النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
باب ٣٤ / ح ٤١٥٦ - ٤١٥٩
كتاب المغازي
قوله: (تابَعَه محمد بن بَشّار)) هو بُندار ((حدَّثنا أبو داودَ)) هو الطَّيالسيّ، وهذه الطَّريق
وَصَلَها الإسماعيليُّ عن ابن عبد الكريم(١) عن بُندار، به، وأخرجه مسلم (١٨٥٧) عن أبي
موسى محمد بن المثنَّى عن أبي داود به.
٤١٥٦ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا عيسى، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، أنَّه سمعَ
مِرْداساً الأسلميَّ يقول - وكان من أصحاب الشَّجَرةِ - ((يُقبَضُ الصالحونَ الأوَّلُ فالأوَّلُ،
وتَبْقَى حُفَالٌ كَحُفَالةِ التَّمْرِ والشَّعيرِ، لا يَعْبَأُ الله بهم شيئاً).
[طرفه في: ٦٤٣٤]
٤١٥٧، ٤١٥٨- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن
مَرْوانَ والِسْوَرِ بنِ تَخْرَمَةَ، قالا: خَرَجَ النبيُّ وَِّ عامَ الحُدَيِيةِ في بضْعَ عَشْرَةَ مئةً من أصْحابه،
فلمَّا كان بذي الحُلَيفةِ قَلَّدَ الَدْيَ، وأشعَرَ، وأحرَمَ مِنْها. لا أُحْصي كَم سمعتُه من سفيانَ،
حَتَّى سمعتُه يقول: لا أحفَظُ مِن الزُّهْريِّ الإِشْعارَ والتَّقْلِيدَ، فلا أدري يعني موضعَ الإِشْعار
والتَّقْلِيدِ، أو الحديثَ كلَّه.
٤١٥٩ - حدَّثني الحسنُ بنُ خَلَفٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ يوسُفَ، عن أبي بِشْرِ وَرْقاءَ،
عن ابنِ أبي نَجِيح، عن تُجاهدٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي ليلى، عن كَعْبٍ بنِ عُجْرةَ: أنَّ
رسولَ اللهِ وَ ﴿ رآه وقَمْلُهُ يَسْقُطُ على وجهِه، فقال: ((أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟)) قال: نعم، فأمَرَه
رسولُ الله ◌َّ﴿ أَن تَحِلِقَ وهو بالحُدَيبِيَةِ. لم يَتَبَّنْ لهم أنَّهم يَحِلُّونَ بها، وهم على ◌َمَعِ أن يَدخُلوا
مكَّةَ، فأنزلَ الله الفِدْيَةَ، فأمَرَه رسولُ اللهِ وَّهِ أَن يُطْعِمَ فَرَقاً بينَ سِتّةٍ / مَساكِينَ، أو يُهدِيَ شاةً، ٤٤٥/٧
أو يصومَ ثلاثةَ أيامٍ.
الحديث السابع:
قوله: ((أخبرنا عيسى)) هو ابن يونس، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن
أبي حازم، ومِرداسٌ الأسلَميّ: هو ابن مالك، وليس له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث،
(١) هو أحمد بن محمد بن عبد الكريم الجُرجاني الوزان. له ترجمة في ((تاريخ جرجان)) ص٧٤.

٣٤٢
باب ٣٤ / ح ٤١٥٦-٤١٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
ولا يُعرَف أحدٌ روى عنه إلّا قيس بن أبي حازم، جَزَمَ بذلك البخاريّ وأبو حاتم ومسلم
وآخرون.
وقال ابن السَّكَن: زَعَمَ بعضُ أهل الحديث أنَّ مِرداس بن عُرْوة الذي روى عنه زيادُ
ابن عِلَاقَةَ: هو الأسلَميّ، قال: والصحيح أنَهما اثنان. قلت: وفي هذا تَعقُّبٌ على المِّيّ في
قولِه في ترجمة مِرداسٍ الأسلَميّ: روى عنه قيس بن أبي حازم وزياد بن عِلاقةً. ووَضَحَ أنَّ
شيخَ زياد بن عِلاقةً غير مِرداس الأسلميّ، والله أعلم.
قوله: ((سمعَ مِرداساً الأسلَميّ يقول، وكان من أصحاب الشَّجَرة: يُقبَضُ الصالحونَ)) كذا
ذكره عنه موقوفاً هنا، وأورَدَه في الرِّقاق (٦٤٣٤) من طريق بيانٍ عن قيس مرفوعاً، ويأتي
شرحه هناكَ إن شاء الله تعالى. والغرض منه بيان أنَّه كان من أصحاب الشَّجَرة، والحُفَالةُ
بالمهمَلة والفاءِ: بمعنى الحُثَالة، بالمثلَّثة، والفاءُ قد تقع موضع الثاء، والمراد بها الَّديءُ من
كلِّ شيءٍ.
الحديث الثامن: حديث المِسوَر ومروان في قِصّة الحديبية، ذكره مختصراً جدّاً من رواية
سفيان - وهو ابن عُيَينةَ - عن الزّهْريِّ، وقال فيه: لا أُحصي كم سمعته من سفيان، حتَّى
سمعته يقول: لا أحفَظُ من الزُّهْريِّ الإشعارَ والتقليدَ ... إلى آخره، وهذا كلام عليّ بن
المدينيّ، وسيأتي هذا الحديث في هذا الباب (٤١٧٨) من رواية عبد الله (١) بن محمد
الجُعْفيِّ، عن سفيان بن عُبَينَةَ أتمَّ من رواية عليٍّ، ولكن قال فيه: حفظتُ بعضَه وثَبْتَني
مَعمَرٌ. وسأذكر ما يتعلَّقُ بشرحِه، وهو الحديث الخامس والعشرونَ فيه.
وأغرَب الكِرْمانِيُّ فحَمَلَ قولَ عليٍّ بن المدينيِّ: لا أُحصي كم سمعتُه من سفيان، على
أنَّه شَكٌّ في العددِ الذي سمعَه منه، هل قال: ألف وخمس مئة، أو ألف وأربع مئة، أو ألف
وثلاث مئة. ويكفي في التعقُّب عليه أنَّ حديث سفيان هذا ليس فيه تَعرُّضٌ للتردُّدِ في
عددِهم، بل الطّرقُ كلُّها جازمةٌ بأنَّ الزُّهْريَّ قال في روايتِهِ: كانوا بضعَ عَشْرة مئة،
(١) تحرف في (س) إلى: عُبيد الله.

٣٤٣
باب ٣٤ / ح ٤١٦٠-٤١٦١
كتاب المغازي
وكذلك كلُّ مَن رواه عن سفيان، وإنَّما وَقَعَ الاختلافُ في حديثٍ جابر والبراءِ كما تقدَّم
مبسوطاً.
الحديث التاسع:
قوله: ((حدَّثني الحسن بن خَلَفٍ)) هو الواسطيّ، ثقةٌ من صِغار شيوخ البخاريِّ، وما له
عنه في ((الصحيح)) سِوَى هذا الموضع.
قوله: ((عن أبي بشرٍ ورقاءَ)) هو ابن عمر اليَشكُريّ، وهو مشهور باسمِه، وابن أبي نَجِيح:
اسمه عبد الله، واسم أبي نَجِيح يَسَار بمُهمَلة. وحديث كعب بن عُجْرة هذا ذكره المصنّف
من وجهَينِ عن مجاهد في آخِر هذا الباب (٤١٩٠ و٤١٩١)، وقد تقدَّم شرحه في كتاب
الحجّ (١٨١٤ -١٨١٨).
٤١٦٠، ٤١٦١- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن
أبيه، قال: خَرَجْتُ معَ عمرَ بنِ الخَطَّابِ ﴾ه إلى السّوقِ، فَلَحِقَت عمرَ امرأةٌ شابٌّ، فقالت: يا
أمِيرَ المؤمنينَ، هَلَكَ زوجي وتَرَكَ صِبْيَةً صِغاراً، والله ما يُنْضِجونَ كُرَاعاً، ولا لهم زَرْعٌ، ولا
ضَرْعٌ، وخَشِيتُ أن تَأْكُلَهم الضَّبُعُ، وأنا بنتُ خُفَافِ بنِ إيماءَ الغِفاريِّ، وقد شَهِدَ أبي الحُدَيِيةَ
معَ النبيِّ ◌َّةِ، فَوَقَفَ معها عمرُ ولم يَمْضٍ، ثمَّ قال: مَرْحباً بنَسَبٍ قريبٍ، ثمَّ انصَرَفَ إلى بَعِيرٍ
ظَهِيرٍ كان مَرْبوطاً في الدّار، فحَمَلَ عليه غِرَارَتَينِ مَلأهما طعاماً، وَلَ بينَهما نَفَقَةً وثِياباً، ثمَّ
ناوَلهَا بخِطامِه، ثمَّ قال: اقتادِیه، فلَن يَفْنَی حتَّى يأَنيَكُمُ الله بخيرٍ.
فقال رجلٌ: يا أمِيرَ المؤمنينَ، أكثَرْتَ/ لها؟ فقالَ عمرُ: ثَكِلَتْكَ أمُّكَ! والله إني لأرَى أبا هذه ٤٤٦/٧
وأخاها قد حاصَرا حِصْناً زماناً فافتَتَحاه، ثمَّ أُصْبَحْنا نَسْتَفِيءُ سُهْمانَهما فيه.
الحديث العاشر والحادي عشر:
قوله: ((فَلَحِقَت عمرَ امرأةٌ شابَةٌ)) لم أقِفْ على اسمها، ولا على اسم زوجِها، ولا اسم
أحدٍ من أولادِها، وزوجُها صحابيٌّ، لأنَّ مَن كان له في ذلك الزَّمان أولادٌ يدلُّ على أنَّ له
إدراكاً، وهذه بنت صحابيّ لا يَبعد أن يكونَ لها رُؤية، فالذي يَظهَر أنَّ زوجَها صحابيّ أيضاً،

