النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ أبواب المبعث ساعةٌ مِن العِشاءِ، فَيَبِيتان في رِسْلٍ، وهو لبنُ مِنْحَتِهِما ورَضِيفُهما، حتَّى يَنْعِقَ بها عامرُ بنُ فُهَيرةَ بِغَلَسِ، يَفْعَلُ ذلكَ في كلِّ ليلةٍ من تلكَ اللَّيَالِي الثَّلاثِ، واستأجَرَ رسولُ الله ◌َٹے وأبو بَكْرِ رجلاً من بني الدِّيلِ، وهو من بني عبدِ بنِ عَدِيٍّ، هادِياً خِرِّيتاً - والخِّيتُ: الماهرُ بالهِدايةِ - قد غَمَسَ حِلْفاً في آلِ العاص بنِ وائلِ السَّهْمِيِّ، وهو على دِينِ كَفَّار قُرَيشٍ، فأمِناه فَفَعا إليه راحلَتَيهِما وواعَدَاهُ غارَ ثَوْرٍ بعدَ ثلاثِ لَيالٍ براحلَتَيْهِما صُبْحَ ثلاثٍ، وانطَلَقَ معهما عامرُ بنُّ فُهَيرةَ والدَّلِيلُ، فأخَذَ بهم طريقَ السَّواحلِ. قوله: ((لم أعقِلْ أَبُوَيَّ)) يعني: أبا بكر وأُمَّ رومان. قوله: (يَدينانِ الدِّينَ)) بالنَّصب على نَزْع الخافض؛ أي: يَدِينانِ بدينِ الإسلام، أو هو مفعولٌ به على التجوُّز. قوله: ((فلمَّا ابتُليَ المسلمونَ)) أي: بأذَى المشركين لمَّا حَصَروا بني هاشم والمطَّلِّب في شِعْب أبي طالب، وأذِنَ النبيُّ وَلّ لأصحابه في الهجرة إلى الحَبَشة كما تقدَّم بيانه. قوله: ((خَرج أبو بكر مُهاجراً نحوَ أرض الحَبَشة)) أي: لَيَلحَق بمَن سَبَقَه إليها من المسلمين، وقد قَدَّمت أنَّ الذين هاجروا إلى الحَبَشة أوّلاً ساروا إلى جُدَّة وهي ساحل مكَّة ليَركَبوا منها البحر إلى الحبشة. قوله: ((برك الغِماد)» أمَّا بَرْك: فهو بفتح الموحّدة وسکون الراء بعدها کاف، وحُکي کسر أوَّله، وأمَّا الغِماد: فهو بكسرِ المعجمة وقد تُضَمّ وبتخفيف المیم، وحكى ابن فارس فيها ضَمَّ الغَين: موضع على خمس ليالٍ من مكَّة إلى جهة اليمن، وقال البَكْريّ: هي أقاصي هَجَر، وحَكَى الهَمْدانيُّ في ((أنساب اليمن)): هو في أقصَى اليمن، والأوَّل أَولَى. وقال ابن خالويه: حَضَرتُ مَجَلِس المَحامِليّ وفيه زُهاء ألفٍ، فأملَى عليهم حديثاً فيه: ((فقالت الأنصار: لو دَعَوتَنا إلى بَرْك الغِماد)» قالها بالكسر، فقلت للمُستَمْلي: هو بالضَّمِّ، فذكر له ذاك، فقال لي: وما هو؟ قلت: سألتُ ابنَ دُرَيدٍ عنه فقال: هو بُقعة في جَهَنَّم، فقال المَحَامليّ: وكذا في كتابي على الغَيْن ضَمّة. قال ابن خالويه: وأنشَدَ ابن دُرَیدٍ: ٤٤٢ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ فتح الباري بشرح البخاري وإذا تَنْكَّرَتِ البِلا دُفَأَوْلِها كَنَفَ البِعادِ واجعَل مُقَامَك أو مَقَ ـرَّك جانبَ بَرْكِ الغُمادِ لستَ ابنَ أمِّ القاطِنِينَ ولا ابنَ عمِّ للبلادِ قال ابن خالويه: وسألت أبا عمر - يعني غلام ثَعلَب - فقال: هو بالكسر والضَّمّ: موضع باليمن، قال: وموضع باليمن أوَّله بالكسرِ لكن آخره راءٌ مُهمَلة، وهو عند بئر بَرَهوتَ ٢٣٣/٧ الذي يقال: إنَّ أرواح الكفّار تكون فيها. انتهى،/ واستَبعَدَ بعض المتأخِّرين ما ذكره ابن دُرَيدٍ فقال: القول بأنَّه موضع باليمن أنسَب، لأنَّ النبيّ وَّهِ لا يَدعوهم إلى جَهَنَّم. وخَفيَ عليهم أنَّ هذا بطريق المبالَغة فلا يُراد به الحقيقة، ثمَّ ظَهَرَ لي أن لا تَنافي بين القولَينِ، فيُحمَل قوله: ((جَهَنَّم)) على مجاز المجاورة بناءً على القول بأنَّ بَرَهوتَ مأوَى أرواح الكفَّار وهم أهل النار. قوله: ((ابن الدَّغِنَةَ)) بضمِّ المهملة والمعجَمة وتشديد النُّون عند أهل اللُّغة، وعند الرُّواة بفتح أوَّله وكسر ثانيه وتخفيف النّون، قال الأَصِيليّ: وقرأه لنا المروزيُّ بفتح الغَين، وقيل: إن ذلك كان لاسترخاءٍ في لسانه والصواب الكسر، وثَبَتَ بالتخفيف والتشديد من طُرق، وهي أمُّه، وقيل: أمُّ أبيه، وقيل: دابَّته، ومعنى الدَّغِنة: المسترخية، وأصلها: الغَمامة الكثيرة المطَر. واختُلِفَ في اسمه، فعند البَلاذُريّ من طريق الواقديّ عن مَعمَر عن الزُّهْريُّ: أنَّه الحارث بن يزيد، وحَكَى السُّهَيليّ: أنَّ اسمه مالك، ووَقَعَ في شرح الكِرْمانيُّ: أنَّ ابن إسحاق سَّاه ربيعة بن رُفَيع، وهو وهمٌّ من الكِرْمانيّ، فإنَّ رَبيعة المذكور آخَر يقال له: ابن الدَّغِنة أيضاً لكنَّه سُلَمَيّ، والمذكور هنا من القارَة فاختَلَفا، وأيضاً السُّلَميّ إنَّما ذكره ابن إسحاق في غزوة حُنَينٍ، وأنَّه صحابيّ قَتَل دُريد بن الصِّمّة، ولم يَذكُره ابن إسحاق في قِصّة الهجرة. وفي الصحابة ثالثٌ يقال له: ابن الدَّغِنة، لكن اسمه حابس وهو كَلْبيّ، له قِصّة في ٤٤٣ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ أبواب المبعث سبب إسلامه وأنَّه رأی شخصاً من الجِنّ فقال له: يا حابسُ بنَ دَغِنَهْ يا حابسُ في أبيات، وهو ممّا يُرجِّح رواية التخفيف في الدَّغِنة. قوله: ((وهو سَيِّد القارَة)» بالقاف وتخفيف الراء: وهي قبيلة مشهورة من بني الهُون، بالضَّمِّ والتخفيف، ابن خُزيمةَ بن مُدرِكة بن إلياس بن مُضَر، وكانوا حُلَفاء بني زُهْرة من قُرَيش، وكانوا يُضرَب بهم المثَل في قوّة الَّمي، قال الشّاعر: قد أنصَفَ القارَةَ مَن راماها(١) قوله: ((أخرجني قومي)) أي: تَسَيَّبوا في إخراجي. قوله: ((فَأُريد أن أَسيحَ)) بالمهمَلَتَينِ، لعلَّ أبا بكر طَوَى عن ابن الدَّغِنة تعيين جِهة مَقصِده لكَونِه كان كافراً، وإلّا فقد تقدَّم أنَّه قَصَدَ التوَجُّه إلى أرض الحَبَشة، ومِنَ المعلوم أنَّه لا يَصِل إليها من الطَّريق التي قَصَدَها حتَّى يسير في الأرض وحده زماناً فيَصدُقُ أنَّه سائح، لكن حقيقة السّياحة أن لا يَقصِد موضعاً بعَينِهِ يَستَقِرّ فيه. قوله: «تکِبُ المعدوم) في رواية الُشْمِیھنیّ: «المُعدم))، وقد تقدَّم شرح هذه الكلمات في حديث بَدْء الوحي (٣) أوَّل الكتاب، وفي موافَقة وصف ابن الدَّغِنة لأبي بكر