)) ٢/ ٢٠٢، ولم يميز روايةً عن
أخرى إلّا بقوله: وقال بعضهم. فلا ندري كيف جزم الحافظ رحمه الله أنه عن الزهري.
(٣) القائل هو الواقدي نفسه، كما يظهر من («مغازيه)) ٦٧٩/٢ لكن وقع في المطبوع قال عبد الله: سألت إبراهيم بن
جعفر. وهو خطأ صوابه: قال أبو عبد الله، وهي كنية الواقدي، وإبراهيم شيخه.
(٤) كذا في (ع) و(س)، وفي (أ) و(د): أخبث، وفي ((مغازي الواقدي)): أخبر.
(٥) تحرف في (أ) و(س) إلى: الرف، وفي (ع) إلى: الزق، وفي (د) إلى: الرب. والتصويب من ((مغازي الواقدي))
٦٧٩/٢. والشقّ هو أحد حصون خيبر.

٤٤٧
باب ٤١ / ح ٤٢٥٠
كتاب المغازي
وقد اشتَمَلَت قِصّة خَيْبَر على أحكام كثيرةٍ: منها جوازُ قتال الكفّار في أشهرِ الحُرُم.
والإغارةُ على مَن بَلَغَته الدَّعوة بغير إنذارٍ. وقِسمةُ الغنيمة على السِّهام. وأكلُ الطَّعام الذي
يُصابُ من المشركين قبلَ القسمة لمن يَحتاجُ إليه بشرطِ أن لا يَدَّخِرَه ولا يُحوِّلَه. وأنَّ مَدَدَ
الجيشِ إذا حَضَرَ بعد انقضاءِ الحرب يُسهَمُ له إن رَضِيَ الجماعةُ كما وَقَعَ لجعفر والأشعَرِيّين،
ولا يُسهَمُ لهم إلّا إذا رَضُوا، كما وَقَعَ لأبان بن سعيد وأصحابه، وبذلك يُجمَع بين الأخبار.
ومنها تحريم لحوم الحُمر الأهليّة. وأنَّ ما لا يُؤكَل لحمه لا يَطهر بالذَّكاة. وتحريم مُتعة
النِّساء. وجواز المساقاة والمزارَعة. وتُثبِتُ(١) عَقدَ الصُّلح والتوَثُّقَ من أرباب التُّهَم. وأنَّ
مَن خالَفَ من أهل الذِّمّة ما شُرِطَ عليه انتَقَضَ عَهْده وهُدِرَ دمه. وأنَّ مَن أخَذَ شيئاً من
الغنيمة قبل القسمة لم يَملِكه، ولو كان دونَ حَقِّهِ. وأنَّ الإمامَ مُخُيَّر في أرضِ العَنوة بين
قِسمَتِها وتَركِها. وجواز إجلاء أهل الذِّمّة إذا استُغني عنهم. وجواز البناء بالأهلِ بالسَّفَرِ.
والأكل من طعام أهلِ الكتاب وقَبُولِ هَديَّتِهم. وقد ذكرت غالب هذه الأحكام في أبوابها،
والله الهادي للصّواب.
٤١ - غَزْوةُ زيد بن حارثةَ
٤٢٥٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، حذَّثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ
دينارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: أمَّرَ رسولُ اللهِ وََّ أُسامةَ على قومٍ، فطَعَنوا في
إِمارَتِهِ، فقال: ((إن تَطْعُنوا في إمارَتِهِ فقد طَعَنتُم في إمارةٍ أبيه من قبلِهِ، وايمُ الله، لقد كان خَلِيقاً
للإمارةِ، وإن كان من أحَبِّ الناسِ إليَّ، وإنَّ هذا لَمن أحَبِّ الناسِ إليَّ بعدَه)).
قوله: ((غزوة زيد بن حارثة)) بالمهمَلة والمثلَّثة، مَولَى النبيِّ ◌ٍَّ ووالد أُسامة بن زيد، ذكر
فيه حديث ابن عمر في بَعْثِ أُسامة، وسيأتي شرحه في أواخر المغازي (٤٤٦٨ و٤٤٦٩)،
والغرض منه قوله: ((فقد طَعَنتُم في إمارة أبيه من قبلِه)). وسيأتي قريباً بعد غزوة مؤتة
(٤٢٧٢) حديث أبي عاصم عن يزيد بن أبي عُبيد عن سَلَمة بن الأكوع قال: غَزَوت مع
(١) تحرفت في (س) إلى: ويثبت، وإنما هي بالتاء، أي: تُثبت قصة خيبر عقدَ الصلح ...

٤٤٨
باب ٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
النبيّ وَّ سبع غَزَوات، وغَزَوت مع ابن حارثة، استعملَه علينا. هكذا ذكره مُبهَماً. ورواه
أبو مسلم الكَجِّيّ عن أبي عاصم بلفظ: وغَزَوت مع زيد بن حارثة سبع غَزَوات، يُؤَمِّرُه
علينا. وكذلك أخرجه الطبرانيُّ (٦٢٨٢) عن أبي مسلم بهذا اللَّفظ. وأخرجه أبو نُعَيم في
((المستخرَجِ)) عن أبي شُعَيب الحرَّانيّ عن أبي عاصم كذلك. وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من
طرق عن أبي عاصم.