٣٤٤
باب ٣٤ / ح ٤١٦٠-٤١٦١
فتح الباري بشرح البخاري
وفي رواية مَعنِ عن مالكِ عندَ الإسماعيليِّ: فَلَقِينا امرأةً فتشبَّئت(١) بثيابه. وللدّارَ قُطْنيّ من
هذا الوجه: إنّ امرأةٌ مُوتِمةٌ(٢). وله من طريق سعيد بن داود عن مالك: فَتَعلَّقَت بثيابه.
قوله: ((وتَرَكَ صِبيةً صِغاراً)) في رواية سعيد بن داود: وخَلَّفَ صبِّينِ صغيرَينِ. فُيُحتمل
أن يكون معهما بنت أو أكثر.
قوله: ((فقالت: يا أميرَ المؤمنين)) زاد الدّارَ قُطنيُّ من طريق عبدِ العزيز بن يحيى عن مالك:
فقال مَن معه: دَعي أمير المؤمنين.
قوله: ((ما يُنْضِجونَ)) بضمٍّ أوَّلِه وسكونِ النّونِ وكسرِ الضّادِ المعجمة بعدَها جیمٌ.
قوله: ((كُرَاعاً)) بضمِّ الكاف: هو ما دونَ الكعب من الشّاة، قال الخطّابيُّ: معناه: أنَّهم لا
يَكْفُونَ أنفُسهم مُعالجة ما يأكلونَه. ويُحتملُ أن يكون المراد: لا كُراع لهم فيُنضِجونَه.
قوله: ((ليس لهم ضَرْع)) بفتح الضّادِ المعجَمة وسكونِ الراءِ: ليس لهم ما يحلُبُونَه.
وقوله: ((ولا لهم زرعٌ)) أي: ليس لهم نباتٌ.
قوله: ((وخَشِيتُ أن تأكُلَهم الضَّبُع)) أي: السَّنَةُ المُجدِبة، ومعنى ((تأكُلُهم)) أي: تُهلِكُهم.
قوله: ((وأنا بنت خُفَاف)) بضمِّ المعجَمة وفاءَينٍ، الأولى خفيفةٌ.
قوله: ((إيماءَ)) بكسرِ الهمزة - ويقال: بفتحها - وسكون التحتانيَّة والمدّ، وخُفاف صحابيُّ
مشهورٌ، قيل: له ولأبيه ولجدِّه صُحْبة. حكاه ابن عبد البَرِّ، قال: وكانوا يَنْزِلونَ غَيْقة
- يعني: بغَيْنٍ مُعجَمةٍ وتحتائيَّةٍ ساكنةٍ وقافٍ - ويأتونَ المدينةَ كثيراً. ولُفَاف هذا حديث
عند مسلم (٦٧٩) موصولٌ.
قوله: ((شَهِدَ أبي الحُدَيبيةَ مع النبي (وَّ)) ذكر الواقديُّ من حديث أبي رُهْمِ الغِفاريِّ قال:
لمَّا نزل النبيّ ◌ََّ بالأبواءِ، أهدى له إيماءُ بنُ رَحَضةَ الغِفاريُّ مئةَ شاة وبعيرَينِ يَحمِلان لبناً،
وبَعَثَ بها مع ابنه خُفَاف، فقَبِلَ هديَّتَه، وفَرَّقَ الغنمَ في أصحابه، ودَعَا بالبَرَكة.
(١) المثبت من (ع)، ومن ((عمدة القاري)) ٢١٨/١٧، وفي (أ) و(د): قد شبكت، وفي (س): قد شبثت.
(٢) يعني: ذات أيتام.

٣٤٥
باب ٣٤ / ح ٤١٦٠-٤١٦١
كتاب المغازي
قوله: ((بنَسَبٍ قريبٍ)) يحتملُ أن يريد قُربَ نَسَب غِفار من قُرَيش، لأنَّ كِنانةَ يَجِمَعهم.
أو أراد أنَّها انتَسَبَت إلى شخصٍ واحدٍ معروفٍ.
قوله: ((بعيرٍ ظَهيرٍ)) أي: قويِّ الظَّهر، مُعَدِّ للحاجة.
قوله: ((اقتادِيهِ)) بقافٍ ومُثنّاةٍ. وفي رواية سعيد بن داود: قُودِي هذا البعيرَ.
قوله: (حتَّی یأتیکم الله بخيرٍ» في روایة سعید بن داود: بالرِّزقِ.
قوله: ((فقال رجلٌ)) لم أقِفْ على اسمِه.
قوله: ((ثَكِلَتك أمُّك)) هي كلمةٌ تقولها العربُ للإنكار، ولا يُريدون بها حقيقَتَها.
قوله: ((إنّي لأَرَى أبا هذه)) يعني: خُفَافاً.
قوله: ((وأخاها)) لم أقِفْ على اسمِه. وكان خُقافٍ ابنان الحارثُ ومَلَد، لكنَّهما تابعیّان،
فَوَهِمَ مَن فَسَّرَ الأخَ الذي ذكره عمر بأحدِهما، لأنَّ مُقتَضَى هذه القِصّة أن يكونَ الولدُ
المذكورُ صحابيّاً، وإذا ثَبَتَ ما ذكره ابن عبد البَرِّ أنَّ ◌ُقافٍ وأبيه وجدّه صُحْبٌ، اقتَضَى أن
يكون هؤلاء أربعةٌ في نَسَقِ لهم صُحْبة، وهم ولد خُفافٍ وخُفافٌ وإيماءُ ورَحضةُ،
فيُذاكرُ(١) بهم مع بيت الصِّدِّيق، خلافاً لمن زَعَمَ أنَّه لم يُوجد أربعة في نَسَقٍ لهم صُحْبةٌ إلّا في
بيتِ الصِّدِّيق، وقد جمعت مَن وَقَعَ له ذلك ولو من طريقٍ ضعيفٍ، فَبَلَغوا عشرةَ أمثلةٍ،
منهم زيدُ بنُ حارثة وأبوه ووَلَده أُسامة ووَلَد أُسامة، لأنَّ الواقديّ وصَفَ أُسامةَ بأنَّه
تزوَّجَ في عَهدِ النبيِّ ◌َّ، وُلِدَ له.
قوله: ((قد حاصَرا حِصِناً)) لم أعرف الغَزْوةَ التي وَقَعَ فيها ذلك، ويُحتملُ احتمالاً قويّاً(٢)
أن تكونَ خَيْبَرَ، لأنَّها كانت بعدَ الحُدیبیة وحُوصِرَت حصونُها.
قوله: (نَستَفيء)) بالمهمَلة وبالفاءِ وبالهمزِ، أي: نَستَرجِع، تقول: / استَفأَتُ(٣) هذا المال: ٤٤٧/٧
(١) تصحف في (س) إلى: فتذاكر.
(٢) في (ع) و(س): قريباً، والمثبت من (أ) و(د).
(٣) قوله: ((استَفأْتُ)) سقط من (س).

