النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
باب ٢٠ / ح ٣٨٢٠
كتاب مناقب الأنصار
إلى خديجة، لأنَّ الحَسَنينِ من فاطمةَ وفاطمةُ بنتُها، وعليٌّ نَشَأ في بيت خديجة وهو صغير ثمَّ
تزوَّجَ بنتها بعدها، فظَهرَ رُجوع أهل البيت النّبويّ إلی خديجة دون غيرها.
قوله: ((لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ)) الصَّخَب بفتح المهملة والمعجَمة بعدها موحّدة: الصِّياح
والمنازَعة برفع الصوت، والنَّصَب بفتح النُّون والمهمَلة بعدها موحّدة: التَّعَب. وأغرَبَ
الدّاووديّ فقال: الصَّخَب: العَيب، والنَّصَب: العِوَج، وهو تفسير لا تُساعد عليه اللُّغة.
وقال السُّهَيلِيّ: مُناسَبة نفي هاتَينِ الصِّفتَينِ - أعني المنازَعة والتَّعَب - أنَّهِوَهْ لِمَّا دَعَا
إلى الإسلام أجابَت خديجة طَوعاً فلم تُحوِجْهُ إلى رَفْع صوتٍ ولا مُنازَعٍ ولا تَعَبِ فِي
ذلك، بل أزالَت عنه كلّ نَصَب، وآنَسَته من كلّ وَحْشة، وهَوَّنَت عليه كلّ عَسير، فناسَبَ
أن يكون مَنزِلها الذي بَشَّرَها به رَبُّها بالصِّفة المقابلة لِفِعلِها.
الحديث السادس:
٣٨٢٠- حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُضَيلٍ، عن عُمارةَ، عن أبي زُرْعةً، عن أبي
هريرةَ عُ، قال: أتى جِبْرِيلُ النبيَّ ◌َ﴿ فقال: يا رسولَ الله، هذه خديجةُ قد أتت معها إناءٌ فيه
إدامٌ، أو طعامٌ، أو شرابٌ، فإذا هي أتتكَ، فاقرَأْ عليها السَّلامَ من رَبِّها ومِنّي، وبَشِّرِها ببيتٍ في
الجنَّةِ من قَصَبٍ، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ.
[طرفه في: ٧٤٩٧]
قوله: ((عن عُمارة)) هو ابن القعقاع.
قوله: ((عن أبي هريرة)) في رواية مسلم (٢٤٣٢) عن ابن نُمير عن ابن فُضَيلِ بهذا الإسناد:
سمعت أبا هريرة.
قوله: «أتی چِبْریل) في رواية سعيد بن كثير عند الطبراني (٢٥/٢٣):/ أنّ ذلك كان وهو ١٣٩/٧
بحِرَاء(١).
(١) وهذا لا يصح، فإن في إسناده محمد بن حسن - وهو ابن زَيَالة - وهو متروك الحديث.

٢٦٢
باب ٢٠ / ح ٣٨٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((هذه خديجة قد أَتَتْ)) في رواية مسلم: ((قد أتتك))، ومعناه: تَوَجَّهَت إليك، وأمَّا
قوله ثانياً: «فإذا هي أتتك)) فمعناه: وصَلَت إليك.
قوله: ((إناءٌ فيه إداٌ أو طعامٌ أو شرابٌ)) شَكٌّ من الراوي، وكذا عند مسلم، وفي رواية
الإسماعيليّ: ((فيه إدام أو طعام وشراب))، وفي رواية سعيد بن كثير المذكور عند الطبرانيّ:
أنَّه كان حَیساً.
قوله: «فاقرَأْ عليها السَّلام من رَبّها ومِنّي)) زاد الطبرانيُّ في الرِّواية المذكورة: ((فقالت: هو
السَّلام ومنه والسَّلام وعلى جِبْرِيل السَّلام))، وللنَّسائيِّ (ك ٨٣٠١) من حديث أنس قال:
((قال جِبْريل للنبيِّ وَّهِ: إنَّ الله يُقْرِئ خديجة السَّلام - يعني: فأخبِرْها - فقالت: إنَّ الله هو
السَّلام، وعلى جِبْريل السَّلامُ وعليك يا رسولَ الله السَّلامُ ورحمة الله وبرَ کاتُه)، زاد ابن
السُّنِّيِّ (٢٤٠) من وجه آخر: وعلى مَن سمعَ السَّلام، إلّا الشَّيطان.
قال العلماء في هذا القِصّة دليل على وُفور فِقْهِها، لأنَّها لم تَقُل: وعليه السلام، كما وَقَعَ
لبعض الصحابة حيثُ كانوا يقولون في التشَهُّد: السَّلام على الله، فنَهاهم النبيّ ◌َِّ وقال:
((إنَّ الله هو السَّلام، فقولوا: التحيّات لله))(١)، فعَرَفَت خديجة لصِحّة فَهِمِها أنَّ الله لا يُردّ
عليه السلام كما يُردّ على المخلوقين، لأنَّ السَّلام اسمٌ من أسماء الله تعالى، وهو أيضاً دعاء
بالسَّلامة، وكِلاها لا يَصلُح أن يُردّ به على الله، فكأنَّها قالت: كيف أقول عليه السلام
والسَّلام اسمُه، ومنه يُطلَب، ومنه تَحَصُل؟ فيُستَفاد منه أنَّه لا يَليق بالله إلّ الثَّناء عليه،
فجَعَلَت مكان رَدِّ السَّلام عليه الثَّناء عليه، ثمَّ غايرَت بين ما يَليق بالله وما يَليق بغيره
فقالت: وعلى جِبْرِيل السَّلام، ثمَّ قالت: وعليك السَّلام. ويُستَفاد منه رَدّ السَّلام على مَن
أرسَلَ السَّلام وعلى مَن بَلَّغَه. والذي يَظهَر أنَّ جِبْريل كان حاضراً عند جوابها، فَرَدَّت
عليه وعلى النبيّ وَّهِ مرَّتَينِ: مَرّةً بالتَّخصيصِ ومَرّةً بالتَّعميمِ، ثمَّ أخرجت الشَّيطان ممّن
سمعَ لأنَّه لا يَسْتَحِقّ الدُّعاء بذلك.
(١) سلف برقم (٨٣٥)، وسيأتي برقم (٦٢٣٠).

٢٦٣
باب ٢٠ / ح ٣٨٢٠
كتاب مناقب الأنصار
قيل: إنَّمَا بَلَّغَها حِبْريل عليه السلام من رَبّها بواسطة النبيِّ وَِّ احتراماً للنبيِّ وَّل،
وكذلك وَقَعَ له لمَّا سَلَّمَ على عائشة لم يواجهها بالسَّلام بل راسَلَها مع النبيّ ◌َلَ(١)، وقد
واجَهَ مريم بالخِطاب، فقيل: لأنَّها نبيَّة، وقيل: لأنَّها لم يكن معها زوج يُحْتَرمُ معه مُخاطَبَتها.
قال السُّهَيليّ: استَدَلَّ بهذه القِصّة أبو بكر بن داود على أنَّ خديجة أفضل من عائشة،
لأَنَّ عائشة سَلَّمَ عليها حِبْريل من قِبَل نفسِه، وخديجةُ أَبلَغَها السَّلامَ من رَبِّها.
وزَعَمَ ابن العربيّ أنَّه لا خلاف في أنَّ خديجة أفضلُ من عائشة، ورُدَّ بأنَّ الخلاف ثابتٌ
قديماً وإن كان الراجح أفضليَّة خديجة بهذا وبما تقدَّم.
قلت: ومن صريح ما جاء في تفضيل خديجة ما أخرجه أبو داود(٢)، والنَّسائيُّ (ك ٨٢٩٧)
وصَحَّحَه الحاكم (٤٩٧/٢) من حديث ابن عبّاس رَفَعَه: ((أفضلُ نساءِ أهل الجنَّة خديجةٌ
بنت خويلد وفاطمةُ بنت محمد».
قال السُّبكيّ الكبير كما تقدَّم: لعائشة من الفضائل ما لا يُحصَى، ولكنَّ الذي نَختاره
ونَدين الله به أنَّ فاطمة أفضلُ، ثمَّ خديجةُ ثمَّ عائشةُ. واستَدَلَّ لفضلٍ فاطمة بما تقدَّم في
ترجمتها(٣) أنَّها سيِّدة نساء المؤمنين.
قلت: وقال بعض مَن أدرَكناه: الذي يَظهَر أنَّ الجمع بين الحديثين أولَى، وأن لا نُفَضِّل
إحداهما على الأُخرَى. وسُئِلَ السُّبكيّ: هل قال أحدٌ إنَّ أحداً من نساء النبيّ ◌َِّ غيرَ خديجة
وعائشة أفضلُ من فاطمة؟ فقال: قال به مَن لا يُعتَدّ بقولِه: وهو مَن فضَّل نساء النبيّ وَّ على
جميع الصحابة لأنَّهنَّ في دَرَجَته في الجنَّة. قال: وهو قولٌ ساقطٌ مردودٌ. انتَهَى، وقائله هو أبو
محمد بن خَزْم وفساده ظاهر. قال السُّبكيّ: ونساء النبيّ ◌َل﴿ بعد خديجة وعائشة مُتساوِیات في
الفضل، وهنَّ أفضل النِّساء لقولِ الله تعالى: ﴿لَسْئُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ اُلِنِسَاءِ إِن أَتَّقَيَقُنَّ﴾ الآية
[الأحزاب: ٣٢]، ولا يُستَثَنَى من ذلك إلّا مَن قيل: إنَّها نبيَّة كمريمَ، والله أعلم. وممّا نَبَّهَ عليه أنَّه
(١) سلف برقم (٣٧٦٨).
(٢) سلف التعليق عليه ص ٢٥٤ في أول شرحه للحديث الأول من هذا الباب.
(٣) في فضائل الصحابة من هذا الجزء ص١٩٩.

