النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ باب ١٨ / ح ٣٨١١ كتاب مناقب الأنصار الطبرانيُّ (١) عن شيخه أبي بكر بن صَدَقة قال: وهو الذي كان يقال له القارئ، وكان على القادسيَّة واستُشهِدَ بها، وهو والد عمير بن سعد. وعن الواقديّ: هو قيس بن السَّكَن بن قيس بن زَعُوراء(٢) بن حَرام الأنصاريّ النَّجَاريّ، ويُرجِّحه قول أنس: ((أحد عُمومَتي)) فإنَّه من قبيلة بني حَرام، وليس في هذا ما يعارض حديث عبد الله بن عَمْرو: ((استَقْرِئوا القرآن من أربعة))(٣)، فذكر اثنين من الأربعة ولم يَذكُر اثنين، لأنَّه إمّا أن يقال: لا يَلْزَم من الأمر بأخذِ القراءة عنهم أن يكونوا كلّهم استَظهَروه جميعَه، وإمّا أن لا يُؤْخَذ بمفهوم حديث أنس لأنَّه لا يَلزَم من قوله: (جَمَعَه أربعة)) أن لا يكون جمعَه غيرُهم، فلعلَّه أراد أنَّه لم يقع جمعُه لأربعةٍ من قبيلة واحدة إلّا لهذه القبيلة وهي الأنصار، وسيأتي الكلام على جمع القرآن في كتاب فضائل القرآن (٤٩٨٦-٤٩٨٨). ١٨ - باب مناقب أبي طلحة ﴾ ٣٨١١- حدّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أنسِ ظ﴾ قال: لمَّا كان يومُ أُحُدٍ انهَزَمَ الناسُ عن النبيِّ وَّةِ، وأبو طلحةَ بين يَدَيِ النبيِّ ◌َّ مُجَوِّبٌ به عليه بِحَجَفةٍ له، وكان أبو طلحةَ رجلاً رامياً شديداً لقد يُكسِّرُ يومَئذٍ قَوسَينِ أو ثلاثاً، وكان الرجلُ يَمُّ معه الجَعبةُ مِن النَّلِ فيقول: انثُرُها لأبي طلحةَ، فَأَشَفَ النبيُّ ◌َّه يَنظُرُ إلى القومِ فيقولُ أبو طلحةَ: يا نبيَّ الله، بأبي أنتَ وأُمّي، لا تُشِف يُصيبُّكَ سهمٌ من ◌ِهامِ القومِ، نَحْري دونَ نَحْرِكَ، ولقد رأيتُ عائشةَ بنتَ أبي بكرٍ وأُمَّ سُلَيم، وإِنَّهما ◌ُشَمِّرَتَان أَرَى خَدَمَ سُوقِهِما تُنقِزان القِرَبَ على مُتونهما تُفرِغانه في أفواهِ القومِ، ثمَّ تَرجِعان فَتَملَآنِها، ثمَّ تَجيئانِ فتُفرِغانه في أفواهِ القومِ، ولقد وقَعَ السَّيفُ من يَدَي أبي طلحةَ، إمّا مَرَّتَيْنِ وإمّا ثلاثاً. قوله: ((باب مناقب أبي طلحة)) هو زيد بن سَهل بن الأسوَد بن حَرَام الأنصاريّ الخَزْرَجيّ (١) في ((الأوسط)) برقم (١٥٤٢). (٢) تحرَّف في (ع) و(س): إلى زعور، وفي المطبوع من ((مغازي)) الواقدي ١/ ١٦٤: زيد، وبنو زعوراء بن حرام بطن من بني عدي بن النجار. وانظر ((الطبقات الكبرى)) ٥١٣/٣ لابن سعد. (٣) سلف برقم (٣٧٥٨). ٢٤٢ باب ١٩ / ح ٣٨١٢ -٣٨١٣ فتح الباري بشرح البخاري النَّجّاري، وهو زوج أمّ سُلَيم والدة أنس، وقد تقدَّم بيان وفاته وتاريخها في الجهاد(١). قوله: ((مُجُوِّب)) بفتح الجيم وكسر الواو المشدَّدة، أي: مُتَرِّس عليه يَقِيهِ بها، ويقال للتُرسِ: جَوْبة، والحَجَفة بمُهمَلةٍ ثمَّ جيم مفتوحَتَينِ: التُرس. قوله: «شديداً لقد يُكسِّرُ (٢) كذا للأكثر بنصب ((شديداً)» وبعدها ((لَقدْ)» بلامِ ثمَّ «قَدْ»، ولبعضهم بالإضافة ((شديدَ القِدِّ» بسكون اللّام وكسر القاف، والقِدُّ: سَيْر من چِلد غیر مدبوغ، ويريد أنَّه شديد