النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
أبواب المبعث
بعدي يدخل الجنَّة من أمَّته أكثر ثَمَّن يدخلها من أمَّتي)) وفي رواية شَرِيك عن أنس: ((لم أظنّ
أحداً يُرفَع عليَّ))، وفي حديث أبي سعيد قال موسى: ((يَزْعُم بنو إسرائيل أنّي أكرم على الله،
وهذا أكرَم على الله منِّي)، زاد الأُمويّ في روايته: ((ولو كان هذا وحده هانَ عليّ، ولكن
معه أمَّته وهم أفضل الأمم عند الله))، وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه:
أنَّه مرَّ بموسى عليه السلام وهو يَرفَع صوته فيقول: أكرَمته وفَضَّلته، فقال چِبْريل: هذا
موسى، قلت: ومَن يُعاتب؟ قال: يُعاتب رَبَّ فيك، قلت: ويَرفَع صوته على رَبّه؟ قال: إنَّ
الله قد عَرَفَ له حِدَّته))، وفي حديث ابن مسعود عند الحارث(١) وأبي يَعْلى (٥٠٣٦) والبَزَّار
(١٥٦٨): ((وسمعت صوتاً وتَذَمُّراً، فسألت جِبْريل فقال: هذا موسى، قلت: على مَن
تَذَقُّره؟ قال: على رَبّه. قلت: على رَبّه؟! قال: إنَّه يَعِرِف ذلك منه))(٢).
قال العلماء: لم يكن بكاء موسى حَسَداً، مَعاذ الله، فإنَّ الحَسَد في ذلك العالَم مَنزوع عن
آحاد المؤمنين، فكيفَ بمَن اصطَفاه الله تعالى، بل كان أسَفاً على ما فاتَه من الأجر الذي
يَتَرتَّب عليه رفعُ الدَّرَجة بسبب ما وَقَعَ من أمَّته من كَثْرة المخالفة المقتضية لتنقيص
أجورهم المستَلزِم لتنقيصِ أجره، لأنَّ لكلِّ نبيّ مثل أجر كلّ مَن اتَّبَعَه، ولهذا كان مَن
اتَّبَعَه من أمَّته في العدد دون مَن اتَّبَعَ نبيَّنَا وَّ مع طول مُدَّتهم بالنّسبة لهذه الأُمّة.
وأمَّا قوله: ((غلاماً)) فليس على سبيل النَّقص، بل على سبيل التَّنويه بقدرة الله وعظيم
كَرَمه إذ أعطَى لمن كان في ذلك السِّنّ ما لم يُعطِه أحداً قبله مَّن هو أسَنُّ منه.
وقد وَقَعَ من موسى من العِناية بهذه الأُمّة من أمر الصَّلاة ما لم يقع لغيرِهِ، ووَقَعَت
الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة عند الطَّبَريّ (٦/١٥-١١) والبزَّار (٩٥١٨)، قال عليه
الصَّلاة/ والسَّلام: «کان موسی أشدَّهم عليّ حین مَرَرت به، وخيرهم لی حین رجعت ٢١٢/٧
إليه))، وفي حديث أبي سعيد: ((فأقبَلت راجعاً، فمَرَرت بموسى ونِعمَ الصّاحبُ كان لكُم،
فسألَني: كَم فَرَضَ عليك رَبّك؟» الحديث.
(١) كما في «زوائدہ)) للهيثمي (٢٢).
(٢) وفي إسناده أبو حمزة ميمون الأعور، وهو ضعيف.

٤٠٢
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن أبي جَمْرة: إنَّ الله جَعَلَ الرَّحمة في قلوب الأنبياء أكثر ممّا جَعَلَ الرَّحمة في قلوب
غيرهم، لذلك بكَى رحمة لأُمَّتِهِ، وأمَّا قوله: «هذا غلام)) فأشارَ إلى صِغَر سِنّه بالنّسبة إليه.
قال الخطَّبيُّ: العرب تُسَمّي الرجل المستَجمِع السِّنَّ غلاماً ما دامَت فيه بقيَّة من القوّة.
انتھی.
ويَظهَر لي أنَّ موسى عليه السلام أشارَ إلى ما أنعَمَ الله به على نبيّنا عليهما الصلاة
والسَّلام من استمرار القوّة في الكُهوليَّة وإلى أن دَخَلَ في ◌ِنّ الشَّيخوخة، ولم يدخل على
بَدَنه هَرَم ولا اعتَرَی قوَّته نقصٌ، حتَّى إنّ الناس في قُدومه المدینةَ كما سيأتي من حديث
أنس (٣٩١١) لمَّا رأوه مُردِفاً أبا بكر أطلقوا عليه اسم الشّاب، وعلى أبي بكر اسم الشَّيخ
مع كَونه في العمر أسَنَّ من أبي بكر، والله أعلم.
وقال القُرطُبيّ: الحكمة في تَخصيص موسى بمُراجَعة النبيّ ◌ٍَّ في أمر الصلاة لعلَّها
لكَونِ أمّة موسى كلِّفَت من الصَّلَوات بما لم تُكلَّف به غيرُها من الأُمم، فتَقُلَت عليهم،
فأشفَقَ موسى على أمّة محمد من مثل ذلك. ويشير إلى ذلك قوله: ((إنّي قد جَرَّبت الناس
قبلك» انتھی.
وقال غيره: لعلَّها من جهة أنَّه ليس في الأنبياء مَن له أَتباعٌ أكثر من موسى، ولا مَن له
كتاب أكبرَ ولا أجمَعَ للأحكام من كتابه(١) من هذه الجهة مُضاهياً للنبيِّ وَِّ، فناسَبَ أن
يَتَمنَّى أن يكون له مثل ما أنعَمَ به عليه من غير أن يريد زَواله عنه، وناسَبَ أن يُطلِعه على
ما وَقَعَ له ويَنصَحه فيما يتعلَّق به، ويحتمل أن يكون موسى لمَّا غَلَبَ عليه في الابتداء
الأسَفُ على نَقْصِ حَظّ أمَّته بالنّسبة لأُمّة محمّد نَّهِ حَتَّى تَمَنَّى ما تَمَنَّى أن يكون، استَدرَكَ
ذلك ببَذْلِ النَّصيحة لهم والشَّفَقة عليهم ليُزِيلَ ما عَسَاه أن يُوهَّم عليه فيما وَقَعَ منه في
الابتداء.
وذكر السُّهَيليّ أنَّ الحكمة في ذلك: أنَّه كان رأى في مُناجاته صِفة أمّة محمد ◌َِّ، فَدَعَا اللهَ
(١) قوله: ((من كتابه)) سقط من (س).

٤٠٣
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
أبواب المبعث
أن يَجعَله منهم، فكان إشفاقه عليهم كعِنَاية مَن هو منهم. وتقدَّم في أوَّل الصلاة (٣٤٩)
شيءٌ من هذا، أو شيءٌ مَّا يتعلَّق بأمر موسى بالتَّرديدِ مِراراً، والعلم عند الله تعالى. وقد وَقَعَ
من موسى عليه السلام في هذه القِصّة من مراعاة جانب النبيّ وَِّ: أنَّه أمسَكَ عن جميع ما
وَقَعَ له حتَّى فارَقَه النبيُّ وَ لاوَ أَدَباً معه وحُسنَ عِشرة، فلمَّا فارَقَه بكى وقال ما قال.
قوله: ((فإذا إبراهيم)) في حديث أبي سعيد: «فإذا أنا بإبراهيم خليل الرحمن مُسنِداً ظَهره
إلى البيت المعمور كأحسن الرِّجال))، وفي حديث أبي هريرة عند الطَّبَريّ (٦/١٥-١١):
((فإذا هو برَجلِ أشَمَط جالس عند باب الجنَّة على كرسيّ)).
تكملة: اختُلِفَ في حال الأنبياء عند لُّقِيِّ النبيِّ وَّهِ إِيّاهم ليلةَ الإسراء، هل أُسريَ
بأجسادِهم لملاقاة النبيّ وَّهتلك اللَّيلة، أو أنَّ أرواحهم مُستَقِّة في الأماكن التي لَقْيَهم
النبيّ ◌َ﴿ وأرواحهم مُتشَكِّلةٌ بشَكلِ أجسادهم كما جَزَمَ به أبو الوفاء بن عَقيل، واختارَ
الأوَّل بعض شيوخنا، واحتَجَّ بما ثَبَتَ في مسلم (٢٣٧٥) عن أنس أنَّ النبيّ ◌َِّ قال:
((رأيت موسى ليلةَ أُسريَ بي قائماً يُصلِّ في قبره))، فدَلَّ على أنَّه أُسريَ به لمَّا مَرَّ به. قلت:
وليس ذلك بلازمٍ، بل يجوز أن يكون لرُوحِه اتّصالٌ بجسدِه في الأرض، فلذلك یتمگَّن
من الصلاة ورُوحه مُستَقِّة في السماء.
قوله: ((ثُمَّ رُفِعْتُ إلى سِدرة المنتَهَى)) كذا للأكثر بضمِّ الراء وسكون العين وضمّ التاء
من (رُفِعْتُ)) بضمير المتكلِّم وبعده حرف جَرّ، وللكُشْمِيهنيِّ: ((رُفِعَتْ)) بفتح العين
وسكون التاء، أي: السِّدرة لي باللّام، أي: من أجلي، وكذا تقدَّم في بَدْء الخلق (٣٢٠٧)،
ويُجمَع بين الرِّوايتَينِ: بأنَّ المراد أنَّه رُفِعَ إليها، أي: ارتَقَى به وظَهَرَت له، والرَّفع إلى
الشَّيء يُطلَق على التقريب منه، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشِ مَّرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤]، أي:
تَقْتَِب لهم.
ووَقَعَ بيانُ سببٍ تسميتها سِدرة المنتَهَى في حديث ابن مسعود عند مسلم (١٧٣) ولفظه:
لمَّا أُسريَ برسولِ اللهِ وَ لّه قال: «انتُهيَ بي إلى سِدرة المنتَهَى وهي في السماء/ السادسة وإليها ٢١٣/٧

