النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
باب ٣٧ / ح ٤٢٢٨- ٤٢٣٢
كتاب المغازي
رواية المُستَمْلي: من قومه. وقد بيَّن في الرّواية التي قبلُ أنَّهم كانوا خمسين من الأشعَرِيِّين
وهم قومُه، فلعلَّ الزّائد على ذلك هو وإخوته، فمَن / قال: اثنين أراد مَن ذكرهما في حديث ٤٨٦/٧
الباب، وهما أبو بُرْدة وأبو رُهْم، ومَن قال: ثلاثة أو أكثر، فعلى الخلاف في عددٍ مَن كان
معه من إخوَتِهِ. وأخرج البَلَاذُرُّ(١) بسندٍ له عن ابن عبَّاس: أنَّهم كانوا أربعين رجلاً.
والجمع بينه وبين ما قبله بالحَملِ على الأصول والأتباع. وأمَّ ابن إسحاق فقال: كانوا ستّة
عشر رجلاً. وقيل: أقلّ.
قوله: ((فوافَقْنا جعفرَ بنَ أبي طالب)» أي: بأرضِ الحَبَشة.
قوله: ((فأقَمْنا معه حتَّى قَدِمنا جميعاً)) اختَصَرَ المصنّف هنا شيئاً ذكره في الخُمُس (٣١٣٦)،
بهذا الإسناد، وهو: فقال: جعفر: إنَّ رسول الله وَ لَهَ بَعَثَنَا هنا، وأمَرَنا بالإقامة، فأقيموا
معنا، فأقمنا معه.
قوله: ((حتَّى قَدِمنا جميعاً) ذكر ابن إسحاق أنَّ النبيَّ ◌َّهِبَعَثَ عَمْرو بن أُميَّة إلى النَّجَاشِيّ
أن يُجُمِّزَ إليه جعفر بن أبي طالب ومَن معه، فجَهَّزَهم وأكرَمَهم وقَدِمَ بهم عَمْرو ابن أُميَّةً
وهو بخَيبَرَ. وسَمَّى ابن إسحاق مَن قَدِمَ مع جعفر فسَرَدَ أسماءَهم، وهم سِتّةَ عشرَ رجلاً،
فمنهم امرأتُه أسماء بنت عُميسٍ، وخالد بن سعيد بن العاص وامرأته وأخوه عَمْرو بن
سعيد ومُعَیقیبُ بن أبي فاطمة.
قوله: ((فوافَقْنا النبيّ(وَّ) زاد في فرض الخُمُسِ: فأسهَمَ لنا، ولم يُسهم لأحدٍ غابَ عن
فتح خَيْبَرَ منها شيئاً إلّا لمن شَهِدَها معه، إلّا أصحابَ سَفينِنا مع جعفرٍ وأصحابه، فإنَّه
فَسَمَ لهم معهم. وقد أخرجه الإسماعيليّ عن أبي يَعْلِى (٢) عن أبي كُرَيبٍ شيخ البخاريّ فيه
في هذا الموضع من هذا الحديث. ووَقَعَ عند البيهقيِّ(٣): أنَّ النبيَّ ◌ََّ قَبْلَ أن يَقْسِمَ لهم كَلَّمَ
(١) في ((معجم البلدان)) (١٠٢)، وفي إسناده محمد بن السائب الكلبي، وهو متهم، وأبو صالح مولى أم
هانئ، وهو ضعيف الحديث. على أنَّه ليس فيه تنصيص على أنهم من وفد الأشعريين!
(٢) وهو في ((مسنده)) برقم (٧٣١٦)، بنحو اللفظ المذكور.
(٣) في ((الدلائل)» ١٩٨/٤ -١٩٩، من حديث أبي هريرة، وهو أيضاً عند أحمد في ((مسنده)) (٨٥٥٢)، وغيره . =

٤٢٢
باب ٣٧ / ح ٤٢٢٨- ٤٢٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
المسلمين فأشرَكُوهم.
قوله: ((وكان أُناس)) سُمِّي منهم عمر كما سيأتي.
قوله: «ودخلت أسماء بنت عُمیسٍ» هي زوج جعفر.
وقوله: «وهي ممَّنْ قَلِمَ معنا» هو كلام أبي موسى.
قوله: ((على حفصة)) زاد أبو يَعْلى (٧٣١٦): زوج النبيّ وَلّ.
قوله: ((قال عمر: الْحْبَشِيَّةَ هذه، البُحَيريَّة هذه؟)) كذا لأبي ذرِّ بالتصغيرِ(١)، ولغيره:
((البحريّة)) بغير تصغير، وكذا في رواية أبي يَعْلِى، ووَقَعَ في الموضعينِ بهمزة الاستفهام. ونَسَبَها
إلى الحَبَشة لسُكْناها فيهم، وإلى البحرِ لُرُكوبها إيّاه.
قوله: ((وكنّا في دارٍ أو في أرضِ البُعَداءِ» هو شَكٌّ من الراوي.
قوله: ((الْبُعَداء البُغَضاء)) كذا للأكثر جمع بَغيض وبَعيد، وفي رواية أبي يَعْلى بالشكِّ:
الْبُعَداء أو البُغضاء، وللنَّسَفيّ: البُعُد، بضمَّتَينِ، وللقابسيِّ: البُعُد البُعَداء البَغضاء، جمع
بينهما، فلعلَّه فَسَّرَ الأولى بالثانية. وعند ابن سعد (٢٨١/٨) من طريق إسماعيل بن أبي
خالد عن الشَّعبيّ: فقالت: أي لَعَمْري لقد صَدَقتَ، كنتُم مع رسول الله وَّ يُطعِم
جائعكم ويُعلِّم جاهلَكُم، وكنََّ البُعَداء الطُّرَداء.
قوله: ((وذلك في الله وفي رسوله)) أي: لأجَلِهما.
قوله: ((وايمُ الله)) بهمزة وصل، وفيها لُغات تقدَّم ذِكرُها(٢).
قوله: ((ولكم أنتم أهلَ السَّفينة)) بنَصْب ((أهل)) على الاختصاص، أو على النِّداءِ بحذفٍ
أدَاتِهِ، ويجوز الجرُّ على البَدَلِ من الضَّمير.
= وإسناده صحيح. وسيُخرجه الحافظ عند شرح الحديث (٤٢٣٤).
(١) كذا ذكر الحافظ رحمه الله أنَّ رواية أبي ذر بالتصغير، وكذا في ((إرشاد الساري)) عن نص الفتح هنا، مع أنَّ
الذي في اليونينية دون حكاية خلاف: البحرية، بغير تصغير، فالله أعلم!
(٢) عند شرح الحديث (٣٥٨١).

٤٢٣
باب ٣٧ / ح ٤٢٢٨-٤٢٣٢
كتاب المغازي
قوله: (هِجِرَتان)) زاد أبو يَعْلى (٧٣١٧): ((هاجَرتُم مرَّتَينٍ، هاجَرتُم إلى النَّجاشيِّ
وهاجَرتُم إليَّ) ولابنِ سعدٍ (٨/ ٢٨١) بإسنادٍ صحيح عن الشَّعبيّ قال: قالت أسماء بنت
عُميسٍ: يا رسول الله، إنَّ رجالاً يَفخَرونَ علينا، ويَزْعُمونَ أَنّا لَسنا من المهاجرين الأوَّلين!
فقال: «بل لکم هِجرتان، هاجر تُم إلى أرض الحبشة، ثمّ هاجرتُم بعد ذلك))، ومن وجهٍ
آخرَ عن الشَّعبيّ نحوه، وقال فيه: ((كَذَبَ مَن يقول ذلك))(١)، ومن وجهٍ آخرَ عنه قال:
يقول: ((للناس هِجرٌ واحدةٌ».
وظاهره تفضيلهم على غيرهم من المهاجرين، لكن لا يَلزَم منه تفضيلُهم على
الإطلاق، بل من الحيثيّة المذكورة. وهذا القَدرُ المرفوعُ من الحديث ظاهرُ هذا السّياق أنَّه
من رواية أسماء بنت عُميسٍ، وقد تقدَّم في الهجرة (٣٨٧٦) بهذا الإسناد من رواية أبي
موسى لا ذِكْرَ للنبيِّ وٍَّ فِيهِ(٢)، وكذلك أخرجه ابن حِبّان (٧١٩٤) من(٣) وجهٍ آخرَ عن
أبي بردة عن أبي موسى.
قوله: ((قالت)) يعني: أسماء بنت عُميسٍ، وهذا يحتمل أن يكون من رواية أبي موسى
عنها، فيكون من رواية صحابيّ عن مثله، ويُحتمل أن يكون مِن رواية أبي بُرْدة عنها
ويُؤيِّده قوله بعد هذا: قال أبو بُرْدة: قالت أسماء.
قوله: ((يأتونَني)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: يأتونَ.
٤٨٧/٧
وقوله: ((أرسالاً)) بفتح الهمزة، أي: أفواجاً، أي: يَجِيئونَ إليها، ناساً بعد ناس، وفي
رواية أبي يَعْلى(٤) (٧٣١٦): ولقد رأيت أبا موسى وإنَّ ليستعيد منِّي هذا الحديث.
(١) الكذب في لغة أهل الحجاز هو الخطأ، يطلقونه على ما هو أعم من العَمْد، كما قرره الحافظ في غير موضعٍ
من شرحه. انظر شرح الحديث (١٠٠٢).
(٢) لعلَّ الحافظ أراد أن يقول: لا ذكر لأسماء بنت عميس فيه، فسبق قلمه فقال: لا ذكر للنبي وَ لّ فيه، وإلاّ
فقد جاء هناك مرفوعاً من حديث أبي موسى، اللهم إلَّا أن يكون أراد أنه أُدرج في خبر أبي موسى، كما
يشير إليه كلامه هناك.
(٣) في (س): ومن، بإقحام حرف الواو، وهو خطأ.
(٤) كذا قال !! مع أنها في حديث البخاري هنا، ولعلَّ ذلك يكون من خطأ النساخ، لأنَّ الحافظ أشار إلى =