٢٦٤
باب ٢٠ / ح ٣٨٢١
فتح الباري بشرح البخاري
وَقَعَ عند الطبرانيِّ (٨٩/٢٣) من رواية أبي يونس عن عائشة: أنَّهَا وَقَعَ لها نَظير ما وَقَعَ لخديجةَ
من السَّلام والجواب، وهي رواية شاذّة، والعلم عند الله تعالى.
الحديث السابع:
٣٨٢١- وقال إسماعيلُ بنُ خليلٍ: أخبرنا عليُّ بنُ مُسهِرٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةً
رضي الله عنها: قالت: استأذنَت هالةُ بنتُ خوَيلِدٍ أُختُ خديجةَ على رسولِ الله وَّةِ، فَعَرَفَ
استِئِذانَ خديجةَ، فارتاعَ لذلكَ، فقال: ((اللهمَّ هالَ» قالت: فغِرتُ فقلتُ: ما تَذكُرُ من عجوزٍ
من عَجائزٍ قُرَيشٍ حمراءِ الشِّدَقَينِ، هَلَكَت في الدَّهرِ، قد أبدَلَكَ الله خيراً مِنها؟!
١٤٠/٧
قوله: ((وقال إسماعيل / بن خليل)) كذا في جميع النُّسَخ التي اتَّصَلَت إلينا بصيغة التعليق،
لكنَّ صَنيع المِّيّ يقتضي أنَّه أخرجه موصولاً، وقد أخرجه أبو عَوَانة عن محمد بن يحيى
الذُّهْلِيِّ عن إسماعيل المذكور، وأخرجه مسلم (٢٤٣٧) عن سويد بن سعيد، والإسماعيليّ
من طريق الوليد بن شُجاع كلاهما عن عليّ بن مُسِهِر.
قوله: ((استأذَنَت هالةُ بنت خوَيلِد)» هي أُخت خديجة، وكانت زوجَ الرَّبيع بن عبد العُزَّى بن
عبد شمس، والد أبي العاص بن الرَّبيع زوج زينب بنت النبيّ وَّةِ، وقد ذكروها في
الصحابة وهو ظاهر هذا الحديث، وقد هاجَرَت إلى المدينة لأنَّ دخولها كان بها؛ أي:
بالمدينة، ويحتمل أن تكون دخلت على النبيّ ێ بمگّة حيثُ كانت عائشة معه في بعض
سَفَراته، ووَقَعَ عند المستَغفِريّ من طريق حَمَّاد بن سَلَمة عن هشام بهذا السَّنَد: قَدِمَ ابنٌ
لخديجة يقال له هالة، فسمعَ النبيّ ◌َّهِ في قائلَته كلام هالةَ، فانتَبَهَ وقال: ((هالةُ هالةُ))، قال
المستَغفِريّ: الصواب هالةُ أُخت خديجة. انتَهَى، وروى الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٣٧٩٤)
من طريق تميم بن زيد بن هالةً عن أبيه(١) عن أبيه: أنَّه دَخَلَ على النبيّ وَّ وهو راقد
(١) وهو زيد بن هالة بن أبي هالة، ووقع في (س): ((تميم بن زيد بن هالة عن أبي هالة، عن أبيه))، وهو خطأ،
والحديث عند الحاكم في ((المستدرك)) ٦٤٠/٣، والطبراني في ((الصغير)) (٥٣٧) وله عزاه الهيثمي في
((المجمع)) ٩/ ٣٧٧ وقال: في إسناده جماعة لم أعرفهم.

٢٦٥
باب ٢٠ / ح ٣٨٢١
كتاب مناقب الأنصار
فاستَيقَظَ فضَمَّه إلى صدره وقال: ((هالة هالة))، وذكر ابن حِبّان وابن عبد البَرِّ في الصحابة
هالةَ بن أبي هالة التميميّ، فلعلَّه كان لخديجة أيضاً ابنٌّ اسمه هالة، والله أعلم.
قوله: ((فَعَرَفَ اسْتِئذانَ خديجة)) أي: صفتَه لشَبَه صوتِها بصوت أُختها فتَذكَّرَ خديجةَ
بذلك.
وقوله: ((ارتاع)) من الرَّوع بفتح الراء؛ أي: فَزِع، والمراد من الفَزَع لازِمُه وهو التغيُّر.
ووَقَعَ في بعض الرِّوايات: ((ارتاحَ)) بالحاء المهمَلة؛ أي: اهتَزَّ لذلك سُروراً.
وقوله: ((اللهمَّ هالةَ)) فيه حذف تقديره: اجعلها هالةَ، فعلى هذا فهو منصوب، ويحتمل
أن يكون خَبَرَ مُبتَدَأ محذوفٍ، أي: هذه هالةُ، وعلى هذا هو مرفوع، وفي الحديث أنَّ مَن
أحَبَّ شيئاً أحَبَّ مَحبوباته وما يُشبهه وما يتعلَّق به.
قوله: ((حمراءِ الشِّدَقَينِ)) بالجرِّ، قال أبو البَقَاء: يجوز في ((حمراء)) الرَّفع على القطع
والنَّصب على الصِّفة أو الحال، ثمَّ الموجود في جميع النَّسَخ وفي مسلم ((حمراء)) بالمهمَلَتَينِ،
وحكى ابن التِّين أنَّه رويَ بالجيم والزّاي ولم يَذْكُر له مَعنّى، وهو تصحيف، والله أعلم.
قال القُرطُبيّ: قيل: معنى ((حمراء الشِّدقَينِ)): بيضاء الشِّدقَينِ، والعرب تُطلِقٍ على الأبيض
الأحمرَ كراهةَ اسم البياض لكَونِه يُشبه البَرَص، ولهذا كان ◌ََّ يقول لعائشة: ((يا حُميراءُ))(١).
ثمَّ استَبَعَدَ القُرطُبيّ هذا لِكَونِ عائشةَ أورَدَت هذه المقالة مَورِدَ التَّنقيص، فلو كان الأمر
كما قيل لَنَصَّت على البياض لأنَّه كان يكون أبلَغَ في مُرادها. قال: والذي عندي أنَّ المراد
بذلك نِسبتها إلى كِبَرَ السِّنّ، لأنَّ مَن دَخَلَ في سِنّ الشَّيخوخة مع قوّةٍ في بَدَنه يَغلِب على
لَونه غالباً الحُمرة المائلة إلى السُّمرة، كذا قال، والذي يَتَبَادَر أنَّ المراد بالشِّدقَينِ: ما في باطِن
الفَم فكَنَّت بذلك عن سُقوط أسنانها حتَّى لا يبقى داخلَ فَمِها إلّا اللَّحم الأحمر من اللِّئَة
وغيرها، وبهذا جَزَمَ النَّوويّ وغيره.
قوله: ((قد أبدَلَك الله خيراً منها)) قال ابن التِّين: في سكوت النبيِّ وََّ على هذه المقالة دليل
(١) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٨٩٠٢) من حديث عائشة، قال الحافظ في سياق شرحه للحديث رقم
(٩٥٠)، ج٤/ ١٥ : إسناده صحيح، ولم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا.