بمثل ما وَصَفَت به خديجةُ النبيَّ ◌َّ ما يدلّ على عظيم فضل أبي بكر واتِّصافه بالصِّفات البالغة في أنواع الكمال. قوله: ((وأنا لك جارٌ)) أي: مُجير أمنَع مَن يُؤذيك. (١) هذا صدر بيت من ثلاثة أبيات قالها رجل من القارة التقى برجل آخر من قبيلة أسد فقال القاري: إن شئت صارعتك، وإن شئت راميتك، وإن شئت سابقتك، فاختار الأسدي المراماة فقال القاري: قد علمتْ سلمى ومَن والاها أنّا نصُدُّ الخيلَ مِن هواها قد أنصَفَ القارَةَ مَن راماها إنّا إذا ما فئةٌ نَلْقاها نرُدُّ أُولاها على أُخراها نَردُّها داميةٌ كُلاها انظر ((المستقصى من أمثال العرب)) للزمخشري ٢/ ١٩٠. ٤٤٤ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (فَرَجَعَ)) أي: أبو بكر ((وارتَحَلَ معه ابن الدَّغِنة)) وَقَعَ في الكَفالة (٢٢٩٧): ((وارتَحَلَ ابن الدَّغِنة فَرَجَعَ مع أبي بكر))، والمراد في الرِّوايتَينِ مُطلَقُ المصاحَبة، وإلّا فالتَّحقيقُ ما في هذا الباب. قوله: ((لا يَخْرُج مثلُه)) أي: من وطَنه باختياره على نيَّة الإقامة في غيره مع ما فيه من النَّفْع المتعَدّي لأهلِ بَلَده (ولا يُخْرَجُ)) أي: ولا يُحْرِجه أحد بغير اختياره للمعنى المذكور، واستَنْبَطَ بعض المالكيَّة من هذا: أنَّ مَن كانت فيه مَنفَعة مُتَعَدّية لا يُمكّن من الانتقال عن البَلَد إلى غيره بغير ضَرُورة راجحة. قوله: ((فلَمْ تُكذِّبْ قُرَيش)) أي: لم تَرُدّ عليه قولَه في أمان أبي بكر، وكلُّ مَن كَذَّبك فقد رَدَّ قولك، فأطلقَ التكذيبَ وأراد لازِمَه، وتقدَّم في الكَفالة (٢٢٩٧) بلفظ: فأنفَذَتْ قُرَيش جِوارَ ابن الدَّغِنة وأمَّنَت أبا بكر. وقد استُشكِلَ هذا مع ما ذكره ابن إسحاق في قِصّة خروج النبيِّ يَّ إلى الطائف وسؤالِهِ حين رَجَعَ الأخنَس بن شَريق أن يدخل في جِواره فاعتَذَرَ بأنَّه حَليف، وكان أيضاً من حُلَفاء بني زُهْرة، ويُمكِن الجواب بأنَّ ابن الدَّغِنة رَغِبَ في إجارة أبي بكر، والأخنَس لم يَرغَب فيما التُّمِسَ منه، فلم يُثَرِّب النبيّ ◌َّ عليه. قوله: ((بجوار)) بكسر الجيم وبضمِّها، وقد تقدَّم بيان المراد منه في كتاب الكفالة (٢٢٩٧). ٢٣٤/٧ قوله: ((مُر أبا بكر فليَعْبُد رَبّه)) دَخَلَت الفاء على شيءٍ محذوفٍ لا يَخِفَى تقديره(١). قوله: (فَلَبِثَ أبو بكر)) تقدَّم في الكفالة بلفظ: ((فطَفِقَ)) أي: جَعَل، ولم يقع لي بيان المدّة التي أقامَ فيها أبو بكر على ذلك. قوله: ((ثُمَّ بَدَا لأبي بكر)) أي: ظَهَرَ له رأيٌ غيرِ الرَّأي الأوَّل. قوله: ((بفِناءِ داره)) بكسر الفاء وتخفيف النُّون وبالمدِّ، أي: أمامها. (١) وقال العيني: تصلح الفاء أن تكون جزاء شرط تقديره: مُر أبا بكر إذا قَبِلَ ما نشترط عليه فليعبد ربَّه في داره. «عمدة القاري)» ١٢ /١٢٤. ٤٤٥ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ أبواب المبعث قوله: ((فيَقَذَّفُ)) بالمثنّة والقاف والذّال المعجَمة الثَّقيلة، تقدَّم في الكفالة بلفظ: ((فِيَتَقَصَّف» أي: يَزْدَِمونَ عليه حتَّى يَسقُط بعضهم على بعض فيَكاد يَنْكَسِرِ، وأطلقَ ((يَتَقَصَّف)) مُبالَغةً، قال الخطَّبيُّ: هو المحفوظ، وأمَّا ((يَتَقَذَّف)) فلا معنى له إلّا أن يكون من القَذف، أي: يَتَدَافَعونَ فيَقْذِف بعضهم بعضاً فيَتَساقَطُونَ عليه فيَرجِع إلى معنى الأوَّل، وللكُشْمِيهنيِّ بنونٍ وفتح القاف وكسر الصّاد، أي: يَسقُط. قوله: ((بگّاءً)) بالتشديد، أي: كثير البكاء. قوله: ((لا يَملِك عَينيهِ)) أي: لا يُطيق إمساكَهما عن البكاء من رِقّة قلبه. وقوله: ((إذا قرأ)) إذا ظَرفيَّة والعامل فيه: لا يَملِك، أو هي شرطيَّة والجزاء مُقدَّر. قوله: ((فأفزَعَ ذلكَ)) أي: أخافَ الكفَّار لمَا يعلمونَه من رِقّة قلوب النِّساء والشَّباب أن یمیلوا إلی دین الإسلام. قوله: «فقَدِمَ علیھم)» في رواية الگُشْمِيهنيّ: فقدِمَ علیه؛ أي: على أبي بكر. قوله: ((أن يَفتِن نساءَنا)) بالنَّصب على المفعوليَّة وفاعله أبو بكر، كذا لأبي ذرٍّ، وللباقين ((أن تُفْتَن)) بضمٌّ أوَّله ((نِساؤُنا)) بالرَّفع على البناء للمجهول. قوله: ((أَجَرْنا)) بالجيم والراء للأكثر، وللقابسيِّ بالزّائِ، أي: أبَحنا له، والأوَّل أوجه، والألف مقصورة في الرِّوایتَينِ. قوله: ((فاسأَلْهُ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: فسَلْهُ. قوله: ((ذِمَّتك)) أي: أمانك لَه. قوله: ((تُخفِرَكَ)) بضمِّ أوَّله وبالخاء المعجمة وكسر الفاء؛ أي: نَغدٍر بك، يقال: خَفَرَه: إذا حَفِظَه، وأخفَرَه: إذا غَدَرَ به. قوله: ((مُقِرّين لأبي بكر الاستِعلان)) أي: لا نَسكُت عن الإنكار عليه؛ للمعنى الذي ذكروه من الخشية على نسائهم وأبنائهم أن يدخلوا في دينه. قوله: ((وأرضَى بچِوَار الله)) أي: أمانِه وِمايتِهِ. وفيه جواز الأخذ بالأشدِّ في الدِّين، وقوّة ٤٤٦ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ فتح الباري بشرح البخاري يقين أبي بكر. قوله: ((والنبيُّ نَ لِ يومَئذٍ بمكَّةٍ)) في هذا الفَصل من فضائل الصِّدِّيق أشياء كثيرة قد امتازَ بها عَمَّن سواه ظاهرة لمن تأمَّلَها. قوله: ((بين لابَتَينِ: وهما الحَرَّتان)) هذا مُدَرَج في الخَبَرَ وهو من تفسير الزُّهْريِّ، والحرّة: أرضٌ حِجارَتُها سودٌ، وهذه الرُّؤيا غير الرُّؤيا السابقة أوَّل الباب من حديث أبي موسى(١) التي تَرَدَّدَ فيها النبيّ وَ له كما سَبَق، قال ابن التِّين: كأنَّ النبيّ وَ أُريَ دار الهجرة بصفةٍ تَجمَع المدينة وغيرها، ثمَّ أُريَ الصِّفة المختَصّة بالمدينة فتَعيِّنَت. قوله: ((وَرَجَعَ عامّةُ مَن كان هاجَرَ بأرضِ الحَبَشة إلى المدينة)) أي: لمَّا سمعوا باستيطان المسلمين المدينة رجعوا إلى مكَّة فهاجَرَ إلى أرض