٤٠٤
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
يَنْتَهي ما يَعْرُج من الأرض فيُقْبَض منها، وإليها يَنْتَهي ما يَهبط مِن فَوقها (١) فيُقْبَض منها)).
وقال النَّوَويّ: سُمّيَت سِدرة المنتَهَى لأنَّ عِلم الملائكة يَنْتَهي إليها، ولم يُجاوِزها أحد
إلّا رسول الله وَ ل﴾. قلت: وهذا لا يعارض حديث ابن مسعود المتقدِّم، لكن حديث ابن
مسعود ثابت في ((الصحيح)) فهو أوْلى بالاعتمادِ. قلت: وأورَدَ النَّوَويّ هذا بصيغة
التمريض فقال: وحُكيَ عن ابن مسعود أنَّهَا سُمّيَت بذلك ... إلى آخرِهِ، كذا أورَدَه فأشعَرَ
بضعفِه عنده، ولا سيَّما ولم يُصرِّح برفعِه، وهو صحيح مرفوع.
وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): ظاهر حديث أنس أنَّها في السابعة لقولِه بعد ذِكْر السماء
السابعة: ((ثُمَّ ذَهب بي إلى السِّدرة))، وفي حديث ابن مسعود أنَّها في السادسة، وهذا
تَعارُض لا شَكَّ فيه، وحديث أنس هو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وَصفها بأنَّها التي
يَنْتَهي إليها عِلمُ كلِّ نبيّ مُرسَل وكلِّ مَلَك مُقَرَّب على ما قال كعب، قال: وما خَلْفها غَيب
لا يَعلَمِه إلّا الله أو مَن أعلَمَه، وبهذا جَزَمَ إسماعيل بن أحمد(٢).
وقال غيره: إليها مُنْتَهَى أرواح الشُّهَداء، قال: ويَتَرَجَّح حديث أنس بأنَّه مرفوع،
وحديث ابن مسعود موقوف، كذا قال، ولم يُعرِّج على الجمع بل جَزَمَ بالتعارُضِ. قلت: ولا
يعارض قوله: إنّها في السادسة، ما دَلَّت عليه بقيّة الأخبار أنَّه وصَلَ إليها بعد أن دَخَلَ السماء
السابعة، لأنَّه يُحمَل على أنَّ أصلها في السماء السادسة وأغصانها وفروعها في السابعة،
وليس في السادسة منها إلّا أصلُ ساقها، وتقدَّم في حديث أبي ذرٍّ أوَّل الصلاة (٣٤٩): «فغَشيها
ألوانٌ لا أدري ما هيَ))، وبقيَّة حديث ابن مسعود المذكور: ((قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا
يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، قال: فَرَاش من ذهب)) كذا فَسَّرَ المبهم في قوله: ﴿مَا يَغْشَى﴾ بالفَرَاش.
(١) قوله: ((من فوقها)) سقط من (س).
(٢) هو العلّامة المفسِّر أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله النيسابوري الحيري الضرير، صاحب
التصانيف في القرآن والقراءات والحديث، منها ((الكفاية)) في التفسير، روى عن زاهر السَّرخسي وأبي
الهيثم الكشميهني، وعنه الخطيب البغدادي الذي قرأ عليه ((صحيح البخاري)) في ثلاثة مجالس، توفي
سنة ثلاثين وأربع مئة. انظر ترجمته في (سير أعلام النبلاء)) ٥٣٩/١٧ للذهبي.

٤٠٥
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
أبواب المبعث
ووَقَعَ في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس: ((جَراد من ذَهب)»(١).
قال البَيْضاويّ: وذِكْرِ الفَراش وَقَعَ على سبيل التمثيل، لأنَّ من شأن الشَّجَر أن يَسقُط
عليها الجَراد وشَبَهه، وجعلها من الذَّهَب لصَفاءٍ لَونها وإضاءَتها في نفسها. انتَهَى، ويجوز
أن يكون من الذَّهَب حقيقةً ويُحْلَقُ فيه الطَّيَران، والقُدرة صالحة لذلك.
وفي حديث أبي سعيد وابن عباس: («يغشاها الملائكة))، وفي حديث أبي سعيد عند
البيهقيِّ(٢): ((على كلّ وَرَقة منها مَلَك))، ووَقَعَ في رواية ثابت عن أنس عند مسلم: ((فلمَّا
غَشيَها من أمر الله ما غَشيَها تَغيَّرَت، فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن يَنعَتها من حُسنها))،
وفي رواية حُميدٍ عن أنس عند ابن مَرْدويه(٣) نحوه لكن قال: تَحوَّلَت ياقُوتاً(٤) ونحو ذلك.
قوله: ((فإذا نَبِقُها)) بفتح النُّون وكسر الموحّدة وسكونها أيضاً، قال ابن دِحية: والأوَّل
هو الذي ثَبَتَ في الرِّواية، أي: التحريك، والنَِّقُ معروف: وهو ثَمَر السِّدْر.
قوله: ((مثل قِلال هَجَرَ)) قال الخطَّبيُّ: القِلال بالكسر جمع قُلّة بالضّمِّ: هي الجِرار، یرید:
أنَّ ثَمَرها في الكِيَرِ مثل القِلال، وكانت معروفة عند المخاطَبين فلذلك وَقَعَ التمثيل بها،
قال: وهي التي وَقَعَ تحديد الماء الكثير بها في قوله: ((إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَينٍ))(٥).
وقولُه: ((هَجَرَ)) بفتح الهاء والجيم: بَلدة، لا تَنصَرِف للتأنيثِ والعَلَميَّة، ويجوز
الصَّرْف.
قوله: ((وإِذا وَرَقُها مثلُ آذان الفِيَلَة)) بكسر الفاء وفتح التحتانيَّة بعدها لام، جمع فِيل،
(١) أخرجه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (١٦١٤) و(٢٨١٢).
(٢) في ((الدلائل)) ٣٩٥/٢.
(٣) وأخرجها أيضاً أحمد في («مسنده)) (١٢٣٠١)، وابن جرير الطبري في تفسيره)) ٢٧/ ٥٣.
(٤) كذا في الأصلين، وتحرفت في (س) إلى: ((قوتا))، وفي المطبوع من ((المسند)) و((تفسير الطبري): تحولت
ياقوتاً أو زمرداً.
(٥) جزء من حديث أخرجه أحمد في «مسنده)) (٤٦٠٥)، وأبو داود (٦٤)، والترمذي (٦٧)، وابن ماجه
(٥١٧)، والنسائي (٥٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: ((إذا بلغ الماء قلَّتين لم يَحمل الْحَبَثَ))
وهو حديث صحيح.