٢٦٦
باب ٢٠ / ح ٣٨٢١
فتح الباري بشرح البخاري
على أفضليّة عائشة على خديجة إلّا أن يكون المراد بالخيريَّة هنا حُسن الصّورة وصِغَر السِّنّ.
انتهى، ولا يَلزَم من كَونِه لم يُنقَل في هذه الطَّريق أنَّه ◌َ لَّرَدّ عليها عَدَم ذلك، بل الواقع أنَّه
صَدَرَ منه رَدُّ لهذه المقالة، ففي رواية ابن أبي نَجِيح عن عائشة عند أحمد (١) والطبرانيِّ (٢٣/٢٣)
في هذه القِصّة: قالت عائشة: فقلت: أبدلك الله بكبيرة السِّنّ حديثةَ السِّنِّ، فغَضِبَ حتَّی
قلت: والذي بَعَثَك بالحقِّ لا أذكرها بعد هذا إلّا بخيرٍ، وهذا يُؤيِّد ما تأوَّلَه ابن التِّين في
الخيريَّة المذكورة، والحديث يُفسِّر بعضُه بعضاً. وروى أحمد أيضاً (٢٤٨٦٤) والطبرانيّ
(٢٢/٢٣) من طريق مسروق عن عائشة في نحو هذه القِصّة، فقال وَّلفيه: ((ما أبدَلَني الله
خيراً منها، آمَنَت بي إذ كفرَ بي الناس)) الحديثَ.
قال عياض: قال الطَّبَرَيُّ وغيره من العلماء: الغَيرة مُسامَحٌ للنِّساءِ ما يقع فيها ولا
١٤١/٧ عُقوبة عليهِنَّ في تلك الحالة لمَا جُبِلْنَ عليه منها، ولهذا لم يَزجُر النبيّ ◌َّـ/ عائشة عن
ذلك. وتَعقَّبَه عياض بأنَّ ذلك جَرَى من عائشة لصِغَرِ سِنّها وأوَّل شَبِيبَتها، فلعلَّها لم تكن
بَلَغَت حينئذٍ. قلت: وهو مُخْتَمَل مع ما فيه من نَظَر.
قال القُرطُبيّ: لا تَدُلّ قِصّة عائشة هذه على أنَّ الغَيْرَى لا تُؤاخذ بما يَصدُر منها، لأنَّ
الغَيرة هنا جُزء سببٍ، وذلك أنَّ عائشة اجتمع فيها حينئذٍ الغَيرةُ وصِغَرُ السِّنّ والإدلال،
قال: فإحالة الصَّفْح عنها على الغَيرة وحدها تَحُّمٌ، نَعَم الحاملُ لها على ما قالت الغَيْرةُ،
لأنَّها هي التي نَصَّت عليها بقولها: ((فغِرتُ))، وأمَّ الصَّفْح فيحتمل أن يكون لأجلِ الغَيرة
وحدها، ويحتمل أن يكون لها ولغيرها من الشَّباب والإدلال.
قلت: الغَيْرة مُحُقَّقة بتنصيصِها، والشَّباب محتاج إلى دليل، فإنَّه وَل ◌َ دخل عليها وهي
بنت تِسْع (٢)، وذلك في أوَّل زمن البلوغ، فمِن أين له أنَّ ذلك القولَ وَقَعَ في أوائل دخوله
عليها وهي بنت تسع؟ وأمَّا إدلال المحَبّة فليس مُوجِباً للصَّفح عن حَقّ الغير، بخلاف
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((المسند)) ولا في ((فضائل الصحابة))، والحديث رجاله ثقات إلا أنه منقطعٌ بين
ابن أبي نجیح وعائشة، فإنه لم يسمع منها.
(٢) سيأتي برقم (٥١٣٣).

٢٦٧
باب ٢٣ / ح ٣٨٢٥
كتاب مناقب الأنصار
الغَيْرة فإنَّما يقع الصَّفح بها، لأنَّ مَن يَحصُل لها الغَیرةُ لا تکون في کمال عقلها، فلهذا تَصدُر
منها أُمور لا تَصدُر منها في حال عَدَمِ الغَيْرة، والله أعلم.
٢٣ - بابُ ذِكْرِ هِندٍ بنتِ عُتبةَ بنِ رَبیعةَ رضي الله عنها
٣٨٢٥- وقال عَبْدانُ: أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، حدَّثني عُرْوةُ، أنَّ
عائشةَ رضي الله عنها قالت: جاءت هِندُ بنتُ عُتبةَ، فقالت: يا رسولَ الله، ما كان على ظَهرِ
الأرضِ من أهلِ خِباءٍ أحَبُّ إليَّ أن يَذِلُّوا من أهلِ خِبائكَ، ثمَّ ما أصبَحَ اليومَ على ظَهرِ الأرضِ
أهلُ خِباءٍ أحَبَّ إليَّ أن يَعِزُّوا من أهلِ خِبائكَ، قال: ((وأيضاً والذي نفسي بيده»، قالت: يا
رسولَ الله، إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ مِسِّيكٌ، فهل عليَّ حَرَجُ أن أُطْعِمَ مِنَ الذي له عِيالَنا؟ قال: ((لا
أُراه إلا بالمعروفِ».
قوله: ((باب ذِكْرِ هِند بنت عُتبة بن ربيعة)) أي: ابن عبد شمس، وهي والدة معاوية، قُتل
أبوها بدرٍ كما سيأتي في المغازي (٣٩٦٠)، وشَهِدَت مع زوجها أبي سفيان أُحُداً، وحَرَّضَت
على قتل حمزة عَمّ النبيّ ◌َّلِكَونِه قتل عَمَّها شَيْبَةَ وَشَرَك في قتل أبيها عُتبة، فقَتَلَه وَحْشِيُّ بن
حزب كما سيأتي بيان ذلك في حديث وَحْشِيّ (٤٠٧٢).
ثمَّ أسلَمَت هِند يوم الفتح، وكانت من عُقَلاء النِّساء، وكانت قبل أبي سفيان عند
الفاكِهِ بن المغيرة المخزوميّ ثمَّ طَلَّقَها في قِصّة جَرَت، فتزوَّجَها أبو سفيان فأنتَجَت عنده،
وهي القائلة للنبيِّ ◌َ﴿ لمَّا شَرَطَ على النِّساء عند المبايَعة: ((ولا يَسِرِ قنَ ولا يَزِنينَ)): وهل
تزني الحُرّة؟(١) وماتت هِند في خلافة عمر.
قوله: ((وقال عَبْدان)) كذا للجميع بصيغة التعليق، وكلام أبي نُعَيم في ((المستخرَج))
يقتضي أنَّ البخاريّ أخرجه موصولاً عن عَبْدان، وقد وَصَلَه البيهقيُّ (٢٧٠/١٠) أيضاً
من طريق أبي الموجِّه عن عَبْدانَ.
(١) أخرجه أبو يعلى (٤٧٥٤)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٧٨٦٨)، وإسناده ضعيف، وضعَّف طرقه
الحافظ في ((التلخيص)) ٤/ ١٥١-١٥٢.

٢٦٨
باب ٢٤ / ح ٣٨٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((خِباء)) بكسر المعجَمة وتخفيف الموحّدة مع المدّ: هي خيمة من وَبَرِ أو صوف،
ثمّ أُطلِقَت على البيت كيفما كان.
قوله: ((قال: وأيضاً والذي نفسي بيده)) قال ابن التِّين: فيه تصديقٌ لها فيما ذكرتْهُ، كأنَّه
رأى أنَّ المعنى: وأنا أيضاً بالنّسبة إليكِ مثل ذلك. تُعقِّبَ من جهة طَرَفَ البُغض والحُبّ،
فقد كان في المشركين مَن هو أشدُّ أذّى للنبيِّوَّهَ من هِند وأهلها، وكان في المسلمين بعد أن
أسلَمَت مَن هو أحَبُّ إلى النبيّ ◌َّهِ منها ومن أهلها، فلا يُمكِن حملُ الخَبَرَ على ظاهره.
وقال غيرُه: المعنى بقوله: ((وأيضاً)): ستزيدين في المحبّة كلَّما تمكَّنَ الإيمان من قلبك
وتَرجِعين عن البُغض المذكور حتَّى لا يَبقَى له أثر، فـ((أيضاً)) خاصٍّ بما يتعلَّق بها لا أنَّ المراد
١٤٢/٧ بها: أنّي كنت في حَقّك كما/ ذكرت في البُغض ثمَّ صِرت على خلافه في الحُبّ بل هو ساكِتٌ
عن ذلك، ولا يُعكِّر على هذا قولُه في بعض الرّوايات: ((وأنا))(١) إن ثَبَتَت الرِّواية بذلك.
قوله: ((إنَّ أبا سفيان رجل مِسِّيك)) سيأتي شرحه في كتاب النَّفَقات (٥٣٥٩) إن شاء الله
تعالى.
وفي الحديث دلالة على وُفور عقل هِند وحُسن تأتِّيها في المخاطَبة، ويُؤْخَذ منه أنَّ
صاحب الحاجة يُستَحَبّ له أن يُقدِّم بين يَدَي نَجْواه اعتذاراً إذا كان في نفس الذي يُاطِبه
عليه مَوْجِدة، وأنَّ المعتَذِر يُستَحَبّ له أن يُقدِّم ما يَتأكَّد به صِدقُه عند مَن يَعْتَذِر إليه، لأنَّ
هِنداً قَدَّمَت الاعتراف بذِكْر ما كانت عليه من البُغض ليُعلَمَ صِدقُها فيما ادَّعَته من المحَبّة،
وقد كانت هِندٌ في مَنِزِلة أمَّهات نساء النبيِّ وَّةِ، لأنَّ أمّ حبيبة إحدى زوجاته بنتُ زوجها
أبي سفيان.
٢٤ - بابُ حدیثِ زیدِ بنِ عَمْرو بنِ نُفَيلِ
٣٨٢٦- حدَّثني محمَّدُ بنُ أبي بكرٍ، حذَّثنا فُضَيلُ بنُ سليمان، حدَّثنا موسى بنُ عُقبةَ،
حدَّثنا سالم بنُ عبدِ الله، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَإِ﴿ لَقِيَ زيدَ بنَ عَمْرو
(١) لم نقف على هذه الرواية فيما بين أيدينا من مصادر التخريج.