وقد تَتَبَّعت ما ذكره أهل المغازي من سَرَايا زيد بن حارثة، فَبَلَغَت سبعاً كما قال سَلَمة،
وإن كان بعضهم ذكر ما لم يَذكُرْه بعضٌ، فأوَّلها: في جُمادَى الآخرة سنة خمس قِبَل نَجْد في مئة
راكب، والثانية: في ربيع الآخرِ سنة ستّ إلى بني سُلَيم، والثالثة: في جمادى الأولى منها في مئة
وسبعين، فتَلَقَّى عِيراً لقُرَيشٍ وأَسَروا أبا العاص بن الرَّبيع، والرابعة: في جُمادَى الآخِرة منها
إلى بني ثَعْلبة، والخامسة: إلى حُسمَى، بضمِّ المهمَلة وسكونِ المهمَلة مقصور، في خمس مئة إلى
ناسٍ من بني جُذام بطريق الشّام، كانوا قَطَعوا الطَّريقَ على دِخْيةَ وهو راجع من عندِ هِرَقل،
والسادسة: إلى وادي القُرَى، والسابعة: إلى ناس من بني فزارة، وكان خرج قبْلَها في تجارةٍ،
فخرج عليه ناس من بني فزارةَ، فأخذوا ما معه وضَرَبوه، فجَهَّزَه النبيُّ ◌َّهِ إليهم فأوقَعَ
بهم، وقتل أمّ قِرِفَةَ بكسرِ القاف وسكونِ الراءِ بعدَها فاءٌ، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر
زوج مالك بن حُذيفة بن بدر، عَمّ عُبَينَةَ بن حِصن بن حُذَيفة، وكانت مُعَظَّمة فيهم،
٤٩٧/٧ فيقال: / رَبَطَها في ذَنَب فَرَسَينِ وأجراهما فَتَقَطَّعَت، وأسَرَ بنتَها وكانت جميلة، ولعلَّ هذه
الأخيرة مُراد المصنِّف. وقد ذكر مسلم طَرَفاً منها من حديث سَلَمة بن الأكوع (١٧٥٥)(١).
٤٢- باب عُمْرة القضاءِ
ذكره أنسُ، عن النبيِّ وَّ.
قوله: ((باب عمرة القضاء)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلِي وحدَه: غزوة القضاء. والأوَّل
أولَى. ووجَّهوا كَونَها غزوةً بأنَّ موسى بن عُقْبة ذكر في ((المغازي)) عن ابن شهاب: أنَّه وَّل
(١) لكن وقع في رواية سلمة هذه أنَّ أبا بكر كان الأمير عليهم في تلك الغزوة!

٤٤٩
باب ٤٢
كتاب المغازي
خرج مُستَعِدّاً بالسِّلاح والمقاتِلة خَشْية أن يقع / من قُرَيشِ غَدْرٌ، فبَلَغَهم ذلك ففَزِعوا، ٤٩٨/٧
فَلَقِيَه مِكْرَزٌ فأخبَرَه أنَّه باقٍ على شرطِهِ، وأن لا يدخل مكَّة بسِلاح إلّ السُّيوف في أغمادها،
وإنَّما خرج في تلك الهيئة احتياطاً، فوَثِقَ بذلك، وأَخَّرَ النبيّ ◌ََّ السِّلاحَ مع طائفةٍ من
أصحابه خارج الحَرَمِ حتَّى رَجَع، ولا يَلزَم من إطلاق الغزوة وقوعُ المقاتلة. وقال ابن
الأثير: أدخَلَ البخاريّ عمرة القضاء في المغازي لكونها كانت مُسَبَّبة عن غزوة الحُدَيبية.
انتھی.
واختُلِفَ في سبب تسميَتِها عمرة القضاء، فقيل: المراد ما وَقَعَ من المقاضاة بين المسلمين
والمشركين من الكتاب الذي كُتِبَ بينهم بالحُدَيبية، فالمراد بالقضاء: الفصل الذي وَقَعَ عليه
الصُّلح، ولذلك يقال لها: عمرة القَضيَّة، قال أهل اللُّغة: قاضَى فلاناً: عاهَدَه، وقاضاه:
عاوَضَه، فيُحتمل تسميَتُها بذلك للأمرين(١)، قاله عياض، ويُرجِّحُ الثاني تسميتُها قِصاصاً،
قال الله تعالى: ﴿الشَّهُ الْخَرَامُ بِالشَّهْرِ الْخَرَامِ وَالْخَرُمَتُ قِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٩٤] قال السُّهَيليُّ: تسميتُها
عمرةَ القِصاص أولى، لأنَّ هذه الآية نزلت فيها.
قلت: كذا رواه ابن جَرِير (١٩٧/٢) وعبد بن حُميدٍ بإسنادٍ صحيح عن مجاهد. وبه
جَزَمَ سليمان التيميُّ في ((مغازيه)). وقال ابن إسحاق: بَلَغَنا عن ابن عبّاس فذكره، ووَصَلَه
الحاكم في ((الإكليل)) عن ابن عبّاس، لكن في إسنادِهِ الواقديّ(٢).
وقال السُّهَيليُّ: سُمَّت عمرة القضاءِ لأنَّه قاضَى فيها قُرَيشاً، لا لأنَّهَا قَضاء عن
العمرة التي صُدَّ عنها، لأنَّها لم تكن فسَدَت حتَّى يجبَ قَضاؤُها، بل كانت عمرةً تامّةً،
ولهذا عَدّوا عُمَرَ النبيِّ وَيّ أربعاً كما تقدَّم تقريره في كتاب الحجّ (١٧٧٥). وقال آخرونَ:
بل كانت قَضاءً عن العمرة الأولَى، وعُدَّت عمرةُ الْحُدَيبية في العُمَرِ لثبوتِ الأجرِ فيها، لا
لأنَّهَا كَمُلَت.
(١) في (س): لأمرين.
(٢) ووصله الطبري أيضاً ٢/ ١٩٧ من طريق أخرى عن ابن عباس، لكن فيها يوسف بن خالد السمتي،
وهو متروك.

٤٥٠
باب ٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
وهذا الخلاف مَبنيّ على الاختلاف في وُجوب القضاءِ على مَن اعتَمَرَ فصُدَّ عن البيت،
فقال الجمهور: يجب عليه الهَدْي ولا قَضاءَ عليهِ، وعن أبي حنيفة عَكسُه، وعن أحمد رواية:
أَنَّه لا يَلزَمُه هَديٌّ ولا قَضاءٌ، وأُخرَى: يَلزَمُه الهديُ والقضاء، فحُجّةُ الجمهورِ قوله تعالى:
﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدِِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحُجّةُ أبي حنيفةَ أنَّ العمرة تَلزَمُ بالشُّروعِ،
فإذا أُحِصِرَ جازَ له تأخيرُها، فإذا زالَ الحَصرُ أتى بها، ولا يَلِزَمُ من التحَلَّلِ بين الإحرامَينِ
سُقوط القضاء. وحُجّةٌ مَن أوجَبَها ما وَقَعَ للصَّحابة فإنَّهِم نَحَروا الهَديَ حيثُ صُدّوا،
واعتَمَروا من قابِلِ، وساقُوا الهدي. وقد روى أبو داود (١٨٦٤) من طريق أبي حاضر قال:
اعتَمَرت فأُحصِرتُ، فَتَحَرت الهَديَ وتَخَلَّلت، ثمَّ رجعت العامَ المقبلَ، فقال لي ابن عبّاس:
أبدِلِ(١) الهَديَ، فإنَّ رسول الله وَ لآل أمر أصحابه بذلك.
