النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
باب ٢٨ / ح ٤١٠٨
كتاب المغازي
الإسلام، فخَشِيتُ أن أقولَ كلمةً تُفَرِّقُ بينَ الجَميعِ، وتَسْفِكُ الدَّمَ، ويُحْمَلُ عنِّي غيرُ ذلكَ،
فِذَكَرْتُ ما أعَذَّ الله في الجِنان. قال حبيبٌ: حُفِظْتَ وعُصِمْتَ.
قال محمودٌ، عن عبدِ الرَّزّاق: ونَوْساتُها.
الحديث العاشر:
قوله: (هشام)) هو ابن يوسف الصنعانيّ.
قوله: ((قال: وأخبَرَني ابن طاوُوسٍ)) قائل ذلك هو مَعمَر، واسم ابن طاووس عبدُ الله.
قوله: ((دَخَلتُ على حفصةَ)) أي: بنتَ عمر أُختَه.
قوله: ((ونَسواتُها)) بفتح النُّون والمهمَلة، قال الخطَّبيُّ: كذا وَقَع، وليس بشيءٍ، وإنَّما هو
نَوساتُها، أي: ذَوائبُها، ومعنى تَنطِفُ، أي: تَقطُرُّ، كأنَّها قد اغتَسَلَت، والنَّوساتُ جمعُ
نَوْسة، والمراد: أنَّ ذَوائبَها كانت تَنُوسُ، أي: تتحرَّك، وكلُّ شيءٍ تَحَرَّكَ فقد ناسَ، والنَّوسُ:
الاضطراب، ومنه قولُ المرأة في حديث أمّ زَرعٍ(١): ((أَنَاسَ من حُلِيٍّ أُذُنيَّ).
قال ابن التِّين: قوله: نَوسات، هو بسكونِ الواو، وضُبطَ بفتحها، وأمَّا نَسوات فكأنَّه
على القَلْب.
قوله: ((قد كان من أمر الناس ما تَرَين، فلم يُجُعَل لي من الأمر شيءٌ)) مُرادُه بذلك ما وَقَعَ
بين عليٍّ ومعاوية من القتال في صِفّين، يومَ اجتماع الناس على الحكومة بينهم فيما اختَلَفوا
فيهِ، فراسَلُوا بقايا الصحابة مِن الْحَرَمَينِ وغيرهما، وتَوَاعَدوا على الاجتماع لِيَنظُرُوا في
ذلك، فشاوَرَ ابنُ عمر أُخته في التوجُّه إليهم أو عَدَمِه، فأشارَت عليه باللَّحاق بهم، خَشْيَةً
أن يَنشَأ من غَيِبَتِه اختلافٌ يُفضي إلى استمرار الفتنة.
قوله: ((فلمَّا تَفرَّقَ الناس)) أي: بعدَ أن اختَلَفَ الحَكمان، وهما أبو موسى الأشعريّ
وكان من قِبَلِ عليٍّ، وعَمْرو بن العاص وكان من قِبَلِ معاوية. ووَقَعَ في رواية عبدِ الرَّزّاق
(٩٧٧٩) عن مَعمَر في هذا الحديث: فلمَّا تَفرَّقَ الْحَكَمَان. وهو يُفسِّر المرادَ، ويُعيِّنُ أنَّ القِصّةَ
(١) سيأتي برقم (٥١٨٩).

٢٦٢
باب ٢٨ / ح ٤١٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
كانت بصِفّين، وجَوَّزَ بعضُهم أن يكونَ المرادُ الاجتماع الأخير الذي كان بين معاويةً
والحسن بن عليٍّ. ورواية عبد الرَّزّاق تَرُدُّه، وعلى هذا تقدير الكلام: فلم تَدَعْه حتَّى ذهب
إليهم في المكان الذي كان فيه الحَكَمان، فحَضَرَ معهم، فلمَّا تَفرَّقوا خَطَبَ معاوية ... إلى
آخره.
وأبعَدُ من ذلك قولُ ابن الجوزيّ في ((كَشفِ المشكِلِ)): أشارَ بذلك إلى جَعلِ عمرَ
الخلافةَ شُورَى في ستّةٍ، ولم يَجَعَل له من الأمر شيئاً، فأمَرَته باللَّحاق، قال: وهذا حكايةٌ
الحال التي جَرَت قبلُ. وأمَّا قولُه: ((فلمَّا تَفرَّقَ الناسُ خَطَبَ معاوية)) كان هذا في زَمَنِ
معاويةَ لمَّا أراد أن يَجِعَلَ ابنَه يزيدَ وليَّ عَهدِهِ. كذا قال، ولم يأتِ له بُمُستَنَدٍ، والمعتَمَدُ ما
صَرَّحَ به في رواية عبد الرَّزاق.
ثُمَّ وجدت في رواية حبيب بن أبي ثابتٍ عن ابن عمر قال: لمَّا كان في اليومِ الذي
اجتمع فيه معاوية بدُومَةِ الجَندَلِ، قالت حفصةُ: إنَّه لا يَجِمُلُ بك أن تَتَخلَّفَ عن صُلحِ
يُصلِحُ الله به بين أمّة محمدٍ، وأنتَ صِهر رسولِ الله وابن عمرَ بن الخطّاب، قال: فأقبَلَ
معاوية يومئذٍ على بُختيٍّ عظيم، فقال: مَن يَطمَعُ في هذا الأمر أو يرجوه أو يَمُدُّ إليه عُنُقَه،
الحديث. أخرجه الطبرانيّ (١٣٨٣٤)(١).
قوله: ((أن يتكلّم في هذا الأمر)) أي: الخلافة.
قوله: ((فليُطلِعِ لنا قَرْنَه)) بفتح القاف، قال ابن التِّين: يحتمل أن يريدَ بِدْعَتَه، كما جاء في
٤٠٤/٧ الْخَيَرِ الآخرِ: ((كلَّما نَجَمَ قَرِنٌ)) أي: كلما طَلَعَ قَرْنٌ، ويحتمل أن يكونَ المعنى:/ فليُيدٍ لنا
صَفحةَ وجههِ، والقَرنُ من شأنِهِ أن يكونَ في الوجه، والمعنى: فليُظهِر لنا نفسَه ولا يُحُفيها.
قيل: أراد عليّاً وعَرَّضَ بالحسن والحسين، وقيل: أراد عمرَ وعَرَّضَ بابنِه عبد الله، وفيه بُعدٌ(٢)
(١) قال الهيثميُّ في ((مجمع الزوائد)» ٢٠٨/٤: ورجاله ثقات، والظاهر أنه أراد صلحَ الحسن بن علي، ووَهِمَ
الراوي، وعند ابن سعد في «الطبقات)) ١٨٢/٤ بعضُ القصة.
(٢) سيذكر قريباً التصريح بأنه كان يُعرِّض بابن عمر.