٢٦٩
باب ٢٤ / ح ٣٨٢٦
كتاب مناقب الأنصار
ابنِ نُفَيَلٍ بأسفَلِ بَلْدَحَ، قبلَ أن يَنْزِلَ على النبيِّنَّهِ الوحيُّ، فقُدِّمَت إلى النبيِّيَّرَ سُفْرَةٌ، فَأْبَى
أن يأكلَ منها، ثمَّ قال زيدٌ: إنّي لستُ آكُلُ ممَّا تَذْبَحونَ على أنصابِكُم، ولا آكُلُ إلا ما ذُكِرَ اسمُ
الله عليه، وأنَّ زيدَ بنَ عَمٍو كان يَعيبُ على تُرَيشٍ ذَبائحَهم، ويقول: الشّاةُ خَلَقَها الله، وأنزَلَ
لها مِن السماءِ الماءَ، وأنبَتَ لها مِن الأرضِ، ثمَّ تَذْبَحونَها على غيرِ اسم الله؟ إنكاراً لذلكَ،
وإعظاماً له.
[طرفه في: ٥٤٩٩]
قوله: ((باب حديث زيد بن عَمْرو بن نُفَيلٍ)) هو ابن عمِّ عمرَ بن الخطّاب بن نُفَيلٍ، وقد تقدَّم ١٤٣/٧
نسبُه في ترجمته (٣٦٧٩)، وهو والد سعيد بن زيد أحد العَشَرة، وكان مَمَّن طلبَ التوحيد وخَلَعَ
الأوثان وجانبَ الشِّرك، لكنَّه ماتَ قبل المبعَث، فروى محمد بن سعد (٣٧٩/٣) والفاكِهيّ
(٢٤١٩) من حديث عامر بن ربيعة حَليف بني عَديّ بن كعب قال: قال لي زيد بن عَمْرو: إنّ
خالَفتُ قومي، واتَّبَعتُ مِلّة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يَعبُدان، وكانا يُصلِّان إلى هذه القِبْلة،
وأنا أنتَظِر نبيّاً من بني إسماعيل يُبْعَث، ولا أُراني أُدرِكه، وأنا أُومن به وأُصدِّقه وأشهَدُ أنَّه نبيٌّ،
وإن طالَت بك حياةٌ فأقِئه منِّي السَّلام، قال عامر: فلمَّا أسلَمتُ أعلمتُ النبيَّ نَّهِ بِخَبَرَه
قال: فَرَدَّ عليه السلام وتَرحَّمَ عليه، قال: ((ولقد رأيتُه في الجنَّة يَسحَب ذُيولاً)).
وروى البزَّار(١) والطبرانيُّ (٣٥٠) من حديث سعيد بن زيد قال: خرج زيد بن عَمْرو
ووَرَقة بن نَوفَل يَطْلُبان الدِّين، حتَّى أَتَيَا الشّام، فتَنَصَّرَ وَرَقة وامتَنَعَ زيد، فأتى الموصِلَ
فَلَقيَ راهباً فعَرَضَ عليه النَّصرانيَّة فامتَنَعَ، وذكر الحديثَ نحوَ حديث ابن عمر الآتي في
ترجمته (٣٨٢٧)، وفيه: قال سعيد بن زيد: فسألت أنا وعمرُ رسولَ الله وَ ل﴿ عن زيد فقال:
((غَفَرَ الله له ورَحِمِه، فإنَّه ماتَ على دين إبراهيمَ))، وروى الزُّبَير بن بكّار من طريق هشام بن
عُرْوة قال: بَلَغَنا أنَّ زيداً كان بالشّام، فَبَلَغَه ◌َخَرَجُ النبيّ ◌َِّ، فَأقبَلَ يريده فقُتِلَ بمَضيعةٍ من
أرض البَلْقاء.
(١) لم نقف عليه بهذا السياق في المطبوع من ((مسنده))، وانظر فيه الأرقام (١٢٦٦-١٢٦٨)، وأخرجه الطيالسي
في ((مسنده)) برقم (٢٣١)، ولا يصحُّ إسناد هذا الخبر وكذا الذي قبله.

٢٧٠
باب ٢٤ / ح ٣٨٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن إسحاق: لمَّا تَوسَطَ بلاد لَخْم قَتَلوه، وقيل: إنَّه مات قبل المبعَث بخمس
سنين عند بناء قُرَيش الكعبة.
قوله: ((بأسفَلِ بَلْدَحَ)) هو مكان في طريق التَّنعيم، بفتح الموخَّدة والمهمَلة بينهما لام
ساکنة وآخره مُهمَلة، ويقال: هو وادٍ.
قوله: ((فقُدِّمَت)) بضمِّ القاف.
قوله: ((إلى النبيّ وَّ)) كذا للأكثر، وفي رواية الجُرجانيّ: ((فقَدَّمَ إليه النبيّ ◌َّ سُفرة)»،
قال عياض: الصواب الأوَّل، قلت: رواية الإسماعيليّ توافق رواية الجُرجانيّ، وكذا أخرجه
الزُّبیر بن بگّار والفاکھی (٢٤٥٥) وغيرهما.
وقال ابن بَطّال: كانت السُّفرة لقُرَيشٍ قَدَّموها للنبيِّ وَّ فأبى أن يأكل منها فقَدَّمَها
النبيّ وَ﴿ لزيدِ بن عَمْرو، فأبى أن يأكل منها وقال مُخاطِباً لقُرَيشِ الذين قَدَّموها أوَّلاً: إنّا
لا نأكُل ما ذُبحَ على أنصابكُم. انتهى، وما قاله مُحْتَمَل، لكن لا أدري من أين له الجزم
بذلك؟ فإنّي لم أقِفْ عليه في رواية أحدٍ. وقد تَبعَه ابن المنِّر في ذلك وفيه ما فيه.
قوله: ((على أَنصابكُم)) بالمهمَلة جمع نُصُب، بضمَّتَينٍ: وهي أحجار كانت حول الكعبة
يَذْبَحونَ عليها للأصنام.
قال الخطَّبيُّ: كان النبيّ وَِّ لا يأكل ممَّ يَذْبَحونَ عليها للأصنام، ويأكل ما عَدا ذلك
وإن كانوا لا يَذْكُرُونَ اسم الله عليه، لأنَّ الشَّرع لم يكن نزلَ بعدُ، بل لم يَنزِل الشَّرع بمَنع
أكل ما لم يُذكَر اسمُ الله عليه إلّا بعد المبعَث بمُدّةٍ طويلة. قلت: وهذا الجواب أوْلى ممّاً
ارتَكَبَه ابن بَطّال، وعلى تقدير أن يكون زيدُ بنُ حارثة ذَبَحَ على الحجر المذكور، فإنَّما يُحمَل
على أنَّه إنَّما ذَبح عليه لغير الأصنام، وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]
فالمراد به ما ذُبحَ عليها للأصنام.
ثمّ قال الخطّابيُّ: وقيل: لم يَنزِل على النبيّ وَّه في تحريم ذلك شيءٌ. قلت: وفيه نظرٌ،
لأَنَّه كان قبل المبعَث فهو من تحصيل الحاصل. وقد وقع في حديث سعيد بن زيد الذي

