النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ باب ٧ / ح ٣٩٦٤ كتاب المغازي الجموع، انتھی. وعَفراءُ والدة معاذ، واسم أبيه الحارث، وأمَّا ابن عَمْرو بن الجَمُوح فليس اسم أمّه عَفراء، وإنَّما أُطلِقَ عليه تَغليباً، ويُحتمل أن تكون أمّ مُعَوِّذ أيضاً تُسَمَّى عَفراء، أو أنَّه لمَّا كان لمعوِّذٍ أخ يُسَمَّى معاذاً باسم الذي شَرِكَه في قتل أبي جهل، ظنَّه الراوي أخاه. وقد أخرج الحاكم من طريق ابن إسحاق(١): حدَّثني ثَور بن يزيد عن عِكْرمة عن ابن عبَّاس، قال ابن إسحاق: وحدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم قال: قال معاذ بن عَمْرو ابن الجَمُوح: سمعتهم يقولون وأبو جهل في مثل الخَرَجة(٢): الحَكَم(٣) لا يُخْلَص إليه، فجَعَلته من شأني، فَصَمِدْتُ(٤) نحوه، فلمَّا أمكَنَني، حَمَلتُ عليه فضربتُه ضربة أطنَّت قَدَمه، وضَرَبني ابنه عِكْرمة على عاتقي فطَرَحَ يَدي - قال(٥): ثمَّ عاشَ معاذ إلى زمن عثمان - قال: ومَرَّ بأبي جهل مُعَوِّذ ابن عَفراء فضَرَبَه حتَّى أثبَتُه وبه رَمَق، ثمَّ قاتَلَ مُعَوِّذ حتَّى قُتِل، فمرَّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل فوَجَدَه بآخِرِ رَمَق، فذكر ما تقدَّم. فهذا الذي رواه ابن إسحاق يجمع بين الأحاديث، لكنَّه يُخالف ما في ((الصحيح)) من حديث عبد الرحمن بن عَوْف: أنَّه رأى معاذاً ومُعَوِّذاً شَدّا عليه جميعاً حتَّى طَرَحاه، وابن إسحاق يقول: إنَّ ابن عَفراء هو مُعَوِّد، وهو بتشديد الواو، والذي في (الصحيح)): مُعاذ، وهما أخَوان، فيحتمل أن يكون معاذ ابن عَفراء شَدَّ عليه مع معاذ بن عَمْرو، كما في ((الصحيح))، وضَرَبَه بعد ذلك مُعَوِّذ حتَّى أثبته، ثمَّ حَّ رأسه ابن مسعود، فتجتمعُ الأقوال کلّها. وإطلاق كَونهما قَتَلاه يُخالف في الظّاهر حديث ابن مسعود: أنَّه وَجَدَه وبه رَمَق، وهو (١) وهو أيضاً في ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق، كما في ((سيرة ابن هشام)) ١/ ٦٣٤. (٢) فسَّرها ابن هشام في ((سيرته)) ١/ ٦٣٤ بأنها الشجر الملتفّ. (٣) في (أ): أبو جهل، وفي (س): أبو جهل الحكم بجمع الوصفين، والمثبت على الصواب من (ع) موافقاً ما جاء في ((سيرة ابن هشام)) ١ / ٦٣٤. (٤) في (س): فَعَمَدت. وكلاهما بمعنَى. (٥) القائل هو ابن إسحاق، كما جاء مبيناً في ((سيرة ابن هشام)) ٦٣٥/١. ٤٢ باب ٧ / ح ٣٩٦٥ -٣٩٦٨ فتح الباري بشرح البخاري محمول على أنَّهما بَلَغا به بضربهما إيّاه بسيفَيهما مَنزِلة المقتول، حتَّى لم يَبَقَ به إلّا مثل حركة المذبوح، وفي تلك الحالة لَقِيَه ابن مسعود، فضَرَبَ عُنقَه، والله أعلم. وأمَّا ما وَقَعَ عند موسى بن عُقْبة، وكذا عند أبي الأسوَد عن عُرْوة: أنَّ ابن مسعود وَجَدَ أبا جهل مصروعاً بينه وبين المعرَكة غيرُ كَثير، مُتَقَنِّعاً في الحديد، واضعاً سيفه على فخذه، لا يَتَحرَّك منه عُضو، وظَنَّ عبد الله أنَّه مُثَبَتٌ جِراحاً، فأتاه من ورائه فتَنَاوَلَ قائم سيف أبي جهل، فاستَلَّه، ورَفَعَ بيضة أبي جهل عن قَفاه فضَرَبَه، فَوَقَعَ رأسه بين يَدَيهِ. فيُحمَل على أنَّ ذلك وَقَعَ له معه بعد أن خاطَبَه بما تقدَّم، والله أعلم. ٢٩٧/٧ ٣٩٦٥ - حدَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الله الرّقاشيُّ، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، قال: سمعتُ أبي يقول: حدّثنا أبو مِجْلٍَ، عن قيسِ بنِ عُبادٍ، عن عَلِيٍّ بنِ أبي طالبٍ ◌ُ، أَنَّه قال: أنا أوَّلُ مَن يَحْثُو بِينَ يَدَي الرَّحمنِ للخصومةِ يومَ القيامةِ. وقال قيسُ بنُ عُبادٍ: وفِيهِم أَنْزِلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ [الحج: ١٩] قال: هُمُ الَّذِينَ تَبَارَزوا يومَ بَدرٍ: حمزةُ وعليٌّ وعُبيدةُ - أو أبو عُبيدةَ - بنُ الحارثِ، وشَيْبةُ بنُ رَبِيعَةَ وعُتْبَةُ بنُ رَبِيعةَ والوَلِيدُ بنُ عُثْبَةَ. [طرفاه في: ٣٩٦٧، ٤٧٤٤] ٣٩٦٦- حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن قيسِ بنِ عُبادٍ، عن أبي ذرِّ ◌َُّ، قال: نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ في سِتّةٍ من قُرَيشٍ: عَلِيٍّ، وحمزةَ، وعُبيدةَ بنِ الحارثِ، وشَيبةَ بنِ رَبِيعةَ، وعُتبةَ بنِ رَبِيعةَ، والوَلِيدِ بنِ عُتبةً. [أطرافه في: ٣٩٦٨، ٣٩٦٩، ٤٧٤٣] ٣٩٦٧- حدّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الصَّوّافُ، حدَّثنا يوسُفُ بنُ يعقوبَ - كان يَنْزِلُ في بني ضُبيعةً، وهو مَولِى لِبني سَدُوسَ - حدَّثنا سليمانُ التَّميُّ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن قيسٍ بِنِ عُبادٍ، قال: قال عليٌّ ◌َّ: فينا نزلت هذه الآيةُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِرَبِّهِمْ﴾. ٣٩٦٨- حدَّثني يحيى بنُ جعفرٍ، حدَّثنا وكِيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي هاشمٍ، عن أبي مِجْلَزٍ، ٤٣ باب ٧ / ح ٣٩٦٩ - ٣٩٧٠ كتاب المغازي عن قيسٍ بن عُبَادٍ، سمعتُ أبا ذرِّ عُ يُقْسِمُ: لَنَزَلَ هُؤُلاءِ الآياتُ في هؤلاءِ الرَّهْطِ السِّةِ يومَ بَدْرٍ، نحوه. ٣٩٦٩- حدَّثْنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هُشَيمٌّ، أخبرنا أبو هاشمٍ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن قيسٍ بنِ عُبادٍ، قال: سمعتُ أبا ذرِّ يُقْسِمُ قَسَماً: إنَّ هذه الآيةَ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِىِ رَبِهِمْ﴾ نزلت في الَّذِينَ بَرَزُوا يومَ بَدْرٍ: حمزةَ وعَلِيٍّ وعُبيدةَ بنِ الحارثِ، وعُتْبَةَ وَشَيْبةَ ابنَي رَبِيعةً والوَلِيدِ بنِ عُتْبَ. ٣٩٧٠- حدَّثني أحمدُ بنُ سعيدٍ أبو عبدِ الله، حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورِ السَّلُولِي، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسُفَ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، سألَ رجلٌ البراءَ وأنا أسمَعُ، قال: أشَهِدَ عليّ بَدْراً؟ قال: بارَزَ وظاهَرَ. الحديث الخامس والسادس: حديث عليّ وأبي ذرٍّ في المبارزة، أورَدَه من طرق. وأبو ((مِجْلَز)) بكسرِ الميم وسكون الجيم وفتح اللّام بعدها زاي: هو لاحق بن حُميدٍ، تابعيّ، و کذا شيخه والراوي عنه. ((وقيس بن عُباد)) بضمِّ المهمَلة وتخفيف الموخَّدة، تقدَّم في مناقب عبد الله بن سَلام (٣٨١٣)، وليس له في البخاريّ سوى ذلك الحديث، وحديث الباب مع الاختلاف عليه هل هو عن عليّ أو أبي ذرِّ؟ والذي يَظهَر أنَّه سمعَه من كلٍّ منهما، ويدلّ عليه اختلاف السّياقَينِ. قوله: ((مَن يَجِثُو)) بالجيم والمثلَّثة، أي: يَقعُد على رُكبَتَيَه مُخاصماً، والمراد بهذه الأوَّليَّة تقييده بالمجاهدين من هذه الأُمّة، لأنَّ المبارزة المذكورة أوَّل مُبارَزة وقَعَت في الإسلام. قوله: ((وقال قیس» هو ابن عُباد المذكور، وهو موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((وفيهم أَنْزِلَت)) هكذا وقعَ في رواية مُعتَمِر بن سليمان عن أبيه مُرسَلاً، ووقعَ في رواية يوسف بن يعقوب بعدها: عن سليمان التيميِّ عن أبي مِجْلَز عن قيس، قال: قال عليّ: ٤٤ باب ٧ / ح ٣٩٧٠ فتح الباري بشرح البخاري فينا نزلت، وسيأتي في تفسير الحجّ (٤٧٤٣): أنَّ منصوراً (١) رواه عن أبي هاشم عن أبي مِجْلَز، فوَقَفَه علیه. قوله: ((في سِتّة من قُرَيش)) يعني ثلاثة من المسلمين من بني عبد منافٍ: اثنين من بني هاشم، وواحد من بني المطَّلِب. وثلاثةً من المشركين من بني عبد شمس بن عبد منافٍ. قوله: ((عليّ وحمزة)) أي: ابن عبد المطَّلِب بن هاشم، وعُبيدة بن الحارث: ابن المطَّلِب. قوله: ((وشَيْبة بن ربيعة)) أي: ابن عبد شمس ((وعُتبة)) هو أخوه، ((والوليد بن عُتبة)) ولده. ولم يقع في هذه الرِّواية تفصيل المبارزين، وذكر ابن إسحاق: أنَّ عُبيدة بن الحارث وعُتبة بن ربيعة كانا أسَنَّ القوم، فَبَرَزَ عُبيدة لعُتبة، وحمزة لشَيْبة، وعليّ للوليدِ. وعند موسى بن عُقْبة: بَرَزَ حمزة لعُتبة، وعُبيدة لشَيْبة، وعليّ للوليدِ. ثمَّ اتَّفَقا، فقَتَلَ عليّ الوليد، وقتل حمزة الذي بارَزَه، واختَلَفَ عُبيدة ومَن بارَزَه بضربَتَيْنٍ، فَوَقَعَت الضَّربة في رُكبة عُبيدة، فماتَ منها لمَّا رجعوا بالصَّفراءِ، ومالَ حمزة وعليّ إلى الذي بارَزَ عُبيدة، فأعاناه على قتله. وعند الحاكم من طريق عبدٍ خَيْر عن عليّ، مثل قول موسى بن عُقْبة، وعند أبي الأسوَد عن عُزْوة، مثله. ٢٩٨/٧ وأورَدَ ابن سعد من طريق عَبيدة السَّلْمانيّ: أنَّ شَيْبة لحمزة،/ وعُبيدة لعُتبة، وعليّاً للوليدِ، ثمَّ قال: الثَّبْتُ(٢) أنَّ عُتبة لحمزة وشَيْبة لعُبيدة. انتهى، قال بعض مَن لَقِيناه: اتَّفَقَت (١) كذا جزم الحافظ بأنَّ منصور هو الذي رواه كذلك، وإنما قال البخاري: وقال عثمان، عن جرير، عن منصور، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز قوله. قلنا: ولا يفهم من قول البخاري هذا أنَّ ذلك من جهة منصورٍ، لاحتمال أن يكون من جهة عثمان - يعني ابن أبي شيبة - أو من جهة جرير - وهو ابن عبد الحميد - ويؤيد ذلك أنَّ الطبري أخرجه في ((التفسير)) ١٣٢/١٧ من طريق جرير عن منصور، فقال: عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد قوله. (٢) تحرف في (س) إلى: الليث. والقائل هو ابن سعد نفسه كما في ((طبقاته)) ٢/ ٢٤، ويريد: أن هذا هو الأثبت. ٤٥ باب ٧ / ح ٣٩٧٠ كتاب المغازي الرّوايات على أنَّ عليّاً للوليدِ، وإنَّما اختَلَفَت في عُتبة وشَيْبة أيّهما لعُبيدة وحمزة؟ والأكثر على أنَّ شَيْبة لعُبيدة. قلت: وفي دَعوَى الاتِّفاق نظر، فقد أخرج أبو داود (٢٦٦٥) من طريق حارثة بن مُصرِّب عن عليّ، قال: تقدَّم عُتبة وتَبعَه ابنُه وأخوه، فانتُدِبَ له شَبابٌ من الأنصار، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنَّما أردنا بني عَمّنا، فقال رسول الله ◌َّ: ((قُم يا حمزة، قُم یا عليّ، قُم یا عُبيدة)) فأقبَلَ حمزة إلى عُتبة، وأقبَلتُ إلى شَيْبة، واختُلِفَ بين عُبيدة والوليد ضربَتان، فأثخَنَ كلّ واحد منهما صاحبه، ثمَّ مِلْنا على الوليد فقتلناه، واحتَمَلْنا عُبيدة. قلت: وهذا أصحّ الرِّوايات، لكنَّ الذي في السّيرِ من أنَّ الذي بارَزَه عليّ هو الوليد، هو المشهور، وهو اللّائق بالمقام، لأنَّ عُبيدة وشَيْبةٍ كانا شيخَينِ كَعُتبةَ وحمزة، بخلاف عليّ والوليد فكانا شابًّينِ. وقد روى الطبرانيُّ (٢٩٥٤) بإسنادٍ حَسَن(١) عن عليّ قال: أعَنتُ أنا وحمزةُ عُبيدة بن الحارث على الوليد بن عُتبة، فلم يَعِبِ النبيّ ◌َّ ذلك علينا، وهذا موافق لرواية أبي داود، فالله أعلم. وفي الحديث جواز المبارَزة خِلافاً لمن أنكَرَها كالحسن البصريّ، وشَرَطَ الأوزاعيُّ والثَّوريُّ وأحمد وإسحاق للجواز إذن الأمير على الجيش. وجواز إعانة المبارِز رَفيقه. وفيه فضيلة ظاهرة لحمزة وعليّ وعُبيدة بن الحارث رضي الله عنهم. قوله: ((حدَّثنا يوسف بن يعقوب، كان يَنزِل في بني ضُبيعةَ)) بالمعجَمة والموخَّدة، مُصفَّر. قوله: ((وهو مَولَى لبني سَدُوس)) قلت: ولذلك كان يقال له: السَّدوسيّ تارةً، والضُّبَعيّ تارةً، وكان يقال له: السَّلْعَيّ، بمُهمَلتَينِ ولام ساكنة، وقد تُحرَّك، ويقال له أيضاً: صاحب السَّلعة نُسِبَ إلى سَلْعة كانت بقَفَاه، وليس له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث. قوله: ((فينا نزلت هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾)» هكذا أورَدَه مختصراً، (١) بل إسناده ضعيف جدّاً، فيه حسين بن الحسن الأشقر، وهو ضعيف