٢٦٣
باب ٢٨ / ح ٤١٠٨
كتاب المغازي
لأنَّ معاويةَ كان يُبالغُ في تعظيمِ عمرَ(١).
قوله: ((قال حَبيب بن مَسلَمةَ)) أي: ابن مالكِ بن وهبِ الفِهريّ، صحابيُّ صغيرٌ، ولأبيه
صُحْبٌ، وكان قد سَكَنَ الشّامَ وأرسَلَه معاويةٌ في عَسكَرٍ لنصِرِ عثمان، فقُتِلَ عثمانُ قبلَ أن
يَصِل، فَرَجَعَ فكان مع معاويةَ، وَوَلَاه غزوَ الرّومِ، فكان يقال له: حبيبُ الرّومِ لكَثْرة دخولِه
عليهم، وماتَ في خلافة معاوية.
قوله: ((فَهَلَّا أَجَبْتَه)) أي: هَلّ أجبتَ معاويةَ عن تلك المقالة، فأعلمَه ابنُ عمرَ بالذي
مَنَعَه عن ذلك ((قال: حَلَلت حُبْوَتِي ... )) إلى آخره، ووَقَعَ في رواية عبد الرَّزّاق (٩٧٧٠) عندَ
قوله: ((فلَنحنُ أحقُّ به منه ومن أبيه)): يُعرِّضُ بابنِ عمرَ؛ فعُرِفَ بهذه الزّيادة مُناسَبةُ قولِ
حبيب بن مَسلَمةَ لابنِ عمرَ: هَلّا أجبتَه.
والحُبْوةُ، بضمِّ المهمَلة وسكونِ الموخَّدة: ثوبٌ يُلقَى على الظَّهرِ، ويُربَطُ طَرَفاه على
الساقينِ بعدَ ضَمِّهما.
قوله: ((مَن قاتَلك وأباك على الإسلام)) يعني: يومَ أُحُدٍ ويومَ الخندقِ، ويدخلُ في هذه
المقالة(٢) عليٌّ وجميعُ مَن شَهِدَها من المهاجرين، ومنهم عبدُ الله بنُ عمر. ومن هنا تَظهَرُ
مُناسَبةُ إدخال هذه القِصّة في غزوة الخندقِ، لأنَّ أبا سفيان والدَ معاويةً كان رأسَ
الأحزاب يومئذٍ.
ووَقَعَ في رواية حبيب بن أبي ثابت أيضاً: قال ابن عمر: فما حَدَّثْتُ نفسي بالدُّنيا قبلَ
يومَئذٍ، أردت أن أقولَ له: يَطْمَعُ فيه مَن قاتَلك وأباك على الإسلام حتَّى أدخلكُما فيه،
فذكرت الجنَّةَ فأعرضت عنه.
(١) جاء بعد هذا في (أ) و(س) ذکر ما وقع في رواية حبيب بن أبي ثابت من همِّ ابن عمر بأن يتكلم ثم إيثاره
السكوت درءاً للفتنة، وذكر مناسبة عمر إيراد حديث الباب في غزوة الخندق، وسيأتي ذكر ذلك في الموضع
اللائق به بعد قليل، ویلزم من ذكره هنا التكرار، فلذلك حذفناه، ولم يرد في (ع) أصلاً.
(٢) في (س): المقاتلة .

٢٦٤
باب ٢٨ / ح ٤١٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
وكان رأيُ معاويةَ في الخلافة تقديمَ الفاضلِ في القوّة والرَّأي والمعرفة على الفاضلِ في
السَّبْقِ إلى الإسلام والدّينِ والعبادة، فلهذا أطلقَ أنَّه أحقّ، ورأيُ ابنِ عمرَ بخلاف ذلك،
وأنَّه لا يُبابِعُ المفضولُ إلّا إذا خَشِيَ الفتنة، ولهذا بایعَ بعدَ ذلك معاویةً ثمَّ ابنَه یزید، ونهی
بَنِيه عن نَقْض بيعتِه، كما سيأتي في الفتن، وبايعَ بعدَ ذلك لعبدِ الملكِ بن مروان.
قوله: ((ويُحْمَلُ عنِّي غيرُ ذلك)) أي: غيرُ ما أردتُ، ووَقَعَ في روايةٍ مُنقَطِعةٍ عندَ سعيد بن
منصورٍ (٢٩٧٧) أخرجها عن إسماعيل بن إبراهيمَ عن أيوب، قال: نُبِّت أنَّ ابنَ عمرَ لمَّا
قال معاويةُ: مَن أحقُّ بهذا الأمر منّا، ومَن ينازِعُنا؟ فهَمَمتُ أن أقولَ: الذين قاتَلوك وأباك
على الإسلام، فخشيت أن يكون في قولي هِراقةُ الدِّماءِ، وأن يُحِمَلَ قولي على غير الذي
أردتُ.
قوله: ((فذكرتُ ما أعَدَّ الله في الجِنان)) أي: لمن صَبَرَ وآثَرَ الآخِرَةَ على الدُّنيا.
قوله: ((قال حَبيب)) أي: ابن مَسلَمةَ المذكور ((حُفِظتَ وعُصِمتَ)) بضمٍّ أوَّلهما، أي: أنَّه
صَوَّبَ رأيَه في ذلك. وقد قَدَّمنا أنَّ حبيبَ بنَ مَسلَمةَ المذكورَ كان من أصحاب معاوية.
قوله: ((قال محمودُ عن عبدِ الرَّزّاق: ونَوْساتها)) أي: إنَّ عبد الرَّزاق روى عن مَعمَر شيخ
هشام بن يوسف هذا الحديث كما رواه هشام، فخالَفَ في هذه اللَّفظة، فقال: نَوساتها.
وهذا هو الصواب كما تقدَّم.
وطريق محمود هذا - وهو ابن غَيْلان المروَزيُّ - وصلَها محمدُ بنُ قُدامةَ الجوهريُّ في
كتاب ((أخبار الخوارج)) له، قال: حدَّثنا محمودُ بنُ غَيْلان المروَزيُّ أخبرنا عبدُ الرَّزّاق عن
مَعمَر، فذكره بالإسنادَينِ معاً، وساقَ المتن بتمامِهِ، وأوَّله: دَخَلت على حفصة ونَوساتُها
تَنْطِف، وقد ذكرت ما في روايته(١) من فائدةٍ زائدةٍ، وكذلك أخرجه إسحاق بن راهويه في
((مُسنَدِهِ)) عن عبدِ الرَّزّاق.
٤١٠٩ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حذَّثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن سليمانَ بنِ صُرَدٍ، قال: قال
٤٠٥/٧
(١) يعني رواية عبد الرزاق عن معمر.

٢٦٥
باب ٢٨ / ح ٤١٠٩- ٤١١٢
كتاب المغازي
النبيُّ ◌َّهِ يومَ الأحزاب: «نَغْزُوهم، ولا يَغْزِونَنا».
[طرفه في: ٤١١٠]
٤١١٠- حدَّثْني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا يحيى بنُ آدَمَ، حدَّثنا إسرائيلُ، سمعتُ أبا
إسحاقَ، يقول: سمعتُ سليمانَ بنَ صُرَدٍ يقول: سمعتُ النبيَّ وََّ يقول حينَ أجْلَى الأحزابُ
عنه: ((الآنَ نَغْزوهم ولا يَغْزونَنا، نحنُ نَسِيرُ إليهم)).
٤١١١- حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثْنَا رَوٌْ، حدَّثنا هشامٌ، عن محمَّدٍ، عن عَبِيدةَ، عن عليٍّظ
عن النبيِّ وََّ، أَنَّه قال يومَ الختدَقِ: ((مَلأ الله عليهم بيوتَهم وقُبُورَهم ناراً، كما شَغَلونا عن
صلاةِ الوُسْطَى حتَّى غابَتِ الشمس)).
٤١١٢ - حدَّثْنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن جابرِ بنِ
عبدِ الله: أنَّ عمرَ بنَ الخطّابِ ﴾ه جاء يومَ الخندَقِ بعدَما غَرَبَتِ الشمسُ، جَعَلَ يَسُبُّ كَفَّارَ
قُرَيشٍ، وقال: يا رسولَ الله ما كِدْتُ أن أُصَلَِّّ، حتَّى كَادَتِ الشمسُ أن تَغْرُبَ، قال النبيُّ ◌َّ:
((والله ما صَلَّيتُها)) فنزلْنَا مَعَ النبيِّ وَِّ بُطْحانَ، فَتَوضَّأ للصَّلاةِ، وتَوضَّأْنا لها، فصَلَّى العَصْرَ
بعدَما غَرَبَتِ الشمسُ، ثمَّ صَلَّى بعدها المغرب.
الحديث الحادي عشر: حديث سليمان بن صُرَد، بضمِّ الصّاد المهمَلة وفتح الراء بعدها
مُهمَلة، ابن الجَون، بفتح الجيم، الخُزَاعيُّ، صحابيّ مشهور، يقال: كان اسمه يَساراً فغَيَّرَه
النبيّ ◌َّ، ليس له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث، وآخرَ تقدَّم في صِفة إبليس (٣٢٨٢)،
وله طريق في الأدب (٦٠٤٨ و٦١١٥). وقد صَرَّحَ في الرّواية الثانية بسماع أبي إسحاقَ له
منه، وكان سليمان المذكورُ أسَنَّ مَن خرج من أهلِ الكوفة في طلب ثَأرِ الحسينِ بن عليٍّ،
فقُتِلَ هو وأصحابُه بعينِ الوردة، في سنة خمسٍ وستّین.
قوله: ((نَغزوهم ولا يَغزُونَنا)) في رواية أبي نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق بشرِ بن
موسى عن أبي نُعَيم شيخ البخاريّ فيه: ((الآنَ نَغزوهم))، وهي في رواية إسرائيل التي
تِلوَ هذه.

٢٦٦
باب ٢٨ / ح ٤١٠٩-٤١١٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله في رواية إسرائيل: ((حين أَجْلِيَ)) بضمِّ الهمزة وسكونِ الجيم وكسرِ اللّام(١)، أي:
رجعوا عنه. وفيه إشارة إلى أنَّهم رجعوا بغير اختيارهم، بل بصُنْع الله تعالى لرسولِه.
وذكر الواقديُّ أنَّهِوَ﴿ قال ذلك بعد أن انصَرَفوا، وذلك لسبع بَقِين من ذي القَعْدة.
وفيه عَلَمٌ من أعلام النُّبوّة، فإِنَّه ◌َ بَّهِ اعتَمَرَ في السَّنة المقبلة فصَدَّته قُرَيش عن البيت،
ووَقَعَت الهدنةُ بينهم إلى أن نَقَضوها، فكان ذلك سببَ فتح مكَّة، فَوَقَعَ الأمر كما قال ◌ِّـ
وأخرج البزَّارُ (٢) بإسنادٍ حَسَنٍ من حديث جابر شاهداً لهذا الحديث ولفظه: أنَّ النبيَّ
وَ﴿ قال يومَ الأحزاب، وقد جَمَعوا له ◌ُموعاً كثيرةً: ((لا يَغزُونكم بعدها(٣) أبداً، ولكن أنتم
تَغْزُونَهم)).
الحديث الثاني عشر: حديث عليٍّ.
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن منصورٍ، وهشام، كنت ذكرتُ في الجهاد (٢٩٣١) أنَّه
الدَّستُوائيّ، لكن جَزَمَ المِزّيُّ في ((الأطراف)) أنَّه ابن حسَّان، ثمَّ وجدته مُصَرَّحاً به في عِدّة
٤٠٦/٧ طرقٍ / فهذا هو المعتَمَد، وأمَّا تضعيفُ الأَصِيلِيّ للحديثِ به فليس بمُعتَمَدٍ، كما سأوضحُه
في التفسير(٤) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((عن محمد)) هو ابن سِيرِين، وعَبيدة، بفتح العين، هو ابن عَمرِو السَّلْمانيّ.
قوله: ((قال يومَ الخندقِ)) في رواية الجهاد: يوم الأحزاب. وهو بالمعنى. وفي رواية يحيى
ابن الجَزّار عن عليٍّ، عندَ مسلمٍ (٢٠٤/٦٢٧): أنَّ رسول الله وَّ كان يوم الأحزاب قاعداً
على فُرْضةٍ من فُرَض الخندق، فذكره.
(١) كذا ضبطه الحافظ رحمه الله على البناء للمفعول، والذي في اليونينية دون خلاف: أَجْلَى، على البناء للفاعل!
ومعنى أَجْلَى الأحزابُ، أي: تفرّقوا عنه.
(٢) كما في ((كشف الأستار عن زوائد البزار)» للهيثمي (١٨١٠).
(٣) في (س): بعد هذا.
(٤) بل في الدعوات، عند شرح الحديث (٦٣٩٦).

٢٦٧
باب ٢٨ / ح ٤١١٣-٤١١٦
كتاب المغازي
قوله: ((كما شَغَلونا)) في رواية المستملي(١): ((كلَّما شَغَلونا» بزيادة لام، وهو خطأٌ.
قوله: ((صلاةٍ(٢) الوُسطَى)) زاد مسلم (٢٠٥/٦٢٧): ((صلاة العصر))، وسيأتي الكلام
عليها وعلى شرحٍ هذا الحديث مُستَوفَى في تفسير سورة البقرة (٤٥٣٣).
الحدیث الثالث عشر: حديث جابر.
قوله: ((حدّثنا هشام)) أي: ابن عبد الله الدَّستُوائيّ، ويحيى: هو ابن أبي کثیر.
قوله: ((جَعَلَ يَسُبُّ كَفَّارَ قُرَيشٍ)» قد سَبَقَ شرحُ هذا الحديث في المواقيتِ من كتاب
الصلاة (٥٩٩)، وبيَّنت فيه المذاهبَ في ترتيب فائتة الصلاة.
٤١١٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، عن ابنِ المنكَدِرِ، قال: سمعتُ جابراً يقول:
قال رسولُ الله ◌َلَه يومَ الأحزاب: ((مَن يأتينا بخَتَرِ القومِ؟» فقال الزُّبَيرُ: أنا، ثمَّ قال: ((مَن یأتینا
بِخَيَرِ القومِ؟)) فقال الزُّبَيرُ: أنا، ثمَّ قال: ((مَن يأتينا بخَتَرِ القوم؟» فقال الزُّبَيرُ: أنا، ثمَّ قال: ((إنَّ
لكلِّ نبيِّ حَوَارّاً، وإنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيرُ)».
٤١١٤- حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي
هريرةَ عَُّ، أَنَّ رسولَ الله وَّهِ كان يقول: ((لا إلهَ إلَّ الله وحدَه، أعَزَّ جُنْدَه، ونَصَرَ عبده، وغَلَبَ
الأحزابَ وحده، فلا شيءَ بعدَ)).
٤١١٥- حدَّثني محمَّدٌ، أخبرنا الفَزَاريُّ وعبدةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، قال: سمعتُ
عبدَ الله بنَ أبي أوْفَى رضي الله عنهما يقول: دَعَا رسولُ الله ◌ِوَِّ على الأحزاب، فقال: ((اللهمَّ
مُنزِلَ الكتاب، سريعَ الحِساب، اهزِمِ الأحزاب، اللهمَّ اهزِمْهم وزَلْزِلهم)).
٤١١٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن سالم ونافعِ،
عن عبدِ الله ◌َُّه: أنَّ رسولَ اللهِ ◌ِّ كان إذا قَفَلَ مِن الغَزْوِ أو الحجِّ أو العُمْرةِ يَبْدَأُ فِيُكبِّرُ ثلاثَ
(١) في (س): الكشميهني، وهو خطأ. والرواية المذكورة رواية المستملي والحموي، كما في اليونينية، و((إرشاد
الساري)) .
(٢) في (س): الصلاة، والمثبت من الأصلين، موافقاً للرواية هنا دون خلاف. كما في اليونينية و(«إرشاد الساري)).
وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة.

٢٦٨
باب ٢٨ / ح ٤١١٣-٤١١٦
فتح الباري بشرح البخاري
مَرَّاتٍ، ثمَّ يقول: ((لا إلهَ إلَّا الله وحدَه لا شَرِيكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ
قديرٌ، آبِبُونَ، تائبُونَ، عابِدونَ ساجِدونَ، لِرَبِّنا حامِدونَ، صَدَقَ الله وَعْدَهُ، ونَصَرَ عبده، وهَزَمَ
الأحزابَ وحده)).
الحديث الرابع عشر: حديث جابر أيضاً في ذِكْرِ الزُّبَيرِ، وقد تقدَّم شرحه في المناقب
(٣٧١٩).
قوله: ((مَن يأتينا بِخَيَرِ القوم؟ فقال الزُّبَير: أنا)) ذكرها ثلاث مرات، وقد تقدَّم في الجهاد
(٢٨٤٦) في ((باب فضل الطَّليعة)) ذكرها مرَّتَينِ، ومَضَى شرح الحديث في مناقب الزُّبَير.
وقد استُشكِلَ ذِكرُ الزُّبَير في هذه القِصّة، فقال شيخنا ابن الملَقِّن: اعلم أنَّه وَقَعَ هنا أنَّ
الزُّبَير هو الذي ذهب لكشفِ خَبَ بني قُرَيظة، والمشهورُ كما قاله شيخُنا أبو الفتح اليَعمَرِيُّ
٤٠٧/٧ أنَّ الذي تَوَجَّهَ ليأتيَ بخَبَرِ / القوم حُذَيفةُ(١)، كما رويناه من طريق ابن إسحاقَ وغيره. قلت:
وهذا الحَصر مردود، فإنَّ القِصّة التي ذهب لكَشِفِها غيرُ القِصّة التي ذهب حُذَيفة
لكَشِفِها، فِقِصّة الزُّبَيرِ كانت لكَشفِ خَبَرَ بني قُرَيظة، هل نَقَضوا العَهدَ بينهم وبين
المسلمين ووافَقوا قُرَيشاً على محاربة المسلمين، وقِصّة حُذَيفةً كانت لمَّا اشتَدَّ الِحِصارُ على
المسلمين بالخندقِ، وتَالَأْت عليهم الطَّوائفُ، ثمَّ وَقَعَ بين الأحزاب الاختلافُ، وحَذَّرَت
كلُّ طائفةٍ من الأُخرَى، وأرسَلَ الله تعالى عليهم الرّيحَ واشتَدَّ البَرد تلك اللَّيلة فانتَدَبَ
النبيّ ◌ََّ مَن يأتيه بِخَبَرِ قُرَيشٍ، فانتَدَبَ له حُذَيفةَ بعد تَكراره طلبَ ذلك، وقِصَّته في
ذلك مشهورة لمَّا دَخَلَ بين قُرَيشٍ في اللَّيلِ وعَرَفَ قِصَّتَهم، ورَجَعَ وقد اشتَدَّ عليه البَرد،
فَغَطّاه النبيُّ ◌َّهِ حَتَّى دَفِئٍ. وبيَّن الواقديُّ أنَّ المرادَ بالقومِ بنو قُرَيظة، وروى ابن أبي شَيْبَةً
(١٤ / ٤٢٣) من مُرسَلٍ عِكْرمة: أنَّ رجلاً من المشركين قال يومَ الخندقِ: مَن يُبارز؟ فقال
النبيّ وََّ: ((قُم يا زُبَير)) فقالت أمّه صَفيَّة بنت عبد المطَّلِب: واحدي يا رسولَ الله! فقال:
((قُم يا زُبَير)) فقامَ الزُّبَيرُ فَقَتَلَه ثمَّ جاء بسَلَبه إلى النّبِيِّ ◌َِّ، فَتَفَّلَه إيّاه.
(١) يعني ما ورد عند شرح الحديث (٤١٠٣).