المدينة مُعظَمهم لا جميعُهم، لأنَّ جعفراً ومَن معه تَخَلَّفوا في الحَبَشة، وهذا السَّبَب في مَجيء مُهاجِرَة الخَبَشة غير السَّبَب المذكور في مجيء مَن رَجَعَ منهم أيضاً في الهجرة الأولى، لأنَّ ذاكَ كان بسبب سُجود المشركين مع النبيّ ◌َّ والمسلمين في سورة النَّجم، فشاع أنَّ المشركين أسلَموا وسَجَدوا فَرَجع مَن رَجع من الحَبَشة فَوَجَدوهم أشدَّ ما كانوا كما سيأتي شرحُه وبيانه في تفسير سورة النَّجم (٤٨٦٢ و ٤٨٦٣). قوله: ((وتَجَهَّزَ أبو بكر قِبَل المدينة)) بكسر القاف وفتح الموخَّدة، أي: جهة، وتقدّم في الكَفالة (٢٢٩٧) بلفظ: ((وخرج أبو بكر مُهاجراً)) وهو منصوب على الحال المقدَّرة، والمعنى: أراد الخروج طالباً للهجرة، وفي رواية هشام بن عُرْوة عن أبيه عند ابن حِبّان (٦٢٧٩): استأذَنَ أبو بكر النبيّ وَ لي في الخروج من مگَّة. قوله: ((على رِسْلِك)) بكسر أوَّله، أي: على مَهلك، والرِّسل: السَّير الرَّفيق، وفي رواية ابن حِبّان: فقال: ((اصبر)). قوله: ((وهل تَرجُو ذلك بأبي أنتَ)) لفظ: ((أنتَ)) مُبْتَدَأ وخبرُه ((بأَبي)) أي: مُفدَّی بأبي، (١) يعني به الحديث الذي علَّقه البخاري أول الباب: ((رأيت في المنام أني أهاجر من مكة ... إلى آخره))، ووصله في مواضع أخرى سلف ذكرها قريباً. ٤٤٧ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ أبواب المبعث ويحتمل أن يكون ((أنتَ)) تأكيداً لفاعلِ (تَرجُو)) و((بأبي)) قَسَمٌ. قوله: ((فحَبَسَ نَفْسَه)) أي: مَنَعَها من الهجرة، وفي رواية ابن حِبّان: فانتَظَرَه أبو/ بكر ضُ . . قوله: ((وَرَق السَّمُر)) بفتح المهمَلة وضمّ الميم. قوله: ((وهو الخَبَط)) مُدَرَج أيضاً في الخَبَرَ، وهو من تفسير الزُّهْريِّ، ويقال: السَّمُر: اسمُ شَجَرةٍ أمّ غَيْلان، وقيل: كلّ ما له ظِلِّ ثَخين، وقيل: السَّمُر: وَرَقُ الطَّلْح، والخَبَط بفتح المعجَمة والموخَّدة: ما يُبَط بالعصا فيَسقُط من ورَق الشَّجَر، قاله ابن فارس. قوله: ((أربعة أشهُر)) فيه بيان المدّة التي كانت بين ابتداء هِجرة الصحابة بين العَقَبة الأولى والثانية وبين هِجرَته ◌َّله، وقد تقدَّم في أوَّل الباب أنَّ بين العَقَبة الثانية وبين هِجرَته ۋ شهرینٍ وبعض شهر على التحرير. قوله: ((قال ابن شهاب ... )) إلى آخره، هو بالإسناد المذكور أوَّلاً، وقد أفرَدَه ابن عائذ في (المغازي)) من طريق الوليد بن محمد عن الزُّهْرِيِّ، ووَقَعَ في رواية هشام بن عُرْوة عند ابن حِبّان (٦٢٧٩) مضموماً إلى ما قبله، وعند موسى بن عُقْبة: وكان رسول الله،وَلَّ لا يُخْطِئِه يومٌ إلّا أتى مَنزِل أبي بكر أوَّلَ النَّهار وآخِرَه. قوله: ((في نَحْرِ الظَّهيرة)) أي: أوَّل الزّوال: وهو أشدّ ما يكون من حَرارة النَّهار، والغالب في أيام الحرّ القَيلولة فيها، وفي رواية ابن حِبّان (٦٢٧٩): فأتاه ذات يوم ظُهراً، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند الطبرانيّ (٢٤/ ٢٨٤): كان النبيّ وَّهِ يأتينا بمكَّة كلّ يوم مرَّتَينِ بُكرةً وعَشيَّةً، فلمَّا كان يومٌّ من ذلك جاءنا في الظَّهيرة، فقلت: يا أبتِ، هذا رسول الله ◌َّه. قوله: ((هذا رسول الله مُتَقَتِّعاً)) أي: مُغَطّياً رأسَه، وفي رواية موسى بن عُقْبة عن ابن شهاب: قالت عائشة: وليس عند أبي بكر إلّا أنا وأسماء، قيل: فيه جواز لُبْس الطَّيلَسان، وجَزَمَ ابن القَيِّم بأنَّ النبيّ ◌َّه لم يَلْبَسْه ولا أحدٌ من أصحابه، وأجابَ عن الحديث بأنَّ التَّقَنُّع يخالف التَّطَيلُس، قال: ولم يكن يَفعَل التقنُّعَ عادةً بل للحاجة، وتُعقِّبَ بأنَّ في حديث ٢٣٥/٧ ٤٤٨ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ فتح الباري بشرح البخاري أنس: أنَّ النبيَّ وَّه كان يُكثِرِ التقنُّع، أخرجه (١)، وفي ((طبقات ابن سعد)) (١/ ٤٦١) مُرسَلاً: ذُكِرَ الطَّيلَسان لرسولِ اللهِ ◌ّهِ فقال: «هذا ثوب لا يُؤَدَّی شُكْرُه)». قوله: ((فِدَّى له)) بكسر الفاء وبالقصر، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فِداءً)) بالمدِّ. قوله: ((ما جاء به)) في رواية يعقوب بن سفيان: ((إن جاء به)) إن هي النافية بمعنى ما، وفي رواية موسى بن عُقْبة: فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما جاء بك إلّا أمرٌ حَدَثَ. قوله: ((إنَّما هم أهلُك)) أشارَ بذلك إلى عائشة وأسماء كما فَسَّرَه موسى بن عُقْبة، ففي روايته قال: ((أخرِج مَن عندك. قال: لا عَيْنَ عليك، إنَّما هما ابنَتَايَ))، وكذلك في رواية هشام بن عروة. قوله: ((فإنّ)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: فإنَّه. قوله: ((الصحابة)) بالنَّصب، أي: أُريدَ المصاحبة، ويجوز الرَّفع على أنَّه خَبَر مُبْتَدَأْ محذوفٍ. قوله: ((نعم)) زاد ابن إسحاق في روايته: قالت عائشة: فرأيت أبا بكر يبكي، وما كنت أحسَب أنَّ أحداً يبكي من الفَرَح، وفي رواية هشام: فقال: الصُّحبة يا رسول الله، قال: ((الصُّحبةَ)). قوله: «إحدی راحلتي هاتینِ. قال: بالثّمَنِ)) زاد ابن إسحاق: قال: ((لا أرگَب بعیراً ليس هو لي))، قال: فهو لك، قال: ((لا، ولكن بالثَّمَنِ الذي ابتَعتَها به))، قال: أخَذتُها بكذا وكذا، قال: «قد أخذتُها بذلك»، قال: هي لك. وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند الطبرانيِّ (٢٤/ ٢٨٤): فقال: ((بثَمَنِها يا أبا بكر))، فقال: بَثَمَنِها إن شِئت، ونَقَلَ السُّهَيليّ في ((الرَّوض)) عن بعض شيوخ المغرِب: أنَّه سُئِلَ عن امتناعه من أخْذ الراحلة مع أنَّ أبا بكر أنفَقَ عليه مالَه، فقال: أحَبَّ أن لا تكون هِجرَته إلّا (١) كذا بُيُّض له في الأصلين، وجاء فيهما إشارة تشبه في رسمها لفظة ((به))، فأُثبتت كذلك في الطبعة البولاقية، وكذا