٢٧١
باب ٢٤ / ح ٣٨٢٦
كتاب مناقب الأنصار
قَدَّمته وهو عند أحمد(١): وكان ابن زيد/ يقول: عُذْتُ بما عاذَ به إبراهيمُ، ثمَّ يَخِرّ ساجداً ١٤٤/٧
للكعبة، قال: فمرَّ بالنبيِّ وَ ل﴿ وزيد بن حارثة وهما يأكلان من سُفرة لهما فدَعَياه فقال:
يا ابن أخي لا آكُل ◌َمَّا ذُبحَ على النُّصُب، قال: فما رُئِيَ النبيُّ وَّم يأكل ممَّا ذُبحَ على النُّصُب
من يومه ذلك. وفي حديث زيد بن حارثة عند أبي يَعْلى (٧٢١٢) والبَزَّار (١٣٣١)
وغيرهما(٢) قال: خرجت مع رسول الله وَل﴾ يوماً من مكَّة وهو مُردِفي، فذبحنا شاةً على
بعض الأنصاب فأنضَجْناها، فلَقِینا زيد بن عمرو، فذکر الحدیث مُطوَّلاً وفيه: فقال زيد:
إنّي لا آكُل ممّا لم يُذكر اسم الله علیه.
قال الدّاووديّ: كان النبيّ وَ ل﴿ قبل المبعَث ◌ُجانب المشركين في عاداتهم، لكن لم يكن
يَعلَم ما يتعلَّق بأمر الذَّبح، وكان زيدٌ قد عَلَمَ ذلك من أهل الكتاب الذين لَفيَهم.
وقال السُّهَيليّ: فإن قيل: فالنبيُّ ◌َ لّ كان أوْلى من زيدٍ بهذه الفضيلة، فالجواب أنَّه ليس
في الحديث أنَّه ◌َّهِ أَكَلَ منها، وعلى تقدير أن يكون أكَلَ فزيدٌ إِنَّما كان يَفعَل ذلك برأيٍ يراه
لا بشَرعِ بَلَغَه، وإنَّما كان عند أهل الجاهليّة بقايا من دِين إبراهيم، وكان في شَرع إبراهيم
تحريمُ الميتة لا تحريمُ ما لم يُذكَر اسمُ الله عليه، وإنَّما نزلَ تحريم ذلك في الإسلام، والأصحّ
أنَّ الأشياء قبل الشَّرع لا توصَف بحِلٍّ ولا بحُرمةٍ، مع أنَّ الذَّبائح لها أصل في تَحليل
الشَّرع، واستَمرَّ ذلك إلى نزول القرآن، ولم يُنقَل أنَّ أحداً بعد المبعَث كَفّ عن الذَّبائح حتَّى
نزلت الآية.
قلت: وقوله: إنَّ زيداً فَعَلَ ذلك برأيِهِ، أَوْلى من قول الدّاووديّ: إنَّه تَلَقّاه عن أهل
الكتاب، فإنَّ حديث الباب بيِّنٌّ فيما قال السُّهَيلِيّ، وأنَّ ذلك قاله زيدٌ باجتهادٍ لا بنقلٍ عن
(١) أخرجه بالسياق المذكور الطبراني في ((الكبير)) (٣٥٠)، وهو عند أحمد في ((مسنده)) برقم (١٦٤٨) بنحوه
وليس عنده قوله: ((عُذت بما عاذ به إبراهيم)) ولا ذِكْر السجود للكعبة. وإسناده ضعيف، وأورده
الهيثمي في ((المجمع)) ٤١٧/٩ وعزاه للطبراني والبزار باختصار عنه وقال: فيه المسعودي وقد اختلط
وبقيّة رجاله ثقات. ثم ذكر الحديث الذي رواه أحمد وقال فيه ما قال في الذي قبله.
(٢) كما عند النسائي في ((الکبری)) (٨١٣٢)، وإسناده حسن.

٢٧٢
باب ٢٤ / ح ٣٨٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
غيره، ولا سيَّما وزيدٌ يُصرِّح عن نفسه بأنَّه لم يَتَّبِع أحداً من أهل الكتابينِ.
وقد قال القاضي عياض في ((المِلّة المشهورة)) في عِصْمة الأنبياء قبل النَّبّة: إنَّها كالممتَنِعِ
لأَنَّ النَّواهي إنَّما تكون بعد تقرير الشَّرع، والنبيُّ ◌َّه لم يكن مُتَعَبِّداً قبل أن يوحَى إليه
بشَرع مَن قبلَه على الصحيح، فعلى هذا فالنَّواهي إذا لم تكن موجودةً فهي مُعتبَرَةٌ في حَقّه،
والله أعلم.
فإن فرَّعنا على القول الآخر فالجواب عن قوله: ((ذَبَحنا شاة على بعض الأنصاب))؛
يعني: الحجارة التي ليست بأصنامٍ ولا مَعبودة، إنَّما هي من آلات الجَزّار التي يُذْبَح عليها،
لأَنَّ الُّصُب في الأصل حَجَر كبير، فمِنها ما يكون عندهم من جُملة الأصنام فيَذْبَحونَ له
وعلى اسمه، ومنها ما لا يُعبَد بل يكون من آلات الذَّبح فيَذْبَح الذّابح عليه لا للصَّنَمِ، أو
کان امتناع زيدٍ منها حَسْماً للمادّة.
٣٨٢٧ - قال موسى: حدَّثني سالمُ بنُ عبدِ الله، ولا أعلمُه إلا يُحَدِّثُ به عن ابنِ عمرَ: أنَّ
زيدَ بنَ عَمْرو بنِ نُقَيِلٍ خَرَجَ إلى الشَّامِ يسألُ عن الدِّين، ويَتَّبِعُه، فَلَقيَ عالماً مِن اليهودِ فسأَلَه
عن دِينِهِم، فقال: إنّ لَعَلّ أن أَدينَ دينَكُم، فأخبرني، فقال: لا تكونُ على دينِنا حتَّى تَأْخُذَ
بنَصيِكَ من غَضَبِ الله، قال زيدٌ: ما أفُّ إلا من غَضَبِ الله، ولا أحمِلُ من غَضَبِ الله شيئاً
أبداً، وأنَّى أستطيعُه؟ فهل تَدُلُّني على غيرِه؟ قال: ما أعلمُه إلا أن يكونَ حَنيفاً، قال زيدٌ: وما
الحَنيفُ؟ قال: دينُ إبراهيمَ، لم يكنْ يهوديّاً ولا نَصرانيّاً، ولا يَعبُّدُ إلّا الله، فخَرَجَ زيدٌ فَلَفيَ
عالماً مِن النَّصارَى، فذكر مثلَه، فقال: لن تكونَ على دينِنا حتَّى تَأْخُذَ بنَصيِكَ من لَعنةِ الله،
قال: ما أفِرُّ إلّا من لَعنِ الله، ولا أحمِلُ من لَعنةِ الله ولا من غَضَبِهِ شيئاً أبداً، وأنا أستطيعُ، فهل
تَدُلُّني على غيرِهِ؟ قال: ما أعلمُه إلا أن يكونَ حَنيفاً، قال: وما الحَنيفُ؟ قال: دينُ إبراهيمَ لم
يكن يهوديّاً ولا نَصرانيّاً، ولا يَعبُّدُ إلّا الله، فلمَّا رَأى زيدٌ قولهَم في إبراهيم عليه السلام خَرَجَ،
فلمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيه، فقال: اللهمَّ إنّ أَشهَدُ أنّ على دينِ إبراهيمَ.
قوله: ((قال موسى)) هو ابن عُقْبة، والخَبَرَ موصولٌ بالإسناد المذكور إليه، وقد شَكَّ فيه