٤٢٤
باب ٣٧ / ح ٤٢٢٨-٤٢٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثالث والعشرون:
قوله: ((قال أبو بُزْدة)) هو موصول بالإسناد المذكور. وقد أفرَدَه مسلم (٢٤٩٩) عن أبي
كُرَيبٍ، وساقَ الحديث الذي قبلَه (٢٥٠٢ و٢٥٠٣) إلى قوله: وإِنَّه لَيستعيد هذا الحديثَ
منِّي(١).
قوله: ((إنّ لأعرِف أصواتَ رُفقة الأشعَرَيِّين)) الرُّفقة: الجماعة المترافقون، والراء مُثلَّئة،
والأشھَرِ ضَمُّها.
قوله: ((حين يدخلونَ باللَّيلِ)) بالدّال والخاء المعجمة لجميع رواة البخاريّ ومسلم، وحَكَی
عِياض عن بعض رواة مسلم: بالراءِ والحاء المهمَلة، وصَوَّبَها الدِّمياطيّ في البخاريّ، وهو
عَجيب منه، فإنَّ الرِّواية بالدّال والمعجَمة، والمعنى صحيح فلا معنى للتغييرِ، وقد نَقَلَ عیاض
عن بعض الناس اختيار الرِّواية التي بالراءِ والمهمَلة، قال النَّوَويّ: والرّواية الأولى صحيحة أو
أصّ، والمراد: يدخلونَ منازلهم إذا خَرَجوا إلى المسجد أو إلى شُغلِ ما ثُمَّ رجعوا.
قوله: ((بالقُرآنِ)) يتعلَّق بـ((أصوات)). وفيه أنَّ رفعَ الصوتِ بالقرآن باللَّلِ مُستَحسَن،
لكن محلُّه إذا لم يُؤْذِ به أحداً وأمِنَ من الرّیاءِ.
قوله: ((ومنهم حَكيم)) قال عياض: قال أبو عليّ الصدَفيّ: هو صِفة لرجلٍ منهم. وقال أبو عليّ
الجَيّانيّ: هو اسم عَلَم على رجل من الأشعَرين. واستَدرَكَه على صاحب ((الاستيعاب)).
قوله: ((إذا لَقيَ الخيل أو قال: العدوّ)) هو شَكّ من الراوي.
قوله: ((قال لهم: إنَّ أصحابي يأمرونَكم أن تُنظِروهم)) أي: تَنتَظِرِوهم مِن الانتِظار،
ومعناه: أنَّه لفَرْطِ شجاعته كان لا يَفِرّ من العدوّ، بل يواجههم، ويقول لهم إذا أرادوا
الانصِرافَ مثلاً: انتَظِروا الفُرسان حتَّى يأتوكُم، لِيَبْعَثهم(٢) على القتال، وهذا بالنّسبة إلى
= رواية أبي بردة هذه عن أسماء قريباً، وسيذكرها قريباً أيضاً، فيترجح أنَّ ذلك من فعل النساخ، والله أعلم.
(١) لكنه أسند الحديث الذي قبله عن أبي كريب وعبد الله بن براد الأشعري، كلاهما عن أبي أسامة.
(٢) في (س): ليثبتهم.

٤٢٥
باب ٣٧ / ح ٤٢٣٣ - ٤٢٣٤
كتاب المغازي
الشِّقِّ الثاني، وهو قوله: أو قال العدوّ، وأمَّا على الشِّقِّ الأوَّل وهو قوله: إذا لَقيَ الخيلَ،
فيُحتمل أن يُريد بها خيل المسلمين، ويُشير بذلك إلى أنَّ أصحابَه كانوا رجَّالةً، فكان هو
يأمرُ الفُرسان أن يَنتَظِرِوهم ليسيروا إلى العدوِّ جميعاً، وهذا أشبَهُ بالصواب.
قال ابن التِّين: معنى كلامه: أنَّ أصحابه يُحِبّونَ القتالَ في سبيلِ الله، ولا يُمالُونَ بما
يُصيبھم.
٤٢٣٣ - حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، سمعَ حفصَ بنَ غِياثٍ، حدَّثنا بُرَيدٌ، عن أبي بُرْدةَ،
عن أبي موسى، قال: قَدِمْنا على النبيِّ وَِّ بعدَ أنِ افْتَتَحَ خَيْرَ، فَقَسَمَ لَنا، ولم يَقْسِم لأحدٍ لم
يَشهَدِ الفتحَ غیرَنا.
٤٢٣٤- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا مُعاوِيةُ بنُ عَمرو، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن
مالكِ بنِ أنسٍ، قال: حدَّثني ثَوْرٌّ، قال: حدَّثني سالمٌ مولى ابنٍ مُطِيعٍ، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ،
يقول: افتَتَحْنا خَيْرَ، فلم نَغَمْ ذهباً ولا فِضّةً، إنَّا غَنِمْنا البقرَ والإبلَ والمتاعَ والحوائطَ، ثمَّ
انصَرَفْنا معَ رسولِ الله وَّهُ إلى وادي القُرَى، / ومعه عبدٌ له يقال له: مِدْعَمٌّ، أهداه له أحدُ بني ٤٨٨/٧
الضِّباب، فبينما هو يَحُطُّ رَحْلَ رسولِ الله ◌ِّهَ، إذ جاءه سَهُمُ عائرٌ، حتَّى أصاب ذلكَ العبدَ،
فقال الناسُ: هَنِيئاً له الشَّهادةُ! فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: (بَلْ والَّذي نفسِي بِيَدِه، إنَّ الشَّمْلَةَ التي
أصابها يومَ خَيْرَ مِن المغانمِ، لم تُصِبْها المَقاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عليه ناراً)) فجاء رجلٌ حينَ سمعَ
ذلكَ مِن النبيِّي ◌ََّ بِشِراكٍ - أو بشِراكَينٍ - فقال: هذا شيءٌ كنتُ أَصَبتُه، فقال رسولُ الله ◌َّةِ.
((شِراكٌ - أو شِراكان - من نارٍ)).
[طرفه في: ٦٧٠٧]
الحديث الرابع والعشرون:
قوله: «حدّثنا إسحاق بن إبراهيم» هو ابن راهويه.
وقوله: ((سمعَ)) أي: أنَّه سمع. وبُرِيدٌ: هو ابن عبد الله بن أبي بُرْدة الأشعريّ.
قوله: «قَدِمْنا» أي: هو وأصحابه مع جعفرٍ ومَن معه.