وحُجّة مَن لم يوجِبها أنَّ تَحَلُّلَهم بالخَصرِ لم يتوقَّف على نَحْر الهَدي، بل أمر من معه
هَدي أن يَنحَره، ومَن ليس معه هَدي أن يَحِلِق. واستَدَلَّ الكلّ بظاهرٍ أحاديث من
أوجَبَهما. قال ابن إسحاق: خرج النبيّ ◌َِّ في ذي القَعدة مثل الشَّهر الذي صَدَّ فيه
المشركونَ مُعتَمِراً عمرةَ القضاء مكانَ عمرَته التي صَدَّهُ عنها. وكذلك ذكر موسى بن عُقْبة
عن ابن شِهاب، وأبو الأسوَد عن عُرْوة، وسليمان التيميّ، جميعاً في ((مغازيهم)): أنَّه ◌َِيه
خرج إلى عمرة القضاء في ذي القَعدة.
وروى يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) بسندٍ حَسَن عن ابن عمر (٢) قال: كانت عمرة
القَضيَّ في ذي القَعدة سنة سبع. وفي («مغازي سليمان التيميّ)): «لمَّا رَجَعَ من خَيبَرَ بَثَّ
سَراياه، وأقامَ بالمدينة، حتَّى استَهَلَّ ذو القَعدة، فنادَى في الناس: أن تَجَهَّزوا إلى العمرة. وقال
(١) تصحفت في (س) إلى: ابذل. والصحیح: أبدل، کما يدل عليه تمام كلام ابن عباس.
(٢) كذا جعله الحافظ رحمه الله تعالى من مسند ابن عمر! وإنما هو في تاريخ يعقوب بن سفيان المسمى
((المعرفة والتاريخ)) من مسند نافع مولاه، كذلك أخرجه من طريقه البيهقي في ((الدلائل)) ٣١٣/٤، وفي
(السنن الكبرى)) ٣٤١/٤، وقال في ((معرفة السنن والآثار)) بعد أن ذكره (٩٢٢٠): هكذا ذكره نافع
مولى ابن عمر وغيره من أهل المغازي وأهل التواريخ. قلنا: وكذلك أورده الذهبي في ((تاريخ الإسلام))
في قسم المغازي عن نافع مولى ابن عمر، لم يجاوزه.

٤٥١
باب ٤٢
كتاب المغازي
ابن إسحاق: خرج معه من كان صُدَّ في تلك العمرة إلّا مَن ماتَ أو استُشهِد. وقال الحاكم
في ((الإكليل): تَواتَرَت الأخبار أنَّه ◌ِوَ لِ لمَّا هَلّ ذو القَعْدة أمَر أصحابه أن يَعتَمِروا قَضاءَ
عمرَتِهِم، وأن لا يَتَخلَّف منهم أحد شَهِدَ الْحُدَيبية، فخَرَجوا إلّا مَن استُشهِد، وخرج معه
آخرونَ مُعتَمِرين فكانت عُدّتهم ألفَينِ سِوَى النِّساء والصِّبيان. قال: وتُسَمَّى أيضاً عمرةً
الصُّلح. قلت: فتَحَصَّل من أسمائها أربعة: القضاء، والقَضيّة، والقِصاص، والصُّلح.
قوله: ((ذكره أنس عن النبيّ (وَ) كنت ذكرتُ/ في ((تغليق التعليق)) أنَّ مُراده حديث ٥٠١/٧
أنس في عدد عمر النبيّ وَّةِ، وقد تقدَّم موصولاً في الحجّ (١٧٧٨). ثمَّ ظَهَرَ لي الآنَ أنَّ
مُرادَه بحديثٍ أنس ما أخرجه عبد الرَّزّاق عنه من وجهَينِ:
أحدهما: روايته عن مَعمَر عن الزّهْريِّ عن أنس: أنَّ النبيّ وَِّ دَخَلَ مَكَّة في عمرة
القضاء، وعبد الله بن رواحة يُنشِدُ بین یَدَیه:
خلُّوا بني الكُفَّار عن سبيلِه قد أنزَلَ الرحمنُ في تنزيلِه
بأنَّ خِيرَ القتل في سَبيلِه نحنُ قَتْلْناكم على تأويله
كما قَتلْناكم على تنزيلِه
أخرجه أبو يعلى (٣٥٧١ و٣٥٧٩) من طريقه، وأخرجه الطبرانيُّ(١) عن عبد الله بن أحمد عن
أبيه عن عبد الرَّزّاق، وما وجدته في ((مُسنَد أحمد))، وقد أخرجه الطبرانيُّ أيضاً عالياً عن
إبراهيم بن أبي سوَيد عن عبد الرَّزّاق، ومن هذا الوجه أخرجه البيهقيُّ في ((الدَّلائل))
(٤ /٣٢٢)، وأخرجه من طريق أبي الأزهَر عن عبد الرَّزّاق، فذكر القسمَ الأوَّل من الرَّجَز،
وقال بعده:
اليوم نَضربْكم على تنزيلِه ضرباً يُزيل الهامَ عِن مَقيلِه
ويُذهِلُ الخليلَ عن خليلِه يا رَبّ إنّي مُؤمن بِقِيلِه
(١) وأخرجه عنه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤١١٢).