٢٧٣
باب ٢٤ / ح ٣٨٢٧
كتاب مناقب الأنصار
الإسماعيليّ فقال: ما أدري هذه القِصّة الثانية من رواية الفُضَيل بن موسى أم لا. ثمَّ ساقَها
مُطوَّلة من طريق عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عُقْبة، وكذا أورَدَها الزُّبَير بن بكّار
والفاكِهِيّ بالإسنادَينِ معاً.
قوله: (فإنَّ زید بن عمرو» هو موصولٌ بالإسناد المذکور.
قوله: ((لا أعلمه إلّا يُحدِّث به عن ابن عمر)) قد ساقَ البخاريّ الحديث الأوَّل في الذَّبائح
(٥٤٩٩) من طريق عبد العزيز بن المختار عن موسى بغير شَكّ، وساقَ الإسماعيليّ هذا
الثاني من رواية عبد العزيز المذكور بالشكِّ أيضاً، فكان الشكّ فيه من موسى بن عُقْبة.
قوله: ((يسأل عن الدِّين)) أي: دين التَّوحید.
قوله: ((ويَتَّبعه)) بتشديد المثنّاة بعدها موخَّدة، وللكُشْمِيهنيِّ بسكون الموحّدة بعدها
مُثنّة مفتوحة ثمَّ عين مُعجَمة، أي: يَطلُبه.
قوله: ((فَلَقيَ عالماً من اليهود)) لم أقِفْ على اسمه، وفي حديث زيد بن حارثة المذكور: أنَّ
النبيَّ ◌َّ قال لزيدٍ بن عَمْرو: ما لي أرَى قومَك قد شَنِفُوا لك(١)؟ أي: أبغَضُوك، وهو
بفتح الشّين المعجمة وكسر الُّون بعدها فاء، قال: خَرَجتُ أبتَغيِ الدِّين فقَدِمت على
الأحبار، فوجدتهم يَعبُدُونَ الله ویُشرِكونَ به.
قوله: ((فَلَقيَ عالماً من النَّصارَى)) لم أقِفْ على اسمه أيضاً، ووَقَعَ في حديث زيد بن حارثة:
قال لي شيخ من أحبار الشّام: إنَّك لَتسألُني عن دينٍ ما أعلم أحداً / يَعبُد الله به إلّا شيخاً ١٤٥/٧
بالجزيرة. قال: فقَدِمت عليه فقال: إنَّ الذي تَطلُب قد ظَهَرَ ببلادِك، وجميع مَن رأيتهم في
ضلال، وفي رواية الطبرانيّ (٤٦٦٣) من هذا الوجه: وقد خرج في أرضك نبيّ، أو هو خارجٌ،
فارجِع وصَدِّقه وآمِن به. قال زيدٌ: فلم أُحِسَّ بشيءٍ بعدُ. قلت: وهذا مع ما تقدَّم يدلّ على
أنَّ زيداً رَجَعَ إلى الشّامِ فُبُعِثَ النبيّ ◌َِّ فِسَمِعَ به فَرَجَعَ ومات، والله أعلم.
(١) في الأصلين: شنفوا إليك، وفي (س): شنفوا عليك، والمثبت من مصادر تخريج الحديث التي سلف
ذكرها ص٢٧١، وانظر ((النهاية في غريب الحديث)) و((اللسان)) (شنف).

٢٧٤
باب ٢٤ / ح ٣٨٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وأنا أستطيع)) أي: والحال أنَّ لي قُدرةً على عَدَم حَمل ذلك، كذا للأكثر بتخفيف
النُّون ضمير القائل، وفي رواية بتشديد النُّون بمعنى الاستبعاد، والمراد بغَضَب الله: إرادة
إيصال العِقاب كما أنَّ المراد بلعنة الله: الإبعاد عن رحمته.
قوله: ((فلمَّا بَرَزَ)) أي: خارجَ أرضِهم.
قوله: ((اللهمَّ إنِّي أُشهِدك أنّي على دين إبراهيم، بكسر الهمزة الأولى وفتح الثانية. وفي حديث
سعيد بن زيد: فانطَلَقَ زيد وهو يقول: لَبَّيكَ حقّاً حقّاً، تَعَبُّداً ورِقّاً. ثمَّ يَخِرّ فيَسجُد لله.
٣٨٢٨ - وقال اللَّيْثُ: كَتَبَ إليَّ هشامٌ، عن أبيه، عن أسماءَ بنتٍ أبي بكرٍ رضي الله عنهما
قالت: رأيتُ زيدَ بنَ عَمْرو بنِ نُفَيلِ قائماً مُسنِداً ظَهرَه إلى الكعبةِ، يقول: يا مَعْشَرَ قُرَيشٍ، والله
ما منكم على دينِ إبراهيمَ غيري، وكان يُحيي الموءُودةَ، يقول للرجلِ إذا أرادَ أن يَقتُلَ ابنتَه: لا
تَقتُلُها، أنا أكفيكَها مَؤونَتَها، فيأخُذُها فإذا تَرَعرَعَت قال لأبيها: إن شِئتَ دَفَعتُها إليكَ، وإن
شِئتَ كَفَيتُكَ مَؤونَتَها.
قوله: ((وقال اللَّث: كَتَبَ إليَّ هشام)) أي: ابن عُرْوة، وهذا التعليق رُوِّيناه موصولاً في
حديث زُغْبةَ من رواية أبي بكر بن أبي داود عن عيسى بن حمَّد وهو المعروف بزُغْبةَ عن
اللَّيث، وأخرج ابن إسحاق عن هشام بن عُرْوة هذا الحديث بتمامه، وأخرجه الفاكهيّ من
طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، والنَّسائيُّ (ك ٨١٣١) وأبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق
أبي أسامة، كلّهم عن هشام بن عُرْوة.
قوله: ((ما منكم من أحدٍ (١) على دين إبراهيم غيري)) زاد أبو أسامة في روايته: ((وكان
يقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم))، وفي رواية ابن أبي الزِّناد: وكان قد تَرَكَ
عبادة الأوثان، وتَرَكَ أكل ما يُذْبَح على النُّصُب، وفي رواية ابن إسحاق: وكان يقول:
اللهمَّ لو أعلم أحَبَّ الوجوه إليك لَعَبَدتُك به، ولكنّي لا أعلمه، ثمَّ يَسجُد على الأرض
براحته.
(١) قوله: ((من أحد)) ليس في شيء من روايات ((الصحيح)) كما في النسخة اليونينية.

٢٧٥
باب ٢٥ / ح ٣٨٢٩ - ٣٨٣٠
كتاب مناقب الأنصار
قوله: ((وكان يُحبي الموءُّودة)) هو مجاز، والمراد بإحيائها: إبقاؤُها. وقد فَسَّرَه في الحديث،
ووَقَعَ في رواية ابن أبي الزِّناد: ((وكان يَفتَدي الموءودة أن تُقْتَل)). والموءُودة مَفْعولة من وأَدَ
الشَّيءُ: إذا أثقَلَ (١)، وأطلقَ عليها اسم الوأْد اعتباراً بما أُرِيدَ بها وإن لم يقع. وكان أهل
الجاهليَّة يَدفِنونَ البنات وهنَّ بالحياة، ويقال: كان أصلها من الغَيرة عليهِنَّ لمَا وَقَعَ لبعض
العرب حيثُ سَبَى بنتَ آخَر فاستَقْرَشها، فأراد أبوها أن يَفتَديَها منه فخَيَّرَها فاختارَت
الذي سَباها، فحَلَفَ أبوها لَيَقتُلَنَّ كلّ بنت تولد له، فتُبعَ على ذلك. وقد شَرَحت ذلك
مُطوَّلاً في كتابي في ((الأوائل))، وأكثر مَن كان يَفعَل ذلك منهم من الإملاق كما قال الله
تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِّنْ إِمْلَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيََّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقِصّة
زيد هذه تَدُلّ على هذا المعنى الثاني، فيحتمل أن يكون كلّ واحد من الأمرَينِ كان سبباً.
قوله: ((أكفيك مُؤنتَها)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((أَكفيكَها مُؤنَتها)»، زاد أبو أسامة في
روايته: وسُئِلَ النبيّ وَل عن زيد فقال: «يُبعَث يوم القيامة أمّةً وحده بيني وبين عيسى ابن
مریم))، وروى البَغَويُّ في ((الصحابة)) من حديث جابر نحو هذه الزّيادة، وساقَ له ابن
إسحاق أشعاراً قالها في مجانبة الأوثان لا نُطيل بذِكْرها.
٢٥- باب بُنیان الكعبة
١٤٦/٧
٣٨٢٩- حدَّثنا محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبرني ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني عَمْرو
ابنُ دينارٍ، سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: لمَّا بُنيَتِ الكعبةُ ذهب النبيُّ نَلِڑ وعبَّاسُ
يَنْقُلان الحجارةَ فقال عبَّاسِ للنبيِّ ◌َ: اجعَلْ إزارَكَ على رَقَبَتِكَ يَقِيكَ مِن الحجارةِ، فخَرَّ إلى
الأرضِ، وَمَحَت عَيناهُ إلى السماءِ، ثمَّ أفاقَ فقال: «إزاري إزاري)) فشَذَّ عليه إزارَه.
٣٨٣٠- حدّثنا أبو النُّعمان، حدَّثنا حَمَّادُ بنُّ زيدٍ، عن عَمْرو بنِ دینارٍ وعُبيدِ الله بنِ أبي يزيدَ
قالا: لم يكن على عَهدِ النبيِّ وَّهِ حولَ البيتِ حائطٌ، كانوا يُصَلُّونَ حولَ البيتِ حتَّى كان عمرُ،
فبَنَّى حولَه حائطاً.
(١) على اعتبار أنَّ الموءودة تُثقَل بالتُّراب الذي يعلوها. وقال ابن فارس: الواو والهمزة والدال: كلمة تدلُّ على
إثقال شيء بشيء، يقال للإبل إذا مشت بثَقَلها: لها وئيد. انظر ((معجم مقاييس اللغة)) له مادة (وأد).