جدّاً، وقد اتهمه بعضهم. ٤٦ باب ٧ / ح ٣٩٧١ فتح الباري بشرح البخاري وأخرجه الإسماعيليّ(١) عن ابن صاعد عن هلال بن بشر عن يوسف بن يعقوب المذكور بلفظ: فينا نزلت هذه الآية، في مُبارَزَتنا يوم بدر، وأخرجه من وجه آخر عن سليمان التيميِّ بلفظ: في الذين بَرَزوا يوم بدر في الفریقینِ، وسمّاهم. قوله في طريق وكيع عن سفيان: ((في هؤلاء الرَّهط السِّة يوم بدر، نحوه)) الضَّمير يعود إلى سياق قبيصة عن سفيان، ويوضّح ذلك ما أخرجه الإسماعيليّ من وجه آخر عن وكيع، فإنَّه ذكر الذي هنا، وزاد تسمية السِّة، وعنده من طريق عبد الرحمن بن مَهديّ عن سفيان: الذين اختصموا في يوم بدر. قوله: ((حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم)) زاد أبو ذَرٍّ في روايته: الدَّورَقيّ. الحديث السابع: حديث البراء بن عازب. قوله: ((إسحاق بن منصور)) هو السَّلُولِيّ، وإبراهيم بن يوسف: هو ابنُ إسحاق بن أبي إسحاق السَّبيعيّ. قوله: ((سألَ رجل)) لم أقِفْ على اسمه، ويحتمل أن يكون هو الراوي، فأُبهمَ اسمه. قوله: ((أَشَهِدَ)) بهمزة الاستفهام. قوله: ((بارَزَ وظاهَرَ )) بلفظ الفِعل الماضي فيهما، وقد تقدَّم حديث المبارَزة في الذي قبله. و قوله: ((ظاهر)) أي: لبس درعاً على درع. وقوله في الجواب: قال: بارَزَ وظاهَرَ، فيه حذف تقديره: قال: نعم، شَهِد، فإنَّه بارَزَ فيها وظاهَرَ. ووقعَ في رواية الإسماعيليّ: أشَهِدَ عليّ بدراً؟ قال: حقّاً. تنبيه: حديث البراء هذا من مراسيل الصحابة، لأنَّه لم يَشهَد بدراً، فكأنَّه تَلَقَّى ذلك عَمَّن شَهِدَها من الصحابة، أو سمعَ من النبيّ ◌َّ ما يدلّ على ذلك. ٣٩٧١ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني يوسُفُ بنُ الماجِشُون، عن صالحِ بنِ ٢٩٩/٧ (١) أخرجه أيضاً بهذا اللفظ مبيّناً النسائيُّ في ((الكبرى)) (١١٢٧٩) عن هلال بن بشر. ٤٧ باب ٧ / ح ٣٩٧٢ -٣٩٧٥ كتاب المغازي إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، عن أبيه، عن جَدِّه عبدِ الرّحمنِ، قال: كاتَبتُ أُميََّ بِنَ خَلَفٍ، فلمَّا كان يومُ بَدْرٍ - فذكر قتلَه وقتلَ ابنِهِ - فقال بلالٌ: لا نَجَوتُ إِن نَجَا أُمِيَّةُ. ٣٩٧٢- حدَّثْنَا عَبْدانُ بنُ عُثمانَ، قال: أخبرني أبي، عن شُعْبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسودِ، عن عبدِ اللهِ عَّهُ، عن النبيِّ ◌َِّ: أنَّه قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فسَجَدَ بها، وسَجَدَ مَن معه، غیرَ أنَّ شيخاً أخَذَ كَفّاً من ترابٍ، فَرَفَعَه إلى جَبْهَتِه، فقال: يَكْفِيني هذا. قال عبدُ الله: فلقد رأيتُه بَعْدُ قُتِلَ كافراً. ٣٩٧٣- حذَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسُفَ، عن مَعمَرٍ، عن هشام، عن عُرْوةَ، قال: كان في الزُّبَيِ ثلاثُ ضَرَباتٍ بالسَّيفِ، إحداهُنَّ في عاتِهِ، قال: إن كنتُ لَأُدخِلُ أصابعي فيها، قال: ضُرِبَ ثِتَينِ يومَ بَدْرٍ، وواحدةً يومَ اليرموكِ، قال عُروةٌ: وقال لي عبدُ الملِكِ بنُ مَرْوانَ حينَ قُتِلَ عبدُ الله بنُ الزُّبَيِ: يا عُرْوةُ، هل تَعْرِفُ سيفَ الزُّبَيرِ؟ قلتُ: نعم، قال: فما فيه؟ قلتُ: فَلَةٌ فُلَّها يومَ بَدْرٍ، قال: صَدَقْتَ، ((بِنَّ فُلولٌ من قِراع الكتائبِ))، ثمَّ رَدَّه على عُرْوةَ. قال هشامٌ: فأقَمْناه بيتَنَا ثلاثةَ آلافٍ، وأخَذَه بعضُنا، ولَوَدِدْتُ أنّي كنتُ أخَذْتُه. ٣٩٧٤- حدَّثني فروةُ، حدَّثنا عَلِيٌّ، عن هشام، عن أبيه، قال: كان سيفُ الزُّبَيِ بن العَوَّام ◌ُلِّى بفضّةٍ. قال هشامٌ: وكان سيفُ عُرْوةَ مُحلِّى بِفِضّةٍ. ٣٩٧٥- حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه: أنَّ أصْحابَ رسولِ الله ◌ِّ﴿ قالوا للزُّبَيرِ يومَ اليرموكِ: ألا تَشُدُّ فتَشُدَّ مَعَكَ؟ قال: إنّي إِن شَدَدْتُ كَذَبْتُمْ، فقالوا: لا نَفْعَلُ، فحَمَلَ عليهم حتَّى شَقَّ صُفوفَهم، فجاوَزَهم وما معه أحدٌ، ثمَّرَجَعَ مُقِلاً، فأخَذوا بلِجامِه، فضَرَبوه ضَرْبَتَينِ على عاتقِه، بينَهما ضَرْبةٌ ضُرِبَها يومَ بَدْرٍ. قال عُرْوةُ: كنتُ أُدْخِلُ أصابعي في تلكَ الضَّرَبات ألعَبُ وأنا صغيرٌ. قال عُرْوةُ: وكان معه عبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ يومَئذٍ، وهو ابنُ عَشْرٍ سِنِينَ، فحَمَلَه على فرسٍ ووكَّلَ ٤٨ باب ٧ / ح ٣٩٧٥ فتح الباري بشرح البخاري به رجُلاً. الحدیث الثامن: قوله: «عن الأسود» هو ابن یزید. قوله: ((أنَّه قرأ: ﴿وَالنَّجْرِ))) تقدَّم الكلام عليه في سُجود القرآن (١٠٦٧)، وفي المبعَث (٣٨٥٣)، ويأتي في تفسير سورة النَّجم (٤٨٦٣) التصريح بأنَّ المراد بقولِ ابن مسعود: فلقد رأيته بعدُ قُتِلَ كافراً: أُميَّةُ بن خَلَف، وبه تُعرَف مُناسَبته للترجمة. الحديث التاسع والعاشر: قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة. قوله: ((كان في الزُّبَير ثلاث ضَرَبات بالسَّيفِ، إحداهنَّ في عاتقه)) تقدَّم في مناقب الزُّبَير (٣٧٢١) من طريق عبد الله بن المبارَك عن هشام: أنَّ الضَّرَبات الثلاث كُنَّ في عاتقه، وكذا هو في الرِّواية التي بعد هذه (٣٩٧٥). قوله: ((أصابعي فيها)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فيهِنَّ»، زاد في المناقب، وفي الرِّواية التي بعدها: ألعب وأنا صغير. قوله: ((ضُرِبَ ثِنْتَينِ يوم بدر، وواحدةً يوم اليرموك)) في رواية ابن المبارك: أنَّه ضُرِبَ يوم اليرموك ضربَتَينِ على عاتقه، وبينهما ضربة ضُرِبَها يوم بدر، فإن كان اختلافاً على هشام فرواية ابن المبارك أثبَت، لأنَّ في حديث مَعمَر عن هشام مقالاً، وإلّا فيُحتمل أن يكون كان فيه في غير عاتقه ضربَتان أيضاً، فيُجمَع بذلك بين الخَبَرَينِ. ٣٠٠/٧ ووَقْعة اليرموك كانت في أوَّل خِلافة