٣٤٦
باب ٣٤ / ح ٤١٦٢ -٤١٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
أخذته فیئاً. وفي رواية الحمّويِّ: بالقاف بغير همٍ.
وقوله: ((سُهْمَاننا)(١) أي: أنصِباؤُنا من الغنيمة.
٤١٦٢ - حدَّثني محمَّدُ بنُ رافع، حدَّثنا شَبابةُ بنُ سوّارٍ أبو عَمرِو الفَزَاريُّ، حدَّثْنَا شُعْبةُ،
عن قَتَادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبيه، قال: لقد رأيتُ الشَّجَرةَ، ثمَّ أتيتُها بَعْدُ، فلم
أعرِفْها(٢).
[أطرافه في: ٤١٦٣، ٤١٦٤، ٤١٦٥]
٤١٦٣ - حدَّثْنا محمودٌ، حدَّثنا عُبيدُ الله، عن إسرائيلَ، عن طارقٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، قال:
انطَلَقْتُ حاجّاً، فمَرَرْتُ بقومٍ يُصَلّونَ، قلتُ: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشَّجَرةُ، حَيثُ بايعَ
رسولُ اللهِ وَّ بيعةَ الرُّضْوان، فأتيتُ سعيدَ بنَ المسيّبِ فأخبَرْتُه، فقال سعيدٌ: حدَّثني أبي أنَّه
كان فيمَن بايعَ رسولَ اللهَوَ له تحتَ الشَّجَرةِ، قال: فلمَّا خَرَجْنا مِن العام المقْبِلِ نَسِيناها، فلم نَقْدِر
عليها. فقال سعيدٌ: إنَّ أَصْحابَ محمَّدٍ وَ لِلم يَعْلَموها، وعَلمْتُموها أنتمْ، فأنتم أعلم !!
٤١٦٤- حدَّثنا موسى، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، حدَّثْنا طارقٌ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبيه: أنَّه
كان مَّن بايعَ تحتَ الشَّجَرةِ، فَرَجَعْنا إليها العامَ المُقْبِلَ، فعَمِيَت علينا.
٤١٦٥- حدَّثنا قَبِيصةُ، حذَّثنا سفيانُ، عن طارقٍ، قال: ذُكِرَت عندَ سعيدِ بنِ المسيّبِ
الشَّجَرةُ، فضَحِكَ، فقال: أخبرني أَبي، وكان شَهِدَها.
الحديث الثاني عشر: حديث سعيد بن المسيّب عن أبيه في الشَّجَرة، أورَدَه من طريق
قَتَادة عنه، ومن طريق طارق بن عبد الرحمن عن سعيد، من ثلاثة طرقٍ إلى طارقٍ.
قوله: (لقد رأيت الشَّجَرةَ)) أي: التي كانت بيعة الرِّضوان تحتَها. ووَقَعَ في بعض النُّسَخِ:
قال محمود: ثمَّ أُنسيتها(٣).
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله مع أنَّ الذي في الیونینیة دون حكاية خلاف: سُهْمانهما!
(٢) جاء في بعض روايات البخاري بعد هذا زيادة: قال محمود: ثم أُنسيتُها بَعْدُ. وسيشير إليها الحافظ.
(٣) محل هذه الزيادة في تلك النسخ المشار إليها بعد قوله: فلم أعرفها. كما في اليونينية.

٣٤٧
باب ٣٤ / ح ٤١٦٢-٤١٦٥
كتاب المغازي
قوله: ((ثُمَّ أتيتُها بعدُ، فلم أعرِفها)) بيّن في رواية طارق: أنَّه أتاها في العام المقبلِ فلم
يعرفها.
قوله: ((حدَّثْنا محمود)) هو ابن غَيْلان، وعُبيد الله: هو ابن موسى، وهو من شيوخ البخاريّ،
وقد ◌ُحدِّثُ عنه بواسطةٍ کما هنا.
قوله: (انطَلَقت حاجّاً فمَرَرت بقومٍ يُصَلّونَ)) لم أقِفْ على اسم أحدٍ منهم. وزاد الإسماعيليُّ
من رواية قيسٍ بن الرَّبيع عن طارقٍ: في مسجدِ الشَّجَرة.
قوله: ((نَسيناها)) في رواية الكُشْمِيهنيّ والمُستَمْلي: أَنسيناها، بضمِّ الهمزة وسكونِ النّونِ،
أي: أُنْسِينا موضعَها، بدليلٍ: فلم نَقدِر عليها.
قوله: ((فقال سعيد)) أي: ابن المسيّب ((إنَّ أصحابَ محمد نَّهلم يعلمُوها، وعَلمتُموها أنتم،
فأنتم أعلم!)) قال سعيد هذا الكلامَ مُنكراً، وقوله: فأنتم أعلم، هو على سبيلِ التهَكَّمِ. وفي
رواية قيس بن الرَّبيع: إنَّ أقاويلَ الناس كثيرٌ.
قوله: ((فَرَجَعنا إليها العامَ المُقبلَ)) في رواية عَفّان عن أبي عَوَانة عند الإسماعيليِّ:
فانطَلَقنا في قابلٍ حاجّين. كذا أَطْلَقَ، وهم كانوا مُعتَمِرين، لكن قد يُطلَق عليها الحجُّ، كما
يقال: العمرةُ الحجُّ الأصغَر.
قوله: ((فعَمِيَت علينا))، أي: أُبهمَت، في رواية عَفّان: فعَمِيَ علينا مكانُها. وزادَ: فإن
كانت بُيِّنَت لكم فأنتم أعلم.
قوله: ((ذُكِرَت عند سعيد بن المسيّب الشَّجَرةُ، فضَحِكَ، فقال: أخبرني أبي، وكان شَهِدَها»
زادَ الإسماعيليّ من طريق أبي زُرْعة عن قَبيصة شيخ البخاريّ فيه: أنَّهم / أتَوها من العام ٤٤٨/٧
القابل، فأُنسيناها.
وقد قَدَّمتُ الحكمةَ في إخفائها عنهم في ((باب البيعة على الحرب)) من كتاب الجهاد عندَ
الكلام على حديث ابن عمر (٢٩٥٨) في معنى ذلك، لكنَّ إنكارَ سعيد بن المسيّب على مَن
زَعَمَ أنَّه عَرَفَها مُعتَمِداً على قول أبيه: إنَّهم لم يَعرِفوها في العام المقبل، لا يدلّ على رفع

٣٤٨
باب ٣٤ / ح ٤١٦٦-٤١٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
مَعرِفَتِها أصلاً، فقد وَقَعَ عندَ المصنِّف من حديث جابر (٤١٥٤) الذي قبل هذا: لو كنت
أَبْصِرُ اليومَ لَأرَيْتُكم مكان الشَّجَرة. فهذا يدلُّ على أنَّه كان يَضبِطُ مكانها بعينِهِ، وإذا كان
في آخِرِ عمره بعدَ الزّمان الطَّويلِ يَضِطُ موضعَها، ففيه دلالةٌ على أنَّه كان يَعِرِفُها بعينِها
لأَنَّ الظّاهَرَ أنَّها حين مقالته تلك كانت هَلكَت، إمّا بجَفافٍ أو بغيرِهِ، واستَمرَّ هو يَعرِفُ
موضعَها بعينِهِ. ثمَّ وجدت عندَ ابن سعد (٢/ ١٠٠) بإسنادٍ صحيحٍ(١) عن نافع: أنَّ عمرَ بَلَغَه
أنَّ قوماً يأتونَ الشَّجَرَةَ فِيُصَلّونَ عندَها فَتَوَعَّدَهم، ثمَّ أمر بقطعِها فقُطِعَت.
٤١٦٦- حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ، قال: سمعتُ عبد الله
ابنَ أبي أوْفَى، وكان من أصْحاب الشَّجَرةِ، قال: كان النبيُّ نَ ◌ّهِ إذا أتاه قومٌ بِصَدَقةٍ قال: ((اللهمَّ
صَلِّ عليهم))، فأتاه أبي بصَدَقَتِهِ، فقال: ((اللهمَّ صَلِّ على آلٍ أبي أوْنَى)).
٤١٦٧ - حدَّثنا إسماعيلُ، عن أخِيه، عن سليمانَ، عن عَمْرِو بن يحيى، عن عبّادِ بنِ ثَمِيمٍ،
قال: لمَّا كان يومُ الحَرّةِ، والناسُ يُبابِعونَ لعبدِ الله بنِ حَنْظَلةَ، فقال ابنُ زیدٍ: على ما يُابُ ابنُ
حَنْظَلَةَ الناسَ؟ قيلَ له: على الموتِ، قال: لا أُبايعُ على ذلكَ أحداً بعدَ رسولِ الله ێ، وكان
شَهِدَ معه الحُدَيِيةَ.
الحديث الثالث عشر: حديث عبد الله بن أبي أوفَ في قولِه: «اللهمَّ صَلِّ على آلٍ أبي
أوفَ))، وقد تقدَّم شرحُه في كتاب الزكاة (١٤٩٧)، وذَكَرَه هنا لقولِه: وكان من أصحاب
الشَّجَرة.
الحديث الرابع عشر:
قوله: «حدّثنا إسماعيل)» هو ابن أبي أويس، وأخوه أبو بكر عبد الحميد، وسليمان: هو
ابن بلال، وعَمْرو بن يحيى: هو المازنيّ، وعبّاد بن تميم، أي: ابن زيد(٢) بن عاصم المازنيّ،
وکلّھم مَدَنیّون.
(١) يعني إلى نافع، وإلاّ فنافع لم يسمع من عمر، لكن له رواية عن آل عمر بن الخطاب ومواليه، فلا يبعد أن
یسمع ذلك منهم.
(٢) في (س): ابن أبي زيد، بإقحام لفظة «أبي)).