٢٦٩
باب ٢٩ / ح ٤١١٧
كتاب المغازي
الحديث الخامس عشر: قوله: ((عن أبيهِ)) هو أبو سعيد المقبريّ.
قوله: ((وغَلَبَ الأحزابَ وحده، فلا شيءَ بعدَه)) هو من السَّجع المحمودِ، والفَرقُ بينه
وبين المذمومِ أن المذموم ما يأتي بتكلُّفٍ واستكراهٍ، والمحمودُ ما جاء بانِجامِ واتِّفاقٍ،
ولهذا قال في مِثل الأوَّل: ((أسَجْعٌ كسَجْعِ الكُهّان؟))(١)، وكذا قال: كان يَكرَه السَّجعَ في
الدُّعاءِ(٢). ووَقَعَ في كثيرٍ من الأدعية والمخاطَبات ما وَقَعَ مَسجُوعاً، لكنَّه في غاية الانسجام
المُشعِرِ بأنَّه وَقَعَ بغير قصدٍ.
ومعنى قوله: ((لا شيءَ بعدَه)) أي: جميع الأشياءِ بالنِّسبة إلى وُجودِه كالعَدَم، أو المراد أنَّ
كلَّ شيءٍ يَفنَى، وهو الباقي، فهو بعدَ كلُّ شيءٍ فلا شيءَ بعدَه، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ
هَالِكُّ إِلَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
الحديث السادس عشر:
قولُه: ((حدَّثني محمدٌ)) هو ابنُ سَلامِ، والفَزاريّ: هو مروان بن معاوية، وعَبْدة: هو ابن
سلیمان.
قوله: ((دَعا رسول الله ◌َّه على الأحزاب)) قد تقدَّم شرحه في ((باب لا تَتَمنَّوا لقاءَ العدوِّ))
(٣٠٢٥) من کتاب الجهادِ.
الحديث السابع عشر: حديث عبد الله، وهو ابن عمر.
قوله: ((أو الحجّ أو العمرة)) ليست أو للشكِّ، بل هي للتنويع، وذكره هنا لقوله: ((وهَزَمَ
الأحزابَ وحده))، وسيأتي شرحُه في الدَّعَوات (٦٣٨٥) إن شاء الله تعالى.
٢٩ - باب مَرجِع النبيِّ وَّ من الأحزاب، وتَخَرَجِه إلى بني قُرَيظة
ومحاصرتِه إيّاهم
٤١١٧- حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ، حدّثنا ابنُ نُمَير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً
(١) أخرجه مسلم (١٦٨٢) من حديث المغيرة بن شعبة، وانظر حديث أبي هريرة عند البخاري برقم (٥٧٥٨).
(٢) يشير إلى حديث ابن عباس، الآتي عند البخاري برقم (٦٣٣٧).

٢٧٠
باب ٢٩ / ح ٤١١٧-٤١١٩
فتح الباري بشرح البخاري
رضي الله عنها، قالت: لمَّا رَجَعَ النبيُّ نَّه مِن الخندَقِ، ووَضَعَ السِّلاحَ، واغتَسَلَ، أتاه چِبْرِيلُ
عليه السلام، فقال: قد وضَعْتَ السِّلاحَ! والله ما وضَعْناه، اخرُجْ إليهم، قال: ((فإلى أينَ؟)) قال:
هاهنا، وأشارَ إلى بني قُرَيظةَ، فخَرَجَ النبيُّ ◌َّ إليهم.
٤١١٨- حدَّثنا موسى، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ، عن مُميدِ بنِ هلالٍ، عن أنسٍ ﴾، قال:
كأنّ أنظُرُ إلى الغُبار ساطِعاً في زُقاق بني غَنْمِ، مَوْكِبَ جِبْيلَ حينَ سارَ رسولُ الله وَلّه إلى بني
قُرَيظةً.
٤١١٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ بنِ أسماءَ، حدَّثنا جُوَيرِيةُ بنُ أسماءَ، عن نافعٍ، عن ابنِ
٤٠٨/٧ عمرَ رضي الله عنهما،/ قال: قال النبيُّنَّهِ يومَ الأحزاب: ((لا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ العَصْرَ إلَّا في بني
قُرَيظةَ))، فأدْرَكَ بعضَهمُ العَصْرُ في الطَّرِيقِ، فقال بعضُهم: لا نُصَلّي حتَّى نأتيَها، وقال بعضُهم:
بل نُصَلّي، لم يُرِدِ منّا ذلكَ، فَذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ وَِّ، فلم يُعَنِّف واحداً منهم.
قوله: ((باب مَرجِع النبيِّ نَّرِ من الأحزاب)) أي: من الموضع الذي كان يقاتِلُ فيه
الأحزابَ إلى مَنزِلِه بالمدينة.
قوله: ((وَخَرَجِه إلى بني قُرَيظة، وتُحاصَرَتِهِ إِّاهم)) قد تقدَّم السَّبَبُ في ذلك، وهو ما وَقَعَ
من بني قُرَيظةً من نَقضِ عهدِهِ، وتُمالَأَتِهِم لقُرَيشٍ وغَطَفان عليهِ، وتقدَّم نَسَبُ بني قُرَيظةَ
في غزوة بني النَّيرِ (١)، وذكر عبدُ الملِكِ بن يوسف في ((كتاب الأنواء)) له أنَّهم كانوا
يَزْعُمُونَ أَّهم من ذُرِّيَّة شُعَيبٍ نبيّ الله عليه السلام وهو محتملٌ (٢)، وإنَّ شُعَيباً كان من بني
◌ُذام القبيلة المشهورةِ وهو بعيدٌ جدّاً.
(١) لم يتعرض الحافظُ لبيان نسبهم في هذا الشرح، وبينه العيني في ((العمدة)) ١٧/ ١٢٥ فقال: قريظة والنضير
والنحام وعمرو، بنو الخزرج بن الصَّريح بن التّومان بن السَّبْط بن الیسع بن سعد بن لاوي بن خیر بن
النحّام بن تَنْحُوم بن عازَر بن عِزْرَى بن هارون بن عمران بن يَصْهَر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب
- وهو إسرائيل - بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام. وقد ضبطنا بعض الأسماء
من ((الروض الأنف)) للسُّهيلي ١/ ٧٣.
(٢) كأن عبد الملك بن يوسف هو الذي احتمل ذلك، فردَّ عليه الحافظ.