٤٠٦
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
ووَقَعَ في بَدْء الخلق (٣٢٠٧): ((مثل آذان الفُيول)) وهو جمع فِيل أيضاً.
قال ابن دِحية: اختيرَت السِّدرة دون غيرها لأنَّ فيها ثلاثة أوصاف: ظِلّ ممدود، وطعام
لذيذ، ورائحة زَكيَّة، فكانت بمَنزِلة الإيمان الذي يجمع القول والعمل والنّيَّة، والظِّ بمَنزِلة
العمل، والطَّعم بمَنزِلة النِّيَّة، والرائحة بمَنزِلة القول.
قوله: ((وإذا أربعة أنهار)) في بَدْء الخلق: ((فإذا في أصلها - أي: في أصل سِدرة المنتَهَى -
أربعة أنهار))، ولمسلم (١٦٤ / ٢٦٤): ((يَخْرُج من أصلها))، ووَقَعَ في ((صحيح مسلم)) (٢٨٣٩)
من حديث أبي هريرة: ((أربعة أنهار من الجنَّة: النّيل والفُرات وسَيحانُ وجَيحان))، فيحتمل
٢١٤/٧ أن تكون/ سِدْرة المنتَهَى مغروسة في الجنَّة والأنهار تَخرُج من أَصلها، فيَصِحّ أنَّها من الجنَّة.
قوله: ((أمَّا الباطِنان ففي الجنَّة))(١) قال ابن أبي جَمْرة: فيه أنَّ الباطِن أجَلُّ من الظّاهر،
لأَنَّ الباطِن جُعِلَ في دار البَقَاء والظّاهر جُعِلَ في دار الفَناء، ومن ثَمَّ كان الاعتماد على ما
في الباطِن كما قال ◌َ له: ((إنَّ الله لا يَنظُرُ إلى صُوَركم ولكن يَنظُر إلى قلوبكم))(٢).
قوله: ((وأمَّا الظّاهران: فالنِّيل والفُرات)) وَقَعَ في رواية شَرِيك كما سيأتي في التوحيد
(٧٥١٧) أنَّه رأى في السماء الدُّنيا تَهرَينٍ يَطَّرِدان فقال له جِبْريل: هما النّيل والفُرات
عُنصُر هما، والجمع بينهما أنَّه رأى هذَينِ النَّهرَينِ عند سِدرة المنتَهَى مع نَهرَي الجنَّة، ورآهما
في السماء الدُّنيا دون تَهَرَي الجنَّة، وأراد بالعُنصُرِ: عُنصُر امتيازهما بسَماءِ الدُّنيا، كذا قال
ابن دِحِية، ووَقَعَ في حديث شَرِيك أيضاً: ((ومَضَى به يَرقَى السماء، فإذا هو بنَهرِ آخَر عليه
قصرٌ من لُؤلُؤْ وزَبَرَ جَد، فضَرَبَ بِيَدِه فإذا هو مِسكٌّ أذفَرُ فقال: ما هذا يا جِبْرِيل؟ قال:
هذا الكَوثَر الذي خَبَأَ لك رَبُّك)). ووَقَعَ في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند ابن أبي
حاتم: أنَّه بعد أن رأى إبراهيم قال: ((ثُمَّ انطَلَقَ بي على ظَهْر السماء السابعة حتَّى انتَهَى إلى
شَهر عليه خيامُ اللُّؤْلُؤْ والياقوت والزَّبَر ◌َجَد، وعليه طيرٌ خُضْر، أنعَمَ طيرٍ رأيت، قال
(١) كذا وقع في الأصلين و(س)، وهذا لفظ حديث سلف برقم (٣٢٠٧)، وأما لفظ حديث هذا الباب
فهو: «وأما الباطنان فنهرانٍ في الجنة)).
(٢) أخرجه أحمد في («المسند» (٧٨٢٧)، ومسلم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة.

٤٠٧
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
أبواب المبعث
جِبْريل: هذا الكَوثَر الذي أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذَّهَب والفِضّة يجري على رَضْراض
من الياقوت والزُّمُرُّد، ماؤُه أشدُّ بياضاً من اللَّبَن، قال: فأخَذت من أنْيَته فاغتَرَفت من
ذلك الماء فشَرِبت فإذا هو أحلى من العَسَل وأشدّ رائحة من المسك»، وفي حديث أبي
سعيد: ((فإذا فيها عين تَجري يقال لها السَّلسبيل، فيَنشَقّ منها نَهران أحدهما: الكَوثَر،
والآخر يقال له نَهر الرَّحمة)).
قلت: فيُمكِن أن يُفَسَّر بهما النَّهران الباطِنان المذكوران في حديث الباب. وكذا رويَ
عن مُقاتل قال: الباطِنان: السَّلسبيل والكَوثَر.
وأمَّا الحديث الذي أخرجه مسلم (٢٨٣٩) بلفظ: (سَيْحانُ وجَيحانُ والنّيل والفُرات من
أنهار الجنَّة))، فلا يُغايِرِ هذا لأنَّ المراد به أنَّ في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنَّة، وحينئذٍ لم
يَتْبُت لسَيحون وجيحون أنَّهما يَنْبُعان من أصل ◌ِدْرة المنتَهَى، فيَمتاز النّيل والفُرات عليهما
بذلك. وأمَّا الباطِنان المذكوران في حديث الباب فهما غير سَيحون وجَيحون، والله أعلم.
قال النَّوَويّ: في هذا الحديث أنَّ أصل النّيل والفُرات من الجنَّة، وأنَّهما يَخْرُجان من
أصل سِدرة المنتَهَى، ثمَّ يسيران حيثُ شاءَ الله، ثمَّ يَنزِلان إلى الأرض، ثمَّ يسيران فيها ثمَّ
يَخْرُجان منها، وهذا لا يَمنَعه العقل، وقد شَهِدَ به ظاهر الخَبَرَ فليُعتَمَد.
وأمَّا قول عياض: إنَّ الحديث يدلّ على أنَّ أصل سِدْرة المنتَهَى في الأرض لكونِه قال:
إِنَّ النّيل والفُرات يَخْرُجان من أصلها، وهما بالمشاهدة يَخْرُجان من الأرض، فيَلزَم منه أن
يكون أصل السِّدرة في الأرض، وهو مُتَعقَّب، فإنَّ المراد بكَوضِما يَخِرُجان من أصلها غير
خروجهما بالنَّبع من الأرض. والحاصل أنَّ أصلَها في الجنَّة، وهما يَخْرُجان أوَّلاً من أصلها
ثُمَّ يسيران إلى أن يَستَقِرّا في الأرض ثمَّ يَنْبُعان. واستُدِلَّ به على فضيلة ماء النّيل والفُرات
لگونِ مَنبَعھما من الجنَّة، و كذا سيحان وجيحان.
قال القُرطُبيّ: لعلَّ تَرْكَ ذِكْرهما في حديث الإسراء لكونهما ليسا أصلاً برأسِهما، وإنَّما
يحتمل أن يَتَفَرَّعا عن النّيل والفُرات. قال: وقيل: وإنَّما أُطلِقَ على هذه الأنهار أنَّها من

٤٠٨
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
الجنَّة تشبيهاً لها بأنهار الجنَّة؛ لما فيها من شِدّة العُذوبة والحُسن والبَرَكة، والأوَّل أولَى، والله
أعلم.
تنبيه: الفُرات بالمثنّاة في الخَطّ في حالتَي الوَصل والوَقف في القراءات المشهورة،/ وجاء
٢١٥/٧
في قراءة شاذّة أنَّها هاء تأنيث، وشَبَّهَها أبو المظَفَّر بن اللَّيث بالتابوتِ والتأبُوه.
قوله: ((ثُمَّ رُفِعَ لي البيتُ المعمور)) زاد الكُشْمِيهنيّ: ((يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك»،
وتقدَّمت هذه الزيادة في بَدْء الخلق (٣٢٠٧) بزيادة: ((إذا خَرَجوا لم يعودوا آخِر ما عليهم»،
وكذا وَقَعَ مضموماً إلى رواية قَتَادة عن أنس عن مالك بن صَعصَعة، وقد بيَّنت في بَدْء
الخلق أنَّه مُدَرَج، وذكرت من فَصَله من رواية قَتَادة عن الحسن عن أبي هريرة، وقد
قَدَّمت ما يتعلَّق بالبيت المعمور هناك، ووَقَعَت هذه الزيادة أيضاً عند مسلم (٢٥٩/١٦٢)
من طريق ثابت عن أنس، وفيه أيضاً: ((ثُمَّ لا يعودونَ إليه أبداً»، وزاد ابن إسحاق في
حديث أبي سعيد: ((إلى يوم القيامة))، وفي حديث أبي هريرة عند البزَّار (٩٥١٨): ((أَنَّه رأى
هناكَ أقواماً بيض الوجوه، وأقواماً في ألوانهم شيء، فدخلوا نَهراً فاغتَسَلوا فخَرَجوا وقد
خَلَصَت ألوانُهم، فقال له جِبْريل: هؤلاء من أمَّتك خَلَطوا عملاً صالحاً وآخر سَيِّئاً)، وفي
رواية أبي سعيد عند الأُمويّ والبيهقيّ(١): ((أنَّهم دخلوا معه البيت المعمور، وصَلّوا فيه
جميعاً)). واستُدِلَّ به على أنَّ الملائكة أكثر المخلوقات، لأنَّه لا يُعرَف من جميع العَوالِمِ مَن
يَتَجَدَّد من جِنسه في كلّ يوم سبعون ألفاً غير ما ثَبَتَ عن الملائكة في هذا الخَبَر.
قوله: ((ثُمَّ أُتيت بإناءٍ من خمر وإناء من لَبَن وإناء من عَسَل، فأخَذت اللََّن، فقال: هي
الفِطْرة التي أنتَ عليها» أي: دين الإسلام.
قال القُرطُبيّ: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللَّبَن فِطرة، لأنَّه أوَّل شيء يدخل بَطنَ
المولود ويَشُقّ أمعاءَه، والسِّ في مَيل النبيّ ◌َ لقه إليه دون غيره لكَونِه كان مألوفاً له، ولأنَّه لا
يَنشَأ عن جِنسه مَفْسَدةٌ، وقد وَقَعَ في هذه الرِّواية أنَّ إتيانه الآنية كان بعد وصوله إلى سِدرة
(١) في ((الدلائل)) ٣٩٠/٢-٣٩٦.

