النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ باب ٢٦ / ح ٣٨٣٤ كتاب مناقب الأنصار فذكر الحديث، وذكر أبو موسى المدينيّ في ((ذيل الصحابة)): أنَّ ابن مَندَهْ ذكر في ((تاريخ النّساء)) له: أنَّ زينب بنت جابر أدرَكَت النبيّ ێ ورَوَت عن أبي بكر، وروی عنها عبد الله بن جابر وهي عَمَّته قال: وقيل: هي بنت المهاجر بن جابر، وذكر الدّارَ قُطْنيُّ في ((العِلَل)) (٢٥٦/١، ٢٥٧) أنَّ في رواية شَرِيك وغيره عن إسماعيل بن أبي خالد في حديث الباب أنَّها زينب بنت عَوْف، قال: وذكر ابن عُبَينَةَ عن إسماعيل أنَّهَا جَدّة إبراهيم بن المهاجر، والجمع بين هذه الأقوال مُمكِن. بأنَّ مَن قال: بنت المهاجر نَسَبَها إلى أبيها، أو: بنت جابر نَسَبَها إلى جَدّها الأدنى، أو: بنت عَوْف نَسَبَها إلى جَدِّ لها أعلى، والله أعلم. قوله: ((مُصْمِتة)) بضمِّ الميم وسكون المهمَلة، أي: ساكِنة، يقال: أصَمَتَ وصَمَتَ بمَعنَى. قوله: ((فإنَّ هذا لا يَحِلّ)) يعني: تَرك الكلام. ووقعَ عند الإسماعيليّ من وجه آخر عن أبي بكر الصِّدِّيق أنَّ المرأة قالت له: كان بيننا وبين قومك في الجاهليَّة شَرّ، فحَلَفت إنِ اللهُ عافانا من ذلك أن لا أُكلِّم أحداً حتَّى أحُجّ، فقال: إنَّ الإسلام يَهدِم ذلك، فتَكلَّمي، وللفاكِهِيِّ (٢٥٦٥) من طریق زید بن وهب عن أبي بكر نحوُه. وقد استَدَلَّ بقول أبي بكر هذا مَن قال بأنَّ مَن حَلَفَ أن لا يتكلّم استُحِبَّ له أن يتكلّم ولا كفَّارة عليه، لأنَّ أبا بكر لم يأمرُها بالكفَّارة، وقياسُه أنَّ مَن نَذَرَ أن لا يتكلّم لم يَنْعَقِد نَذْرُه، لأَنَّ أبا بكر أطلقَ أنَّ ذلك لا يَحِلّ وأنَّه من فِعل الجاهليّة وأنَّ الإسلامِ هَدَمَ ذلك، ولا يقول أبو بكر مثل هذا إلّا عن تَوقيف فيكون في حُكم المرفوع، ويُؤيِّد ذلك حديث ابن عبَّاس في قِصّة أبي إسرائيل الذي نَذَرَ أن يَمشي ولا يَركَب ولا يَسْتَظِلّ ولا يتكلَّم، فأمَرَه النبيّ ◌َّهِ أَن يَركَب ويَستَظِلّ ويتكلَّم (١)، وحديث عليٍّ رَفَعَه: ((لا يُتْمَ بعد احتِلامِ، ولا صَمْتَ يومٍ إلى اللَّيل)) أخرجه أبو داود (٢٨٧٣). قال الخطَّبيُّ في شرحه: كان من نُسُك أهل الجاهليّة الصَّمتُ، فكان أحدهم يَعتَكِف اليومَ واللَّيلةَ ويَصمُت، فنُهوا عن ذلك وأُمِروا بالنُّطْقِ بالخير، وقد تقدَّمت الإشارة إلى حديث (١) حديث ابن عباس في قصة أبي إسرائيل سيأتي برقم (٦٧٠٤). ٢٨٢ باب ٢٦ / ح ٣٨٣٤ فتح الباري بشرح البخاري ابن عبّاس في كتاب الحجّ(١)، ويأتي الكلام عليه في كتاب الأيمان والنُّذور (٦٧٠٤) إن شاء الله تعالى. وقال ابن قُدَامةَ في ((المغني)): ليس من شريعة الإسلام الصَّمت عن الكلام، وظاهر ١٥١/٧ الأخبار تحريمُه. واحتَجَّ/ بحديث أبي بكر وبحديث عليٍّ المذكور قال: فإن نَذَرَ ذلك لم يَلْزَمِه الوَفاء به، وبهذا قال الشّافعيّ وأصحاب الرَّأي ولا نَعلَم فيه مخالفاً. انتهى، وكلام الشّافعيَّة يقتضى أنَّ مسألة النَّذر ليست منقولة، فإنَّ الرافعيّ ذكر في كتاب «النَّذر)) أنَّ في تفسير أبي نَصر القُشَيرِيِّ عن القَفّال قال: مَن نَذَرَ أن لا يُكلِّم الآدميِينَ يحتمل أن يقال: يَلزَمه لأنَّه ممّاً يُتَقَرَّب به. ويحتمل أن يقال: لا، لما فيه من التَّضییق والتَّشدید ولیس ذلك من شَرْعنا، كما لو نَذَرَ الوقوفَ في الشمس، قال أبو نَصر: فعلى هذا يكون نَذْر الصَّمْت في تلك الشَّريعة لا في شريعتنا، ذكره في تفسير سورة مريم عند قولها: ﴿إِنِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [٢٦]. وفي ((الَّتِمّة)) لأبي سعيد المتوَلِّ: مَن قال: شَرعُ مَن قبلَنَا شَرعٌ لنا جَعَلَ ذلك قُربةً. وقال ابن الرِّفعة في قول الشَّيخ أبي إسحاق في ((التَّنبيه)»: ويُكرَه له صَمْتُ يومٍ إلى اللَّيل، قال في شرحه: إذ لم يُؤثر ذلك بل جاء في حديث ابن عبّاس النَّھيُ عنه. ثمّ قال: نعم، قد ورد في شَرع مَن قبلَنا، فإن قلنا: إنَّه شَرعٌ لنا لم يُكرَه، إلّا أنَّه لا يُستَحبّ، قاله ابن يونس، قال: وفيه نظر، لأنَّ الماوَرْديّ قال: روي عن ابن عمر مرفوعاً: ((صَمْتُ الصّائمِ تَسبيحٌ))، قال: فإن صَحَّ دَلَّ على مشروعيّة الصَّمت، وإلّا فحديث ابن عبّاس أقلّ دَرَجاته الكراهة. قال: وحيثُ قلنا: إنَّ شَرْعَ مَن قبلَنا شَرٌ لَنا، فذاكَ إذا لم يَرِدِ فِي شَرعنا ما يُخالفه. انتَهَى، وهو كما قال. وقد وَرَدَ النَّهي، والحديث المذكور لا يَثْبُت، وقد أورَدَه صاحب ((مُسنَد الفِرِدَوس)» (٣٧٦١) من حديث ابن عمر وفي إسناده الرَّبيع بن بدر وهو ساقط، ولو ثَبَتَ لمَا أفادَ المقصود لأنَّ لفظه: ((صَمْتُ الصّائم تسبيحٌ، ونومُه عبادةٌ، ودُعاؤُه مُستَجاب)) فالحديث مُساق في أنَّ أفعال الصّائم كلّها محبوبة، لا أنَّ الصَّمت بخُصوصِه مطلوب. (١) في شرح الحديثين (١٨٦٥) و(١٨٦٦). ٢٨٣ باب ٢٦ / ح ٣٨٣٥ كتاب مناقب الأنصار وقد قال الرُّويانيّ في ((البحر)) في آخِرِ الصّيام: فرع: جَرَت عادة الناس بتَركِ الكلام في رمضان، وليس له أصلٌ في شَرعنا بل في شَرع مَن قبلَنا، فيَخرُج جواز ذلك على الخلاف في المسألة. انتَهَى، وليُتعَجَّب مَمَّن نَسَبَ تخريج مسألة النَّذر إلى نفسه من المتأخّرين، وأمَّا الأحاديث الواردة في الصَّمت وفضلِه كحديثٍ: ((مَن صَمَتَ نَجَا)) أخرجه التِّرمِذيّ (٢٥٠١) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص، وحديث: ((أيسَرُ العبادة الصَّمتُ)) أخرجه ابن أبي الدُّنيا بسندٍ مُرسَل رجاله ثقات، إلى غير ذلك، فلا يعارض ما جَزَمَ به الشَّيخ أبو إسحاق من الكراهة لاختلاف المقاصد في ذلك، فالصَّمت المرغَّب فيه تَرْك الكلام الباطل، وكذا