٢٧٦
باب ٢٥ / ح ٣٨٢٩ - ٣٨٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قال عُبيدُ الله: جَدْرُه قصيرٌ، فبناه ابنُ الزُّبَيرِ.
قوله: ((باب بُنيان الكعبة)) أي: على يد قُرَيش في حياة النبيِّ وَلِ قبل بَعثَتَه، وقد تقدَّم ما
يتعلَّق ببناء إبراهيم عليه السلام قبل بناء قُرَيش، وما يتعلَّق ببناء عبد الله بن الزُّبَير في
الإسلام (١٥٨٦). وروى الفاكِهِيّ (١٩٧) من طريق ابن جُرَيج عن عبد الله بن عُبيد الله
ابن عُمير قال: كانت الكعبة فوق القامة، فأرادَت قُرَيش رفعَها وتَسقيفَها، وسيأتي بيان
ذلك في الباب الذي يَليه. وروى يعقوب بن سفيان(١) بإسنادٍ صحيح عن الزُّهْريِّ: أنَّ
امرأة جَمَّرَت الكعبة، فطارَت شَرارة في ثياب الكعبة فأحرَقَتها، فذكر قِصّة بناء قُرَيش لها،
وسيأتي في الحديث الثالث من الباب الذي يَليه تَتِمّة هذه القِصّة.
وذكر ابن إسحاق وغيره: أنَّ قُرَيشاً لمَّا بَنَت الكعبة كان عُمُر النبيِّ وَِّ يومئذٍ خمساً
وعشرين سنة. وروَى إسحاق بن راهويه من طريق خالد بن عَرعَرةً عن عليّ في قِصّة بناء
إبراهيم البيت قال: فمرَّ عليه الدَّهر فانهَدَم، فبَنَتَه العَمالقة، فمرَّ عليه الدَّهر فانهَدَمَ فَبَنّته
جُرْهُم، فمرَّ عليه الدَّهر فانهَدَمَ فَبَنَتَه قُرَيش، ورسول الله وَّهِ يومئذٍ شابٌ، فلمَّا أرادوا أن
يَضَعوا الحَجر الأسوَد اختَصَموا فيه فقالوا: نُحَكِّم بيننا أوَّل مَن يَخْرُج من هذه السِّكّة،
فكان النبيّ وَّ أَوَّل مَن خرج منها، فحَكَمَ بينهم أن يَجِعَلوه في ثوب ثمَّ يَرفَعه من كلّ قبيلة
رجلٌ، وذكر أبو داود الطَّالسيّ (١١٥) في هذا الحديث أنَّهم قالوا: نُحَكِّم أوَّل مَن يدخل
من باب بني شَيْبة، فكان النبيّ وَّمَ أوَّل مَن دَخَلَ منه، فأخبَروه، فأمَرَ بثوبٍ فَوَضَعَ الحَجَر
في وَسَطه، وأمَرَ كلّ فخِذ أن يأخذوا بطائفةٍ من الثَّوب فَرَفَعوه، ثمَّ أَخَذَه فَوَضَعَه بَيَدِه،
وروى الفاكِهِيّ: أنَّ الذي أشارَ عليهم أن يُحُكِّموا أوَّل داخل أبو أُميَّة بن المغيرة المخزوميّ
أخو الوليد، وقد تقدَّم في أوائل الحجّ من حديث أبي الطُّفَيَل(٢) قِصّة بناء قُرَيش الكعبة
مُطوَّلاً فأغنى عن إعادته هنا. وعند موسى بن عُقْبة: أنَّ الذي أشارَ عليهم بذلك هو
(١) في ((المعرفة والتاريخ)) ٣/ ٢٨٢، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٩١٠٤).
(٢) أورده الحافظ في شرح الحديث (١٥٨٢) وعزاه هناك لعبد الرزاق، وهو عنده في ((مصنفه)) برقم (٩١٠٦)،
ومن طريقه أخرجه الحاكم ١٧٩/٤ مختصراً.

٢٧٧
باب ٢٥ / ح ٣٨٢٩ - ٣٨٣٠
كتاب مناقب الأنصار
الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وأنَّه قال لهم: لا تجعلوا فيها مالاً أُخِذَ غَصباً، ولا قُطِعَت فيه
رَحِم، ولا انْتُهِكَت فيه ذِمّة، وعند ابن إسحاق: أنَّ الذي أشارَ عليهم أن لا يَبنوها إلّا من
مالٍ طيِّب هو أبو وَهْب بن عَمْرو بن عامر بن عمران بن تَزوم.
قوله في حديث جابر: ((لمَّا بُنيَت الكعبة)) هو من مراسيل الصحابة، ولعلَّ جابراً سمعَه
من العبّاس بن عبد المطَّلِب، وتقدَّم بيان ذلك واضحاً في كتاب الحجّ (١٥٨٢).
وقوله: ((يَقِيكَ من الحجارة، فخَرَّ إلى الأرض)) فيه حذفٌ تقديره: ففَعَلَ ذلك فخَّرّ. وفي
حديث أبي الطَّفَيل المذكور آنِفاً: ((فبينما رسول الله وَ لَهِ يَنْقُل الحجارة معهم إذ انكَشَفَت عَورَته،
فنُوديَ يا محمدُ، غَطِّ عَورَتك، فذلك في أوَّل ما نُوديَ، فما رُئيَت له عَورة قبلُ ولا بعدُ.
وقوله: ((طَمَحَت عيناه إلى السماء)) أي: ارتَفَعَت. وذكر ابن إسحاق في ((المبعَث)): وكان
رسول الله وَلّه فيما ذُكِرَ لي يُحدِّث عمّا كان الله يَحَفَظه في صِغَرِه أنَّه قال: ((لقد رأيتُني في غِلمان
من قُرَيش نَنقُل حجارة لبعضٍ ممّا تَلعَب به الغِلمان، كلّنا قد تَعرَّى وأخَذَ إزاره فجعلَه على
رَقَبَتَه يَحمِل عليه الحجارة، إذ لكَمَني لاكمُّ ما أراه، ثمَّ قال: شُدَّ عليك إزارك))، قال:
((فشَدَدَته عليّ، ثمَّ جَعَلت أحمل وإزاري عليَّ من بين أصحابي)».
قال السُّهَيلِيّ: إنَّما ورَدَت هذه القِصّة في بُنيان الكعبة، فإن صَحَّ أنَّ ذلك كان في صِغَره
فهي قِصّة أُخرَى: مَرّة في الصِّغَر ومَرّة في حال الاكتهال. قلت: وقد يُطلَق على الكبير/ غلامٌ إذا ١٤٧/٧
فَعَلَ فِعلِ الغِلمان، فلا يَستَحيلِ اتّحاد القِصّة اعتماداً على التصريح بالأوَّلَيَّةُ في حديث أبي الطُّفَيل.
قوله: ((قالا: لم يكن على عَهد النبيِّ وَّهِ حول البيت حائط)) هذا مُرسَل، وقيل: مُنقَطِعٍ،
لأَنَّ عَمْرو بن دينار وعُبيد الله بن أبي يزيد من أصاغِر التابعين.
وأمَّا قوله: ((حتَّى كان عُمَرُ)) فمُنقَطِعٍ فإنَّهما لم يُدرِكا عمرَ أيضاً.
وأمَّا قوله: ((قال عُبيد الله: جَدرُه قصير)) هو بفتح الجيم، والجُدُر والجِدار بمَعنّى.
وقوله: ((فبناه ابن الزُّبَير)) هذا القَدر هو الموصول من هذا الحديث، وقد أخرجه الإسماعيليّ
من طريق حمّاد بن زيد عن عبيد الله بن أبي يزيد بتمامه وقال فيه: وكان أوَّل مَن جَعَلَ الحائط