٤٠٩
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
أبواب المبعث
المنتَهَى، وسيأتي في الأشربة (٥٦١٠) من طريق شُعْبة عن قَتَادة عن أنس قال: قال رسول الله
وَّ: (رُفِعَت لي سِدْرة المنتَهَى، فإذا أربعة أنهار)) فذكره، قال: ((وأُتيت بثلاثة أقداح)) الحديث،
وهذا موافق لحديثِ الباب، إلّا أنَّ شُعْبة لم يَذكُر في الإسناد مالك بن صَعصَعة.
وفي حديث أبي هريرة عند ابن عائذ في حديث المعراج بعد ذِكْر إبراهيم قال: ((ثُمَّ
انطَلَقنا، فإذا نحنُ بثلاثة آنية مُغَطّاة، فقال جِبْريل: يا محمَّد، ألا تشرب ممَّا سَقاك رَبُّك؟
فتَنَاوَلت إحداهما فإذا هو عَسَل فشَرِبت منه قليلاً، ثمَّ تَناوَلت الآخَر، فإذا هو لَبَن فَشَرِبت
منه حتَّى رَوِيت، فقال: ألا تشرب من الثالث؟ قلت: قد رَوِيتُ، قال: وَفَّقَك الله))، وفي
رواية البزَّار من هذا الوجه أنَّ الثالث كان خمراً، لكن وَقَعَ عنده أنَّ ذلك كان ببيتٍ
المقدِسِ، وأنَّ الأوَّل كان ماءً ولم يَذْكُرُ العَسَل.
وفي حديث ابن عبّاس عند أحمد (٢٣٢٤): ((فلمَّا أتى المسجد الأقصى قامَ يُصلِي، فلمَّا
انصَرَفَ جيءَ بقَدَحَينٍ، في أحدهما لبن وفي الآخر عَسَل، فأخَذَ اللََّن)) الحديث، وقد وَقَعَ
عند مسلم (٢٥٩/١٦٢) من طريق ثابت عن أنس أيضاً: أنَّ إتيانه بالآنية كان ببيتٍ
المقدِسِ قبل المعراج، ولفظُه: ((ثُمَّ دَخَلت المسجد فصَلَّيت فيه ركعتَينٍ، ثمَّ خَرَجت فجاء
جِبْريل بإناءٍ من خمر وإناء من لَبَن، فأخَذت اللَّبَن، فقال جِبْريل: اختَرتَ الفِطْرة. ثمَّ عَرَجَ
بنا إلى السماء))، وفي حديث شَدّاد بن أوس(١): ((فصَلَّيت من المسجد حيثُ شاءَ الله،
وأخَذَني من العَطَش أشدّ ما أخَذَني، فأُتيت بإناءَينِ، أحدهما لَبَن والآخر عَسَل، فعَدَلت
بينهما، ثمَّ هَداني الله فأخَذت اللَّبَن، فقال شيخ بين يَدَيَّ - يعني الجِبْرِيل -: أخَذَ صاحبُك
الفِطْرة))، وفي حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق في قِصّة الإسراء: فصَلَّى بهم - يعني
الأنبياء - ثمَّ أُتيَ بثلاثة آنيةٍ: إناءٍ فيه لَبَن، وإناءٍ فيه خمر، وإناءٍ فيه ماء، فأخَذت اللَّبَنَ))
الحديث، وفي مُرسَل الحسن عنده نحوه لكن لم يَذكُر إناء الماء.
ووَقَعَ بيان مكان عَرض الآنية في رواية سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة عند المصنّف
(١) أخرجه الطبراني في «الكبير)) (٧١٤٢)، والبيهقي في ((الدلائل)) ١٤٤/١.

٤١٠
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
كما سيأتي في أوَّل الأشربة (٥٥٧٦)، ولفظُه: ((أُتَيَ رسول اللهِ وَِّ ليلةَ أُسريَ به بإيلياءَ بإناءٍ
٢١٦/٧ فيه خمر وإناء فيه لَبَن، فنظر إليهما فأخَذَ اللََّن، فقال له جِبْريل: الحمد لله الذي/ هَدَاك
للفِطْرة، لو أخذتَ الخمر غَوَت أمَّتك))، وهو عند مسلم (١٦٨)، وفي رواية عبد الرحمن
ابن هاشم بن عُتبة عن أنس عند البيهقيِّ (١): ((فعَرَضَ عليه الماء والخمر واللَّبَن فأخَذَ اللَّبَن،
فقال له جِبْريل: أصبتَ الفِطْرة، ولو شربتَ الماء لَغَرِقتَ وغَرِقَت أمَّتك، ولو شربتَ الخمر
لَغَوَيتَ وغَوَت أمَّتك)).
ويُجمَع بين هذا الاختلاف إمّا بحَمْلِ ((ثمَ)) على غير بابها من التَّرتيب، وإمّا هي بمعنى
الواو هنا، وإمّا بوقوع عَرض الآنية مرَّتَينِ: مَرّة عند فراغه من الصلاة ببيتِ المقدِسِ وسببُه
ما وَقَعَ له من العَطَش، ومَرّة عند وصوله إلى سِدرة المنتَهَى ورُؤية الأنهار الأربعة.
أمَّا الاختلاف في عدد الآنية وما فيها فيُحمَل على أنَّ بعض الزُّواة ذكر ما لم يَذكُرُه
الآخر، ومجموعها أربعة آنية، فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي رآها تَخرُج من أصل
سِدرة المنتَهَى. ووَقَعَ في حديث أبي هريرة عند الطَّبَريّ (٦/١٥-١١) لمَّا ذكر سِدرة المنتَهَى:
((يَخْرُج من أصلها أنهار من ماء غير آسِن، ومن لَبَن لم يَتغيَّر طَعمُه، ومن خمر لَذّة للشّاربين،
ومن عَسَل مُصَفَّى))، فلعلَّه عَرَضَ عليه من كلّ تَهر إناء. وجاء عن كعب(٢): أنَّ نهر العَسَل
نهر النيل، ونهر اللَّبَن نهر جَيْحان، ونهر الخمر نهر الفُرات، ونهر الماء سَيْحان، والله أعلم.
قوله: (ثُمَّ فُرِضَت عليَّ الصلاة)) تقدَّم ما يتعلَّق بها في الكلام على حديث أبي ذرٍّ في أوَّل
الصلاة (٣٤٩).
والحكمة في تخصيص فَرْض الصلاة بليلة الإسراء: أنَّه ◌ِ لِّ لمَّا عُرِجَ به رأى في تلك اللَّيلة
تَعَبُّدَ الملائكة، وأنَّ منهم القائم فلا يَقعُد والراكع فلا یَسجُد والساجد فلا يَقعُد، فجمع الله له
(١) في ((الدلائل)) ٣٦١/٢-٣٦٢.
(٢) أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في ((بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)) (١٠٤٢) للهيثمي، ووقع
عنده: ((ونهر دجلة نهر اللبن)) بدل: ((نهر جيحان))، وعزاه له البوصيري في ((إتحاف الخيرة المهرة)) ٢٣٤/٨
وقال: ورواته ثقات.

