النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ باب ٣٨ / ح ٣٨٧٧ -٣٨٨١ أبواب المبعث قوله في آخِر الحديث: ((فقال النبيّ ◌َّهِ: لكم أنتم أهلَ السَّفينة هِجرَتان)) سيأتي هذا الحديث في غزوة خَيْبَرَ مُطوَّلاً (٤٢٣٠)، وفيه البيان بأنَّ هذه الجملة الأخيرة إنَّما هي من حديث أسماء بنت عُميسٍ كما أشرت إليه أوَّل الباب، والله أعلم. تكملة: أرض الحَبَشة بالجانب الغَربيّ من بلاد اليمن ومسافتها طويلة جدّاً، وهم أجناس، وجميع فِرَق السّودان يُعطُونَ الطاعة لملِكِ الحَبَشة، وكان في القديم يُلقَّب بالنَّجاشِيِّ، وأمَّا اليوم فيقال له: الخَطِي، بفتح المهمَلة وكسر الطاء المهملة الخفيفة بعدها/ تحتانيَّة خفيفة، ١٩١/٧ ويقال: إنَّهم من ولد حَبَش بن كُوش بن حامٍ، قال ابن دُرَيد: جمع الحبش أُحبوش، بضمِّ أوَّله، وأمَّا قولهم: الحَبَشة، فعلى غير القياس، وقد قالوا أيضاً: حُبْشان، وقالوا: أَحْبُش، وأصل التَّحْبيش: التَّجميع، والله أعلم. ٣٨- باب موت النَّجاشيّ ٣٨٧٧- حدَّثنا أبو الرَّبِيعِ، حدَّثنا ابنُ عُيَينةً، عن ابنِ جُرَیج، عن عطاءٍ، عن جابرٍ قال النبيُّ وَّ حِينَ ماتَ النَّجاشيُّ: ((ماتَ اليومَ رجلٌ صالحٌ، فقوموا فصَلُّوا على أخِيكم أصْحَمَةَ)). ٣٨٧٨- حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ حَمَّدٍ، حدَّثْنا يَزِيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، أنَّ عطاءً حدَّثهمْ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله الأنصاريِّ رضي الله عنهما: أنَّ نبيَّ اللهَ وٍَّ صَلَّى على النَّجاشيِّ، فصَفَّنا وراءَه، فكنتُ في الصَّفِّ الثّاني أو الثّالثِ. ٣٨٧٩- حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا يَزِيدُ بنُ هارونَ، عن سَلِيمٍ بِنِ حَيّانَ، حدَّثنا سعيدُ بنُ مِيناءَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَّهِ صَلَّى على أصْحَمةَ النَّجَاشِيِّ، فكَبَّرَ عليه أربعاً. تابَعَه عبدُ الصَّمَد. ٣٨٨٠- حدَّثنا زُهَيرُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبي، عن صالح، عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمن وابنُ المسيّبِ، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ أخبَرَهما: أنَّ رسولَ الله وَِّ نَعَى لهمُ النَّجاشيَّ صاحبَ الحَبَشةِ في اليومِ الَّذِي ماتَ فيه، وقال: ٣٦٢ باب ٣٨ / ح ٣٨٧٧-٣٨٨١ فتح الباري بشرح البخاري ((استَغْفِروا لأخِيكُمْ)). ٣٨٨١- وعن صالح، عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ المسيّبِ: أنَّ أبا هريرةَ ضُه أخبَرَهمْ: أَنَّ رسولَ اللهَِّ صَفَّ بهم في المصَلَّى، فصَلَّى عليه وكَبَّرَ أربعاً. قوله: ((باب موت النَّجاشيّ)) تقدَّم ذِكْر اسمِه واسم أبيه في الجنائز (١٣٣٣)، وأنَّ النَّجاشيّ لَقَب مَن مَلكَ الحَبَشة، وأفادَ ابن التِّين أنَّه بسكونِ الياء، يعني: أنَّها أصليَّة لا ياء النَّسَب، وحَكَى غيره تشديدها أيضاً، وحَكَى ابن دِحية كسر نُونه. وذِكرُ موته هنا استطراداً لكَونِ المسلمين هاجَروا إليه، وإنَّما وَقَعَت وفاته بعد الهجرة سنة تسع عند الأكثر، وقيل: سنة ثمانٍ قبلَ فتح مكَّة كما ذكره البيهقيُّ في ((دلائل النُّبوّة)) (٤١٠/٤)، وقد استُشكِلَ كَونه لم يُتَرجَم بإسلامه وهذا موضعه وتَرجَمَ بموته، وإنَّما ماتَ بعد ذلك بزَمَنٍ طويل، والجواب: أنَّه لمَّا لم يَتْبُت عنده القِصّة الواردة في صِفة إسلامه وثَبَتَ عنده الحديثُ الدّالُّ على إسلامه وهو صريح في موته، تَرجَمَ به ليُستَفادَ من الصلاة عليه أنَّه كان قد أسلَم. قوله: ((فصَلُّوا على أخيكم أصحَمة)) بمُهمَلَتَينِ وزن أربعة، تقدَّم ضبطه في كتاب الجنائز (١٣٣٤)، وبيان الاختلاف فيه، وأنَّه قيل فيه بالخاء المعجمة. قوله في الرواية الثانية: ((حدّثنا سعيد)» هو ابن أبي عَرُوبة. قوله في الرواية الثالثة: ((عن سَليم)) هو بفتح أوَّله. قوله: («تابَعَه عبد الصَّمد)» هو ابن عبد الوارث، أي: أنَّ عبد الصمد تابَعَ يزيد بن هارون ١٩٢/٧ في روايته / إيّاه عن سَلِيم بن حَيّان، وقد تقدَّم بيان مَن وَصَلَه في كتاب الجنائز (١٣٣٤). قوله في حديث أبي هريرة: ((عن صالح) هو ابن گیْسان. قوله: ((وعن صالح عن ابن شهاب)» هو معطوف على الإسناد الموصول. قوله: ((حدَّثني سعيد)) هو ابن المسيّب، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ وحدَه: ((وأبو سَلَمة ابن عبد الرحمن))، وهي زيادة لم يُتَابَع عليها ولم يذكرها مسلم (٣٨٨١) في إسناد هذا الحديث، ٣٦٣ باب ٣٩ / ح ٣٨٨٢ أبواب المبعث وقد تقدَّم الكلام على مباحث حديثَي الباب في كتاب الجنائز (١٣١٨ و١٣٢٠). ٣٩- باب تقاسُم المشركين على النبيِّ وَل ٣٨٨٢- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هريرةَ ظه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ حينَ أرادَ حُتَيناً: (مَنْزِلُنَا غَداً إن شاء الله بخَيفِ بني كِنانةَ، حَيثُ تَقاسَمُوا على الكُفْرِ)). قوله: ((باب تَقاسُم المشركين على النبيِّ وَّ)) كان ذلك أوَّل يوم من المحَّم سنة سبعٍ من البِعْثة، وكان النَّجَاشِيّ قد جَهَّزَ جعفراً ومَن معه، فقَدِموا والنبيُّ ◌َّهُ بِخَيَبَرَ وذلك في صَفَرَ منها، فلعلَّه مات بعد أن جَهَّزَهم، وفي ((الدَّلائل)) (٤١٠/٤) للبيهقيِّ: أنَّه ماتَ قبل الفتح وهو أشبه. قال ابن إسحاق وموسى بن عُقْبة وغيرهما من أصحاب المغازي: لمَّا رأت قُرَيش أنَّ الصحابة قد نزلوا أرضاً أصابوا بها أماناً، وأنَّ عمر أسلَمَ، وأنَّ الإسلام فَشَا في القبائل، أجمعوا على أن يَقتُلُوا رسول الله وَلِّ، فَبَلَغَ ذلك أبا طالب فجمع بني هاشم وبني المطَّلِب فأدخَلوا رسول الله وَل﴿ شِعْبَهم