النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ باب ٢٨ / ح ٤٠٩٧ - ٤١٠٠ كتاب المغازي أن وصَلوا إلى عُسْفان(١) أو دونَها، ذكر ذلك ابن إسحاقَ وغيرُه من أهلِ المغازي. وقد بيَّن البيهقيُّ سببَ هذا الاختلاف، وهو أنَّ جماعةً من السَّلَفِ كانوا يَعُدّونَ التاريخَ من المحرَّمِ الذي وقعَ بعدَ الهجرة، ويُلْغونَ الأَشْهرَ التي قبلَ ذلك إلى ربيعِ الأوَّلِ. وعلى ذلك جَرَى يعقوبُ بنُ سفيان في ((تاريخِه)) فذكر أنَّ غزوةَ بدرِ الكُبرَى كانت في السَّنة الأولَى، وأنَّ غزوةَ أُحُدٍ كانت في الثانية، وأنَّ الخندقَ كانت في الرابعة. وهذا عملٌ صحيحٌ على ذلك البناءِ، لكنَّه بناءٌ واهٍ مخالفٌ لمَا عليه الجمهورُ من جَعلِ التاريخِ من المحرَّمِ سنة الهجرة، وعلى ذلك تكونُ بدرٌ في الثانية، وأُحُدٌ في الثالثة، والخندق في الخامسة، وهو المعتَمَد. ثمَّ ذكر المصنِّفُ في الباب سبعةَ عشرَ حديثاً: الحديث الأول: حديث ابن عمر: قوله: ((عَرَضَه يومَ أَحُدٍ)) عَرضُ الجيشِ: اختبارُ أحوالهم قبلَ مُباشَرة القتال، للنَّظَرِ في هيئتهم، وترتیب مَنازلهِم، وغير ذلك. قوله: ((وهو ابنُ أربعَ عشرةَ سَنةً)) في رواية مسلمٍ (١٨٦٨): عَرَضَني يومَ أُحُدٍ في القتال وأنا ابنُ أربعَ عشرةَ سنةً. وقد تقدَّم مع شرحِه ومباحثِه في كتاب الشَّهادات (٢٦٦٤) بما یُغني/ عن إعادَتِه. ٣٩٤/٧ وقوله: ((فأجازَه)) أي: أمضاه، وأذِنَ له في القتال، وقال الكِرْمانيُّ: أجازَه من الإجازة وهي الإنفالُ، أي: أسهَمَ له. قلت: والأوَّلُ أولَى، ويَرُدُّ الثانيَ هنا أنَّه لم يكن في غزوة الخندقِ غَنيمةٌ يَحصُلُ منها نَفَلٌ. وفي حديث أبي واقدِ اللَّيثيّ(٢): رأيت رسولَ الله وَّلْ يَعرِضُ الغِلمان، وهو يَحِفِرُ الخندق، فأجازَ مَن أجازَ، ورَدَّ مَن رَدَّ إلى الذَّراريِّ. فهذا يوضحُ أنَّ المرادَ بالإجازة الإمضاءُ للقتال، لأنَّ ذلك كان في مَبدَأ الأمر قبلَ حصولِ الغنيمة أن لو حَصَلَت غَنيمةٌ، والله أعلم. (١) بلد على مسافة ثمانين كيلو متراً من مكة شمالاً على طريق المدينة. (٢) أخرج روايته محمد بن عمر الواقدي في ((المغازي)) ٢/ ٤٥٣. ٢٤٢ باب ٢٨ / ح ٤٠٩٧ - ٤١٠٠ فتح الباري بشرح البخاري الحدیث الثاني: حديث سهل بن سعد. قوله: ((كنَّا مع رسولِ الله وََّ في الخندقِ وهم يَحِفِرونَ» قد تقدَّم ذِكرُ السَّبَب في حَفْر الخندق في («مغازي موسى بن عُقْبة)): ولمَّا بَلَغَ النبيَّ ◌َّه جمعُهم أخَذَ في حَفْرِ الخندقِ حولَ المدينة، ووضعَ يدَه في العملِ معهم مُستَعجِلين، يُبادِرونَ قُدومَ العدوِّ. وكذا ذكر ابنُ إسحاقَ نحوَه. وعندَ موسى: أنَّهم أقاموا في عملِه قريباً من عشرين ليلةً. وعندَ الواقديِّ: أربعاً وعشرين. وفي ((الرَّوضة)) للنَّوَويِّ: خمسةَ عشرَ يوماً. وفي ((الهدي)) لابنِ القَيِّم: أقاموا شهراً. قوله: ((ونحنُ نَنقُل التُّرابَ على أكتادِنا)) بالمثنّاة، جمعُ كَتِدٍ بفتح أوَّلِه وكسرِ المثنّة: وهو ما بين الكاهِلِ إلى الظَّهرِ، وقد تقدَّم في الجهاد (٢٨٣٥) من حديث أنسٍ بلفظ: على مُتوهم. والمَتنُ: مُكتَنِفُ الصُّلْب من العَصَبِ واللحمِ. ووَهِمَ ابن التِّين فعَزَا هذه اللَّفظةَ لحديثِ سَهل بن سعد. ووقعَ في بعض النَّسَخِ: على أكبادِنا، بالموخَّدة، وهو موجَّهُ على أن يكونَ المرادُ به ما يَلي الكَبِدَ من الجنب. قوله: ((اللهمَّ لا عَيشَ إلَّا عَيش الآخِرِه)) قال ابن بَطّالٍ: هو قول ابن رواحة، يعني: تَثَّلَ به النبيّ بَّر. قال: ولو لم يكن من لفظه لم يكن بذلك النبيّ وَّ شاعراً، قال: وإنَّما يُسَمَّى شاعراً مَن قَصَدَه، وعَلمَ السَّبَبَ والوَتِدُ وجميعَ مَعانيه من الزِّحاف(١) ونحو ذلك. كذا قال، وعِلمُ السَّبَب والوَتِد إلى آخره إِنَّمَا تَلَقَّوه من العَروض التي اختَرَعَ ترتيبها الخليل بن أحمد، وقد كان شِعرُ الجاهليَّة والمخضرَ مين والطّبقة الأولى والثانية من شُعَراء (١) السبب: حرفان، متحرك فساكن، أو متحركان، فالأول يسمى السبب الخفيف، والثاني يسمى الثقيل، والوتِد: ما كان من أجزاء التفاعيل على ثلاثة أحرف، وهو على ضربين، أحدهما: حرفان متحركان يتلوهما ساكن، وهو الوتد المقرون، نحو فعُو، وعلُن، والثاني: حرفان متحركان بينهما ساكن، وهو الوتد المفروق نحو: لات، من مفعولات، والزِّحاف: تغيير يلحق ثاني السبب الخفيف أو الثقيل. انظر ((المعجم الوسيط)) المواد (زحف) و(سبب) و(وتد). ٢٤٣ باب ٢٨ / ح ٤٠٩٧ -٤١٠٠ كتاب المغازي الإسلام قبل أن يَضَعَهُ(١) الخليل، كما قال أبو العَتاهية: أنا أقدَمُ من العَروض، يعني: أنَّه نَظَمَ الشِّعر قبل وضعِه. وقال أبو عبد الله بن الحجّاج الكاتب: قد كان شِعرُ الوَرَى قديماً من قَبلِ أن يُحْلَقَ الخليلُ وقال الدّاووديُّ فيما نَقَلَه ابن التِّينِ: إِنَّما قال ابن رواحة: لاهمَّ إنَّ العَيش. بلا ألف ولام، فأورده بعض الرُّواة على المعنى. كذا قال، وحَمَلَه على ذلك ظنُّه أنَّه يصير بالألفِ واللّم غير مَوزون، وليس كذلك، بل يكون دَخَلَه الخَزْم (٣)، ومن صُوَره زيادةُ شيء من حُروف المعاني في أوَّل الجُزْء. قوله: ((فاغفِر للمُهاجرين والأنصار)) في حديث أنس بعدَه: «فاغفِر للأنصار والمهاجرْ)) وكلاهما غير مَوزون، ولعلَّه ◌َّ تَعَمَّدَ ذلك. ولعلَّ أصلَه: فاغفِر للأنصار والمهاجرة، بتسهيل همزة الأنصار، وباللّام في المهاجرة(٣). وفي الرِّواية الأُخرَى: ((فبارِك)) بَدَل: «فاغفِر)). الحديث الثالث: حديث أنس، أورَدَه من وجهَينِ، في الثاني زيادة. قوله: ((ولم يكن لهم عَبيد يعملونَ ذلك)) أي: أنَّهم عَمِلوا فيه بأنفُسِهم لاحتياجهم إلى ذلك، لا لمُجرَّدِ الرَّغبة في الأجرِ. قوله: ((فلمَّا رأى ما بهم من النَّصَب والجوعِ)) فيه بيان لسبب