٢٧١
باب ٢٩ / ح ٤١١٧-٤١١٩
كتاب المغازي
وتقدَّم أنَّ تَوَجّهَ النبيِّ وَّه إليهم كان لسبعِ بَقِين من ذي القَعْدَة، وأنَّه خرج إليهم في
ثلاثة آلافٍ. وذكر ابن سعدٍ أنَّه كان مع المسلمين ستّةٌ وثلاثونَ فرساً.
ثم ذكر المصنف فیه ستة أحاديث:
الأول: حديث عائشةَ رضي الله عنها، ذكره مختصراً، وسيأتي مُطوَّلاً (٤١٢٢) في الباب
مع شرحِهِ.
الثاني: حديث أنس.
قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل التبُوذَكيّ.
قوله: ((كأنّ أنظُرُ إلى الغُبار)) يشيرُ إلى أنَّه يَسْتَحِضِرُ القِصّةَ حتَّى كأنَّه يَنظُرُ إليها
مُشَخَّصة له بعد تلك المدّة الطَّويلة.
قوله: ((ساطِعاً) أي: مُرتَفِعاً.
قوله: ((بني غَنْمِ) بفتح المعجَمة وسكون النّون، كما تقدَّم شرحه في أوائلِ بَدْءِ الخلق
(٣٢١٤)، وتقدَّم إعرابُ قولِه: مَوكِب چِبريلَ.
ووَقَعَ هذا الحديثُ عند ابن سعد (٢/ ٧٧) من طريق سليمان بن المغيرة عن حُميدٍ بن
هلال مُطوَّلاً، لكن ليس فيه أنس، وأوَّله: كان بين بني قُرَيظَةَ وبين النبيِّ نَّهِ عَهِدٌ، فلمَّا
جاءت الأحزابُ نَقَضوه وظاهروهم. فلمَّا هَزَمَ الله عزَّ وجلَّ الأحزابَ تَحَصَّنوا، فجاء
جِبْرِيلُ ومَن معه من الملائكة، فقال: يا رسولَ الله، انهض إلى بني قُرَيظة، فقال: «إنَّ في
أصحابي جَهداً)) قال: انهَضْ إليهم فلَأُضَعْضِعَنّهم. قال: فأدَبَرَ جِبْرِيلُ ومَن معه من
الملائكة حتَّى سَطَعَ الغُبارُ في زِقاق بني غَنْمِ من الأنصار.
الحدیث الثالث: حديث ابن عمر:
قوله: (جُوَیِرِیة)) بالجیم، مُصغّرٌ، هو عَمُّ عبدِ الله الراوي عنه.
قوله: ((لا يُصلِّيَنَّ أحدٌ العصرَ)) كذا وَقَعَ في جميع النُّسَخِ من البخاريّ، ووَقَعَ في جميع النَّسَخ

٢٧٢
باب ٢٩ / ح ٤١١٧-٤١١٩
فتح الباري بشرح البخاري
عند مسلم (١٧٧٠): ((الظّهر))، مع اتّفاق البخاريّ ومسلم على روايته عن شيخ واحد
بإسنادٍ واحد! وقد وافَقَ مسلماً أبو يَعْلى وآخرون، وكذلك أخرجه ابن سعد (٧٦/٢) عن
أبي غسّان مالك بن إسماعيل عن جُوَيرِية، بلفظ: ((الظَّهر))، وابن حِبّان (١٤٦٢) من طريق
أبي غسّان كذلك، ولم أرَه من رواية جُوَيرِية إلّا بلفظ: ((الظُّهر))، غير أنَّ أبا نُعَيم في ((المستخرَج))
أخرجه من طريق أبي حفص السُّلَميّ عن جُوَيِرِية، فقال: ((العصر))(١).
وأمَّا أصحاب المغازي فاتَّفَقوا على أنَّها العصر، قال ابن إسحق: لمَّ انصَرَفَ النبيّ وَّ
من الخندق راجعاً إلى المدينة أتاه جِبْرِيلُ الظُّهرَ، فقال: إنَّ الله يأمرك أن تَسير إلى بني
قُرَيظة، فأمَرَ بلالاً فأذَّن في الناس: مَن كان سامعاً مطيعاً فلا يُصلِّيَنَّ العصر إلّا في بني
قُرَيظة.
وكذلك أخرجه الطبرانيُّ (١٦٠/١٩)(٢) والبيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٧/٤-٨) بإسنادٍ
صحيح إلى الزُّهْريّ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن عَمّه عُبيد الله بن
كعب: أنَّ رسول الله وَّرَ لمَّا رَجَعَ من طلب الأحزاب وضع عنه(٣) اللَّأُمة واغتَسَلَ
واستَجمَرَ، تَبَدَّى له جِبْريل فقال: عُذَيرك من مُحارِب، فوَثَبَ فِعاً، فعَزَمَ على الناس أن
٤٠٩/٧ لا يُصَلّوا العصر حتَّى يأْتُوا بني قُرَيظة، قال: فَسَ الناسُ السِّلاح، فلم يأتوا/ قُرَيظة
حتَّى غَرَبَت الشمس، قال: فاختَصَموا عند غروب الشمس فصَلَّت طائفة العصر،
وتَرَكَتْها طائفة، وقالت: إنّا في عَزْمة رسول الله ◌ََّ، فليس علينا إثم، فلم يُعَنِّ واحداً
من الفريقينِ.
(١) ووقع عند أبي عوانة أيضاً (٦٧٢٢) عن أبي المثنى معاذ بن المثنى وأبي الأحوص محمد بن الهيثم،
كلاهما عن عبد الله بن محمد بن أسماء، بهذا الإسناد. فذكره ثم قال: قال أحدهما: ((العصر)) بدل:
((الظهر)).
(٢) رواية الطبراني موصولة بذكر كعب بن مالك، وسيذكرها الحافظ بعد عدة أسطر، وتكلم عليها هناك.
(٣) في الأصلين و(س): وجمع عليه، والمثبت من مصادر تخريج الخبر، وهو الجادّة، وانظر شرح الحديث
(٤١٢٢).

٢٧٣
باب ٢٩ / ح ٤١١٧-٤١١٩
كتاب المغازي
وأخرجه الطبرانيُّ (١٦٠/١٩) من هذا الوجه موصولاً بذِكْر كعب بن مالك فيه (١)،
وللبيهقيِّ(٢) من طريق القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها، نحوه مُطوَّلاً، وفيه:
فصَلَّتْ طائفة إيماناً واحتساباً، وتَرَكَت طائفة إيماناً واحتساباً. وهذا كلّه يُؤيِّد رواية
البخاريّ في أنَّها العصر.
وقد جَمَع بعض العلماء بين الرِّوايتَينِ باحتمال أن يكون بعضهم قَبْلَ الأمر كان صَلَّى
الظُّهر، وبعضهم لم يُصَلِّها، فقيل لمن لم يُصَلِّها: لا يُصلَِّنَّ أحدٌ الظُّهر، ولمن صَلّاها: لا
يُصلِّيَنَّ أحدٌ العصر. وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحَت بعد طائفة، فقيل
للطائفة الأولى: الظّهر، وقيل للطائفة التي بعدها: العصر، وكلاهما جمعٌ لا بأس به، لكن
يُبعِده اتّحاد مَخَرَج الحديث لأنَّه عند الشَّيخَينِ كما بيَّنّاه بإسنادٍ واحد من مَبدَئِه إلى مُنتَهاه،
فيَبَعُد أن يكون كلّ من رجال إسناده قد حدَّث به على الوجهَينِ، إذ لو كان كذلك لَمَلَه
واحد منهم عن بعض رواته على الوجهَينِ، ولم يوجد ذلك.
ثُمَّ تأكَّد عندي أنَّ الاختلاف في اللَّفظ المذكور من حِفظِ بعض رواته، فإنَّ سیاق
البخاريّ وحدَه مخالف لسياق كلّ مَن رواه عن عبد الله بن محمد بن أسماء، وعن عَمّه
جُوَيِرِية، ولفظ البخاريّ: قال النبيّ ◌َّهِ: (( لا يُصلِّيَنَّ أحد العصر إلّا في بني قُرَيظة))، فأدرَكَ
بعضهم العصر في الطّريق، فقال بعضهم: لا نُصلّي حتَّى نأتيَها، وقال بعضهم: بل نُصلّي، لم
يُرِد منّا ذلك. فذُكِرِ للنبِّوَِّ، فلم يُعَنِّف واحداً منهم. ولفظ مسلم (١٧٧٠) وسائر من
رواه: نادَى فينا رسول الله وَ ◌ّهِ يومَ انصَرَفَ عن الأحزاب: ((أنَّ لا يُصلِّنَّ أحد الظُّهر إلّا في
بني قُرَيظة)) فَتَخَوَّف ناس فَوْتَ الوقت فصَلَّوا دون بني قُرَيظة، وقال آخرونَ: لا نُصلّ إلّا
حيثُ أمَرَنا رسول الله وَله وإن فاتَنا الوقتُ، قال: فما عَنّف واحداً من الفريقَينِ.
(١) تفرد به موصولاً مرزوق بن أبي الهذيل، عن الزهري، كما قال العقيلي في ((الضعفاء» ٢٠٩/٤، والدار قطني، كما
في «أطراف الغرائب)) للمقدسي ٢٧٨/٤، وخالفه معمر وشعيب بن أبي حمزة وغيرهما، وهم ثقات، وأما هو
ففي حديثه لین.
(٢) في ((الدلائل)) ٨/٤-١٠، وإسناده ضعيف.