ومَنَعوه ممَّن أراد قتلَه، فأجابوه إلى ذلك حتَّى كَفَّارهم فعلوا ذلك حَميَّةً على عادة الجاهليَّة، فلمَّا رأت قُرَيش ذلك أجمعوا أن يَكتُبُوا بينهم وبين بني هاشم والمطَّلِب كتاباً: أن لا يُبايعُوهم ولا يُناكِحوهم حتَّى يُسَلِّموا إليهم رسول الله وَّه، ففَعَلوا ذلك، وعَلَّقوا الصَّحيفة في جَوْف الكعبة، وكان كاتبها منصور بن عِكْرمة بن عامر ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدّار بن قُصَيّ فشَلَّت أصابعُه، ويقال: إنَّ الذي كَتبَها النَّضر بن الحارث، وقيل: طلحة بن أبي طلحة العبدريّ. قال ابن إسحاق: فانحازَت بنو هاشم وبنو المطَّلِّب إلى أبي طالب، فكانوا معه كلّهم إلّا أبا لهب فكان مع قُريش، وقيل: كان ابتداء حَصْرهم في المحرَّم سنة سبعٍ من المبعَث. قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتَينِ أو ثلاثاً، وجَزَمَ موسى بن عُقْبة بأنّها كانت ٣٦٤ باب ٣٩ / ح ٣٨٨٢ فتح الباري بشرح البخاري ثلاثَ سِنين حتَّى جَهِدوا ولم يكن يأتيهم شيءٌ من الأقوات إلّا خُفْية، حتَّى كانوا يُؤْذُونَ مَن اطَّلَعوا على أنَّه أرسَلَ إلى بعض أقاربه شيئاً من الصِّلات، إلى أن قام في نَقْضِ الصَّحيفة نَفَرٌ من أشدّهم في ذلك صَنيعاً هشام بن عَمْرو بن الحارث العامريّ، وكانت أمّ أبيه تحت هاشم بن عبد منافٍ قبل أن يَتزوَّجها جَدّه، فكان يَصِلُهم وهم في الشِّعب، ثمَّ مَشَى إلى زُهَير بن أبي أُميَّة، وكانت أمّه عاتكة بنت عبد المطَّلِّب، فكَلَّمَه في ذلك فوافقَه، ومَشَيا جميعاً إلى المُطعِم بن عَديّ وإلى زَمعة بن الأسوَد فاجتَمَعوا على ذلك، فلمَّا جَلَسوا بالحِجْر تَكلَّموا في ذلك وأنكَروه وتَواطَؤوا عليه فقال أبو جهل: هذا أمرٌ قُضيَ بليلٍ. وفي آخِر الأمر أخرَجوا الصَّحيفة فمَزَّقوها وأبطَلوا حُكمها. وذكر ابن هشام أنَّهم وجدوا الأَرَضة قد أكَلَت جميع ما فيها إلّا اسم الله تعالى. وأمَّا ابن إسحاق وموسى بن عُقْبة وعُرْوة فذكروا عَكس ذلك: أنَّ الأرَضَة لم تَدَع اسماً لله تعالى إلّا أَكَلَته، وبَقيَ ما فيها من الظُّلم والقَطيعة، فالله أعلم. وذكر الواقديّ أنَّ خروجهم من الشِّعب كان في سنة عشرٍ من المبعَث، وذلك قبل ١٩٣/٧ الهجرة بثلاث سنين، ومات أبو / طالب بعد أن خَرَجوا بقليل. قال ابن إسحاق: وماتَ هو وخديجة في عام واحد، فنالَت قُرَيش من رسول الله وَليز ما لم تكن تَنَّلْه في حياة أبي طالب. ولمَّا لم يَثْبُت عند البخاريّ شيءٌ من هذه القِصّة اكتَفَى بإيرادِ حديث أبي هريرة، لأنَّ فيه دلالةً على أصل القِصّة، لأنَّ الذي أورَدَه أهل المغازي من ذلك كالشَّرحِ لقوله في الحديث: (تَقاسَموا على الكُفر)). قوله: ((قال رسول الله وَ ل﴿ حين أراد حُنَيناً: مَنزِلُنا غَداً إن شاء الله تعالى بخَيفٍ بني كِنانة حيثُ تَقاسَموا على الكُفر)) هكذا أورَدَه مختصراً، وقد تقدَّم في الحجّ (١٥٨٩) من طريق شُعَيب عن ابن شِهاب الزّهْريِّ، بهذا الإسناد بلفظ: قال حين أراد قدوم مگَّة، وهذا لا يعارض ما في الباب، لأنَّه يُحمَل أنَّه قال ذلك حين أراد دخول مكَّة في غزوة الفتح، وفي ٣٦٥ باب ٤٠ أبواب المبعث ذلك القُدوم غزا حُنَيناً، ولكن تقدَّم أيضاً (١٥٩٠) من طريق شعيب(١) عن الزّهْريِّ بلفظ: قال رسول الله وَّ﴿ من الغد يومَ النَّحر وهو بمِنَى: ((نحنُ نازلونَ غَداً)) الحديث، وهذا ظاهر في أنَّه قاله في حَجّة الوداع، فيُحمَل قوله في رواية الأوزاعي(١): ((حين أراد قدوم مكَّة)) أي: صادِراً من مِنَّى إليها لطواف الوداع، ويحتمل التعدُّد، وسيأتي بيان ذلك مع بقيّة شرح الحديث في غزوة الفتح من كتاب المغازي (٤٢٨٤) إن شاء الله تعالى. ٤٠- باب قصّة أبي طالبٍ قوله: «باب قِصّة أبي طالب)» واسمه عند الجمیع عبد منافٍ، وشَذَّ مَن قال: عمران، بل هو قولٌ باطلٌ نَقَلَه ابن / تَيميَّة في كتاب ((الردّ على الرافضيّ)): أنَّ بعض الرَّوافض زَعَمَ أنَّ ١٩٤/٧ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ مَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ﴾ [آل عمران: ٣٣]: أنَّ آلَ عِمران هم آل أبي طالب، وأنَّ اسم أبي طالب عِمران واشتَهرَ بكُنْيتِه. وكان شَقِيقَ عبدِ الله والدِ رسول الله وَلَّ، ولذلك أوصَى به عبدُ المطَّلِب عند موته فكَفَلَه إلى أن كَبِرٍ، واستَمرَّ على نَصره بعد أن بُعِثَ إلى أن مات أبو طالب، وقد ذكرنا أنَّه مات بعد خروجهم من الشِّعب(٢)، وذلك في آخِرِ السَّنة العاشرة من المبعَث، وكان يَذُبّ عن النبيّ وَّهِ وَيَرُدّ عنه كلّ مَن يُؤذيه، وهو مُقيمٌ مع ذلك على دين قومه. وقد تقدَّم قريباً(٣) حديث ابن مسعود: وأمَّا رسول الله وَّ فمَنَعَه الله بعَمِّه، وأخباره في حِياطَته والذَّبّ عنه معروفة مشهورة، وممّا اشتهر من شِعره في ذلك قوله: والله لن يَصِلوا إليك بجَمْعِهِم حتَّى أُوَسَّد في التُراب دَفينا وقولُه: (١) كذا وقع للحافظ هنا؛ قال في الموضع الأول: شعيب، وفي الثاني: الأوزاعي، وهو سبق قلم منه رحمه الله، والصواب العكس، انظر: البخاري (١٥٨٩) و(١٥٩٠). (٢) ذكر ذلك في الباب السابق. (٣) في سياق شرح الباب (٢٩) ما لقي النبيُّ آله وأصحابه من المشركين بمكة، قبل الحديث (٣٨٥٢). ٣٦٦ باب ٤٠ / ح ٣٨٨٣ فتح الباري بشرح البخاري كَذَبْتُم وبَيتِ الله يُبْزَى(١) محمَّدٌ ولمَّا نُقاتِلْ حَولَه ونُناضلِ وقد تقدَّم شيءٌ من هذه القصيدة في كتاب الاستسقاء(٢)، وحديث ابن عبّاس في هذا الباب یَشهَد لذلك. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب ثلاثة أحاديث: الأول: ٣٨٨٣- حدَّثْنَا مُسلَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، حدَّثنا عبدُ الملِكِ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ الحارثِ، حدَّثنا العَبَّاسُ بنُ عبدِ المطَّلِبِ ه قال للنبيِّ وَله: ما أغنَيتَ عن عَمِّكَ، فإنَّه كان ◌َجوطُكَ وَيَغْضَبُ لكَ؟ قال: ((هو في ضَخْضاحِ من نارٍ، ولولا أنا لكانَ في الدَّرَكِ الأسفَلِ مِن النارِ». [طرفاه في: ٦٢٠٨، ٦٥٧٢] قوله: ((عن يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، وسفيان: هو الثَّوريّ، وعبد الملك: هو ابن عُمير، وعبد الله بن الحارث: هو ابن نَوفَل بن الحارث بن عبد المطَّلِب، والعبَّاس عَمُّ جَدِّه. قوله: ((ما أغنيت عن عَمّك)) يعني: أبا طالب. قوله: ((كان يَحُوطُك)) بضمِّ الحاء المهمَلة من الحياطة: وهي المراعاة، وفيه تَلميحٌ إلى ما ذكره ابن إسحاق قال: ثُمَّ إنَّ خديجة وأبا طالب هَلكا في عام واحد قبل الهجرة بثلاث سِنين، وكانت خديجةُ له وزيرةَ صِدقٍ على الإسلام يَسكُن إليها، وكان أبو طالب له عَضُّداً وناصراً على قومه، فلمَّا هَلكَ أبو طالب نالَت قُرَيش من رسول الله وٍَّ من الأَذَى ما لم تَطمَع به في حياة أبي طالب، حتَّى اعتَرَضَه سَفيهٌ من سُفَهاء قُرَيش فتَثَر على رأسه تراباً: فحدَّثني هشام بن عُرْوة عن أبيه قال: فدَخَلَ رسول الله وَلِ﴿ بيته يقول: ((ما نالَتَنِي قُرَيش شيئاً أكرهُه حتَّى مات أبو طالب)). قوله: ((ویغضب لك)) یشیر إلى ما كان يُدّ به عنه من قول وفعل. (١) أي: يُقْهَر ويُستدلُّ، انظر ((اللسان)) (بزا). (٢) عند ((باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قَحطوا)) الحديث (١٠٠٨). ٣٦٧ باب ٤٠ / ح ٣٨٨٣ أبواب المبعث قوله: ((هو في ضَحْضاح)) بمُعجَمَتَينٍ ومُهمَلَتَينٍ هو استعارة، فإنَّ الضَّحضاح من الماء: ما يَبلُغ الكعب، ويقال أيضاً لما قد قَرُبَ من الماء وهو ضِدّ الغَمْرة، والمعنى: أنَّه خُفِّفَ عنه العذاب. وقد ذُكِرَ في حديث أبي سعيد ثالث أحاديث الباب أنَّه ((يُجْعَل في ضَحْضاح يَبلُغ كعبَيَه يَغْلي منه دِماغُه))، ووَقَعَ في حديث ابن عبَّاس عند مسلم (٢١٢): ((إنَّ أهوَن أهل النار عذاباً أبو طالب، له نَعلانِ يَغْلي منهما دِماغُه))، ولأحمد (٩٥٧٦) من حديث أبي هريرة مثلُه لكن لم يُسمِّ أبا طالب، وللبزَّار (٣٤٧٢) من حديث جابر: قيل للنبيِّ ◌َّ: هل نَفَعتَ أبا طالب؟ قال: ((أخرَجتُه من النار إلى ضَحْضاح منها))، وسيأتي في أواخر الرِّقاق (٦٥٦٢) من حديث النُّعمان بن بشير نحوُه وفي آخره: ((كما يَغلي المِرِجَل بالقُمْقُمِ))، والمِرِجَل بكسر الميم وفتح الجيم: الإناء الذي يُغلَى فيه الماء وغيره، والقُمقُم بضمِّ القافَينِ وسكون الميم الأولى معروف: وهو الذي يُسخَّن فيه الماء. قال ابن الأثير: كذا وَقَعَ ((كما يَغْلِي المِرِجَل بالقُمقُمِ)) وفيه نظرٌ، ووَقَعَ في نُسخة: ((كما يَغلي المِرِجَل والقُمقُم))، وهذا أو ضَحُ إِن ساعدَتْه الرّواية. انتَهَى، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى: مع، وقيل: القُمقُم: هو البُسر كانوا يَغْلُونَه على النار استعجالاً لنُضحِه، فإن ثَبَتَ هذا زالَ الإشكال. تنبيه: في سؤال العبّاس عن حال أبي طالب ما يدلّ على ضعف ما أخرجه ابن إسحاق من حديث ابن عبّاس بسندٍ فيه مَن لم يُسَمَّ: أنَّ أبا طالب لمَّا تَقارَبَ منه الموت بعد أن عَرَضَ عليه النبيّ ◌َّ﴿ أن يقول: لا إله إلّا الله فأبى، قال: فنظرَ العبَّاس إليه وهو يُرِّك شَفَتَيَه فأصغَی إليه فقال:/ يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمَرتَه أن يقولها (١)، وهذا الحديث لو ١٩٥/٧ كان طريقه صحيحاً، لَعَارَضَه هذا الحديث الذي هو أصحّ منه فضلاً عن أنَّه لا يَصِحّ. وروى أبو داود (٣٢١٤) والنَّسائيُّ (٢٠٠٦) وابن خزيمة وابن الجارود (٥٥٠)(٢) من حديث عليّ قال: لمَّا ماتَ أبو طالب قلت: يا رسول الله، إنَّ عَمّك الشَّيخَ الضّالَّ قد (١) أخرجه ابن إسحاق كما في ((سيرة ابن هشام)) ٤١٨/١، قال: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس به، وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عباس. (٢) وأخرجه أيضاً أحمد في («مسنده)) (١٠٩٣)، وفي إسناده عندهم ناجية بن كعب الأسدي وهو مجهول. ٣٦٨ باب ٤٠ / ح ٣٨٨٤ فتح الباري بشرح البخاري مات، قال: ((اذهب فوَارِهِ)) قلت: إنَّه ماتَ مُشرِكاً، فقال: ((اذهَب فوارِه)) الحديث. ووَقَفتُ على جُزء جمعَه بعض أهل الرَّفض أكثرَ فيه من الأحاديث الواهية الدَّالّة على إسلام أبي طالب ولا يَئُبُت من ذلك شيءٌ، وبالله التوفيق، وقد لخَّصت ذلك في ترجمة أبي طالب من کتاب «الإصابة». الحديث الثاني: ٣٨٨٤- حدَّثنا محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن ابنِ المسيّبِ، عن أبيه: أنَّ أبا طالبٍ لمَّا حَضَرَتْه الوفاةُ دَخَلَ عليه النبيُّ ◌َّه وعندَه أبو جَهْلٍ، فقال: ((أي عَمِّ، قُلْ: لا إلهَ إلا الله، كلمةً أُحاجُّ لكَ بها عندَ الله)) فقال أبو جَهْلٍ وعبدُ الله بنُ أبي أُميَّةَ: يا أبا طالبٍ، تَرْغَبُ عن مِلّةِ عبدِ الطَّلِبِ، فلم يزالا يُكلِّمنه حتَّى قال آخِرَ شيءٍ كَلَّمَهم به: على مِلّةٍ عبدِ المطَّلِبِ، فقال النبيُّ وَِّ: ((لاَسْتَغْفِرَنَّ لكَ ما لم أَنَّهَ عنه)) فنزلت ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. قوله: ((حدَّثنا محمود)» هو ابن غَيْلان. قوله: ((عن أبيه)) هو حَزْن بفتح المهملة وسكون الزّاي؛ أي: ابن أبي وَهْب المخزوميّ. قوله: ((أنَّ أبا طالب لمَّا حَضَرَته الوفاة)) أي: قبل أن يدخل في الغَرغَرة. قوله: ((أُحاجُ)) بتشديد الجيم وأصله أُحاجِج، وقد تقدَّم في أواخر الجنائز (١٣٦٠) بلفظ: ((أشهَد لك بها عند الله))، وكأنَّه عليه الصلاة والسَّلام فهمَ من امتناع أبي طالب من الشَّهادة في تلك الحالة أنَّه ظنَّ أنَّ ذلك لا يَنفَعه لوقوعه