المباح إن جَرّ إلى شيء من ذلك، والصمت المنهيُّ عنه ترك الكلام في الحقّ لمن يستطيعُه، وكذا المباح المستوي الطَّرَّفَينِ، والله أعلم. قوله: ((إِنَّكِ)) بكسر الكاف. قوله: (لَسَؤولٌ)) أي: كثيرة السُّؤال، وهذه الصّيغة يَستَوي فيها المذَكَّر والمؤَنَّث. قوله: ((ما بَقاؤُنا على هذا الأمر الصالح)) أي: دين الإسلام وما اشتَمَلَ عليه من العَدل واجتماع الكلمة ونَصْر المظلوم ووَضْع كلِّ شيء في محلِّه. قوله: ((ما استَقامَت بكُم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: لكُم. قوله: ((أئمَّتُكم)) أي: لأنَّ الناس على دين ملوكهم، فمَن حادَ من الأئمّة عن الحال مالَ وأمال. ٣٨٣٥- حدَّثَنِي فَرْوةُ بنُ أبي المَغْراءِ، أخبرنا عليٌّ بنُ مُسهِرٍ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: أسلَمَتِ امرأةٌ سوداءُ لبعض العربِ، وكان لها حِفْشٌ في المسجدِ، قالت: فكانت تَأْتینا فتَحَدَّثُ عندنا، فإذا فرغت من حديثها قالت: ويومُ الوشاحِ من تَعاجيبٍ رَبِّنا أَلَا إِنَّه من بلدةِ الكُفْرِ نجّاني فلمَّا أكثَرَت قالت لها عائشةُ: وما يومُ الوِشاح؟ قالت: خَرَجَت جُوَيِرِيةٌ لبعض أهلي وعليها ٢٨٤ باب ٢٦ / ح ٣٨٣٦ -٣٨٣٧ فتح الباري بشرح البخاري وِشاحٌ من أَدَم، فسَقَطَ منها فانخَطَّت عليه الحُدَيّا وهي تَحَسَبُهُ لحماً، فأخَذَت فاتََّموني به، فعَذَّبوني حتَّى بَلَغَ من أمري أنَّهم طَلَبوا في قُبُلي، فَبَينا هم حَوْلي وأنا في كَرْبي، إذ أقبَلَتِ الخُدَيّا حتَّى وازَت برؤوسِنا، ثمَّ القَته فأخَذوه، فقلتُ لهم: هذا الذي اتَّهَمتُموني به، وأنا مِنه بَريئةٌ. الحديث الخامس: حديث عائشة في قِصّة المرأة السَّوداء، لم أقِفْ على اسمها، وذكر عمر ابن شَبّة في طريق له: أنَّها كانت بمكّة، وأنَّه لمَّا وَقَعَ لها ذلك هاجَرَت إلى المدينة. قوله: ((وكان لها حِفْش)) بكسر المهمَلة وسكون الفاء بعدها مُعجَمة: هو البيت الضَّيِّق الصغير، وقال أبو عُبيدة: الِحِفْش هو الذَّرَج في الأصل ثمَّ سُمّيَ به البيت الصغير لشَبَهِه به في الضّیق. قوله: ((وازَت)) أي: قابَلَت، وقد تقدَّم شرح هذه القِصّة في أبواب المساجد من كتاب الصلاة (٤٣٩)، ووَجْه دخولها هنا من جهة ما كان عليه أهل الجاهليَّة من الجَفاء في الفِعلِ والقولِ. ٣٨٣٦- حدَّثنَا قُتَبةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفر، عن عبدِ الله بنِ دینارٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، عن النبيِّ وََّ قال: ((ألا مَن كان حالفاً فلا يَحِلِفْ إلَّا بالله))، فكانت قُرَيشٌ تَحَلِفُ بآبائها، فقال: ((لا تَحلِفوا بآبائگُم». ٣٨٣٧- حدّثنا يحيى بنُ سليمان، قال: حدَّثني ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمرُّو: أنَّ عبد الرحمنِ ابنَ القاسمِ حدَّثه: أنَّ القاسمَ كان يمشي بين يَدَىِ الجنازةِ، ولا يقومُ لها، ويُخْبِرُ عن عائشةَ قالت: كان أهلُ الجاهليّةِ يقومونَ لها، يقولون إذا رَأوها: كنتِ في أهلِكِ ما أنتِ. مرَّتَيْنِ. السادس: حديث ابن عمر في النَّهي عن الحَلِف بالآباء، وسيأتي شرحه في كتاب الأيمان والنُّذور (٦٦٤٦). السابع: قوله: ((أنَّ القاسم)) هو ابن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق. قوله: ((ولا يقوم لها)) أي: الجِنازة. ٢٨٥ باب ٢٦ / ح ٣٨٣٨ كتاب مناقب الأنصار قوله: ((كان أهل الجاهليّة يقومونَ لها» ظاهره أنَّ عائشة/ لم يَبلُغْها أمرُ الشّارع بالقيام لها، ١٥٢/٧ فرأت أنَّ ذلك من الأُمور التي كانت في الجاهليَّة وقد جاء الإسلام بمُخالَفَتِهم، وقد قَدَّمت في كتاب الجنائز (١٣٠٧) بيان الاختلاف في المسألة وهل نُسِخَ هذا الحُكم أم لا؟ وعلى القول بأنَّه نُسِخَ هل نُسِخَ الوُجوب وبَقيَ الاستحبابُ أم لا؟ أو مُطلَق الجواز؟ واختار بعض الشّافعيَّة الأخير، وأكثر الشّافعيَّة على الكراهة، وادَّعَى المَحامليّ فيه الاتِّفَاقَ، وخالَفَ المتوَلّي فقال: يُستَحَبّ، واختارَه النَّوَويُّ وقال: هذا من جُملة الأحكام التي استَدرَكَتها عائشة على الصحابة لكن كان جانبهم فيها أرجَح. قوله: ((كنتِ في أهلك ما أنتِ، مرَّتَينٍ)) أي: يقولون ذلك مرَّتَينِ، و ((ما)) موصولة وبعض الصِّلة محذوف، والتقدير: كنتِ في أهلك الذي كنت فيه؛ أي: الذي أنتِ فيه الآن كنت في الحياة مثلُه، لأنَّهم كانوا لا يُؤمِنونَ بالبَعْث بل كانوا يَعتَقِدونَ أنَّ الرّوح إذا خَرَجَت تصيرُ طَيراً فإن كان ذلك من أهل الخير كان روحه من صالِحي الطَّير وإلّا فبالعكس، ويحتمل أن يكون قولهم هذا دعاءً للميِّتِ، ويحتمل أن تكون ((ما)) نافية ولفظ: ((مرَّتَينِ)) من تمام الكلام؛ أي: لا تكوني في أهلك مرَّتَينِ: المرّة الواحدة التي كنت فيهم انقَضَت وليست بعائدةٍ إليهم مَرّة أُخرَى. ويحتمل أن تكون ((ما)) استفهاميَّة؛ أي: كنت في أهلك شريفة، فأيُّ شيءٍ أنتِ الآنَ؟ يقولون ذلك حُزناً وتأشُّفاً عليه. الثامن: حديث عمر في قولهم: ((أشِرِق ◌َبیر)). ٣٨٣٨- حدَّثني عَمْرو بنُ عبَّاسٍ، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عَمْرو بنِ مَيْمونٍ قال: قال عمرُ ﴾: إنَّ المشرِكين كانوا لا يُفيضونَ من جَمْعٍ، حتَّى تَشرُقَ الشمسُ على ثَبِيرٍ، فخالَفَهمُ النبيُّ ◌ََّ، فأفاضَ قبلَ أن تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وقد تقدَّم شرحه في كتاب الحجّ مُستَوفَّى (١٦٨٤). وقوله: ((حتَّى تَشرُقَ الشمسُ)) قال ابن التِّين: ضُبطَ بفتح أوَّله وضمّ الراء، والمعروف بضمِّ أوَّله وكسرها. ٢٨٦ باب ٢٦ / ح ٣٨٣٩ -٣٨٤١ فتح الباري بشرح البخاري التاسع: ٣٨٣٩- حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: قلتُ لأبي أسامةَ: حدَّثكم يحيى بنُ المهلَّبِ، حدَّثنا حُصَينٌّ، عن عِكْرمةَ: ﴿وَكَأْسَادِ هَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤]؟ قال: مَلأَى مُتَتابعةٌ. ٣٨٤٠ - قال: وقال ابنُ عبَّاسٍ: سمعتُ أبي يقول في الجاهليّة: اسقِنا كأساً دِهاقاً. قوله: ((حدَّثكم يحيى بن المهلَّب)) هو البَجَليّ، يُكْنى أبا كُدَينَةَ بالتصغير والنُّون، وهو كوفيّ مُوثَّقَ، ما له في البخاريّ سِوى هذا الموضع. قوله: ((مَلَى مُتَتابعة)) كذا جمع بينهما، وهما قولان لأهلِ اللَّغة تقول: أدهَقتُ الكأس: إذا مَلَأَتَها، وأدهَقتُ له: إذا تابَعتَ له السَّقيَ، وقيل: أصل الدَّهْق: الضَّغط، والمعنى: أنَّه مَلَأ اليد بالكَأسِ حتَّى لم يَبقَ فيها مُتَّسَع لغيرها. قوله: ((قال: وقال ابن عبّاس)) القائل هو عِكْرمة، وهو موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((سمعت أبي)) هو العبَّاس بن عبد المطَّلِب. قوله: ((في الجاهليّة)) أي: وَقَعَ سماعي لذلك منه في الجاهليَّة، والمراد بها جاهليَّة نِسبيَّة لا المطلقة، لأنَّ ابن عبّاس لم يُدرِك ما قبل البعثة، بل لم يولد إلّا بعد البعث بنحو عشر سنين، فكأنَّه أراد أنَّه سمعَ العبّاس یقول ذلك قبل أن يُسلم. قوله: ((اسقِنا كأساً دِهاقاً) في رواية الإسماعيليّ من وجهٍ آخرَ عن حُصَين عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: سمعت أبي يقول لغلامهِ: ادهَقْ لنا؛ أي: املأ لنا، أو تابع لنا. انتهى، وهو بمعنى ما ساقَه البخاريّ. الحدیث العاشر: ٣٨٤١- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الملِكِ بنِ عُمَيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ◌َُ قال: قال النبيُّ ◌َِّ: «أصدَقُ كلمةٍ قالها الشّاعرُ كلمةُ لَبِيدٍ: ألا كلُّ شيءٍ ما خَلَ اللهَ باطِلُ وكادَ أُميَّةُ بنُ أبي الصَّلْتِ أن يُسلِمَ)». [طرفاه في: ٦٤٨٩،٦١٤٧] ٢٨٧ باب ٢٦ / ح ٣٨٤١ كتاب مناقب الأنصار قوله: ((سفيان)) هو الثّوريّ. قوله: ((عن عبد الملك)) هو ابن عُمير، ولأحمد (١٠٠٧٤) عن عبد الرحمن بن مَهديّ عن الثَّوريّ: حدَّثنا عبد الملك بن عُمير، ولمسلمٍ (٢٢٥٦/ ٣) من هذا الوجه عن عبد الملك: حدَّثنا أبو سَلَمة، وله (٦/٢٢٥٦) من طريق إسرائيل عن عبد الملك عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن: سمعت أبا هريرة. قوله: ((أصدَقُ كلمةٍ قالها الشّاعر)) يحتمل أن يريد بالكلمة البيتَ الذي ذكر شَطْره، ويحتمل أن يريد القصيدة كلَّها، ويُؤْيِّد الأوَّل رواية مسلم (٢٢٥٦/ ٤و٥) من طريق شُعْبة وزائدةَ، فَرَّقَهما، عن عبد الملك بلفظ: ((إنَّ أصدَق بيت قاله الشّاعر)) وليس في رواية شُعْبة: ((إنَّ))(١)، ووَقَعَ عنده (٢/٢٢٥٦) في رواية شَرِيك عن عبد الملك بلفظ: ((أشعَر كلمة تَكلَّمَت بها العرب)»، فلولا أنَّ في حِفظ شَرِيك مقالاً لَرَفَعَ هذا اللَّفظ الإشكال الذي أبداه السُّهَيليّ على لفظ رواية ((الصحيح)) بلفظ: ((أصدَق)) إذ لا يَلزَم من لفظ: ((أشعَر)) أن يكون أصدَق، نَعَم السُّؤال باقٍ في التعبير بوَصفِ كلّ شيء بالبُطْلان مع اندراج الطاعات والعبادات في ذلك وهي حَقٌّ لا محالةَ، وكذا قوله وَِّ فِي دُعائه باللَّيلِ: ((أنتَ الحقّ وقولك الحقّ، والجنَّة حَقّ والنار حَقّ ... )) إلى آخِرِه(٢). وأُجيب عن ذلك بأنَّ المراد بقولِ الشّاعر: ما عَدَا اللهَ باطل، أي: ما عَداه وعَدا صفاته الذّاتيّة / والفِعليَّة من رحمته وعذابه وغير ذلك، فلذلك ذكر الجنَّة والنار، أو المراد في البيت ١٥٣/٧ بالبُطْلان الفَناءُ لا الفساد، فكلّ شيء سِوَى الله جائز عليه الفَناء لذاته حتَّى الجنَّة والنار، وإِنَّمَا يَبقَيان بإبقاءِ الله لهما وخَلْق الدَّوام لأهلِهما، والحقُّ على الحقيقة مَن لا يجوز عليه الزَّوال لذاتِهِ، ولعلَّ هذا هو السِّ في إثبات الألف واللام في قوله: «أنتَ الحقّ، وقولُك الحقّ، ووَعْدُك الحقّ)) وحَذَفَهما عند ذِكْر غيرهما، والله أعلم. (١) ولفظ طريق زائدة عنده: ((إن أصدق كلمة))، واللفظ المذكور للحميدي في ((مسنده)) (١٠٥٣). (٢) سلف برقم (١١٢٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ٢٨٨ باب ٢٦ / ح ٣٨٤١ فتح الباري بشرح البخاري وفي إيراد البخاريّ هذا الحديث في هذا الباب تَلميح بما وَقَعَ لعثمان بن مظعون بسبب هذا البيت مع ناظِمِه لَبيد بن ربيعة قبل إسلامه، والنبيّ وَلَ يومَئذٍ بمَّة وقُرَيش في غاية الأذيَّة للمسلمين، فذكر ابن إسحاق عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف عَمَّن حدَّثه عن عثمان بن مَظعون: أنَّه لمَّا رَجَعَ من الهجرة الأولى إلى الحبشة دَخَلَ مگّة في چِوار الوليد بن المغيرة، فلمَّا رأى المشركين يُؤْذونَ المسلمين وهو آمِنٌ رَدَّ على الوليد چِواره، فبينما هو في مَجلِسٍ لِقُرَيشٍ وقد وفَدَ عليهم ◌َبيد بن ربيعة، فقَعَدَ يُنشِدُهم من شِعره فقال کبید: أَلا كلُّ شيءٍ ما خَلا الله باطِلُ قال عثمان بن مظعون: صَدَقت، فقال ◌َبید: وكلّ نَعيمٍ لا محالةَ زائلُ فقال عثمان: كَذَبتَ، نعيم الجنَّة لا يزول. فقال لَبيد: متى كان يُؤذَى جَليسُكم يا مَعشَر قُرَيش؟ فقامَ رجل منهم فلَطَمَ عثمان فاخضَرَّت عينُه، فلامَه الوليد على رَدّ جِوَاره فقال: قد كنتَ في ذِمّة مَنيعة، فقال عثمان: إنَّ عيني الأُخرَى إلى ما أصاب(١) أُختها لَفقيرةٌ، فقال له الوليد: فعُد إلى جوارك، فقال: بل أرضی بجوار الله تعالی. قلت: وقد أسلمَ لَبید بعد ذلك، وهو ابن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن کِلاب ابن رَبيعة بن عامر العامريّ ثمَّ الكِلابيّ ثمَّ الجعفريّ، يُكْنى أبا عَقيل. وذكره في الصحابة البخاريّ وابن أبي خَيْئمةَ وغيرهما. وقال لعمرَ لمَّا سألَه عَّا قاله من الشِّعر في الإسلام: قد أبدَلَني الله بالشِّعرِ سورة البقرة. ثمَّ سَكَنَ الكوفة ومات بها في خلافة عثمان، وعاشَ مئةً وخمسين سنة، وقيل: أكثر، وهو القائل: ولقد سَئِمتُ منَ الحياة وطُولِها وسؤالِ هذا الناسِ كيف لَبِيدُ وهذا يُعكِّر على مَن قال: إنَّه لم يَقُل شِعراً مُنذُ أسلَم، إلّا أن يريد القِطَع المطوّلة لا البيتَ (١) في (س): لما أصاب. ٢٨٩ باب ٢٦ / ح ٣٨٤١ كتاب مناقب الأنصار والبيتَينِ، والله أعلم. قوله: ((وكادَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت أن يُسلِمِ)) اسم أبي الصَّلْت ربيعة بن عَوْف بن عُقْدةَ بن غِيَرة - بكسر المعجَمة وفتح التحتانيّة - بن عَوْف بن ثَقيف الثَّقَفيّ، وقيل في نَسَبه غير ذلك، أبو عثمان. كان ممَّن طلبَ الدِّين ونظرَ في الكتب، ويقال: إنَّه مَمَّن دَخل في النَّصرانيَّة، وأكثرَ في شِعره من ذِكْر التوحيد والبعث ويوم القيامة، وزَعَمَ الكَلاباذيّ أنَّه كان يهوديّاً. وروى الطبرانيُّ (٧٢٦٢) من حديث معاوية بن أبي سفيان عن أبيه: أنَّه سافَرَ مع أُميَّة، فذكر قِصَّةً، وأنَّه سألَه عن عُتبة بن ربيعة وعن سِنّه ورِياسته، فأعلمَه أنَّه مُتَّصِف بذلك فقال: أَزَرَى به ذلك، فغَضِبَ أبو سفيان، فأخبَرَه أُميَّة أنَّه نظرَ في الكتب أنَّ نبيّاً يُبعَث من العرب أظَلّ زمانُه، قال: فَرَجَوت أن أكونَه، قال: ثمَّ نظرت فإذا هو من بني عبد منافٍ، فنظرت فيهم فلم أرَ مثل عُتبة، فلمَّا قلتَ لي: إنَّه رئيس وإنَّه جاوَزَ الأربعين عَرَفت أنَّه ليس هو، قال أبو سفيان: فما مَضَت الأيام حتَّى ظَهَرَ محمد ◌َّهِ فقلت لأُميَّة، قال: نعم إنَّه لَهَو، قلت: أفَلا نَتَّبعه؟ قال: أستَحبي من نُسَيّات ثَقيفٍ، إنّي كنت أقول لهنَّ: إنَّني أنا هو، ثمَّ أصير تابعاً لغلامٍ من بني عبد منافٍ! وذكر أبو الفَرَج الأصبهانيُّ أنَّه قال عند موته: أنا أعلم أنَّ الحَنيفيَّةِ حَقّ، ولكنَّ الشكّ يُداخلني في محمد. وروى الفاكِهِيّ (١٩٧٣) وابن مَندَهْ من حديث ابن عبّاس: أنَّ الفارعة بنت أبي الصَّلْت أُخت أُميَّة أتت النبيّ وَّهِ فأنشَدَته من شِعره فقال: / «آمَنَ شِعرُه وكفرَ ١٥٤/٧ قلبه)). وروى مسلم (٢٢٥٥) من حديث عَمْرو بن الشَّريد عن أبيه قال: رَدِفت النبيَّ وَّل فقال: ((هل معك من شِعر أُميَّة؟)) قلت: نعم، فأنشدته مئةَ بيتٍ، فقال: ((لقد كاد أن يُسلِم في شِعره))، وروى ابن مَرْدويه بإسنادٍ قويّ عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص قال في قوله تعالى: ﴿وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥]، قال: نزلت في أُميَّة بن أبي الصَّلْت. ورويَ من أوجُهِ أُخرَى أَها نزلت في بلعام الإسرائيليّ وهو المشهور. ٢٩٠ باب ٢٦ / ح ٣٨٤٢ فتح الباري بشرح البخاري وعاشَ أُميَّة حتَّى أدرَكَ وقعة بدر ورَثَى مَن قُتِلَ بها من الكفَّار كما سيأتي شيءٌ من ذلك في أبواب الهجرة، ومات أُميَّة بعد ذلك سنة تسع، وقيل: مات سنة اثنتَينِ، ذكره سِبْط ابن الجَوْزيّ، واعتَمَدَ في ذلك على ما نَقَلَه عن ابن هشام: أنَّ أُميَّةَ قَدِمَ من الشّام على أن يأخُذ ماله من الطائف ويُهاجر إلى المدينة، فنزلَ في طريقه بيدٍ، قيل له: أتدري مَن في القَليب؟ قال: لا، قيل: فيه عُتبة وشَيْبة وهما ابنا خالك وفلان وفلان، فشَقَّ ثيابه وجَدَعَ ناقتَه وبحَى، ورجع إلى الطائف فماتَ بها. قلت: ولا يَلزَم من قوله: ((فماتَ بها)) أن يكون مات في تلك السَّنة. وأغرَبَ الكَلَاباذيّ فقال: إنَّه مات في حِصَار الطائف، فإن كان محفوظاً فذلك سنة ثمانٍ، ولموتِه قِصّة طويلة أخرجها البخاريّ في ((تاريخه)) والطبرانيُّ وغيرهما. الحديث الحادي عشر: ٣٨٤٢- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني أخي، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم، عن القاسم بنٍ محمَّدٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكرٍ غلامٌ يُخْرِجُ له الخَراجَ، وكان أبو بكرٍ يأكلُ من خَراجه، فجاء يوماً بشيءٍ فأكَلَ منه أبو بكرٍ فقال له الغلامُ: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ: وما هو؟ قال: كنتُ تَكَهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهليَّةِ وما أُحِنُ الكِهانةَ، إلا أنَّ خَدَعتُهُ فَلَقْيَتِي فأعطاني بذلكَ، فَهَذا الذي أُكَلتَ مِنه، فأدخَلَ أبو بكرِ يدَه، فقاءَ كلَّ شيءٍ في بَطنِهِ. قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أوَيس، وأخوه أبو بكر: عبد الحميد، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاريّ، والإسناد كلُّه مَدَنّون، وفيه رواية القَرِين عن القَرِين ورواية الأكبر سِنّاً عن الأصغر منه: يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم، وقد أخرجه البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٥٧٧٠) من طريق جعفر الفِرْيابيّ عن أحمد بن محمد المقدَّميّ عن إسماعيل بن أبي أُوَيس بهذا السَّنَد، لكن قال فيه: عن عُبيد الله بن عمر بَدَل عبد الرحمن بن القاسم، فلعلَّ لیحیی ابن سعيد فيه شیخَينِ. ٢٩١ باب ٢٦ / ح ٣٨٤٢ كتاب مناقب الأنصار قوله: ((كان لأبي بكر غلام)) لم أقِفْ على اسمه، ووَقَعَ لأبي بكر مع النُّعَيمان بن عَمْرو أحد الأحرار من الصحابة قصّةٌ ذكرها عبد الرَّزاق (٢٠٣٤٦) بإسنادٍ صحيح(١): أنَّهم نزلوا بماءٍ، فجَعَلَ النُّعَيمان يقول لهم: يكون كذا، فيأتونَه بالطَّعام فيُرسِله إلى