٣٤٩
باب ٣٤ / ح ٤١٦٦-٤١٦٧
كتاب المغازي
قوله: ((لمَّا كان يوم الحَرّةِ) أي: لمَّا خَلَعَ أهل المدينة بيعةَ يزيد بن معاويةَ وبايعوا عبد الله
ابن حَنظَلة، أي: ابن أبي عامر الأنصاريّ.
قوله: ((فقال ابن زيد)) هو عبد الله بن زيد بن عاصم عَمّ عبّاد بن تميم.
قوله: ((ابن حنظلة)) هو عبد الله، وصرَّحَ به الإسماعيليّ في روايته.
وقوله: ((يُبايع الناسَ)) أي: على الطاعة له، وخَلْع يزيد بن معاوية. وعَكَسَ الكِرْمانيُّ
فَزَعَمَ أنَّه كان يُبايعُ الناسَ ليزيد بن معاوية، وهو غَلَط کبیر.
قوله: ((لا أُبايع على ذلك أحداً بعدَ رسولِ الله وَّ) فيه إشعار بأنَّه بايعَ النبيَّ ◌َّ على
الموت، وقد تقدَّم شرحُ ذلك مُستَوفَّى في ((باب البيعة على الحرب)) من كتاب الجهاد
(٢٩٥٩)، وذكرت هناكَ ما وَقَعَ للكِرْمانيّ من الخَبطِ في شرحٍ قولِه: ابن حَنظَلة. ووَقَعَ في
رواية الإسماعيليّ من الزّيادة: وقُتِلَ عبد الله بن زيد يوم الحرّة.
وکان السّبب في البيعة تحت الشجرة ما ذكر ابن إسحاق(١) قال: حدثني عبد الله بن أبي
بكر بن حَزْمِ: أنَّ رسولَ اللهَ وَّهِ بَلَغَه أنَّ عثمان قد قُتِلَ فقال: لَئِن كانوا قَتَلُوه لَأُنَاجَزَتّهم،
فدَعا الناس إلى البيعة، فبايعوه على القتال على أن لا يَفِرّوا. قال: فَبَلَغَهم بعد ذلك أنَّ
الخَبَر باطِلُ ورَجَعَ عثمان.
وذكر أبو الأسوَدِ في ((المغازي)) عن عُرْوةَ السَّبَب في ذلك مُطوَّلاً قال: إنَّ النبيَّ وَّ لِمَّا
نزلَ بالحُدَيبية أحَبَّ/ أن يَبعَثَ إلى قُرَيشٍ رجلاً يُخبرُهم بأنَّه إنَّما جاء مُعتَمِراً، فدَعَا عمرَ ٤٤٩/٧
ليَبَعَثَه، فقال: والله لا آمَنُهم على نفسي، فدَعا عثمان، فأرسَلَه وأمَرَه أن يُبشِّرَ المستَضعَفين
من المؤمِنِين بالفتح قريباً، وأنَّ الله سَيُظهِرُ دينه. فتَوَجَّهَ عثمانُ فَوَجَدَ قُرَيشاً نازلين بِبَلَدَحَ(٢)،
قد اتَّفَقوا على أن يَمنَعوا النبيَّ ◌َل﴿ من دخولِ مَّة، فأجارَه أبانُ بن سعيد بن العاص، قال:
وبَعَثَتِ قُرَيش بُدَيل بن وَرْقاء وسُهَيل بن عَمْرو إلى النبيِّ وََّ، فذكر القِصّةَ التي مَضَت
(١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٣١٥/٢-٣١٦.
(٢) هو وادي مكة الثاني، يسمى اليوم وادي أم الدُّود، وغيِّر إلى أم الجود.

٣٥٠
باب ٣٤ / ح ٤١٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
مُطوَّلة في الشُّروطِ (٢٧٣١). قال: وأمِنَ الناسُ بعضَهم بعضاً، وهم في انتِظار الصُّلح، إذ
رَمَى رجل من الفريقَينِ رجلاً من الفريق الآخرِ فكانت مُعارَكَةٌ، وَتَرامَوا بالنَّبْلِ والحجارة.
فارتَهَنَ كلّ فريقِ مَن عندَهم، ودَعا النبيّ وَّهِ إلى البيعة، فجاءه المسلمونَ وهو نازل تحت
الشَّجَرة التي كان يَسْتَظِلَّ بها، فبايعوه على أن لا يَفِرّوا، وألقَى اللهُ الزُّعبَ في قلوب الكفَّار،
فأذعَنوا إلى المصالحة.
وروى البيهقيُّ في ((الدَّلائلِ)) (٤/ ١٣٧) من مُرسَلِ الشَّعبيّ، قال: كان أوَّلَ مَن انتَهَى
إلى النبيِّ ◌َّهِ لمَّا دَعَا الناسَ إلى البيعة تحت الشَّجَرة أبو سِنان الأَسَدي(١). وروى مسلم
(١٨٠٧) في حديثٍ سَلَمة بن الأكوَع قال: ثُمَّ إِنَّ رسولَ الله وَهِ دَعَا إلى البيعة فبايعتُه أوَّلَ
الناس، فذكر الحديث. قال: ثُمَّ إِنَّ المشركين راسَلونا في الصُّلح حتَّى مَشَى بعضُنا في
بعضٍ، قال: فاضطَجَعت في أصلٍ شَجَرةٍ، فأتاني أربعةٌ من المشركين فجَعَلوا يقَعونَ في
رسولِ اللهِ وَلّ، فَتَحوَّلتُ عنهم إلى شَجَرةٍ أُخرَى، فبينما هم كذلك إذ نادَى مُنادٍ من أسفَلِ
الوادي: يا لَلْمُهاجرين، قال: فاختَرَطتُ سيفي، ثمَّ شَدَدت على أولئكَ الأربعة وهم
رُقودٌ، فأخذت سِلاحھم، ثمّ چِئت بهم أسوقهم، وجاء عمّي برجلٍ يقال له: مِکْرَز في ناس من
المشركين، فقال رسول الله وَ ﴾: ((دَعوهم يكون لهم بَدْءُ الفُجورِ وتُنْياه)) فعَفا عنهم، فأَنزَلَ الله
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَبْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَّكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَّكُمْ عَلَيْهِمْ﴾
[الفتح: ٢٤]. وروى مسلم أيضاً (١٨٠٨) من حديث أنس: أنَّ رجالاً من أهلِ مكَّةَ هَبَطوا إلى
النبيِّ وَُّ من قِبَلِ التنعيمِ ليقاتِلوه، فأخَذَهم، فعَفا عنهم، فأنزلَ الله الآية.
٤١٦٨- حدَّثنا يحيى بنُ يَعْلَى المحارِيُّ، قال: حدَّثني أبي، حدَّثنا إياسُ بنُ سَلَمَةَ بنِ
الأكوَعِ، قال: حدَّثني أبي، وكان من أصْحاب الشَّجَرةِ، قال: كنَّا نُصَلّ معَ النبِّ وَِّ الجمُعَةَ،
ثُمَّ نَنْصَرِفُ وليس للحِيطان ظِلِّ نَسْتَظِلُّ فيه.
(١) تحرف في (أ) و(د) إلى: الأشعري، وفي (س) إلى الأزدي. وليس هو من الأشعريين، ولا من الأزد حتى
يجوز أن يقال فيه: الأشْدي، بسكون السين، كما هو جائز في هذه النسبة، وجاء على الصواب في (ع)، ونص
ابن إسحاق على أنه من أسد بن خزيمة.

