النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ باب ٢٥ / ح ٤٠٧٨-٤٠٨٢ كتاب المغازي قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أبكي، وأكشِفُ الثَّوبَ عن وجهِهِ، فَجَعَلَ أصْحابُ النبيِّ وَّهِ يَنْهَوْنني والنبيُّ ◌َّه لم يَنْهَ، وقال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا تَبْكِه - أو ما تَبْكِيه - ما زالَتِ الملائكةُ تُظِلُّهُ بأْنِحَتِها حتَّی رُفِعَ». ٤٠٨١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدّثنا أبو أُسامةَ، عن بُریدِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي بردةً،/ عن ٣٧٥/٧ جَدِّه أبي بُرْدَ، عن أبي موسى ◌ُّه - أُرَى عن النبيِّ وَّرِ - قال: «رأيتُ في رُؤْياي أَنّي هَزَزْتُ سيفاً، فانقَطَعَ صَدْرُه، فإذا هو ما أُصِيبَ مِن المؤمنينَ يومَ أُحُدٍ، ثمَّ هَزَزْتُه أُخرَى، فعادَ أحسنَ ما كان، فإذا هو ما جاء الله به مِن الفَتْحِ واجْتِماع المؤمنينَ، ورأيتُ فيها بَقَراً، واللهُ خيرٌ، فإذا همُ المؤمنونَ يومَ أُحُدٍ. ٤٠٨٢- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا زُهَيٌ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن شَقِيقٍ، عن خَبّابٍ مَـ قال: هاجَرْنا معَ النبيِّ وَّهِ ونحنُ نَبْتَغِي وجهَ الله، فَوَجَبَ أجْرُنا على الله، فمِنّا مَن مَضَى - أو ذهب - لم يأكل من أجْرِه شيئاً، كان منهم مُصْعَبُ بنُ عُمَيٍ، قُتِلَ يومَ أُحُدٍ، فلم يَتْرُكُ إلا نَمِرةً كنّا إذا غَطَّينا بها رأسَه خَرَجَتِ رِجْلَاه، وإذا غُطِّيَ بها رِجْلَاه خَرَجَ رأسُه، فقال لنا النبيُّ ◌َله ((غَطُّوا بها رأسَه، واجْعَلوا على رِجْلَيهِ مِن الإذْخِرِ)) - أو قال: ((ألقُوا على رِجْلَيه ◌ِمِن الإذْخِر)) - ومِنّا مَن أينَعَت له ثَمَرَتُه فهو يَهْدِبُها. قوله: ((باب مَن قُتِلَ من المسلمين يومَ أُحُدٍ، منهم حمزة واليَمَان والنَّضر بن أنس ومُصعَب ابن عُمير)) أمَّا حمزة فتقدَّم ذِكرُه في بابٍ مُفرَدٍ(١)، وأمَّا اليَمَانُ وهو والد حُذَيفة فتقدَّم (٤٠٦٥) في آخِرِ باب: ﴿إِذْ هَمَّتِ طَآئِفَتَانِ ﴾. وأمَّا النَّضرُ بن أنس فكذا وقعَ لأبي ذرِّ عن شيوخه، وكذا وقعَ عند النَّسَفيّ، وهو خطأ، والصواب ما وقعَ عند الباقين: أنس بن النَّضر. وقد تقدَّم ذِكرُه في أوائلِ الغزوة (٤٠٤٨) على الصواب، فأمَّا النَّضرُ بن أنس فهو ولده، وكان إذ ذاكَ صغيراً، وعاشَ بعد ذلك زماناً، وقد تقدَّم في هذه الأبواب ممَّن استُشهِدَ بها: عبد الله بن عَمْرو والد (١) الباب رقم (٢٢). ٢٠٢ باب ٢٥ / ح ٤٠٧٨-٤٠٨٢ فتح الباري بشرح البخاري جابر(١)، ومن المشهورين: عبد الله بن جُبَير أمير الزُّماة، وسعد بن الرَّبيع، ومالك بن سِنان والد أبي سعيد، وأوس بن ثابت أخو حسَّان، وحَنظَلة بن أبي عامر المعروف بغَسيلِ الملائكة، وخارجة بن زيد بن أبي زُهَير صِهْر أبي بكر الصِّدِّيق، وعَمْرو بن الجَمُوح، ولكلٍّ من هؤلاء قِصّة مشهورةٌ عند أهل المغازي. ثم ذكر المصنِّف في الباب خمسة أحاديث: الأول: حديث أنس. قوله: ((ما نَعلَم حَيّاً من أحياءِ العرب أكثر شهيداً أغَرَّ) كذا للكُشْمِيهنيّ: بغَينٍ مُعجَمةٍ وراءٍ، ولغيره بالمھمَلة والزّاي. قوله: ((قال قتادة)) هو موصول بالإسناد المذكورِ، وأراد بذلك الاستدلالَ على صِحّة قوله الأوَّلِ. قوله: ((قُتِلَ منهم يومَ أُحُدٍ سَبعونَ) هذا هو المقصود بالذِّكرِ من هذا الحديث هنا، وظاهرُه أنَّ الجميعَ من الأنصار، وهو كذلك إلّا القليل. وقد سَرَدَ ابن إسحاق أسماء من استُشهِدَ من المسلمين بأُحُدٍ فَلَغوا خمسة وستّين، منهم أربعة من المهاجرين: حمزة، وعبد الله بن جَحش، وشَّاس بن عثمان، ومُصعَب بن عُمير. وأغفَلَ ذِكْرَ سعد مَولَى حاطِب، وقد ذكره موسى بن عُقْبة. وروى الحاكم في ((الإكليل)) وابن مَندَه(٢) من حديث أبيّ بن كعب قال: قُتِلَ من الأنصار يومَ أُحُد أربعة وستّون، ومن المهاجرين ستّة. وصحَّحَه ابن حِبّان (٤٨٧) من هذا الوجه(٣)، ولعلَّ السادس ثَقْفُ(٤) بن عَمْرو الأسلميّ حَليف بني عبد شمس، فقد عَدَّه (١) في حديثه السالف برقم (٤٠٥٢). (٢) فات الحافظَ رحمه الله أن يخرجه من الترمذي (٣١٢٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٢١٥). (٣) لكن لفظه عنده: أصيب من الأنصار أربعة وسبعون، ومنهم ستة فيهم حمزة، وهو مخالف لسائر الروايات. (٤) تحرف في (أ) إلى: يوسف، وفي (س) إلى: ثقيف، وجاء على الصواب في (ع) موافقاً لما جاء في كتب الصحابة والسير. ٢٠٣ باب ٢٥ / ح ٤٠٧٨-٤٠٨٢ كتاب المغازي الواقديُّ منهم(١)، وعَدَّ ابن سعد (٤٢/٢ و٢٤٣/٤ و٢٤٥) تَمَّن استُشهِدَ بأحدٍ من غير الأنصار: الحارث بن عُقْبة بن قابوس المزَنيَّ، وعَمّه وَهْب بن قابوس، وعبد الله، وعبد الرحمن، ابنَي الهُبَيب - بموخَّدتَينِ مُصغَّر - من بني سعد بن ليث، ومالكاً، والنُّعمان، ابنَي خَلَف بن عَوْف الأسلَميَّينِ، قال: إنَّهما كانا طَليعةً للنبيِّ وَِّ، فَقُتِلا. قلت: ولعلَّ هؤلاء كانوا من حُلَفاءِ الأنصار فعُدُّوا فيهم، فإن كانوا من غير المعدودين أوَّلاً فحينئذٍ تَكمُلُ العِدّةُ سبعين من الأنصار،/ ويكون جُملة مَن قُتِلَ من المسلمين أكثر من ٣٧٦/٧ سبعين، فمَن قال: قُتِلَ منهم سبعونَ ألغَى الكسر، والله أعلم. وقد تقدَّم في أوَّل هذه الغزوة النَّقُلُ(٢) عن ابن إسحاق وغيره أنَّ الاختلاف في عدد مَن قُتِلَ من المسلمين حينئذٍ(٣). قوله: ((ويوم بئر مَعُونة سبعونَ)) سيأتي شرح ذلك قريباً (٤٠٨٨)، ويُوضِح أنَّ الجميع لم يكونوا من الأنصار، بل كان بعضهم