في الطبعة السلفية، والظاهر أنها إشارة من بعض النساخ لبيان وجود بياض في الموضع، إذ لا معنى للفظة ((به)) هنا، والله أعلم، وقد أخرج هذا الأثر ابن سعد في ((الطبقات)) ١/ ٤٦٠، والترمذي في ((الشمائل» (١١٨)، وإسناده ضعيف. ٤٤٩ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ أبواب المبعث من مال نفسِه. وأفادَ الواقديّ أنَّ الثَّمَن ثمانُ مئةٍ، وأنَّ التي أخَذَها رسول الله ◌َّ من أبي بكر هي القَصْواء، وأنَّها كانت من نَعَم بني قُشَيرٍ، وأنَها عاشَت بعد النبيّ وَّر قليلاً وماتت في خلافة أبي بكر، وكانت مُرسَلة ترعى بالبقيع. وذكر ابن إسحاق أنَّها الجَذْعاء، وكانت من إبل بني الحَريش، وكذا في رواية أخرجها ابن حِبّان (٦٢٧٩) من طريق هشام عن أبيه عن عائشة: أنَّها الجذعاء. قوله: ((أحَثَّ الجَهَاز)) ((أحَثّ)) بالمهملة والمثلَّثة أفعَل تفضيل من الحَثّ: وهو الإسراع، وفي رواية لأبي ذرًّ: ((أحبّ)) بالموخَّدة،/ والأوَّل أصحّ، والجهاز بفتح الجيم وقد تُكسر، ٢٣٦/٧ ومنهم مَن أنكَرَ الكسر: وهو ما يُحتاج إليه في السَّفَر. قوله: ((وصَنَعنا لهما سُفرة في جِراب)) أي: زاداً في جِراب، لأنَّ أصل السُّفرة في اللُّغة: الزّاد الذي يُصنَع للمُسافِرِ، ثمَّ استُعمِلَ في وِعاء الزّاد، ومثله المَزادة للماء، وكذلك الراوية. فاستُعمِلَت السُّفرة في هذا الخَبَرَ على أصل اللُّغة. وأفادَ الواقديّ: أنَّه كان في السُّفرة شاةٌ مَطبوخة. قوله: ((ذاتَ النِّطاق)) بكسر النّون، وللكُشْمِيهنيِّ ((النِّطاقَينِ)) بالتثنية، والنِّطاق: ما يُشَدّ به الوَسَط، وقيل: هو إزار فيه تِكّة، وقيل: هو ثوب تَلبَسه المرأة ثمَّ تَشُدّ وسَطها بحَبلٍ ثمَّ تُرسِل الأعلى على الأسفَل، قاله أبو عُبيد الهَرَويّ، قال: وسُمّيَت ذات النِّطاقَينِ لأنَّها كانت تجعل نطاقاً على نطاق، وقيل: كان لها نطاقان تَلبَس أحدهما وتجعل في الآخر الزّاد. انتهى، والمحفوظ كما سيأتي بعد هذا الحديث (٣٩٠٧): أنَّهَا شَقَّت نطاقها نصفَينٍ فشَدَّت بأحدِهما الزّاد واقتَصَرَت على الآخر، فمِن ثَمَّ قيل لها ذات النِّطاق وذات النِّطاقَينِ، فالَّئنية والإفراد بهذَينِ الاعتبارَينِ. وعند ابن سعد (٢٢٩/١ و٢٥٠/٨) من حديث الباب: شَقَّت نِطاقها فأَوْكَأت بقطعةٍ منه الجِراب وشَدَّت فَمَ القِربة بالباقي فسُمّيَت ذات النِّطاقَينِ. قوله: ((قالت: ثُمَّ لَحَ رسول اللهَ وَّل وأبو بكر بغارٍ في جبل ثَوْر)) بالمثلَّثة، ذكر الواقديّ: أَمَا خَرَجا من خَوْخة في ظَهْر بيت أبي بكر، وقال الحاكم: تَواتَرَت الأخبار أنَّ خروجَه ٤٥٠ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ فتح الباري بشرح البخاري كان يوم الاثنين ودخولَه المدينة كان يومَ الاثنين، إلّا أنَّ محمد بن موسى الخوارزميّ قال: إنّه خرج من مگّة يوم الخميس. قلت: يُجمع بينهما بأن خروجه من مگَّة کان یوم الخمیس، وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين، لأنَّه أقامَ فيه ثلاث لَيالٍ، فهي ليلة الجمعة وليلة السَّبت وليلة الأحد وخرج في أثناء ليلة الاثنين. ووَقعَ في رواية هشام بن عُرْوة عند ابن حِبّان (٦٢٧٩): ((فَرَكبا حتَّى أتيا الغار وهو ثَور، فَتَوارَيا فيه))، وذكر موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب قال: ((فَرَقَدَ عليٌّ على فِراش رسول الله وَ﴿ يُوَرّي عنه، وباتَت قُرَيش تَخْتَلِفِ وتأتمر أيّهم يَهجُم على صاحب الفِراش فيُوثِقُه، حتَّى أصبحوا فإذا هم بعليٍّ، فسألوه، فقال: لا عِلمَ لي، فعَلِموا أنَّه فَرَّ منهم))، وذكر ابن إسحاق نحوه وزاد: أنَّ جِبْريل أمَرَه لا يَبيت علی فِراشه، فدعا علیاً فأمَرَه أن یبیت على فِراشه ويُسَجَّى ببُردِهِ الأخضَر، ففَعَل، ثمَّ خرج النبيّ وَّه على القوم ومعه حَفْنة من تُراب، فجَعَلَ يَنْثُرُها على رؤوسهم وهو يقرأ يس إلى: ﴿فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ [يس: ٩]. وذكر أحمد (٣٢٥١) من حديث ابن عبَّاس بإسنادٍ حَسَن(١) في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآية [الأنفال: ٣٠]، قال: تَشاوَرَت قُرَيش ليلةً بمكَّة، فقال بعضُهم: إذا أصبَحَ فأثبتوه بالوَثاق، يريدونَ النبيّ وَِّ، وقال بعضُهم: بل اقتُلوه. وقال بعضهم: بل أَخِرِ جوه، فأطلَعَ الله نبيَّه على ذلك فباتَ عليٌّ على فِراش النبيّ ◌َِّ تلك اللَّيلة، وخرج النبيُّ وَّهَ حَتَّى لَحِقَ بالغار، وباتَ المشرِكونَ يَجِرُسونَ عليّاً يَحَسَبونَه النبيَّ لَّهِ، يعني: يَنْتَظِرِونَه حتَّى يقوم فيَفعَلونَ به ما اتَّفَقوا عليه، فلمَّا أصبحوا ورأوا عليّاً رَدَّ الله مَكرَهم (١) بل ضعيف، ففي إسناده عثمان الجزري الراوي عن مقسم مولى ابن عباس - وهو الذي يقال له: عثمان المشاهد - قال عنه أحمد كما في ((الجرح والتعديل)) ٦/ ١٧٤: روى أحاديث مناكير، زعموا أنه ذهب كتابه. قلنا: وإنما حسَّن الحافظ إسنادَه ظنّاً منه أنه عثمان بن عمرو بن ساج الجزري المترجَم في ((التهذيب)) و((تقريبه))، ولهذا فاته أن يترجم لعثمان المشاهد هذا في ((تعجيل المنفعة))، مع أنه من شرطه. ٤٥١ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ أبواب المبعث فقالوا: أين صاحبُك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتَصُّوا أثرَه، فلما بَلَغوا الجبل اختَلَطَ عليهم، فصَعِدوا الجبل فمَرُّوا بالغار فرأَوْا على بابه نَسْجَ العنكبوت فقالوا: لو دَخَلَ هاهنا لم يكن نَسْجُ العنكبوت على بابه، فمَکَثَ فيه ثلاث ليالٍ. وذكر نحو ذلك موسى بن عُقْبة عن الزّهْريِّ قال: مَكَثَ رسول الله وَّه بعد الحجّ إلى بقيَّة ذي الحِجّة والمحَرَّم وصَفَر، ثمَّ إن مُشِرِكي قُرَيش اجتَمَعوا، فذكر الحديث