٤٥٢
باب ٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال الدّارَ قُطنيُّ في ((الأفراد)): تفرَّد به مَعمَر عن الزُّهْريِّ، وتفرَّد به عبد الرَّزّاق عن
مَعمَر. قلت: وقد رواه موسى بن عُقْبة في ((المغازي)) عن الزّهْريِّ أيضاً لكن لم يَذكُر أنساً،
وعنده بعد قوله: قد أنزَلَ الرحمن في تنزيله:
في صُحُفٍ تُتلَى على رسولِه
وذكره ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم، قال: بَلَغَني ... فذكره، وزاد بعد
قوله: یا رَبّ إنّي مُؤمن بقِيلِه:
إنّي رأيتُ الحقّ في قَبُولِه
وزَعَمَ ابن هشام في ((مختصر السِّيرة)) أنَّ قولَه: نحنُ ضَرَبناكم على تأويله، إلى آخِر
الشِّعر، مِن قول عمَّار بن ياسر قاله يوم صِفّين. قال: ويُؤْيِّده أنَّ المشركين لم يُقِرّوا بالتنزيلِ،
وإنَّما يُقاتَل على التأويل مَن أقَرَّ بالتنزيلِ. انتهى، وإذا ثَبَتَت الرِّواية فلا مانع من إطلاق
ذلك، فإنَّ التقدير على رأي ابن هشام: نحنُ ضَرَبناكم على تأويله، أي: حتَّى تُدْعِنوا إلى
ذلك التأويل. ويجوز أن يكون التقدير: نحنُ ضَرَبناكم على تأويل ما فهمنا منه حتَّی
تَدخُلوا فيها دَخَلْنا فيه. وإذا كان ذلك(١) مُحْتَمَلاً وثَبَتَت الرِّواية سَقَطَ الاعتراض.
نعم الرِّواية التي جاء فيها: فاليوم نَضِرِبْكم على تأويله، يَظهَر أنَّها قول عمَّر، ويَبعد أن
تكون قول ابن رواحة، لأَنَّه لم يقع في عمرة القضاء ضربٌ ولا قتال، وصحيح الرِّواية:
نحنُ ضَرَبناكم على تأويلِه كما ضَرَ بناكم على تنزيلِه
يشير بكلِّ منهما إلى ما مَضَى، ولا مانع أن يَتَمثَّل عمَّار بن ياسر بهذا الرَّجَزِ، ويقول هذه
اللَّفظة، ومعنى قوله: نحنُ ضَرَبناكم على تنزيله، أي: في عَهد الرَّسولِ فيما مَضَى، وقوله:
واليوم نَضِرِبْكم على تأويله، أي: الآن، وجازَ تسكين الباء لضَرُورة الشِّعر، بل هي لُغة
قُرِئَ بها في المشهور، والله أعلم.
(١) في (س): كذلك.

٤٥٣
باب ٤٢
كتاب المغازي
والرِّواية الثانية: رواية عبد الرَّزّاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس، أخرجها
البزَّار (٦٨٧٧) وقال: لم يَروِه عن ثابت إلّا جعفر بن سليمان. وأخرجها / التِّرمِذيّ (٢٨٤٧) ٥٠٢/٧
والنَّسائيُّ (٢٨٧٣) من طريقه بلفظ: إنَّ النبيّ ◌َِّ دَخَلَ مَّة في عمرة القضاء وعبد الله بن
رواحة بین یدیه یمشي، وهو يقول:
خَلُّوا بني الكُفَّارِ عن سبيلِه اليوم نَضربْكم على تنزيلِه
ضرباً يُزيلُ الهامَ عن مَقِيلِه ويُذهِلُ الخليلَ عن خليلِه
فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يَدَي رسول الله، وفي حَرَمِ الله تقول الشِّعر؟ فقال له
النبيّ وََّ: ((خَلّ عنه يا عمر، فلَهو أسرَع فيهم من نَضْحِ النَّبْل)). قال التِّرمِذيّ: حديث
صحيح غريب(١). وقد رواه عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ عن أنس نحوه. قال: وفي
غير هذا الحديث: أنَّ هذه القِصّة لكعب بن مالك، وهو أصحّ لأنَّ عبد الله بن رواحة قُتِلَ
بمُؤتَةَ وكانت عمرة القضاء بعد (٢) ذلك. قلت: وهو ذُهول شديد وغَلَط مردود، وما
أدري كيف وَقَعَ التِّرمِذيّ في ذلك مع وُفورِ مَعِرِفِتِه، ومع أنَّ في قِصّة عمرة القضاء
اختصام جعفرٍ وأخيه عليّ وزيد بن حارثة في بنت حمزة، كما سيأتي في هذا الباب (٤٢٥١)،
وجعفر قُتِلَ هو وزيدٌ وابن رواحة في مَوطِن واحد، كما سيأتي قريباً (٤٢٦١)، فكيف يَخْفَى
عليه - أعني الثِّرمِذيَّ - مثلُ هذا؟! ثمَّ وجدت عن بعضهم أنَّ الذي عند التِّرمِذيّ من
حديث أنس أنَّ ذلك كان في فتح مكَّة، فإن كان كذلك النَّجَهَ اعتراضُه، لكن الموجود بخَطِّ
الكَرُوخيّ راوي التِّرمِذيِّ ما تقدَّم، والله أعلم. وقد صَحَّحَه ابن حِبّان من الوجهَينِ(٣)
(١) المثبت من أصولنا الخطية موافقاً لما في («إتحاف المهرة)) (١٧٦٢) نقلاً عن الترمذي، لكن لم يرد في
((الإتحاف)) قوله: غريب. وفي النسخ المحققة من الترمذي: حسن صحيح غريب، كالذي جاء في ((تحفة
الأشراف)» (٢٦٦). ووقع في (س): حسن غريب.
(٢) في أصولنا الخطية و(س): قبل ذلك، وهو خطأ صريح، صوبناه من النسخ المحققة من ((جامع الترمذي))
وأورده عنه الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٣٥/١-٢٣٦ على الصواب.
(٣) يعني الطريقين عن أنس.

٤٥٤
باب ٤٢ / ح ٤٢٥١-٤٢٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
(٤٥٢١ و٥٧٨٨)، وعجبتُ من الحاكم كيف لم يَستَدرِكه مع أنه من الوجهِ الأوَّلِ على شرطِهما،
ومن الوجه الثاني على شرط مسلم لأجلِ جعفر.