من المهاجرين مثل عامر بن فُهَيرةَ مَولَی ابی بکر ونافع ابن وَرْقاء الخُزَاعيّ، وغيرهما. قوله: ((ويوم اليَمَامة سَبعونَ)) قد سَرَدَ أسماءَهم الذين صَنَّفوا في الرِّدّة، كَسيفٍ ووَثِيمَة. قوله: ((وكان بئر مَعُونة ... )) إلى آخره، قائل ذلك قَتَادة، قاله شرحاً لحديث أنس، وقد بَّنْه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)). قوله: ((ويوم اليَمامة على عَهد أبي بكر ويوم مُسَيلِمة الكَذّاب)) كذا بالواو (٤)، وهي زائدة، (١) هذا وهم من الحافظ رحمه الله، لأنَّ الذي ذكره الواقديُّ في ((مَغازيه)) ٦٩٩/٢: أنَّ ثقف بن عمرو هذا استشهد بخيبر لا في أحد. وكذلك قال ابن سعد في «الطبقات)) ٩٨/٣. (٢) عند شرح الحديث (٤٠٤٣). (٣) كذا جاء الكلام مقطوعاً في الأصلين و(س)، ولعلَّ الحافظ أراد أن يقول: وأنَّ الاختلاف في عدد من قتل من المسلمين حينئذ ناشئ عن الخلاف في التفصيل. وإنما قدَّرنا ذلك، لأنه بعد أن نقل هناك عن ابن سیّد الناس اليَعمَري: أنَّ الزيادة ناشئة عن الخلاف في التفصيل، قال: وهو الذي يُعوَّل عليه. والله أعلم. (٤) لم يرد في اليونينية ولا في «إرشاد الساري)» ذكر الواو هنا في شيء من روايات البخاري. ٢٠٤ باب ٢٥ / ح ٤٠٧٨-٤٠٨٢ فتح الباري بشرح البخاري لأنَّ يوم اليمامة هو يوم مُسَيلِمة. ووقعَ عند أحمد (١) من طريق حمّاد عن ثابت عن أنس نحو حديث قَتَادة، في عِدّة مَن قُتِلَ من الأنصار، وزادَ: ويوم مُؤتة سبعون، وصَحَّحه أبو عَوَانة (٦٨٤٩)، وأخرجه الحاكم في ((الإكليل)) ولفظه: عن أنس أنَّه كان يقول: يا رَبّ سبعين من الأنصار يوم أُحُد، وسبعين يوم بئر مَعُونة، وسبعين يوم مُؤتة، وسبعين يوم مُسَلِمة. ورواه البيهقي(٢)، ثمَّ أخرج من طريق إبراهيم بن المنذرِ: أنَّ هذه الزّيادة خطأ. ثمَّ أسنَدَ من وجهَينِ عن سعيد بن المسيِّب، فذكر بَدَل يوم مُؤتة يوم جِسر أبي عُبيد، قال إبراهيم بن المنذر: وهذا هو المعروف. قلت: وهي وقعة بالعراق كانت في خلافة عمر. الحدیث الثاني: حديث جابر. قوله: ((قَدَّمَه في اللَّحدِ)) في حديث عبد الله بن ثَعْلبة عند ابن إسحاق(٣): فكان يقول: ((انظُرُوا أكثر هؤلاء جمعاً للقرآنِ فاجعَلوه أمام أصحابه))، وذكر ابن إسحاق ممّن دُفِنَ جميعاً عبد الله بن جَحش وخاله حمزة بن عبد المطَّلِب. ومن وجه آخرَ أنَّه أمَر بدفنِ عَمْرو بن الجُمُوع وعبد الله بن عَمْرو والد جابر. قوله فيه: ((ولم يُصَلِّ عليهم)) تقدَّم الكلام عليه في الجنائز (١٣٤٣). وقد أجابَ بعض الحنفيَّة عنه بأنَّه نافٍ وغيره مُثبِتٌ. وأُجيبَ بأنَّ الإثبات مُقدَّم على النَّفي غير المحصور، وأمَّا نفي الشَّيءِ المحصورِ إذا كان راويه حافظاً، فإنَّه يَترجَّح على الإثبات إذا كان راويه ضعيفاً، كالحديث الذي فيه إثبات الصلاة على الشَّهيد، وعلى تقدير التسليم فالأحاديث التي فيها ذلك إنَّما هي في قِصّة حمزة، فيحتمل أن يكون ذلك ممَّا خُصَّ به حمزة من الفضل. وأُجيب بأنَّ الخصائص لا تَثْبُت بالاحتمال، ويُجاب بأنَّه يُوقَف الاستدلال. قالوا: ويُمكِن الجمع بأنَّه (١) كذا وقع في الأصلين و(س)، ولم نقف عليه في ((مسند أحمد))، فلعله في بعض كتبه الأخرى. على أنه قد يكون تحريفاً عن حنبل وهو ابن إسحاق بن حنبل، ابن عم الإمام أحمد، لأنَّ البيهقي أخرجه من طريقه في «دلائل النبوة)» ٣/ ٢٧٧، فظن بعض النسّاخ أنَّ ذكر حنبل سبق قلم فأصلحه، والله أعلم. (٢) قوله: ((ورواه البيهقي)) سقط من (ع) و(س)، وثبت في (أ)، والخبر عند البيهقي في ((الدلائل)) ٢٧٧/٣ -٢٧٨. (٣) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٩٨/٢. ٢٠٥ باب ٢٥ / ح ٤٠٧٨-٤٠٨٢ كتاب المغازي لم يُصَلِّ علیهم ذلك اليوم، كما قال جابر، ثمَّ صَلّى علیهم ثاني يوم، كما قال غيره. الحديث الثالث: قوله: ((وقال أبو الوليد عن شُعْبة)) وصلَه الإسماعيليُّ: حدَّثنا أبو خليفة، حدَّثنا أبو الوليد، بسنده. قوله: ((لمَّا قُتِلَ أبي)) زاد في الجنائز (١٢٩٣): يوم أُحُدٍ. قوله: ((والنبيّ وَّلم يَنْهَ)) في رواية الإسماعيليّ: لا ينهاني. قوله: ((لا تَبكِهِ)) كذا هنا، وظاهرُه أنَّه نَهي لجابر، وليس كذلك، وإنَّما هو نَهي لفاطمةَ بنت عَمْرو عَمّة جابر، وقد أخرجه مسلم(١) من طريق غُندَر عن شُعْبة بلفظ: قُتِلَ أبي، فذكر الحديث إلى أن قال: وجَعَلَتْ فاطمة بنت عَمْرو عَمَّتِي تَبكيه، فقال النبيّ ◌َّ: (لا تَبكيه))، وكذا تقدَّم عند المصنّف في الجنائز (١٢٤٤) نحو هذا، و(١٢٩٣) مَن طريق ابن عُيَينَةَ عن ابن المنكَدِر، نحوه، والله أعلم. الحديث الرابع: حديث أبي موسى. قوله: ((أُرَى عن النبيّ وٍَّ) كذا في الأُصول: أُرَى، وهو بضمِّ الهمزة، بمعنى: أظنّ، والقائل ذلك هو البخاريّ، كأنَّه شَكَّ هل سمعَ من شيخِه صيغة الرَّفع أم لا، وقد كرّر هذه العِبارة في هذا الحديث في علامات النُّبوّة (٣٦٢٢)، وفي التعبير (٧٠٤١) وغير هما، وأخرجه مسلم (٢٢٧٢) وأبو يَعلى (٧٢٩٨) عن أبي كُرَيبٍ شيخ البخاريّ، فلم يَتَرَدَّدا فیه. قوله: ((رأيت)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: أُريت. قوله: ((أنّ هَزَزت سيفاً)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: سيفي. وقد تقدَّم في أوَّل الغزوة(٢) أنَّه ذو الفَقَار. (١) برقم (٢٤٧١)، لكن من طريق وهب بن جرير عن شعبة، وليس من طريق غُندَر عن شعبة. (٢) عند الكلام على باب غزوة أُحد، وهو الباب رقم (١٦). ٢٠٦ باب ٢٥ / ح ٤٠٧٨-٤٠٨٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فانقَطَعَ صَدرُه)) عند ابن إسحاق(١): ((ورأيت في ذُبابٍ سَيفي ثَلْماً))، وعند أبي ٣٧٧/٧ الأسوَد في ((المغازي))/ عن عُرْوة: ((رأيت سيفي ذا الفَقار قد انقَصَمَ من عندِ ظُبَتِه))، وكذا عند ابن سعد (٣٧/٢-٣٨)، وأخرجه البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٢٠٥/٣) من حديث أنس(٢). وفي رواية عُرْوة: كان(٣) الذي رأى بسيفه ما أصاب وجْهَه المُكرَّم. وعند ابن هشام: حدَّثني بعض أهل العلم، أنَّه وَ ◌ّه قال: ((وأمَّا الثَّلْم في السَّيفِ، فهو رجل من أهلِ بيتي يُقتَل)). قوله: ((ورأيت فيها بَقَرا)) بالموخَّدة والقاف، وفي رواية أبي الأسوَدِ عن عُرْوةَ: ((بَقَراً تُذْبَح)) وكذا في حديثِ ابن عبَّاس عندَ أبي يَعْلى (٤). قوله: ((واللهُ خيرٌ)) هذا من جُملة الرُّؤيا كما جَزَمَ به عياض وغيره، كذا بالرَّفع فيهما على أنَّه مُبْتَدَأ وخَبَر، وفيه حذف تقديرُه: وصُنعُ الله خيرٌ، قال السُّهَيليُّ: معناه: رأيت بَقَراً تُنحَر، والله عنده خیرٌ. قلت: في رواية ابن إسحاق(*): ((وإنّ رأيت والله خيراً، رأيت بَقَراً))، وهي أوضَح، والواوُ القَسَمِ و(الله)) بالجرِّ، و((خيراً)) مفعول رأيت. وقال السُّهَيلِيُّ: البقر في التعبير بمعنى رجال مُسَلَّحين يَتَنَاطَحون. قلت: وفيه نظر، فقد رأى الملِكُ بمِصرَ البقرَ وأوَّلهما يوسف عليه السلام بالسِّنين. وقد وقعَ في حديثِ ابن عبّاس ومُرسَل عُرْوة: ((تأوَّلت البقرَ التي رأيت بَقْراً يكون فينا)) قال: فكان ذلك مَن أُصيبَ من المسلمين. انتهى، وقوله: (بَقْراً)) هو بسكونِ القاف، (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٦٢. (٢) جاء بعد قوله: ((حديث أنس)) في الأصلين و(س): وسبق موصُولاً. ولا وجه لذكرها هنا، إلاَّ إن كان الحافظ قصد رواية عروة التالية، ويكون بعض النسّاخ قدّم وأخّر. وقد سبق ذكر ما أصاب النبي وَلّ في وجهه الشريف في باب ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ الآية، وهو الباب رقم (٢٠). (٣) تصحف في (س) إلى: كأن. (٤) لم نقف عليه في ((مسند أبي يعلى)) برواية ابن حمدان، وأخرجه أحمد (٢٤٤٥)، وانظر تتمة تخريجه فيه. (٥) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٦٢/٢. ٢٠٧ باب ٢٦ / ح ٤٠٨٣-٤٠٨٥ كتاب المغازي وهو شَقّ البطن. وهذا أحدُ وجوه التعبير أن يُشتَقَّ من الاسم معنَى مُناسب، ويُمكِن أن يكون ذلك لوجهٍ آخرَ من وجوه التأويلِ، وهو التصحيفُ، فإنَّ لفظ ((بَقْر)) مثل لفظ (نَفْرِ)) بالنّونِ والفاء، خَطّاً. وعند أحمد (١٤٧٨٧)، والنَّسائيّ (ك ٧٦٠٠)، وابن سعد (٤٥/٢) من حديث جابر بسندٍ صحيح في هذا الحديث: ورأيتُ بَقَراً مُنَخَّرَةً - وقال فيه : - فأوَّلتُ أنَّ الدِّرع المدينة، والبَقَر نَفَر)) هكذا فيه بنونٍ وفاء، وهو يُؤيِّد الاحتمال المذكورَ، فالله أعلم. وسيأتي بقيَّةٌ لهذا في كتاب التعبیر (٧٠٤١) إن شاء الله تعالی. الحديث الخامس: حديث خَبّاب. تقدَّم بهذا السَّنَدِ والمتنِ (٤٠٤٧) مع الكلام عليهِ. ٢٦ - بابٌ: أحدٌ يحبّنا ونحبّه قاله عبّاسُ بنُ سَهْلٍ، عن أبي مُميدٍ، عن النبيِّ وَلّ. ٤٠٨٣- حذَّثني نَصْرُ بنُ عليٍّ، قال: أخبرني أبي، عن قُرّةَ بنِ خالدٍ، عن قَتَادةَ، سمعتُ أنساًّ عه، أنَّ النبيَّ وَّه قال: «هَذا جبلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّه)). ٤٠٨٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عَمرِو مولى المطَّلِبِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ◌ُ: أَنَّ رسولَ اللهِوَ طَلَعَ له أُحُدٌ، فقال: ((هَذا جبلٌ يُحِبُنَا ونُحِبُّه، اللهمَّ إِنَّ إِبراهيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنّ حَرَّمْتُ ما بينَ لابَتَيَها)). ٤٠٨٥- حدَّثني عَمْرو بنُ خالدٍ، حدَّثْنا اللَّيْثُ، عن يَزِيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن عُقْبَةَ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ خَرَجَ يوماً فصَلَى على أهلِ أُحُدٍ صَلاتَه على الميِّتِ، ثمَّ انصَرَفَ إلى المِثْرِ فقال: ((إِنِّ فَرَطٌ لكم وأنا شَهِيدٌ عليكُمْ، وإنّي لأنظُرُ إلى خَوضي الآنَ، وإنّ أُعْطِيتُ مفاتيحَ خزائنِ الأرضِ - أو مفاتيحَ الأرضِ - وإنّي والله ما أخافُ عليكم أن تُشِرِكوا بَعْدي، ولكنّي أخافُ عليكم أن تَنافَسوا فيها». قوله: ((باب أُحُدٌ جبلٌ (١) يُحِبُّنَا ونُحِبُّه)) قال السُّهَيلِيُّ: سُمّيَ أُحُداً لتَوَخُّدِه وانقطاعه عن (١) لفظة ((جبل)) ليست في اليونينية، وهي في رواية حديث أبي حميد الموصولة عند المصنف برقم (٤٤٢٢). ٢٠٨ باب ٢٦ / ح ٤٠٨٣-٤٠٨٥ فتح الباري بشرح البخاري ٣٧٨/٧ جبالٍ أُخرَى هناك،/ أو لمَا وَقَعَ من أهلِه من نَصرِ التوحید. قوله: ((قاله عبَّاس بن سَهل، عن أبي مُميدٍ، عن النبيِّ ◌َ) هو طَرَف من حديثٍ وصلَه [المؤلف](١) في الزكاة (١٤٨١) مُطوَّلاً، وقد تقدَّم شرحُ ما فيه هناك، إلّا ما يتعلَّقُ بأُحُدٍ. ونَسَبَه مُغَلْطاي إلى تخريجِهِ موصولاً في كتاب الحجِّ، وإنَّما خَرَّجَ هناكَ (١٨٧٢) أصلَه، دونَ خُصوصِ هذه الزّيادة. قوله: ((أخبَرَني أبي)) هو عليُّبنُ نَصِرِ الْجَهْضَميّ. قوله: ((هذا جبلٌ يُحِبُنا ونُحِبُّه)) ظَهَرَ من الرِّواية التي بعدَها أَنَّه وَ لَه قال ذلك لمَّا رآه في حال رُجوعِه من الحجِّ. ووقعَ في رواية أبي مُميدٍ أنَّه قال لهم ذلك لمَّ رَجَعَ من تَبُوك وأَشَفَ على المدينة، قال: ((هذه طَابةُ)) فلمَّا رأى أُحُداً قال: ((هذا جبل يُحِبّنا ونُحِبّه))، فكأنَّه ◌ِله تَكرَّرَ منه ذلك القول. وللعلماءِ في معنى ذلك أقوال: أحدها: أنَّه على حذف