أصحابه، فَبَلَغَ أبا بكر فقال: أُراني آكلُ كِهانةَ الُّعَيمان منذُ اليومَ، ثمَّ أدخَلَ يده في حَلْقه فاسَتَقَاءَه. وفي ((الوَرَع)) لأحمد عن إسماعيل عن أيوب عن ابن سيرين: لم أعلم أحداً استقاءَ من طعام غير أبي بكر، فإنَّه أُتيَ بطعام فأكَلَ ثمَّ قيل له: جاء به ابن النُّعَيمان، قال: فأطعَمتُموني کهانة ابن النُّعيمان، ثمّ استقاءً، ورجاله ثقات لكنَّه مُرسل، ولأبي بكر قِصّة أُخرَى في نحو هذا أخرجها يعقوب بن شَيْبة في (مُسنَده)) من طريق نُبَيح العَنزيّ عن أبي سعيد قال: كنّا نَنزِل رِفاقاً، فنزلت في رُفقة فيها أبو بكر على أهل أبياتٍ فيهِنَّ امرأة حُبلَى ومعنا رجل، فقال لها: أُبشّرك أن تَلِدي ذكراً، قالت: نعم، فسَجَعَ لها أسجاعاً. فأعطَته شاة فذَبَحَها وجَلَسنا نأكُل، فلمَّا عَلِمَ أبو بكر بالقصّة قامَ فتَقاياً كلَّ شيء أكَلَه. قوله: ((يُخْرِج له الخَرَاج)) أي: يأتيه بما يَكسِبه، والخَراج: ما يُقرِّره السَّيِّد على عبده من مالٍ ◌ُضِره له من گَسْبه. قوله: ((يأكل من خَراجه)» في رواية الإسماعيليّ من وجهٍ آخَر من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم: كان لأبي بكر غلام، فكان يَجيء بكَسْبه فلا يأكل منه حتَّى يسألَه، فأتاه ليلة بكَسْبه فأكَلَ منه ولم يسأله، ثمّ سألَه. قوله: (كنت تَكَهَّنت لإنسانِ في الجاهليَّة)) لم أعرِف اسمَه، ويحتمل أن تكون المرأة المذكورة في حديث أبي سعيد. قوله: «فأعطاني بذلك» أي: عِوَض تگھُّني له. قال ابن التِّين: إِنَّمَا استَقَاءَ أبو بكر تَنْزُّهاً، لأنَّ أمر الجاهليّة وُضِعَ ولو كان في الإسلام لَغَرِمَ مثل ما أكَلَ أو قيمتَه ولم يَكفِهِ القَيءُ، كذا قال، والذي يَظهَر أنَّ أبا بكر إنَّما قاءَ لمَا (١) رواه عن معمر عن أيوب عن ابن سِيرِين مرسلاً، ورجاله ثقات. ٢٩٢ باب ٢٧ / ح ٣٨٤٣-٣٨٤٥ فتح الباري بشرح البخاري ثَبَتَ عنده من النَّهي عن حُلْوان الكاهن(١)، وحُلوانُ الكاهن: ما يأخُذه على كِهانته، والكاهن: مَن يُخبر بما سَيكون عن غير دليل شَرعيّ، وكان ذلك قد كَثُرَ في الجاهليّة ١٥٥/٧ خصوصاً قبل ظُهور / النبيّ وَلِّ. ٣٨٤٣- حدّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى عن عُبيدِ الله، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: كان أهلُ الجاهليَّةِ يَتَبايعونَ لحومَ الجَزُورِ إلى حَبَلِ الحَبَلَةِ، قال: وحَبَلُ الحَبَلةِ: أن تُنْتَجَ الناقةُ ما في بَطنِها، ثمَّ تَحمِلَ التي نُتِجَت، فنَهاهمُ النبيُّ ◌َّ عن ذلكَ. ٣٨٤٤- حدَّثنا أبو التُّعمان، حدَّثْنا مَهديٌّ، قال غَيْلانُ بنُ جَرِير: كنَّا نأتي أنسَ بنَ مالكٍ فيُحدِّثُنا عن الأنصار، وكان يقول لي: فَعَلَ قومُكَ كذا وكذا يومَ كذا وكذا، وفَعَلَ قومُكَ كذا وكذا یومَ كذا وكذا. الحديث الثاني عشر: حديث ابن عمر في حَبَل الخَبَلة، وقد تقدَّم شرحُه مُستَوقَى في البيوع (٢١٤٣)، والغرض منه قوله: ((إنَّهم كانوا يَتَبايعونَه في الجاهليَّة)). الحديث الثالث عشر: حديث أنس الذي تقدَّم في أوَّل مناقب الأنصار (٣٧٧٦)، وأدخَلَه هنا لقولِه: ((فعَلَ قومُك كذا يوم كذا، لأنَّه يحتمل أن يشير به إلى وقائعهم في الجاهليّة كما يحتمل أن يشير به إلى وقائعهم في الإسلام، أو لمَا هو أعَمّ من ذلك، وخاطَبَ أنسٌ غَيْلانَ بأنَّ الأنصار قومُه، وليس هو من الأنصار، لكن ذلك باعتبار النِّسبيَّة الأعَمّيَّة إلى الأزد فإنَّها تَجمَعهم، والله أعلم. ٢٧ - [باب القَسَامة في الجاهليَّة](٢) ٣٨٤٥- حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا قَطَنٌّ أبو الهيثم، حدَّثنا أبو يزيدَ المدَنيُّ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: إنَّ أوَّلَ قَسَامةٍ كانت في الجاهليَّةِ لَفِينا بني هاشمٍ، كان رجلٌ من بني هاشمٍ استَأجَرَه رجلٌ من قُرَيشٍ من فَخِذٍ أُخَرَى، فانطَلَقَ معه (١) حديث النهي عن حلوان الكاهن سلف برقم (٢٢٣٧) من حديث أبي مسعود الأنصاري ﴾. (٢) لم تقع هذه الترجمة في الأصلين، وقد ذكر الحافظ في أول شرحه لهذا الباب عدم وقوعها عند النسفي وأنه الأوجه، وأنها ثبتت عند أكثر الرواة عن الفربري. ٢٩٣ باب ٢٧ / ح ٣٨٤٥ كتاب مناقب الأنصار في إبلِهِ، فمرَّ رجلٌ به من بني هاشم قد انقَطَعَت عُرْوةُ جُوَالَقِهِ، فقال: أغِثْنِي بعِقالٍ أَشُدُّ به عُزْوةَ جُوَالَقي لا تَنِفِرُ الإبلُ، فأعطاه عِقالاً فشَدَّ به عُرْوةَ جُوالَقِه، فلمَّا نزلوا عُقِلَتِ الإبلُ إلا بعيراً واحداً، فقال الذي استأجَرَه: ما شأنُ هذا البعيرِ لم يُعقَلْ من بينِ الإبلِ؟ قال: ليس له عِقالٌ، قال: فأين عِقَالُه؟ قال: فحَذَفَه بعَصاً كان فيها أجَلُه، فمَرَّ به رجلٌ من أهلِ اليَمَنِ، فقال: أَتَشهَدُ الموسِمَ؟ قال: ما أشهَدُ ورُبَّما شَهِدتُه، قال: هل أنتَ مُبلِغٌ عِنِّي رسالةً مَرّةً مِن الدَّهرِ؟ قال: نعم، قال: فكتبَ: إذا أنتَ شَهِدتَ الموسِمَ، فنادٍ: يا آلَ قُرَيشٍ، فإذا أجابوكَ، فنادٍ: يا آلَ بني هاشم، فإن أجابوكَ فَسَلْ عن أبي طالبٍ، فأخبِرِه أنَّ فلاناً قَتَلَني في عِقالٍ، وماتَ المستَاجَرُ. فلمَّا قَدِمَ الذي استَأجَرَه أتاه أبو طالبٍ، فقال: ما فَعَلَ صاحبُنا؟ قال: مَرِضَ فأحسنتُ القيامَ عليه، فَوَلِيتُ دَفْتَه، قال: قد كان أهلَ ذاكَ مِنكَ، فمَكَثَ حيناً ثُمَّ إِنَّ الرَّجلَ الذي أوصَى إليه أن يُبُلِغَ عنه وافَ الموسِمَ فقال: يا أَلَ قُرَيشٍ، قالوا: هذه قُرَيشٌ، قال: يا بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: مَن أبو طالبٍ؟ قالوا: هذا أبو طالبٍ، قال: أمَرَني فلانٌ أن أُبْلِغَكَ رسالةً: أنَّ فلاناً قَتَلَه في عِقالٍ، فأتاه أبو طالبٍ فقال له: اختَرَ منّا إحدَى ثلاثٍ: إن شِئتَ أن تُؤَدّيَ مئةً مِن الإبلِ، فَإِنَّكَ قَتَلتَ صاحبَنًا، وإن شِئتَ حَلَفَ خمسونَ من قومِكَ إِنَّكَ لم تَقْتُلْه، فإن أَبِيتَ قتلناكَ به، فأتى قومَه فقالوا: نَحلِفُ، فأنتتْهُ امرأةٌ من بني هاشمٍ كانت تحتَ رجلٍ منهم قد وَلَدَت له فقالت: يا أبا طالبٍ، أُحِبُّ أن تُجيزَ ابني هذا برجلٍ مِن الخمسين، ولا تَصبُرْ يَمينَه حيثُ تُصْبِرُ الأيمانُ، ففَعَلَ، فأتاه رجلٌ منهم فقال: يا أبا طالبٍ، أردتَ خمسين رجلاً أن يَحِلِفوا مكان مئةٍ مِن الإبلِ، يُصيبُ كلَّ رجلٍ بَعيرانٍ، هذان بَعيرانٍ، فاقبلْهما عنِّي ولا تَصْبُرْ يَميني حيثُ تُصبِّرُ الأيمانُ، فَقَبِلَهما، وجاء ثمانيةٌ وأربعونَ فحَلَفوا. قال ابنُ عبّاسٍ: فوَالّذي نفسي بَيَدِه، ما حالَ الحولُ ومنَ الثَّمانيةِ وأربعين عينٌ تَطِفُ. الحديث الرابع عشر (١): حديث القَسَامة في الجاهليَّة بطولِه، وثَبَتَ عند أكثر الزُّواة عن الفِرَبريّ هنا ترجمة: ((القَسامة في الجاهليّة))، ولم يقع عند النَّسَفيّ وهو أوجَه، لأنَّ الجميع من ترجمة أيام الجاهليّة، ويَظهَر ذلك من الأحاديث التي أورَدَها تِلْو هذا الحديث. (١) وقع في (س) بدلاً منه: ((قوله: باب القسامة)). ٢٩٤ باب ٢٧ / ح ٣٨٤٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدَّثْنا قَطَن)) بفتح القاف والمهمَلة ثمَّ نون: هو ابن كعب القُطَعيّ بضمِّ القاف البصريّ، ثقة عندهم، وشيخه أبو يزيد المدنيّ بصريّ أيضاً ويقال له المدينيّ بزيادة تحتانيَّة، ولعلَّ أصله كان من المدينة، ولكن لم يَروِ عنه أحد من أهل المدينة، وسُئِلَ عنه مالكٌ فلم يَعِرِفه ولا عَرفَ اسمَه، وقد وثَّقه ابن مَعِين وغيره، وما له ولا للراوي عنه في البخاريّ إلّا هذا الموضع. قوله: ((إنَّ أَوَّل قَسَامة)) بفتح القاف وتخفيف المهمَلة: اليمينُ، وهي في عُرف الشَّرع: حَلِفٌ مُعيَّنٌ عند التُّهمة بالقتلِ على الإثبات أو النَّفي. وقيل: هي مأخوذة من قِسمة الأيمان ١٥٧/٧٠ على الحالِفينَ. / وسيأتي بيان الاختلاف في حُكمها في كتاب الدّيات(١) إن شاء الله تعالى. وقوله: ((لَفينا بني هاشم)) اللّام للتأكيد، و((بني هاشم)) مَجَرور على البَدَل من الضَّمير المجرور، ويحتمل أن يكون نصباً على التمييز، أو على النِّداء بحذف الأداة. قوله: ((كان رجل من بني هاشم)) هو عَمْرو بن عَلقَمة بن المطَّلِب بن عبد منافٍ، جَزَمَ بذلك الزُّبَير بن بكّار في هذه القِصّة، فكأنَّه نَسَبَ هذه الرِّواية إلى بني هاشم مجازاً لما كان بين بني هاشم وبني المطّلِب من الموَدّة والمؤاخاة والمناصَرة، وسَّاه ابن الكَلْبيّ عامراً. قوله: ((استأجَرَه رجل من قُرَيش من فَخِذٍ أُخَرَى)) كذا في رواية الأَصِيليّ وأبي ذرٍّ، وكذا أخرجه الفاكِهِيّ من وجهٍ آخَر عن أبي مَعمَر شيخ البخاريّ فيه. وفي رواية كَرِيمة وغيرها استأجَرَ رجلاً من قُرَيش، وهو مَقلوب، والأوَّل هو الصواب. والفَخِذ بكسر المعجَمة وقد تُسكَّن. وجَزَمَ الزُّبَير بن بكّار بأن المستأجِرَ المذكور هو خِداش - بمُعجَمَتَينِ ودالٍ مُهمَلة - ابن عبد الله بن أبي قيس العامريّ. قوله: ((فمرَّ به)) أي: بالأجير ((رجل من بني هاشم)) لم أقِفْ على اسمه. وقوله: ((عُرْوةُ ◌ُوَالَقِهِ)) بضمِّ الجيم وفتح اللّام: الوعاء من جُلود وثياب وغيرها، فارسيّ مُعَرَّب، وأصله كواله: وجمعه جَوَاليق، وحُكِيَ جَوَالِقِ بحذف التحتانيَّة، والعِقالُ: الحَبْل. (١) باب (٢٢): القسامة. ٢٩٥ باب ٢٧ / ح ٣٨٤٥ كتاب مناقب الأنصار قوله: ((فأین عِقاله؟ قال: فحَذَفَه» کذا في النُّسَخ، وفيه حذفٌ يدلّ علیه سياق الكلام، وقد بَيَّتَتَه روايةُ الفاكِهِيّ: فقال: مَرَّ بي رجل من بني هاشم قد انقَطَعَ عُرْوة جُوالَقِه، واستغاثَ بي فأعطَيْتُه، فحَذَفَه(١)؛ أي: رَماه. قوله: «کان فيها أجَلُه» أي: أصاب مقتله. وقوله: ((فمات)) أي: أشرَفَ على الموت، بدليل قوله: «فمرَّ به رجل من أهل الیمن قبل أن يقضيَ))، ولم أقِف على اسم هذا المارّ أيضاً. قوله: («أتشهَدُ الموسِم؟)) أي: مَوسِم الحجّ. قوله: ((فكَتَبَ)) بالمثنّاة ثمَّ الموحّدة، ولغير أبي ذرِّ والأَصِيلِيّ بضمِّ الكاف وسكون النُّون ثُمَّ المثنّاة والأوَّل أوجَه، وفي رواية الزُّبَير بن بكّار: فَكَتَب إلى أبي طالب يُخبره بذلك وماتَ منها، وفي ذلك يقول أبو طالب: أَفي فَضْلِ حَبْلٍ لا أبالكْ ضَربتَه بِمِنسَأَةٍ قدجاء حَبْلٌ وأَجبُلُ قوله: ((يا آلَ قُريش)» بإثبات الهمزة وبحذفها على الاستغاثة. قوله: «قتلني في عقال» أي: بسبب عِقال. قوله: ((ومات المستأجَر)) بفتح الجيم، أي: بعد أن أوضَى اليَمَانيّ بما أوصاه به. قوله: ((فَوَلِيتُ)) بكسر اللّام، وفي رواية ابن الكَلْبيّ: فقال: أصابه قَدَرُه، فصَدَّقوه ولم يَظُنّوا به غير ذلك. وقوله: ((وافَى الموسِم)) أي: أتاه. قوله: ((يا بني هاشم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: يا أَلَ بني هاشم. قوله: ((مَن أبو طالب؟)