قولِهِوَّ: ((اللهمَّ إنَّ العَيْشَ عيش الآخِرِه))، وعندَ الحارثِ بن أبي أُسامةَ(٤) من مُرسَلٍ طاؤُوسٍ زيادة في هذا الرَّجَز: والعَن عَضَلاً والقارَهْ هم كَلَّفونا نَنْقُلُ الحجارَةْ والأوَّل غير موزون أيضاً، ولعلَّه كان: والعن إلهي عَضَلاً والقارَهْ. (١) تحرف في (س) إلى: يصنفه. (٢) الخزم في الشعر، بالخاء والزاي المعجمتين: الزيادة في أول البيت حرفاً فصاعداً إلى أربعة. (٣) يعني لتُصبح: فاغفر للأنصارِ والمهاجرة. (٤) كما في ((بغية الباحث)) (٦٩١). ٢٤٤ باب ٢٨ / ح ٤٠٩٧ - ٤١٠٠ فتح الباري بشرح البخاري ٣٩٥/٧ وفي الطَّريق الثانية لأنسِ أنَّه قال ذلك جواباً لقولهم: نحنُ الذين بايعُوا محمداً ... إلى آخره. ولا أثرَ للتقديم والتأخير فيه، لأنَّه يُمَلُ على أنَّه كان يقول إذا قالوا، ويقولون إذا قال. وفيه أنَّ في إنشادِ الشِّعرِ تَنشيطاً في العملِ، وبذلك جَرَت عادَتُهم في الحرب، وأكثر ما يَستَعمِلونَ في ذلك الرَّجَز. قوله: ((نحنُّ الذين بايعوا)) هو صِفة ((الذين)) لا صِفة ((نحن))(١). قوله: ((على الجهادِ ما بَقِينا أبداً)) في رواية عبدِ العزيزِ (٤١٠٠): على الاسلام، بَدَل: الجهاد والأوَّل أثبت. تنبيه: تقدَّم طريق عبد العزيز سنداً ومتناً في أوائلِ الجهاد (٢٨٣٥) سِوَى قوله: قال يُؤْتَونَ ... إلى آخره. وسيأتي بعدَ أحاديث (٤١٠٦) من حديثِ البراء أنَّه كان يقول: ((اللهمَّ لولا أنتَ ما اهتَدَینا». قوله: ((قال: يُؤْتَونَ)) قائل ذلك أنس بن مالك. وهو موصول بالإسناد المذكور إليه. قوله: ((بمِلءِ كَفّي» رويَ بالإفرادِ والتثنية. قوله: ((فُيُصنَع لهم))(٢) أي: يُطبَخ. وقوله: ((بإهالةٍ)) بكسرِ الهمزة وتخفيف الهاء: الدُّهن الذي يُؤتَدَمُ به، سواءٌ كان زَيتاً أو سَمْناً أو شَحْماً. وأغرَبَ الدّاووديُّ فقال: الإهالةُ: وِعاءٌ من چِلدٍ فیه سَمْن. وقوله ((سَنِخة)) أي: تَغيَّرَ طَعمُها ولَونها من قِدَمِها، ولهذا وصَفَها بكَونِها بَشِعة. وقوله: (بَشِعة)) بموخَّدةٍ ومُعجَمة وعين مُهمَلة، وقيل: بنونٍ وغين مُعجَمة، والنَّشْغُ: الغَشْي، أي: أنَّهم كان يَحَصُل لهم عند ازدِرادِها شَبيهٌ بالغَشْىِ، والأوَّل أصوب. وقوله: ((في الحَلْقِ)) هو بالحاءِ المهمَلة. (١) أراد الحافظُ إعراب جملة ((بايعوا))، وقال العيني: ((بايعوا)) صلة ((الذين))، وقال بعضهم: هو صفة ((الذین))، لا صفة ((نحن))، وهذا تصرف عجيب، ولیس کذلك. (٢) في (أ) و(س): فيصنع لهم الشعير، بزيادة لفظة ((الشعير)) ولا وجود لها في الرواية هنا، وإنما الرواية: بملء كفي من شعيرٍ، فيصنع لهم بإهالة. ٢٤٥ باب ٢٨ / ح ٤١٠١ - ٤١٠٢ كتاب المغازي قوله: ((ولها ريحٌ مُنِنٌ)) يدلّ على أنَّهَا عَتيقة جدّاً حتَّى عَفِنَت وأنتَنَت. وفي رواية الإسماعيليّ: ولَهَا ريح مُنكَر. قال ابن التِّين: الصواب ريح مُنِنة، لأنَّ الرّيحَ مؤنَّئةٌ، قال: إلّا أنَّه يجوز في المؤَنَّثِ غيرِ الحقيقيّ أن يُعَبَّرَ عنه بالمذَكَّرِ. ومُنِنٌ: بضمِّ الميمِ، ويجوز كسرُها. ٤١٠١- حدَّثنا خَلَادُ بنُ يحيى، حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ أيمَنَ، عن أبيه قال: أتيتُ جابراً ◌َُ، فقال: إنّا يومَ الخندَقِ نَحْفِرُ، فعَرَضَت كَيْدٌ شديدةٌ، فجاؤوا النبيَّ ◌َّهِ فقالوا: هذه كُدْيةٌ عَرَضَت في الخندَقِ، فقال: ((أنا نازِلٌ)) ثمَّ قامَ وبَطْنُهُ مَعْصوبٌ بحَجَرٍ، ولَبِثْنَا ثلاثةَ أيامٍ لا نَذوقُ ذَواقاً، فَأَخَذَ النبيُّ نَ ◌ّ الِعْوَلَ، فضَرَبَ فعادَ كَثِيباً أهيَلَ - أو أهيَمَ - فقلتُ: يا رسولَ الله اثْذَن لي إلى البيتِ؟ فقلتُ لامرأتي: رأيتُ بالنبِّ وَِّ شيئاً ما في ذلكِ صَبْرٌ، فعندَكِ شيءٌ؟ قالت: عندي شَعِيرٌ وعَناقٌ، فَذَبَحَتُ العَنَاقَ، وطَحَنَتِ الشَّعِيرَ، حتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ في البُرْمَةِ، ثمَّ جِئْتُ النبيَّ وَّهِ والعَجِينُ قد انكَسَرَ، والبُرْمةُ بينَ الأثافيِّ قد كادَت تَنْضَجُ، فقال: طُعَيِّمٌ لِي، فقُم أنتَ يا رسولَ الله ورجلٌ أو رَجلان، قال: ((كَم هو؟)) فَذَكَرْتُ له قال: «كَثِيرٌ طيِّبٌ)) قال: ((قل لها: لا تَنْزِعِ البُرْمَةَ، ولا الخبزَ مِن التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ)) قال: «قوموا)) فقامَ المهاجِرونَ والأنصارُ، فلمَّا دَخَلَ على امرأتِه قال: ويُحَكِ جاء النبيُّ وَّه بالمهاجِرِينَ والأنصار، ومَن معهم، قالت: هل سألَكَ؟ قلتُ: نعم. فقال: ((ادْخُلوا ولا تَضَاغَطوا)) فجَعَلَ يَكْسِرُ الخبزَ، ويَجْعَلُ عليهِ اللَّحْمَ، ويُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ وَالتَّوَرَ إذا أخَذَ منه، ويُقرِّبُ إلى أصْحابه، ثمَّ يَنْزِعُ، فلم يَزِلْ يَكْسِرُ الخبزَ وَيَغْرِفُ حتَّى شَبِعوا، وبَقِيَ بَقيَّةٌ، قال: ((كُلِي هذا وأهدِي، فإنَّ الناسَ أصابتهم مجاعةٌ)). ٤١٠٢ - حدَّثني عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا أبو عاصمِ، أخبرنا حَنْظَلةُ بنُ أبي سفيانَ، أخبرنا سعيدُ بنُ مِيناءَ، قال: / سمعتُ جابَرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: لمَّا حُفِرَ الخندَقُ رأيتُ ٣٩٦/٧ بالنبِّ ◌ٍَّ خَمَصاً شديداً، فانكَفَيتُ إلى امرأتي، فقلتُ: هل عندَكِ شيءٌ؟ فإنّ رأيتُ برسولِ الله ﴿﴿ خَمَصاً شديداً، فأخرَجَت إليَّ جِراباً فيه صاعٌ من شَعِيرٍ، ولنا بُهَيمَةٌ داجِنٌ، فَذَبَحْتُها وطَحَنَتْ، فَفَرَغَت إلى فَرَاغِي، وقَطَّعْتُها في بُرْمَتِها، ثمَّ ولَّيتُ إلى رسولِ الله وَلِّ، فقالت: لا ٢٤٦ باب ٢٨ / ح ٤١٠١ -٤١٠٢ فتح الباري بشرح البخاري تَفْضَحْني برسولِ اللهِوَّهِ وبِمَن معه، فجِثْتُهُ فسارَرْتُه، فقلتُ: يا رسولَ الله، ذَبَحْنا بُهَيمَةً لَنا، وطَحَنَتْ صاعاً من شَعِيرٍ كان عِندَنا، فَتَعالَ أنتَ ونَفَرٌ مَعَكَ، فصاحَ النبيُّ وَّهَ، فقال: ((يا أهلَ الخندَقِ، إنَّ جابراً قد صَنَعَ سُوراً، فخَيَّ هَلاَّ بَكُمْ)) فقال رسولُ اللهِ وَّهَ: ((لا تُنْزَلَنَّ بُرْمَتُكُمْ، ولا يُخْبَزَنَّ عَجِينُكم حتَّى أجِيءَ)) فِئتُ وجاء رسولُ الله ◌َِّ يَقْدُمُ الناسَ حتَّى جِئْتُ امرأتي، فقالت: بكَ وبِكَ، فقلتُ: قد فعَلْتُ الَّذِي قلتِ، فأخرَجَت له عَجِيناً، فبَسَقَ فيه وبارَكَ، ثمَّ عَمَدَ إلى بُرْمَتِنا فبَسَقَ فيها وبارَكَ، ثمَّ قال: ((ادْعُ خابزةً فلْتَخْبِزْ مَعي، واقدَحي من بُرْمَتِكُمْ، ولا تُنْزِلوها)) وهم ألفٌ، فَأَقْسِمُ بالله لقد أكَلوا حتَّى تَرَكوه وانحَرَفوا، وإنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطَّ كما هي، وإِنَّ عَچِينَنَا لَيُخْبَزُ کما هوَ. الحديث الرابع: قوله: ((عن أبيهِ)) في رواية يونُسَ بن بُكَير في زيادات ((المغازي)): عن عبد الواحد بن أيمَن المخزوميّ: حدَّثني أبي أيمن المخزومي(١). قوله: ((أتيت جابراً فقال: إنّ يومَ الخندقِ)) في رواية الإسماعيليّ من طريق المحاربيّ عن عبد الواحد بن أيمَن عن أبيه قال: قلت لجابر بن عبد الله: حَدِّثني بحديثٍ عن رسول الله وَ﴿ أَروِيه عنك، فقال: كنَّا مع رسولِ الله ◌َِّ يومَ الخندقِ. قوله: ((فعَرَضَت كَيْدةٌ) كذا لأبي ذرٍّ بفتح الكاف وسكون التحتانيَّة، قيل: هي القطعة الشَّديدة الصُّلْبةُ من الأرضِ، وقال عياض: كأنَّ المراد أنَّها واحدةُ الكَيدِ، كأنَهم أرادوا أنَّ الكَيدَ - وهي الحِيْلة(٢) - أعجَزَهم، فلجؤوا إلى النبيِّ وَلَّ، وفي رواية أحمد (١٤٢١١) عن وكيع عن عبد الواحد بن أيمَن: وهاهنا كُديةٌ من الجبلِ. وفي رواية الإسماعيليّ: فَعَرَضَت كُدية. وهي بضمِّ الكاف وتقديم الدّال على التحتانيَّة: وهي القِطعةُ الصُّلبة الصّاء. ووَقَعَ في رواية الأَصِيليّ عن الجُرجانيّ: كِنْدة، بنونٍ، وعند ابن السَّكَن: كَتِدةٌ، بمُئنّاة من فوق، قال (١) قوله: ((حدثني أبي أيمن المخزومي)) سقط من (س) و(ع)، وأثبتناه من (أ). وهو في «دلائل النبوة)) للبيهقي ٤١٦/٣ من طریق یونس بن بکیر. (٢) تصحفت في (س) إلى: الجبلة. ٢٤٧ باب ٢٨ / ح ٤١٠١-٤١٠٢ كتاب المغازي عياض: لا أعرِف لهما معنّى(١)، وفي رواية الإسماعيليِّ: فجئتُ إلى رسولِ الله وَّهِ، فقلت: هذه كُذْية قد عَرَضَت في الخندقِ، وزاد في روايته: فقال: ((رُشّوها بالماءِ)) فَرَشُّوها. قوله: ((أنا نازلٌ، ثمَّ قامَ وبطنُه معصوب بحجرٍ)) زاد يونس: من الجوع، وفي رواية أحمد (١٤٢٢٠): أصابهم جَهْدٌ شديدٌ، حتّى رَبَطَ النبيُّ ◌َ لِّ على بطنِهِ حجراً من الجوع. وفائدةُ رَبطِ الحجرِ على البطنِ أنَّها تَضْمُر من الجوع، فيُخشَى على انحِناءِ الصُّلب بواسطة ذلك، فإذا وَضَعَ فوقَها الحجرَ وشَدَّ عليها العِصابةَ استَقَامَ الظّهر. وقال الكِرْمانيُّ: لعلَّه لتسكينِ حرارة الجوع ببَردِ الحجرِ، ولأنَّها حجارة رِقاق قَدْر البطن تَشُدُّ الأمعاءَ فلا يَتَحلَّل شيء ممَّا في البطن، فلا يَحَصُل ضعف زائد بسبب التحلُّل. قوله: ((ولَبثنا ثلاثةَ أيام لا نَذوق ذَواقاً)) هي جُملة مُعتَرِضة أورَدَها لبيان السَّبَب في رَبِطِهِ وَّ الحجر على بطنِهِ، وزاد الإسماعيليّ في روايته: لا نَطعَمُ شيئاً ولا نَقدِر عليه. قوله: ((فأخَذَ الِعوَلَ)) بكسرِ الميم وسكون المهمَلة وفتح الواو بعدَها لامٌ، أي: / المِسحاة، ٣٩٧/٧ وفي رواية أحمد (١٤٢١١): فأخَذَ المِعِوَلَ أو المِسحاةَ؛ بالشكِّ. قوله: ((فضَرَبَ)) في رواية الإسماعيليّ: ثُمَّ سَمَّى ثلاثاً ثمَّ ضَرَبَ. وعندَ الحارث بن أبي أُسامةَ(٢) من طريق سليمان التيميِّ عن أبي عثمان قال: ضَرَبَ النبيُّ ◌َِّ في الخندقِ، ثمّ قال: ((باسم الله وبه بَدينا ولو عَبَدْنا غيرَه شَقِينا فحَبَّذا رَبّاً وحَبَّ دِينا» قوله: ((فعادَ کَثیباً)) أي: رَملاً. قوله: ((أهيَلَ أو أهيَمَ)) شَكَّ من الراوي، وفي رواية الإسماعيليِّ: أهيَلَ؛ بغير شَكٌّ، وكذا عندَ يونس، وفي رواية أحمد: كئيباً يُهال، والمعنى: أنَّه صارَ رَملاً يسيلُ ولا يَتَمَاسَك، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَتِ الْجَالُ كَتِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، أي: رَملاً سائلاً، وأمَّا أهيَمُ، فقال عياض: ضَبَطَها بعضهم بالمثلَّثة، وبعضهم بالمثنّاة، وفَسَّرَها بأنَّها تَكَسَّرَت، والمعروفُ بالتحتانيَّة، (١) كذا قال القاضي عياض، وجاء في ((القاموس)): الكندة بالكسر: القطعة من الجبل. (٢) كما في ((بغية الباحث)) (٦٩٠). ٢٤٨ باب ٢٨ / ح ٤١٠١ - ٤١٠٢ فتح الباري بشرح البخاري وهي بمعنى أهْيَل، وقد قال في قوله تعالى: ﴿ فَشَرِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] المراد: الرِّمال التي لا يَرويها الماء. وقد تقدَّم الخلافُ في تفسيرها في كتاب البيوعِ(١). ووَقَعَ عند أحمد (١٨٦٩٤)، والنَّسائيِّ (ك٨٨٠٧) في هذه القِصّة زيادة بإسنادٍ حَسَن(٢)، من حديث البراء بن عازب، قال: لمَّا كان حين أمَرَنا رسول الله وَّهِ بِحَفرِ الخندقِ عَرَضَت لنا في بعض الخندقِ صخرةٌ لا تأخُذُ فيها المعاوِلُ، فاشتَكَينا ذلك إلى النبيِّ وََّ، فجاء فأخَذَ الِعِوَلَ، فقال: ((باسم الله)) فضَرَبَ ضربةً فكَسَرَ ثُلُثَها، وقال: ((الله أكبرُ، أُعطيتُ مفاتيحَ الشّام، والله إنّي لَأَبِصِرُ قُصورها الحُمرَ الساعةَ)) ثمَّ ضَرَبَ الثانيةَ فقطَعَ الثُّلثَ الآخرَ، فقال: ((الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيحَ فارس، والله إنّي لَأَبْصِرُ قصرَ المدائنِ أبيضَ)) ثمَّ ضَرَبَ الثالثةَ، وقال: ((باسمِ الله)) فقطَعَ بقيَّةَ الحجرِ، فقال: ((الله أكبرُ أُعطيتُ مفاتيحَ اليمن، والله إنّي لَأَبْصِرُ أبوابَ صَنعاءَ من مكاني هذا الساعةَ)). وللطََّرانيّ (١٣/(٥٤) و(٨٦) من حديثِ عبدِ الله بن عمرو نحوُه. وأخرجه البيهقيُّ مُطوَّلاً(٣) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عَوْف عن أبيه عن جَدِّه، وفي أوَّلِه: خَطَّ رسولُ الله وَّةِ الخندقَ لكلِّ عشرة أُناسٍ عشرةُ أذرُع، وفيه: فمرَّت بنا صخرةٌ بيضاءُ كَسَرَت مَعاوِيلَنا فأردنا أن نَعدِلَ عنها، فقلنا: حتَّى نُشاوِرَ رسولَ الله وَّهِ، فأرسَلنا إليه سَلمان، وفيه: فضَرَبَ ضربةً صَدَع الصخرةَ وبَرَقَ منها بَرْقٌ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ المسلمونَ، وفيه: رأيناك تُكَبِّ فَكَبَّرنا بتكبيرِك، فقال: ((إنَّ البَرْقَةَ الأولى أضاءَت لها قُصور الشّام، فأخبرني جِبْرِيل أنَّ أمَّتي ظاهرةٌ عليهم)) وفي آخره: ففَرِحَ المسلمونَ واسْتَبِشَروا(٤). قوله: ((فقلت: يا رسول الله، ائذَن لي إلى البيت)) زاد أبو نُعَيم في ((المستخرَجِ)): فأذِنَ لي. وفي (١) في باب شراء الإبل الهيم، وهو الباب رقم (٣٦). (٢) بل إسناده ضعيف من أجل ميمون أبي عبد الله، ويقال له: ميمون بن أَستاذ. (٣) في ((الدلائل)) ٤١٨/٣. (٤) جاء بعد هذا في الأصلين و(س) ما نصه: وأخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص نحوه. وهي عبارة مكررة، حيث ذكرها الحافظ قبل سَوق رواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف التي قبلها، فلذلك حذفناها. ٢٤٩ باب ٢٨ / ح ٤١٠١-٤١٠٢ كتاب المغازي ((المسنَد)) من زيادات عبد الله بن أحمد(١) من حديث ابن عبّاس: احتَفَرَ رسول الله وَ لَه الخندقَ، وأصحابُه قد شَدّوا الحجارةَ على بُطونِهم من الجوع، فلمَّا رأى ذلك النبيُّ وَّه قال: ((هل دَلَّلْتُم على رجل يُطعِمنا أكلةً؟)) قال رجل: نعم، قال: ((إمَّا لا فتقدَّم)) الحديث. وكأنَّه جابر، ويُؤخَذ من هذه النُّكنةُ في قوله: ائذن لي یا رسولَ الله. قوله: ((فقلت لامرأتي)) اسمها سُهَيلة بنت مسعود الأنصاريَّة. قوله: «عندي شَعیر)) بيَّن یونس بن بُگیر في روایتِهِ أنَّه صاٌ. قوله: ((وعَناق)) بفتح العين المهمَلة وتخفيف النُّون، هي الأُنثَى من المَعْز، وفي رواية سعيد بن ميناء التي تِلو هذه: فأخرجَت إليَّ جِراباً فيه صاع من شعير، ولنا مُهيمة داچِن؛ أي: سَمينة، والدّاجن: التي تُترَك في البيت ولا تُفْلَتُ للمَرعَى، ومن شأنِها أن تَسمَن. وفي رواية أحمد (١٥٠٢٨) من طريق سعيد بن ميناءَ: سمينة. قوله: ((فَذَبَحتُ)) بسكونِ المهمَلة وضمِّ التاءِ. وقوله: ((وطَحَنت)) بفتح المهمَلة وفتح النّونِ، فالذي ذَبَحَ هو جابر، وامرأته هي التي طَحَنَت. وفي رواية سعيد عندَ أحمد: فأمَرتُ امرأتي، فطَحَنَت لنا الشَّعيرَ، وصَنَعَت لنا منه خُبزاً. قوله: ((حتَّى جَعَلْنا)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: حتَّى جَعَلَت. قوله: ((في البُرْمةِ)) بضمِّ الموحّدة وسكونِ الراءِ. قوله: ((والعَجين قد انكَسَرَ)»/ أي: لانَ ورَطِبَ، وتمكَّنَ منه الخمیر. ٣٩٨/٧ قوله: ((والبُرمة بين الأثافيّ)) بمُثلَّثةٍ وفاءٍ، أي: الحجارة التي تُوضَعُ عليها القِدْرُ، وهي ثلاثةٌ. قوله: ((طُعَيِّمٌ)) بتشديد التحتانيَّة على طريقة المبالَغة في تحقيره. قالوا: من تمام المعروفِ (١) كذا عزاه الحافظ رحمه الله لزوائد ((مسند أحمد)) لعبد الله بن أحمد، ولم نقف عليه فيه، ولا ذكره هو رحمه الله في ((أطراف المسند»، لكن أخرجه الطبراني (١٢٠٥٢) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل. ٢٥٠ باب ٢٨ / ح ٤١٠١- ٤١٠٢ فتح الباري بشرح البخاري تعجيلُه وتحقيرُه. قال ابن التِّينِ: ضَبَطَه بعضُهم بتخفيفِ الياءِ، وهو غَلَطٌ. قوله: (فقُم أنتَ يا رسولَ الله ورجلٌ أو رجلان)) في رواية يونُسَ: ورجلان. بالجزمِ، وفي رواية سعيد بعد هذه: فقُم أنتَ ونَفَر معك. وفي رواية أحمد: وكنت أُريدُ أن يَنصَرِفَ رسولُ الله ◌َّ﴾ وحدَه. قوله: ((قال: قوموا، فقامَ المهاجرونَ)) في رواية يونُسَ: فقال للمسلمين جميعاً: قوموا. وهي أوضَح، فإنَّ الأحاديثَ تَدُلُّ على أنَّه لم يَخُصَّ المهاجرين بذلك، فكأنَّ المرادَ: فقامَ المهاجرونَ ومَن معهم. وخَصَّهم بالذِّكرِ لشَرَفِهم. وفي بقيّة الحديث ما يُؤيِّدُ هذا، فإنَّه قال: فلمَّا دَخَلَ على امرأتِهِ، قال: ويحَك جاء رسولُ الله وَ لَه بالمهاجرين والأنصار. قوله: «قالت: هل سألك؟ قال: نعم، فقال: ادخلوا)) في هذا السّياق اختصار، وبيانه في رواية يونس: قال: فلَقيتُ من الحياءِ ما لا يَعلَمُه إلّ الله عزَّ وجلَّ، وقلت: جاء الخلقُ على صاعٍ من شَعيرٍ وعَناقٍ، فدخلتُ على امرأتي أقولُ: افتضحْتٍ، جاءك رسولُ الله ◌َِّ بالجند(١) أجمعين، فقالت: هل كان سألك كَم طعامُك؟ فقلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم، ونحنُ قد أخبَرْناه بما عندَنا، فكشفتْ عنِّي غَمًّ شديداً. وفي الرّواية التي تَلي هذه: فجِئت امرأتي، فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعَلت الذي قلتِ. وكان قد ذكر في أوَّلِهِ أنَّها قالت له: لا تَفْضَحني برسولِ الله وبمَن معه، فجِئت فسارَرْتُه. ويُجمَعُ بينهما بأنَّها أوصَته أوَّلاً بأن يُعلِمَه بالصّورة، فلمَّا قال لها: إنَّه جاء بالجميع، ظَنَّتْ أنَّه لم يُعلمه فخاصَمَته، فلمَّا أعلمَها أنَّه أعلمَه سَكَنَ ما عندَها لعِلمِها بإمكان خَرْقِ العادة، ودَلَّ ذلك على ◌ُفورٍ عقلِها و کمال فضلِها. وقد وَقَعَ لها مع جابر في قِصّة التمرِ: أنَّ جابراً أوصاها لمَّا زارَهم رسول الله وَّل أن لا تُكلِّمَه، فلمَّا أراد رسول الله وَلّ الانصِرافَ نادَتْه: يا رسولَ الله، صَلُّ عليَّ وعلى