مُضاف، والتقدير: أهل أَحُدٍ، والمراد بهم الأنصار، لأنَّهم جيرانه. ثانيها: أنَّه قال ذلك للمَسَرّة بلسان الحال إذا قَدِمَ من سَفَر، لقُربه من أهله ولُقياهم، وذلك فِعِل مَن يُحِبّ بمَن يُبّ. ثالثُها: أنَّ الحُبَّ من الجانبينِ على حقيقَتِهِ، وظاهره لكَونِ أُحُد من جبال الجنَّة، كما ثَبَتَ في حديث أبي عَبسٍ بن جَبر، مرفوعاً: ((جبل أُحُدٍ مُحِبُّنا ونُحِبُّه، وهو من جبال الجنَّة)) أخرجه أحمد(٢). ولا مانع في جانب الجبل(٣) من إمكان المَحَبّة منه، كما جازَ التسبيحُ (١) وقع في الأصلین و(س): وصله البزار، وهو سبق قلم. (٢) لم نقف عليه في ((مسند أحمد))، فلعله في بعض كتبه الأخرى، وهو في ((مسند البزار)) كما في ((كشف الأستار)) (١١٩٩)، وكذلك هو في ((معجم الصحابة)) لابن قانع ٩٩/٤، و((المعجم الأوسط)) للطبراني (٦٥٠٥). (٣) في (س): البلد. ٢٠٩ باب ٢٧ / ح ٤٠٨٦ كتاب المغازي منها (١)، وقد خاطَبَه ◌َِّ مُخاطَبَةَ مَن يَعْقِلُ، فقال لمَّ اضطَرَبَ: ((اسكُنْ أُحُدُ)) الحديث(٢). وقال السُّهَيلِيُّ: كان ◌َّهَ يُحِبُّ الفَأَلَ الحَسَن والاسمَ الحَسَن، ولا اسمَ أحسن من اسمٍ مُشْتَقٍّ من الأحَديَّة. قال: ومع كَونِه مُشتَقّاً من الأحديَّة، فحركاتُ حُروفِه الرَّفع، وذلك يُشعِرُ بارتفاع دينِ الأحدِ وعُلوِّهِ، فَتَعلّق الحُبّ من النبيِّ نََّ به لفظاً ومعنَى، فخُصَّ من بين الجبال بذلك، والله أعلم. وقد تقدَّم شيءٌ من الكلام على قوله: ((يُحِبُّنَا ونُحِبُّه) في ((باب مَن غزا بصبيٍّ للخدمة)) من کتاب الجهادِ(٣). ثمَّ ذكر المصنّف حديث عُقْبة بن عامر في صَلاته وََّ على أهلِ أُحُدٍ، وقد تقدَّم مع الكلام عليه في أوَّل الباب (٤٠٤٢). ٢٧ - باب غزوة الرّجيع، ورِعْلٍ وذَكوان، وبئر معونة، وحديث عَضَلٍ والقارَةِ، وعاصم بن ثابتٍ وخبیبٍ وأصحابه قال ابنُ إسحاقَ: حَدَّثنا عاصمُ بنُ عمرَ: أنَّها بعدَ أُحُدٍ. ٤٠٨٦- حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسُفَ، عن مَعمٍَ، عن الزُّهْريِّ، عن عَمْرِو بنِ أبي سفيانَ الثَّقَفِيِّ، عن أبي هريرةَ ◌َ﴾، قال: بَعَثَ النبيُّنَّهِ سَرِيَّةً عَيناً، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابتٍ - وهو جَدُّ عاصمٍ بنِ عمرَ بنِ الخطّاب - فانطَلَقوا حتَّى إذا كان بينَ عُسْفانَ ومكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ من هُذَيلٍ، يقال لهمْ: بنو لِحيانَ، فَتَبِعوهم بقريبٍ من مئّةِ رامٍ، فاقتَصّوا آثارَهم، حتَّى أتوا مَنْزِلاً نزلُوه، فوَجَدوا فيه نَوَى تَمْرِ تزوَّدوه مِن المدينةِ، فقالوا: هذا تَمْرُ يَثْرِبَ، فَتَبِعوا آثَارَهم حتَّى لَحِقوهم، فلمَّا انتَهَى عاصمٌ وأصْحابُه لَجَؤُوا إلى فَدْفَدٍ، وجاء القومُ فأحاطُوا بهم، فقالوا: لكُمُ العَهْدُ والِيثاقُ إن نزلْتُم إلينا أن لا نَقْتُلَ مِنْكم رجلاً، فقال (١) يعني: من الجبال، على الجمع، إيماءً لقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]. (٢) سلف برقم (٣٦٩٩). (٣) في الباب رقم (٧٤). : ٢١٠ باب ٢٧ / ح ٤٠٨٦-٤٠٨٧ فتح الباري بشرح البخاري عاصمٌ: أمَّا أنا فلا أنْزِلُ في ذِمّةٍ كافٍ، اللهمَّ أخبِرٍ عنَّا رسُولَك، فَرَمَوهُم حتَّى قَتَلوا عاصمًاً في سبعةٍ نَفَرِ بالنَّبْلِ، وبَقِيَ خُبِيبٌ وزيدٌ ورجلٌ آخَرُ، فأعطَوْهُمُ العَهْدَ والميثاقَ، فلمَّا أعطَوهمُ العَهْدَ والِيثاقَ نزِلُوا إليهم، فلمَّا استَمْكَنُوا منهم حَلّوا أوْتَارَ قِيِّهم، فرَبَطوهم بها، فقال ٣٧٩/٧ الرجلُ الثّالثُ الَّذي معهما: هذا أوَّلُ الغَدْرِ، فأبى أن يَصْحَبَهم، فجَرَّرُوه/ وعالَجُوه على أن يَصْحَبَهم، فلم يَفْعَل فقَتَلُوه، وانطَلَقوا بخُبیبٍ وزيدٍ حتَّى باعوهما بمكَّةَ، فاشتَرَى خُبيباً بنو الحارثِ بنٍ عامٍ بنِ نَوفَلٍ، وكان خُبِيبٌ هو قَتَلَ الحارثَ يومَ بَدْرٍ، فمَكَثَ عندَهم أسِيراً، حتَّى إذا أْمَعوا قَتْلَه استَعارَ موسى من بعضٍ بنات الحارثِ ليستحِدَّ بها، فأعارَتْه، قالت: فَغَفَلْتُ عن صَبِيٍّ لِي، فَدَرَجَ إليه حتَّى أتاه فوَضَعَه على فخِذِه، فلمَّا رأيتُه فزِعْتُ فزْعةً عَرَفَ ذلك منّي، وفي يدِهِ الموسى، فقال: أتَخْشَينَ أن أقتُلَه؟ ما كنتُ لأَفعَلَ ذاكِ إن شاء الله، وكانت تقولُ: ما رأيتُ أسِيراً قَطُّ خيراً من خُبِيبٍ، لقد رأيتُه يأكلُ من قِطْفِ عِنَبٍ، وما بمكََّ يومَئذٍ ثَمَرَةٌ، وإِنَّه لَمُوَقٌّ في الحديدِ، وما كان إلَّا رِزْقُ رَزَقَه الله، فخَرَجوا به مِن الحَرَمِ لِيَقْتُلوه فقال: دَعوني أُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ انصَرَفَ إليهم، فقال: لولا أن تَرَوا أنَّ ما بي جَزَعٌ مِن الموتِ لَزِدْتُ، فكان أوَّلَ مَن سَنَّ الرَّكْعَتَينِ عندَ القتلِ هو، وقال: اللهمَّ أحصِهِم عَدَداً، ثمَّ قال: وما إن أُبالِ حِينَ أُقْتَلُ مسلماً على أيِّ شِقٌّ كان الله مَصْرَعِي وذلكَ في ذات الإلهِ وإن يَشَأْ يُبارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ثُمَّ قامَ إليه عُقبةُ بنُ الحارثِ فَقَتَلَه، وبَعَثَت قُرَيشٌ إلى عاصمِ لِيُؤْتَوْا بشيءٍ من جَسَدِه يَعْرِ فُونَه، وكان عاصمٌ قَتَلَ عظيماً من عُظَمائهم يومَ بَدْرٍ، فَبَعَثَ الله عليه مِثلَ الظَّلَّةِ مِن الدَّبْرِ، فحَمَتْه من رُسُلِهم، فلم يَقدِروا مِنه على شيءٍ. ٤٠٨٧- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرو، سمعَ جابراً يقول: الَّذي قَتَلَ خُبِيباً هو أبو سِرْوَعةً. قوله: ((باب غزوةِ الرَّجيع)) سَقَطَ لفظ ((باب)) لأبي ذرِّ. والرَّجيع، بفتح الراءِ وكسرٍ الجيم هو في الأصل اسم للرَّوثِ، سُمّيَ بذلك لاستحالَتِهِ. والمرادُ هنا: اسم موضع من ٢١١ باب ٢٧ / ح ٤٠٨٦-٤٠٨٧ كتاب المغازي بلادِ هُذَيلٍ، كانت الوَقْعة بقُربٍ منه، فسُمَّت به. قوله: ((ورِعْلٍ وذَكْوان)) أي: غزوة رِعلٍ وذَكْوان، فأمَّا رِعِلٌّ، فبكسرِ الراءِ وسكونٍ المهمَلة: بطنٌ من بني سُليم، يُنسَبونَ إلى رِعلِ بن عَوْف بن مالك بن امرِئِ القيسِ بن مُهْثَةَ(١) بن سُليم، وأمَّا ذَكْوانُ: فبطن من بني سُليم أيضاً، يُنسَبونَ إلى ذَكْوان بن ثَعْلبة بن بُهْثَ بن سُليم، فنُسِبَت الغزوة إليهما. قوله: (وبئر معونة)) بفتح الميم وضمّ المهملة وسكونِ الواو بعدها نون: موضع في بلادِ هُذَيلِ بين مكَّةَ وعُسْفان(٢)، وهذه الوَقعةُ تُعرَفُ بسَرِيَّة القُرّاءِ، وكانت مع بني رِعلٍ وذَكْوان المذكورينِ، وسيُذكَرُ ذلك في حديثٍ أنسٍ (٤٠٨٨) المذكورِ في الباب. قوله: ((وحديث عَضَلٍ والقارَةِ)) أمَّا عَضَلٌ، فبفتح المهمَلة ثمَّ المعجَمة بعدها لام: بطن من بني الهُون بن خُزيمةَ بن مُدرِكة بن الياس بن مُضَر، يُنسَبونَ إلى عَضَل بن الدِّيش بن مُحُلِّم(٣)، وأمَّا القارَة، فبالقاف وتخفيفِ الراءِ: بطن من الهُون أيضاً يُنسَبونَ إلى الدِّيش المذكورِ، وقال ابن دُرَيد: القارة أكَمةٌ سوداءُ فيها حجارة، كأنَّهم نزلوا عندها فسُمّوا بها، ويُضرَبُ بهم المثَل في إصابة الَّمي، وقال الشّاعرُ: قد أنصَفَ القارَةَ مَن راماها وقِصّة العَضَل والقارَة كانت في غزوة الرَّجيع لا في سَرِيَّة بئرِ مَعُونَةَ، وقد فصَلَ بينهما ابن إسحاق، فذكر غزوةً/ الرَّجيع في أواخرِ سنة ثلاثٍ، وبئر مَعُونة في أوائل سنة أربع، ولم ٣٨٠/٧ يقع ذِكرُ عَضَلِ والقارَة عندَ المصنِّف صريحاً، وإنَّما وقعَ ذلك عند ابن إسحاق، فإنَّه بعد أن استَوفَى قِصّة أُحُدٍ، قال: ذِكرُ يومِ الرَّجيع. حدَّثني عاصم بن عمر بن فَتَادة، قال: قَدِمَ على رسول الله وَل﴿ بعد أَحُدٍ رَهْط من عَضَل والقارة، فقالوا: يا رسول الله، إنَّ فينا إسلاماً، (١) تحرفت في (س) إلى: لهيعة. (٢) بلد على مسافة ثمانين كيلاً من مكة شمالاً على طريق المدينة. (٣) تحرفت في (س) إلى: محكم. ٢١٢ باب ٢٧ / ح ٤٠٨٦-٤٠٨٧ فتح الباري بشرح البخاري فابعَثْ معنا نَفَراً من أصحابك يُفقِّهونَنا، فبَعَثَ معهم سِتّة من أصحابه، فذكر القِصّة. وعُرِفَ بها بيان قول المصنِّف: قال ابن إسحاق: حدَّثنا عاصم بن عمر: أنَّها بعد أُحُد. وأنَّ الضَّمير يعود على غزوة الرَّجيع لا على غزوة بئر مَعُونة. وسأذكر ما عندَه فيها من فائدةٍ زائدةٍ في شرح حديث أبي هريرة في الباب. قوله: ((وعاصم بن ثابت)) أي: ابن أبي الأقلَح، بالقاف والمهمَلة، الأنصاريِّ، وخُبيب، بالمعجَمة والموخَّدة، مُصغّرٌ. قوله: ((وأصحابه)) يعني: العشرة، كما سنذكُرُه في حديث أبي هريرة. تنبيه: سياق هذه الترجمة يوهمُ أنَّ غزوةَ الرَّجيع وبئرِ مَعُونَ شيءٌ واحدٌ، وليس كذلك كما أوضحته، فغزوةُ الرَّجيع كانت سَريَّة عاصم وخُبيب في عشرة أنفُس، وهي مع عَضَل والقارَة، وبئر مَعُونة كانت سَريَّةَ القُرّاء السَّبعين، وهي مع رِعلِ وذَكْوان، وكأنَّ المصنّف أدرَجها معها لقُربها منها، ويدلّ على قُربها منها ما في حديث أنس من تشريك النبيّ وَل بين بني لِحْيان وبني عُصَيَّةً وغيرهم في الدُّعاءِ عليهم(١). وذكر الواقديُّ أنَّ خَبَرَ بئرِ مَعُونَةَ وخَبَرَ أصحاب الرَّجيع جاء إلى النبيِّ وََّ في ليلةٍ واحدةٍ. وَرَجَّحَ السُّهَيلِيُّ أنَّ روايةَ البخاريِّ أنَّ عاصماً كان أميرَهم، أرجَحُ، وجمع غيرُه بأنَّ أمير السَّريَّة مَرثَد، وأنَّ أمير العشرة عاصمٌ بناءً على التعدُّد. ولم يُرِدِ المصنّف أنَّهما قِصّةٌ واحدةٌ، والله أعلم. قوله: ((عن عَمْرو بن أبي سفيان الثَّقَفيّ)) هكذا يقول مَعمَر، ووافقه شُعَيب وآخرون، وقد تقدَّم مُستَوفَّى في الجهاد (٣٠٤٥)، بأتمَّ من هذا، وإبراهيم بن سعد يقول: عن الزُّهْريِّ عن عُمر، بضمِّ العين، كذا أخرجه ابن سعد (٢/ ٥٥) عن مَعن بن عيسى عنه، وكذا قال الطَّيالسيّ (٢٧٢٠) عن إبراهيم، وبذلك جَزَمَ الذَّهْلِيُّ في ((الزُّهْرِيّات)). لكن وقعَ في غزوة بدرٍ (٣٩٨٩) عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد: عَمْرو بفتح العينِ، وأخرجه (١) سيأتي عند المصنف برقم (٤٠٩٠). ٢١٣ باب ٢٧ / ح ٤٠٨٦ -٤٠٨٧ كتاب المغازي أبو داود (٢٦٦٠) عن موسى المذكورِ، فقال: عمرو (١). كذا قال ابن أخي الزُّهْريِّ ويونس من رواية اللَّيثِ عنه عن الزُّهْريِّ عن عَمرو (٢). قال البخاريّ في ((تاريخِه)): عَمْرو أصحّ(٣)، وقد ذكرت ما فيه في غزوة بدر. قوله: ((بَعَثَ النبيُّ نَّهِ سَرِيَّة)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: بسَريَّةٍ، بزيادة موخَّدة في أوَّله، وفي رواية إبراهيمَ بن سعد التي مَضَت في غزوة بدر: بَعَثَ عشرةً عيناً، أي (٤): يَتَجَسَّسونَ له، وفي رواية أبي الأسوَدِ عن عُرْوة(٥): بَعَثَهم عُيوناً إلى مكَّةَ ليأتوه بخَبَرِ قُرَيشٍ. وذكر الواقديُّ أنَّ سبب خروج بني لحيان عليهم قتلُ سفيان (٦) بن نُبيح الهُذَلِيّ، قلت: وكان قتل سفيان المذکور علی ید عبد الله بن أُنیسٍ، وقِصَّته عند أبي داود (١٢٤٩) بإسنادٍ حَسن، وذکر ابن إسحاق أنَّهم كانوا ستّة وسَّهم، وهم: عاصم بن ثابت المذكور، ومَرَد بن أبي مَرِئَد، وخُبيب بن عَدّي، وزيد بن الدَّثِنَة، وهو بفتح الدّال وكسر المثلَّثة بعدها نون، وعبد الله بن طارق، وخالد بن البُكَيرِ. وجَزَمَ ابن سعد بأنَّهم كانوا عشرة، وساقَ أسماء السِّة المذكورين، وزادَ: مُعَتِّب بن عُبيد، قال: وهو أخو عبد الله بن طارق لأُمِّهِ، وكذا سَمَّى موسى بن عُقْبة السَّبعة المذكورين لكن قال: مُعَتِّب بن عَوْف. قلت: فلعلَّ الثلاثة الآخرين كانوا أتباعاً لهم، فلم يَحَصُل الاعتناء بتسميتهم. قوله: ((وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابتٍ)) كذا في ((الصحيح))، وفي السِّيرة: أنَّ الأميرَ عليهم كان مَرَد بن أبي مَرتَد، وما في ((الصحيح)) أصحُ. (١) تحرفت في (س) إلى: عُمر. وانظر ((الإيمان)) لابن منده (٨٩٥- ٨٩٦). (٢) تحرف في (س) إلى: عُمر. (٣) إنما قال البخاري ذلك في ((تاريخه الكبير)) ٣٣٦/٦ بعد قوله: وقال بعضهم: عن ابن أسيد، فقال: والأول أصح، يعني قول من قال: عمرو بن أبي سفيان بن أسيد. فصحح هذا في نسبه لا في اسمه. (٤) لفظة ((أي)) سقطت من (س). (٥) ومن طريق آخر عند الطبراني في ((الكبير)) (٥٢٨٤). (٦) كذا قال الحافظ رحمه الله، وإنما هو خالد بن سفيان بن نبيح، وكذلك هو في جميع المصادر التي خرّجت هذا الخبر. ٢١٤ باب ٢٧ / ح ٤٠٨٦-٤٠٨٧ فتح الباري بشرح البخاري ٣٨١/٧ قوله: ((وهو جَدُّ عاصم بن عمر)) تقدَّم أنَّه خال عاصم لا جَدّه، وأنَّ الرِّواية المتقدِّمة يُمكِن رَدّها إلى الصواب بأن يُقرأ ((جدِّ)) بالكسرِ، وأمَّا هذه فلا حيلةَ فيها. وقد أخَذَ بظاهرها بعضُهم فقال: تزوَّجَ عمرُ جميلةَ بنتَ عاصمٍ بن ثابت، فوَلَدَت له عاصمً. قوله: ((حتَّى إذا كانوا بين عُسْفان ومكَّة)) تقدَّم في غزوة بدر حتَّى إذا كانوا بالهَدْأَة، وهي للأكثر بسكونِ الدّال بعدها همزة مفتوحة، وللكُشْمِيهنيّ بفتح الدّال وتسهيل الهمزة، وعند ابن إسحاق: الهَدّة بتشديد الدّال بغير ألفٍ، قال: وهي على سبعة أميالٍ من عُشْفان. قوله: ((يقال لهم: بنو لِحيان)) بكسرِ اللّام - وقيل: بفتحها - وسكون المهمَلة، ولحيانُ: هو ابن هُذَيلِ نفسه، وهُذَيلٌ: هو ابن مُدرِكة بن الياس بن مُضَر. وزَعَمَ الهَمْدانيُّ النَّسّابةُ أنَّ أصلَ بني لحيان من بقايا جُرْهُم، دخلوا في هُذَيلٍ فُسِبوا إليهم. قوله: ((فَتَبعوهم بقريبٍ من مئة رامٍ)) في رواية شُعَيبٍ في الجهاد (٣٠٤٥): فَتَفَروا لهم قريباً من مئتي رجلٍ. والجمع بينهما واضح بأن تكون المئة الأُخرى غيرَ رُماةٍ، ولم أقِفْ على اسم أحدٍ منهم. قوله: ((فاقتَصُّوا آثارَهم حتَّى أتوا مَنزِلاً نزلوه فَوَجَدوا فيه نَوَى تَمٍ)) في رواية أبي مَعشَر في ((مغازيه): فنزلوا بالرَّجيع سَحَراً، فأكَلوا تَمَر عَجْوة، فسَقَطَت نَواهُ بالأرضِ، وكانوا يسيرونَ اللَّيلَ ويَكُمُنونَ النَّهارَ، فجاءت امرأةٌ من هُذَيلِ تَرعَى غَنَماً، فرأت النُِّيّ فأنكَرَت صِغَرَهنَّ، وقالت: هذا تمرُ يَثِرِب، فصاحَت في قومِها: أُتِيْتُم، فجاؤوا في طلبهم، فوَجَدوهم قد كَمَنُوا في الجبلِ. قوله: ((حتَّى لَحِقوهم)) في رواية ابن سعد (٢/ ٥٥): فلم يُرَع القوم إلّا بالرِّجال بأيديهم السُّيوفُ قد غَشُوهم. قوله: ((لجؤوا إلى فدفَد)) بفاءَينِ مفتوحَتَينِ ومُهمَلَتَينِ الأولى ساكنة: وهي الرابية المشرِفة، ووقعَ عند أبي داود (٢٦٦٠): إلى قَرْدَد، بقافٍ وراءٍ ودالَينِ، قال ابن الأثير: هو ٢١٥ باب ٢٧ / ح ٤٠٨٦-٤٠٨٧ كتاب المغازي الموضعُ المرتَفِع، ويقال: الأرض المستوية. والأوَّلُ أصحّ. قوله: ((فقالوا: لكم العَهدُ والميثاقُ إن نزلتُم إلينا أن لا نَقتُلَ منكم رجلاً) في رواية ابن سعد: فقالوا لهم: إنا والله ما نُريدُ قتالكم، إنَّما نُريد أن نُصيبَ منكم شيئاً من أهلِ مكَّةَ. قوله: ((فقال عاصم: أمَّا أنا فلا أنزِلُ في ذِمّةٍ كافٍ)) في مُرسَلِ بُرَيدة بن سفيان عند(١) سعيد بن منصور: فقال عاصم: اليوم لا أقبَلُ عَهداً من مُشرِك. قوله: ((فقال: اللهمَّ أخبر عنَّا رسولك)) في رواية الطَّيالسيِّ عن إبراهيم بن سعد: «فاستَجابَ الله لعاصم، فأخبر رسولَه خَبَرَه، فأخبر أصحابَه بذلك يومَ أُصيبوا. وفي رواية بُرَيدة: فقال عاصم: اللهمَّ إنّي أحمي لك اليومَ دينك، فاحمِ لي لَحْمي. وسيأتي ما يتعلَّقُ بذلك في آخِرِ الكلام على الحدیث. قوله: ((في سَبعة)) أي: في ◌ُملة سبعةٍ. قوله: ((وبَقيَ خُبيب وزيد ورجل آخَر)) في رواية ابن إسحاق: فأمَّا خُبيبُ بن عَديّ وزيد بن الدَّثِنَة وعبد الله بن طارق فأُسِروا (٢)، وعُرِفَ منه تسمية الرجلِ الثالث، وأنَّه عبد الله بن طارق، وفي رواية أبي الأسوَد عن عُروة: أنَّهم صَعِدوا في الجبلِ فلم يَقدِروا عليهم، حتَّى أعطَوهم العَهدَ والميثاق. قوله: ((فَرَبَطوهم بها، فقال الرجلُ الثالثُ الذي معهما: هذا أوَّلُ الغَدرِ ... )) إلى آخره، وهو يقتضي أنَّ ذلك وقعَ منه أوَّل ما أسَروهم، لكن في رواية ابنِ إسحاقَ: فخَرَجوا بالنَّفَرِ الثلاثة حتَّى إذا كانوا بمَرِّ الظَّهران انتَزَعَ عبد الله بن طارق يدَه وأخَذَ سيفه، فذكر قِصّةً قتله. فيحتمل أنَّهم إنَّما رَبَطوهم بعد أن وصَلوا إلى مَرِّ الظَّهران، وإلّا فما في ((الصحيح)) أصحّ. قوله: ((حتَّى باعوهما بمكَّةَ)) في رواية ابنِ إسحاق وابن سعد: فأمَّا زيد فابتاعه صفوانُ (١) تحرفت في (س) إلى: عن. (٢) في (س): فاستؤسِروا. ٢١٦ باب ٢٧ / ح ٤٠٨٦-٤٠٨٧ فتح الباري بشرح البخاري ابن أُميَّة فقَتَلَه بأبيه. وعند ابن سعد أنَّ الذي تَوَلَّ قتله نِسْطاسُ مَولَى صفوان. قوله: ((فاشتَرَى خُبيباً بنو الحارث بن عامر بن نَوفَل)) بيَّن ابن إسحاق أنَّ الذي تَوَلَّى شِراءَه هو حُجَير(١) بن أبي إهاب التميميّ، حَليف بني نَوفَل، وكان أخا الحارث بن عامر لأُمِّهِ، وفي رواية بُرَيدة بن سفيان: أنَّهم اشتَروا خُبيباً بأَمَةٍ سوداء، وقال ابن