٤١١
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
أبواب المبعث
ولأُمَّتِه تلك العبادات كلَّها في كلّ ركعة يُصلِّيها العبد بشَرائطِها من الطَّمأنينة والإخلاص،
أشارَ إلى ذلك ابن أبي جَمْرة، وقال في اختصاص فرضيَّتَها بليلة الإسراء إشارة إلى عِظَم
شأنِها (١)، ولذلك اختُصَّ فرضها بكَونِه بغير واسطة بل بمُراجَعات تَعَدَّدَت على ما سَبَقَ بيانه.
قوله: ((ولكن أرضَى وَأُسَلِّم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ولكنّي أرضَى وأُسَلِّم))، وفيه حذفٌ،
تقديرُ الكلام: سألت رَبّ حتَّى استَحيَيت فلا أرجِع، فإنّي إن رجعت صِرت غيرَ راضٍ
ولا مُسَلِّم، ولكنّي أرضَى وأُسَلِّم.
قوله: ((أمضَيت فريضَتي، وخَفَّفت عن عبادي)) تقدَّم أوَّل الصلاة (٣٤٩) من رواية أنس
عن أبي ذرٍّ: ((هنَّ خمسٌ، وهنَّ خمسونَ)) وتقدَّم شرحه، وفي رواية ثابت عن أنس عند مسلم
(١٦٢): ((حتَّى قال: يا محمد، هي خمسُ صَلَوات في كلّ يوم وليلة، كلّ صلاة عشرة فتلك
خمسونَ صلاة، ومَن هَمَّ بحَسنةٍ فلم يَعمَلْها كُتِبَت له حَسنة)) الحديث، وسيأتي الكلام على
هذه الزّيادة في الرِّقاق (٦٤٩١). وفي رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند النَّسائيِّ
(٤٥٠): ((وأَتَيْتُ سِدْرةَ المنتَهَى فغَشيَتَنِي ضَبَابة، فخَرَرتُ ساجداً، فقيل لي: إنّ يومَ خَلَقتُ
السَّماوات والأرض فَرَضت عليك وعلى أمَّتك خمسين صلاة فقُم بها أنتَ وأُمَّتك)»، فذكر
مُراجَعَته مع موسى وفيه: ((فإنَّه فُرِضَ على بني إسرائيل صَلاتان فما قاموا بهما))، وقال في
آخره: «فخمسٌ بخمسين فقُم بها أنتَ وأُمَّتك، قال: فعَرَفت أنَّهَا عَزْمةٌ من الله، فرجعت إلى
موسی فقال لي: ارجع، فلم أرجع».
قوله: ((فلمَّا جاوَزت ناداني مُنادٍ: أمضَيتُ فريضتي، وخَفَّفتُ عن عبادي)) هذا من أقَوَى
ما استُدِلَّ به على أنَّ الله سبحانه وتعالى كَلَّمَ نبيَّه محمداً وَلَه ليلةَ الإسراء بغير واسطة.
تكملة: وَقَعَ في غير هذه الرِّواية زيادات رآها وَّ بعد سِدرة المنتَهَى لم تُذكَر في هذه
الرِّواية، منها ما تقدَّم في أوَّل الصلاة (٣٤٩): ((حتَّى ظَهَرتُ لمستَوّى أسمَعُ فيه صَرِيفَ
الأقلام))، وفي رواية شَرِيك عن أنس كما سيأتي في التوحيد (٧٥١٧): ((حتَّى جاء ◌ِدْرة
(١) في (س): عظيم بيانها، وما أثبتناه من الأصلين.

٤١٢
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
المنتَهَى، ودَنا الجَّار رَبّ العِزّة تَبَارَكَ وتعالى فتدَلّى حتى (١) كان قابَ قَوسَينٍ أو أدنَى،
فأوحَى إليه خمسين صلاة)) الحديث. وقد استُشكِلَت هذه الزّيادة ويأتي الكلام على ذلك
مُستَوفَّى إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد. وفي رواية أبي ذرٍّ من الزّيادة أيضاً: ((ثُمَّ أُدخِلت
الجنَّة، فإذا فيها جَنابذُ اللُّؤْلُؤْ، وإذا تُرابها المِسك)).
٢١٧/٧ وعند مسلم(٢) من طريق همَّام عن قَتَادة/ عن أنس رَفَعَه: ((بَيْنا أنا أَسير في الجنَّة إذا أنا
بنَهَرِ حافَتَاه قِباب الدُّرّ المجوَّف، وإذا طِينُهُ مِسْك أذفَر، فقال جِبْرِيل: هذا الكَوَر))، وله (٣)
من طريق شَيْبان عن قَتَادة عن أنس: ((لمَّا عُرِجَ بالنبيِّ ◌َ﴿)) فذكر نحوه.
وعند ابن أبي حاتم وابن عائذ من طريق يزيد بن أبي مالك عن أنس: (ثُمَّ انطَلَقَ حتَّى
انتَهَى بي إلى الشَّجَرة، فغَشيني من كلّ سَحَابة فيها من كلّ لون، فتأخّرَ جِبْیل، وخَرَرت
ساجداً)، وفي حديث ابن مسعود عند مسلم (١٧٣): ((وأُعطيَ رسول اللهِوَّرِ الصَلَواتِ
الخمسَ، وخواتمَ سورة البقرة، وغُفِرَ لمَن لم يُشِرِك بالله من أمَّته المُفْحِماتُ))؛ يعني: الكبائر.
وفي هذه الرِّواية من الزّيادة: ((ثُمَّ انجَلَت عنِّي السَّحابة وأخَذَ بَيَدِي جِبْرِيلُ، فانصَرَفت
سَريعاً، فأتيت على إبراهيم فلم يَقُل شيئاً، ثمَّ أتيت على موسى فقال: ما صَنَعت؟))
الحديث. وفيه أيضاً: فقال رسول الله وَله الجِبْريل: ((ما لي لم آتِ أهل سَماء إلّا رَخَّبوا
وضَحِكوا إليّ، غير رجل واحد فسَلَّمت عليه فَرَدَّ عليّ السَّلام ورَخَّبَ بي ولم يَضحَك إليَّ؟
قال: يا محمَّدُ، ذاكَ مالِكٌ خازنُ جَهَنَّم، لم يَضحَك مُنذُ خُلِقٍ، ولو ضَحِكَ إلى أحد لَضَحِكَ
إليك)).
وفي حديث حُذَيفة عند أحمد (٢٣٢٨٥) والتِّرمِذيّ (٣١٤٧): ((حتَّى فُتِحَت لهما أبواب
السماء فرأيا الجنَّة والنار، ووَعْدَ الآخِرة أجْمَعَ)).
(١) قوله: ((فتدلّ حتى سقط من (س).
(٢) بل عند البخاري (٦٥٨١)، وليس عند مسلم، فلعله سبق قلم من الحافظ رحمه الله.
(٣) أي: للبخاري (٤٩٦٤).