ثم ذكر المصنف في الباب سبعة أحاديث:
٤٢٥١ - حدَّثني عُبيدُ الله بنُّ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ ﴾، قال:
لمَّا اعْتَمَرَ النبيُّ نَّه في ذي القَعْدةِ، فأبَى أهلُ مكَّةَ أن يَدَعُوه يَدخُلُ مكَّةَ، حتَّى قاضاهم على
أن يُقِيمَ بها ثلاثةَ أيام، فلمَّا كُتِبَ الكتابُ كَتَبوا: هذا ما قاضَى عليه محمَّدٌ رسولُ الله، قالوا: لا
نُقِرُّ لك بهذا، لو نَعْلَمُ أنَّكَ رسولُ الله ما مَنَعْناكَ شيئاً، ولكن أنتَ محمَّدُ بنُ عبدِ الله، فقال: «أنا
رسولُ الله، وأنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله)) ثمَّ قال لِعَلِيٍّ: ((امحُ رسولَ الله)) قال عليٌّ: لا والله، لا أمحوكَ
أبداً، فأخَذَ رسولُ الله ◌َِّ الكتابَ - وليس يُحْسِنُ يَكْتُبُ - فَكَتَبَ: هذا ما قاضَى عليه محمَّدُ بنُ
عبدِ الله، لا يُدخِلُ مكَّةَ السَّلاحَ إلَّ السَّيفَ في القِراب، وأن لا يَخْرُجَ من أهلِها بأحدٍ إن أرادَ أن
يَتْبَعَه، وأن لا يَمْنَعَ مِن أَصْحابه أحداً أرادَ أن يُقِيمَ بها، فلمَّا دَخَلَها ومَضَى الأجَلُ أتَوْا عليّاً،
فقالوا: قل لِصاحبِكَ: اخرُج عنَّا، فقد مَضَى الأجَلُ، فخَرَجَ النبيُّ نَّهِ. فَتَبِعَتْه ابنةُ حمزةَ تُنادي:
يا عَمِّ، يا عَمِّ، فَتَنَاوَهَا عليٌّ، فَأَخَذَ بيَدِها، وقال لِفاطمةَ عليها السَّلام: دونَكِ ابنةَ عَمِّكِ،
حَلَتْها، فاختَصَمَ فيها عليٍّ وزيدٌ وجعفرٌ، فقال عليٌّ: أنا أخَذْتُها وهي بنتُ عَمّي، وقال جعفرٌ:
بنتُ عَمّي وخالَتُها تحتي، وقال زيدٌ: بنتُ أخي، فَقَضَى بها النبيُّ وَِّ لِخالَتِها، وقال: «الخالةُ
بِمَنْزِلةِ الأُمِّ))، وقال لِعليٍّ: ((أنتَ منّي وأنا منكَ))، وقال لجعفرٍ: ((أشبَهْتَ خَلْقي وخُلُقِي))، وقال
لِزيدٍ: «أنتَ أخونا ومَوْلانا))، وقال عليٌّ: ألا تَتزوَّجُ بنتَ حمزةَ؟ قال: ((إنَّها بنتُ أخي مِن
الرَّضَاعة)).
٤٢٥٢ - حذَّثني محمَّدُ - هو ابن رافع - حدَّثنا سُرَيجٌ، حدَّثْنَا فُلَيَحْ (ح) وحدَّثني محمَّدُ بنُ
الحسينِ بنِ إبراهيمَ، قال: حدَّثني أبي، حدَّثنا فُلَيحُ بنُ سليمانَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌َ خَرَجَ مُعتَمِراً، فحالَ كَفَّارُ قُرَيشٍ بينَه وبينَ البيتِ، فَتَحَرَ هَذْيَه،
وحَلَقَ رأسَه بالحُدَيِيةِ، وقاضاهم على أن يَعْتَمِرَ العامَ المُقْبِلَ، ولا يَحْمِلَ سِلاحاً عليهم، إلا
سُيوفاً، ولا يُقِيمَ بها إلّا ما أحَبُّوا، فاعْتَمَرَ مِن العامِ المُقْبِلِ، فَدَخَلَها كما كان صالَهم، فلمَّا أن

٤٥٥
باب ٤٢ / ح ٤٢٥١-٤٢٥٢
كتاب المغازي
أقامَ بها ثلاثاً أمَروه أن يَخْرُجَ فخَرَجَ.
الأول: حديث البراء بن عازب.
قوله: ((عن البراء)) في رواية شُعْبة عن أبي إسحاق: سمعت البراء. أخرجها في الصُّلح
(٢٦٩٨).
قوله: ((اعتَمَرَ النبيّ ◌َّه في ذي القَعدة)) أي: سنة ستُّ.
قوله: ((أن يَدَعوه)» بفتح الدّال، أي: يَترُكوه.
قوله: ((حتَّى قاضاهم على أن يُقيم بها ثلاثة أيام)) أي: من العام المقبل، وصَرَّحَ به في
حديث ابن عمر الذي بعده، وتقدَّم سبب هذه المقاضاة في الكلام على حديث المِسوَر في
الشُّروط (٢٧٣١) مُستَوفَّى.
قوله: ((فلمَّا كُتِبَ الكتاب)) كذا هو بضمِّ الكاف من («كُتِبَ)) على البناءِ للمجهولِ، وللأکثر:
كَتَبوا، بصيغة الجمع، وتقدَّم في الجِزية (٣١٨٤) من طريق يوسف بن أبي إسحاق عن أبي
إسحاق بلفظ: فأخَذَ يَكتُب بينهم الشَّرْطَ عليّ بن أبي طالب. وفي رواية شُعْبة: كَتَبَ عليٌّ بينهم
كتاباً. وفي حديث المِسوَر: قال: فدعا النبيّ ◌َّ الكاتب فقال: ((اكتُب: بسم الله الرحمن الرحيم))
فقال سُهَيل: أمَّا الرحمن فوالله ما أدري ما هي(١)، ولكن اكتُب: باسمِك اللهمَّ، كما كنت
تَكتُب، فقال المسلمونَ: لا نَكتُبها إلّا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبيّ وَّ: ((اكتُب
باسمِك اللهمَّ)). ونحوه في حديث أنس باختصار ولفظه: أنَّ قُرَيشاً صالَحَوا النبيَّ ◌َِّ، فيهم
◌ُهَيل بن عَمْرو، فقال النبيّ ◌َّ لعليٍّ: ((اكتُب: بسمِ الله الرحمن الرحيم)) فقال سُهَيٌ: ما ندري
ما ((بسمِ الله الرحمن الرحيم)) ولكن اكتُب ما نَعِرِف: باسمِك اللهمَّ(٢)، وللحاكمِ من حديث
عبد الله بن مُغفَّلِ: فقال النبيُّ ◌َطِّ: ((اكتُب: بسمِ الله الرحمن الرحيم)) فأمسَكَ سُهَيٌ بيَدِه،
فقال: اكتُب في قَضَّتِنا ما نَعرِف، فقال: ((اكتُب: باسمِك اللهمّ)) فَكَتَبَ(٣).