وفيه: وباتَ عليٌّ على فِراش النبيّ ◌َّهِ يُّوَرّي عنه، وباتَت قُرَيش يختلفونَ ويأتِمِرونَ أيهم یَهچِمُ على صاحب الفِراش فيُوثِقه، فلمَّا أصبحوا إذا هم بعليٍّ، وقال في آخره: فخَرَجوا في كلّ وجهٍ يَطلُبُونَه. وفي ((مُسنَد أبي بكر الصِّدِّيق)) (٧٣) لأبي بكر بن عليّ المروزيّ شيخ النَّسائيّ من مُرسَل الحسن في قِصّة نَسْج العنكبوت نحوُه، وذكر الواقديُّ: أنَّ قُرَيشاً بَعَثوا في أثرهما قائفَينِ: أحدهما كُرز بن عَلقَمة، فرأى كُرْز بن/ عَلقَمة على الغار نَسْج العنكبوت فقال: هاهنا ٢٣٧/٧ انقَطَعَ الأثر. ولم يُسمِّ الآخر، وسَّه أبو نُعَيم في ((الدَّلائل)) من حديث زيد بن أرقَم وغيره: سُرَاقة بن جُعشُم. وقِصّة سُرَاقة مذكورة في هذا الباب (٣٩٠٦). وقد تقدَّم في مناقب أبي بکر (٣٦٥٣) حديث أنس عن أبي بكر. قوله: ((فكَمَنا فيه)) بفتح الميم ويجوز كسرها، أي: اختفيا. قوله: ((ثلاثَ لَيَالٍ)) في رواية عُرْوة بن الزُّبَير (ليلَتَينِ))، فلعلَّه لم يحسِب أوَّل ليلة، وروى أحمد (١٥٩٨٨) والحاكم (١٥/٣ و٥٤٨/٤) من رواية طلحة النَّصْريّ قال: قال رسول الله وَلَّه: (لَبِثْتُ مع صاحبي - يعني أبا بكر - في الغار بضعة عشر يوماً ما لنا طعام إلّا ثَمَر البَرِير)) قال الحاكم: معناه: مَكَثنا مُتَّفِين من المشركين في الغار وفي الطَّريق بضعة عشر يوماً. قلت: لم يقع في رواية أحمد ذِكْر الغار(١)، وهي زيادة في الخَبَرَ من بعض رُواته، ولا (١) ولا في رواية الحاكم، بل ولا في رواية أحدٍ ممن خرّج الحديث خلا الديلمي في ((مسند الفردوس)) طبعة زغلول (٥٢٨٦). ٤٥٢ فتح الباري بشرح البخاري يَصِحّ حَمله على حالة الهجرة لمَا في ((الصحيح)) كما تَراه من أنَّ عامر بن فُهَيرة كان يَروح عليهما في الغار باللَّبَنِ، ولِمَا وَقَعَ لهما في الطَّريق من لُقِيِّ الراعي كما في حديث البراء في هذا الباب (٣٩١٧)، ومن النُّزول بخَيمة أمّ مَعبَد(١) وغير ذلك، فالذي يَظهَر أنَّهَا قِصّة أُخرَى، والله أعلم(٢). وفي ((دلائل النَّبَّة) للبيهقيِّ (٢/ ٤٧٦) من مُرسَل محمد بن سِيرِين: أنَّ أبا بكر ليلةً انطَلَقَ مع رسول الله وَّ إلى الغار كان يمشي بين يَدَيه ساعةً ومن خلفه ساعةً، فسألَه فقال: أذكُر الطَّلَب فأمشي خَلفَك، وأذكُر الرَّصَد فأمشي أمامَك. فقال: ((لو كان شيءٌ أحبَبتَ أن تُقتَل دوني؟))(٣) قال: إي والذي بَعَثَك بالحقِّ، فلمَّا انتَهَيا إلى الغار قال: مكانك يا رسول الله حتَّى أستَبِرِئ لك الغار، فاستَبرأه، وذكر أبو القاسم البَغَويُّ من مُرسَل ابن أبي مُلَيكة نحوه، وذكر ابن هشام من زياداته عن الحسن البصريّ بلاغاً نحوه. قوله: ((عبد الله بن أبي بكر)) وَقَعَ في نُسخة: ((عبد الرحمن)) وهو وَهْمٌ. قوله: ((ثَقِفُ)) بفتح المثلَّثة وكسر القاف ويجوز إسكانها وفتحها وبعدها فاء: الحاذِق، تقول: ثَقِفت الشَّيء: إذا أقَمت عِوَجه. قوله: (لَقِنٌ)) بفتح اللّام وكسر القاف بعدها نون، اللَّقِن: السَّريع الفَهم. قوله: ((فيَدَّلِج)» بتشديد الدّال بعدها جيم، أي: يَخْرُج بسَحَرٍ إلى مگَّة. قوله: ((فيُصبح مع قُرَيش بمَّة كَبائتٍ)) أي: مثل البائت، يَظُنّه مَن لا يَعرِف حقيقة أمره لِشِدّة رُجوعه بغَلَسٍ. (١) تحرف في (س) إلی مبعد. (٢) قال المحب الطبري في ((الرياض النضرة)) ١/ ١١٠ طبعة دار الكتب العلمية: حَملُه على غار ثور غلط؛ فإنه كان طعامُهم فيه ما تقدَّم ذكره، وإنما كانت هذه القصة - والله أعلم - أيامَ كان ◌َّ يعرض نفسه على قبائل العرب یدعُوهم إلى الله عز وجل. (٣) كذا وقعت الرواية للحافظ، مع أن الذي في المطبوع من ((الدلائل)) و((المستدرك)) ٦/٣ للحاكم: ((لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟)) ٤٥٣ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ أبواب المبعث قوله: ((يُكْتادان به» في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((يُكادان به)) بغير مُثّاة، أي: يُطلَب لهما فيه المکروه، وهو من الگید. قوله: ((عامر بن فُهَيرة» تقدَّم ذِكْره في باب الشِّراء من المشركين من كتاب البيوع(١)، وذكر موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب: أنَّ أبا بكر اشتَراه من الطُّفَيل بن سَخْبَرة، فأسلم، فأعتَقَه. قوله: ((مِنْحة)) بكسر الميم وسكون النُّون بعدها مُهمَلة، تقدَّم بيانها في الهِبة (٢٦٢٩)، وتُطلَق أيضاً على كلّ شاة. وفي رواية موسى بن عُقْبة عن ابن شهاب: أنَّ الغنم كانت لأبي بكر، فكان يَروح عليهما الغَنم كلّ ليلة فيَحلُبان، ثمَّ تَسرَحِ بُكرةً، فيُصبح في رُعيان الناس، فلا يُفطَنُ له. قوله: ((في رِسْل)) بكسر الراء بعدها مُهمَلة ساكنة: اللَّبَن الطَّريّ. قوله: ((ورَضِيفُهما)» بفتح الراء وكسر المعجَمة بوزنِ رَغيف، أي: اللَّبَنِ المَرْضوف، أي: التي وُضِعَت فيه الحجارة المُحّماة بالشمس أو النار ليَنْعَقِد وتَزولَ رَخاوَتُه، وهو بالرَّفع ويجوز الجرّ. قوله: ((حتَّى يَنْعِقَ بها عامر)) يَنِعِقِ بكسر العين المهمَلة، أي: يَصيح بغَنَمِه، والنَّعْقُ(٢): صوت الراعي إذا زَجَرَ الغَنَم، ووَقَعَ في رواية أبي ذرّ: ((حَتَّى يَنْعِقَ بهما)) بالتَّنية، أي: يُسمِعُهما صوته إذا زَجَرَ غَنَمه، ووَقَعَ في حديث ابن عبّاس عند ابن عائذ في هذه القِصّة: ثُمَّ یسرَح عامر بن فُھیرة فيصبح في رُعْیان الناس گبائتٍ فلا يُفطَن به، وفي رواية موسی بن عُقْبة عن ابن شِهاب: وكان عامر أميناً مُؤتَمناً حَسَن الإسلام. قوله: (من بني الدِّيْل)) بكسر الدّال وسكون التحتانيَّة، وقيل: بضمٌ أوَّله وكسر ثانیه مهموز. : قوله: ((من بني عبد بن عَديّ)) أي: ابن الدِّيلِ بن بكر بن عبد مَناة بن كِنانة، ويقال: من بني عَديّ بن عَمْرو بن