٤٢٦
باب ٣٧ / ح ٤٢٣٣ -٤٢٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ولم يَقسِم لأحدٍ لم يَشهَدِ الفتحَ غيرَنا)) يعني: الأشعَرِيّين ومَن معهم، وجعفراً(١)
ومَن معه. وقد سَبَقَ في فرضِ الْخُمُسِ (٣١٣٦) من وجهٍ آخرَ عن بُرَيد بلفظ: ((وما قَسَمَ
لأحدٍ غابَ عن فتح خَيْبَرَ منها شيئاً، إلّا لمن شَهِدَ معه إلّا أصحابَ سَفينِنا مع جعفر
وأصحابه قسم لهم معهم. وقد تقدَّم شرحه هناك. ويُعكِّر على هذا الحَصرِ ما سيأتي في
حديث أبي هريرة والذي بعده، وسيأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى.
الحديث الخامس والعشرون:
٤٨٨/٧
قوله: ((حدَّثني عبد الله بن محمد)) هو الجُعْفيُّ، ومعاوية بن عَمْرو: هو الأزديّ وهو من
شيوخ البخاريّ، ورُبَّما روی عنه بواسطةٍ کما هنا.
قوله: ((قال(٢) أبو إسحاق)) هو إبراهيم بن محمد بن الحارث الفَزَاريُّ، وَوَقَعَ في ((مُسنَد
حديث مالك)) للنَّسائيّ من وجهٍ آخرَ عن معاويةَ بن عَمْرو، قال: حدَّثنا أبو إسحاق.
وأخرجه الدّارَ قُطنيُّ في ((الموطَّتِ)) من طريق المسيّب بن واضح، قال: حدَّثنا أبو إسحاق
الفَزاريّ.
قوله: ((عن مالك)) نزلَ البخاريّ في هذا الحديث درجتَينٍ، لأنَّه أخرجه في الأيمان
والُّذُورِ (٦٧٠٧) عن إسماعيلَ بن أبي أوَيسٍ عن مالك، وبينه وبين مالك في هذا الموضع
ثلاثة رجال، قال ابن طاهر: والسِّ في ذلك أنَّ في رواية أبي إسحاق الفَزاريِّ وحدَه عن
مالك: حدَّثني ثَوْر بن زيد، وفي رواية الباقين: عن ثَوْر، وللبخاريِّ حِرصٌ شديد على
الإتیان بالطّرقِ المصرِّحة بالتحدیث. انتھی، وتَور بن زيد: هو الدِّیليّ، مدني مشهور، وقد
صَرَّحَ في رواية أبي إسحاق هذه أيضاً بقولِه: حدَّثني سالم أنَّه سمعَ أبا هريرة، وعَنعَنَ باقي
الرُّواة عن مالك جميعَ الإسناد.
وسالم مَولَى ابن مُطيع يُكَنى أبا الغَيث، وهو بها أشهَرُ، وقد سُمَّ هنا، فلا التِفات
(١) في (س): وجعفر. بالرفع، وهو خطأ.
(٢) كذا وقعت الرواية للحافظ بصيغة ((قال))، مع أنَّ الذي في الیونینیة و «إرشاد الساري)) دون حكاية خلاف بین
رُواة البخاري: حدثنا أبو إسحاق!

٤٢٧
باب ٣٧ / ح ٤٢٣٣ - ٤٢٣٤
كتاب المغازي
لقولٍ مَن قال: إنَّه لا يُوقَف على اسمه صحيحاً. وهو مَدَنّ لا يُعرَف اسم أبيه، وابن مُطيع
اسمه عبد الله. وليس لسالم في ((الصحيح)) روايةٌ عن غير أبي هريرة، له عنه تسعةُ أحاديث،
تقدَّم منها في الاستقراض (٢٣٨٧)، وفي الوَصايا (٢٧٦٦)، وفي المناقب (٣٥١٧).
قوله: ((افتَتَحنا خَيْبَرَ)) في رواية عُبيد الله بن يحيى بن يحيى اللَّيِّ عن أبيه في ((الموطَّأ)»:
حُنَيْنٍ بَدَل: خَيْبَرَ، وخالَفَه محمد بن وضّاح عن يحيى بن يحيى فقال: خَيبَرَ. مثل الجماعة.
نَبَّهَ عليه ابن عبد البَرِّ. ووَقَعَ في رواية إسماعيل المذكور: خَرَجنا مع / النبيِّنَّهِ إِلى خَيْبَرَ. ٤٨٩/٧
وهي رواية ((الموطًا)) أعني قوله: خَرَجنا. وأخرجها مسلم (١١٥) من طريق ابن وَهْب عن
مالك، ومن طريق عبد العزيز بن محمد الدَّراوَرديّ عن ثَورٍ. فحَكَى الدّارَ قُطنيُّ عن
موسى بن هارون أنَّه قال: وهِمَ ثَور في هذا الحديث، لأنَّ أبا هريرة لم يَخْرُج مع النبيّ ◌َِّ
إلى خَيْبَرَ، وإِنَّمَا قَدِمَ بعدَ خروجِهِم، وقَدِمَ عليهم خَيْبَر بعد أن فُتِحَت. قال أبو مسعود:
ويُؤيِّدُه حديث عَنبَسةَ بن سعيد عن أبي هريرة(١) قال: أتيت النبيّ ◌َّهُ بِخَيَبَرَ بعدَما
افتَتَحوها. قال: ولكن لا يَشُكّ أحدٌ أنَّ أبا هريرة حَضَرَ قِسمةَ الغنائمِ، فالغرض من
الحديث قِصّة مِدعَمٍ في غُلولِ الشَّمْلة.
قلت: وكأنَّ محمدَ بنَ إسحاقَ (٢) صاحب ((المغازي)) استَشعَرَ بوَهْمٍ ثَورِ بن زيدٍ في هذه
اللَّفظة، فروى الحديثَ عنه بدونها، أخرجه ابن حِبّان(٣) والحاكم (٣/ ٤٠) وابن مَندَهْ من طريقه
بلفظ: انصَرَ فنا مع رسول الله وَ لَه إلى وادي القُرَى.
ورواية أبي إسحاق الفَزاريِّ التي في هذا الباب تسلم من هذا الاعتراض بأن يُحمَل
قوله: افتَتَحنا، أي: المسلمون، وقد تقدَّم نَظير ذلك قريباً. وروى البيهقيُّ في ((الدَّلائل))
(١) سلف برقم (٢٨٢٧).
(٢) كما في «سيرة ابن هشام)) ٣٣٨/٢-٣٣٩. وقد خالف محمدُ بنُ فُضَيل سائرَ أصحاب ابن إسحاق
الثقات، فرواه عن ابن إسحاق عن يزيد بن خصيفة عن سالم مولى ابن مطيع به، فانفرد بذكر يزيد بن
خصيفة، بدل: ثور بن يزيد، وإن كان ابن خصيفة ثقة أيضاً.
(٣) هو عند ابن حبان (٤٨٥٢) لكن من طريق محمد بن فضيل عن ابن إسحاق عن يزيد بن خصيفة عن
سالم مولى ابن مطيع، به.

٤٢٨
باب ٣٧ / ح ٤٢٣٣ - ٤٢٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
(٤ / ٢٧٠) من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة قال: خَرَجنا مع النبيِّي ◌َّهِ مِن خَيْبَرَ إلى وادي
القُرَى)) فلعلَّ هذا أصلُ الحديث(١)، وحديث قدوم أبي هريرة المدينة والنبيّ نَّ بِخَيَبَرَ
أخرجه أحمد (٨٥٥٢) وابن خُزَيمةَ (١٠٣٩) وابن حِبّان(٢) والحاكم (٣٣/٢) من طريق
خُثَيم بن عِراك بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة قال: قَدِمت المدينةَ والنبيّ وَّ بِخَيِبَرَ، وقد
اسْتَخلَفَ سِباعَ بن عُرُفُطةَ، فذكر الحديث. وفيه: فَزَوَّدونا شيئاً حتَّى أتينا خَيبَرَ وقد
افتَتَحَها النبيّ، فَكَلَّمَ المسلمين، فأشرَكونا في سِهامهم. ويُجمَع بين هذا وبين الحَصر الذي
في حديث أبي موسى الذي قبله: أنَّ أبا موسى أراد أنَّه لم يُسهم لأحدٍ لم يَشهَد الوَقْعةَ من
غير استرضاء أحدٍ من الغانمين إلّا لأصحاب السفينتين، وأمَّا أبو هريرة وأصحابه فلم
يُعطِهم إلّا عن طيب خواطر المسلمين، والله أعلم.
وسأذكر روايةَ عَنبَسةَ بن سعيد التي أشار إليها أبو مسعود، وبيان ما فيها بعد هذا
الحديث إن شاء الله تعالى.
قوله: ((إنَّا غَنِمنا البقرَ والإبلَ والمتاع والحوائطَ)) في رواية مسلم (١١٥): غَنِمنا المتاع والطَّعام
والثّياب، وعند رواة ((الموطَّأ): إلّا الأموال والثّياب والمتاع، وعند يحيى بن يحيى اللَّهِيِّ وحدَه
(٢/ ٤٥٩): إلّا الأموال والثّيّاب(٣)، والأوَّل هو المحفوظ، ومُقتَضاه: أنَّ الثّياب والمتاع لا
تُسَمَّى مالاً، وقد نَقَلَ ثعلب عن ابن الأعرابيّ عن الفَضَّلِ الضَّبِّيّ قال: المالُ عندَ العرب:
الصّامت والناطق، فالصّامت: الذَّهَب والفِضّة والجَوهَر، والناطِق: البعير والبقرة والشّاة، فإذا
(١) إسناده ضعيف.
(٢) رواية ابن حبان (٧١٥٦) مختصرة، وهي من طريق عثمان بن أبي سليمان عن عراك بن مالك.
(٣) كذا وقع في الأصول و(س) بعطف الثياب على الأموال، وإنما هو في رواية يحيى الليثي: الأموال الثياب،
على البدل، كما هو بيِّنٌّ في ((التمهيد)) لابن عبد البر ٢/، والظاهر أنَّ ما وقع في الأصول من خطأ النُّاخ،
لأنَّ الحافظ غايَرَ بين رواية الليثي وبين رواية سائر رُواة ((الموطأ»، وقال عن رواية الجماعة: إنها
المحفوظة، وأنَّ مقتضاها أنَّ الثياب والمتاع لا تسمى مالاً. وهذا يعني أنه ذكر رواية يحيى الليثي على
الجادة بدون واو العطف. وإلّا لما كان للمغايرة أيّ معنَى إلّا زيادة ذكر المتاع، وليس هذا مراد الحافظ كما
یظهر واضحاً من كلامه.