عند الموت أو لگونِه لم یتمكّن من سائر الأعمال كالصلاة وغيرها، فلذلك ذكر له المحاججة. وأمَّا لفظ الشَّهادة فيَحتمل أن يكون ظنَّ أنَّ ذلك لا يَنفَعه إذ لم يَحِضُره حينئذٍ أحد من المؤمِنِين مع النبيّ ◌َّهِ، فَطَيِّبَ قلبه بأن يَشْهَد له بها فيَنفَعه. وفي رواية أبي حازم عن أبي هريرة عند أحمد (٩٦١٠): ((فقال أبو طالب: لولا أن تُعيِّرني قُرَيش يقولون: ما حَمَلَه عليه إلّا جَزَعُ الموت لَأَقْرَرت بها عَيْنَك)) ٣٦٩ باب ٤٠ / ح ٣٨٨٥ أبواب المبعث وأخرج ابن إسحاق من حديث ابن عبّاس نحوَه. قوله: ((وعبد الله بن أبي أُميَّة)) أي: ابن المغيرة بن عبد الله بن عَمْرو بن مخزوم، وهو أخو أمّ سَلَمة التي تزوَّجَها النبيّ ◌َّ بعد ذلك، وقد أسلَمَ عبد الله يوم الفتح واستُشهِدَ في تلك السَّنة في غَزاة حُنَينٍ. قوله: ((على مِلّة عبد المطَّلِب)» خَبَرَ مُبْتَدَأ محذوفٍ، أي: هو، وثَبَتَ كذلك في طريق أُخرَی. قوله: ((فنزلت: ﴿ مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى ﴿أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ))) أمَّا نزول هذه الآية الثانية فواضح في قِصّة أبي طالب، وأمَّا نزول التي قبلَها ففيه نظرٌ، ويَظهَر أنَّ المراد أنَّ الآية المتعلّقة بالاستغفار نزلت بعد أبي طالب بمُدّةٍ، وهي عامّة في حَقّه وفي حَقّ غيره، ويوضح ذلك ما سيأتي في التفسير (٤٧٧٢) بلفظ: فأنزلَ الله بعد ذلك: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآية، وأنزَلَ في أبي طالب: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾. ولأحمد (٩٦١٠) من طريق أبي حازم عن أبي هريرة في قِصّة أبي طالب، قال فأنزَلَ الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾، وهذا كلّه ظاهر في أنَّه مات على غير الإسلام، ويُضَعِّف ما ذكره السُّهَيليّ: أنَّه رأى في بعض كتب المسعوديّ أنَّه أسلَم، لأنَّ مثل ذلك لا يعارض ما في ((الصحيح)). الحديث الثالث: ٣٨٨٥- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، حدَّثنا ابنُ الهادِ، عن عبدِ الله بنِ خَبّابٍ عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ عه، أنَّه سمعَ النبيَّ وَّةِ، وَذُكِرَ عندَه عَمُّه، فقال: ((لعلَّه تَنْفَعُهُ شَفاءَتي يومَ القيامةِ، فَيُجْعَلُ في ضَخْضاحٍ مِن النارِ، يَبْلُغُ كَعْبَيِهِ، يَغْلي منه دِماغُه)). [طرفه في: ٦٥٦٤] حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثنا ابنُ أبي حازِمٍ والدَّراوَرْدِيُّ، عن يَزِيدَ، بهذا، وقال: («تَغْلِي ٣٧٠ باب ٤٠ / ح ٣٨٨٥ فتح الباري بشرح البخاري منه أمُّ دِماِه)). حدَّثنا ابنُ أبي حازم والدَّرَاوَرْدِيُّ، عن يزيدَ، بهذا وقال: ((تَغْلي منه أمُّ دِماغِه)). قوله: ((حدَّثني ابن الهاد)» هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، وهو المراد بقوله في الرِّواية الثانية: ((عن يزيد بهذا))، أي: الإسناد والمتن إلّا ما نَبَّهَ عليه. قوله: ((عن عبد الله بن خَبّاب)) أي: المدنيّ الأنصاريّ مولاهم، وكان من ثِقات المدنيّين، ولم أرَ له رواية عن غير أبي سعيد الخُذريِّ ، وروى عنه جماعة من التابعين من أقرانه ومَن بعده. قوله: ((وذُكِرَ عنده عَمّه)) زاد في رواية أُخرَى عن ابن الهاد الآتية في الرِّقاق (٦٥٦٤): ((أبو طالب))، ويُؤخَذ من الحديث الأوَّل أنَّ الذّاكِرِ هو العبَّاس بن عبد المطَّلِب لأنَّه الذي سألَ عن ذلك. قوله: ((يَبلُغ كَعَبَيْهِ) قال السُّهَيليّ: الحكمة فيه أنَّ أبا طالب كان تابعاً لرسول الله وَليه بجُملَتِهِ، إلّا أنَّه استَمرَّ ثابتَ القَدَم على دين قومه، فسُلِّطَ العذابُ على قَدَمَيه خاصّة لَئبيتِهِ إيّاهما على دين قومه، كذا قال، ولا يخلو عن نَظَر. / ١٩٦ قوله: ((يَغْلي منه دِماغُه)) وفي الرّواية التي تليها: ((يَغلي منه أمُّ دِماغه)»، قال الدّاووديّ: المراد أمُّ رأسِه، وأُطلِقَ على الرَّأس الدِّماغ من تسمية الشَّيء بما يُقاربه ويُجَاوِره. ووَقَعَ في رواية ابن إسحاق: ((يَغلي منه دِماغه حتَّى يسيل على قَدَمَيهِ». وفي الحديث: جواز زيارة القريب المشرِك وعِيَادته، وأنَّ التوبة مقبولة ولو في شِدّة مرض الموت، حتَّى يَصِل إلى المعاينة فلا يُقبَل، لقوله تعالى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]، وأنَّ الكافر إذا شَهِدَ شهادة الحقّ نَجا من العذاب لأنَّ الإسلام يَجُبٌ ما قبلَه، وأنَّ عذاب الكفَّار مُتَفاوِت، والنَّفع الذي حَصَلَ لأبي طالب من خصائصه ببَرَكة النبيِّ وَّهِ، وإِنَّا عَرَضَ النبيّ ◌َلّل عليه أن يقول: لا إله إلّا الله ولم يَقُل فيها: محمد رسول الله، لأنَّ الكَلمَتَينِ صارتا كالكلمة الواحدة، ويحتمل أن يكون أبو طالب كان يَتَحقَّق أنَّه رسول الله ولكن لا يُقِرّ بتَوحيدِ الله، ولهذا قال في الأبيات النّونيّة: ٣٧١ باب ٤١ / ح ٣٨٨٦ أبواب المبعث ودَعَوتَني وعَلِمتُ أنَّك صادِقٌ ولقد صَدَقتَ وكنتَ قبلُ أَمينا فاقتَصَرَ على أمره بقول: لا إله إلّا الله، فإذا أقَرَّ بالتوحيدِ لم يتوقَّف على الشَّهادة له بالرِّسالة. تكملة: من عجائب الاتّفاق أنَّ الذين أدرَكَهم الإسلام من أعمام النبيِّ وَّر أربعة: لم يُسلم منهم اثنان، وأسلَمَ اثنان، وكان اسم مَن لم يُسلِمِ يُنافي أساميَ المسلمين، وهما أبو طالب: واسمه عبد منافٍ، وأبو لهب: واسمه عبد العُزَّى، بخلاف مَن أسلَمَ: وهما حمزة والعبَّاس. ٤١ - باب حديث الإسراء وقولِ الله تعالى: ﴿سُبْحَنَ اٌلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]. ٣٨٨٦- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، حدَّثني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمن، سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ وَالو يقول: ((لمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ في الحِجْرِ، فَجَلَّى اللهُ لِي بيتَ المَقْدِسِ، فطَفِقْتُ أُخْبِرُهم عن آياتِه وأنا أَنظُرُ إليه)». [طرفه في: ٤٧١٠] قوله: ((حديث الإسراء، وقول الله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا ﴾)) سيأتي البحث في لفظ: ((أسرَى)) في تفسير سورة سبحان (٤٧٠٩) إن شاء الله تعالى. قال ابن دِحْية: جَنَحَ البخاريُّ إلى أنَّ ليلة الإسراء كانت غيرَ ليلة المعراج، لأَنَّه أفرَدَ لگلٌّ منهما ترجمة. قلت: ولا دلالة في ذلك على التغاير عنده، بل كلامه في أوَّل الصلاة ظاهر في اتحادهما، وذلك أنَّه تَرجَمَ ((باب كيف فُرِضَت الصلاة ليلة الإسراء)»، والصلاة إنَّما فُرِضَت في المعراج، فدَلَّ على اتّحادهما عنده، وإنَّما أفرَدَ كلَّ منهما بترجمةٍ لأنَّ كلَّا منهما يَشتَمِل على قِصّة مُفرَدة وإن كانا وقَعا معاً، وقد رُويَ عن كعب الأحبار: أنَّ باب السماء الذي يقال ٣٧٢ باب ٤١ / ح ٣٨٨٦ فتح الباري بشرح البخاري له مِصعَد الملائكة يقابل بيت المقدسِ، فأخَذَ منه بعض العلماء أنَّ الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدسِ قبل العُروج ليَحصُلَ العُروج مُستَوياً من غير تعويج، وفيه نظرٌ، لُرودِ ١٩٧/٧ أنَّ/ في كلّ سماءٍ بيتاً معموراً، وأنَّ الذي في السماء الدُّنيا ◌ِيالَ الكعبة، وكان المناسب أن يَصعَد من مكَّة ليَصِلَ إلى البيت المعمور بغير تعويج، لأنَّه صَعِدَ من سَماء إلى سماء إلى البيت المعمور. وقد ذكر غيرُه مُناسباتٍ أُخرَى ضعيفة، فقيل: الحكمة في ذلك أن يجمع وَّ في تلك اللَّيلة بين رُؤية القِبِلَتَينِ، أو لأنَّ بيت المقدِسِ كان هِجرةَ غالب الأنبياء قبلَه فحَصَلَ له الرَّحيل إليه في الجملة ليَجمعَ بين أشتات الفضائل، أو لأنَّه محلّ الحَشْر وغالب ما اتُّفِقَ له في تلك اللَّيلة يناسب الأحوال الأُخرَويَّة، فكان المِعِراج منه أليَقَ بذلك، أو للتفاؤُلِ بحصول أنواع التقديس له حِسّاً ومَعنَى، أو ليجتمعَ بالأنبياءِ مُملةً كما سيأتي بيانه، وسيأتي مُناسَبة أُخرَى الشَّيخ ابن أبي جَمْرة قريباً، والعلم عند الله. وقد اختَلَفَ السَّلَف بحَسَب اختلاف الأخبار الواردة: فمنهم مَن ذهب إلى أنَّ الإسراء والمِعِراج وقَعا في ليلة واحدة في اليقظة بجَسد النبيِّ وَّهِ وَرُوحِه بعد المبعَث، وإلى هذا ذهب الجمهور من عُلماء المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين وتَوارَدَت عليه ظَواهر الأخبار الصَّحيحة، ولا ينبغي العُدول عن ذلك إذليس في العقل ما يُحيله حتَّى يَحتاج إلى تأويل، نعم جاء في بعض الأخبار ما يُخالف بعض ذلك، فجَنَحَ لأجلِ ذلك بعض أهل العلم منهم إلى أنَّ ذلك كلَّه وَقَعَ مرَّتَيْنِ: مَرّةً في المنام تَوطِئة وتمهيداً، ومَرّةً ثانية في اليَقَّظة كما وَقَعَ نَظير ذلك في ابتداء مَجيء الملَك بالوحي، فقد قَدَّمت في أوَّل الكتاب ما ذكره ابن مَيسَرة التابعيّ الكبير وغيره أنَّ ذلك وَقَعَ في المنام، وأنَّهم جَمَعوا بينه وبين حديث عائشة: بأنَّ ذلك وَقَعَ مَرَّتَيْنِ، وإلى هذا ذهب المهلَّب شارح ((البخاريّ)) وحكاه عن طائفة، وأبو نَصر بن القُشَيريِّ ومِن قبلهم أبو سعيد في (شَرَف المصطَفَى))، قال: كان للنبيِّ وَلَّ مَعاريج، منها ما كان في اليقظة ومنها ما كان في المنام، وحكاه السُّهَيليّ عن ابن العربيّ واختارَه، وجَوَّزَ بعضُ قائلي ذلك أن تكون قِصّة المنام وقَعَت ٣٧٣ باب ٤١ / ح ٣٨٨٦ أبواب المبعث قبل المبعَث لأجلِ قول شَرِيك في روايته عن أنس: ((وذلك قبل أن يوحَى إليه))(١)، وقد قَدَّمت في آخِرِ صِفة النبيّ ◌َّل بيان ما يَرتَفِع به الإشكال ولا يحتاج معه إلى هذا التأويل(٢)، ويأتي بقيّة شرحه في الكلام على حديث شَرِيك، وبيان ما خالَفَه فيه غيره من الرُّواة والجواب عن ذلك وشرحه مُستَوفَّى في كتاب التوحيد (٧٥١٧) إن شاء الله تعالى. وقال بعض المتأخّرين: كانت قِصّة الإسراء في ليلةٍ والمِعِراجُ في ليلةٍ، مُتَمسِّكاً بما وَرَدَ في حديث أنس من رواية شَرِيك (٧٥١٧) من تَرْك ذِكْر الإسراء، وكذا في ظاهر حديث مالك بن صَعصَعة هذا (٣٨٨٧)، ولكنَّ ذلك لا يَستَلزِمِ التعدُّد بل هو محمول على أنَّ بعض الرُّواة ذكر ما لم يَذكُره الآخَر كما سنُبيِّنُه. وذهب بعضهم إلى أنَّ الإسراء كان في اليَقَظة والمعراج كان في المنام، أو أنَّ الاختلاف في كَونه يَقَظة أو مناماً خاصّ بالمِعِراج لا بالإسراءِ، ولذلك لمَّا أخبر به قُرَيشاً كَذَّبوه في الإسراء واستَبعَدوا وقوعَه ولم يَتعرَّضوا للمِعراج، وأيضاً فإنَّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اُلْأَقْصَا﴾ [الإسراء: ١]، فلو وَقَعَ المِعِراج في اليَقَظة لكان ذلك أبلَغ في الذِّكر، فلمَّا لم يقع ذِكْره في هذا الموضع مع كَوْنِ شأنه أعجَبَ وأمره أغرَبَ من الإسراء بكثيرٍ، دلَّ على أنَّه كان مناماً، وأمَّا الإسراء فلو كان مناماً لمَا كَذَّبوه ولا استنكروه لجواز وقوع مثل ذلك وأبعَدَ منه لآحادِ الناس. وقيل: كان الإسراء مرَّتَينِ في اليَقَظة، فالأولى: رَجَعَ من بيت المقدِسِ وفي صبيحته أخبر قُرَيشاً بما وَقَع، والثانية: أُسريَ به إلى بيت المقدسِ، ثمَّ ◌ُرِجَ به من ليلته إلى السماء إلى آخِر ما وَقَع، ولم يقع لقُرَيشٍ في ذلك اعتراض لأنَّ ذلك عندهم من جِنس قوله: إنَّ الملَك يأتيه من السماء في أسرع من طَرْفة عينٍ، وكانوا يَعتَقِدونَ استحالة ذلك مع قيام الحُجّة على صِدقه بالمعجِزات الباهرة، لكنَّهم عاندوا في ذلك واستمرُّوا على تكذيبه فيه، بخلاف (١) سلف برقم (٣٥٧٠). (٢) عند الحديث المذكور. ٣٧٤ باب ٤١ / ح ٣٨٨٦ فتح الباري بشرح البخاري ١٩٨/٧ إخباره أنَّه جاء بيتَ المقدِسِ في ليلة واحدة ورَجَع، / فإنَّهم صَرَّحوا بتكذيبه فيه فطلبوا منه نَعْتَ بيت المقدسِ لمعرِفَتِهم به وعِلمهم بأنَّه ما كان رآه قبلَ ذلك فأمكّنَهم استعلامَ صِدقِه في ذلك بخلاف المِعِراج، ويُؤيِّد وقوع المِعراجِ عَقِب الإسراء في ليلة واحدة روايةٌ ثابت عن أنس عند مسلم (١٦٢)، ففي أوَّله: ((أُتيت بالبُراق فرَكِبت حتَّى أتيتُ بيتَ المقدِسِ»، فذكر القِصّة إلى أن قال: ((ثُمَّ عُرِجَ بنا إلى السماء الدُّنيا))، وفي حديث أبي سعيد الخُدْريِّ عند ابن إسحاق: ((فلمَّا فرغتُ ممّا كان في بيت المقدسِ أُتيَ بالمِعراج)) فذكر الحديث، ووَقَعَ في أوَّل حديث مالك بن صَعصَعة (٣٨٨٧): ((أنَّ النبيَّ وَّهِ حدَّثهم عن ليلة أُسريَ به» فذكر الحديث، فهو وإن لم يَذكُر الإسراء إلى بيت المقدسِ، فقد أشارَ إليه وصَرَّحَ به في روايته فهو المعتمد. واحتَجَّ مَن زَعَمَ أنَّ الإسراء وَقَعَ مُفرَداً بما أخرجه البزَّار (٣٤٨٤) والطبرانيُّ (٧١٤٢) وصَحَّحَه البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٣٥٥/٢-٣٥٧) من حديث شَدّاد بن أوس قال: قلتُ: يا رسول الله، كيفَ أُسريَ بك؟ قال: ((صَلَّيت صلاة العَتَمة بمكَّة فأتاني جِبْريل بدايّةٍ» فذكر الحديث في مَجَيْئِه بيتَ المقدِسِ وما وَقَعَ له فيه، قال: ((ثُمَّ انصَرَفَ بي، فمَرَرنا بعيرٍ القُرَيشٍ بمكان كذا)) فذكره قال: ((ثُمَّ أتيتُ أصحابي قبلَ الصُّبح بمَّة))، وفي حديث أمّ هانئ عند ابن إسحاق وأبي يعلى نحو ما في حديث أبي سعيد هذا. فإن ثَبَتَ أنَّ المِعِراج كان مناماً على ظاهر رواية شَرِيك عن أنس فيَنْتَظِمِ من ذلك أنَّ الإسراء وَقَعَ مرَّتَينِ: مَّةً على انِفِراده ومَرّةً مضموماً إليه المِعراج وكلاهما في اليقظة، والمِعِراج وَقَعَ مَرَّتَيْنِ مَرّة في المنام على انفِراده تَوطِئة وتمهيداً، ومَرّة في اليَقَظة مضموماً إلى الإسراء. وأمَّا كَونه قبل البَعث فلا يَثْبُت، ويأتي تأويل ما وَقَعَ في رواية شَرِيك إن شاء الله تعالى. وجَنَحَ الإمام أبو شامة إلى وقوع المعراج مِراراً، واستَنَدَ إلى ما أخرجه البزَّار (٧٣٨٩) وسعيد بن منصور من طريق أبي عمران الجَونيّ عن أنس رَفَعَه قال: «بَيْنا أنا جالس إذ جاء ٣٧٥ باب ٤١ / ح ٣٨٨٦ أبواب المبعث جِبْرِيل فوَكَزَ بين كَتِفَي، فقُمنا إلى شَجَرة فيها مثل وَكرَي الطائر، فقَعَدت في أحدهما وقَعَدَ جِبْرِيل في الآخَرِ، فارتَفَعت حتَّى سَدَّت الخافقَينِ)) الحديث، وفيه: ((ففُتِحَ لي بابٌ من السماء، ورأيت النّور الأعظَم، وإذا دُونَه حجابٌ رَفرَفُه الدُّر والياقوت)) ورجاله لا بأس بهم، إلّا أنَّ الدّارَ قُطنيَّ ذكر له عِلّة تَقتَضي إرساله، وعلى كلّ حالٍ فهي قِصّة أُخرَى الظّاهر أنَّها وقَعَت بالمدينة، ولا بُعد في وقوع أمثالها، وإنَّما المستَبعَد وقوع التعدُّد في قِصّة المعراج التي وَقَعَ فيها سؤاله عن كلّ نبيٍّ وسؤالُ أهل كلّ بابٍ: هل بُعِثَ إليه؟ وفَرْضُ الصلوات الخمس وغير ذلك، فإنَّ تعدُّد ذلك في اليَقَظة لا يُتَّجَه، فيَتَعيَّن رَدّ بعض الرِّوايات المختلفة إلى بعضٍ، أو الترجيح إلّا أنَّه لا بُعد في وقوع جميع ذلك في المنام تَوطِئَةً، ثمَّ وقوعه في اليقظة علی وفقه كما قَدَّمته. ومن المستَغْرَب قول ابن عبد السَّلام في ((تفسيره)): كان الإسراء في النَّوم واليَقَظة، ووَقَعَ بمكّة والمدينة. فإن كان يريد تخصيص المدينة بالنَّوم ويكون كلامه على طريق اللَّفّ والنَّشر (١) غير المَرَتَّب فيحتمل، ويكون الإسراء الذي اتَّصَلَ به المعراج وفُرِضَت فيه الصلوات في اليَقَظة بمكَّة والآخر في المنام بالمدينة، وينبغي أن يُزاد فيه: أنَّ الإسراء في المنام تَكرَّرَ في المدينة النَّبَويَّة، ففي ((الصحيح)) حديث سَمُرة الطّويل الماضي في الجنائز (١٣٨٦)، وفي غيره حديث عبد الرحمن بن سَمُرة الطّويل(٢)، وفي ((الصحيح)) حديث ابن عبّاس (٣٢٣٩) في رؤياه الأنبياء، وحديث ابن عمر (٥٩٠٢) في ذلك وغير ذلك، والله أعلم. قوله: ﴿سُبْحَانَ﴾ أصلها للتَّنزيه وتُطلَق في موضع التعجُّب، فعلى الأوَّل المعنى: تَنَزَّهَ الله عن أن يكون رسوله كَذّاباً، وعلى الثاني: عَجَّبَ الله عباده بما أنعَمَ به على رسوله، ويحتمل أن تكون بمعنى الأمر، أي: سَبِّحوا الذي أسرَى. (١) اللَّف والنشر: أن تذكر شيئين ثم تأتي بتفسيرهما جملةً، ثقةً بأن السامع يردُّ كُلَّ منهما على ما هو له، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ وَلِتَبْثَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]. انظر ((التوقيف على مهمات التعاريف)) للمناوي ١/ ٦٢٣. (٢) أخرجه الطبراني في ((الأحاديث الطوال)) (٣٩). ٣٧٦ باب ٤١ / ح ٣٨٨٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ﴿أَسْرَى﴾ مأخوذ من السُّرَى: وهو سَير اللَّيل، تقول: أسرَى وسَرَى: إذا سارَ ليلاً بمَعنّى، هذا قول الأكثر، وقال الحَوفيّ: أسرَى: سارَ ليلاً، وسَرَى: سارَ نهاراً، وقيل: أسرَى: ١٩٩/٧ سارَ من أوَّل اللَّيل، وسَرَى: سارَ من آخره، وهذا أقربُ. والمراد بقوله: / ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ أي: جَعَلَ البُراق يَسري به كما يقال: أمضَيت كذا، أي: جَعَلته يمضي، وحَذَفَ المفعول لدلالة السّياق عليه، ولأنَّ المراد ذِكْر المسرَى به لا ذِكْرِ الدّابّة، والمراد بقولِه: ﴿بِعَبْدِهِ،﴾ محمد عليه الصلاة والسَّلام اتِّفاقاً، والضَّمير لله تعالى، والإضافة للتشريف. وقوله: ﴿لَيْلًا﴾ ظَرف للإسراء وهو للتأكيد، وفائدته: رفعُ تَوهُّم المجاز لأنَّه قد يُطلَق على سَير النَّهار أيضاً، ويقال: بل هو إشارةٌ إلى أنَّ ذلك وَقَعَ في بعض اللَّيل لا في جميعه، والعرب تقول: سَرَى فلان ليلاً: إذا سارَ بعضَه، وسَرَى ليلةً: إذا سارَ جميعَها، ولا يقال: أسرَى إلّا إذا وَقَعَ سَيره في أثناء اللَّيل، وإذا وَقَعَ في أوَّله يقال: أدلَجَ، ومن هذا قوله تعالى في قِصّة موسى وبني إسرائيل: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا﴾ [الدخان: ٢٣]، أي: من وَسَط اللَّيل. قوله: ((سمعت جابر بن عبد الله)) كذا في رواية الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمة، وخالَفَه عبد الله ابن الفضل عن أبي سَلَمة فقال: ((عن أبي هريرة)) أخرجه مسلم (١٧٢)، وهو محمول على أنَّ لأبي سَلَمة فيه شيخَينٍ، لأنَّ في رواية عبد الله بن الفضل زيادةً ليست في رواية الزُّهْريِّ. قوله: (لمَّا كَذَّبني)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((گَذَّبَتني)) بزيادة مُثنّاة وكلاهما جائز، وقد وَقَعَ بیان ذلك في طرق أُخرَى: فروى البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٢/ ٣٦٠) من طريق صالح بن كَيْسان عن الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمة قال: افتُتِنَ ناس كثير - يعني عَقِب الإسراء - فجاء ناس إلى أبي بكر فذكروا له فقال: أشهَد أنَّه صادِقٍ. فقالوا: وتُصَدِّقه بأنَّه أتى الشّام في ليلة واحدة ثمَّ رَجَعَ إلى مكَّة؟ قال: نعم، إنّ أُصَدِّقه بأبعَدَ من ذلك، أُصَدِّقه بخَبَرِ السماء، قال: فسُمّيَ بذلك الصِّدِّيق، قال: سمعت جابراً یقول، فذكر الحديث. وفي حديث ابن عبّاس عند أحمد (٢٨١٩) والبزَّار (٥٣٠٥) بإسنادٍ حَسَن قال: قال ٣٧٧ باب ٤١ / ح ٣٨٨٦ أبواب المبعث رسول الله وَله: ((لمَّا كان ليلة أُسريَ بي وأصبحت بمكَّة مرَّ بي عدوّ الله أبو جهل فقال: هل كان من شيءٍ؟ قال رسول الله وَله: إنّي أُسريَ بي اللَّيلة إلى بيت المقدسِ، قال: ثمَّ أصبحت بين أَظهُرِنا؟ قال: نعم، قال: فإن دَعَوت قومك أتُحدِّثُّهم بذلك؟ قال: نعم. قال: يا مَعشَر بني كعب بن لُؤَيّ. قال: فانفَضَّت إليه المجالس حتَّى جاؤوا إليهما فقال: حَدِّث قومك بما حَدَّثْتَني، فحَدَّثتهم، قال: فمِن بين مُصَفِّق ومِن بين واضع يدَه على رأسه مُتَعَجِّباً، قالوا: وتَستَطيع أن تَنعَت لنا المسجد)) الحديث. ووَقَعَ في غير هذه الرِّواية بيان ما رآه ليلةَ الإسراء، فمِن ذلك ما وَقَعَ عند النَّسائيِّ (٤٥٠) من رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس قال: قال رسول الله وَله: ((أُتيت بداّةٍ فوق الحِمار ودون البَغل)) الحديث، وفيه: «فَرَكِبت ومَعي جِبْريل، فسِرت فقال: انزِل فصَلِّ، ففَعَلت، فقال: أتدري أين صَلَّيت؟ صَلَّيْتَ بطَيبةَ وإليها المهاجَرة))، يعني: بفتح الجيم، ووَقَعَ في حديث شَدّاد بن أوس عند البزَّار (٣٤٨٤) والطبرانيِّ (٧١٤٢): أنَّه «أوَّل ما أُسريَ به مرَّ بأرضٍ ذات نَخل، فقال له جِبْريل: انزِل فصَلِّ، فنزلَ فصَلَّى، فقال: صَلَّيت بيَتِب)»، ثُمَّ قال في روايته(١): (ثُمَّ قال: انزِل فصَلِّ مثل الأوَّل، قال: صَلَّيت بطُورِ سَيناء حيثُ كَلَّمَ اللهُ موسى، ثمّ قال: انزِل - فذكر مثله - قال: صَلَّيْتَ ببيتِ لحم حيثُ وُلِدَ عيسى))، وقال في رواية شَدّاد بعد قوله: ((يَثِرِب، ثمَّ مَّ بأرضٍ بيضاء فقال: انزِل فصَلٌّ، فقال: صَلَّيت بِمَدَيَن))، وفيه: أنَّه دَخَلَ المدينة من بابها اليَمَاني فصَلَّى في المسجد، وفيه: أنَّه مرَّ في رُجوعه بعِيرٍ لِقُرَيشٍ فسَلَّمَ عليهم فقال بعضهم: هذا صوت محمد، وفيه: أنَّه أعلَمَهم بذلك، وأنَّ عِيرَهم تَقدُمُ في يوم كذا، فقَدِمَت الظُّهر يَقدُمهم الجَمَل الذي وصَفَه، وزاد في رواية يزيد ابن أبي مالك: ((ثُمَّ دَخَلت بيت المقدسِ، فجمع ليَ الأنبياء، فقَدَّمَني جِبْريل حتَّى أَمَمْتُهم)). وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم بن عُتبة عن أنس عند البيهقيِّ في ((الدَّلائل)) (٢/ ٣٦١): أنَّه مَّ بشيءٍ يَدعوه مُتَنَحّياً عن الطَّريق، فقال له جِبْريل: سِر، وأنَّه مرَّ على عجوز فقال: ما (١) يعني: النسائي. ٣٧٨ باب ٤١ / ح ٣٨٨٦ فتح الباري بشرح البخاري هذه؟ فقال: سِر، وأنَّه مرَّ بجماعةٍ فسَلَّموا فقال له جِبْرِيل: اردُدْ عليهم، وفي آخره: فقال له: ٢٠٠/٧ الذي دَعَاك إبليسُ، والعجوز: الدُّنيا، والذين سَلَّموا/ عليكَ: إبراهيم وموسى وعيسى. وفي حديث أبي هريرة عند الطَّبَري (٦/١٥-١١) والبزَّار (٩٥١٨): ((أَنَّه مَرَّ بقومٍ يَزْرَعونَ ويَحِصُّدون، كلَّما حَصَدوا عادَ كما كان، قال جِبْريل: هؤلاء المجاهدون، ومرَّ بقومٍ تُرضَخْ رُؤوسُهم بالصخرِ كلَّما رُضِخَت عادَت، قال: هؤلاء الذين تَثاقَلَ رُؤوسهم عن الصلاة، ومرَّ بقومٍ على عَوراتهم رِقاع يَسرَحونَ كالأنعام، قال: هؤلاء الذين لا يُؤَدّونَ الزكاة، ومَرَّ بقومٍ يأكلونَ لحماً نيِّئاً خبيثاً ويَدَعونَ لحماً نَضيجاً طيّباً قال: هؤلاء الزُّناة، ومرَّ برجلٍ جمع حُزمةَ حَطَب لا يستطيع حَلَها ثمَّ هو يَضُمّ إليها غيرَها، قال: هذا الذي عنده الأمانة لا يُؤَدّيها وهو يَطلُب أُخرَى، ومرَّ بقومٍ تُقرَض ألسنتُهم وشِفاهُهم، كلَّما قُرِضَت عادَت قال: هؤلاء خُطَباء الفتنة، ومرَّ بثَورٍ عظيم يَخْرُج من تَقْب صغير يريد أن يرجع فلا يستطيع، قال: هذا الرجل يتكلّم بالكلمة فيَندَم فيريد أن يَرُدَّها فلا يستطيع)). وفي حديث أبي هريرة عند البزَّار (٩٥١٨) والحاكم(١): أنَّه صَلَّى ببيتِ المقدِسِ مع الملائكة، وأنَّه أُتيَ هناكَ بأرواح الأنبياء فأثنَوْا على الله، وفيه قول إبراهيم: ((لقد فَضَلَكم محمد))، وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم عن أنس: ((ثُمَّ بُعِثَ له آدم فمَن دُونَه فأمَّهم تلك اللَّيلة)) أخرجه الطبرانيّ(٢)، وعند مسلم (١٧٢) من رواية عبد الله بن الفضل عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة رَفَعَه: ((ثمَّ حانت الصلاة فأَعْتُهم))، وفي حديث أبي أمامةَ عند الطبرانيِّ في ((الأوسط))(٣): (ثُمَّ أُقيمت الصلاة فتَدافَعوا حتَّى قَدَّموا محمداً»، وفيه: ((ثُمَّ مَرَّ بقومٍ بُطونهم (١) لم نقف عليه في ((مستدرك الحاكم))، ولم يذكره الحافظ نفسه في كتابه ((إتحاف المهرة)). (٢) لم نقف عليه في المطبوع من مصنفاته، وأخرجه من هذه الطريق عن أنسٍ الطحاويُّ في ((شرح المشكل)) ٥٣٨/١٢، والبيهقي في ((الدلائل)) ٢٦١/٢، ٣٦٢. (٣) برقم (٣٨٧٩) ولكنه من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهكذا عزاه له الهيثمي في ((المجمع)) ١/ ٧٧ وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط)) هكذا مرسلاً وقال: لا يروى عن ابن أبي ليلى إلا بهذا الإسناد. ومع الإرسال فیه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف. ٣٧٩ باب ٤١ / ح ٣٨٨٦ أبواب المبعث أمثال البيوت، كلَّمَا نَهَضَ أحدهم خَرّ، وأنَّ جِبْريل قال له: هم آكِلو الرِّبا، وأنَّ مَّ بقومٍ مَشافِرِهم كالإبلِ يَلتَقِمونَ حجراً فيَخرُج من أسافلهم، وأنَّ جِبْريل قال له: هؤلاء أَكَلة أموال اليتامى)). قوله: ((فجَلَّى اللهُ لي بيتَ المقدِسِ)) قيل: معناه: كَشَفَ الحُجُب بيني وبينه حتَّى رأيته، ووَقَعَ في رواية عبد الله بن الفضل عن أبي سَلَمة عند مسلم المشار إليها: ((قال: فسألوني عن أشياء لم أُثبتها، فكُرِبتُ كَرباً لم أُكْرَب مثله قَطُّ، فَرَفَعَ الله لِيَ بيت المقدِسِ أَنظُر إليه، ما يسألوني عن شيء إلّا أنبأَتُهم به))، ويحتمل أن يريد: أنَّه ◌ُلَ إلى أن وُضِعَ بحيثُ يراه ثمّ أُعيدَ. وفي حديث ابن عبَّاس المذكور: ((فجيءَ بالمسجد وأنا أنظُر إليه حتَّى وُضِعَ عند دار عَقيل فنَعَتُّه وأنا أنظُر إليه))، وهذا أبلَغُ في المعجزة، ولا استحالةَ فيه، فقد أُحِضِرَ عرش بِلْقيس في طَرْفة عينٍ لسليمان، وهو يقتضي أنَّه أُزيلَ من مكانه حتَّى أُحِضِرَ إليه، وما ذاكَ في قُدْرة الله بعزيزٍ. ووَقَعَ في حديث أمّ هانئ عند ابن سعد (٢١٣/١ -٢٢٥): «فخُيِّلَ إليَّ بيت المقدسِ، فطَفِقت أُخبرهم عن آياته))، فإن لم يكن مُغيّراً من قوله: ((فجَلَّ)) وكان ثابتاً احتُمِلَ أن يكون المراد أنَّه مُثِّلَ قريباً منه، كما تقدَّم نَظيره في حديث: ((رأيت الجنَّة والنار))(١)، وتأوَّلَ قوله: ((جيءَ بالمسجدِ))؛ أي: جيءَ بمِثاله، والله أعلم. ووَقَعَ في حديث شَدّاد بن أوس عند البزَّار (٣٤٨٤) والطبرانيِّ (٧١٤٢) ما يُؤْيِّد الاحتمال الأوَّل ففيه: ((ثُمَّ مَرَرتُ بعِيرٍ لقُرَيشٍ - فذكر القِصّة - ثمَّ أَتیتُ أصحابي بمگَّة قبل الصُّبح، فأتاني أبو بكر فقال: أين كنت اللَّيلة؟ فقال: إنّ أتيت بيت المقدسِ، فقال: إنَّه مَسِيرة شهرٍ فصِفْهُ لي، قال: ففُتِحَ لي شِراك كأنّ أنظُر إليه لا يسألُني عن شيء إلّا أنبَتُه عنه)، وفي حديث أمّ هانئ أيضاً أنَّهم قالوا له: كم باباً للمسجد؟ قال: ((ولم أكُن عَدَدتُها، (١) سلف برقم (١٠٥٢). ٣٨٠ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ فتح الباري بشرح البخاري فجَعَلت أنظُر إليه وأعُدُّها باباً باباً))، وفيه عند أبي يَعْلى(١): أنَّ الذي سألَه عن صِفَة بيت المقدِسِ هو المُطعِم بن عَديّ والد جُبَير بن مُطعِم، وفيه من الزّيادة: فقال رجل من القوم: هل مَرَرت بإبلٍ لنا في مكان كذا وكذا؟ قال: ((نعم والله، قد وجدتُهم قد أضَّوا بعيراً لهم فهم في طَلَبه، ومَرَرت بإبلٍ بني فلان انكَسَرَت لهم ناقة حمراء)) قالوا: فأخبرنا عن عِدَّتها وما فيها من الرِّعاء، قال: ((كنت عن عِدَّتها مشغولاً)) فقامَ فأُتيَ بالإبل فعَدَّها وعَلِمَ ما فيها من الرِّعاء ثمَّ أتى قُرَيشاً فقال: ((هي كذا وكذا، وفيها من الرِّعاء: فلان وفلان)) فكان كما قال. ٢٠١/٧ قال الشَّيخ أبو محمد بن أبي / جَمْرة: الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدسِ قبل العُروج إلى السماء: إرادةُ إظهار الحقّ لمعانَدة مَن يريد إخماده، لأنَّه لو عُرِجَ به من مكَّة إلى السماء لم تَجِد لمعاندة الأعداء سبيلاً إلى البيان والإيضاح، فلمَّا ذكر أنَّه أُسريَ به إلى بيت المقدسِ سألوه عن تعريفات جُزئيّات من بيت المقدسِ كانوا رأوها وعَلموا أنَّه لم يكن رآها قبل ذلك، فلمَّا أخبَرَهم بها حَصَلَ التحقيق بصِدقِه فيما ذكر من الإسراء إلى بيت المقدِسِ في ليلةٍ، وإذا صَحّ خبره في ذلك لَزِمَ تصديقه في بقيّة ما ذكره، فكان ذلك زيادة في إیمان المؤمِن، وزيادة في شَقاء الجاحد والمعاند، انتَهى مُلخَّصاً. ٤٢ - باب المعراج ٣٨٨٧- حدَّثْنَا هُذْبةُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا همَّامُ بنُ يحيى، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسِ بنِ مالكِ، عن مالكِ بنِ صَعْصَعةَ رضي الله عنهما: أنَّ نبيَّ الله ◌ِّهِ حدَّثُهم عن ليلةِ أُسْرِيَ: ((بَينَما أنا في الخَطِيمِ - ورُبَّما قال: في الحِجْرِ - مُضْطَجِعاً، إذ أتاني آتٍ فقَدَّ - قال: وسمعتُه يقول - فشَقَّ ما بَينَ هذه إلى هذه) فقلتُ للجارودِ وهو إلى جَنْبي: ما يعني به؟ قال: من تُغْرةِ نَحْرِه إلى شِعْرَتِهِ، وسمعته يقول: من قَصِّه إلى شِعْرَتِهِ: ((فاستَخْرَجَ قَلْبِي، ثمَّ أَتِيتُ بطَسْتٍ من ذهبٍ تَمْلوءةٍ إيماناً، فغُسِلَ قَلْبِي، ثمَّ حُشِيَ ثمَّ أُعِيْدَ ثُمَّ أَتِيتُ بدابّةٍ دونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحِمار أبيضَ - فقال له الجارودُ: هو البُراقُ يا أبا حمزةَ؟ قال أنسٌ: نعم - يَضَعُ خَطْوَه عندَ أقصَى طَرْفِهِ، فحُمِلْتُ عليهِ، فانطَلَقَ (١) في ((مسنده الكبير)) كما في («إتحاف الخيرة)) للبوصيري (٦٣٥٥).