خُزاعة، ووَقَعَ في ((سيرة ابن إسحاق)) تهذيب ابن هشام: اسمه/ (١) بل في كتاب الإجارة ((باب استئجار المشركين عند الضرورة)) في الحديث (٢٢٦٣). (٢) في (س): النَّعيق، وكلاهما جائز ومسموع، كما في المعاجم اللغوية. ٤٥٤ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٥ فتح الباري بشرح البخاري ٢٣٨/٧ عبد الله بن أرقَد، وفي رواية الأُمويّ عن ابن إسحاق: ابن أُرَيقِد، كذا رواه الأُمويّ في ((المغازي)) بإسنادٍ مُرسَل في غير هذه القِصّة، قال: وهو دليل رسول الله وَله إلى المدينة في الهجرة. وعند موسى بن عُقْبة: أُرَيقِط بالتصغير أيضاً لكن بالطاء وهو أشهر، وعند ابن سعد (٢٢٨/٢ -٢٢٩): عبد الله بن أُرَيقط، وعن مالك: اسمه رُقَيط، حكاه ابن التِّين، وهو في ((العُتبيَّة)). قوله: ((هادياً خِرِّيتا)) بكسر المعجَمة وتشديد الراء بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ مُثنّاة. قوله: ((والخِّيت: الماهر بالهِدَايةِ)) هو مُدَرَج في الخَبَر من كلام الزّهْريِّ بيَّنه ابن سعد (١)، ولم يقع ذلك في رواية الأَمويّ عن ابن إسحاق، قال ابن سعد: وقال الأصمَعيّ: إنَّمَا سُمّيَ خِرّيتاً لأنَّه يَهدي بِمثلٍ خَرْتِ الإبرة، أي: ثَقْبِها، وقال غيره: قيل له ذلك لأنَّه يَهتَدي لأَخْرات المَفازَةِ وهي طُرُقها الخَفيَّة. قوله: ((قد غَمَسَ)) بفتح الغَين المعجمة والميم بعدها مُهمَلة ((حِلْفاً)) بكسر المهمَلة وسكون اللّام، أي: كان حَليفاً، وكانوا إذا تَحالَفوا غَمَسوا أيمانهم في دَمٍ أو خَلوقٍ أو في شيءٍ يكون فيه تَلويث، فيكون ذلك تأكيداً للحِلْفِ. قوله: ((فَأَمِناه)) بقَصْر الهمزة(٢). قوله: ((فأتاهما براحِلَتَيهما صُبحَ ثلاث)) زاد موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب: حتَّى إذا هَدَأت عنهما الأصوات جاء صاحبُهما ببعيرهما، فانطَلَقا معهما بعامر بن فُهَيرة يَخْدُمهما ويُعينهما ◌ُردِفہ أبو بكر ويُعقِبہ لیس معھما غیرُه. قوله: ((فأخَذَّ بهم طريق الساحل)) في رواية موسى بن عُقْبة: فأجازَ بهما أسفَل مكَّة ثمَّ مَضَى بهما حتَّى جاء بهما الساحل أسفَلَ من عُسْفان، ثمَّ أجازَ بهما حتَّى عارَضَ الطَّريق، (١) رواية الزهري في ((الطبقات)) ٢٢٧/١، وليس فيها ما نقله عنه وعن الأصمعي فيما بعد. (٢) كذا في الأصلين، ووقع في (س): بكسر الميم، وجمع بينهما العيني في ((عمدة القاري)) ١٧/ ٤٧ فقال: بقصر الهمزة وكسر الميم. ٤٥٥ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ أبواب المبعث وعند الحاكم (٨/٣) من طريق ابن إسحاق: حدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبَير عن عُرْوة عن عائشة، نحوه وأتمَّ منه وإسناده صحيح، وأخرجه الزُّبَير بن بكّار في ((أخبار المدينة)) مُفَسَّراً مَنْزِلَةً مَنزِلةً إلى قُباء، وكذلك ابن عائذ من حديث ابن عبّاس، وقد تقدَّم في «علامات النُّبوّة)) (٣٦١٥) وفي ((مناقب أبي بكر)) (٣٦٥٣) ما اتُّفِقَ لهما حين خَرَجا من الغار مَن لُقيِّهما راعي الغنم وشُربهما من اللَّبَن. ٣٩٠٦- قال ابنُ شِهابٍ: وأخبرني عبدُ الرَّحمن بنُ مالكِ المُدْلِچِيُّ، وهو ابنُ أخي سُرَاقَةً ابنِ مالكِ بنِ جُعْثُمِ: أنَّ أباه أخبَرَه، أنَّه سمعَ سُرَاقةَ بنَ جُعْثُم يقول: جاءنا رُسُلُ كَفَّار قُرَيْشٍ يَجْعَلونَ في رسولِ اللهِ وَّهِ وأبي بَكْرِ دِيةَ كلِّ واحدٍ منهما لمَن قَتَلَه أو أسَرَه، فبَينَما أنا جالسٌّ في تَجلِسٍ من مجالسٍ قومي بني مُدْلِجٍ، إِذْ أقبَلَ رجلٌ منهم حتَّى قامَ علينا ونحنُ جلوس، فقال: يا سُرَاقةُ، إنّي قد رأيتُ آنِفاً أَسوِدةً بالساحلِ، أُراها محمَّداً وأصحابَه، قال سُرَاقَةُ: فعَرَفْتُ أَنَّهِم هُمْ، فقلتُ له: إنَّهم ليسوا بهمْ، ولكنَّكَ رأيتَ فلاناً وفلاناً انطَلَقوا بأعيُنِنا، ثمَّ لَبِثْتُ فِي المَجْلِسِ ساعةً، ثمَّ قُمْتُ فدَخَلْتُ فأمَرْتُ جاريَتي أن تَخْرُجَ بِفَرَسي وهي من وراءِ أَكَمَةٍ، فَتَحْبِسَها عليَّ، وأخَذْتُ رُنحي فخَرَجْتُ به من ظَهْرِ البيتِ، فخَطَطْتُ بزُجّه الأرضَ، وخَفَضْتُ عالِيَهُ حتَّى أتيتُ فرسيٍ فَرَكِيتُها، فَرَفَعْتُها تُقرِّبُ بي حتَّى دَنَّوْتُ منهم، فعَثَرَت بي فَرَسي، فخَرَرْتُ عنها، فقُمْتُ فأهوَيتُ يدي إلى كِنانَتي، فاستَخْرَجْتُ منها الأَزْلامَ فاستَقْسَمْتُ بها: أضُرُهم أم لا؟ فخَرَجَ الَّذِي أكرَه، فَرَكِيتُ فرسي وعَصَيتُ الأزْلامَ، ثُقَرِّبُ بي حتَّى إذا سمعتُ قراءةَ رسولِ اللهِ وَلَه وهو لا يَلْتَفِتُ، وأبو بَكْرِ يُكْثِرُ الالتِفاتَ، ساخَت يَدا فَرَسي في الأرضِ، حتَّى بَلَغَتا الرُّكْبَتَينِ، فخَرَرْتُ عنها ثمَّ زَجَرْتُها فَنَهَضَتْ، فلم تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيها، فلمَّا استَوَت قائمةً إذا لأثَرِ يَدَيها عُثانٌ سَاطِئٌ في السماءِ مِثلُ الدُّخان، فاستَقْسَمْتُ بالأزْلامِ فخَرَجَ الَّذِي أكرَه، فنادَيتُهم بالأمان، فَوَقَفُوا فَرَكِيتُ فَرَسي، حتَّى جِئْتُهم ووَقَعَ في نفسي حينَ لَقِيتُ ما لَقِيتُ مِن الحَبْسِ عنهم أن سَيَظْهَرُ أمرُ رسولِ الله ◌َّةِ، فقلتُ له: إنَّ قومَكَ قد جَعَلوا فيكَ الدِّيّةَ، وأخبَرُهم أخبارَ ما يُرِيدُ الناسُ بهم، وعَرَضْتُ عليهمُ الزّادَ والمَتَاعَ، ٤٥٦ فتح الباري بشرح البخاري فلم يَرْزَآني ولم يَسْألاني، إلا أن قال: ((أَخْفِ عَنّ)). فسألتُه أن يَكتُبَ لي كتابَ أمْنٍ، فَأَمَرَ عامَ بنَ فُهَيرَةَ فَكَتَبَ في رُقْعَةٍ مِن أَدَم، ثمَّ مَضَى رسولُ الله ◌ِّ. قال ابنُ شِهَابٍ: فأخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ: أنَّ رسولَ اللهِوَ لَقِيَ الزُّبَرَ فيِ رَكْبٍ مِن المسلمينَ كانوا تِجَاراً قافلِينَ مِن