٢٧٤
باب ٢٩ / ح ٤١١٧-٤١١٩
فتح الباري بشرح البخاري
فالذي يَظهَر من تَغايُرِ اللَّفِظَينِ أنَّ عبد الله بن محمد بن أسماء شيخ الشَّيخَينِ فيه لمَّا
حدَّث به البخاريَّ حدَّث به على هذا اللَّفظ، ولمَّا حدَّث به الباقين حدَّثهم به على اللَّفظ
الأخير، وهو اللَّفظ الذي حدَّثه به عمُّه جویريَّة، بدلیل موافقة أبي غسان له علیه بخلاف
اللَّفظ الذي حدَّث به البخاريّ، أو أنَّ البخاريّ كَتبَه من حِفظه ولم يُراعِ اللَّفظ، كما عُرِفَ
من مذهبه في تَجويز ذلك، بخلاف مسلم فإنَّه يُحافظ على اللَّفظ كثيراً، وإنَّما لم ◌ُجوّز عَكْسَه،
لموافقة مَن وافق مسلماً على لفظه بخلاف البخاريّ، لكن موافقة أبي حفص السُّلَميّ له
تُؤيِّد الاحتمال الأوَّل.
وهذا كلّه من حيثُ حديثُ ابن عمر، أمَّا بالنَّظَرِ إلى حديث غيره فالاحتِمالان
المتقدِّمان في كَونِه قال: الظُّهر لطائفة، والعصر لطائفة، مُتَّجِهٌ، فيحتمل أن تكون رواية
الظُّهر هي التي سمعَها ابن عمر، ورواية العصر هي التي سمعَها كعب بن مالك وعائشة،
والله أعلم.
قال السُّهَيليُّ وغيره: في هذا الحديث من الفقه أنَّه لا يُعاب على من أخَذ بظاهرِ حديثٍ
أو آية، ولا على من استنْبَطَ من النَّصّ معنَى يُخُصّصه.
وفيه أنَّ كلّ مُخْتَلِفِين في الفروع من المجتَهِدين مُصيب. قال السُّهَيليُّ: ولا يَستَحيل أن
يكون الشَّيء صواباً في حَقّ إنسان وخطأ في حَقّ غيره، وإنَّما المحال أن يُحكَم في النازلة
بحُكمَينِ مُتَضادَين في حَقّ شخص واحد، قال: والأصل في ذلك أنَّ الحَظْر والإباحة صفاتٌ
أحكام، لا أعيان. قال: فكلّ مُجُتَهِد وافق اجتهاده وجهاً من التأويل فهو مُصيب، انتهى.
والمشهور أنَّ الجمهور ذهبوا إلى أنَّ المصيب في القطعيّات واحد، وخالَفَ الجاحظُ
والعَنبَريّ. وأمَّا ما لا قطع فيه فقال الجمهور أيضاً: المصيب واحد، وقد ذكر ذلك الشّافعيّ
وقَرَّرَه، ونُقِلَ عن الأشعَريّ: أنَّ كلّ مُجْتَهِد مُصيب، وأنَّ حُكم الله تابع لظَنِّ المجتَهِد.
وقال بعض الحنفيَّة وبعض الشّافعيَّة: هو مُصيب باجتهادِهِ فله أجران(١)، وإن لم يُصِب ما
(١) قوله: ((فله أجران)) سقط من (ع) و(س).

٢٧٥
باب ٢٩ / ح ٤١١٧-٤١١٩
كتاب المغازي
في نفس الأمر فهو مُخُطِئ، وله أجر واحد، وسيأتي بَسطُ هذه المسألة في كتاب الأحكام
(٧٣٥٢) إن شاء الله تعالى.
ثُمَّ الاستدلال بهذه القِصّة على أنَّ كلّ مُجْتَهِد مُصيب على الإطلاق/ ليس بواضح، ٤١٠/٧
وإنَّما فيه تَرِكُ تعنيف مَن بَذَل وُسعَه واجتَهَد، فيُستَفاد منه عَدَم تأثيمه. وحاصل ما وَقَعَ في
القِصّة أنَّ بعض الصحابة حَلوا النَّهي على حقيقته، ولم يُبالُوا بخروج الوقت ترجيحاً
للَّهي الثاني على النَّهي الأوَّل، وهو تَركُ تأخير الصلاة عن وقتها، واستَدَلّوا بجواز
التأخير لمن اشْتغَلَ بأمر الحرب بنَظير ما وَقَعَ في تلك الأيام بالخندقِ، فقد تقدَّم حديث
جابر (٤١١٢) المصَرِّح بأنَّهم صَلَّوا العصر بعدَما غَرَبَت الشمس، وذَلِك لشُغْلِهِم بأمر
الحرب، فجَوَّزوا أن يكون ذلك عامّاً في كلّ شُغل يتعلَّق بأمر الحرب، ولا سيَّما والزَّمان
زمان التشريع، والبعض الآخر حَمَلُوا النَّهي على غير الحقيقة وأنَّه كِناية عن الحَثّ والاستعْجال
والإسراع إلى بني قُرَيظة.
وقد استَدَلَّ به الجمهور على عَدَم تأثيم من اجتَهَد؛ لأنَّه وَ له لم يُعنِّف أحداً من
الطائفتَينِ، فلو كان هناك إثم لَعَنَّفَ مَن أثِم. واستَدَلَّ به ابن حِبّان على أنَّ تارك الصلاة
حَتَّى يَخْرُج وقتها لا يَكْفُر، وفيه نظر لا يَخْفَى. واستَدَلَّ به غيره على جواز الصلاة على
الدَّواب في شِدّة الخوف، وفيه نظر قد أوضَحتُه في باب صلاة الخوف(١).
وعلى أنَّ الذي يَتَعَمَّد تأخير الصلاة حتَّى يَخْرُج وقتها يقضيها بعد ذلك، لأنَّ الذين لم
يُصَلّوا العصر صَلَّوها بعد ذلك، كما وَقَعَ عند ابن إسحاق أنَّهم صَلَّوها في وقت العِشاء،
وعند موسى بن عُقْبة: أنَّهم صَلَّوها بعد أن غابت الشمس، وكذا في حديث كعب بن
مالك، وفيه نظر أيضاً لأنَّهم لم يُؤَخِّروها إلّا لعُذر تأوَّلُوه، والنّزاع إنَّما هو فيمن أخّرَ عَمداً
بغیر تأويل.
وأغرَب ابن المنير فادَّعَى أنَّ الطائفة الذين صَلَّوا العصر لمَّا أدرَكَتهم في الطَّريق إنَّما
(١) قبل الحديث (٩٤٦).