هشام: باعوهما بأسیرینِ من هُذَیلِ کانا بمگَّة. ويُمكِنُ الجمع. قوله: ((وكان خُبيب هو قَتَلَ الحارثَ بن عامر يومَ بدر)» كذا وقعَ في حديث أبي هريرة، واعتَمَدَ البخاريّ على ذلك، فذكر خُبيبَ بن عَديٍّ فيمن شَهِدَ بدراً، وهو اعتمادٌ مُتَّجِهٌ. لكن تَعقَّبَه الدِّمياطيّ بأنَّ أهلَ المغازي لم يَذكُر أحدٌ منهم أنَّ خُبِيبَ بنَ عَديِّ شَهِدَ بدراً، ٣٨٢/٧ ولا قتَل الحارثَ بنَ عامر، / وإنَّما ذكروا أنَّ الذي قتل الحارثَ بن عامر ببدرٍ خُبيبُ بن إسافٍ، وهو غيرُ خُبيب بن عَديّ، وهو خَزْرَجيّ، وخُبيب بن عديٍّ أوسيّ، والله أعلم. قلت: يَلْزَم من الذي قال ذلك رَدُّ هذا الحديث الصحيح، فلو لم يَقتُل خُبِيبُ بن عَديّ الحارثَ ابن عامر ما كان الاعتناءِ آلٍ (٢) الحارث بن عامر بأسرِ خُبيبٍ مَعنّى، ولا بقتلِهِ، مع التصريحِ في الحديث الصحيح أنَّهِم قَتَلوه به. لكن يحتملُ أن يكونوا قَتَلُوا خُبيب بن عدي(٣)، لگونِ خُبيب ابن إسافٍ قتل الحارثَ على عادَتِهِم في الجاهليَّة بقتلِ بعض القبيلة عن بعضٍ. ويحتملُ أن يكونَ خُبيبُ بن عَديٍّ شارك في قتلِ الحارثِ، والعلمُ عندَ الله تعالى. قوله: ((فمَكَثَ عندَهم أسيراً حتَّى إذا أجمَعُوا قتلَه)) في رواية ابن سعدٍ: فحَبَسوهما حتَّى خَرَجَتِ الأشهُرُ الحُرُم، ثمَّ أخرَجوهما إلى التنعيمِ فقَتَلوهما. وفي رواية بُرَيدة بن سفيان: فأساؤوا إليه في إسارهِ، فقال لهم: ما يَصنَعُ القومُ الكِرامُ هذا بأسيرهم، قال: فأحْسَنوا إليه (١) تحرف في (ع) و(س) إلى: حجین، بالنون. (٢) لفظة ((آل)) سقطت من (س). (٣) في (س): أن يكون قتلوه بخبيب بن عدي، وهو خطأ واضح، وفي (ع) أن يكون قتلوه به، ولم تظهر في (أ)، والمثبت من ((سبل الهدى والرشاد)) للصالحي ٤٦/٦ نقلاً عن الحافظ، وهو أوضح مما وقع في (ع) فلذلك أثبتناه. ٢١٧ باب ٢٧ / ح ٤٠٨٦- ٤٠٨٧ كتاب المغازي بعدَ ذلك، وجَعَلوه عندَ امرأةٍ تَّحِرُسُه. وروى ابن سعدٍ (٥٦/٢) من طريق مَوهَبٍ مَولَى آلِ نَوفَلِ قال: قال لي خُبیب، وكانوا جَعَلوه عندي: يا مَوهَبُ أطلُبُ إليك ثلاثاً، أن تَسْقِيَنِي العَذب، وأن تُجِنِّني ما ذُبحَ على النُّصُب، وأن تُعْلِمَني إذا أرادوا قتلي. قوله: ((حتَّى إذا أجمعوا قتلَه استَعارَ موسى)) هكذا وقَعَت هذه القِصّةُ مُدرجةً في رواية مَعمَر، وكذا إبراهيم بن سعد كما تقدَّم في غزوة بدر، وقد وَصَلَها شُعَيب في روايته كما تقدَّم في الجهاد: قال: فلَبثَ خُبيب عندَهم أسيراً، فأخبرني عبيد الله بن عياض أنَّ بنت الحارث أخبَرَته: أنَّهم حين اجتَمَعوا استَعارَ مِنها موسى. ووقعَ في ((الأطراف)) لخَلَفٍ أنَّ اسمَها: زينب بنت الحارث، وهي أُختُ عُقْبة بن الحارث الذي قتل خُبيباً، وقيل: امرأتُه. وعُبيد الله بن عياض المذكور، قال الدِّمياطيّ: أغفَلَه مَن صَنَّفَ في رجال البخاريّ. قلت: لكن تَرجَمَ له المِّيُّ، وذكر أنَّه تابعيّ روى عن عائشةَ وغيرها، وروى عنه الزُّهْرِيُّ وعبد الله بن عثمان بن خُثَيم وغيرهما، والقائل: فأخبرني، هو الزُّهْريّ، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه عَمْرو بن أبي سفيان. وعند ابن إسحاق(١) عن عبد الله بن أبي نَجِيح قال: حُدِّثتُ عن (٢) مارية(٣) مولاة حُجَير (٤) ابن أبي إهاب، وكانت قد أسلَمَت، قالت: حُبسَ خُبيب في بيتي، ولقد الطَّلَعت عليه يوماً وإنَّ في يدِه لَقِطْفاً من عِنَبِ، مثلَ رأسِ الرجلِ يأكلُ منه، فإن كان محفوظاً احتَمَلَ أن يكونَ كلٌّ من مارية وزينبَ رأت القِطفَ في يدِه يأكلُه، وأنَّ التي حُبسَ في بيتِها مارية والتي كانت تَحُرُسُه زينب، جمعاً بين الرِّوايتَينِ، ويحتملُ أن يكون الحارثُ أباً لماريةَ من الرَّضاع. (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ١٧٢. (٢) لفظة ((عن)) سقطت من (س). (٣) قال ابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٧/ ٢٦٢: في رواية يونس والبكائي عن ابن إسحاق: ماوية، بالواو، ورواه عبد الله بن إدريس: مارية، بالراء. (٤) تحرف في الأصلين و(س) إلى: حجين، بالنون، وقد سلف ذكر حُجير هذا قريباً. ٢١٨ باب ٢٧ / ح ٤٠٨٦-٤٠٨٧ فتح الباري بشرح البخاري ووقعَ عندَ ابنِ بَطّالٍ أنَّ اسمَ المرأة جُوَيرِية، فيحتملُ أن يكونَ لمَّا رأى قولَ ابنِ إسحاقَ إنَّها مولاةُ حُجَير(١) بن أبي إهاب، أطلقَ عليها جُوَيرِيةَ لكَونِها أَمةً، أو يكون وَقَعَ له رواية فيها أنَّ اسمها جُوَیرِیةٌ. وقوله: ((موسى)) يجوز فيه الصرف وعَدَمُه. وقوله: ((ليَستَحِدَّ بها)) في رواية بُرَيدة بن سفيان: ليَستَطِيبَ بها. والمرادُ أنَّه يَحِلِقُ عانتَه. قوله: ((قالت: فغَفَلْتُ عن صبيٍّ لي) ذكر الزُّبَيرُ بن بكّارِ أنَّ هذا الصبيّ هو أبو حُسَين بن الحارث بن عامر(٢) بن نَوفَل بن عبد منافٍ، وهو جَدُّ عبدِ الله بن عبدِ الرحمنِ بن أبي حُسَين المكّيِّ المحدِّثِ، وهو من أقران الزُّهْريِّ. وفي رواية بُرَيدة بن سفيان: وكان لها ابنٌ صغير، فأقبَلَ إليه الصبيُّ، فأخَذَه فأجلَسَه عندَه، فخَشيتِ المرأةُ أن يَقتُّلَه فناشَدَته. وعندَ أبي الأسوَدِ عن عُرْوةَ: فأخَذَ خُبيب بيَدِ الغلام، فقال: هل أمكَنَ الله منكم؟ فقالت: ما كان هذا ظَنّي بك، فَرَمَى لها الموسى، وقال: إنَّما كنت مازحاً. وفي رواية بُرَيدة بن سفيان: ما كنت لأغدِرَ. وعندَ ابن إسحاق عن ابن أبي نَجِيح وعاصم بن عمر جميعاً، أنَّ ماريةَ قالت: قال لي خُبِيبٌ حين حَضَرَه القتلُ: ابعَثي لي بحَديدةٍ أتطهّرُ بها، قالت: فأعطَيته غلاماً من الحيِّ. قال ابن هشام: يقال: إنَّ الغلامَ ابنُها. ٣٨٣/٧ ويُجمَع بين الرِّوايتَينِ بأنَّه طلبَ الموسى من كلٌّ من المرأتينِ، وكان الذي أوصَلَه إليه ابنَ إحداهما، وأمَّا الابن الذي خَشَيَت عليه ففي رواية هذا الباب: فغَفَلتُ عن صبيٍّ لي فَدَرَجَ إليه، حتَّى أتاه فَوَضَعَه على فخِذِه. فهذا غير الذي أحضَرَ إليه الحديدة. والله أعلم. قوله: ((لقد رأيته يأكلُ من قِطْفٍ عِنَبِ، وما بمكَّةَ يومَئذٍ ثَمَرَةٌ)) القِطفُ، بكسرِ القاف: (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: حجين بالنون. (٢) وقع في الأصلين و(س): عدي، بدل: عامر، وهو خطأ. والمثبت على الصواب من هامش (ع) موافقاً لما في كتب التراجم والأنساب. انظر (تهذيب الكمال)) ترجمة عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ٢٠٥/١٥. ٢١٩ باب ٢٧ / ح ٤٠٨٦-٤٠٨٧ كتاب المغازي العُنقود. وفي رواية ابن إسحاق عن ابن أبي نَجِيح كما تقدَّم: وإنَّ في يدِه لَقِطفاً من عِنَبٍ مثلَ رأسِ الرجلِ. قوله: ((وما كان إلّا رِزْقٌ رَزَقَه الله)) في رواية إبراهيم بنِ سعدٍ: رَزَقَه الله خُبيباً. وفي رواية شُعَيبٍ: وكانت(١) تقول: إنَّه لَرِزقٌ من الله رَزَقَه خُبِيباً. قال ابن بَطّالٍ: هذا يُمكِنُ أن يكونَ اللهُ جعله آيةً على الكفَّار، وبُرهاناً لنبيِّه، لتصحيح رسالتِهِ، قال: فأمَّا مَن يَدَّعي وقوعَ ذلك له اليومَ بين ظهراني المسلمين، فلا وجه له، إذ المسلمونَ قد دخلوا في الدّينِ وأيقنوا بالنُّبّة، فأيُّ مَعَنَّى لإظهار الآية عندَهم؟ ولو لم يكن في تَجويزِ ذلك إلّا أن يقولَ جاهلٌ: إذا جازَ ظُهورُ هذه الآيات على يدِ غير نبيِّ، فكيفَ نُصَدِّقُها من نبيِّ، والفَرضُ أنَّ غيرَه يأتي بها، لكان في إنكار ذلك قطعاً للذَّريعة، إلى أن قال: إلّا أن يكونَ وقوعُ ذلك ممَّا لا يَخْرِقُ عادةً ولا يَقلِبُ عيناً، مثلَ أن يُكرِمَ الله عبداً بإجابة دعوةٍ في الحينِ، ونحو ذلك ممَّا يَظهَرُ فيه فضلُ الفاضلِ وكرامةُ الوَلِيِّ، ومن ذلك حمايةُ الله تعالى عاصماً لثَلَا يَنتَهِك عدوُّه حُرمَتَه. انتھی. والحاصلُ أنَّ ابنَ بَطّالٍ تَوَسَّطَ بين مَن يُثبتُ الكرامةَ ومَن يَنفيها، فجَعَلَ الذي يثبتُ ما قد تَجري به العادةُ لآحادِ الناس أحياناً، والممتَنِعَ ما يَقلِبُ الأعيانَ مثلاً. والمشهورُ عن أهلِ السُّنّة إثباتُ الكرامات مُطلَقاً، لكن استَئِنَى بعضُ المحَقِّقين منهم كأبي القاسم القُشَيريِّ ما وقعَ به التحَدّي لبعض الأنبياءِ، فقال: ولا يَصِلونَ إلى مثلِ إيجادِ ولدٍ من غير أبٍ، ونحو ذلك. وهذا أعدَلُ المذاهب في ذلك، فإنَّ إجابةَ الدَّعوة في الحال، وتكثيرَ الطَّعام والماءِ، والمكاشفة بما يَغيبُ عن العين، والإخبار بما سيأتي، ونحو ذلك قد كَثُرَ جدّاً، حتَّى صارَ وقوعُ ذلك ◌َمَّن ينتسبُ إلى الصلاح كالعادة، فانحَصَرَ الخارقُ الآنَ في نحو ما قاله القُشَيِريّ، وتَعيَّنَ تقييدُ قولِ مَن أطلقَ أنَّ كلَّ مُعجِزةٍ وُجِدَت لنبيِّ، يجوزُ أن تَقَعَ كرامةً لوَلِيٍّ. (١) تحرفت في الأصلين و(س) إلى: وثابت. ٢٢٠ باب ٢٧ / ح ٤٠٨٦ -٤٠٨٧ فتح الباري بشرح البخاري ووراء ذلك كلِّه أنَّ الذي استَقرَّ عندَ العامّة أنَّ خَرقَ العادة يدلُّ على أنَّ مَن وقعَ له ذلك من أولياءِ الله تعالى، وهو غَلَطُ ممَّن يقوله، فإنَّ الخارقَ قد يَظهَرُ على يدِ المُبطِلِ من ساحرٍ وكاهِنٍ وراهبٍ، فَيَحتاجُ مَن يَستَدِلُّ بذلك على ولاية أولياءِ الله تعالى إلى فارق. وأَولى ما ذكروه أن يُخْتَبَرَ حالُ مَن وقعَ له ذلك، فإن كان مُتَمسِّكاً بالأوامرِ الشَّرعيَّة والنَّواهي كان ذلك علامةَ ولايتِهِ، ومَن لا فلا (١)، وبالله التوفيق. قوله: ((فلمَّا خَرَجوا (٢) به من الحَرَمِ)) بيَّن ابن إسحاق أنَّهم أخرَ جوه إلى التنعيمِ. قوله: ((دَعُوني أُصَلِّ)) كذا للكُشْمِيهنيّ بغير ياءٍ، ولغيره بثبوتِ الياءِ، ولكلٍّ وجهٌ، ولموسى بن عُقْبةَ: أنَّه صَلَّى ركعتَينِ في موضع مسجد التنعيمِ. قوله: (لَزِدت)) في رواية بُرَيدة بن سفيان: لَزِدت سجدتَينِ أُخرَيَينِ. قوله: ((وقال: اللهمَّ أحصِهم عدداً) زاد في رواية إبراهيمَ بن سعدٍ: واقتُلهم بَدَداً - أي: مُتَفرِّقين - ولا تُبِقِ منهم أحداً. وفي رواية بُرَيدة بن سفيان: فقال خُبيب: اللهمَّ إنّي لا أجِدُ مَن يُبلِّغ رسولك مِنِّي السَّلامَ فبَلِّغه. وفيه: فلمَّا رُفِعَ على الخشبة استَقَبَلَ الدُّعاءَ قال: فَبَدَ رجلٌ بالأرضِ خَوفاً من دُعائه، فقال: اللهمَّ أحصِهم عدداً واقتُلهم بَدَداً. قال: فلم يَحُلِ الحولُ ومنهم أحدٌ حَيٌّ غيرَ ذلك الرجلِ الذي لَبَدَ بالأرضِ. وحَكَى ابنُ إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان قال: كنت مع أبي فجَعَلَ يُلقيني إلى الأرضِ حين سمعَ دعوةَ خُبيب. وفي رواية أبي الأسوَدِ عن عُرْوةَ: مَمَّن حَضَرَ ذلك أبو ٢٨٤/٧ إهاب بن عزيز، والأخنَس بن شَرِيق، وعُبيدة بن حَكيم السُّلَميّ، وأُميَّة بن / عُتبةَ بن همَّام. وعنده أيضاً: فجاء جِبريلُ إلى النبيِّ وَّرَ فأخبَرَه، فأخبر أصحابَه بذلك. وعند موسى بن عُقْبة: فَزَعَموا أنَّ رسولَ الله وَِّ قال ذلك اليومَ وهو جالسٌ: ((وعليك السَّلامُ يا خُبيب، (١) قال أبو يزيد البسطامي: لله خلقٌ كثيرون يمشون على الماء، لا قيمة لهم عند الله، ولو نظرتُم إلى من أُعطيَ من الكرامات حتى يطير فلا تغتروا به، حتى تروا كيف هو عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والشَّرْع. نقله عنه الذهبي في (سير أعلام النبلاء)» ٨٨/١٣. (٢) هذا لفظ رواية إبراهيم بن سعد السالفة برقم (٣٩٨٩)، ولفظ رواية معمر هنا: فخرجوا به.