الشَّامِ، فَكَسَا الزُّبَيرُ رسولَ اللهِ وَلِّ وأبا بكرٍ ثِابَ بياضٍ، وسمعَ المسلمونَ بالمدينةِ تَخَرَجَ رسولِ الله وَله من مكَّةَ، فكانوا يَغْدونَ كلَّ غَدَاةٍ إلى الحَرّةِ، فَيَتَظِرونَه حتَّى يَردّهم حَرُّ الظَّهِيرةِ، فانقَلَبوا يوماً بعدَما أَطَالُوا انتِظارَهم، فلمَّا أَوَوْا إِلى بُيوتِهِم أوْفَ رجلٌ من يهودَ على أُطُمٍ من آطامِهِم لأمرٍ يَنظُرُ إليه، فَبَصُرَ برسولِ اللهِله وأصحابِهِ مُبِيَّضِينَ، يَزولُ بهِمُ السَّرابُ، فلم يَمْلِكِ اليهوديُّ أن قال بأعلى صوته: يا مَعاشرَ العربِ، هذا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فثارَ المسلمونَ إلى السِّلَاحِ، فَتَلَقَّوْا رسولَ اللهِ لّهِ بِظَهْرِ الحَرّةِ، فَعَدَلَ بهم ذاتَ اليمينِ، حتَّى نزلَ بهم في بني عَمْرِو ابنِ عَوْفٍ، وذلكَ يومَ الاثنَينِ من شهرِ رَبِيعِ الأَوَّلِ، فقامَ أبو بكرٍ للناسِ، وجَلَسَ رسولُ اللهوَله صامِتاً، فطَفِقَ مَن جاء مِن الأنصار ممَّن لم يَرَ رسولَ الله ◌ِوَّه ◌ُحِّي أبا بكرٍ، حتَّى أصابتِ الشمسُ رسولَ اللهِ ◌ّه فأقبَلَ أبو بكرٍ حتَّى ظَلَّلَ عليه بِرِدائه، فعَرَفَ الناسُ رسولَ اللهِ لّهِ عندَ ذلكَ. فَبِثَ رسولُ اللهِوَله في بني عَمْرِو بنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ ليلةً، وأُسِّسَ المسجدُ الَّذِي أُسِّسَ على التَّقْوَى، وصَلَّى فيه رسولُ اللهِ وَّهِ، ثمَّ رَكِبَ راحلته، فسارَ يَمْشي معه الناسُ حتَّى بَرَكَت عندَ مسجدِ الرَّسُولِ وَِّ بالمدينةِ، وهو يُصلِّ فيه يومَئذٍ رجالٌ مِن المسلمينَ، وكان مِرْبَداً للتَّمْرِ لِسُهَيلٍ وسَهْلٍ، غلامَينِ يَتِيمَينِ في حَجْرِ أسعَدَ بنِ زُرارةَ، فقال رسولُ الله وَِّ حِينَ بَرَكَت به راحلتُهُ: ((هذا إن شاء الله المَنزِلُ))، ثمَّ دَعَا رسولُ اللهِ وَ لَّهِ الغلامَينِ فساوَمهما بالمِرْبَدِ ليَتَّخِذَه مسجداً، فقالا: لا، بل نَهَبُهُ لكَ يا رسولَ الله، فَأَبِى رسولُ اللهِوَهِ أَنْ يَقبَلَه منهما هِبَّةً، حتى ابتاعَه منهما، ثمَّ بناه مسجداً، وطَفِقَ رسولُ الله ◌َِّ يَنْقُلُ معهمُ اللَّبِنَ في بُنْيانه، ويقول: وهو يَنقُلُ اللَّبِنَ: هذا الحِمَالُ لاحِمِالَ خَيْبَرْ هذا أَبَرُّ رَبَّنا وأطْهَرْ ويقول: اللهمَّ إنَّ الأجْرَ أجْرُ الآخِرَهْ فارحَم الأنصارَ والمُهاجِرَهْ ٤٥٧ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ أبواب المبعث فتَمثَّلَ بشِعْرِ رجلٍ مِن المسلمينَ، لم يُسَمَّ لي. قال ابنُ شِهابٍ: ولم يَبْلُغْنا في الأحادِيثِ أنَّ رسولَ الله وَهِ تَثَّلَ ببيتٍ شِعْرٍ تامّ غيرَ هذِهِ الأبياتِ. ٢٤٠/٧ الحديث الثاني عشر: حديث سُرَاقة بن جُعشُم. قوله: ((قال ابن شهاب)» هو موصول بإسناد حديث عائشة (٣٩٠٥)، وقد أفرَدَه البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٤٨٥/٢، ٤٨٦) وقبله الحاكم في ((الإكليل)) من طريق ابن إسحاق: حدَّثني محمد بن مسلم هو الزُّهْريُّ، به. وكذلك أورَدَه الإسماعيليّ مُنفَرِداً من طريق مَعمَر (١)، والمُعافَى في ((الجليس)) (٢) من طريق صالح بن كَيْسان، كلاهما عن الزُّهْريِّ. قوله: ((المُدْلِجيُّ)) بضمِّ الميم وسكون المهمَلة وكسر اللّام ثمَّ جيم: من بني مُدْلِج بن مُرّة بن عبد مَناة بن كِنانة. وعبدُ الرحمن بن مالك هذا اسم جَدّه مالكُ بن جُعْشُم، ونُسِبَ أبوه في هذه الرِّواية إلى جَدّه كما سَنُبيِّنُه في سُرَاقة، وأبوه مالك بن جُعْشُم له إدراك، ولم أرَ مَن ذكره في الصحابة بل ذكره ابن حِبّان في التابعين، وليس له ولا لأخيه سُرَاقة ولا لابنِه عبد الرحمن في البخاريّ غير هذا الحديث. قوله: ((ابن أخي سُرَاقة بن ◌ُعْشُم)) في رواية أبي ذرٍّ: ((ابن أخي سُرَاقة بن مالك بن جُعْتُم)) ثمّ قال: ((إِنَّهِ سمعَ سُرَاقة بن جُعْتُم))، والأوَّل هو المعتَمَد، وحيثُ جاء في الرِّوايات سُرَاقة بن جُعْتُم يكون نُسِبَ إلى جَدّه، وسيأتي في حديث البراء (٣٩٠٨) بعدها بقليلِ: أنَّ سُرَاقة بن مالك بن جُعشُم ولم يُخْتَلَف عليه فيه، و((جُعشُم)) بضمِّ الجيم والشّين المعجَمة بينهما عين مُهمَلة: هو ابن مالك بن عَمْرو، وكُنية سُرَاقة أبو سفيان، وكان يَنزِل قُدیداً وعاشَ إلى خلافة عثمان. (١) وهو عند عبد الرزاق (٩٧٤٣)، وعنه أحمد (١٧٥٩١). (٢) المسمّى بـ((الجليس الصالح والأنيس الناصح)) للمعافى بن زكريا ص ٦٩٥، وكذلك أخرجه الطبراني (٦٦٠٣) من طريق صالح بن كيسان. ٤٥٨ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((دِيَة كلِّ واحد)) أي: مئةً من الإبل، وصَرَّحَ بذلك موسى بن عُقْبة وصالح بن كَيْسان في روايتهما عن الزُّهْريِّ، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند الطبرانيّ (٢٨٤/٢٤): ٢٤١/٧ وخَرَجَت قُرَيش حين فَقَدوهما / في بُغائهما، وجَعَلوا في النبيّ ◌َّهِ مِئَةَ ناقةٍ، وطافوا في جبال مكَّة حتَّى انتَهَوا إلى الجبل الذي فيه رسول الله وَله، فقال أبو بكر: يا رسول الله، إنَّ هذا الرجل لَيَرانا - وكان مُواجِهَه - فقال: ((كلّا، إنَّ ملائكةً تَستُرنا بأجنِحَتِها)»، فجَلَس ذلك الرجل يَبُول مُواجَهةَ الغار، فقال النبيّ وَِّ: ((لو كان يَرانا ما فَعَلَ هذا)). قوله: ((رأيت آنِفاً) أي: في هذه الساعة. قوله: ((أسودة)) أي: أشخاصاً، في رواية موسى بن عُقْبة وابن إسحاق: لقد رأيت رَكَبةً ثلاثةً إنّي لَأظنّه محمداً وأصحابه؛ ونحوه في رواية صالح بن کَیْسان. قوله: ((رأيت فلاناً وفلاناً انطَلَقوا بأعيننا)) أي: في نظرنا مُعايَنَةً يَبْتَغونَ ضالّةً لهم، في رواية موسى بن عُقْبة وابن إسحاق: فأومأتُ إليه أن اسكُت، وقلت: إنّما هم بنو فلان يَبتَغونَ ضالّة لهم، قال: لعلّ، وسَكَتَ، ونحوه