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أين أبو طالب؟)) زاد ابن الكَلْبيّ: فأخبَرَه بالقِصّة وخِداش يطوف بالبيت لا يَعلَم بما كان، فقامَ رجال من بني هاشم إلى خداش فضَرَبوه وقالوا: قتلتَ صاحبنا، فجَحَدَ. (١) وبهذا اللفظ أخرجه النسائي برقم (٤٧٠٦)، ولم نقف عليه في المطبوع من ((أخبار مكة)) للفاكهي. ٢٩٦ باب ٢٧ / ح ٣٨٤٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((اختَرَ منّا إحدى ثلاث)) يحتمل أن تكون هذه الثلاث كانت معروفةً بينهم، ويحتمل أن تكون شيئاً اختَرَعَه أبو طالب. وقال ابن التِّين: لم يُنقَل أنَّهم تَشاوروا في ذلك ولا تَدافَعوا، فدَلَّ على أنَّهم كانوا يَعرِفونَ القَسامة قبل ذلك. كذا قال، وفيه نظر، لقولِ ابن عبّاس راوي الحديث: ((إنَّها أوَّل قَسَامة))، ويُمكِن أن يكون مُراد ابن عبّاس الوقوعَ وإن كانوا يعرفون الحُكم قبل ذلك، وحَكَى الزُّبَير بن بكّار: أنَّهم تَحاكموا في ذلك إلى الوليد بن المغيرة، فقَضَى أن يَحِلِفِ خمسونَ رجلاً من بني عامر عند البيت: ما قتله خِداش، وهذا يُشعِرِ بالأوَّليَّةَ مُطلَقاً. قوله: ((فأتتهُ امرأةٌ من بني هاشم)) هي زينب بنت عَلَقَمة أُخت المقتول («كانت تحت رجل منهم)) هو عبد العُزَّى بن أبي قيس العامريّ، واسم ولدها منه حوَيطِب، بمُهمَلَتَيْنِ مُصغَّر، وذكر ذلك الزُّبَير. وقد عاشَ حوَيطِب بعد هذا دهراً طويلاً، وله صُحْبة، وسيأتي حديثه في كتاب الأحكام (٧١٦٣). ونسبتها إلى بني هاشم مجازيَّة، والتقدير: كانت زوجاً لرجلٍ من بني هاشم. ويحتمل قولها: فَوَلَدَت له ولداً، أي: غير حوَيطِب. قوله: ((أن تُجيز ابني)) بالجيم والزّاي، أي: تَهَبَه ما يَلزَمه من اليمين. وقولها: ((ولا تَصبُرُ يَمينَه)) بالمهمَلة ثمَّ الموخَّدة، أصل الصَّبْر: الحبس والمنع، ومعناه في الأيمان: الإلزامُ، تقول: صَبَّرته، أي: ألزمته أن يَحِلِف بأعظم الأيمان حتَّى لا يَسعَه أن لا يَحَلِف. قوله: ((حيثُ تُصَبَرَ الأيمان)) أي: بين الرُّكن والمقام، قاله ابن التِّين. قال: ومن هنا استَدَلَّ الشّافعيّ على أنَّه لا يَلِفُ بين الرُّكن والمقام على أقلّ من عشرين ديناراً نِصاب الزكاة، كذا قال، ولا أدري كيف يَستَقيم هذا الاستدلال، ولم يذكر أحد من أصحاب الشّافعيّ أنَّ الشّافعيّ استَدَلَّ لذلك بهذه القِصّة. قوله: ((فأتاه رجل منهم)) لم أقِفْ على اسمه ولا على اسم أحد من سائر الخمسين إلّا مَن تقدَّم، وزاد ابن الكَلْبِيّ: ثُمَّ حَلَفوا عند الزُّكن أنَّ خِداشاً بريءٌّ من دَم المقتولِ. قوله: ((فوالذي نفسي بيَدِه)) قال ابن التِّين: كأنَّ الذي أخبر ابن عبّاس بذلك جماعة اطمأنَّت نفسُه إلى صِدقهم حتَّى وَسِعَه أن يَحِلِف على ذلك. قلت: يعني أنَّه كان حين ٢٩٧ باب ٢٧ / ح ٣٨٤٦ كتاب مناقب الأنصار القَسامة لم يولد، ويحتمل أن يكون الذي أخبَرَه بذلك هو النبيّ وََّ، وهو أمكنُ في دخول هذا الحديث في ((الصحيح)). قوله: ((فما حالَ الحول)) أي: من يوم حَلَفوا. قوله: ((ومن الثَّانية وأربعين)) في رواية أبي ذرٍّ: وفي الثَّانية، وعند الأَصِيلِيّ: والأربعين. قوله: ((عينٌ تَطِرِف)) بكسر الراء، أي: تَتَحَّك. زاد ابن الكَلْبِيّ: ((وصارت رِباع الجميع لحَوَيطِبٍ، فبذلك كان أكثر مَن بمكَّة رِباعاً)). وروى الفاكِهِيّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن أبيه قال: حَلَفَ ناس عند البيت قَسَامةً على باطل، ثمَّ خَرَجوا فنزلوا تحت صخرة فانهَدَمَت عليهم، ومن طريق طاؤُوسٍ قال: كان أهل الجاهليَّة لا يُصيبونَ في الحَرَم شيئاً إلّا عُجِّلَت لهم عُقوبَته، ومن طريق حوَيطِب: أنَّ أَمَةً في الجاهليَّة عاذَت بالبيت، فجاءتها سَيِّدَتها فَجَبَذَتها فشَلَّت يدها. وروِّينا في كتاب ((مجابي الدَّعوة)) لابنِ أبي الدُّنيا في قِصّة طويلة في معنى سُرعة الإجابة بالحَرَمِ للمَظلومِ فيمَن ظَلَمَه قال: فقال عمر: كان يُفعَل بهم ذلك في الجاهليّة ليَتَنَاهَوا عن الظَّلم لأنَّهم كانوا لا يَعِرِفونَ البَعث، فلمَّا جاء الإسلام أخّرَ القِصاص إلى يوم القيامة. وروى الفاكِهِيّ(١) من وجه آخر عن طاؤُوسِ قال: يُوشِك أن لا يُصيب أحد في الحَرَم شيئاً إلّا عُجِّلَت له العُقوبة، فكأنَّه أشارَ إلى أنَّ ذلك يكون في آخر الَّمان عند قَبْض العلم وتَناسي أهل ذلك الزَّمان أُمورَ الشَّريعة، فيعود الأمر غريباً كما بَدَأ، والله أعلم. الحدیث الخامس عشر: ٣٨٤٦- حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً رضي الله عنها قالت: كان يومُ بُعاثٍ يوماً قَدَّمَه الله لِرسولِهِ وَّةِ، فَقَدِمَ رسولُ الله ◌َّةِ، وقدِ افْتَرَقَ مَلَؤُّهم، وقُتِلَت سَرَواتُهم، وجُرِّحوا، قَدَّمَه الله لِرسولِهِ وَّ في دخولهِم في الإسلامِ. قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة. (١) وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٨٨٦٥). ٢٩٨ باب ٢٧ / ح ٣٨٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((يوم بُعاث)) تقدَّم شرحه في أوَّل مناقب الأنصار (٣٧٧٧)، وأنَّه كان قبل البعث على الراجح. وقوله فيه: ((وجُرِحوا)) بالجيم المضمومة ثمَّ الحاء المهمَلة، ولبعضهم: ((وخَرَجوا)) بفتح المعجَمة وتخفيف الراء بعدها جيم، والأوَّل أرجح، وقد تقدَّم مِن تسمية مَن ◌ُرِحَ منهم في تلك الوقعة: حُضَیر الكتائب والد أُسیدٍ فمات منها. الحدیث السادس عشر: ٣٨٤٧- وقال ابنُ وَهْبٍ: أخبرنا عَمْرٌو، عن بُكَيِرِ بنِ الأشَجِّ، أنَّ كُرَیباً مَولَ ابنِ عبّاسٍ حدَّثه: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: ليس السَّعيُ ببطنِ الوادي بين الصَّفا والمروةِ سُنّةً، إِنَّا كان أهلُ الجاهليّةِ يَسعَوتَها ويقولون: لا نُجيزُ البَطحاءَ إِلَّ شَدّاً. قوله: ((قال ابن وَهْب ... )) إلى آخره، وَصَلَه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق حَرمَلة ابن یحیی عن عبد الله بن وَهْب. قوله: «ليس السَّعيُ)) أي: شِدّة المشي. قوله: ((سُنّةً)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بسُنّةٍ)). قال ابن التِّين: خُولِفَ ابن عبّاس في ذلك بل قالوا: إنَّه فريضة. قلت: لم يُرِد ابن عبّاس أصل السَّعي، وإنَّما أراد شِدّة