عمر بين المسلمين والرّوم بالشّام سنة/ ثلاث عشرة، وقيل: سنة خمس عشرة، ويُؤيِّد الأوَّل قوله في الحديث الذي بعده: إنَّ سِنَّ عبد الله ابن الزُّبَير كان عشر سنين(١). (١) وعلى هذا التقدير الذي قدَّره الحافظ يكون عُمر عبد الله بن الزبير بن العوام يوم اليرموك أربع عشرة سنة، لا عشر سنين، لما ثبت في البخاري (٣٩٠٩) أنه ولد بقباء عند الهجرة. وقد قال الحافظ عند شرح الحديث: هذا يدل على أنه ولد في السنة الأولى من الهجرة، فلا يكون حجة في ترجيح أحد القولين في زمن اليرموك. اللهم إلَّا أن يقصد الحافظ التقريب، كما يُفهم من قوله قريباً، وهو بعيد أيضاً. ٤٩ باب ٧ / ح ٣٩٧٥ كتاب المغازي واليَرْموك، بفتح التحتائيَّة وبضمِّها أيضاً وسكون الراء: موضع من نواحي فِلَسطين، ويقال: إنَّه نهر، والتحرير أنَّه موضع بين أذرِعات ودِمَشق كانت به الواقعة المشهورة، وقُتِلَ في تلك الوَقْعة من الرّوم سبعون ألفاً في مقام واحد، لأنَّهم كانوا سَلسَلُوا أنفُسهم لأجلِ الثَّبات، فلمَّا وقَعَت عليهم الهزيمة قُتِلَ أكثرهم، وكان اسم أمير الرّوم من قِبَلٍ هِرَقل باهان، أوَّله موحّدة، ويقال: ميم، وكان أبو عُبيدة الأميرَ على المسلمين يومئذٍ، ويقال: إنَّه شَهِدَها من أهل بدر مئة نفس، والله أعلم. قوله في الرِّواية الثانية: ((ألا تَشُدّ)) بضمِّ المعجَمة، أي: تَحمِل على المشركين. وقوله: (كَذَبتُم)) أي: أخلَفْتُم(١). وقوله: ((فجاوَزَهم وما معه أحد)) أي: من الذين قالوا له: ألا تَشُدّ فتَشُدَّ معك. وقوله: ((فأخَذوا)) أي: الرّوم ((بلِجامه)) أي: بلِجام فَرَسه. قوله: ((وكان معه عبد الله بن الزُّبَير يومئذٍ وهو ابن عشر ◌ِنين)» هو بحَسَب إلغاء الكسر، وإلّا فسِنُّه حينئذٍ كان على الصحيح اثنتَي عشرة سنة (٢). قوله: ((ووَكَّلَ به رجلاً)) لم أَقِفْ على اسمه، وكأنَّ الزُّبَير آنَسَ من ولده عبد الله شجاعة وفروسيَّة، فأركَبَه الفَرَسَ، وخَشِيَ عليه أن يَهجُم بتلك الفروسيّة على ما لا يُطيقه، فجَعَلَ معه رجلاً ليأمَنَ عليه من كَيدِ العدوّ إذا اشْتَغَلَ هو عنه بالقتال، وروى ابن المبارك(٣) في (الجهاد)) عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عبد الله بن الزُّبَير: أنَّه كان مع أبيه يوم اليرموك، فلمَّا انهَزَمَ المشركونَ حَمَلَ، فجَعَلَ يُجِهِز على جَرْحاهم. وقوله: ((يُجِهِز)) بضمٍّ أوَّله وبجيم وزاي، أي: يُكمِل قَتْلَ مَن وجدَه مجروحاً، وهذا ممّا يدلّ على قوّة قلبه وشجاعته مع (٤) صِغَره. (١) تحرف في (س) إلى: اختلفتم. (٢) بل أربع عشرة سنة كما أسلفنا قريباً. (٣) لم نقف عليه في المطبوع منه، وقد أخرجه من طريقه البيهقي في ((الكبرى)) ٩/ ٩٣. (٤) المثبت من (أ)، وفي (ع) و(س): من صغره. والمثبت أوجه. ٥٠ باب ٧ / ح ٣٩٧٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله في الرِّواية الأولى: «قال عُرْوة: وقال لي عبد الملك ... )) إلى آخره، هو موصول بالإسناد المذكور، وكان عُرْوة مع أخيه عبد الله بن الزُّبَيرِ لمَّا حاصَرَه الحجّاج بمكَّة، فلمَّا قُتِلَ عبد الله أخَذَ الحجّاج ما وجدَه له، فأرسَلَ به إلى عبد الملك، فكان من ذلك سيف الزُّبَير الذي سألَ عبدُ الملِك عُرْوة عنه، وخرج عُرْوة إلى عبد الملك بن مروان بالشّام. قوله: ((فَلّةٌ)) بفتح الفاء «قُلُّها) بضمِّ الفاء، أي: گُسِرَت قِطعة من حَدّه. قوله: ((قال: صَدَقت، بهنَّ فُلول من قِراع الكتائب)) هذا شَطْر من بيت مشهور من قصيدة مشهورة للنّبغة الذُّبيانيّ، وأوَّلها: وليلِ أُقاسِيه بَطيءِ الكَواكِبِ يقول فيها: كِلِينِي لِهَمِّ یا أُمیمَةُ ناصبٍ ولا عَيبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهم بهنَّ فُلُولٌ من قِراع الکَتَائِبِ وهو من المدح في مَعرِض الذَّمّ، لأنَّ الفَلّ في السّيف نقصٌ حِسِّ، لكنَّه لمَّا كان دليلاً على قوّة ساعد صاحبه، كان من ◌ُملة كمالهِ. قوله: ((قال هشام)) هو ابن عُرْوة، وهو موصول أيضاً. وقوله: ((فأقَمناه)) أي: ذكرنا قيمته، تقول: قَوَّمت الشَّيء وأقَمته، أي: ذكرت ما يقومُ مقامَه من الثَّمَن. قوله: ((وأخَذَه بعضنا)) أي: بعض الوَرَثة، وهو عثمان بن عُرْوة أخو هشام. وقوله: ((ولَوَدِدت ... )) إلى آخره، هو من كلام هشام. قوله: ((حدَّثْنِي فَرْوة)) هو ابن مَغْراء، بفتح الميم وسكون المعجَمة ممدود، وعليّ: هو ابن مُسِهِر، وهشام: هو ابن عُرْوة. وقوله: ((مُحلَّ)) بالمهمَلة وتشديد اللّام: من الحِلْية. ٣٩٧٦- حدَّثْني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، سمعَ رَوْحَ بنَ عُبَادةَ، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، عن ٣٠١/٧ ٥١ باب ٧ / ح ٣٩٧٧-٣٩٧٩ كتاب المغازي قَتَادَةَ، قال: ذكَر لنا أنسُ بنُّ مالكٍ، عن أبي طَلْحَةَ: أَنَّ نبيَّ الله ◌َّهِ أَمَرَ يومَ بَدْرٍ بأربعةٍ وعِشْرِينَ رجلاً من صَنادِيدٍ قُرَيشٍ، فقُذِفوا في طَوِيٍّ من أطْواءِ بَدْرٍ، حَبِيثٍ مُحِبِثٍ، وكان إذا ظَهَرَ على قومٍ أقامَ بالعَرْصةِ ثلاثَ لَيَالٍ، فلمَّا كان بَدْرِ اليومَ الثّالثَ أمُرَ براحلَتِهِ، فشُدَّ عليها رَحْلُها، ثمَّ مَشَى وَاتَّبَعَه أصحابُه، وقالوا: ما نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لبعضٍ حاجَتِهِ، حتَّى قامَ على شَفةِ الَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنادِيهم بأسمائهم، وأسماءِ آبائهم: ((يا فلانُ بنَ فلانٍ، ويا فلانُ بنَ فلانٍ، أَيُسُرُكم أنَّكم أَطَعْتُمُ اللهَ ورسولَه؟ فإِنّا قد وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنَا حَقّاً، فَهَل وَجَدْتُم مَا وَعَدَ رَبُّكم حَقّاً؟» قال: فقال عمرُ: يا رسولَ الله، ما تُكلِّم من أجسادٍ لا أرواحَ لها؟! فقال النبيُّ ◌َّ: ((والَّذي نفسُ محمَّدٍ بَيَدِهِ، ما أنتم بأسمَعَ لِمَا أقولُ منهم)). قال قَتَادَةُ: أحياهمُ الله، حتَّى أسمعَهم قولَه، تَوْبِيخاً وتَصْغِيراً ونِقمةً وحَسْرَةٌ ونَدَماً. ٣٩٧٧- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثْنَا عَمْرٌو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾ [إبراهيم: ٢٨] قال: هم والله كفَّارُ قُرَيشٍ. قال عَمْرٌو: هم قُرَيِشٌ، ومحمَّدٌ وََّ نِعْمَةُ الله ﴿وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾ [إبراهيم: ٢٨] قال: النارَ یومَ بَدٍْ. [طرفه في: ٤٧٠٠] ٣٩٧٨- حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، قال: ذُكِرَ عندَ عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ ابنَ عمرَ رَفَعَ إلى النبيِّ وَّهِ: ((إنَّ الميّتَ لَيُعَذَّبُ في قَبْرِه ببكاءِ أهلِه) فقالت: وَهِلَ، إِنَّمَا قال رسولُ اللهِ وَّ: ((إنَّه لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وذَنْبِه، وإنَّ أهلَه لَيَيْكونَ عليه الآنَ)). ٣٩٧٩- قالت: وذلك مِثلُ قولِه: إنَّ رسولَ الله وَّلِ قامَ على القَلِیبِ، وفيه قَتْلَى بَدْرٍ مِن المشركينَ، فقال لهم ما قال: ((إِنَّهِم لَيَسْمَعونَ ما أقول)) إِنَّما قال: ((إنَّهُمُ لَيَعْلَمونَ الآنَ أنَّ ما كنتُ أقولُ لهم حَقٌّ)) ثمَّ قَرأتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعِ مَن فِ الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] يقول: حینَ تَبَوَّؤوا مقاعدهم مِن النار. ٥٢ باب ٧ / ح ٣٩٨٠ - ٣٩٨١ فتح الباري بشرح البخاري ٣٩٨٠، ٣٩٨١- حدَّثني عُثْمَانُ، حدَّثنا عبْدةُ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال: وَقَفَ النبيُّ ◌َّه على قَلِيبٍ بَدْرٍ، فقال: ((هل وجَدْتُم ما وعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً؟)) ثمَّ قال: ((إِنَِّمُ الآنَ يَسْمَعونَ ما أقولُ)) فذُكِرَ لعائشةَ، فقالت: إنَّما قال النبيُّ ◌َّ: ((إِنَّهُمُ لَيَعْلَمونَ الآنَ أَنَّ الَّذي كنتُ أقولُ لهم هو الحقُّ))، ثمَّ قَرَأَتْ: ﴿ إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَى﴾ حتَّى قرأَتِ الآيةَ. الحديث الحادي عشر: قوله: ((حدَّثْني عبد الله بنُ محمد)) هو الجُعْفيّ. قوله: ((سمعَ رَوح بن عُبَادَ)) أي: أنَّه سمع، ولفظة ((أنَّه)) تُحذَف خَطّاً، كما حُذِفَت ((قال)) من قوله: ((حدّثنا سعيد)). قوله: ((ذكر لنا أنس بن مالك)) فيه تصريح لقَتَادة، وهو من رواية صحابيّ عن صحابيّ: ٣٠٢/٧ أنس عن أبي طلحة، وقد رواه شَيْبان عن قَتَادة، فلم يَذكُر أبا طلحة، أخرجه أحمد/ (١٢٤٧١)، ورواية سعيد أَولَى، وكذا أخرجه مسلم (٢٨٧٤) من طريق حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس، بغیر ذِكْر أبي طلحة. قوله: ((بأربعةٍ وعشرين رجلاً من صَناديد)) بالمهمَلة والنُّون، جمع صنديد، بوزنٍ عِفریت، وهو السَّيِّد الشُّجاع، ووقعَ عند ابن عائذ عن سعيد بن بشير عن قَتَادة: ببضعةٍ وعشرين(١)، وهي لا تُنافي رواية الباب لأنَّ البِضْعِ يُطلَق على الأربع أيضاً. ولم أقِفْ على تسمية هؤلاء جميعهم، بل سيأتي تسمية بعضهم، ويُمكِن إكمالهم ممَّا سَرَدَه ابن إسحاق من أسماء مَن قُتِلَ من الكفَّار بيدرٍ بأن يُقْتَصَرَ(٢) على مَن كان يُذكَر منهم بالرّياسة ولو بالتبعيَّة لأبيه، وسيأتي من حديث البراء (٣٩٨٦): أنَّ قتَلَى بدر من الكفّار كانوا سبعين، وكأنَّ الذين طُرِحوا في القَلِيب كانوا الرُّؤَساءَ منهم، ثمَّ مِن قُرَيش، وخُصّوا (١) وكذا وقع في رواية شيبان عن قتادة عند أحمد (١٢٤٧١)، وكذا في رواية عبد الأعلى عن ابن أبي عروبة عند مسلم (٢٨٧٥). (٢) تحرف في (س) إلى: يضيف. ٥٣ باب ٧ / ح ٣٩٨١ كتاب المغازي بالمخاطَبة المذكورة لما كان تقدَّم منهم من المعاندة، وطُرِحَ باقي القتلَى في أمكِنة أُخرَى. وأفادَ الواقديّ: أنَّ القَلِيب المذكور كان حَفَرَه رجل من بني النار، فناسَبَ أن يُلقَى فيه هؤلاء الكفّار. قوله: ((على شَفَة الَّكِيّ)) أي: طَرَف البئر، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: على شَفير الرَّكيّ. والرَّكِيّ، بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد آخره: البئر قبل أن تُطوَى، والأطواء جمع طَوِيٍّ: وهي البئر التي طُويَت، وبُنيَت بالحجارة لتَنْبُت ولا تَنهار. ويُجمَع بين الرِّوايتَينِ بأنَّها كانت مَطويَّة، فاستُهدِمَت، فصارت كالرَّكيِّ. قوله: ((فجَعَلَ يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان)) في رواية حُميدٍ عن أنس: فنادَى: ((يا عُتبة بن ربيعة، ويا شَيْبة بن ربيعة، ويا أُميَّة بن خَلَف، ويا أبا جهل بن هشام))، أخرجه ابن إسحاق(١) وأحمد (١٢٠٢٠) وغيرهما، وكذا وَقَعَ عند أحمد (١٣٢٩٦) ومسلم (٢٨٧٤) من طريق ثابت عن أنس، فسَمَّى الأربعة، لكن قَدَّمَ وأخخَّر، وسياقه أتمّ. قال في أوَّله: تَرَكَهم ثلاثة أيام حتَّى جَيَّفوا، فذكره، وفيه من الزّيادة: فسمعَ عمر صوتَه فقال: يا رسول الله، أتُناديهم بعد ثلاث، وهل يَسمَعونَ، ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُشْمِعُ الْمَوْقَ﴾؟ قال: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمَع لما أقولُ منهم، لكن لا يستطيعونَ أن يُجيبوا)). وفي بعضه نظر، لأنَّ أُميَّ بن خَلَف لم يكن في القَليب لأنَّه كان ضَخماً فانتَفَخَ، فألقَوْا عليه من الحِجارة والتُّراب ما غَيِّبَه. وقد أخرج ذلك ابن إسحاق(٢) من حديث عائشة. لكن يُجمَع بينهما بأنَّه كان قريباً من القَلِيب، فنوديَ فيمن نوديَ، لكَونِه كان من جُملة رُؤَسائهم. ومن رُؤَساء قُرَيش مَّن يَصِحّ إلحاقه بمَن سُمّيَ من بني عبد شمس بن عبد منافٍ: عُبيدة (٣) والعاص والد أبي أُحَيحة سعيد(٤) بن العاص بن أُميَّة، وحَنظَلة بن أبي سفيان، (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٦٣٨/١. (٢) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٦٣٨/١. (٣) هو عبيدة بن سعيد بن العاص، وقد قتله الزبير بن العوام، كما سيأتي برقم (٣٩٩٨). (٤) في (ع) و(س): وسعيد بن العاص بن أمية بالعطف، وهو خطأ، لأنَّ أبا أحيحة هو نفسه سعيد بن العاص. ٥٤ باب ٧ / ح ٣٩٨١ فتح الباري بشرح البخاري والوليد بن عُتبة بن ربيعة(١)، ومن بني نَوفَل بن عبد منافٍ: الحارث بن عامر بن نَوفَل(٢)، وطُعَيمة بن عَديّ(٣)، ومَن سائر قُرَيش: نَوفَل بن خويلد بن أسد، وزَمعة بن الأسوَد بن المطَّلِب بن أسَد، وأخوه عَقيل، والعاصي بن هشام أخو أبي جهل، وأبو قيس بن الوليد أخو خالد، ونُبَيْه ومُنِّه ابنا الحجّاجِ السَّهميّ، وعليّ بن أُميَّة بن خَلَف، وعَمْرو بن عثمان عَمّ طلحة أحد العشرة، ومسعود بن أبي أُميَّة أخو أمّ سَلَمة، وقيس بن الفاكِه بن المغيرة، والأسوَد بن عبد الأسَد أخو أبي سَلَمة، وأبو العاص بن قيس بن عَديّ الْسَّهميّ، وأُمية(٤) ابن رِفاعة بن أبي رِفاعة، فهؤلاء العشرونَ تَنضَمّ إلى الأربعة، فتَكمُّل العِدّة. ومن ◌ُلة مُخاطَبَتهم: ما ذكره ابن إسحاق: حدَّثني بعض أهل العلم: أنَّه ◌ِّم قال: ((يا أهل القَليب، بئسَ عَشيرةُ النبيّ - وَل ◌َـ كِنْتُم، كَذَّبْتُموني وصَدَّقَني الناس)) الحديث. قوله: «قال قتادة» هو موصول بالإسناد المذکورِ. قوله: «أحیاهم الله)) زاد الإسماعيليّ: بأعيانهم. قوله: (تَوبيخاً وتصغيراً ونِقمةً وحَسرةً ونَدَماً) في رواية الإسماعيليّ: وتَنَدُّماً وزِلَة وصَغاراً، والصَّغار: الذِّلّة والهوان، وأراد قَتَادة بهذا التأويل الردّ على مَن أنكَرَ أنَّهم يَسمَعون، كما جاء عن عائشة: أنَّهَا اسْتَدَلَّت بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾، وسيأتي البحث في ذلك في تالي الحدیث الذي بعده. الحديث الثاني عشر: قوله: ((حدَّثنا عَمْرو)) هو ابن دينار، وعطاء: هو ابن أبي رباح. ٣٠٣/٧ (١) سلف ذكره قريباً في حديث ابن مسعود برقم (٣٩٦٠). (٢) سلف ذكره في حديث أبي هريرة برقم (٣٠٤٥). (٣) سيأتي في حديث وحشي بن حرب برقم (٤٠٧٢). (٤) تحرف في (ع) و(س) إلى: أميمة. وقوله: أمية بن رفاعة بن أبي رفاعة، خطأ، لأنَّ المقتول ببدر هو رفاعة ابن أبي رفاعة نفسه، واسم أبي رفاعة أمية بن عابدٍ، فكأنه كان في الأصل: رفاعة بن أبي رفاعة أمية، فحصل خطأ في التقديم والتأخير، والله أعلم. ٥٥ باب ٧ / ح ٣٩٨١ كتاب المغازي قوله: ((عن ابن عبّاس)) في رواية أبي نُعَيم في ((المستخرَج)): سمعت ابن عبَّاس. قوله: ((هم والله كفَّار قُرَيش)) وَقَعَ في التفسير (٤٧٠٠): هم والله كُفَّار أهلِ مَّة، ورواه عبد الرَّزّاق(١) عن ابن عُيَينَةَ قال: هم كفَّار قُرَيش، أو أهل مكَّة، وللطَّبري(٢) عن أبي كُرَيب عن ابن عُيَينةَ: هم والله أهل مكَّة، قال ابن عُيَينَةَ: يعني: كفَّارهم، وعند عبد بن ◌ُميدٍ في ((التفسير)) من طريق أبي الطَّفَيل، قال: قال عبد الله بن الكَوّاء لعليٍَّ﴾: مَن ﴿الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللّهِ كُفْرَا﴾ [إبراهيم: ٢٨]؟ قال: هم الأفجَران من قُريش: بنو أُميَّة، وبنو مخزوم، قد كُفِيتهم(٣) يوم بدر، وأخرجه الطبري(٤) من وجه آخر عن عليّ نحوه، لكن فيه: فأمَّا بنو مخزوم فقطَعَ الله دابرَهم يوم بدر، وأمَّا بنو أُميَّة، فمُتِّعوا إلى حين، وأخرج الطَّبَرِيُّ (٢١٩/١٣) عن عمر نحوه، وله (٢٢٣/١٣) من وجه آخر ضعيف عن ابن عبّاس، قال: هم جَبَلَة بن الأيهم والذين اتَّبَعوه من العرب، فلَحِقوا بالرّومِ. والأوَّل المعتَمَد، ويُحتمل أن يكون مُراده أنَّ عُموم الآية يَتَنَاوَل هؤلاء أيضاً. قوله: ((قال عَمْرو)) هو ابن دينار، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور. قوله: ((ومحمد ◌َ ل﴾ نِعمةُ الله)) هذا موقوف على عَمْرو بن دينار، وكذا قوله: ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾: النار يوم بدر، وهكذا رُوِّيناه في ((تفسير ابن عُيَينَ)) رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ عنه عن عَمْرو بن دينار في قوله: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ جَهَنََّ﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩] قال: هم كفَّار قُرَيش، ومحمدٌ النِّعمة، ودار البَوَار: ٢٨ دَارَ الْبَوَارِ النار یوم بدر، انتھی. (١) في ((تفسيره)) ٣٤٢/٢-٣٤٣. (٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: للطبراني، وهو عند الطبري ١٣/ ٢٢٢، وأبو کریب شيخه، ولیس شيخ الطبراني، بل لم يدركه، وقد صُوِّبت في (ع) إلى: الطبري. (٣) في (س): کبتهم. (٤) في (س): الطبراني، والمثبت من (ع)، وكانت كذلك في (أ): الطبري، ثم صُوِّبت بخط مغاير إلى: الطبراني، وهو عند الطبري في «تفسيره)) ٢٢٠/١٣، وعند الطبراني في «الأوسط)) (٧٧٦). ٥٦ باب ٧ / ح ٣٩٨١ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((يوم بدر)) ظرفٌ لقولِه: ﴿وَأَحَلُّواْ﴾، أي: أنَّهم أهلكوا قومهم يوم بدر، فأُدخِلوا النار، والبَوَار: الهلاك، وسُمّيَت جَهَنَّم دارَ البَوَار لإهلاكِها مَن يدخلُها، وعند الطبري(١) من طريق ابن جُرَيج عن ابن عبّاس، قال: البَوار: الهلاك، ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلَمَ (٢٢٣/١٣) قال: قد فَسَّرَها الله تعالى، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ﴾. الحديث الثالث عشر: قوله: ((ذُكِرَ)) بضمٍّ أوَّله، وعند الإسماعيليّ: أنَّ عائشة بَلَغَها، ولم أقف على اسم المبلِّغ، ولكن عنده من روايةٍ أُخرَى ما يُشعِرِ بأنَّ عُرْوة هو الذي بَلَّغَها ذلك. قوله: ((وَهِلَ)) قيل: بفتح الهاء، والمشهور الكسر، أي: غَلِط، وزناً ومَعنّى، وبالفتح، معناه: فَزِعَ، وَنَسِيَ، وجَبْنَ، وقَلِقَ، وقال الفارابيّ والأزهَريّ وابن القَطّاع وابن فارس والقابِسيّ وغيرهم: وَهَلتُ إليه، بفتح الهاء، أهِلُ بالكسرِ، وَهْلاً بالسُّكونِ: إذا ذهب وَهْمُك إلیه. زاد القاليّ والجَوْهريّ: وأنتَ تريد غيره، وزاد ابن القَطّاعِ(٢). قوله: ((إِنَّ المَيِّت لَيُعذَّب في قبره)) الحديث، تقدَّم شرحه في الجنائز (٣). وقوله: «وذلك مثل قوله)) أي: ابن عمر. وقوله: ((فقال لهم ما قال)) ووَقَعَ عند الكُشْمِيهنيّ (٤): ((فقال لهم مِثْلَ ما قال))، و((مِثْل)) زائدة لا حاجة إليها. (١) تحرفت في (ع) و(س) إلى: الطبراني، والمثبت على الصواب من (أ)، وهو في ((تفسير الطبري)) ٢٢٣/١٣. (٢) جاء في الأصلين و(س) بعده بياض، ليس فيه ذكر ما زاده ابن القطاع، ونص عبارته في ((الأفعال)) ٣١٨/٣: وَهَلَ إلى الشيء وَهْلاً ووُهُولاً: ذهب وَهْمه إليه، ووَهِلَ وَهَلاَ: جَبُن، وأيضاً قَلِقَ، وفي الشيء وعنه: نسيه، وغلط فيه، وأيضاً: فَزِعَ. فلعلَّ الحافظ أراد أنه زاد المصدر: وُهُولاً، أو ذكر القلق في المعاني، والله أعلم. (٣) في باب (٣٢) قوله ◌َّليّ: ((يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه)). (٤) كذا نسب الحافظ هذه الرواية للكُشميهني، والذي في اليونينية و((إرشاد الساري)) أنها للحقُّوِي والمستملي، عكس ما هو هنا! ٥٧ باب ٧ / ح ٣٩٨١ كتاب المغازي قوله: ((يقول: حين تَبَوَّؤوا مقاعدهم من النار)) القائل: ((يقول)) هو عُرْوة، يريد أن يُبيِّن مُراد عائشة، فأشارَ إلى أنَّ إطلاق النَّفي في قوله: ﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَ﴾ مُفَيَّد باستقرارهم في النار، وعلى هذا فلا مُعارضةَ بين إنكار عائشة وإثبات ابن عمر كما تقدَّم توضيحه في الجنائز، لكنَّ الرِّواية التي بعد هذه تَدُلّ على أنَّ عائشة كانت تُنكِرِ ذلك مُطلَقاً، لقولها: إنَّ الحديث إنَّما هو بلفظ: ((إنَّهم لَيعلمونَ))، وإنَّ ابن عمر وهِمَ في قوله: ((لَيَسمَعونَ)). قال البيهقيُّ: العلم لا يَمنَع من السَّماع، والجواب عن الآية: أنَّه لا يُسمِعُهم وهم مَوْنَى، ولكنَّ الله أحياهم حتَّى سمعوا، كما قال قَتَادة، ولم ینفَرِد عمر ولا ابنه بحكاية ذلك، بل وافقهما أبو طلحة كما تقدَّم (٣٩٧٦)، وللطَّبَرانيِّ (١٠٣٢٠) من حديث ابن مسعود مثله، بإسنادٍ صحيح(١)، ومن حديث عبد الله بن سِيدَان عن أبيه (٦٧١٥) نحوه، وفيه: قالوا: يا رسول الله، وهل يَسمَعونَ؟ قال: ((يَسمَعونَ كما تَسمَعون، ولكن لا يُجيبونَ»، وفي حديث ابن مسعود: ((ولكنَّهم اليوم لا يُحيبونَ))، ومن الغريب/ أنَّ في ((المغازي)) لابنِ ٣٠٤/٧ إسحاق، روایة یونس بن بُگیر، بإسنادٍ جيّد عن عائشة، مثل حديث أبي طلحة، وفيه: ((ما أنتم بأسمَع لما أقول منهم))، وأخرجه أحمد (٢٥٣٧٢) بإسنادٍ حَسَن(٢)، فإن كان محفوظاً، فكأنَّهَا رَجَعَت عن الإنكار، لمَا ثَبَتَ عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تَشْهَدِ القِصّة. قال الإسماعيليّ: كان عند عائشة من الفَهم والذَّكاء، وكَثْرة الرّواية، والغَوص على غَوامِض العلم ما لا مَزيدَ عليه، لكن لا سبيل إلى رَدّ رواية الثِّقة إلّا بنَصِّ مثلِه يدلّ على نَسخه، أو تخصيصه، أو استحالَته، فكيف والجمع بين الذي أنكَرَته وأثبتَه غيرها تُمكِن؟ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَ﴾ لا يُنافي قوله ◌ََّ: ((إنَّهم الآن يَسمَعونَ))، لأنَّ الإسماع هو إبلاغ الصوت من الُسمِع في أُذُن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمَعهم، بأن أبلَغَهم (١) بل في إسناده أشعث بن سوار، وهو ضعيف يعتبر به، فالأقرب أنَّ حديثه هذا من قبيل الحسن لغيره. (٢) بل إسناده ضعيف، لأنه من رواية إبراهيم النخعي عن عائشة ولم يسمع منها. والراوي عنه مغيرة بن مِقسم الضبي لم يصرح بسماعه منه. ٥٨ باب ٨ / ح ٣٩٨٢ فتح الباري بشرح البخاري صوت نبيّه ◌َ ﴿ بذلك. وأمَّا جوابها: بأنَّه إنَّما قال: إنَّهم لَيعلمونَ، فإن كانت سمعَت ذلك، فلا يُنافي رواية: يَسمَعونَ، بل يُؤْيِّدها. وقال السُّهَيليّ ما مُحصَّله: إنَّ في نفس الخَبَرَ ما يدلّ على خَرق العادة بذلك للنبيِّ وَّ، لقولِ الصحابة له: أُّخاطِبُ أقواماً قد جَيَّقوا؟ فأجابَهم، قال: وإذا جازَ أن يكونوا في تلك الحالة عالمين جازَ أن يكونوا سامعين، وذلك إمّا بآذان رُؤوسهم على قول الأكثر، أو بآذانٍ قلوبهم، قال: وقد تَمَسّك بهذا الحديث مَن يقول: إنَّ السُّؤال يَتَوجَّه على الرّوح والبَدَن، ورَدَّ مَن قال: إنَّما يَتَوجَّه على الرّوحِ فقط، بأنَّ السماع يُحتمل أن يكون لأُذُنِ الرَّأس، ولأُذُنِ القلب، فلم يَبقَ فيه حُجّة. قلت: إذا كان الذي وَقَعَ حينئذٍ من خَوارق العادة للنبيِّ وَّهِ، حينئذٍ لم يَحِسُن التمَسُّك به في مسألة السُّؤال أصلاً. وقد اختَلَفَ أهل التأويل في المراد بالموتَى في قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾. وكذلك المراد بمَن في القُبور، فحَمَلَته عائشة على الحقيقة، وجَعَلَته أصلاً احتاجَتْ معه إلى تأويل قوله: ((ما أنتم بأسمَع لمَا أقول منهم))، وهذا قول الأكثر، وقيل: هو مَجَاز، والمراد بالموتَى وبمَن في القُبُور: الكفَّار، شُبِّهوا بالموتَى وهم أحياء، والمعنى: مَن هم في حال الموتَى، أو في حال مَن سَكَنَ القبر، وعلى هذا لا يَبقَى في الآية دليل على ما نَفَته عائشة رَضيَ الله عنها، والله أعلم. ٨- باب فضل من شهد بدراً ٣٠٥/٧ ٣٩٨٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا مُعاوِيةُ بنُ عَمرو، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن مُميدٍ، قال: سمعتُ أنساً ﴾ يقول: أُصِيبَ حارثةُ يومَ بَدْرٍ وهو غلامٌ، فجاءت أمّه إلى النبيِّ ◌َّ فقالت: يا رسولَ الله، قد عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حارثةَ منّي، فإن يَكُ في الجنَّةِ، أَصْبِرْ وَأَحتَسِبْ، وإن تَكُنِ الأُخْرَى تَرَ ما أصْنَعُ، فقال: ((وَيَحَكِ! أَوَهَبِلْتِ، أَوَجَنَّةٌ واحدةٌ هي؟ إنَّهَا جِنانٌ كَثِيرةٌ، وإِنَّه فِي جَنّةِ الفِرْدَوسِ». ٥٩ باب ٨ / ح ٣٩٨٣ كتاب المغازي ٣٩٨٣- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا عبدُ الله بنُ إدرِيسَ، قال: سمعتُ حُصَينَ ابنَ عبدِ الرَّحمنِ، عن سَعْدِ بنِ عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلَمِيِّ، عن عليٍّ ◌َ﴾، قال: بَعَثَنِي رسولُ الله ◌َّهِ وأبا مَرْئَدِ الغَنَويَّ والزُّبَيرَ بن العَوَّام - وكلُّنا فارس - قال: «انطَلِقوا حتَّى تَأْتوا رَوْضةَ خاخ، فإنَّ بها امرأةً مِن المشركينَ معها كتابٌ من حاطِبٍ بنِ أبي بَلْتَعَةً إلى المشركينَ)). فأدْرَكْناها تَسِيرُ على بَعِيرٍ لها حيثُ قال رسولُ اللهِوَّةِ، فَقُلْنا: الكتابَ، فقالت: ما مَعَنا الكتابُ، فأنَخْناها فالتَمَسْنا، فلم نَرَ كتاباً، قُلْنا: ما كَذَبَ رسولُ الله ◌َّةِ، لَتُخْرِ جِنَّ الكتابَ، أو لَتُجَرِّدَّكِ، فلمَّا رَأْتِ الجِدَّ أَهوَت إلى حُجْزَتِها - وهي مُحَتَجِزةٌ بكِساءٍ - فأخرَجَتْه، فانطَلَقْنا بها إلى رسولِ اللهِ وَّه، فقال عمرُ: يا رسولَ الله، قد خانَ اللهَ ورسوله والمؤمنينَ، فَدَعْني فلأضْرِبَ عُنُقَه، فقال النبيُّ وَّهِ: ((ما حَمَلَكَ على ما صَنَعْتَ؟)) قال: والله ما بي أن لا أكونَ مُؤْمِناً بالله ورسولِهِ، أَرَدْتُ أن يكونَ ليِ عندَ القومِ يدٌ يَدْفَعُ الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحدٌ من أصحابكَ إلَّا له هُناكَ من عَشِيرَتِهِ مَن يَدْفَعُ اللهُ به عن أهلِهِ ومالِه، فقال النبيُّ وَّ: ((صَدَقَ، ولا تقولوا له إِلَّا خيراً) فقال عمرُ: إنَّه قد خانَ اللهَ ورسوله والمؤمنينَ، فدَعْني فلأِضْرِبَ عُنُقَه، فقال: ((أليسَ من أهلِ بَدْرٍ؟)) فقال: ((لعلَّ الله اطَّلَعَ إلى أهلِ بَدْرٍ، فقال: اعْمَلوا ما شئتُمْ، فقد وَجَبَت لكُمُ الجنَّةُ - أو فقد غَفَرْتُ لكُم ◌ِ)) فَدَمَعَت عينا عمرَ، وقال: الله ورسوله أعلمُ. قوله: ((باب فضل مَن شَهِدَ بدراً)) أي: مع النبيّ وََّ من المسلمين مُقاتلاً للمُشرِكين، وكأنَّ المراد بيان أفضليَّتهم، لا مُطلَق فضلهم. قوله: ((أُصيب حارثة يوم بدر)) هو بالمهمَلة والمثلَّثة، ابن سُرَاقة بن الحارث بن عَديّ الأنصاريّ من بني عَديّ بن النَّجّار، وأبوه سُرَاقة له صُحْبة، واستُشهِدَ يوم حُنَينٍ. قوله: ((فجاءت أمّه)) هي الرُّبَيِّع - بالتشديد - بنت النَّضر عَمّة أنس بن مالك، ووقعَ في أوائل الجهاد (٢٨٠٩) من طريق شَيْبان عن قَتَادة عن أنس: أنَّ أمّ الرَّبيع - بالتخفيفِ(١) - (١) كذا ضبطها الحافظ رحمه الله هنا بالتخفيف، مع أنها جاءت في اليونينية مضبوطة بالتشديد، دون خلاف. ٦٠ باب ٨ / ح ٣٩٨٣ فتح الباري بشرح البخاري بنت(١) البراء، وهي أمّ حارثة، وقالوا (٢): هو وهمٌّ، وإنَّما الصواب: أنَّ أمّ حارثة الرُّبَيِّع عَمّة البراء. وقد ذُكِرَت مباحث ذلك مُستَوفاة هناكَ مع شرح الحديث. وقوله: ((وَيَحَك)) هي كلمة رَحْمَة، وَزَعَمَ الدّاووديّ أنَّها للتوبيخِ. وقوله: ((هُبِلْت)) بضمِّ الهاء بعدها موحّدة مكسورة، أي: ثُكِلْت، وهو بوزنِه، وقد تُفتَح الهاء، يقال: هَبِلَتْه أمّه تَهْبَلُه، بتحريكِ الباء، أي: ثَكِلَتْهُ، وقد يَرِد بمعنى المدح والإعجاب، قالوا: أصله إذا ماتَ الولد في المهبل، هو موضع الولد من الرَّحِم، فكأنَّ أمّه وَجِعَ مَهِْلُها بموتِ الولد فيه. وزَعَمَ الدّاووديّ: أنَّ المعنى: أجَهِلْتِ؟ ولم يقع عند أحد من أهل اللّغة: أنَّ هَبِلْتِ بمعنى: جَهِلْتِ. ثم ذكر المصنّف حديث عليّ في قِصّة حاطِب بن أبي بَلتَعة، وسيأتي شرح القِصّة في فتح مكَّة (٤٢٧٤) مُستَولّى. وذكر البَرْقانيّ أنَّ مسلماً أخرج نحو هذا الحديث من طريق ابن عبَّاس عن عمر، مُستَوفَّى(٣). والمراد منه هنا: الاستدلال على فضل أهل بدر بقولِهِ وَال المذكور، وهي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم. ووقعَ الخَبَر بألفاظٍ: منها: ((فقد غَفَرت لكُم))، ومنها: ((فقد وَجَبَت لكم الجنَّة)). وكلها بلفظ (٤): ((لعلَّ الله الطَّلَعَ))، لكن قال العلماء: إنَّ الترَجّي في كلام الله وكلام رسوله للوقوع. وقد وقَعَ عند أحمد (٧٩٤٠) وأبي داود (٤٦٥٤) وابن أبي شَيْبة (١٢ /١٥٥) من حديث أبي هريرة بالجزمِ ولفظه: ((إنَّ الله الطَّلَعَ على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شِئْتُم، فقد غَفَرت لگُم))، وعند أحمد (٤٨٤ ١٤ و ١٥٢٦٢) بإسنادٍ على شرط مسلم من حديث جابر (١) تحرفت في الأصلين و(س) إلى: بن، وذكرها الحافظ على الصواب في مقدمة الصحيح، في بيان المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والألقاب، وكذلك جاءت عنده على الصواب عند شرح الحديث (٢٨٠٩). (٢) تحرفت في (س) إلى: وقال، فأوهم أنَّ القائل البخاري، وإنما قال ذلك جماعة منهم الدمياطي. كما نبه عليه الحافظ رحمه الله عند شرح الحديث (٢٨٠٩). (٣) هذا ما قاله الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين)) ١/ ٦٥، ثم ذكر أنه لم يذكره أبو مسعود الدمشقي ولا خلف الواسطي. قلنا: وقال الضياء في ((المختارة)) بإثر الحديث (١٧٧): ولا رأيناه في ((صحيح مسلم)). (٤) في (س): ومنها جعله أحد الألفاظ المذكورة. وإنما أراد الحافظ أنَّ الروايات جاءت كلها هنا بصيغة التَّرجّي.