٤٢٩
باب ٣٧ / ح ٤٢٣٣ - ٤٢٣٤
كتاب المغازي
قلت عن حَضَريٍّ: كَثُرَ ماله، فالمراد: الصّامت، وإذا قلت عن بَدويّ، فالمراد: الناطِقِ، انتهى.
وقد أطلقَ أبو قَتَادة على البُستان مالاً، فقال في قِصّة السَّلَب الذي تَنازَعَ فيه هو
والقُرَشِيّ في غزوة حُنَينٍ: فابتَعت به تَرَفاً، فإنَّه لَأوَّلُ مال تأثَّلْتُهُ(١). فالذي يَظهَرِ أنَّ المالَ ما
له قيمة، لكن قد يَغلِب على قوم تخصيصه بشيءٍ كما حكاه المفَضَّل، فتُحمَل الأموال على
المواشي والحوائطِ التي ذُكِرَت في رواية الباب، ولا يُراد بها النُّقُود لأنَّه نَفاها أوَّلاً.
قوله: ((إلى وادي القُرَى)) تقدَّم ضبطه في البُيُوعِ(٢).
قوله: ((عبدٌ لَه)) في رواية ((الموطَّأ)»: عبدٌ أسوَد.
قوله: ((مِدْعَم) بكسرِ الميم وسكون المهمَلة وفتح العين المهمَلة.
قوله: ((أهداه له أحدُ بني الضِّباب)) كذا في رواية أبي إسحاق: بكسرِ الضّادِ المعجَمة
وموخَّدتَينِ الأولى خفيفة بينهما ألف، بلفظ جمع الضَّبِّ، وفي رواية مسلم (١١٥) أهداه له
رِفاعة بن زيد أحد بني الضُّبَيب، بضمٍّ أوَّلِه بصيغة التصغيرِ، وفي رواية ابن إسحاقَ:
رِفاعة بن زيد الجُذامي، ثمَّ الضُّبنيّ بضمِّ المعجَمة وفتح الموخَّدة بعدَها نونٌ، وقيل: بفتح
المعجَمة وكسرِ الموحَّدة، نِسبةً إلى بطنٍ من جُذام، قال الواقديُّ: كان رِفاعةٌ قد وفَدَ على
رسولِ الله وَّ في ناسٍ من قومِه قبلَ خروجِه إلى خَيْبَرَ، فأسلموا وعَقَدَ له على قومِهِ.
قوله: ((فبينما هو يَخُطَّ رَحْلَ رسولِ اللهِ وٍَّ)) زاد البيهقيُّ في الرِّواية المذكورة: وقد
استَقبَلَتنا يهودُ بالرَّمي ولم نَكُنْ على تَعبئةٍ.
قوله: ((سهم عائر)) بعينٍ مُهمَلةٍ، بوزنِ فاعل، أي: لا يُدرَی مَن رَمَی به، وقيل: هو
الحائدُ عن قصدِه.
قوله: «بلْ والذي نفسي بيده)» في رواية الگُشْمِیھنیّ: ((بلی))، وهو تصحيف، وفي رواية
مسلم: ((كَلّا)) وهو روايةُ ((الموطَّ)).
(١) سلف برقم (٣١٤٢).
(٢) لم نقف له على كلام عنه في البيوع، لكن تعرض لذكره عند شرح الحديث (١٤٨١) من كتاب الزكاة.

٤٣٠
باب ٣٧ / ح ٤٢٣٣ - ٤٢٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (لَتَشْتَعِلُ عليه ناراً)) يحتمل أن يكون ذلك حقيقةً، بأن تصير الشَّمْلةُ نفسُها ناراً فيُعذّب
بها، ويحتمل أن يكون المراد أنَّها سبب لعذاب النار، وكذا القول في الشِّراكِ الآتي ذِكرُه.
قوله: ((فجاء رجل)) لم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((بشِراكٍ أو بشِراكَينٍ)) الشِّراكُ، بكسرِ المعجَمة وتخفيفِ الراءِ: سَيرُ النَّعلِ على ظَهرِ
القَدَمِ.
وفي الحديث تعظيمُ أمر الغُلول، وقد مرَّ شرح ذلك واضحاً في أواخِرٍ كتاب الجهاد في
((باب القليل من الغُلول)) في الكلام على حديث عبد الله بن عَمْرو (٣٠٧٤) قال: كان على
ثَقَل النبيّ ◌َلَه رجلٌ يقال له: كِرْكِرة، فمات، فقال النبيُّ ◌َّ: «هو في النار، في عَباءةٍ غَلَّها))
وكلامُ عِياض يُشعِرُ بأنَّ قِصَّتَه مع قِصّة مِدعَم مُتَّحِدة. والذي يَظهَر من عِدّة أوجُهٍ
تَغْايُرُهما. نعم عند مسلم (١١٤) من حديث عمر: لمَّا كان يوم خَيْبَرَ، قالوا: فلان شهيد،
٤٩٠/٧ فقال النبيُّ وَّ: ((كَلّا إنّ/ رأيته في النار في بُرْدةٍ غَلَّها - أو عَباءةٍ -)» فهذا يُمكِنُ تفسیرُه
بكِرِ كِرة، بخلاف قِصّة مِدعَم فإنَّا كانت بوادي القُرَى، وماتَ بسهمٍ عائٍ، وَغَلَّ شَمْلَةً. والذي
أهدَى للنبيِّ وَ﴿ كِرْكِرَةَ هَوْذةُ بنُ عليٍّ، بخلاف مِدعَم فأهداه رِفاعةُ فافتَرَقا، والله أعلم.
وذكر البيهقيُّ(١) في روايته: أنَّه ◌َِّ حاصَرَ أهلَ وادي القُرَى حتَّى فَتَحَها، وبَلَغَ ذلك
أهلَ تَيْماء فصالحَوه.
وفي الحديث قبول الإمام الهديَّة، فإن كان لأمرٍ يختصّ به في نفسِه أن لو كان غیرَ والٍ فله
التصرّفُ فيها بما أراد، وإلّا فلا يَتَصَرَّف فيها إلّا للمسلمين، وعلى هذا التفصيل يُحمَل حديث:
((هَدايا الأُمْراء غُلُول))(٢) فِيُخَصّ بمَن أَخَذَها فاستَبَدَّ بها، وخالَفَ في ذلك بعض الحنفيَّة
(١) في ((الدلائل)) ٢٧٠/٤-٢٧١.
(٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٢٣٦٠١) وغيره من حديث أبي حميد الساعدي وإسناده ضعيف، وذكرنا هناك
شواهده، وأنها كلها فيها مقال، وبعضها شديد الضعف. لكن فاتنا أن نذكر أنه عند الطبري في ((تهذيب الآثار))
في مسند علي ص٢٠٨ من حديث جابر بن عبد الله من غير الطريق التي أشرنا إليها هناك وإسنادها حسن.
وفاتنا أيضاً أن نخرج حديث ابن عباس من ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٤/ ١١٣٤ من طريق أخرى إسنادها حسن
أيضاً، بلفظ: ((رشوة الحكام حرام)).