٤١٣
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
أبواب المبعث
وفي حديث أبي سعيد: ((أَنَّه عَرَضَ عليه الجنَّة، وإذا رُمّانها كأنَّه الدِّلاء، وإذا طَيرُها
كأنّها البُخْت، وأنَّه عُرِضَت عليه النار، فإذا هي لو طُرِحَ فيها الحجارة والحديد لَأَكَلَتها)).
وفي حديث شَدّاد بن أوس: «فإذا جَهَنَّم تَكشِف عن مثل الزَّرابِيّ، ووَجَدتها مثل
الحُمّة السُّخنة))، وزاد فيه: أنَّه رآها في وادي بيت المقدِسِ.
وفي رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند ابن أبي حاتم: ((أنَّ جِبْريل قال: يا محمَّدُ، هل
سألت رَبّك أن يُريَك الحُور العِينَ؟ قال نعم، قال: قال: فانطَلِقٍ إلى أولئكَ النِّسوة فسَلِّم
عليهِنّ. قال: فأتيت إليهنَّ فسَلَّمت، فَرَدَدْنَ فقلت: مَن أنتُنَّ؟ فقُلنَ: خَيِّرات حِسان))
الحدیث.
وفي رواية أبي عُبيدة بن عبد الله ابن مسعود عن أبيه: ((أنَّ إبراهيم الخليل عليه السلام
قال للنبيِّ وَّهُ: يا بُنيّ، إِنَّك لاقِ رَبّك اللَّيلة، وإنَّ أَمَّتك آخِرُ الأُمم وأضعَفُها، فإن
استَطَعت أن تكون حاجتك أو جُلُّها في أمَّتك فافعل)).
وفي رواية الواقديّ بأسانيدِه في أوَّل حديث الإسراء: ((كان النبيّ ◌َ﴿ يسأل رَبّه أن يُرِيَه
الجنَّة والنار، فلمَّا كانت ليلة السَّبت لسبعَ عشرةَ ليلةً خَلَت من رَمَضان قبل الهجرة بثمانيةً
عشرَ شهراً وهو نائم في بيته ظُهراً، أتاه جِبْريل وميكائيل فقالا: انطَلِقٍ إلى ما سألت،
فانطَلَقا به إلى ما بين المقام وزَمزَم، فأُتيَ بالمعراج، فإذا هو أحسن شيء مَنظَراً، فعَرَجا به إلى
السَّماوات، فَلَقيَ الأنبياء، وانتَهَى إلى سِدْرة المنتَهَى، ورأى الجنَّة والنار، وفُرِضَ عليه
الخَمْسُ))، فلو ثَبَتَ هذا لكان ظاهراً في أنَّه مِعراجٌ آخرُ لقولِه: إنَّه كان ظُهراً، وأنَّ المِعراج
كان من مكَّة، وهو مخالف لمَا في الرِّوايات الصحيحة في الأمرَينِ معاً.
ويُعكِّر على التعدُّد قوله: إنَّ الصلَواتِ فُرِضَت حينئذٍ، إلّا إن مُلَ على أنَّه أُعيد ذِكْره
تأكيداً، أو فُرِّعَ على أنَّ الأوَّل كان مناماً وهذا يَقظة أو بالعكس، والله أعلم.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: أنَّ للسماءِ أبواباً حقيقةً وحَفَظةَ موَكَّلين بها، وفيه
إثبات الاستئذان، وأنَّه ينبغي لمن يَستأذِن أن يقول: أنا فلان، ولا يَقتَصِر على: أنا، لأنَّه

٤١٤
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
يُنافي مطلوبَ الاستفهام، وأنَّ المارّ يُسلِّم على القاعد وإن كان المارُّ أفضلَ من القاعد، وفيه
استحباب تَلَقّي أهل الفضل بالبشرِ والتّرحيب والثَّناء والدُّعاء، وجواز مَدح الإنسان
المأمون عليه الافتِتان في وجهه، وفيه جواز الاستناد إلى القِبْلة بالظَّهرِ وبغيره مأخوذ من استناد
إبراهيم إلى البيت المعمور وهو كالكعبة في أنَّه قِبلةٌ مِنْ كلّ جِهةٍ، وفيه جواز نَسخ الحُكم قبل
وقوع الفِعل، وقد سَبَقَ البحث فيه في أوَّل الصلاة، وفيه فضل السَّير باللَّيلِ على السَّير
بالنَّهار لمَا وَقَعَ من الإسراء باللَّيلِ، ولذلك كانت أكثر عبادَته أو دُعائه وَّ بِاللَّيلِ(١)،
٢١٨/٧ وكان أكثر سَفَرِه ◌ِنَّهِ بِاللَّيْلِ، وقال ◌َّ: ((عليكم بالدُّلْجَة، فإنَّ الأرضَ / تُطوَى باللَّيل)).
وفيه أنَّ التجرِبة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يُستَفاد ذلك من قول
موسى عليه السلام للنبيِّ وَّهِ: أنَّه عالَجَ الناس قبلَه وجَرَّبَهم، ويُستَفاد منه تحكيم العادة،
والتَّنبيه بالأعلى على الأدنَى، لأنَّ مَن سَلَفَ من الأُمم كانوا أقوى أبداناً من هذه الأُمّة، وقد
قال موسى في كلامه إنَّه عالَجَهم على أقلّ من ذلك فما وافَقوه، أشارَ إلى ذلك ابن أبي جَمْرة،
قال: ويُستَفاد منه أنَّ مقامَ الخُلّة مقامُ الرِّضا والتَّسليم، ومقامَ التَّكليم مقامُ الإدلال
والانبساط، ومن ثَمَّ استَبدَّ موسى بأمر النبيّ وَّهِ بِطَلَبِ التخفيف دون إبراهيم عليه
السلام، مع أنَّ النبيِّ وَّهِ من الاختصاص بإبراهيم أزيَدَ ممّا له من موسى لمَقام الأُبوّة
ورِفْعة المنزلة والاتِّباع في المِلّة.
وقال غيره: الحكمة في ذلك: ما أشارَ إليه موسى عليه السلام في نفس الحديث من
سَبْقه إلى مُعالجة قومه في هذه العبادة بعَينِها، وأنَّهم خالَفوه وعَصَوه. وفيه أنَّ الجنَّة والنار
قد خُلِقَتا، لقوله في بعض طرقه التي بيَّنتها: ((عُرِضَت عليَّ الجنَّة والنار))، وقد تقدَّم البحث
فيه في بَدْء الخلق(٢).
(١) حدیث صحیح، أخرجه أبو داود (٢٥٧١)، والبزار في ((مسنده)) (٦٣١٥)، وابن خزيمة (٢٥٥٥)، وأبو
يعلي (٣٦١٨) من حديث أنس، وأخرجه أحمد في ((المسند)) برقم (١٥٠٩١)، والنسائي في ((الكبرى))
برقم (١٠٧٢٥) من حديث جابر.
(٢) عند ((باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة))، قبل الحديث (٣٢٤٠).

٤١٥
باب ٤٢ / ح ٣٨٨٨
أبواب المبعث
وفيه استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى وتكثير الشَّفاعة عنده، لمَا وَقَعَ منه ◌َژ في
إجابته مَشُورة موسى في سؤال التَّخفيف، وفيه فضيلة الاستحياء، وبَذْل النَّصيحة لمن
يحتاج إليها وإن لم يَستَشِر الناصحَ في ذلك.
الحديث الثاني:
٣٨٨٨- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عَمْرُو، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما في قولِه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِىِ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]،
قال: هي رُؤْيا عينٍ أُرِيَها رسولُ اللهِ وَّهِ ليلةَ أُشْرِيَ به إلى بيتِ المَقْدِسِ. قال: ﴿وَالشَّجَرَةَ
اٌلْمَلْعُونَةَ فِ اَلْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: هي شَجَرةُ الزَّقَّومِ.
[طرفاه في: ٤٧١٦، ٦٦١٣]
قوله: «حدّثنا عمرو)» هو ابن دینار.
قوله: ((في قوله)) أي: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَّتِىِّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾
قال: هي رُؤيا عَيْنٍ أُرَها النبيُّ وَّ ليلة أُسريَ به إلى بيت المقدسِ.
قلت: وإيراد هذا الحديث في باب المعراج ممّا يُؤيِّد أنَّ المصنِّف يرى امّحادَ ليلة الإسراء
والمِعِراج، بخلاف ما فُهمَ عنه من إفراد الترجمتَينِ، وقد قَدَّمت أنَّ ترجمته في أوَّل الصلاة(١)
تَدُلّ على ذلك حيثُ قال: ((فُرِضَت الصلاة على النبيّ وَل﴿ ليلةَ الإسراء)»، وقد تَمسّك بكلام
ابن عبّاس هذا مَن قال: إنَّ الإسراء كان في المنام، ومَن قال: إنَّه كان في اليَقَظة، فالأوَّل
أُخِذَ من لفظ الرُّؤيا، قال: لأنَّ هذا اللَّفظ مُخْتَصّ بُرُؤيا المنام، ومَن قال بالثاني فمِن قوله:
أُرِيَها ليلةَ الإسراء، والإسراء إنَّما كان في اليَقَظة، لأنَّه لو كان مناماً ما كَذَّبَه الكفّار فيه ولا
فيما هو أبعَدُ منه كما تقدَّم تقريرُه، وإذا كان ذلك في اليَقَظة وكان المِعراج في تلك اللَّيلة،
تَعيَّنَ أن يكون في اليَقَظة أيضاً إذ لم يَقُل أحد: إنَّه نامَ لمَّ وصَلَ إلى بيت المقدسِ ثمَّ ◌ُرِجَ به
وهو نائم، وإذا كان في اليقظة فإضافة الرُّؤيا إلى العين للاحتراز عن رُؤيا القلب، وقد
(١) باب رقم (١).

٤١٦
باب ٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
أَثبَتَ الله تعالى رُؤيا القلب في القرآن فقال: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾ [النجم: ١١]، ورُؤيا
العين فقال: ﴿ مَازَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَنَىع ◌َ لَقَدْرَأَى﴾ [النجم: ١٧ - ١٨].
وروى الطبرانيُّ في ((الأوسط)) بإسنادٍ قويّ عن ابن عبّاس قال: رأى محمدٌ رَبَّه
مرَّتَينِ(١)، ومن وجه آخر (٩٣٩٦) قال: نظرَ محمد إلى رَبّه؛ جَعَلَ الكلامَ لموسى، والخُلّةَ
لإبراهيم، والنَّظَرَ لمحمد(٢).
فإذا تَقرَّرَ ذلك ظَهَرَ أَنَّ مُراد ابن عبّاس هنا برُؤيا العين المذكورة جميعُ ما ذكره ◌َّ في
تلك اللَّيلة من الأشياء التي تقدَّم ذِكْرها، وفي ذلك رَدٌّلمن قال: المراد بالرُّؤيا في هذه الآية:
رُؤياه وَّ أنَّه دَخَلَ المسجد الحرام المشار إليها بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّمْيَا
بِأَلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، قال القائل: والمراد بقوله: ﴿فِتْنَةُ لِلنَّاسِ﴾
[الإسراء: ٦٠] ما وَقَعَ من صَدّ المشركين له في الحُدَيبية عن دخول المسجد الحرام. انتَھَى،
وهذا، وإن كان يُمكِن أن يكون مُراد الآية، لكن الاعتماد في تفسيرها على تُرجمان القرآن
أولَى، والله أعلم.
واختَلَفَ السَّلَف، هل رأى رَبّه في تلك اللَّيلة أم لا؟ على قولَينِ مشهورَينٍ، وأَنكَرَت
ذلك عائشة رضيَ الله عنها وطائفة، وأثبَتَها ابن عبّاس وطائفة. وسيأتي بَسط ذلك في
الكلام على حديث عائشة (٤٨٥٥) حيثُ ذكره المصنّف بتمامه في تفسير سورة النَّجم من
کتاب التفسیر إن شاء الله تعالى.
قوله: ((﴿ وَالشَجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْءَانِ﴾، قال: هي شَجَرة الزَّقّوم)) يريد تفسير الشَّجَرة
٢١٩/٧ المذكورة في بقيّة الآية، وقد قيل فيها غير ذلك كما سيأتي في موضعه في / التفسير (٤٧١٦)
إن شاء الله تعالى.
(١) بل أخرجه بهذا اللفظ في ((المعجم الكبير)) (١١٤٥٥)، أما في ((الأوسط)) فقد أخرج من حديث ابن
عباس (٥٧٦١) أنه كان يقول: إن محمداً ◌َ ل﴿ رأى ربه مرتين، مرةً ببصرهِ ومرةً بفؤاده. وإسناده ضعيف.
(٢) وهو في ((الكبير)) أيضاً (١٢٠١٨)، وفي إسناده حفص بن عمر العَدَني ضعَّفه النَّسائي وغيره.

٤١٧
باب ٤٣
أبواب المبعث
٤٣- باب وُفود الأنصار إلى النبيِّ وَله بمكّة وبيعة العقبة
قوله: ((باب وُفود الأنصار إلى النبيّ وَهَ بِمَّة وبيعة العَقَبة)) ذكر ابن إسحاق وغيرُه: أنَّ ٢٢٠/٧
النبيَّ ◌َلّ كان بعد موت أبي طالب قد خرج إلى ثقيف بالطائفِ يَدعُوهم إلى نصره، فلمَّا
امتَنَعوا منه كما تقدَّم في بَدْء الخلق(١) شرحُه رَجَعَ إلى مكَّة، فكان يَعرِض نفسَه على قَبائل
العرب في مواسم الحجّ، وذكر بأسانيد مُتَفرِّقة أنَّه أتى كِنْدة وبني كَلْب وبني حنيفة(٢) وبني
عامر بن صَعصَعة وغيرهم فلم يُجِبْه أحدٌ منهم إلى ما سأل، وقال موسى بن عُقْبة عن
الزّهْرِيِّ: فكان في تلك السِّنين - أي: التي قبل الهجرة - يَعرِض نفسَه على القبائل، ويُكلِّم
كلَّ شريفٍ قومٍ، لا يسألهم إلّا أن يُؤْوُوه ويَمنَعوه، ويقول: ((لا أُكرِه أحداً منكم على شيءٍ،
بل أُريد أن تَمَنَعوا مَن يُؤْذيني حتَّى أُبلِّغ رسالة رَبّ))، فلا يقبله أحدٌ بل يقولون: قومُ الرجل
أعلمُ به.
وأخرجه البيهقيُّ (٧/٩) وأصلُه عند أحمد (١٩٠٠٤) وصَخَّحَه ابن حِبّان(٣) من
حديث ربيعة بن عِبَاد - بكسر المهملة وتخفيف الموحّدة - قال: رأيت رسول الله وَلَه بِسُوقِ
ذي المجاز يَتْبَعُ الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله عزَّ وجلَّ، الحديث.
وروى أحمد (١٥١٩٢) وأصحاب «السُّنَن))(٤) وصَحَّحَه الحاكم (٦١٢/٢-٦١٣) من
حديث جابر: كان رسول الله وَ ل﴿ يَعرِض نفسَه على الناس بالموسِم فيقول: ((هل من رجل
يَحمِلني إلى قومه؟ فإنَّ قُرَيشاً مَنَعُوني أن أُبلِّغ كلام رَبّ))، فأتاه رجلٌ من هَمْدانَ فأجابَه، ثمَّ
خَشِيَ أن لا يَتْبَعَه قومُه فجاء إليه فقال: آتي قومي فأُخبرهم ثمَّ آتيك من العام المقبل، قال:
(١) في سياق شرحه للحديث (٣٢٣١).
(٢) كذا في الأصلين على الصواب الموافق لما ورد في كتب السِّير والتاريخ، وتحرف في (س) إلى: ((بني كعب
وبني حذيفة))، وانظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام ١/ ٤٢٤.
(٣) في ((صحيحه) برقم (٦٥٦٢) ولكن من حديث طارق بن عبد الله المحاربي، ولم نقف في المطبوع منه على
حديث ربيعة بن عِباد، ولا ذكره هو نفسه في («إتحاف المهرة)) (٤٥٧٦)، وإنما خرّجه من الحاكم ١٥/١،
فلعل الحافظ رحمه الله أراده، فسبق قلمه فذكر ابن حبان، والله أعلم.
(٤) أبو داود (٤٧٣٤)، وابن ماجه (٢٠١)، والترمذي (٢٩٢٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٧٢٧).

٤١٨
باب ٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
((نعم)، فانطَلَقَ الرجل وجاء وفدُ الأنصار في رَجَبٍ، وقد أخرج الحاكم(١) وأبو نُعَيم
(٢١٤) والبيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٤٢٢/٢-٤٢٧) بإسنادٍ حَسَن عن ابن عبّاس: حدَّثني عليّ
ابن أبي طالب قال: لمَّا أمَرَ الله نبيَّه أن يَعرِض نفسَه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو
بكر إلى مِنَّى، حتَّى دَفَعْنا إلى مَجلِس من مجالس العرب، وتقدَّم أبو بكر وكان نَسّابة فقال:
مَنِ القومُ؟ فقالوا: من رَبيعة، فقال: من أيّ رَبيعة أنتم؟ قالوا: من ذُهْل - فذَكَروا حديثاً
طويلاً في مُراجَعَتهم وتَوَقُّفهم أخيراً عن الإجابة - قال: ثمَّ دَفَعْنا إلى مَجَلِس الأوس
والخَزْرَج، وهم الذين سَمّهم رسول الله وَلي الأنصار لكَونِهِم أجابوه إلى إيوائه ونَصْرِه،
قال: فما نهضوا حتَّی بایعوا رسول الله ێ، انتھی.
وذكر ابن إسحاق أنَّ أهل العَقَبة الأولى كانوا ستّة نَفَر وهم: أبو أمامةَ أسعد بن زرارة
النَّجّاريّ، ورافع بن مالك بن العَجْلان العَجْلانيّ، وقُطبة بن عامر بن حَدیدة، وجابر بن
عبد الله بن رِئابٍ(٢)، وعُقْبة بن عامر بن نابي(٣) - وهؤلاء الثلاثة من بني سَلِمة - وعَوف
ابن الحارث بن رِفاعة من بني مالك بن النَّجّار. وقال موسى بن عُقْبة عن الزُّهْريِّ، وأبو
الأسوَد عن عُرْوة: هم أسعَد بن زرارة ورافع بن مالك ومعاذ ابن عَفراء ويزيد بن ثَعْلبة
وأبو الهيثَم بن التَّيِّهان وعُوَيم بن ساعدة، ويقال: كان فيهم عُبَادةُ بن الصّامت وذَكْوان.
قال ابن إسحاق: حدَّثني عاصم بن عمر بن قَتَادة عن أشياخ من قومه قال: لمَّا رآهم
النبيّ ◌َّه قال: ((مَن أنتم؟)) قالوا: من الخَزْرَج، قال: ((أَفَلا تَجِلِسونَ أُكلِّمكُم؟» قالوا: نعم،
فدَعَاهم إلى الله، وعَرَضَ عليهم الإسلام، وتَلا عليهم القرآن. وكان ممّا صَنَعَ الله لهم أنَّ
اليهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهلَ كتاب، وكان الأوس والخَزَرَج أكثرَ منهم،
فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إنَّ نبيّنا سَيُبعَثُ الآن قد أظَلّ زمانه نَتَبعُه، فتَقتُلكم معه،
(١) لعله في ((الإكليل)) ولم نقف عليه مطبوعاً، على أن السيوطي اقتصر في ((الدر المنثور)) ٣/ ٣٨٢ على عزوه للبيهقي
وأبي نعيم، كلاهما في ((الدلائل)).
(٢) في (س): ((زباب)) وهو تصحيف.
(٣) قوله ((بن نابي)) سقط من (س).