٢٧٨
باب ٢٦ / ح ٣٨٣١
فتح الباري بشرح البخاري
على البيت عمر، قال عُبيد الله: وكان جَدرُه قصيراً حتَّى كان زمن ابن الزُّبیر فزاد فيه، وذكر
الفاكِهِيّ: أنَّ المسجد كان محاطاً بالدُّورِ على عهد النبيِّ ◌َّ وأبي بكر وعمر، فضاقَ على الناس،
فَوَسَّعَه عمر واشتَرَى دوراً فَهَدَمَها، وأعطَى مَن أَبَى أن يبيع ثَمَن داره، ثمّ أحاطَ علیه بچِدارٍ
قصير دون القامة، ورَفَعَ المصابيح على الجُدُر، قال: ثُمَّ كان عثمان فزاد في سَعَته من جِهات
أُخَر، ثمَّ وسَّعَه عبد الله بن الزُّبَير، ثمَّ أبو جعفر المنصور، ثمَّ ولده المهديّ، قال: ويقال: إنَّ ابن
الزُّبَيرِ سَقَّفَه أو سَقَّفَ بعضه، ثمَّ رَفَعَ عبد الملك بن مروانَ جُدرانه وسَقَّفَه بالساج، وقيل: بل
الذي صنع ذلك ولدُه الولید، وهو أثبتُ، وكان ذلك سنة ثمانٍ وثمانين.
١٤٩/٧
٢٦ - باب أيامِ الجاهليّة
قوله: ((باب أيام الجاهلية)) أي: ممّاً كان بين المولِد النّبويّ والمبعَث، هذا هو المراد به هنا،
ويُطلَق غالباً على ما قبل البِعْثة، ومنه: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]،
وقوله: ﴿وَلَا تَبَّعْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ اَلْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ومنه أكثر أحاديث الباب، وأمَّا
جَزم النَّوَويّ في عِدّة مواضع من ((شرح مسلم)): أنَّ هذا هو المراد حيثُ أتى ففيه نظرٌ، فإنَّ هذا
اللَّفظ وهو ((الجاهليَّة)) يُطلَق على ما مَضَى والمراد ما قبل إسلامه، وضابطُ آخِرِه غالباً: فتحُ مگَّة،
ومنه قول مسلم في مُقدِّمة ((صحيحه): أنَّ أبا عثمان وأبا رافع أدرَكا الجاهليّة. وقولُ أبي رَجَاء
العُطارديّ: رأيت في الجاهليَُّ قِرَدة زَنَت، وقولُ ابن عبّاس: سمعت أبي يقول في الجاهليّة:
اسِقِنا كأساً دِهاقاً. وابن عبّاس إِنَّمَا وُلِدَ بعد البِعْثة، وأمَّا قول عمر: ((نَذَرت في الجاهليّ)»
فمُحتَمَل، وقد نَبَّهَ على ذلك شيخنا العراقيّ في الكلام على المخَضرَ مين من ((علوم الحديث)).
وذکر فیه أحادیث:
الحديث الأول: حديث عائشة.
٣٨٣١- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، قال هشامٌ: حدَّثَنا أبي، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت:
كان عاشُوراءُ يوماً تَصومُهُ قُرَيشٌ في الجاهليَّةِ، وكان النبيُّ ◌َلِّ يصومُه، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ صامَه
وأمَرَ بصيامِه، فلمَّا نزلَ رَمَضانُ كان مَن شاءَ صامَه، ومَن شاءَ لا يَصومُه.

٢٧٩
باب ٢٦ / ح ٣٨٣٢ -٣٨٣٣
كتاب مناقب الأنصار
قولها: «کان عاشوراء» تقدّم شرحه في کتاب الصّيام (٢٠٠١)، وذکرت هناك احتمالاً
أَهم أخَذوا ذلك عن أهل الكتاب، ثمَّ وجدت في بعض الأخبار أنَّهم كانوا أصابهم قَحْط
ثمَّ رُفِعَ عنهم / فصاموه شكراً.
١٥٠/٧
٣٨٣٢- حدَّثنا مسلمٌ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا ابنُ طاوسٍ، عن أبيه عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله
عنهما قال: كانوا يَرَونَ أنَّ العُمرةَ في أشهُرِ الحجِّ مِن الفُجورِ في الأرضِ، وكانوا يُسَمُّونَ المحَرَّمَ
صَفَراً، ويقولون: إذا بَرأَ النَّبَّرْ، وعَفا الأثَرْ، حَلَّتِ العمرةُ لمَنِ اعْتَمَر، قال: فقَدِمَ رسولُ الله ◌ِوَله
وأصحابُه رابعةً مُهِلّين بالحَِّ، وأمَرَهُمُ النبيُّ ◌َّهِ أَن يَجِعَلوها عُمرةً، قالوا: يا رسولَ الله، أيُّ
الحِلِّ؟ قال: ((الِحِلُّ كلُّه)).
الحدیث الثاني: حديث ابن عباس.
قوله: ((كانوا يَرَونَ)) أي: يَعتَقِدونَ أنَّ أشهُر الحجّ لا يُنسَك فيها إلّا بالحجِّ وأنَّ غيرها
من الأشهر للعمرة، وقد تقدَّم بيان ذلك في كتاب الحجّ (١٥٦٤).
الحديث الثالث:
٣٨٣٣- حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: كان عَمرُّو يقول: حدَّثنا سعيدُ بنُ
المسيّبِ، عن أبيه، عن جَدِّه قال: جاء سَيلُ في الجاهليَّةِ فَكَسَا ما بين الجبَلَيْنِ.
قال سفيانُ: ويقول: إنَّ هذا لَحَديثٌ له شأنٌ.
قوله: ((كان عَمْرو)) هو ابن دينار، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق عبد الرحمن بن بشر
عن سفيان: حدّثنا عمرو بن دینار.
قوله: «عن جَدّه)) هو حَزْن بفتح المهمَلة وسكون الزّاي: وهو ابن أبي وَهْب الذي قَدَّمنا
أنَّه أشارَ على قُرَيش بأن تكون النَّفَقة في بناء الكعبة من مال طيِّبٍ.
قوله: ((جاء سَيلٌ في الجاهليّة فطَبَّقَ (١) ما بين الجبلَينِ)) أي: مَلَأ ما بين الجبلَينِ اللَّذَينِ في
جانبَي الكعبة.
(١) كذا وقع في الأصلين و(س)، والذي في النسخة اليونينية بلا خلاف: فكسا، وهما بمعنّى واحد، وأما
اللفظ المذكور فهو للشافعي في «الأم» ١/ ٢٩١.

٢٨٠
باب ٢٦ / ح ٣٨٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال سفيان: ويقول: إنَّ هذا الحديثُ له شأنٌ)) أي: قِصّة، وذكر موسى بن عُقْبة
أنَّ السَّيل كان يأتي من فوق الرَّدْم الذي بأعلى مكَّة فيُجرِيه، فتَخوَّفوا أن يدخل الماءُ الكعبةَ
فأرادوا تشييد بُنيانها، وكان أوَّل مَن طَلَعَها وهَدَمَ منها شيئاً الوليد بن المغيرة، وذكر القِصّة
في بُنيان الكعبة قبل المبعَث النّبويّ.
وأخرج الشّافعيّ في ((الأُمّ)) (١/ ٢٩١) بسندٍ له عن عبد الله بن الزُّبَيرِ: أنَّ كعباً قال له
وهو يعمل بناء مكَّة: اشدُدْهُ وأوثِقْهُ، فإنّا نَجِدُ في الكتب أنَّ السُّيول ستَعظُمُ في آخر الزَّمان.
انتهى، فكان الشَّأن المشار إليه أنَّهم استشعَروا من ذلك السَّيل الذي لم يَعهَدوا مثله أنَّه مَبدَأ
السُّيول المشار إليها.
الحديث الرابع:
٣٨٣٤- حدّثنا أبو النُّعمان، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن بيانٍ أبي بشٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازمِ،
قال: دَخَلَ أبو بكرٍ على امرأةٍ من أحَمَسَ، يقال لها: زينبُ، فرآها لا تَكلَّمُ، فقال: ما لها لا
تَكلَّمُ؟ قالوا: حَجَّت مُصْمِتَةً، قال لها: تَكلَّمي، فإنَّ هذا لا يَحِلُّ، هذا من عَمَلِ الجاهليَّةِ،
فتكلَّمَت فقالت: مَن أنتَ؟ قال: امرُؤٌ مِن المهاجرينَ، قالت: أيُّ المهاجرينَ؟ قال: من قُرَيشٍ،
قالت: من أيِّ قُرَيشٍ أنتَ؟ قال: إِنَّكِ لَسَؤولٌ، أنا أبو بكرٍ، قالت: ما بَقاؤُنا على هذا الأمرِ
الصالحِ الذي جاء الله به بعدَ الجاهليَِّ؟ قال: بَقاؤُكم عليه ما استَقَامَت بكم أئمَّتُكُم، قالت:
وما الأئمّةُ؟ قال: أما كان لِقومِكِ رؤوسٌ وأشرافٌ يأمرونهم فيُطيعونَهم؟ قالت: بلى، قال:
فهم أولئكِ على الناسِ.
قوله: ((دَخَلَ)) أي: أبو بكر الصِّدِّيق.
قوله: ((على امرأة من أَحَمَسَ)) بمُهمَلتَينِ وزن أَحمد، وهي قبيلة من بَجِيلة. وأغرَبَ ابنُ
التِّين فقال: المراد امرأة من الحُمْسِ وهي من قُرَيش.
قوله: ((يقال لها: زينب بنت المُهاجر)) روى حديثها محمد بن سعد في الطبقات (٤٧٠/٨)
من طريق عبد الله بن جابر الأحَمَسيِّ عن عَمَّته زينب بنت المهاجر قالت: خَرَجت حاجّةً،