٤٣١
باب ٣٧ / ح ٤٢٣٥-٤٢٣٦
كتاب المغازي
فقال: له الاستبداد مُطلَقاً بدليل أنَّه لو رَدَّها على مُهدِيها لجاز، فلو كانت فيئاً للمسلمين
لمَا رَدَّها، وفي هذا الاحتجاج نظرٌ لا يَخْفَى، وقد تقدَّم شيءٌ من هذا في أواخر الهِبَةِ(١).
٤٢٣٥- حدّثنا سعيدُ بنُ أبي مَريَمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرني زيدٌ، عن أبيه،
أَنَّه سمعَ عمرَ بنَ الخَطَّابِ ﴾ يقول: أمَا والَّذي نفسي بيدِه، لولا أن أتْرُكَ آخِرَ الناسِ بَّاناً
ليس لهم شيءٌ، ما فُتِحَت عليَّ قَرْيَةٌ إلَّا قَسَمْتُها، كما قَسَمَ النبيُّ ◌َه خَيْبَرَ، ولكنّي أنْرُكُها خِزانةً
لهم يَقْتَسِمونَها.
٤٢٣٦ - حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ،
عن أبيه، عن عمرَ ◌َُ، قال: لولا آخِرُ المسلمينَ، ما فُتِحَت عليهم قَرْيَةٌ إلا قَسَمْتُها، كما قَسَمَ
النبيُّ ◌َّهِ خَيْرَ.
الحديث السادس والعشرون: حديث عمر ذكره من طريقين.
قوله: ((أخبرنا محمد بن جعفر» أي: ابن أبي کثیر.
قوله: ((أخبَرَني زيد)» هو ابن أسلَمَ مَولَى عمر.
قوله: «لولا أن أتْرُكَ آخِرَ الناس بَّاناً» كذا للأكثر بموخَّدتَينِ مفتوحَتَينِ الثانية ثقيلة وبعد
الألف نون، قال أبو عبيد بعد أن أخرجه عن ابن مَهديٌّ: قال ابن مَهديٌّ: يعني شيئاً واحداً،
قال الخطَّابيُّ(٢): ولا أحسِب هذه اللَّفظةَ عربيّة، ولم أسمَعها في غير هذا الحديث. وقال
الأزهَريّ: بل هي لُغة صحيحة، لكنها غير فاشية في لُغة مَعَدِّ(٣)، وقد صَخَّحَها صاحب
((العين)) وقال: ضُوعِفَت حروفه (٤)، ويقال: هم على بَّانٍ واحدٍ، أي: على طريقةٍ واحدةٍ.
(١) في الكلام على باب من لم يقبل الهدية لِعِلّةٍ، وشرح الحديث (٢٥٩٧).
(٢) كذا نسب الحافظ هذا الكلام للخطّابي، وإنما ذكره الخطابي في ((أعلام الحديث)) ١٧٤٦/٣ عن أبي عبيد
الهروي. وهو عند أبي عبيد في ((غريب الحديث)) ٣/ ٢٦٨.
(٣) تحرفت لفظة ((في)) في (أ) و(د) إلى: هي. وهو خطأ، لأنَّ الأزهري قال: كأنها لغة يمانية، ولم تفشُّ في كلام
مَعَدَّ. انظر ((تاج العروس)) مادة (بيب).
(٤) زاد بعدها في (أ) و(د) و(س): وقال: البيان: المعدوم - وفي (س): المعدم - الذي لا شيء له، ولم ترد في
(ع) وهو الصواب، لأنها من قول الطبري الآتي ذكره. وانظر ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض ٧٦/١.

٤٣٢
باب ٣٧ / ح ٤٢٣٥-٤٢٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن فارس: يقال: هم بَّانٌ واحد، أي: شيء واحد. قال الطََّرِيُّ: البَيّانُ: في
المُعدِم(١) الذي لا شيءَ له. فالمعنى: لولا أن أترُكَهم فُقَراءَ مُعدِمين لا شيءَ لهم، أي:
مُتَساوين في الفَقرِ. وقال أبو سعيد الضَّرير فيما تَعقَّبَه على أبي عُبيد: صَوابه بياناً، بالموخَّدة
ثمَّ تحتانيَّة، بَدَل الموحّدة الثانية، أي: شيئاً واحداً، فإنَّهم قالوا لمن لا يُعرَف: هو هَيّان بن
بیّان.
قلت: وقد وَقَعَ من عمر ذِكرُ هذه الكلمة في قِصّةٍ أُخرَى، وهو أنَّه كان يُفضِّلُ في
القسمة، فقال: لَئِن عِشت لَأَجعَلَنَّ الناسَ بياناً(٢) واحداً. ذكره الجَوْهريّ. وهو ممَّا يُؤْيِّدُ
تفسيرَها بالتسوية. وروى الدّارَقُطْنيُّ في ((غرائب مالك)) من طريق مَعْن بن عيسى عن مالك
بسندِ حديث الباب عن عمر قال: لَئِن بقيت إلى الحولِ لَأُلحِقَنَّ أسفَلَ الناس بأعلاهم. وقد
قَدَّمتُ ذلك في ((باب الغنيمة لمن شَهِدَ الوَقعةَ)) من كتاب الجهاد (٣١٢٥).
تنبيه: نَقَلَ صاحب ((المطالع)) عن أهل العربيَّة أنَّه لم يَلتَقِ حرفان من جِنس واحد في
اللِّسان العربيّ. وتُعقّبَ بأنَّ ذلك لا يُعرَف عن أحدٍ من النَّحوّين ولا اللُّغة، وقد ذكر
سيبويه البَيْرَ، بموخَّدةٍ مفتوحةٍ ثمَّ ساكنة: وهي دابّةٌ تُعادي الأسَد(٣)، وفي الأعلام: بَبَةٌ،
بموحَّدتَينِ الثانية ثقيلة، لَقَبُ عبد الله بن الحارث الهاشميّ أمير الكوفة.
قوله: ((ولكنّي أترُكُها لهم خِزانةً يَقتسِمُونها)) أي: يَقْتَسِمونَ خَراجَها.
٤٩١/٧
قوله في الطريق الثانية: ((حدَّثنا / ابن مَّهْدي عن مالك عن زيد بن أسلمَ)) ووَقَعَ في ((غريب(٤)
أبي عُبيد)): عن ابن مهدي عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، فهو محمول على أنَّ لعبدِ الرحمن
(١) المثبت من (ع) و(س)، وفي (أ) و(د): المعدوم. وهو بمعنى المعدم، وبه فُسِّر قول خديجة للنبي وَليّ:
وتُكسِبُ المعدومَ.
(٢) تصحفت في (س) إلى: بباباً.
(٣) لكن قال الأزهري في ((التهذيب)) ١٥٥/١٥، والجواليقي في ((المعرّب)) ص ١١٠: أحسبه دخيلاً وليس
من كلام العرب. وبه جزم صاحب ((القاموس))، فقال: معرّب.
(٤) تحرفت في (س) إلى: غرائب. وهو في ((غريب أبي عبيد)) ٢٦٨/٣.

٤٣٣
باب ٣٧ / ح ٤٢٣٧-٤٢٣٩
كتاب المغازي
ابن مهدي فيه شيخَينٍ، لأنَّه ليس في رواية مالك قوله: بَيّناً، وهو في رواية هشام بن سعد
المذكورة، کما وقع في رواية محمد بن جعفر بن أبي کثیر.
٤٢٣٧ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ، وسألَه إسماعيلُ بنُ
أُميَّةَ، قال: أخبرني عَنْبَسةُ بنُ سعيدٍ: أنَّ أبا هريرةَ ◌ّ أتى النبيَّ ◌َِّ، فسألَه، قال له بعضُ بني
سعيدِ بنِ العاص: لا تُعْطِهِ، فقال أبو هريرةَ: هذا قاتلُ ابنِ قَوْقَلِ، فقال: واعَجَباه لِوَيْرٍ تَكَلَّ من
قَدُومِ الضَّأْنِ.
٤٢٣٨ - ويُذكَرُ عن الزُّبَيدِيِّ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عَنْبَسةُ بنُ سعيدٍ، أَنَّه سمعَ أبا
هريرةَ يُخْبِرُ سعيدَ بنَ العاصي، قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ وَ ﴿ أَبانَ على سَرِيَّةٍ مِن المدينةِ قِبَلَ نَجْدٍ،
قال أبو هريرةَ: فقَدِمَ أبانُ وأصْحابُه على النبيِّ وَّهِ بِخَيْبِرَ بعدَما افتَتَحَها، وإنَّ حُزُمَ خَيلِهم
لَلِيفٌ، قال أبو هريرةَ: قلتُ: يا رسولَ الله، لا تَقْسِم لهم، قال أبانُ: وأنتَ بهذا يا وَبْرُ تَحَذَّرَ من
رأسٍ ضَالٍ! فقال النبيُّوَّ: ((يا أبانُ، اجْلِسْ)) ولم يَقْسِمْ لهم.
٤٢٣٩ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عَمْرو بنُ يحيى بنِ سعيدٍ، قال: أخبرني جَدِّي:
أنَّ أبانَ بنَ سعيدٍ أقبَلَ إلى النبيِّ وَّةِ، فِسَلَّمَ عليه، فقال أبو هريرةَ: يا رسولَ الله، هذا قاتلُ ابنٍ
قَوْقَلٍ، فقال أبانُ لأبي هريرة: واعَجَباً لكَ، وَبْرٌ تَدَأْدَأْ مِن قَدُومٍ ضَأنٍ، يَنْعَى عَلَيَّ امَرَأَ أكرَمَه الله
بَيَدِي، ومَنَعَه أَن ◌ُهِينني بيَدِه.
الحديث السابع والعشرون: حديث أبي هريرة.
قوله: ((سمعت الزُّهْريَّ وسألَه إسماعيل بن أُميَّة)) أي: ابن عَمْرو بن سعيد بن العاص
الأُمويّ. والجملة حاليّة.
قوله: ((قال: أخبرني)» قائل ذلك هو الزُّهْريّ، وعَنبَسة بن سعيد، أي: ابن العاص، وهو
عَمّ والد إسماعيل بن أُميَّة.
قوله: ((أنَّ أبا هريرة أتى النبيّ ◌َّهِ فسألَه)) هذا السِّياق صورته مُرسَل، وقد تقدَّم من
وجه آخر مُصرَّحاً فيه بالاتّصال في أوائل الجهاد (٢٨٢٧)، وفيه بيان اسم المبهَم هنا في