(١) كذا في الأصلين، وهي رواية الحموي والمستملي، وفي (س): ما هو، بالتذكير. وهي رواية الكشميهني.
(٢) أخرجه أحمد (١٣٨٢٧)، ومسلم (١٧٨٤).
(٣) الرواية المشار إليها الغالب أنها في ((الإكليل))، وقد فات الحافظ رحمه الله أن يعزوها لأحمد، وهي عنده
برقم (١٦٨٠٠).

٤٥٦
باب ٤٢ / ح ٤٢٥١ -٤٢٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((هذا)) إشارة إلى ما في الذِّهنِ.
قوله: ((ما قاضَى)) خَبَرَ مُفسِّر له، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: هذا ما قاضانا. وهو غَلَط،
وكأنَّه لمَّا رأى قوله: كَتَبُوا(١)، ظنَّ بأنَّ المراد قُرَيش، وليس كذلك بل المراد المسلمون،
ونسبةُ ذلك إليهم وإن كان الكاتب واحداً مَجَازَّة، وفي حديث عبد الله بن مُغفَّل المذكور:
فَكَتَبَ: هذا ما صالَحَ محمد رسول الله أهلَ مكَّة.
قوله: ((قالوا: لا نُقِرّ لك بهذا)» تقدَّم في الصُّلح (٢٦٩٩) بهذا الإسناد بعَينِه، بلفظ: فقالوا: لا
نُقِرّ بها، أي: بالنُّبّة.
٥٠٣/٧ قوله: ((لو نَعلم أنَّك رسول الله / ما مَنَعناك شيئاً)) زاد في رواية يوسف (٣١٨٤):
ولَبايعناك. وعند النَّسائيِّ (ك٨٥٢٥) عن أحمد بن سليمان عن عُبيد الله بن موسى شيخ
البخاريّ فيه: ما مَنَعناك بيتَه، وفي رواية شُعْبة عن أبي إسحاق: لو كنت رسولَ الله لم
نُقاتلْك، وفي حديث أنس: لاتَّبَعناك، وفي حديث المِسوَر: فقال سُهَيل بن عَمْرو: والله لو
كنَّا نعلمُ أَنَّك رسول الله ما صَدَدْناك عن البيت ولا قاتَلْناك، وفي رواية أبي الأسوَدِ عن عُرْوةً
في ((المغازي)): فقال سُهَيل: ظَلَمْناك إن أقرَرْنا لك بها ومَنَعناك، وفي حديثِ عبدِ الله بن
مُغفَّل: لقد ظَلَمْناك إن كنت رسولاً.
قوله: ((ولكن أنتَ محمد بن عبد الله)) في رواية يوسف وكذا حديث المِسوَر: ولكن اكتُب،
وكذا هو في رواية زكريّا عن أبي إسحاق عند مسلم (١٧٨٣ /٩٢)، وفي حديث أنس، وكذا
في مُرسَل عُرْوة: ولكن اكتب اسمك واسمَ أبيك، زاد في حديث عبدِ الله بن مُغفَّل: فقال:
اكتُبْ: هذا ما صالَحَ عليه محمدُ بن عبد الله بن عبد المطَّلِب.
قوله: ((ثُمَّ قال لعليّ: امحُ رسولَ الله)) أي: امحُ هذه الكلمة المكتوبة من الكتاب ((قال:
لا والله لا أمحوك أبداً)) وللنَّسائيِّ (ك٨٥٢٣) من طريق عَلقَمة بن قيس عن عليٍّ قال: كنت
كاتِبَ النبيِّ وَّةِ يومِ الْحُدَيبية، فَكَتَبتُ: هذا ما صالَحَ عليه محمد رسول الله، فقال سُهَيل:
(١) تحرف في (س) إلى: اكتبوا. على الأمر.

٤٥٧
باب ٤٢ / ح ٤٢٥١-٤٢٥٢
كتاب المغازي
لو علمنا أنَّه رسول الله ما قاتَلناه، امحُها، فقلت: هو والله رسولُ اللهِ وَّهِ وإن رَغَمَ أنفُك،
لا والله لا أمحوها. وكأنَّ عليّاً فهمَ أنَّ أمرَه له بذلك ليس مُتَحَتّاً، فلذلك امتَنَعَ من امتثالِه.
ووَقَعَ في رواية يوسف بعدُ: فقال لعليٍّ: ((امحُ رسولَ الله)) فقال: لا والله لا أَمحَاه أبداً، قال:
((فأرِنِيهِ)) فأراه إيّاه، فمَحاهُ النبيُّ وَّ بِيَدِه. ونحوه في رواية زكريّا عند مسلم، وفي حديث
عليٍّ عندَ النَّسائيِّ، وزاد: وقال: ((أما إنَّ لك مثلَها، وستأتيها وأنت مُضطَرٌ)) يشير وَله إلى ما
وَقَعَ لعليٌّ یومَ الحكمَينِ، فكان كذلك.