٢٧٦
باب ٢٩ / ح ٤١١٧-٤١١٩
فتح الباري بشرح البخاري
صَلَّوها وهم على الدَّوابّ، واستَنَّدَ إلى أنَّ النُّزول إلى الصلاة يُنافي مقصود الإسراع في
الوصول، قال: فإنَّ الذين لم يُصَلّوا عَمِلوا بالدَّليلِ الخاصّ، وهو الأمر بالإسراع فَتَرَكوا
عُموم إيقاع العصر في وقتها إلى أن فات، والذين صَلَّوا جَمَعوا بين دليلَي وُجوب الصلاة
ووُجوب الإسراع فصَلَّوا رُكباناً، لأنَّهم لو صَلَّوا نزولاً لكان مُضادّةً لمَا أُمِروا به من
الإسراع ولا يُظَنُّ ذلك بهم مع تُقوب أفهامهم، انتهى.
وفيه نظر، لأنَّه لم يُصرِّح لهم بتَركِ التّزول، فلعلَّهم فهموا أنَّ المراد بأمرهم أن لا
يُصَلّوا العصر إلّا في بني قُرَيظة، المبالَغةَ في الأمر بالإسراع، فبادَرُوا إلى امِثال أمرهِ،
وخَصّوا وقت الصلاة من ذلك لمَا تَقرّرَ عندهم من تأكيد أمرها، فلا يَمتَنِعِ أن يَنزِلوا
فَيُصَلّوا، ولا يكون في ذلك مُضادّةٌ لمَا أُمِروا به، ودَعوَى أنَّهم صَلَّوا رُكباناً يَحتاج إلى
دليل، ولم أرَه صريحاً في شيء من طرق هذه القِصّة، وقد تقدَّم بَحث ابن بَطّالٍ في ذلك في
(باب صلاة الخوف))(١).
وقال ابن القَيِّم في ((الهدي)) ما حاصله: كلّ من الفريقَينِ مأجور بقصدِهِ، إلّا أنَّ مَن
صَلَّى حازَ الفضيلَتينِ: امتثال الأمر في الإسراع، وامتثال الأمر في المحافظة على الوقت، ولا
سيّما ما في هذه الصلاة بعينها من الحَثّ على المحافظة عليها، وأنَّ مَن فاتَته حَبِطَ عمله(٢)،
وإنَّما لم يُعَنِّفِ الذين أخّروها لقيام عُذرهم في التمَسُّك بظاهرِ الأمر، ولأنَّهم اجتَهَدوا
فأخَّروا لامتِثالهم الأمرَ، لكنّهم لم يَصِلُوا إلى أن يكون اجتهادهم أصوَبَ من اجتهاد
الطائفة الأُخرَى.
وأمَّا مَن احتَجَّ لمن أخّرَ بأنَّ الصلاة حينئذٍ كانت تُؤَخَّر کما في الخندق، وكان ذلك قبل
صلاة الخوف، فليس بواضح، لاحتمال أن یکون التأخير في الخندق کان عن نسيان، وذلك
بَيّ في قوله {وَ ◌ّ لعمر لمَّا قال له: ما كدتُ أُصَلّ العصرَ حتَّى كادت الشمس أن تَغُب،
(١) قبل الحديث (٩٤٦).
(٢) يشير بذلك إلى حديث بريدة الأسلمي، مرفوعاً: ((من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله))، وقد سلف
عند البخاري برقم (٥٥٣).

٢٧٧
باب ٢٩ / ح ٤١٢٠
كتاب المغازي
فقال: ((والله ما صَلَّيتُها))(١)، لأنَّه لو كان ذاكِراً لها لَبادَرَ إليها كما صَنَعَ عمر. انتهى.
وقد تقدَّم شرحُ حديث تأخير الصلاة في الخندق في كتاب الصلاة (٥٩٦) بما يُغني عن
إعادته.
٤١٢٠ - حدَّثني ابنُ أبي الأسوَدِ، حدَّثْنا مُعتَمِرٌ (ح) وحدَّثْنِي خَلِيفةُ، حدَّثْنا مُعتَمِرٌ، قال:
سمعتُ أبي، عن أنسٍ ◌َُ، قال: كان الرجلُ يَجْعَلُ للنبيِّ وَِّ النَّخَلات، حتَّى افتَتَحَ قُرَيظةَ
والنَّضِيرَ، وإنَّ أهلي أمَروني / أن آتيَ النبيَّ وََّ، فأسألَه الذي كانوا أعطَوه أو بعضه، وكان النبيُّ ٤١١/٧
﴿وََّ قد أعطاه أمَّ أيمَنَ، فجاءت أمُّ أيمَنَ فجَعَلَتِ الثَّوبَ في عُنُقي، تقولُ: كَلّ والَّذِي لا إلهَ إلا
هو لا يُعْطِيكَهم، وقد أعطانيها - أو كما قالت - والنبيُّ نَّهِ يقول: ((لَكِ كذا)) وتقولُ: كَلّا
والله، حتَّى أعطاها - حَسِبتُ أنَّه قال - عَشرةَ أمثاله، أو كما قال.
الحديث الرابع:
قوله: ((حدَّثني ابن أبي الأسوَدِ)) هو عبد الله، كما تقدَّم بيانه في كتاب الخُمسِ (٣١٢٨)،
وساقَ هذا الحديثَ عنه هنا أتمّ، وتقدَّم باختصار في غزوة بني النَّضير (٤٠٣٠)، وتقدَّم ما
يتعلَّق بالزّيادة التي فيه هنا في حديث الزُّهْريِّ عن أنسٍ، في كتاب الهِبَة (٢٦٣٠).
وحاصلُه: أنَّ الأنصارَ كانوا واسَوا المهاجرين بنَخيلِهِم لِيَنتَفِعوا بَثَمَرِها، فلمَّا فَتَحَ الله
النَّصِيرَ، ثمَّ قُرَيظةَ، قَسَمَ في المهاجرين من غَنائمِهم فأكثر، وأمَرَهم برَدِّ ما كان للأنصار
لاستغنائهم عنه، ولأنَّهم لم يكونوا مَلَّكوهم رِقابَ ذلك، وامتَنَعَت أمُّ أيمَنَ من رَدِّ ذلك،
ظنّاً أنَّهَا مَلِكَتِ الرَّقَبة، فلاطَفَها النبيُّ ◌ََّ لمَا كان لها عليه من حَقِّ الحَضانة حتَّى عَوَّضَها
عن الذي کان بيدِها بما أرضاها.
قوله: ((وكان النبيُّ وَّرَ قد أعطاه أَمَّ أيمَن، فجاءت أمُّ أيمَن)) في هذا السّياق حذفٌ
يوضِّحُه روايةٌ مسلم (١٧٧١/ ٧١) من هذا الوجه بلفظ: أعطاه أمَّ أيمَنَ، فأتيت النبيَّ وَّة.
فأعطانِهِ، فجاءت أمّ أيمَن.
(١) سلف برقم (٤١١٢).

٢٧٨
باب ٢٩ / ح ٤١٢١-٤١٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((والنبيّ ◌َّهِ يقول: لك كذا)) أي: يقول لأُمّ أيمَن: لك كذا، في رواية مسلم:
والنبيّ وَّه يقول: ((يا أمَّ أيمَنَ اتركيه ولك كذا)). وقوله: ((ولك كذا) كِناية عن القَدرِ الذي
ذكره لها النبيُّ ێد.
قال النَّوَويُّ: ظَنَّت أمُّ أيمَنَ أنَّ تلك المِنِحَةَ مُؤَبَّدةٌ فلم يُنكِرِ النبيُّ ◌َِّ عليها هذا الظَّنَّ
تَطییباً لقلبها، لگونها حاضنته، وزادَها من عندِه حتَّى طابَ قلبُها.
قوله: ((أو كما قال)) إشارة إلى شَكِّ وَقَعَ في اللَّفظِ مع حصولِ المعنى.
قوله: ((حتَّى أعطاها، حَسِبت أنَّه قال: عَشرةَ أمثاله، أو كما قال)) في رواية مسلم: حتَّى
أعطاها عشرةَ أمثاله، أو قريباً من عشرة أمثاله. وعُرِفَ بهذا أنَّ معنى قوله: ((ولك كذا))
أي: مثل الذي لك مَرّةً، ثمَّ شَرَعَ يزيدُها مَرَّتَينِ أو ثلاثاً، إلى أن بَلَّغَها عشرةً.
وفي الحديث مشروعيَّةُ هِبة المنفَعة دونَ الرَّقَبة. وفَرطُ جُودِ النبيِّ وَ وكَثْرَةُ حِلْمِه
وبِّهِ. ومَنِزِلةٌ أمِّ أيمَنَ عندَ النبيِّ وَ ل﴿ وهي والدةُ أُسامةَ بن زيد، وابنها أيمَن أيضاً له
صُحْبةٍ، واستُشهِدَ بحُنَينٍ، وهو أسَنُّ من أُسامة، وعاشَت أمُّ أيمَنَ بعدَ النبيِّ وَّر قليلاً،
رضيَ الله عنهم.
٤١٢١ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سعدٍ، قال: سمعتُ أبا
أُمامةَ، قال: سمعتُ أبا سعيدِ الخُدْريَّ ﴾ يقول: نزلَ أهلُ قُرَيظةَ على حُكْمٍ سَعْدِ بنِ معاذٍ،
فأرسَلَ النبيُّ وَ لّهِ إلى سعدٍ، فأتى على حمارٍ، فلمَّا دَنا مِن المسجدِ قال للأنصار: ((قوموا إلى
سَيِّدِكُم - أو أخْتَرِكُم -)) فقال: ((هؤلاءِ نزلوا على حُكْمِكَ)) فقال: تَقْتُلُ مُقاتِلَتَهم، وتَسْبي
ذَراريَّهم، قال: «قَضَیت بحُكْمِ الله - ورُبَّما قال: بِحُكْمِ الملِكِ۔)).
٤١٢٢- حدَّثنا زكريّا بنُ يحيى، حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُمَير، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن
عائشةَ رضي الله عنها، قالت: أُصِيبَ سَعْدٌ يومَ الختدَقِ، رَماه رجلٌ من قُرُيشٍ، يقال له: حِبّانُ
ابنُ العَرِقَةِ، - وهو حِبّان بن قيس، من بني مَعِيصٍ بن عامِر بن لُؤيّ - رَمَاه في الأكحَلِ،
فَضَرَبَ النبيُّ وَّهَ خَيمةً في المسجدِ ليعُودَه من قريبٍ، فلمَّا رَجَعَ رسولُ اللهِ وَّهُ مِن الخَندَقِ