٤٣٤
باب ٣٧ / ح ٤٢٣٧-٤٢٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: قال بعض بني سعيد، وبيان المراد بقوله: ابن قَوقَلٍ، وشرحُ ما فيه.
قوله: ((فسألَه)) أي: سألَ النبيّ ◌َِّ أن يُعطيَه من غَنائمِ خَيْبَرَ، وفي رواية الحُميديِّ عن
سفيان في الجهاد (٢٨٢٧): فقلت: يا رسولَ الله أسهِم لي.
قوله: ((قال له بعض بني سعيد بن العاص: لا تُعطِهِ)) القائل: هو أبانُ بن سعيد، كما في
الرِّواية التي بعده.
قوله: ((واعَجَباه)) في رواية السَّعيديِّ التي بعد هذه: واعَجَباً لك، وهو بالتنوينِ اسم
فِعلٍ بمعنى ((أعجَبُ)) و((وا)) مثل واها، و((عجباً)(١) للتوكيد، وبغير التنوينِ بمعنى: واعَجَبِي،
فأُبدِلَت الكسرةُ فتحةً كقولِه: يا أسَفَى. وفيه شاهد على استعمال ((وا)) في مُنادَى غير مندوبٍ،
كما هو رأيُ المَبَرّدِ واختيارُ ابنِ مالكٍ.
قوله: (لوَيْرِ تَكَلَّ مِن قَدُومِ الضَّأْنِ)) كذا اختَصَرَه، وقد مَضَى في الجهاد (٢٨٢٧) من
رواية الحميديِّ عن سفيان أتمَّ منه، وسيأتي شرحه في الذي بعده.
قوله: ((ويُذكَر عن الزُّبَيديِّ)) أي: محمد بن الوليد، وطريقه هذه وَصَلَها أبو داود
(٢٧٢٣) من طريق إسماعيل بن عيّاش عنه، ووَصَلَها أيضاً أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من
طريق إسماعيل أيضاً، ومن طريق عبد الله بن سالم، كلاهما عن الزُّبيدي(٢).
قوله: ((يُخبر سعيد بن العاص)) أي: ابن أُميَّة، وكان سعيد بن العاص تأمَّرَ على المدينة
من قِبَلِ معاوية في ذلك الَّمان.
قوله: ((قال: بَعَثَ رسولُ الله ◌ِِّ أبان على سَرِيَّةٍ من المدينةِ قِبَلَ نَجدٍ)) لم أعرِف حال
٤٩٢/٧ هذه/ السَّريّة، وأمَّا أبانُ: فهو ابن سعيد بن العاص بن أُميَّة، وهو عَمّ سعيد بن العاص
الذي حدَّثه أبو هريرة. وكان إسلام أبان بعدَ عمرة الحديبية، وقد ذكرنا أوَّلاً في قِصّة
الحُدَيبية في الشُّروطِ وغيرها أنَّ أبان هذا أجارَ عثمان بنَ عَفّان في الحُدَيبية حتَّى دَخَلَ مكَّة
(١) تحرفت في (س) إلى: واعجباً.
(٢) تحرف في (أ) و(د) و(س) إلى: الحميدي، وجاء على الصواب في (ع).

٤٣٥
باب ٣٧ / ح ٤٢٣٧-٤٢٣٩
كتاب المغازي
وبَلَّغَ رسالة رسول الله وَّةٍ. وتقدَّم في هذه الغزوة أنَّ غزوة خَيْبَرَ كانت عَقِبَ الرُّجوع من
الحُدَيبية، فيُشعِرُ ذلك بأنَّ أبان أسلَمَ عَقِبَ الحُدَيبية حتَّى أمكَنَ أن يَبعَثَه النبيُّ في سَرِيَّةٍ.
وقد ذكر الهيثم بن عَدِيّ(١) في ((الأخبار)) سبب إسلام أبان، فروى من طريق سعيد بن
العاص قال: قُتِلَ أبي يوم بدر، فَرَبّاني عَمّي أبان، وكان شديداً على النبيّ وَل﴿ يَسُبُه إذا ذُكِر،
فخرج إلى الشّام فَرَجَعَ فلم يَسُبَّه، فسُئِلَ عن ذلك، فذكر أنَّه لَقِيَ راهباً فأخبَرَه بصِفَتِه
ونَعِتِهِ، فَوَقَعَ في قلبه تصديقُه، فلم يَلْبَثَ أن خرج إلى المدينة فأسلَمَ. فإن كان هذا ثابتاً
احتملَ أن يكونَ خروج أبان إلى الشّام كان قبل الحديبية.
قوله: ((وإنَّ حُزُمٌ)) بِمُهمَلةٍ وزاٍ مضمومَتَينِ.
قوله: (لَليفٌ)) بلام التأكيدِ، واللّيفُ معروف، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: اللّيفُ، على أنَّه
خَبَرُ إنّ بغير تأكیدٍ.
وَسَلم
قوله: ((وأنتَ بهذا)) أي: وأنتَ تقولُ بهذا، أو وأنتَ بهذا المكان والمنزلة من(٢) رسول الله يَّ
مع كَونِك لست من أهلِه ولا من قومِه ولا من بلادِهِ.
قوله: ((يا وَبْر)) بفتح الواو وسكونِ الموحَّدة: دابّةٌ صغيرة كالسِّنَّورِ، وحشيَّةٌ، ونَقَلَ أبو
عليٍّ القالي عن أبي حاتم: أنَّ بعض العرب يُسمّي كلّ دابّةٍ من حَشَرات الجبال وَبْراً. قال
الخطّبيُّ: أراد أبانُ تحقيرَ أبي هريرة، وأنَّه ليس في قَدْرِ مَن يشير بعطاءٍ ولا مَنْعٍ، وأنَّه قليل
القُدْرة على القتال. انتهى، ونَقَلَ ابن التِّين عن أبي الحسن القابِسيّ أنَّه قال: معناه: أنَّه مُلصَق
في قُرَيش، لأنَّه شَبَّهَه بالذي يَعلَقُ بوَبَرِ الشّاة من الشَّوكِ وغيرِه. وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّه يَلَم
من ذلك أن تكون الرِّواية: وَبَرٌّ، بالتحريك، قال: ولم يُضبَط إلّ بالسُّكون.
قوله: (تَحَدَّرَ)) في الرِّواية الأولى: تَلَلَّ، وهي بمعناها، وفي الرّواية التي بعدَها: تَدَأْدَاً،
بِمُهمَلَتَينِ بينهما هَمزة ساكنة، قيل: أصلُهُ تَدَهْدَهَ(٣) فأُبدِلَت الهاء همزة، وقيل: الدَّأْدَأَةُ: صوتُ
(١) تحرف في (س) إلى: علي.
(٢) تحرفت في (س) إلى: مع.
(٣) في (س): تدهدأ. وكلاهما جائز.