٣٥١
باب ٣٤ / ح ٤١٦٨-٤١٧١
كتاب المغازي
٤١٦٩ - حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حاتمٌ، عن يَزِيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، قال: قلتُ لِسَلَمَةَ بنِ
الأكوَعِ: على أيِّ شيءٍ بايعتُم رسولَ الله وَِّ يومَ الحُدَيِيةِ؟ قال: على الموتِ.
٤١٧٠- حدَّثني أحمدُ بنُ إِشْكابٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُضَيلٍ، عن العلاءِ بنِ المسيّبِ، عن
أبيه، قال: لَقِيتُ البراءَ بنَ عازِبٍ رضي الله عنهما، فقلتُ: طوبَى لكَ! صَحِبْتَ رسولَ الله ◌ِله
وبايعتَه تحتَ الشَّجَرةِ، فقال: يا ابنَ أخِي، إِنَّكَ لا تَدْري ما أحدَثْنا بعدَه.
٤١٧١- حدَّثني إسحاقُ، حدَّثنا يحيى بنُ صالح، قال: حذَّثنا مُعاوِيةُ - هو ابنُ سَلّامٍ -
عن يحيى، عن أبي قِلابةَ، أنَّ ثابتَ بنَ الضَّحّاكِ أخبَرَه: أنَّه بايعَ النبيَّ ◌َّه تحتَ الشَّجَرةِ.
الحديث الخامس: حديث سَلَمة بن الأكوع في وقتٍ صلاة الجمعة، أورَدَه لقولِه فيه: ٤٥٠/٧
وكان من أصحاب الشَّجَرة.
قوله: ((حدَّثْنا يحيى بن يَعْلِى المحاربيّ)) هو كونيٌّ ثقةٌ من قُدَماءِ شيوخ البخاريّ، ماتَ سنة
ستّ عشرة ومئتَينٍ، وأبوه يَعْلى بن الحارث المحاربيّ ثقة أيضاً، ماتَ سنة ثمان وستّين ومئة،
وما لهما في البخاريّ إلّا هذا الحديث.
قوله: (ثُمَّ نَنصَرِفُ وليس للحيطان ظِلِّ نَستَظِلُّ فيهِ)) استُدِلَّ به لمن يقول: بأنَّ صلاةً
الجمعة تُجزِئُ قبلَ الزَّوال، لأنَّ الشمسَ إذا زالَت ظَهَرَتِ الظِّلال. وأُجيبَ بأنَّ النَّفيَ إنّما
تَسَلَّطَ على وُجودِ ظِلِّ يُستَظلُّ به لا على وُجودِ الظُّلِّ مُطلَقاً، والظُّلُّ الذي يُستَظَلُّ به لا
يَتَهَيَُّ إلا بعدَ الزَّوال بمقدارٍ يختلف في الشِّتاءِ والصيفِ، وقد تقدَّم بَسطُ هذه المسألة ونَقلُ
الخلاف فيها في كتاب الجمعة(١).
الحدیث السادس عشر:
قوله: «حدَّثنا حاتم)) هو ابن إسماعيل.
قوله: ((على الموت)) تقدَّم الكلامُ عليه في ((باب البيعة على الحرب)) (٢٩٦٠) من كتاب
الجهاد، وذكرت كيفيَّةَ الجمع بينه وبين قولِ جابر لهم: لم(٢) نُبَايِعْه على الموت. وكذا روى
(١) في شرح الباب (١٦)، وهو باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس.
(٢) لفظة ((لم)) سقطت من (س) . .

٣٥٢
باب ٣٤ / ح ٤١٦٨-٤١٧١
فتح الباري بشرح البخاري
مسلمٌ (١٨٥٨) من حدیثِ معقِلٍ بن یسار مثل حديث جابر.
وحاصل الجمع أنَّ مَن أطلقَ أنَّ البيعةَ كانت على الموت أراد لازمَها، لأنَّه إذا بايعَ على
أن لا يَفِرَّ لَزِمَ من ذلك أن يَثْبُت، والذي يَثْبُتُّ إمّا أن يَغْلِبَ وإمّا أن يُؤْسَر، والذي يُؤْسَرُ
إمّا أن يَنجوَ وإمّا أن يموت، ولمَّا كان الموتُ لا يُؤْمَنُ في مثلٍ ذلك أطلقَه الراوي.
وحاصِلُهُ أنَّ أحدَهما حَكَى صورةَ البيعة، والآخرُ حَكَى ما تَؤُول إليه. وجمع التِّرمِذيُّ بأنَّ
بعضاً بايعَ على الموت وبعضاً بايعَ على أن لا يَفِرّ.
الحديث السابع عشر:
قوله: ((عن العلاءِ بن المسيّب)) أي: ابن رافع الكوفيِّ، وهو وأبوه ثِقَتان، وما له في
البخاريّ إلّا هذا الحديث، وآخر في الدَّعَوات (٦٣١٥)، ولأبيه حديث آخر في الأدب
(٥٩٧٥) من رواية منصور بن المعتَمِر عنه.
قوله: ((طوبَى لك صَحِبت رسولَ الله وَّ) غَبَطَه التابعيّ بصُحْبة رسول الله وََّ، وهو
ممّا يُغْبَطُ به، لكن سَلكَ الصحابيُّ مَسلك التواضُع في جوابه. وطوبَى في الأصلِ شَجَرةٌ في
الجنَّة، تقدَّم تفسيرُها في صِفة الجنَّة من بَدْءِ الخلق (٣٢٥١)، وتُطلَقُ ويُرادُ بها الخيرُ أو
الجنَّةُ أو أقصَى الأُمنيَّة. وقيل: هي من الطّيب، أي: طابَ عَيشُكُم.
قوله: ((فقال: يا ابن أخي)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: يا ابن أخٍ، بغير إضافة، وهي على عادة
العرب في المخاطَبة، أو أراد أُخوّةَ الإسلام.
قوله: ((إنَّك لا تدري ما أحدثْناه بعدَه)) يشيرُ إلى ما وَقَعَ لهم من الحروب وغيرها، فخافَ
غائلةَ ذلك، وذلك من كمال فضلِهِ.
الحدیث الثامن عشر:
قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن منصور، ويحيى بن صالح: هو الوُحَاظِيّ، وهو من
شيوخ البخاريّ، وقد حَدَّث عنه بواسطة كما هنا، ومعاوية بن سَلّام بالتشديد، ويحيى: هو
ابن أبي كثير. ووَقَعَ في رواية ابن السَّكَن: عن زيد بن سَلّام، بَدَل: يحيى بن أبي كثير. قال