٢٧٩
باب ٢٩ / ح ٤١٢١
كتاب المغازي
وَضَعَ السِّلاحَ واغتَسَلَ، فأتاه جِبْرِيلُ عليه السلام وهو يَنفُضُ رأسَه مِن الغُبار، فقال: قد
وَضَعْتَ السِّلاحَ! والله ما وَضَعْتُه، / اخرُج إليهم، قال النبيُّ ◌َّ: ((فأينَ؟)) فأشارَ إلى بني ٤١٢/٧
قُریظةً، فأتاهم رسولُ الله ێ، فنزلوا على حُكْمِه، فَدَّ الُكْمَ إلی سعدٍ قال: فإنّ احكُمُ فيهم
أن تُقْتَلَ المقاتِلةُ، وأن تُسْبَى النِّساءُ والذُّرِّيَّةُ، وأن تُقْسَمَ أموالهُم.
قال هشامٌ: فأخبرني أبي، عن عائشةَ: أنَّ سَعْداً قال: اللهمَّ إِنَّكَ تعلمُ أنَّه ليس أحدٌ أحَبَّ
إليَّ أن أُجاهدَهم فيكَ من قوم كَذَّبوا رسولَكَ بَّه، وأخرجوه، اللهمَّ فإنّ أظُنُّ أَنَّكَ قد
وضَعْتَ الحربَ بيننا وبينَهم، فإن كان بَقِيَ من حَرْبٍ قُرَيشٍ شيءٌ، فأبقِني له حتَّى أُجاهدهم
فيكَ، وإن كنتَ وضَعْتَ الحربَ، فافجُرْها، واجْعَل مَوْتَتي فيها، فانفَجَرَت من لَيَّتِهِ، فلم
يَرُعْهم - وفي المسجدِ خَيمةٌ من بني غِفارٍ - إلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إليهم، فقالوا: يا أهلَ الخيمةِ، ما هذا
الّذي یأتینا من قِبَلِكُم؟ فإذا سَعْدٌ يَغْذو ◌ُرْحُه دَماً، فماتَ منها
الحديث الخامس: حديث أبي سعيد. أورده من طريق شعبة بنزول، وقد تقدم له في
المناقب (٣٨٠٤) عالياً، وكذا في المغازي(١) قبل هذا بقليلٍ.
قوله: ((عن سعد بن إبراهيم (٢)، عن أبي أمامةَ بن سَهل)) هكذا رواه شُعْبة عن سعد بن
إبراهيم، ورواه محمد بن صالح بن دينار التّار المدنيّ عن سعد بن إبراهيم، فقال: عن عامر
ابن سعد بن أبي وقّاصٍ عن أبيه. أخرجه النَّسائيُّ (ك٨١٦٦)، وروايةُ شُعْبة أصحّ، ويحتملُ
أن یکونَ لسعد بن إبراهیم فیه إسنادان.
قوله: ((نزلَ أهلُ قُرَيظةَ على حُكمِ سعدِ بنِ معاذٍ)) سيأتي بيانُ ذلك في الحديث الذي يَلیه،
وفي رواية محمد بن صالح المذكورة: حَكَمَ أن يُقتَلَ منهم كلَّ مَن جَرَت عليه الموسى. وفيه
زيادةٌ بيان الفَرق بين المقاتِلة والذُّرِيَّة.
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، ولم يرد هذا الحديث قبل ذلك في المغازي، وإنما رواه البخاري في الجهاد (٣٠٤٣)،
وكذا في الاستئذان (٦٢٦٢) من طريقين أعلى من هذه التي هنا.
(٢) كذا وقع للحافظ مقيداً بابن إبراهيم، خلافاً لما في اليونينية، دون حكاية أيّ خلاف، أنه عن سعد مطلقاً.
وقد يكون هذا من تصرف الحافظ رحمه الله تعالى.

٢٨٠
باب ٢٩ / ح ٤١٢١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فلمَّا دَنَا من المسجدِ)) قيل: المرادُ المسجدُ الذي كان النبيُّ وَلِّ أَعَدَّه للصَّلاة فيه
في ديار بني قُرَيظةَ أيامَ حِصارهم، وليس المرادُ به المسجدَ النَّبويَّ بالمدينة، لكنّ كلامَ ابن
إسحاق يدلُّ على أنَّه كان مُقيماً في مسجدٍ المدينة، حتَّى بَعَثَ إليه رسولُ الله ێ﴿ لَيَحكُم في
بني قُرَيظة، فإنَّه قال: كان رسول الله وَِّ جَعَلَ سعداً في خَيمةِ رُفَيدة عند مسجدِه، وكانت
امرأةً تُداوي الجَرحَى، فقال: ((اجعَلوه في خَيمَتِها لأعودَه من قريبٍ)) فلمَّا خرج رسولُ الله
وَلَه إلى بني قُرَيظَةَ وحاصَرَهم، وسألَه الأنصارُ أن يَنزِلُوا على حُكمٍ سعدٍ، أرسَلَ إليه،
فحَمَلوه على حمارٍ، ووَطَّؤُوا له، وكان جَسيماً. فدَلَّ قولُه: فلمَّا خرج إلى بني قُرَيظةَ، أنَّ
سعداً كان في مسجد المدينة.
قوله: ((قوموا إلى سَيِّدِكُم)) يأتي البحثُ فيه في كتاب الاستئذان (٦٢٦٢) إن شاء الله
تعالى، وفيه البيانُ عمَّا اختُلِفَ فيه هل المخاطَبُ بذلك الأنصارُ خاصّة أم هم وغيرهم،
ووَقَعَ في مُسنَد عائشة من ((مُسنَدِ أحمد)) (٢٥٠٩٧) من طريق عَلَقَمةَ بن وقّاصٍ عنها، في
أثناءِ حديثٍ طَويل: قال أبو سعيد: فلمَّا طَلَعَ قال النبيُّ وَّهِ: ((قوموا إلى سَيِّدِكم فأنزِلوه))
فقال عمرُ: السَّيِّدُ هو الله.
قوله: ((حَكَمت فيهم بحُكمِ الله (١)، ورُبَّما قال: بحُكمِ الملِكِ)) هو بكسرِ اللّام، والشُّ فيه
من أحدٍ رواته، أيّ اللَّفظینِ قال.
وفي رواية محمدٍ بن صالح المذكورة: ((لقد حَكَمت فيهم اليومَ بحُكمِ الله الذي حَكَمَ به
من فوق سبع سماواتٍ)). وفي حديث جابر عند ابن عائذ فقال: ((احكم فيهم يا سعد)) قال:
الله ورسولُه أحقُ بالْحُكم، قال: ((قد أمَرَك الله تعالى أن تَحكُم فيهم)). وفي رواية ابن إسحاقَ
من مُرسَلٍ عَلقَمَةَ بن وقّاصٍ: (لقد حَكَمتَ فيهم بحُكْمِ الله من فوقِ سبعة أرقِعةٍ))، وأرقِعَة،
بالقاف: جمعُ رَقيعٍ: وهو من أسماءِ السماءِ، قيل: سُمّيَت بذلك لأنَّهَا رُقِعَت بالنُّجومِ.
(١) هذا لفظ إحدى روايات مسلم (١٧٦٨)، وإلَّا فلفظ البخاري هنا دون خلاف: ((قضيت بحكم الله))،
کما في الیونینیة و «إرشاد الساري)).