٤٣٦
باب ٣٧ / ح ٤٢٣٧ -٤٢٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
الحجارة في المسيلِ، ووَقَعَ في رواية المُستَمْلي: تدارا، براءٍ بَدَل الدّال الثانية، وفي رواية أبي
زيد المروَزيِّ: تَرَدَّى، وهي بمعنى: تَحَدَّرَ وتَدَلَّ، كأنَّه يقول: هَجَمَ علينا بغتةً.
قوله: ((مِن رأسِ ضالٍ)) كذا في هذه الرِّواية باللّام، وفي التي قبلَها بالنّونِ، وقد فَسَّرَ
البخاريّ في رواية المُستَمْلي الضّالَ باللّام، فقال: هو السِّدرُ، وكذا قال أهلُ اللُّغة: إنَّه
السِّدُرُ الْبَرِّيّ، ووَقَعَ في نسخة الصغانيِّ: الضّالُ: سِدرةُ البَرِّ. وتقدَّم كلامُ ابنٍ دقيق العيد
في ذلك في أوائل الجهاد (٢٨٢٧) وأنَّه السِّدُرُ البَرِّيّ.
وأمَّا قَدُومُ، فبفتح القاف للأكثر، أي: طَرَف، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلي بضمِّ القاف،
وأمَّا الضأن فقيل: هو رأسُ الجبلِ، لأنَّه في الغالب موضع مَرعى الغنم، وقيل: هو بغیر
همٍ، وهو جبل لدَوْسٍ قومٍ أبي هريرة.
قوله: (يَنْعَى)) بفتح أوَّلِه وسكونِ النّونِ بعدَها عين مُهمَلة مفتوحة، أي: يَعيب عليَّ،
يقال: نَعَى فلان على فلان أمراً: إذا عابَه ووَبَّخَه عليه، وفي رواية أبي داود (٢٧٢٤) عن
حامد بن يحيى عن سفيان: يُعيِّرُني.
قوله: ((ولم يُهِنّي)(١) بالتشديد، أصلُه: يُهيني، فأُدْغِمَت إحدَى النّونَينِ في الأُخرَى. ووَقَعَ
في الرِّواية الأخيرة: ومَنَعَه أن يُهينني بيَدِه. وقد تقدَّم بقيَّةُ شرحه في الجهاد. قيل: وَقَعَ في
إحدَى الطَّريقَين ما يَدخل في قِسم المقلوب، فإنَّ في رواية ابن عُيَينةَ أنَّ أبا هريرة هو السائل
أن يَقْسِمَ له، وأنَّ أبان هو الذي أشارَ بمَنعِهِ. وفي رواية الزُّبَيديّ أنَّ أبان هو الذي سأل، وأنَّ
أبا هريرة هو الذي أشارَ بمَنعِهِ. وقد رَجَّحَ الذُّهْلِيُّ رواية الزُّبَيديّ. ويُؤيِّد ذلك وقوع
التصريح في روايته بقولِ النبيّ وَّ: ((يا أبانُ اجلِس)) ولم يَقسِم لهم. ويحتمل أن يُجمَع بينهما
بأن يكون كلّ من أبان وأبي هريرة أشارَ أن لا يُقْسَم للآخَرِ، ويدلّ عليه أنَّ أبا هريرة احْتَجَّ
٤٩٣/٧ على أبان بأنَّه قاتلُ ابن قَوقَلٍ، وأبانُ احتَجَّ على أبي هريرة بأنَّه ليس مَمَّن له في الحرب/ يدٌ
(١) هذا لفظ الرواية السالفة برقم (٢٨٢٧). وفي (س): ومنعه أن يُهنّ، وهو خطأ، لأنَّ الرواية هناك: ولم يهني.
وجاءت في أصولنا على الصواب.

٤٣٧
باب ٣٧ / ح ٤٢٤٠-٤٢٤١
كتاب المغازي
يَسْتَحِقّ بها النَّفَل فلا يكون فيه قلبٌ، وقد سَلِمَت رواية السَّعيديّ من هذا الاختلاف، فإنَّه
لم يَتعرَّض في حديثه لسؤال القسمة أصلاً. والله أعلم.
٤٢٤٠، ٤٢٤١- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن
عُرْوةَ، عن عائشةَ: أنَّ فاطمةَ عليها السَّلام بنتَ النبيِّ وَّ أَرسَلَت إلى أبي بَكْرٍ، تسألُهُ مِيراثَها
من رسولِ اللهِ وَّةِ، ممّا أفاءَ الله عليه بالمدينةِ وفَدَك، وما بَقِيَ من ◌ُسِ خَيْرَ، فقال أبو بَكْرٍ: إنَّ
رسولَ اللهِ وَّه قال: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ، إنَّما يأكلُ أَلُّ محمَّدٍ في هذا المال)) وإنّ والله لا
أُغَيِّرُ شيئاً من صَدَقةِ رسولِ الله وَ لَّ عن حالها التي كان عليها في عَهْدِ رسولِ اللهِوَآلِ،
ولأعمَلَنَّ فيها بما عَمِلَ به رسولُ اللهِوَّهِ، فَأَبَى أبو بَكْرِ أن يَدْفَعَ إلى فاطمةَ منها شيئاً، فوَجَدَت
فاطمةُ على أبي بَكْرٍ في ذلكَ، فهَجَرَتْه، فلم تُكلِّمْه حتَّى تؤُفِيَتْ، وعاشَت بعدَ النّبِيِّ نَّه ◌ِتَّةَ
أشهُرٍ، فلمَّا تُوُقَِّت دَفَنَها زَوْجُها عليٌّ ليلاً، ولم يُؤْذِن بها أبا بَكْرٍ، وصَلَّى عليها. وكان لِعليٍّ مِن
الناسِ وجْهٌ حياةَ فاطمةَ، فلمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنكَرَ عليٍّ وجوهَ الناسِ، فالتَمَسَ مُصالحةً أبي بَكْرٍ
ومُبايعَتَه، ولم يكن يُبابِعُ تلكَ الأشهُرَ، فأرسَلَ إلى أبي بكرٍ أنِ اثْتِنا، ولا يأتِنا أحدٌ مَعَكَ، كَراهيةً
لِيَحْضُرَ عمرُ، فقال عمرُ: لا والله لا تَدْخُلُ عليهم وحدَكَ، فقال أبو بَكْرٍ: وما عَسَيتَهم أن
يَفْعَلوا بي؟ والله لآتِيَنَّهم، فَدَخَلَ عليهم أبو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عليّ، فقال: إنّا قد عَرَفْنا فضلَكَ، وما
أعطاكَ الله، ولم تَنْفَس عليكَ خيراً ساقَه الله إليكَ، ولكنَّكَ استَبْدَدْتَ علينا بالأمرِ، وكنَّا نُرَى
لِقَرابَتِنا من رسولِ الله ◌َّ نَصِيباً، حتَّى فاضَت عينا أبي بَكْرٍ، فلمَّا تَكلَّمَ أبو بَكْرٍ قال: والَّذي
نفسي بيَدِه! لَقَرابةُ رسولِ الله ◌ِّ أَحَبُّ إليَّ أن أصِلَ من قَرَابَتِي، وأمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيني وبينكم
من هذه الأموال، فإني لم ألُّ فيها عن الخيرِ، ولم أتْرُكْ أمراً رأيتُ رسولَ الله ◌َّهِ يَصْنَعُه فيها إلَّا
صَنَعْتُهُ، فقال عليٌّ لأبي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ للبيعةِ، فلمََّ صَلَّى أبو بَكْرِ الظُّهْرَ رَقِيَ على الِثْرِ، فَتَشَهَّدَ،
وذكر شأنَ علِيٍّ وَخُلُّفَه عن البيعةِ، وعَذَرَهُ بِالَّذِي اعتَذَرَ إليه، ثمَّ اسْتَغْفَرَ. وَتَشَهَّدَ عليٌّ فعَظَّمَ حَقَّ أبي
بَكْرِ، وحدَّث أنَّه لم يَحْمِلْه على الَّذِي صَنَعَ نَفاسةً على أبي بَكْرٍ، ولا إنْكاراً للَّذِي فَضَّلَه الله به، ولكنّا
كُنّا نَرَى لنا في هذا الأمرِ نَصِيباً فاستَبَدَّ علينا، فوَجَدْنا في أنفُسِنا، فسُرَّ بذلكَ المسلمونَ، وقالوا:
أصَبْتَ، وكان المسلمونَ إلى عليٍّ قريباً حينَ راجَعَ الأمرَ المعروفَ.