قوله: ((فأخَذَ رسول الله وَِّ الكتاب، وليس يُحسِن يَكتُب، فَكَتَبَ: هذا ما قاضَى عليه
محمد بن عبد الله)) تقدَّم هذا الحديث في الصُّلح (٢٦٩٩) عن عُبيد الله بن موسى، بهذا
الإسناد، وليست فيه هذه اللَّفظة: ليس يُحسِن يَكتُب. ولهذا أنكَرَ بعض المتأخّرين على أبي
مسعود نِسبَتَها إلى تخريج البخاريّ، وقال: ليس في البخاريّ هذه اللَّفظة ولا في مسلم،
وهو كما قال عن مسلم، فإنَّه أخرجه من طريق زكريّا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق بلفظ:
فَأَراه مكانها، فمَحاها، وكَتَبَ: ابن عبد الله. انتهى، وقد عَرَفتَ ثبوتها في البخاريّ في مَظِنّة
الحديث، وكذلك أخرجها النَّسائيُّ (ك٨٥٢٥) عن أحمد بن سليمان عن عُبيد الله بن موسى
مثل ما هنا سواء. وكذا أخرجها أحمد (١٨٦٣٥) عن حُجينٍ بن المثنَّى عن إسرائيل،
ولفظه: فأخَذَ الكتاب - وليس يُحسِن أن يَكتُب - فكَتَبَ مكانَ رسول الله صلّ: هذا ما
قاضَى عليه محمد بن عبد الله. وقد تَمَسّك بظاهرِ هذه الرِّواية أبو الوليد الباجيّ، فاذَّعَى أنَّ
النبيّ وَّهَ كَتَبَ بَيَدِه بعد أن لم يكن يُحسِن يَكتُب، فشَنَّعَ عليه علماء الأندلس في زمانه
ورَمَوه بالَّندَقة، وأنَّ الذي قاله يُخالف القرآن، حتَّى قال قائلُهم شعراً(١):
بَرِئتُ ثَمَّن شَرَى دُنيا بآخِرةٍ وقال إنَّ رسولَ الله قد كَتَبا
فجمعهم الأمير فاستَظهَرَ الباجيّ عليهم بما لَدَيه من المعرفة، وقال للأميرِ: هذا لا يُنافي
القرآن، بل يُؤْخَذ من مفهوم القرآن لأنَّه قَيَّدَ النَّفيَ بما قبل وُرودِ القرآن، فقال: ﴿ وَمَا كُنْتَ
(١) قوله: ((شعراً)) سقط من (س).

٤٥٨
باب ٤٢ / ح ٤٢٥١-٤٢٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِثَبٍ وَلَا تَخُطُهُ بَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وبعدَ أن تَحقَّقَت أمّيَّتُه وتَقرَّرَت
بذلك مُعجِزَتُه وأُمِنَ الارتيابُ في ذلك، لا مانع من أن يَعرِفَ الكتابةَ بعدَ ذلك من غیر
تَعليمِ فتكونُ مُعجِزةً أُخرَى.
وذكر ابن دِحِيةَ أنَّ جماعةً من العلماء وافَقوا الباجيّ في ذلك، منهم شيخه أبو ذَرِّ
الهَرَويُّ وأبو الفتح النَّيسابوريّ وآخرونَ من عُلَماء إفريقيةَ وغيرها، واحتَجَّ بعضهم لذلك
٥٠٤/٧ بما أخرجه ابن/ أبي شَيْبة وعمر بن شَبّة من طريق ◌ُجالد (١) عن عَوْن بن عبد الله [عن
أبيه](٢) قال: ما ماتَ رسول الله وَّهِ حَتَّى كَتَبَ وقرأ. قال مجالد: فذكرته للشَّعبيِّ فقال:
صَدَقَ، قد سمعت مَن يَذْكُر ذلك(٣). ومن طريق يونس بن مَيسَرةً عن أبي كَبشةَ السَّلوليِّ
عن سَهل ابن الْحَنظَليَّةِ: أنَّ النبيّ ◌ََّ أَمَرَ معاويةَ أن يَكْتُبَ للأقرَع وعُيَينة، فقال عُيَينةُ:
أتراني أذهَب بصحيفة المتلَمِّس؟ فأخَذَ رسول الله وَّرَ الصحيفة فنظرَ فيها، فقال: ((قد
كَتَبَ لك بما أُمِرَ لك)) (٤). قال يونس: فنَرَى أَنَّ رسول الله ◌َّلِ كَتَبَ بعدَما أُنزِلَ عليهِ. قال
عياض: ورَدَت آثار تَدُلُّ على معرفته حُروفَ الخَطِّ وحُسنَ تَصويرها، كقوله لكاتبه: ((ضَع
القَلَمَ على أُذُنِك فإنَّه أذكَرُ لك))(٥)، وقوله لمعاوية: ((ألِقِ الدَّواةَ، وحرِّف القَلمَ، وأقِم الباء،
(١) تحرف اسم مجالد في (س) في هذا الخبر إلى: مجاهد.
(٢) ما بين معقوفين سقط من أصولنا الخطية و(س)، واستدركناه من المصادر التي خرّجت هذا الخبر وقد
أثبته الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ١٢٦/٣.
(٣) هذا الخبر ضعيف لضعف مجالد بن سعيد والراوي عنه وقد ضعفه الطبراني والبيهقي، بل قال الطبراني:
حديث منكر. وقد أخرجه أيضاً أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) ٢٦٥/٤، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
٧/ ٤٢.
(٤) أخرجه بهذا اللفظ عمر بن شبة في ((تاريخ المدينة)) ٥٣٥/٢ -٥٣٦ لكن من طريق ربيعة بن يزيد عن أبي
كبشة السَّلولي، وليس من طريق يونس عن أبي كَبشة - كما قال الحافظ - وإنما أورد بإثره قول يونس
المذكور، وفي إسناده أحمد بن عبد الرحمن بن عقال الحراني شيخ ابن شبة. وهو ضعيف. وقد أخرجه
أحمد (١٧٦٢٥)، وأبو داود (١٦٢٩) دون قوله: فأخذ رسول الله وَ الله الصحيفة فنظر فيها ... وإسناده
صحيح.
(٥) أخرجه الترمذي (٢٧١٤) وضعَّفه من حديث زيد بن ثابت.

٤٥٩
باب ٤٢ / ح ٤٢٥١-٤٢٥٢
كتاب المغازي
وفَرِّق السّين، ولا تعوِّر الميمَ))(١)، وقوله: ((لا تَمُدّ باسم الله)(٢). قال: وهذا وإن لم يَثْبُت أنَّه
كَتَبَ فلا يَبعُد أن يُرِزَق عِلمَ وضع الكتابة، فإنَّه أُوتِيَ علم كلِّ شيءٍ.
وأجابَ الجمهور بضعفِ هذه الأحاديثِ. وعن قِصّة الحُدَيبية بأنَّ القِصّة واحدة،
والكاتب فيها عليّ، وقد صَرَّحَ في حديث المِسوَر بأنَّ عليّاً هو الذي كَتَب، فيُحمَل على أنَّ
النُّكتةَ في قوله: ((فَأَخَذَ الكتاب وليس يُحسِن يَكتُب)) لبيان أنَّ قوله: ((أرِني إيّاها)) أنَّه ما
احتاجَ إلى أن يُريَه موضعَ الكلمة التي امتَنَعَ عليٌّ من مَحَوِها إلّا لكَونِه كان لا يُحِسِنُ الكتابة،
وعلى أنَّ قوله بعدَ ذلك: ((فَكَتَبَ)) فيه حذف تقديرُه: فمَحاها، فأعادَها لعليٍّ فَكَتَب. وبهذا
جَزَمَ ابن النِّين.