زَوْجي، (١) كذا في (أ) على الصواب، وهو الموافق لما وقع في رواية يونس عند البيهقي في ((الدلائل)) ٤١٦/٣، وتحرف في (ع) و (س) إلى: الخندق. ٢٥١ باب ٢٨ / ح ٤١٠١ - ٤١٠٢ كتاب المغازي فقال: (صَلَّى الله عليكِ وعلى زوجِك)) فعاتَبَها جابر، فقالت له: أكُنتَ تَظُنُّ أنَّ اللهَ يُورِدُ رسوله بيتي، ثمَّ يَخْرُجُ ولا أسألُهُ الدُّعاءَ. أخرجه أحمدُ (١٥٢٨١) بإسنادٍ حَسَنٍ في حديثٍ طويلٍ. ووَقَعَ في رواية أبي الزُّبَير عن جابر (١) في نحو هذه القِصّة، أنَّها قالت لجابر: فارجع إليه فبَيِّن له، فأتيته فقلت: يا رسولَ الله، إنَّما هي عَناقٌ وصاعٌ من شَعيرٍ، قال: ((فارجِع فلا تُحرِّكَنَّ شيئاً من التَّنُّور، ولا من القِدْر حتَّى آتيَها، واستَعِرْ صِحافاً). قوله: ((ولا تَضاغَطوا)) بضادٍ مُعجَمةٍ وغين مُعجَمة وطاء مُهمَلة مُشالَة، أي: لا تَزْدَحِموا. وفي الرِّواية التي بعدَها: فأخرجت له عَجيناً فَبَسَقَ فيه وبارَكَ، ثمَّ عَمَدَ إلى بُرُمَتِنا فَبَسَقَ فيها وبارَكَ. قوله: ((وُحَمِّرُ البُرْمةَ)) أي: يُغَطّیها. قوله: ((ثُمَّ يَنزِع)) أي: يأخُذُ اللَّحمَ من البُرْمة. وفي رواية سعيدٍ التي تِلوَ هذه: فقال: ((ادعُ خابزةً فلتَخبز معي)) أي: تُساعِده(٢). وقوله: ((واقدَحي من بُرْمتكم)) أي: اغرِفي، والمِقِدَحةُ: المِغِرَفة، وفي رواية أبي الزُّبَير عن جابر: وأقعَدَهم عَشرةً عَشرةً فأكلوا. قوله: ((وَبَقِيَ بقيَّةٌ)) في رواية سعيدٍ: فأُقْسِمُ بالله لَأكَلوا - أي: لقد أكَلوا - حتَّى تَرَكوه وانحَرَفوا. بالحاءِ المهمَلة والفاءِ، أي: رجعوا. وفي رواية يونُسَ بن بُكَير: فما زالَ يُقرِّبُ إلى الناس حتَّى شَبِعوا أجمعون، ويعودُ التّنّورُ والقِدرُ أملَأ مما كانا. قوله: ((كُلي هذا وأهدي)) بهمزة قطع، فِعلُ أمرٍ للمرأة من الهديَّة، ثمَّ بيَّن سببَ ذلك بقولِه: ((فإنَّ الناسَ أصابتهم مجاعةٌ))، وفي رواية يونُسَ: (كُلي وأهدي)) فلم نزل نأكُلُ ونُهدي يومَنا أجمعَ. وفي رواية أبي الزُّبَير عن جابر: فأكَلنا نحنُ وأهدَينا جيراننا، فلمَّا خرج (١) أخرجها البيهقي في ((الدلائل)) ٤٢٤/٣ - ٤٢٥. (٢) في (ع): تساعدني به، وفي (س): تساعدك. والمثبت من (أ). ٢٥٢ باب ٢٨ / ح ٤١٠١-٤١٠٢ فتح الباري بشرح البخاري رسولُ الله ټ ذهب ذلك. وقد تقدَّم في علامات النُّة (٣٥٧٨) حديثُ أنسٍ في تكثير الطَّعام القليلِ أيضاً في ٣٩٩/٧ قِصّةٍ أُخرَى بما يُغني / عن الإعادة. الحديث الخامس: حديث جابر أيضاً. قوله: ((أبو عاصم)) هو الضَّحّاكُ بنُ مَخَلَد شيخ البخاريّ، وقد روى عنه هنا بواسطة، وهو من كبار شيوخِهِ، فكأنَّ هذا فاتَه سماعُه منه كغيره من الأحاديثِ التي يدخلُ بينه وبينه فيها واسطةٌ. قوله: ((خَصاً)) بمُعجَمٍ ومیمِ مفتوحَتَينِ وصادٍ مُهمَلةٍ، وقد تُسكّنُ الميمُ: وهو ◌ُوصُ البطنِ. قوله: ((فانكَفَيت)) بفاءٍ مفتوحةٍ بعدَها تحتانيَّةٌ ساكنةٌ(١)، أي: انقَلَبتُ، وأصلُه: انكَفَأْتُ، بهمزةٍ، وكأنَّ سَهَّلَها. قوله: ((إنَّ جابراً قد صَنَعَ سُوراً) بضمِّ المهمَلة وسكونِ الواو بغير هَمٍ، هو هنا: الصَّنْعُ بالحَبَشيَّة، وقيل: العُرسُ بالفارسيَّة، ويُطلَقُ أيضاً على البناءِ الذي يُحِيطُ بالمدينة. وأمَّا الذي بالهمز: فهو البقيَّة. قوله: ((فخَيَّ هَلاَّ بِكُم)) هي كلمة استدعاء فيها حَثّ، أي: هَلُمّوا مُسرِعين. ووَقَعَ في رواية القابِسيِّ: ((أهلاً بكُم)) بزيادة ألفٍ، والصوابُ حذفُها. قوله: ((وهم ألف) أي: الذين أكَلوا. وفي رواية أبي نُعَيم في ((المستخرَج)): فأخبرني أنَّهم كانوا تسعَ مئة أو ثمان مئة، وفي رواية عبدِ الواحدِ بن أيمَنَ عندَ الإسماعيليِّ: کانوا ثمان مئة أو ثلاث مئة. وفي رواية أبي الزُّبَير: كانوا ثلاث مئة. والحُكم للزّائِدِ لِمَزيد عِلمِه، لأنَّ (١) كذا ضبطها الحافظ هنا، وقد جاءت كذلك في بعض نسخ البخاري، ونقل القسطلّاني عن أبي ذر الهروي قوله: صوابه: فانكفأت، بالهمزة، وقال النووي في ((شرح مسلم)): وقع في نسخ - يعني من ((صحيح مسلم) أيضاً -: فانكفيت، وهو خلاف المعروف في اللغة، بل الصواب: انكفأت، بالهمز. قلنا: ولم يقع في اليونينية إلّا مهموزاً، دون حکایة خلاف. ٢٥٣ باب ٢٨ / ح ٤١٠٣-٤١٠٦ كتاب المغازي القِصّةَ مُتَّحِدةٌ. قوله: ((وانحَرَفوا)) أي: مالُوا عن الطَّعام. قوله: (لَتَغِطّ)) بكسرِ الغَينِ المعجَمة وتشديد الطاءِ المهمَلة، أي: تَغلي وتَفُور. ٤١٠٣ - حدَّثَنِي عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا عَبْدةُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ﴾ [الأحزاب: ١٠] قالت: كان ذلك يومَ الخندَقِ. ٤١٠٤- حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ ظَ﴾، قال: كان النبيُّ نَّهَ يَنْقُلُ التُرابَ يومَ الخندَقِ، حتَّى أغمَرَ بَطْنَه - أو اغبَرَّ بَطْنُه - يقول/: ٤٠٠/٧ «والله لولا اللهُ ما اهْتَدَينا ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّينا وثبِّتِ الأقدامَ إِن لاقَينا فأنزِلَنْ سَکِینً علینا إِنَّ الأُلَى قد بَغَوْا علينا إذا أرادوا فِتْنةً أَبَينا)) ورَفَعَ بها صوتَه: ((أُبینا، أُبَينا)). ٤١٠٥- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شُعْبةَ، قال: حدَّثني الحَكَمُ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌ِ ◌ّه قال: «نُصِرْتُ بالصَّبَا، وأُهْلِكَت عادٌ بالدَّبُورِ)). ٤١٠٦- حدَّثَني أحمدُ بنُ عُثْمَانَ، حدَّثْنَا شُرَيحُ بنُ مَسْلَمَةَ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ يوسُفَ، قال: حدَّثني أبي، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ بنَ عازِبٍ يُحدِّثُ، قال: لمَّا كان يومُ الأحزاب، وخَتْدَقَ رسولُ الله ◌َله رأيْتُهُ يَنْقُلُ من تراب الخندَقِ، حتَّى وارَى عنِّي الغُبارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ، وكان كَثيرَ الشَّعَرِ، فسمعتُهُ يَرَتَجِزُ بكلمات ابنِ رَوَاحةَ، وهو يَنْقُلُ مِن التُّراب يقول: (اللّهُمَّ لولا أنتَ ما اهْتَدَينا ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنَا : ٢٥٤ باب ٢٨ / ح ٤١٠٣-٤١٠٧ فتح الباري بشرح البخاري فأنزِلَنْ سَكِينةً علينا وثبِّتِ الأقدامَ إِن لاقَينا إِنَّ الأُلَى قد رَغَّبُوا علينا إذا أرادوا فِتْنَةً أَبَينا)» قال: ثمَّ بَهُدُّ صوتَه بآخِرِها. ٤١٠٧ - حدَّثَنِي عَبْدةُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا عبدُ الصَّمَد، عن عبدِ الرَّحمنِ - هو ابنُ عبدِ الله ابنِ دِينارٍ - عن أبيه، أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما قال: أوَّلُ يومٍ شَهِدْتُه يومَ الخندَقِ. الحديث السادس: قوله: ((عن عائشةَ رضي الله عنها: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذِ زَاغَتِ اُلْأَبْصَرُ﴾ قالت: كان ذلك يومَ الخندقِ)) هكذا وَقَعَ مختصراً، وعندَ ابن مردويه من حديثٍ ابن عبّاس رضي الله عنهما: ﴿إِذْ جَامُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال: عُنَينةُ بنُ حِصنٍ، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: أبو سفيان بن حَرْب. وبيَّن ابن إسحاقَ في ((المغازي))(١) صِفةَ نزولهم قال: نزلت قُرَيش بمُجتَمَع السُّيولِ(٢) في عشرة آلافٍ من أحابيشِهم ومَن تَبعَهم من بني كنانة وتهامة، ونزلَ عُيَينةُ في غَطَفان ومَن معهم من أهلِ نَجِدٍ إلى جانب أُحُدٍ بباب نعمان(٣)، وخرج رسول الله ﴿ ﴿ والمسلمونَ حتَّى جَعَلوا ظُهورَهم إلى سَلْع(٤) في ثلاثة آلافٍ، والخندقُ بينه وبين القومِ، وجَعَلَ النِّساءَ والذَّرَاريَّ في الآطام، قال: وتَوجَّهَ حُبَيُّ بن أخطَبَ إلى بني قُرَيظةَ، فلم يزل بهم حتَّى غَدَروا - كما سيأتي بيانه في الباب الآتي - وبَلَغَ المسلمين غَدرُهم فاشتَدَّ بهم البلاء، فأراد النبيُّ وَّلِ أَن يُعطِيَ عُيَينةَ بنَ حِصٍ ومَن معه ثُلُثَ ثِمار المدينة على أن يَرجِعوا، فمَنَعَه من ذلك سعدُ بنُ معاذ وسعدُ بنُ عُبَادة، وقالا: كنَّا نحنُ وهم على (١) كما في («سيرة ابن هشام)) ٢١٩/٢ -٢٢٤. (٢) يقع بقرب مسجد القبلتين، حين يجتمع سيل بطحان وسيل العقيق، وقد صار اليوم من أحياء المدينة الغربية. (٣) كذا في الأصلين و(س)، والذي في ((سيرة ابن هشام)) وغيرها: ذنب نقمى، وهو المعروف: فالظن أنَّ ما وقع في الأصلين و(س) تحريف، والله أعلم. وذنب نقمى، بالفتح والتحريك والقصر: هو وادٍ يمر شمال أحدٍ عن قربٍ، وفيه جبل ثور، وهم اليوم يقولون فيه: وادي النقميّ، بياء النسبة. (٤) جبل متصل بالمدينة، بل يعد اليوم في وسط عمران المدينة، وفي الجنوب الغربي منه تقع المساجد السبعة. ٢٥٥ باب ٢٨ / ح ٤١٠٣-٤١٠٧ كتاب المغازي الشِّركِ لا يَطمَعونَ منّا في شيءٍ من ذلك، فكيفَ نفعلُه بعدَ أن أكرمنا الله عزَّ وجلَّ بالإسلام وأعَّنا بك؟ نُعطِيهم أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، ولا نُعطيهم إلّ السَّيف. فاشتَدَّ بالمسلمين الحِصار، حتَّى تَكلَّم مُعَتِّبُ بنُ قُشَيرٍ وأوس بن قَيظيّ وغيرهما من المنافقين بالنّفاق، وأنزَلَ الله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلََّّ غُرُورًا ﴾ الآيات [الأحزاب: ١٢] قال: وكان الذين جاؤوهم من فوقِهم بنو قُرَيظةَ ومن أسفَلَ منهم قُرَيشٌ وغَطَفان. قال ابن إسحاقَ في روايتِهِ: ولم يقع بينهم حَربٌ إلَّا مُراماٌ بالنِّبْلِ، لكن كان عَمْرو بن عبد وُدِّ العامريّ اقْتَحَمَ هو ونَفَر معه خُيولهم من ناحيةٍ ضَيِقَةٍ من الخندقِ حتَّى صاروا بالسَّبخة فبارَزَه عليٌّ فقَتَلَه، وبَرَزَ نَوفَل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّ فبارَزَه الزُّبَير فَقَتَلَه، ويقال: قتله عليّ، ورَجَعَت بقيَّةُ الخُيولِ مُنهَزِمة. وروى البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٤٥٤/٣ -٤٥٥) من طريق زيد بن أسلَمَ: أنَّ رجلاً قال لَخُذَيفة: أدرَكتُم رسولَ الله وَلَه ولم نُدرِكه، فقال: يا ابن أخي، والله لا تَدري لو أدرَكته كيفَ تكون، لقد رأيتُنا ليلةَ الخندقِ في ليلةٍ باردةٍ مَطيرةٍ، فقال رسولُ الله ◌ِوَ الَ: ((مَن يذهب فيعلمُ لنا عِلمَ القوم، جعله الله رَفيقَ إبراهيمَ يومَ القيامة)) فوالله ما قامَ أحدٌ، فقال لنا الثانية: ((جعله الله رفيقي)) فلم يَقُم أحدٌ، فقال أبو بكر: ابعَثْ حُذَيفة، فقال: ((اذهَب)) فقلت: أخشى أن أُؤْسَر، قال: ((إِنَّك لن تُؤسَر)) فذكر أنَّه انطَلَق، وأنَّهم ◌َّجَادَلوا، وبَعَثَ الله عليهم الرّيحَ فما تَرَكَت لهم بناء إلّا هَدَمَته، ولا إناء إلّا أكفَأته. ومن طريق عِمران بن سَريع بن حُذَيفة نحوه (٣/ ٤٥٣ -٤٥٤)، وفيه: إنَّ عَلقَمةَ بن عُلَاثة صارَ يقول: يا آلَ / عامٍ، إنَّ الرّيحَ قاتلَتي، وتَحَمَّلَت قُرَيش، وإِنَّ الرّيحَ لَتَغْلِبُهم على ٤٠١/٧ بعض أمتِعَتِهم. وروى الحاكم(١) من طريق عبد العزيز ابن أخي حُذَيفة عن حُذَيفة(٢)، قال: لقد رأيتُنا ليلةَ الأحزاب وأبو سفيان ومَن معه من فوقِنا، وقُرَيظةُ أسفَلَ منّا نَخافُهم على (١) لعله في ((الإكليل))، فلم نقف عليه في ((المستدرك))، وأخرجه عنه البيهقي في ((الدلائل)) ٤٥١/٣-٤٥٣. (٢) في (س): عن أبي حذيفة، بزيادة لفظة ((أبي))، وهي مقحمة. ٢٥٦ باب ٢٨ / ح ٤١٠٣-٤١٠٧ فتح الباري بشرح البخاري ذَراريِّنا، وما أتت علينا ليلة أشدُّ ظُلمةً ولا ريحاً منها، فجَعَلَ المنافقونَ يَستأذِنونَ ويقولون: إِنَّ بُيُوتَنا عَورةٌ، فمرَّ بي النبيُّ وَلَه وأنا جاثٍ على رُكَبَتَيّ ولم يَبقَ معه إلّا ثلاث مئة، فقال: ((اذهَب فأتِنِي بخَيَرِ القومِ)) قال: فدَعا لي، فأذهَب الله عَنِّي القَرَّ والفَزَع، فدَخَلت عَسكَرَهم فإذا الرّيحُ فيه لا تُّجاوِزُه شِبراً، فلمَّا رجعت رأيت فوارسَ في طريقي، فقالوا: أخبر صاحبك أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ كَفاه القومَ. وأصل هذا الحديث عند مسلم (١٧٨٨) باختصارٍ، وسيأتي في الحديث الذي يليه شيء يتعلَّق بحديثٍ عائشة. الحديث السابع: ذكر فيه حديث البراء من وجهين. قوله: ((عن البراء)) سيأتي بعد حديث ابن عبّاس (٤١٠٥) الطَّريق الأُخرَى لحديثِ البراءِ، وفيه تصريح أبي إسحاق بسماعه له من البراءِ. قوله: ((حتَّى أغمَرَ بطنَه أو اغبَرَّ بطنُه)) كذا وَقَعَ بالشكِّ، بالغَينِ المعجَمة فيهما، فأمَّا التي بالموخَّدة فواضح من الغُبار، وأمَّا التي بالميمِ، فقال الخطّابيُّ: إن كانت محفوظة، فالمعنى: وارَى التُرابُ جِلدةَ بطنِهِ، ومنه: غُمَارُ الناس، وهو جمعُهم إذا تَكَاثَفَ ودَخَلَ بعضُهم في بعضٍ. قال: ورُوي: ((أعفَر)) بمُهمَلةٍ وفاءٍ، والعَفَرُ بالتحريك: التُّراب، وقال عياض: وَقَعَ للأكثر بمُهمَلٍ وفاءٍ، ومُعجَمٍ وموخَّدةٍ، فمنهم مَن ضَبَطَه بنصب بطنِهِ، ومنهم مَن ضَبَطَه برفعِها(١)، وعندَ النَّسَفيّ: حتَّى غَبَّرَ بطنَه أو اغبَرَّ، بمُعجَمةٍ فيهما وموخَّدة، ولأبي ذرٍّ وأبي زيد: حتَّى أَغْمَرَ(٢). قال: ولا وجه لها إلّا أن يكونَ بمعنى سَتَرَ كما في الرِّواية الأُخرَى: حتَّى وارَى عَنِّي التُرابُ بطنَه، قال: وأوجَهُ هذه الرِّوايات ((اغبَرَّ)) بمُعجَمةٍ وموخَّدةٍ وبرفع بطنِه. قلت: وفي حديثٍ أمِّ سَلَمة عندَ أحمد (٢٦٤٨٢) بسندٍ صحيحٍ: كان النبيُّ ◌َّ يُعاطيهم اللَّبِنَ يومَ الخندقِ، وقد اغبَرَّ شَعرُ صدره، وفي الرِّواية الآتية: حتَّى وارَى عَنِّي الغُبارُ جِدْدةَ (١) الذي في ((المشارق)) ٢/ ٩٨ أن الرفع مع ((أغمر)) بتشديد الراء. واستبعده القاضي عياض. (٢) الذي في ((المشارق)) ٢/ ٩٨ أنَّ لأبي زيد وأبي ذر: حتى أغمر أو اغبر، ووجه الميم هنا بمعنى: ستر. ٢٥٧ باب ٢٨ / ح ٤١٠٣-٤١٠٧ كتاب المغازي بطنِهِ، وكان كثيرَ الشَّعرِ. وظاهرُ هذا أنَّه كان كثيرَ شَعرِ الصدرِ، وليس كذلك، فإنَّ في صِفَتِه ◌ِمَّ أَنَّه كان دَقيقَ المسرُبة(١)، أي: الشَّعرِ الذي في الصدرِ إلى البطنِ، فيُمكِنُ أن يُجمع بأنَّه كان مع دِقَّتِه كثيراً، أي: لم يكن مُنتَشِراً، بل كان مُستَطيلاً، والله أعلم. قوله: ((يقول: والله لولا الله ما اهتَدَينا)) بيَّن في الرّواية التي بعدَ هذه أنَّ هذا الرَّجَزَ من کلام عبد الله بن رواحة. وقوله: ((إنَّ الأُلَى بَغَوْا علينا)) ليس بمَوزونٍ، وتحريرُه: إنَّ الذين قد بَغَوا علينا، فذكر الراوي الأُلَى بمعنى الذين وحَذَفَ ((قد))(٢)، وزَعَمَ ابن التِّينِ أنَّ المحذوفَ ((قد)) و(هم)) قال: والأصل: إنَّ الأَلَى هم قد بَغَوا علينا، وهو يَتَّزِنُ بما قال، لكن لم يَتَعَّن. وذكره بعضُ الرُّواة في مسلمٍ (١٨٠٣) بلفظ: ((أَبَوا)) بَدَل: (بَغَوا)) ومعناه صحيح، أي: أَبُوا أن يدخلوا في ديننا. ووَقَعَ في الطَّريق الثانية لحديثِ البراءِ: ((إنَّ الأَلَى قد رَغِبوا علينا)) كذا للسَّرَخسيِّ والكُشْمِيهنيّ وأبي الوَقتِ والأَصِيليِّ، وكذا في نُسخة ابنِ عساكر، وللباقين: ((قد بَغَوا)) كالأولَى. وأمَّا الأَصِيلِيّ، فَضَبَطَها بالعين (٣) المهملة الثَّقيلة والموخَّدة، وضَبَطَها في ((المطالع) بالغَينِ المعجَمة، وضُبطَت في رواية أبي الوَقْت كذا، لكن بزايٍ أوَّله، والمشهور ما في ((المطالع)). قوله: ((وَرَفَعَ بها صوتَه: أبينا أبينا)) كذا للأكثر بموخَّدةٍ، وفي آخر الرِّواية الآتية قال: ثُمَّ يَمُدُّ صوتَه بآخرها. وهو يُبيِّنُّ أَنَّ المرادَ بقولِه: ((أبينا» ما وَقَعَ في آخرِ القسمِ الأخير، وهو (١) روي ذلك عن ابن مسعود عند الطبراني (١٠٣٩٧)، وعن هند بن أبي هالة عند الترمذي في ((الشمائل)) (٧)، وعن علي بن أبي طالب عند أحمد (٧٤٦) والترمذي (٣٦٣٧)، لكن عليّاً قال: طويل المسربة. وهو وصف زائد إلى الدقة، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) كذا وقعت الرواية للحافظ، بحذف ((قد)) والذي في اليونينية بإثباتها دون خلاف، قال القسطلّاني: ثبتت ((قد) في الفرع كأصله وغير هما، ثم نقل القسطلّاني كلام الحافظ هنا، وعقبه بقوله: والظاهر أنَّ قد محذوفة من نسخته. (٣) تصحفت في (س) إلى بالغين، وسقط منها قيد ((المهملة)). والمثبت من (ع) وهو يوافق ما جاء في ((المشارق)) ٢٩٤/١. وسقطت الجملة برمتها من (أ). : ٢٥٨ باب ٢٨ / ح ٤١٠٣-٤١٠٧ فتح الباري بشرح البخاري قولُه: ((إذا أرادوا فتنةً أبينا))، ويحتملُ أن يريدَ ما وَقَعَ في القسم الأخير، وهو قولُه: ((إنّا إذا صِیحَ بنا أبینا»، فإنّه روي بالوجهَينِ. ووَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوَقْت(١) وكَرِيمة: ((أتينا)) بمُثّةٍ بدلَ الموخَّدة، والأَصِيلِيّ والسِّجْزيّ بمُثّاةٍ(٢)، قال عياض: كلاهما صحيح المعنى، أمَّ الأوَّل: فمعناه: إذا صيحَ بنا ٤٠٢/٧ لِفَزَع أو حادث أَبينا الفِرارَ وثَبَتنا، وأمَّا الثاني فمعناه: جِئنا/ وأقدَمنا على عدوِّنا(٣)، قال: والرِّوايةُ في هذا القسم بالمثنّاة أوجَه، لأنَّ إعادة الكلمة في قوافي الرَّجَزِ عن قُربٍ عيبٌ معلومٌ عندهم. فالراجحُ أنَّ قولَه: ((إذا أرادوا فتنةً أبينا)) بالموخَّدة، وقوله: ((إنّا إذا صِيحَ بنا أتينا)) بالمثنّاة، والله أعلم. ووَقَعَ في بعض النَّسَخِ: ((وإن أرادونا على فتنةٍ أبينا)) وهو تَغييرٌ. الحدیث الثامن: حديث ابن عباس. قوله: ((نُصِرت بالصَّبا)) بفتح المهمَلة وتخفيفِ الموحّدة: وهي الرّيحُ الشَّرقيَّة، والدَّبُورُ: هي الرّيحُ الغَربيَّة. وروى أحمدُ (١٠٩٩٦) من حديث أبي سعيد قال: قلنا يوم الخندقِ: يا رسولَ الله، هل من شيءٍ تقولُه؟ قد بَلَغَت القلوبُ الحناجر، قال: ((نعم، اللهمَّ استُر عوراتنا، وآمن روعاتِنا)) قال: فَضَرَبَ الله وجوهَ أعدائه بالرّيحِ، فَهَزَمَهم الله عزَّ وجلّ بالرّيحِ(٤). وروى ابن مردويه في ((التفسير)) من طريقٍ أُخرَى عن ابن عبّاسٍ أيضاً قال: قالت (١) كذا ذكر الحافظ هنا أبا الوقت، وهو ذهولٌ منه رحمه الله، لأنه سيذكر بعد قليل السّجزي، وإنما السجزي هو أبو الوقت نفسه! ولما نقل القاضي عياض في ((المشارق)) ١٤/١ رواية الأصيلي والسجزي قال: ورواه غيرهما ((أتينا)) بتاء باثنتين فوقها. (٢) كذا قال الحافظ هنا، وهو سبق قلم منه رحمه الله، والصواب: بالباء الموحدة، كما في ((المشارق)) ١٤/١. (٣) ابتدأ القاضي عياض بإيراد رواية الأصيلي والسجزي التي بالموحدة، ثم نبه على رواية الباقين التي بالمثناة، ولهذا جاء كلامه على هذا الترتيب خلافاً لترتيب الحافظ هنا. (٤) إسناده ضعيف. ٢٥٩ باب ٢٨ / ح ٤١٠٣-٤١٠٧ كتاب المغازي الصَّبا للشِّمال: اذهَبِي بنا نَنصُرْ رسولَ الله، فقالت: إنَّ الحرائرَ لا تَهبّ باللَّيلِ، فَغَضِبَ الله عليها، فجعلها عَقِيماً. وفي روايةٍ له من هذا الوجه: فكانت الرّيحُ التي نُصِرَ بها رسول الله وَه الصَّبا. وقد تقدَّم في الاستسقاءِ (١٠٣٥) ذِكرُ النُّكتة في تخصيصِ الدَّبُورِ بعادٍ، والصَّبا بالمسلمين، وعُرِفَ بهذا وجهُ إيرادِ المصنِّف هذا الحديثَ هنا، وأنَّ اللهَ نَصَرَ نبيَّه في غزوة الخندقِ بالرّيحِ، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَا﴾ [الأحزاب: ٩] قال مجاهدٌ: سَلَّطَ الله عليهم الرّيحَ فَكَفَأت قُدورَهم، ونَزَعَت خِيامَهم حتَّى أظعَنَتهم. وذكر ابن إسحاق(١) في سبب رَحيلِهم: أنَّ نُعَيمَ بنَ مسعودٍ الأشجَعيَّ أتى النبيّ وَّ مسلماً، ولم يَعلم به قومُه، فقال له: ((خَذِّل عنَّ)). فمَضَى إلى بني قُرَيظة - وكان نَديماً لهم - فقال: قد عَرَفْتُم مَّتي، قالوا: نعم. فقال: إنَّ قُرَيشاً وغَطَفان لَيسَت هذه بلادهم، وإنَّهم إن رأوا فُرصةً انتَهَزوها وإلّا رجعوا إلى بلادِهم وتَرَكوكم في البلاءِ مع محمدٍ، ولا طاقةَ لكم به. قالوا: فما تَرَى؟ قال: لا تُقاتلوا معهم حتَّى تأخُذوا رَهْناً مِنهم، فقبلوا رأیَه. فتَوَجَّهَ إلى قُرَيشٍ، فقال لهم: إنَّ اليهودَ نَدِموا على الغَدرِ بمحمدٍ، فراسَلوه في الرُّجوع إليه، فراسَلَهم بأنّا لا نَرضَى حَتَّى تَّبَعَثوا إلى قُرَيشٍ فتأخُذوا منهم رَهناً فاقتُلوهم، ثمَّ جاء غَطَفانَ بنحو ذلك. قال: فلمَّا أصبَحَ أبو سفيان بَعَثَ عِكْرمةَ بن أبي جهلٍ إلى بني قُرَيظةَ بأنّا قد ضاقَ بنا المنزِلُ ولم نَجِدْ مَرعَى، فاخرُجوا بنا حتَّى نُناجزَ محمداً. فأجابوهم: إنَّ اليومَ يومُ السَّبتِ ولا نَعمَلُ فيه شيئاً، ولا بُدَّ لنا مِن الرَّهنِ منكم لثَلَا تَغْدِروا بنا. فقالت قُرَيش: هذا ما حَذَّرَكم نُعَيم، فراسلوهم بأنّا (٢) لا نُعطِيكم رَهناً، فإن شِئْتُم أن تَخْرُجوا فافعلوا. فقالت قُرَيظةُ: هذا ما أخبرنا نُعَيم. (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢٢٩/٢-٢٣١. (٢) في (س): فراسلوهم ثانياً: أي لا نعطيكم رهناً. ٢٦٠ باب ٢٨ / ح ٤١٠٨ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن إسحاق(١): وحدَّثني يزيد بن رُومان عن عُرْوةَ عن عائشةَ: أَنَّ نُعَیماً كان رجلاً نَموماً، وأنَّ النبيَّي ◌َِّ قال له: «إنَّ اليهودَ بَعَثَت إليّ: إن كان يُرضيك أن نأخُذَ من قُرَيشٍ وغَطَفان رَهْناً نَدفَعُهم إليك فَتَقْتُلُهم فَعَلْنا)) فَرَجَعَ نُعَيم مُسرِعاً إلى قومِه فأخبَرَهم، فقالوا: والله ما كَذَبَ محمدٌ عليهم، وإنَّهم لَأهلُ غَدْرٍ. وكذلك قال لقُرَيش. فكان ذلك سببَ خِذلانِهِم ورَحيلِهم. وقد تقدَّم في الحديث السادسِ بيانُ ما أُرسِلَ عليهم من الرّيحِ. الحديث التاسع: قوله: ((حدَّثنا عبدُ الصمَدِ» هو ابن عبدِ الوارثِ بن سعیدٍ. قوله: ((أوَّل مَشهَد(٢) شَهِدته يوم الخندق)) أي: باشَرتُ فيه القتال، وهذا يوافق رواية نافع عنه الماضية (٤٠٩٧) في أوَّل الباب. وروى الطبرانيُّ (١٣٣٦٩) بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر قال: بَعَثَني خالي عثمانُ بنُ مَطعونٍ في حاجةٍ، فاستأذَنتُ النبيَّ وَ﴿ فَأَذِنَ لي، وقال: ((مَن لَقيتَ فقُل لهم: إنَّ رسول الله يأمركم أن تَرجِعوا)) قال: فلا والله ما عَطَفَ عليَّ منهم اثنان. ٤١٠٨ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ. قال: وأخبرني ابنُ طاؤُوسٍ، عن عِكْرمةَ بنِ خالدٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: دَخَلْتُ ٤٠٣/٧ على حفصةَ ونَسْواتُها تَنْطِفُ، قلتُ: قد كان/ من أمرِ الناسِ ما تَرَينَ، فلم يُجُعَلْ لي مِن الأمرِ شيءٌ؟ فقالت: الْحَقْ (٣) فإنَّهم يَنتَظِرونَكَ، وأخشَى أن يكونَ في احتباسِكَ عنهم فُرْقَةٌ، فلم تَدَعْه حتَّى ذهبَ، فلمَّا تَفرَّقَ الناسُ خَطَبَ مُعاوِيةُ، قال: مَن كان يريدُ أن يتكلَّمَ في هذا الأمرِ، فلْيُطلِعِ لنا قَرْنَه، فَلَنَحنُ أحقُّ به منه ومن أبيه، قال حبيبُ بنُ مَسْلَمَةَ: فَهَلَّا أَجَبْتَه؟ قال عبدُ الله: فحَلَلْتُ حُبْوَني، وهَمْتُ أن أقولَ: أحقُّ بهذا الأمرِ منكَ مَن قاتَلَكَ وأباكَ على (١) وأخرجه من طريقه البيهقي في ((الدلائل)) ٤٤٧/٣. (٢) كذا قال الحافظ، والذي في اليونينية و((إرشاد الساري)) أول يوم: دون حكاية خلاف. (٣) ضُبطت في اليونينية بكسر الهمزة وفتح الحاء، قال العيني: أمرٌ من ألحق يلحق. قلنا: وفي ((اللسان)): يقال: لحقتُه وألحقته بمعنَى، كتَبِعْتُه وأَنْبَعْتُه.