٤٣٨
باب ٣٧ / ح ٤٢٤٠-٤٢٤١
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثامن والعشرون: حديث عائشة: أنَّ فاطمة أرسَلَت إلى أبي بكر تسأله
ميراثَها. تقدَّم شرحه في فرضِ الخُمُسِ (٣٠٩٢ و٣٠٩٣)، وفي هذه الطَّريق زيادةٌ لم تُذكَر
هناكَ، فتُشرَحُ.
قوله: «وعاشت بعد النبيِّ ێ ستةَ أشھر» هذا هو الصحیحُ في بقائها بعده. وروى ابن
سعد (٢٨/٨) من وجهَينِ أنَّها عاشَت بعدَه ثلاثة أشهر. ونَقَلَ عن الواقديِّ أنَّ(١) ستّةَ
٤٩٤/٧ أشهر هو / الثَّبت. وقيل: عاشت بعدَه سبعين يوماً. وقيل: ثمانية أشهر. وقيل: شهرَينٍ،
جاء ذلك عن عائشة أيضاً.
وأشارَ البيهقيُّ إلى أنَّ في قوله: وعاشَت ... إلى آخره، إدراجاً، وذَلِك أنَّه وَقَعَ عند
مسلم من طريق أُخرَى عن الزّهْرِيِّ، فذكر الحديث، وقال في آخره: قلت للزُّهريِّ: كَم
عاشَت فاطمة بعدَه: قال: ستّة أشهرٍ. وعَزا هذه الرِّوايةَ لمسلمٍ، ولم تقع عندَ مسلمٍ هكذا،
بل فيه (١٧٥٩) كما عندَ البخاريّ موصولاً. والله أعلم.
قوله: «دَفَنَها زوجُها عليٌّ ليلاً، ولم يُؤذِن بها أبا بكر)) روى ابن سعد (٢٨/٨ -٢٩) من
طريق عمرة بنت عبد الرحمن أنَّ العبَّاس صَلَّى عليها، ومِن عِدّة طرقٍ أنَّهَا دُفِنَت ليلاً،
وكان ذلك بوَصِيَّةٍ منها لإرادة الزّيادة في التسَتُِّ، ولعلَّه لم يُعلِم أبا بكر بموتِها لأنَّه ظنَّ أنَّ
ذلك لا يَخْفَى عنه، وليس في الخَيَرِ ما يدلُّ على أنَّ أبا بكر لم يعلم بموتها ولا صَلَّى عليها،
وأمَّا الحديث الذي أخرجه مسلم (٩٤٣) والنَّسائيُّ (١٨٩٥) وأبو داود (٣١٤٨) من
حديث جابر في النَّهي عن الدَّفنِ ليلاً، فهو محمولٌ على حال الاختيار، لأنَّه في بعضه: إلّا
أن يُضطَرَّ إنسانٌ إلى ذلك.
قوله: ((وكان لعليٍّ من الناس وجهٌ حياةَ فاطمة)) أي: كان الناس يَحتَّرِ مونَه إكراماً لفاطمة،
فلمَّا ماتت واستَمرَّ على عَدَمِ الحضورِ عندَ أبي بكر قَصَرَ الناسُ عن ذلك الاحترام، لإرادة
دخولِه فيما دَخَلَ فيه الناس، ولذلك قالت عائشةُ في آخِرِ الحديث، لمَّا جاء وبايعَ: كان
(١) في (س): وأن، بإقحام حرف الواو.

٤٣٩
باب ٣٧ / ح ٤٢٤٠-٤٢٤١
كتاب المغازي
الناس قريباً إليه حين راجَعَ الأمرَ المعروفَ(١). وكأنَّهم كانوا يعذِرونَه في التخَلَّفِ عن أبي
بكر في مُدّة حياة فاطمةَ لشُغلِه بها وتَريضِها وتَسليَتِها عمَّا هي فيه من الحُزْنِ على أبيها مَّ،
ولأنَّا لمَّا غَضِبَت من رَدِّ أبي بكرٍ عليها فيما سألَته من الميراثِ رأى عليٌّ أن يوافقَها في
الانقطاع عنه.
قوله: ((فلمَّا تُوُفّيَت استَنْكَرَ عليٌّ وجوه الناس، فالتَمَسَ مُصالَةً أبي بكرٍ ومُبابعَتَه، ولم یکن
يُبابِع تلك الأشهر)) أي: في حياة فاطمة. قال المازَرِيّ: العُذرُ لعليٍّ في تَخَلَّفِه مع ما اعتَذَرَ هو
به أنَّه يكفي في بيعة الإمام أن يقَع من آحاد أهل الحَلِّ والعَقدِ، ولا يجب الاستيعاب، ولا
يَلزَم كلَّ أحدٍ أن يَحِضُرَ عندَه ويَضَعِ يدَه في يدِهِ، بل يكفي التِزامُ طاعته، والانقيادُ له، بأن
لا يُالفَه ولا يَشُقَّ العَصا عليهِ، وهذا كان حالُ عليٍّ لم يقع منه إلّا التأخِّرُ عن الحضورِ عند
أبي بکر، وقد ذكر سبب ذلك.
قوله: ((كراهيةً لَيَحضُر عمر)) في رواية الأكثر: لِمَحْضَرٍ عمر، والسَّبَب في ذلك ما ألفوه
من قوّة عمرَ وصَلابَتِه في القولِ والفِعلِ، وكان أبو بكر رَقيقاً لَيِّناً، فكأنَّهم خَشُوا مِن حضور
عمرَ كَثْرَةَ المعاتَبة التي قد تُفضي إلى خلاف ما قَصَدوه من المُصافاة.
قوله: ((لا تَدخُل عليهم)) أي: لئَّا يَترُكوا من تعظيمك ما يجب لك.
قوله: ((وما عَسَيتهم أن يَفعَلوا بي)) قال ابن مالك: في هذا شاهد على صِحّة تضمين
بعض الأفعال معنى فِعل آخر وإجرائه مَجَراه في التعدية، فإنَّ ((عَسَيت)) في هذا الكلام بمعنى
((حَسِبت)) وأُجرِيت ◌َجَراها، فنَصَبت ضمير الغائبين [على أنه مفعول أول، ونَصَبت ((أن
يفعلوا)) تقديراً] (٢) على أنَّه مفعول ثانٍ، وكان حَقّه أن يكون عارياً من ((أن)) لكن جيءَ بها
لِثَلاَ تَّخْرُج ((عَسَى)) عن مُقتَضاها بالكلّة. وأيضاً فإنَّ((أن)) قد تَسُدّ بصِلَتِها مَسَدّ مفعولَي
(١) تحرفت في (س) إلى: بالمعروف.
(٢) ما بين معقوفين سقط من أصولنا الخطية ومن (س)، واستدركناه من ((شواهد التوضيح)) لابن مالك
ص١٤٥.

٤٤٠
باب ٣٧ / ح ٤٢٤٠ -٤٢٤١
فتح الباري بشرح البخاري
حسب، فلا يُستَبَعَد مَجَيتُها بعد المفعولِ الأول بَدَلاً منه(١). قال: ويجوز جعل تاء (عَسَيتهم))(٢)
حرف خطابٍ، والهاء والميم اسم عَسَى، والتقدير: ما عَساهم أن يَفعَلوا بي، وهو وجه
حَسَن.
قوله: ((ولم نَنفَس عليك خيراً ساقَه الله إليك)) بفتح الفاءِ من (نَنفَس)) أي: لم نَحسُدك على
الخلافة، يقال: نَفِست، بكسرِ الفاء، أنفَسُ بالفتح، نَفاسةً.
وقوله: ((استَبَدَدْتَ)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((استَبَدْتَ)) بدال واحدة، وهو بمعناه، وأُسقِطَت
الثانية تخفيفاً، كقوله: ﴿فَطَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] أصلُه: ظَلِلْتُم، أي: لم تُشاوِرونا، والمرادُ
بالأمر: الخلافة.
قوله: ((وكنَّا نُرَى)) بضمٌّ أوَّله، ويجوز الفتح.
قوله: (القَرابَتِنا)) أي: لأجلِ قَرابَتنا ((من رسولِ اللهِ لَّ نَصيبا)) أي: لنا في هذا الأمرِ.
قوله: ((حتَّى فاضَت)) أي: لم يزل عليّ يَذْكُرُ رسولَ الله ◌َّهِ حَتَّى فاضَت عينا أبي بكر من
٤٩٥/٧ الرِّقّة. قال المازَرِيّ: ولعلَّ عليّاً أشارَ إلى أنَّ أبا بكر استَبَدَّ عليه / بأُمورٍ عِظام، كان حقُّ (٣)
مِثله عليه أن يُحِضِرَه فيها ويُشاوِره، أو أنَّه أشارَ إلى أنَّه لم يَستَشِره في عَقد الخلافة له أوَّلاً،
والعُذر لأبي بكر أنَّه خَشِيَ من التأخّرِ عن البيعة الاختلافَ، لمَا كان وَقَعَ من الأنصار، كما
تقدَّم في حديثِ السَّقيفة (٣٦٦٧ و ٣٦٦٨) فلم يَنْتَظِرِوه.
قوله: (شَجَر بيني وبينكُمْ)) أي: وَقَعَ من الاختلاف والتنازع.
قوله: ((من هذه الأموال)) أي: التي تَرَكَها النبيّ وَّل من أرضٍ خَيْبَرَ وغيرها.
قوله: ((لم ألُ)) أي: لم أُقصِّر.
قوله: ((مَوعِدُك العَشِيَّة)» بالفتح، ويجوزُ الضَّمُّ، أي: بعدَ الزَّوال.
(١) تمام كلام ابن مالك: فلا يستبعَدُ مجيئها بعد المفعول الأول بدلاً منه، وسادّةً مسَدَّ ثاني مفعوليها.
(٢) تحرف في أصولنا الخطية و(س) إلى: ما عسيتهم. والتصويب من ((شواهد التوضيح)) ص١٤٦.
(٣) لفظة ((حق)) سقطت من (س).