٣٥٣
باب ٣٤ / ح ٤١٧٢-٤١٧٥
كتاب المغازي
أبو عليٍّ الجَيّانيّ: ولم يُتَابَع على ذلك. وقد وَقَعَ في رواية النَّسَفيّ عن البخاريّ كما قال
الجمهور، وكذا هو عند مسلم (١١٠) وأبي داود (٣٢٥٧) من طريق معاوية بن سَلّام عن
یحیی.
قوله: ((أنَّه بايعَ النبيّ ◌َّ تحت الشَّجَرة)» هكذا أورَدَه مختصراً مُقتَصِراً على مَوضِع حاجتِه
منه، وبقيّة الحديث قد أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن معاوية، بهذا الإسناد، وزاد:
وإنَّ رسول الله وَّه قال: ((مَن حَلَفَ على يمينٍ بِمِلّة غير الإسلام كاذِباً فهو كما قال)»
الحديث(١)، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب الأيمان والنُّدور (٦٦٥٢) إن شاء الله تعالى.
٤١٧٢ - حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، حدَّثْنَا عُثْمَانُ بنُّ عمرَ، أخبرنا شُعْبةُ،/ عن قَتَادةَ، عن ٤٥١/٧
أنسِ بنِ مالكِ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١] قال: الحُدَيِيةُ، قال أصْحابُه: هَنِيئاً
مَرِيئاً، فما لَنا؟ فَأَنزَلَ الله: ﴿ لِيُدْخِلَ اٌلْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [الفتح: ٥].
قال شُعْبةُ: فقَدِمْتُ الكوفةَ، فحَدَّثْتُ بهذا كلِّه عن قَتَادةَ، ثمَّ رَجَعْتُ، فَذَكَرْتُ له، فقال:
أمَّا ﴿ إِنَّا فَحْنَا لَكَ﴾ فعن أنسٍ، وأمَّا هَنِيئاً مَرِيئاً، فعن عِكْرِمَةَ.
[طرفه في: ٤٨٣٤]
٤١٧٣- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو عامٍ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن مَجْزَأةَ بنِ زاهِرٍ
الأسلَمِيِّ، عن أبيه، وكان مَمَّن شَهِدَ الشَّجَرةَ، قال: إنّي لأُوقِدُ تحتَ القُدُورِ بلُحومِ الحُمُرِ، إذ
نادَى مُنادي رسولِ الله ◌َِّ: إِنَّ رسولَ الله ◌َِّ يَنْهاكم عن لُومِ الحُمُرِ.
٤١٧٤- وعن مَجْزَاةَ، عن رجلٍ منهم من أصْحاب الشَّجَرةِ، اسمُه أَهْبانُ بنُ أوْسٍ، وكان
اشتَكَى رُكْبَتَه، وكان إذا سَجَدَ جَعَلَ تحتَ رُكْبَتِه وِسادةً.
٤١٧٥- حذَّثني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن
بُشَيرِ بنِ يَسارٍ، عن سُوَيدِ بنِ النُّعْمان، وكان من أصْحاب الشَّجَرةِ: كان النبيُّ ◌َّر وأصْحابُه
أُنُّوا بسوِيقٍ، فلاگُوه.
(١) وهذه الزيادة أيضاً عند أبي داود، وعندهما زيادات أخر.

٣٥٤
باب ٣٤ / ح ٤١٧٢ -٤١٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
تابَعَه معاذٌ، عن شُعْبَةً.
٤١٧٦- حدَّثني محمَّدُ بنُ حاتم بنِ بَزِيعٍ، حدَّثنا شاذانُ، عن شُعْبةَ، عن أبي جَمْرةَ، قال:
سألتُ عائذَ بنَ عَمرٍو ◌َُ، وكان من أصْحاب النبيِّ وََّ من أصْحاب الشَّجَرةِ: هل يُنْقَضُ
الوِتْر؟ قال: إذا أوْتَرْتَ من أوَّلِه، فلا توتِر من آخِرِهِ.
الحديث التاسع عشر:
قوله: ((عن أنس بن مالك: ﴿إِنَّا فَتَحْنَالَكَ فَتْحًامُبِينًا﴾ قال: الحديبية)) سيأتي الكلام عليه في
تفسير سورة الفتح (٤٨٣٤) إن شاء الله تعالى، وأفادَ هنا أنَّ بعضَ الحديث عند قَتَادة عن
أنسٍ، وبعضَه عن عِكْرمة، وقد أورَدَه الإسماعيليُّ من طريق حَجّاج بن محمد عن شُعْبة،
وجمع في الحديث بين أنسٍ وعِكْرمةَ وساقَه مَساقاً واحداً، وقد أوضَحته في ((كتاب
المدرَچِ».
الحدیث العشرون:
قوله: ((حدَّثنا أبو عامر)) هو عبد الملك بن عَمْرو العَقَديّ، ووَقَعَ في رواية ابن السَّكَنِ:
حدَّثنا عثمان بن عُمر (١) بَدَل: أبي عامر.
قوله: ((عن(٢) إسرائيل)) كذا في الأُصول، ولا بُدّ منه، وحَكَى بعض الشُّراح أنَّه وَقَعَ في
بعض النُّسَخ بإسقاطِهِ. قلت: ولا أعتَقِدُ صِحّةَ ذلك، بل إن كان سَقَطَ من نُسخةٍ فتلك
النُّسخةُ غيرُ مُعتَمَدة.
قوله: ((عن تَجَزَأَةَ)) بفتح الميمِ والزّاي بينهما جيم ساكنة، وبهَمزة مفتوحة قبل الهاء، وقال
أبو علي الجَّانيّ: المحدِّثونَ يُسَهِّلونَ الهمزة ولا يَلِفِظونَ بها، وقد يَكسِرونَ الميم، وأبوه زاهِر:
هو ابن الأسوَد بن الحجّاج، وليس له في البخاريّ إلّا هذا الحديث.
(١) تحرف في (س) إلى: عمرو.
(٢) كذا في الأصول و(س)، والذي في اليونينية و((إرشاد الساري)): حدثنا، بدل: عن. والظاهر أنَّ الحافظ
أراد التنبيه على ذكر إسرائيل، ولم يعتنِ هنا بصيغة التحمل.

٣٥٥
باب ٣٤ / ح ٤١٧٢-٤١٧٦
كتاب المغازي
قوله: ((عن أبيهِ)) كذا للجميع، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلِيّ عن أبي زيدِ المروزيِّ: عن أنس:
بَدَل قوله: عن أبيه. وهو تصحيف، نَبَّهَ عليه أبو عليّ الجَيّانيّ.
قوله: ((إِنّ لَأُوقِدُ تحتَ القُدورِ بلُحومِ الحُمُرِ)) يعني يومَ خَيْبَرَ، كما سيأتي فيها (٤١٩٦
و٤١٩٨) واضحاً، وقد تَعقَّبَ الدّاووديُّ ما وَقَعَ هنا، فقال: هذا وهمٌّ، فإنَّ النَّهي عن
لحومِ الحُمُرِ الأهليَّة لم يكن بالحُدَيبية وإنَّما كان بخَيبَرَ. انتهى، وليس في السّياق أنَّ ذلك
كان في يومِ الحُدَيبية، وإنَّما ساقَ البخاريّ/ الحديثَ في الحُدَيبية لقولِه فيه: وكان مَمَّنْ شَهِدَ ٤٥٢/٧
الشَّجَرةَ، ولم يَتعرَّض لمكان النِّداءِ بذلك، مع أنَّ غالبَ مَن بايعَ تحتَ الشَّجَرة شَهِدوا مع
النبيِّ وَّ خَيْبَرَ بعدَ رُجوعِهم.
الحديث الحادي والعشرون:
قوله: ((وعن ◌َجَزَأةً) يعني: بالإسناد المذكورِ قبلَه، وليس لمجزأةً في البخاريّ إلّ هذا
الحديث، والذي قبله.
قوله: ((عن رجلٍ منهم)) يعني: من بني أسلَم، وقال الكِرْمانيُّ: أي: من الصحابة. والأوَّل
أَولَی.
قوله: «اسمه أُهبانُ بن أوس)) هو بضمِّ الهمزة وسكونِ الهاءِ بعدها موحّدة، وما له في
البخاريّ سِوَى هذا الحديث. وقد ذكره في ((التاريخ)) (٤٤/٢-٤٥) فقال: له صُحْبة، ونزلَ
الكوفة. ويقال له: وهبانُ أيضاً. ثمَّ ساقَ من طريق أُنيس بن عَمْرو عن أُهبان بن أوس:
أَنَّه كان في غَنَمِ له، فكَلَّمَه الذّئبُ (١).
قوله: (وكان)) يعني: أُهبان ((إذا سَجَدَ جَعَلَ تحت رُكِبَتِه وِسادة)) لعلَّه كان كَبِرَ، فكان
يَشُقُّ عليه تمكين رُكَبَتِه من الأرضِ، فَوَضَعَ تحتَها وِسادةَ لَيِّنّةً لا يَمنَعُ اعتمادُه عليها من
التمكينِ، لاحتمال أن يُيسَ الأرض كان يَضُرُّ رُكْبتَه.
الحديث الثاني والعشرون: حديث سويد بن النعمان.
(١) وعقب عليه البخاري بقوله: إسناده ليس بالقوي.