وأطلقَ ((كَتَبَ)) بمعنى: أمَرَ بالكتابة، وهو كثير كقولِهِ: كَتَبَ إلی قَيِصَر وکَنَبَ إلی کِسرَی،
وعلى تقدير حَملِه على ظاهره فلا يَلزَمُ من كتابة اسمِهِ الشَّريفِ في ذلك اليومِ، وهو لا يُحسِنُ
الكتابةَ أن يصيرَ عالماً بالكتابة ويَخْرُجَ عن كَونِه أمّاً، فإنَّ كثيراً مَمَّن لا يُحسِن الكتابةَ يَعرِف
صُوَرَ(٣) بعض الكلمات ويُحسِنُ وضعَها بيدِه وخُصوصاً الأسماءَ، ولا يَخْرُج بذلك عن
كَونه أمّاً كَكثيرٍ من الملوكِ.
ويحتملُ أن يكونَ جَرَت يَدُه بالكتابة حينئذٍ وهو لا يُحسِنُها، فخرج المكتوبُ على وَفِقِ
المرادِ، فيكون مُعجِزةً أُخرَى في ذلك الوقت خاصّة، ولا يَخْرُج بذلك عن كَونِه أمّاً. وبهذا
أجابَ أبو جعفر السِّمنانيّ أحدُ أئمّة الأُصولِ من الأشاعرة، وتَبعَه ابن الجَوْزيّ. وتَعقَّبَ
ذلك السُّهَيليُّ وغيره: بأنَّ هذا وإن كان تُمكِناً، ويكون آيةً أُخرَى لكنَّه يُناقض كَونَه أمّاً لا
يَكتُب، وهي الآية التي قامت بها الحُجّة وأُفحِمَ الجاحد، وانحَسَمَت الشُّبهةُ، فلو جازَ أن
(١) أخرجه السمعاني في ((أدب الإملاء والاستملاء)) ص ١٧٠، وإسناده ضعيف. وانظر شرح ألفاظ هذا
الخبر في ((شرح الشفا)) للقاري ٣٦٠/٣.
(٢) أخرجه السمعاني في ((أدب الإملاء)) ص١٧٠ من حديث أنس بن مالك، وإسناده ضعيف، فيه مجاهيل،
وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ١/ ١٠ للسِّلفي في جزء له من حديث ابن عباس مرفوعاً لكن بلفظ:
((لا تمد الباء إلى الميم حتى ترفع السين))، وللخطيب في ((الجامع)) عن الزهري مرسلاً.
(٣) المثبت من (أ)، وفي (ع): تصوير، وفي (س): تصوُّر.

٤٦٠
باب ٤٢ / ح ٤٢٥١- ٤٢٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
يصير يَكتُب بعد ذلك لَعادَتِ الشُّبهة. وقال المعاند: كان يُحسِن يَكتُب لكنَّه كان يَكتُم ذلك.
قال السُّهَيلُّ: والمعجزات يَستَحيل أن يَدفَع بعضها بعضاً، والحقّ أنَّ معنى قوله: ((فكَتَبَ))
أي: أمَرَ عليّاً أن يَكتُبَ. انتهى، وفي دَعوَى أنَّ كتابة اسمِه الشَّريفِ فقط على هذه الصّورة
تَستَلِزِمُ مُناقَضة المعجزة، وتُثبِتُ كَونَه غيرَ أمّيٍّ، نظرٌ كبير، والله أعلم.
قوله: ((لا يُدْخِل)) هذا تفسير للخَتَرِ المتقدِّمِ.
قوله: ((إلّا السَّيف في القِراب)» في رواية شُعْبة: فكان فيما اشتَرَطوا أن يدخلوا مكَّةً
فيُقيموا بها ثلاثاً، ولا يدخلها بسلاح(١). ونحوه لزكريّا عن أبي إسحاق عند مسلم.
قوله: ((وأن لا يَخْرُج من أهلِها بأحدٍ ... )) إلى آخره، في حديث أنس: قال عليّ: قلت: يا
رسول الله أَكتُب هذا؟ قال: ((نعم)).
قوله: ((فلمَّا دَخَلَها)) أي: في العام المُقبلِ.
قوله: ((ومَضَى الأجَل)) أي: الأيام الثلاثة. وقال الكِرْمانيُّ: لمَّا مَضَى، أي: قَرُبَ مُضيّه.
ويَتَعيَّنِ الْحَمل عليه لَلَا يَلْزَم الْخُلْف.
قوله: ((أتوا عليّاً فقالوا: قل لصاحبك: اخرُج عنَّا فقد مَضَى الأجل)) في رواية يوسف
فقالوا: مُر صاحبك فلیر تَحِل.
قوله: ((فخرج النبيُّ وَّ)) في رواية يوسف: فذكر ذلك عليّ، فقال: ((نعم)) فارتَحَلَ.
وفي ((مغازي أبي الأسوَد)) عن عُرْوة: فلمَّا كان اليوم الرابع جاءه سُهَيل بن عَمْرو
وحوَيطِبُ بن عبد العُزَّى، فقالا: نَنشُدك اللهَ والعَهدَ إلّ ما خَرَجتَ من أرضِنا، فَرَدَّ عليه
٥٠٥/٧ سعد بن عُبَادة، فأسكَّتَه النبيّ وَّهِ، وآذَن بالرَّحيلِ. وأخرج الحاكم/ في ((المستدرك)) (٣١/٤)
من حديث ميمونة (٢) في هذه القِصّة: فأتاه حوَيطِبُ بن عبد العُزَّى. وكأنَّه كان دخل في أوائلِ
(١) هذا لفظ رواية شعبة عن أبي إسحاق عند مسلم (١٧٨٣) (٩٠).
(٢) كذا جعله الحافظ رحمه الله من مسند ميمونة، وإنما هو من مسند ابن عباس، ذكر فيه تزوَّج النبي وَلّ ميمونة
وهو حرام، وذكر فيه قول حویطب.