العَدْو، وليس ذلك فريضة. وقد تقدَّم في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٤) في ترجمة إبراهيم عليه السلام في قِصّة ١٥٩/٧ هاجَرَ أنَّ مَبدَأ السَّعي بين الصفا والمروة كان مِن/ هاجَر، وهو من رواية ابن عبّاس أيضاً، فِظَهَرَ أنَّ الذي أراد أنَّ مَبدَأه من أهل الجاهليَّة هو شِدّة العَدْو، نعم قوله: ((ليس بسُنّةٍ)) إن أراد به أنَّه لا يُستَحَبّ فهو يُخالف ما عليه الجمهور، وهو نَظير إنكاره استحبابَ الرَّمَل في الطَّواف(١). ويحتمل أن يريد بالسُّنّة: الطَّريقةَ الشّرعيَّة، وهي تُطلَق كثيراً على الفُروض، ولم يُرِدِ السُّنّة باصطلاح أهل الأُصول، وهو ما ثَبَتَ دليل مطلوبيَّته من غير تأثيم تارِكِه. (١) يشير إلى ما أخرجه مسلم (١٢٦٤)، وأحمد (٢٠٢٩) عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: إن قومك يزعمون أن رسول الله ﴿ رَمَل بالبيت وبين الصفا والمروة وهي سُنة، قال: صدقوا وكذبوا، قلت: كيف صدقوا وكذبوا؟ قال: قد رَمّل رسول الله وَل﴿ بالبيت وأصحابه والمشركون على جبل قُعيقعان، فبلغه أنهم يتحدثون أن بهم هزلاً، فأمرهم أن يرملوا ليريهم أن بهم قوة. ٢٩٩ باب ٢٧ / ح ٣٨٤٨ كتاب مناقب الأنصار قوله: ((لا نُجيز)) بضمِّ أوَّله، أي: لا نَقطَع. والبَطْحاء: مَسِيل الوادي، تقول: جُزت الموضع: إذا سِرت فيه، وأجَزته: إذا خَلَّفته وراءَك. وقيل: هما بمَعنّى. وقوله: ((إلّا شَدّا) أي: لا نَقطَعها إلّا بالعَدْوِ الشَّدید. الحديث السابع عشر: ٣٨٤٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ الجُعْفيُّ، حدَّثنا سفيانُ، أخبرنا مُطرِّفٌ، سمعتُ أبا السَّفَرِ، يقول: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما يقول: يا أيُّها الناسُ، اسمَعوا منّي ما أقولُ لكم، وأسمِعوني ما تقولون، ولا تَذْهَبوا فتقولوا: قال ابنُ عبَّاسٍ، قال ابنُ عبَّاسٍ، مَن طافَ بالبيتِ، فليَطُفْ من وراءِ الحِجْرِ، ولا تقولوا: الحَطيمُ، فإنَّ الرجلَ في الجاهليَّةِ كان يَحِلِفُ، فيُلقي سَوطَه أو نَعَلَه أو قَوسه. قوله: ((أخبَرَنا مُطرِّف)) بالمهمَلة وتشديد الراء: هو ابن طَريف، بالمهمَلة أيضاً، الكوفيّ، وأبو السَّفَر بفتح المهمَلة والفاء: هو سعيد بن يُحِمِد، بالتحتانيَّة المضمومة والمهمَلة الساكنة، کوفيّ أيضاً. قوله: ((يا أيها الناس، اسمعوا منِّي ما أقول لكم وأسمِعوني)» بهمزة قطع، أي: أعيدوا عليّ قولي لأعرِفَ أنَّكم حَفِظتُموه، كأنَّه خَشِيَ أن لا يفهموا ما أراد فيُخبروا عنه بخلاف ما قال، فكأنَّه قال: اسمَعوا منِّي سماعَ ضبطٍ وإتقانٍ، ولا تقولوا: ((قال)) من قبلٍ أن تَضبطوا. قوله: ((مَن طاف بالبيت فليَطُفُ من وراء الحِجر)) في رواية ابن أبي عمر عن سفيان: ((وراء الجَدْر))(١)، والمراد به: الحِجْر، والسَّبَب فيه أنَّ الذي يَلي البيت إلى جِهة الحِجر من البيت، وقد تقدَّم بيانه وما قيل في مقداره في أوائل كتاب الحجّ (٢). قوله: ((ولا تقولوا: الحَطيم)) في رواية سعيد بن منصور عن حُدَيج بن معاوية عن أبي (١) رواية ابن أبي عمر أخرجها البيهقي في ((الكبرى)) ١٥٦/٥، وفي المطبوع منه بلفظ: ((من وراء الحجر))، ولم نقف على اللفظ المذكور فيما بين أيدينا من المصادر. (٢) في باب (٤٢): فضل مكة وبنيانها، بين يدي الحديث (١٥٨٢). ٣٠٠ باب ٢٧ / ح ٣٨٤٨ فتح الباري بشرح البخاري إسحاق عن أبي السَّفَر في هذه القِصّة: فقال رجل: ما الحَطيم؟ فقال ابن عبّاس: إنَّه لا حَطيم، كان الرجل ... إلى آخره، زاد أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق خالد الطَّحّان عن مُطرِّف: فإنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يُسَمّونَه - أي: الحِجر - الحَطيم، كانت فيه أصنام قُرَيش. وللفاكِهِيِّ من طريق يونس بن أبي إسحاق عن أبي السَّفَر نحوُه، وقال: كان أحدهم إذا أراد أن يَجِلِف وَضَعَ مِحجَنَه ثمَّ حَلَفَ، فمَن طافَ فليَطُف من ورائه. قوله: ((كان تَحلِف)) بالحاء المهمَلة الساكنة وتخفيف اللّام المكسورة، وفي رواية خالد الطَّحّان المذكورة: ((كان إذا حُلِّفَ)) بضمِّ المهمَلة وتشديد اللّام والأوَّل أوجَه، والمعنى: أنَّهم كانوا إذا حاَلَفَ بعضُهم بعضاً ألقَى الحليفُ في الحِجر نعلاً أو سوطاً أو قوساً أو عصاً علامة لعَقْد(١) حلفهم فسَمَّوه الخَطيم لذلك، لكَونِهِ يَحِمُ أمْتِعَتَهم، وهو فعيل بمعنى فاعل، ويحتمل أن يكون ذلك كان شأنهم إذا أرادوا أن يَجلِفوا على نَفْي شيء، وقيل: إنَّما سُمّيَ الخَطيم لأنَّ بعضهم كان إذا دَعَا على مَن ظَلَمَه في ذلك الموضع هَلك. وقال ابن الكَلْبِيّ: سُمَّ الحِجرُ حَطيماً لِمَا تَحَجََّ عليه، أو لأنَّهِ قُصِرَ به عن ارتفاع البيت وأُخرِجَ عنه، فعلى هذا فَعِيل بمعنى مفعول، أو لأنَّ الناس يَحَطِم فيه بعضهم بعضاً من الزِّحام عند الدُّعاء فیه. وقال غيره: الحطيم هو بئر الكعبة التي كان يُلقَى فيها ما يُهدَى لها. وقيل: بين الرُّكن الأسوَد والمقام. وقيل: من أوَّل الرُّكن الأسوَد إلى أوَّل الحِجر يُسَمَّى الحطيم. وحديث ابن عبَّاس حُجّة في رَدّ أكثر هذه الأقوال، زاد في رواية حُدَيج: ((ولكنَّه الجَدْر)) بفتح الجيم وسكون المهملة، وهو من البيت. ووَقَعَ عند الإسماعيليّ والبَرْقانيّ في آخِرِ هذا الحديث عن ابن عبَّاس: ((وأيّما صبيٍّ حَجّ به أهلُه فقد قَضَى حَجَّه ما دامَ صغيراً، فإذا بَلَغَ فعليه حَجّة أُخرَى، وأيّما عبدٍ حَجّ به أهلُه» الحديث، وهذه الزّيادة عند البخاريّ أيضاً في غير ((الصحيح)) (٢)، وحَذَفَها منه عَمداً لعَدَم (١) تحرفت في (س) إلى: لقصد. (٢) لم نقف عليه في المطبوع من مصنفاته.