في رواية مَعمَر، وفي حديث أسماء: فقال سُرَاقة: إنَّهما راكبان مَّن بَعَثْنا في طلب القوم. قوله: ((فأمَرت جاريَتي)) لم أقِفْ على اسمها، وفي رواية موسى بن عُقْبة وصالح بن کیْسان: وأمَرت بفَرَسي فقُيِّدَ إلى بطن الوادي، وزادَ: ثمَّ أخَذت قِداحي - بكسر القاف؛ أي: الأزلام - فاستَقْسَمَت بها، فخرج الذي أكره، لا تَضُرُّه، وكنت أرجو أن أرُدّه فَآخُذَ المئةَ ناقةٍ. قوله: ((فخَطَطت)) بالمعجَمة، وللكُشْمِيهنيّ والأَصِيلِيّ بالمهمَلة، أي: أمكنتُ أسفلَه. وقوله: ((بزُجّه)) الزُّجّ بضمِّ الزّاي بعدها جيم: الحديدة التي في أسفل الرُّمح، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فخَطَطت به))، وزاد موسى بن عُقْبة وصالح بن كَيْسان وابن إسحاق: فأمَرت بسلاحي فأُخرِجَ من ذَنَب حُجرَتي، ثمَّ انطَلَقْت فَلَبِستُ لَأْمَتِي. قوله: ((وخَفَضتُ عالِيَهُ)) أي: أمسَكَه بَيَدِه وجَرَّ زُجَّه(١) على الأرض فخَطَّها به لئلا يَظهَر (١) في (أ) وحدها: وجرجره، بدل: وجَرّ زُجَّه. ٤٥٩ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ أبواب المبعث بَرِيقُه لمن بَعُدَ منه، لأنَّه كَرِهَ أن يَتَبَعَه منهم أحد فيَشرَكُوه في الجُعالة. ووَقَعَ في رواية الحسن عن سُرَاقة عند ابن أبي شَيْبة (١٤ / ٣٣١): وجعلتُ أجُرُّ الرُّمحَ تَخَافَةَ أَن يَشْرَكَني أهلُ الماء فيها. قوله: «فرفعتُها» أي: أسرعت بها السَّیر. قوله: ((تُقرِّب بي)) التقريب: السَّير دون العَدْو وفوق العادة، وقيل: أن تَرفَع الفَرَس یَدَیها معاً وتَضَعهما معاً. قوله: ((فأهوَيت يَدِي)) أي: بسطتُها للأخذِ، والكِنَانة: الخريطة المستطيلة. قوله: «فاستَخرجت منها الأزلام فاستَقْسَمت بها أَضُرُّهم أم لا)» والأَزْلام: هي الأقداح، وهي السِّهام التي لا رِيش لها ولا نَصْل، وسيأتي شرحها وكيفيَّتُها وصَنيعهم بها في تفسير المائدة(١). قوله: «فخَرَجَ الذي أكرَه)) أي: لا تَضُرُّهم، وصَرَّحَ به الإسماعيليّ وموسی وابن إسحاق، وزاد: وكنت أرجو أن أرُدّه فآخُذ المئةَ ناقة، وفي حديث ابن عبّاس عند ابن عائذ: ورَكِبَ سُرَاقة، فلمَّا أبصَرَ الآثار على غير الطَّريق وهو وَجِلٌ أنكَرَ الآثار فقال: والله ما هذه بآثار نَعَم الشّام ولا تهامةَ، فَتَبَعَهم حتَّى أدرَكَهم. قوله: ((حتَّى إذا سمعت)) في حديث البراء عن أبي بكر الآتي عَقِب هذا: فدَعا عليه النبيّ وَل﴾، وفي رواية أبي خليفة في حديث البراء عند الإسماعيليّ(٢): فقال: ((اللهمَّ اكِفِناه بما شِئت))، وفي حديث ابن عبّاس مثلُه، ونحوه في رواية الحسن عن سُرَاقة، وفي حديث أنس (٣٩١١) وهو الثامن عشر من أحاديث الباب: فالتَّفَتَ النبيّ وَّه فقال: ((اللهمَّ اصرَعْهُ»، فِصَرَعَه فرَسُه. قوله: ((ساخَت)) بالخاء المعجَمة، أي: غاصَت، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر: فوَقَعَت لِمَنخِرِیَها. قوله: ((حتَّى بَلَغَتا الرُّكَبَتَينِ)) في رواية البراء (٣٦١٥): «فارتَطَمَت به فَرَسه إلى بَطنها))، وفي رواية أبي خليفة: في الأرض إلى بطنها. (١) عند باب قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَقُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ ... ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، بين يدي الحديث (٤٦١٦). (٢) وهي كذلك عند ابن حبان (٦٨٧٠)، وكذلك جاء في غير رواية أبي خليفة عند أحمد (٣). ٤٦٠ باب ٤٥ / ح ٣٩٠٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فَخَرَرتُ عنها)) في رواية أبي خليفة: ((فوَثَبت عنها))، زاد ابن إسحاق فقلت: ما هذا؟ ثمَّ أخرَجتُ قِداحي؛ نحو الأوَّل. قوله: ((ثُمَّ زَجَرتُها فَنَهَضَت فلم تَكَد)) وفي حديث أنس (٣٩١١): ((ثُمَّ قامَت تُحمحِم) ٢٤٢/٧ الحَمحَمة: بمُهمَلَتَينِ: هو / صوت الفَرَس. قوله: ((عُثَان) بضمِّ المهمَلة بعدها مُثلَّثة خفيفة، أي: دُخان، قال مَعمَر: قلت لأبي عَمْرو بن العلاء: ما العُثان؟ قال: الدُّخان من غير نار، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((غُبار)) بِمُعجَمةٍ ثمَّ موخَّدة ثمَّ راء، والأوَّل أشهر. وذكر أبو عُبيد في ((غريبه)) قال: وإنَّما أراد بالعُثان الغُبارَ نَفْسَه، شَبَّهَ غُبار قوائمها بالدُّخان، وفي رواية موسى بن عُقْبة والإسماعيليّ: ((واتَّبَعَها دُخان مثل الغُبار)) وزاد: فعَلمت أنَّه مُنِعَ مِنِّي. قوله: ((فنادَيتُهم بالأمان)) وفي رواية أبي خليفة: ((قد عَلمت يا محمد أنَّ هذا عملُك، فادعُ الله أن يُنجِيَني ثمّا أنا فيه، والله لَأُعَمِّيَنَّ عليك مَن ورائي)»، أي: الطََّب. وفي رواية ابن إسحاق: ((فنادَيت القوم: أنا سُرَاقة بن مالك بن جُعشُم، انظُروني أُكلِّمكُم، فوالله لا آتيكم ولا يأتيكم منِّي شيء تَكرَهونَه))، وفي حديث ابن عبّاس مثله وزاد: وأنا لكم نافعٌ غير ضارِّ، وإنّ لا أدري لعلَّ الحيّ - يعني قومَه - فَزِعوا لرُكوبي، وأنا راجعٌ ورادُّهم عنكُم. قوله: ((وَقَعَ في نفسي حِينَ لَقِيت من الحبس عنهم أن سَيَظهَر أمُرُ رسول الله وٍَّ)) في رواية ابن إسحاق: أنَّه قد مُنِعَ منِّي. قوله: ((وأخبَرَتُهم أخبار ما يُريد الناس بهم))، أي: من الحِرص على الظَّفَر بهم، وبَذْل المال لمن يُحصِّلُهم. وفي حديث ابن عبّاس: وعاهَدَهم أن لا يقاتلهم ولا يُبر عنهم، وأن یکثُم عنهم ثلاث لَیالٍ. قوله: ((وعَرَضت عليهم الزّاد والمتاعَ)) في مُرسَل عُمير بن إسحاق عند ابن أبي شَيْبة (١٤ / ٣٢٧): فَكَفّ ثمَّ قال: هَلُمَّا إلى الزّاد والحُمْلان، فقالا: لا حاجة لنا في ذلك، وفي حديث ابن عبّاس أنَّ سُرَاقة قال لهم: وإنَّ إيلي على طريقكم فاحتَلِبوا من اللَّبَن وخُذوا سهماً من كِنانتي أمارةً إلى الراعي.