٣٥٦
باب ٣٤ / ح ٤١٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أَتوا بسَوِيق فلَاكُوه)) هو طَرَف من حديثٍ تقدَّم في الطَّهارة (٢٠٩)، وفي الجهاد
(٢٩٨١)، وسيأتي بتمامه قريباً في غزوة خَيْبَرَ (٤١٩٥) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((تابَعَه معاذ عن شُعْبةٍ)) يعني: بالإسناد المذكور، وقد وَصَلَها الإسماعيليّ عن يحيى
ابن محمد عن عُبيد الله بن معاذ عن أبيه، به مختصراً، وزاد فيه: وذلك بعد أن رجعوا من
خیبر.
الحديث الثالث والعشرون:
قوله: ((حدَّثني محمد بن حاتم بن بَزيع)) بفتح الموحّدة وكسرِ الزّاي، بوَزنٍ عظيمٍ، وآخِرُه
مُهمَلة، وشاذانُ: هو الأسوَدُ بنُ عامر.
قوله: (عن أبي جَمْرة» بجیم وراء: هو نَصْر بن عمران الضُّبعيُّ. ووقع في رواية أبي ذرِّ
عن الكُشْمِيهنيّ: بالمهمَلة والزّاي، وهو تصحيفٌ.
قوله: ((سألْتُ عائذ بن عَمْرو)) هو بتحتانيَّة مهموزة وذال مُعجَمة: وهو ابن عمرو بن
هلال المُزَنيّ، عاشَ إلى خلافة معاوية، ما له في البخاريّ إلّا هذا الحديث.
قوله: ((هل يُنقَضُ الوِتر؟)) يعني: إذا أوتَرَ المرءُ، ثمَّ نامَ وأراد أن يَتَطَوَّعَ هل يُصلِّ ركعةً
ليصيرَ الوِتر شَفعاً، ثمَّ يَتَطَوَّع ما شاءَ، ثمَّ يوتِر محافظةً على قوله: ((اجعَلُوا آخِرَ صَلاتكم
باللَّيلِ وِترا) (١) أو يُصلِّي تَطَوُّعاً ما شاءَ ولا يَنقُضُ وِتَرَه ويَكتَفي بالذي تقدَّم؟ فأجابَ
باختيار الصِّفة الثانية فقال: إذا أوتَرت من أوَّلِه فلا توتِرِ من آخرهِ. زاد الإسماعيليُّ من
طريق ◌ُندَر عن شُعْبةَ، بهذا الإسناد: وإذا أوتَرت من آخره فلا توتِرٍ أوَّلَه. وزاد فيه أيضاً:
وسألت ابن عبّاس عن نَقضِ الوِتِرِ، فذكر مثله. وهذه المسألةُ اختَلَفَ فيها السَّلَفُ: فكان
ابن عمرَ ثَمَّن يرى نَقضَ الوِتِرِ، والصحيحُ عندَ الشّافعيَّةِ: أنَّه لا يُنقَضُ، كما في حديثِ الباب،
وهو قولُ المالكيَّة.
٤١٧٧- حدَّثني عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه: أنَّ
(١) هذا حديث روي عن النبي ◌َّ، وقد سلف عند البخاري برقم (٩٩٨) عن عبد الله بن عمر.

٣٥٧
باب ٣٤ / ح ٤١٧٨-٤١٧٩
كتاب المغازي
رسولَ الله وَّهِ كان يَسِيرُ في بعضِ أسفارِهِ، وعمرُ بنُ الخطَّبِ يَسِيرُ معه ليلاً، فسألَه عمرُ بنُ
الخطّب عن شيءٍ، فلم يُحِيْه رسولُ الله ◌ِلِّ، ثمّ سألَه فلم يُحِيْهِ، ثمّ سألَه فلم يُحِبْه، وقال عمرُ:
ثَكِلَتْكَ أمُّكَ! نَزَّرْتَ رسولَ الله وَّةِ ثلاثَ مَرَّاتٍ، كلٌّ ذلكَ لا يُحِبُكَ، قال عمرُ: فحَرَّكْتُ
بَعِيري، ثمَّ تَقدَّمتُ أمامَ المسلمينَ، وخَشِيتُ أن يَنزِلَ فيَّ قُرآنٌ، فما نَشِبْتُ أن سمعتُ صارخاً
يَصْرُغُ بي، قال: فقلتُ: لقد خَشِيتُ أن يكونَ نزِلَ فيَّ قُرْآنٌ، وجِئْتُ رسولَ اللهِنَّهِ فِسَلَّمْتُ
عليه، فقال: ((لقد أُنزِلَت عليَّاللَّيلةَ سورةٌ، هيَ أحَبُّ إِلَيَّ مَّا طَلَعَت عليه الشمسُ، ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّا
فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾)».
[طرفاه في: ٥٠١٢،٤٨٣٣]
الحدیث الرابع والعشرون: حديث عمر.
٤٥٣/٧
قوله: ((عن زيد بن أسلَمَ، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ كان يسيرُ في بعض أسفاره، وعمرُ
ابنُ الخطَّب يسير معه ليلاً، فسألَه عمر عن شيءٍ) الحديث، هذا صورته مُرسَل، ولكنَّ بقيَّته
تَدُلُّ على أنَّه عن عمر، لقولِه في أثنائه: قال عمر: فحَرَّكتُ بعيري ... إلى آخره، وقد
أشبَعتُ القولَ فيه في ((المقدِّمة)). وقد أورَدَه الإسماعيليُّ من طريق محمدِ بن خالد ابن عَثْمَةً
عن مالك عن زيد بن أسلَمَ عن أبيه قال: سمعت عمرَ بن الخطّاب، فذكره، وسيأتي شرحُ
المتنٍ في تفسير سورة الفتح (٤٨٣٣) إن شاء الله تعالى.
قوله: (نَزَّرتَ)) بنونٍ وزاي ثقيلةٍ، أي: ألحَحتَ، وقال أبو ذَرِّ المَرَويُّ: لم أسمعه إلّا
بالتخفيف.
٤١٧٨، ٤١٧٩- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ حينَ
حدَّث هذا الحديثَ، حَفِظْتُ بعضَه وثَبَّتَنِي مَعمَرٌ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن المِسْوَرِ بنِ تَخْرَمةَ
ومَرْوانَ بنِ الحَكَم - يَزِيدُ أحدُهما على صاحبِهِ - قالا: خَرَجَ النبيُّ ◌َِّ عامَ الحُدَيِيةِ في بضْعَ
عَشْرَةَ مئةً من أصحابِ النبيّ وَّةِ، فلمَّا أتى ذا الحُلَيَفةِ قَلَّدَ الهَدْيَ وأشعَرَه، وأحرَمَ منها
بِعُمْرةٍ، وبَعَثَ عَيناً له من خُزاعةَ، وسارَ النبيُّ وَّهِ حَتَّى كان بغَدِيرِ الأشطاطِ، أتاه عينُهُ، قال: إنَّ