٤١٩
باب ٤٣ / ح ٣٨٨٩
أبواب المبعث
فلمَّا كَلَّمَهم النبيّ ◌َّهِ عَرَفوا النَّعْت، فقال بعضهم لبعضٍ: لا تَسبقنا إليه يهودُ، فَآمَنوا
وصَدَّقوا، وانصَرَفوا إلى بلادهم ليَدعوا قومهم، فلمَّا أخبَرَوهم لم يَبَقَ دُور من قومهم إلّا
وفيها ذِكْر رسول الله وَلِّ، حتَّى إذا كان الموسِم وافاه منهم اثنا عشر رجلاً.
ثمَّ ذکر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث:
٣٨٨٩- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ. وحدَّثنا أحمدُ بنُ
صالح، حدَّثْنَا عَنْبُسةُ، حدَّنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ الله بنِ
كَعْبٍ بنِ مالكِ: أنَّ عبدَ الله بنَ كَعْبٍ، وكان قائدَ كَعْبٍ حينَ عَمِيَ، قال: سمعتُ كَعْبَ بنَ
مالكٍ يُحدِّثُ حينَ تَخَلَّفَ عن النبيِّ ◌َّهِ فِي غَزْوِ تَبُوكَ ... بطولِهِ، قال ابنُ بُكَير في حديثه: ولقد
شَهِدْتُ معَ النبيِّ وََّ ليلةَ العَقَبَةِ، حينَ تَوَاتَقْنا على الإسلام، وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشْهَدَ بَذْرٍ،
وإن كانت بَذْرٌ أَذْكَرَ في الناسِ مِنْها.
أحدها: حديث كعب بن مالك في قِصّة تَوبَته. ذكر منه طَرَفاً وسيأتي مُطوَّلاً في مكانه
(٤٤١٨). والغرض منه قوله: ولقد شَهِدت مع النبيّ وَّهِ ليلة العَقَبة.
٢٢١/٧
و((عنبسة)) هو ابن خالد بن یزید الأيليّ،/ یروي عن عَمّه یونس بن یزید.
وقوله: ((قال ابن بُكَير في حديثه)) يريد أنَّ اللَّفظ المساق لعُقَيلٍ لا ليونس.
وقوله: (تَواثَقْنا)) بالمثلَّثة والقاف، أي: وَقَعَ بيننا الميثاق على ما تَبايَعْنا عليه.
وقوله: ((وما أُحِبّ أنَّلي بها مَشهَد بدر)) لأنَّ مَن شَهِدَ بدراً، وإن كان فاضلاً بسبب أنَّها
أوَّل غزوة نُصِرَ فيها الإسلام، لكنَّ بيعة العَقَبة كانت سبباً في فُشوِّ الإسلام، ومنها نَشَأ
مَشهَد بدر.
وقوله: «أذكر في الناس منها)) هو أفعلُ تفضیل بمعنى المذكور، أي: أکثر ذِكْراً بالفضل
وشُهرةً بين الناس.
قلت: وكان كعبٌ من أهل العَقَبة الثانية، وقد عَقَدَ ثالثةً كما أشرت إليه قبل ذلك،

٤٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
ولعلَّ المصنّف لَمَّحَ بما أخرجه ابن إسحاق - وصَحَّحَه ابن حِبّان (٧٠١١)(١) من طريقه -
بطولِه، قال ابن إسحاق: حدَّثني مَعبَد بن كعب بن مالك أنَّ أخاه عَبد الله (٢) - وكان من
أعلم الأنصار - حدَّثه أنَّ أباه كعباً حدَّثه، وكان مَمَّن شَهِدَ العَقَبة وبایعَ بها، قال: خَرَجنا
حُجّاجاً مع مُشِرِكي قومنا وقد صَلَّينا وفَقِهنا، ومعنا البراء بن مَعْرور سَيِّدُنا وكبيرُنا - فذكر
شأن صَلاته إلى الكعبة قال: فلمَّا وصَلنا إلى مكَّة ولم نَكُن رأينا رسولَ الله وَلِّ قبلَ ذلك،
سألنا عنه فقيل: هو مع العبَّاس في المسجد، فدَخَلنا فجَلَسنا إليه، فسألَه البراء عن القِبْلة، ثمَّ
خَرَجنا إلى الحجّ، وواعدناه العَقَبة ومعنا عبد الله بن عَمْرو والد جابر ولم يكن أسلَمَ قبلُ،
فعَرَّفناه أمر الإسلام فأسلَمَ حينئذٍ وصار من النُّقَباء، قال: فاجتَمَعنا عند العَقَبة ثلاثة
وسبعين رجلاً، ومعنا امرأتان: أمّ عُمارة بنت كعب إحدَى نساء بني مازن، وأسماء بنت
عَمْرو بن عَديّ إحدَى نساء بني سَلِمة، قال: فجاء ومعه العبَّاس فتَكلَّمَ فقال: إنَّ محمداً منّا
من حيثُ عَلمتُم، وقد مَنَعناه وهو في عِزّ، فإن كنتُم تَرَوْنَ(٣) أنَّكم وافُونَ له بما دَعَوتُوه إليه
ومانِعُوه ممَّن خالَفَه فأنتم وذاك، وإلّا فمِن الآن. قال: فقلنا: تَكلَّم يا رسول الله، فخُذ
لنفسِك ما أحبَبت. فتَكلَّم، فدعا إلى الله وقرأ القرآن، ورَغَّبَ في الإسلام، ثمَّ قال:
(أُبَابِعكم على أن تَنَعوني ممَّا تَنَعونَ منه نساءَكم وأبناءَكُم))، قال: فَأخَذَ البراء بن مَعْرور بَيَدِه
فقال: نعم؛ فذكر الحديث، وفيه: فقال رسول الله وَّفيه: ((أُسالم مَن سالمتُم، وأُحارب مَن
حارَبْتُمْ)). ثمَّ قال: ((أخرِجوا إليَّ منكم اثنَي عشرَ نَقيباً)، وذكر ابن إسحاق النُّقَباء: وهم
(١) وصححه كذلك ابن خزيمة (٤٢٩)، والحاكم ٣/ ٤٤١، وأخرجه كذلك ابن هشام في ((السيرة النبوية))
٤٣٩/١، وأحمد (١٥٧٩٨)، وابن أبي عاصم في ((الاحاد والمثاني)) (١٨٢١)، والطبري في (تاريخه))
٢/ ٣٦٠، وأبو القاسم البغوي في ((معجم الصحابة)) (١٥٥)، والطبراني ١٩/ (١٧٤) و(١٧٥)، وابن
منده في ((معرفة الصحابة)) ٢٨٧/١، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (١٠٨١)، والبيهقي في ((دلائل
النبوة)) ٢ / ٤٤٤ من طرق عن ابن إسحاق.
(٢) وقع في بعض المصادر التي خرجت هذا الخبر من طريق ابن إسحاق تسمية أخي معبد: عُبيد الله،
بالتصغير، ولكن الأكثرين رووهُ عن ابن إسحاق فقالوا: عَبد الله، مكبَّراً.
(٣) في (س): تريدون، وهو تحريف.