٣٥٨
باب ٣٤ / ح ٤١٧٨-٤١٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قُرَيشاً جَمَعوا لكَ مُجموعاً، وقد جَمَعوا لكَ الأحابيشَ، وهم مُقاتِلوكَ وصادُّوكَ عن البيتِ،
ومانِعوكَ، فقال: «أَشِيروا أيُّها الناسُ عليَّ؟ أتَرَوْنَ أن أمِيلَ إلى عِيالهم وذَراريٍّ هؤُلاءِ الَّذينَ
يريدونَ أن يَصُدّونا عن البيتِ، فإن يأتُونا كان الله عزَّ وجلَّ قد قَطَعَ عَيناً مِن المشركينَ، وإلَّا
تَرَكْناهم تَخْرُوبِينَ)) قال أبو بَكْرٍ: يا رسولَ الله، خَرَجْتَ عامِداً لهذا البيتِ، لا تريدُ قَتْلَ أحدٍ
ولا حَرْبَ أحدٍ، فَتَوَجَّهْ له، فمَن صَدَّنا عنه قاتَلْناه، قال: ((امضُوا على اسمِ الله)).
٤١٨، ٤١٨١- حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا يعقوبُ، حذَّثني ابنُ أخي ابنِ شِهابٍ، عن
عَمِّه، أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ: أنَّه سمعَ مَرْوانَ بنَ الحَكَم والِسْوَرَ بنَ تَخْرَمَةَ يُخْبِران خَبَراً من
خَرِ رسولِ الله ◌ِوَّهِ فِي عُمْرةِ الحُدَيِةِ، فكان فيما أخبرني عُرْوةُ عنهما: أنَّه لمَّا كاتَبَ رسولُ الله
وَّ سُهَيلَ بنَ عَمٍو يومَ الحُدَيِيةِ على قَضِيَِّ المدّةِ، وكان فيما اشتَرَطَ سُهَيلُ بنُ عَمرِو أنَّه قال:
لا يأتيكَ منّا أحدٌ وإن كان على دِينِكَ إلّا رَدَدْتَه إلينا، وخَلَّيتَ بينَنا وبينَه، وأَبَى سُهَيْلٌ أن
يُقاضِيَ رسولَ الله وَ لَ إلّا على ذلكَ، فَكَرِهَ المؤمنونَ ذلكَ، وامَّعَضُوا، فتكلَّموا فيه، فلمَّا أَبَى
سُهَيلٌ أن يُقاضيَ رسولَ الله وَّهِ إلّا على ذلكَ، كاتَبَه رسولُ الله ◌َِّ، فَرَدَّ رسولُ الله ◌َّ أَبا
جَنْدَلِ بنَ سُهَيلٍ يومَئذٍ إلى أبيه سُهَيلٍ بنِ عَمٍو، ولم يأتِ رسولَ الله وَله أحدٌ مِن الرِّجال إلَّا
رَدَّه في تلكَ المدّةِ، وإن كان مسلماً، وجاءتِ المؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ، وكانت أمُّ كُلْثومٍ بنتُ عُقْبَةً
ابنِ أبي مُعَيطٍ ممَّن خَرَجَ إلى رسولِ اللهِ وََّ، وهي عاِقٌ، فجاء أهلُها يَسْأَلونَ رسولَ اللهِصَ لِّ أن
٤٥٤/٧ يَرجِعَها إليهم، حتَّى / أنزَلَ الله تعالى في المؤْمِنات ما أَنزَلَ.
٤١٨٢ - قال ابنُ شِهابٍ: وأخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: إنَّ
رسولَ الله ◌َ لّكان يَمْتَحِنُ مَن هاجَرَ مِن المؤْمِنات بهذِه الآية: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَّةَكُمُ
الْمُؤْمِنَتُ﴾ [الممتحنة: ١٢].
وعن عَمِّه، قال: بَلَغَنا حينَ أُمَرَ الله رسولَهِ وَلَّهِ أَن يَرُدَّ إلى المشركينَ ما أَنفَقوا على مَن هاجَرَ
من أزْواجِهِمْ.
وبَلَغَنا أنَّ أبا بَصِيرٍ ... فَذَكَرَه بطولِه.

٣٥٩
باب ٣٤ / ح ٤١٧٨-٤١٨٢
كتاب المغازي
الحديث الخامس والعشرون: حديث المِسوَر بن مَخَرَمةَ ومروان بن الحكم، يزيد أحدهما
على صاحبه.
قوله: ((حَفِظتُ بعضَه وثَبَّتَني فيه مَعمَر)) بيَّن أبو نُعَيم في ((مُستخرَجِه)) القَدرَ الذي
حَفِظَه سفيان عن الزُّهْرِيِّ، والقَدرَ الذي ثَبَّتَه فيه مَعمَرٌ، فساقَه من طريق حامدٍ بن يحيى
عن سفيان، إلى قوله: فأحرَمَ منها بعمرةٍ. ومن قوله: وبَعَثَ عيناً له من خُزاعةَ ... إلى
آخره، ممَّا ثَبَّتَه فيه مَعمَر. وقد تقدَّم في هذا الباب (٤١٥٧) من رواية عليٍّ بن المدينيّ عن
سفيان وفيه قول سفيان: لا أحفَظُ الإشعارَ والتقليدَ فيه. وأنَّ عليّاً قال: ما أدري ما أراد
سفيانُ بذلك، هل أراد أنَّه لا يَحِفَظُ الإشعارَ والتقليدَ فيه خاصّةً، أو أراد أنَّه لا يَحِفَظُ بقيَّةَ
الحديث. وقد أزالَت هذه الرِّوايةُ الإشكالَ والتردُّدَ الذي وَقَعَ لعليٍّ بن المدينيِّ، وقد تقدَّم
الكلامُ على شرحِ الحديث مُستَوفَّى في الشُّروطِ (٢٧٣١)، وأَنَّه أورَدَ هنا صَدرَ الحديث،
واختَصَرَه هناك، وساقَ هناكَ الحديثَ بطولِه، واقتَصَرَ منه هنا على البعض، وتقدَّم بيانُ ما
وَقَعَ هنا ممّا لم يَذكُرِه هناكَ من تسمية عَينِهِ الذي بَعَثَه، وأنَّه بُسْر بنُ سفيان الخُزَاعِيّ،
وضَبْطِ غَديرِ الأشطاطِ، وذكر الواقديُّ أنَّه وراءَ عُسْفان. ثمَّ أورَدَ المصنّ بعضاً من
الحديث غيرَ ما ذكره من هذه الطَّريق من طريقٍ أُخرَى.
قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن راهويه، ويعقوب: هو ابن إبراهيم بن سعد، وابن
أخي ابن شهاب: اسمه محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب.
قوله: ((وامَّعَضوا)) بتشديد الميمِ بعدَها عينٌ مُهمَلٌ ثمَّ ضاد مُعجَمة. وفي رواية
الكُشْمِيهنيّ: وامتَعَضوا، بإظهار المثنّاة، والمعنى: شَقَّ عليهم، وقد سَبَقَ بَسطُه في الشُّروطِ.
قوله: ((ولم يأتِ رسولَ الله وَّل أحدٌ من الرِّجال إلّ رَدَّه)) أي: إلى المشركين في تلك المدّة،
وإن كان مسلماً.
قوله: ((وجاءتِ المؤمِناتُ مُهاجِراتٍ)) أي: في تلك المدّة أيضاً، وقد ذكرتُ أسماءَ من سُمّيَ
منهنَّ في كتاب الشُّروطِ.

٣٦٠
باب ٣٤ / ح ٤١٧٨-٤١٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وكانت أمّ كُلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط ممَّن خرج إلى رسول الله بَّ)) أي: من
مكَّةَ إلى المدينة مُهاجرةً مسلمةً.
فقوله: ((وهي عاِق)) أي: بَلَغَت واستَحقَّت التزويجَ، ولم تَدخُل في السِّنِّ، وقيل: هي
الشّابّة، وقيل: فوقَ المُعصِر، وقيل: اسْتَحقَّت التخدير، وقيل: بين البالغِ والعانسِ.
وتقدَّم بَسطُ ذلك في كتاب العيدَينِ (٣٢٤).
قوله: «فجاء أهلُها يسألونَ رسولَ الله بێ أن یرجِعَها إليهم)» في حدیثِ عبدِ الله بن أبي
أحمد بن جحش: هاجَرَت أمّ كُلثوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيط، فخرج أخَواها الوليد وعُمارة
ابنا عُقْبة بن أبي مُعَيط، حتَّى قَدِما المدينةَ، فَكلَّما رسولَ الله وَلِّ أن يَرُدَّها إليهم، فَنَقَضَ
العَهدَ بينه وبين المشركين في النِّساءِ خاصّةً، فنزلت الآية. أخرجه ابن مَرْدويه في ((تفسيرهِ).
وبهذا يَظْهَرُ المرادُ بقولِه في حديثِ الباب: حتَّى أَنزَلَ الله في المؤمِنات ما أنزَلَ.
قوله: ((حتَّى أنزَلَ الله في المؤمِنات ما أنزَلَ)) أي: من استثنائهِنَّ من مُقْتَضَى الصُّلحِ على رَدِّ
مَن جاء منهم مسلماً، وسيأتي بيان ذلك مشروحاً في أواخرٍ كتاب النكاح(١) إن شاء الله
تعالی.
الحديث السادس والعشرون:
٤٥٥/٧
قوله: ((قال ابن شِهاب: وأخبَرَني عُرْوة ... )) إلى آخره، هو موصول بالإسناد المذكورِ،
وقد وَصَلَه الإسماعيليُّ عن أبي يَعْلى عن أبي خَيْثمةَ عن يعقوب بن إبراهيم به، وفيه بيانٌ،
لأنَّ الذي وَقَعَ في الشَّروط (٢٧٣١) من عَطف هذه القِصّة في رواية الزُّهْريِّ عن عُرْوةَ عن
مروان والمِسوَرِ مُدَرَجٌ، وإنَّما هو عن عُرْوةَ عن عائشة، ويأتي شرحُ الامتِحان في النكاح(٢)
إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وعن عَمِّه)) هو مَوصُولٌ بالإسناد المذكورِ أيضاً.
(١) بل في كتاب الطلاق برقم (٥٢٨٨).
(٢) بل في كتاب الطلاق برقم (٥٢٨٨).