وَتَرِ القَوس، وبهذا جَزَمَ الخطّابُ وتَبعَه ابن النِّين، وقد روي بالميم المفتوحة بَدَل القاف. وسيأتي بقيَّة ما يتعلَّق بهذا الحديث في المغازي (٤٠٦٤) إن شاء الله ١٢٩/٧ تعالى(٣). ١٩ - باب مناقب عبد الله بن سلام﴾ ٣٨١٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، قال: سمعتُ مالكاً يُحدِّثُ، عن أبي النَّضِرِ مَولَى عمرَ ابنِ عُبيدِ الله، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، عن أبيه قال: ما سمعتُ النبيَّ ◌َّ يقول لأحدٍ يمشي على الأرضِ: ((إنَّه من أهلِ الجنَّةِ)، إلا لعبدِ الله بنِ سَلَام، قال: وفيه نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ﴾ الآيةَ [الأحقاف: ١٠]. قال: لا أدري قال مالكٌ الآيةَ، أو في الحديثِ؟ ٣٨١٣ - حدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أزهَرُ السَّانُ، عن ابنِ عَونٍ، عن محمَّدٍ، عن قیسِ ابنِ عُبادٍ قال: كنتُ جالساً في مسجدِ المدينةِ، فَدَخَلَ رجلٌ على وَجِهِهِ أثرُ الخشوعِ، فقالوا: هذا رجلٌ من أهلِ الجنَّةِ، فصَلَّى رَكعتَينِ تَجَوَّزَ فيهما ثمَّ خَرَجَ، وتَبِعتُه فقلتُ: إِنَّكَ حين دَخَلتَ المسجدَ قالوا: هذا رجلٌ من أهلِ الجنَّةِ، قال: والله ما ينبغي لأحدٍ أن يقولَ ما لا يَعلَمُ، وسأُحدِّئُكُم لِمَ ذاكَ، رأيتُ رُؤيا على عَهدِ النبيِّ وَّهِ فَقَصَصتُها عليه، ورأيتُ كأنِّي في رَوْضةٍ ذَكَر من سَعَتِها وخُضرَتِها، وَسَطَها عَمودٌ من حَديدٍ، أسفَلُه في الأرضِ وأعلاه في السماءِ، في أعلاهُ عُرْوةٌ فقيلَ له: (١) عند باب ((من اختار الغزو على الصوم)) عند الحديث (٢٨٢٨). (٢) كذا ضبطها العيني فقال: ((لقد)) بلام التأكيد، وكلمة ((قد)) للتحقيق، و((يكسِّر)) يفعِّل بالتشديد ليدلَّ على كثرة الكسر، وهذه الصيغة تأتي متعدية ولازمة. انظر ((عمدة القاري)) ١٦/ ٢٧٤. (٣) وقد سلف أيضاً في الجهاد برقم (٢٨٨٠) وفيه تتمة شرحه. ٢٤٣ باب ١٩ / ح ٣٨١٢ -٣٨١٤ كتاب مناقب الأنصار ارْقَةْ، قلتُ: لا أستطيعُ، فأتاني مِنصَفٌ فَرَفَعَ ثيابي من خَلفي، فَرَقِيتُ حتَّى كنتُ في أعلاها، فأخذتُ بالعُرْوةِ فقيلَ له: استَمسِكْ، فاستَيقَظتُ وإنَّهَا لَفِي يَدي، فقَصَصتُها على النبيِّ وَّ فقال: ((تلكَ الرَّوضةُ الإسلامُ، وذلك العَمودُ عَمودُ الإسلام، وتلكَ العُرْوةُ عُرْوةُ الوُثقَى، فأنتَ على الإسلامِ حَتَّى تَموتَ)) وذلكَ الرجلُ عبدُ الله بنُ سَلَامٍ. وقال لي خليفةُ: حدَّثنا معاذٌ، حدَّثنا ابنُ عَونٍ، عن محمَّدٍ، حدَّثنا قيسُ بنُ عُبادٍ، عن ابنِ سَلامِ قال: وَصِيفٌ، بَدَلَ: مِنصَفٌ. [طرفاه في: ٧٠١٠، ٧٠١٤] ٣٨١٤- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سعيدِ بنِ أبي بُرْدةَ، عن أبيه قال: أتيتُ المدينةَ فَلَقيتُ عبد الله بنَ سَلام ◌ُه، فقال: ألا تَجِيءُ فأَطْعِمَكَ سَوِيقاً وتَمراً، وتَدخُلَ في بيتٍ؟ ثمَّ قال: إنَّكَ بأرضِ الرِّبا بها فاشٍ، إذا كان لكَ على رجلٍ حَقٌّ، فأهدَى إليكَ حِملَ تِينٍ، أو حِملَ شَعيٍ، أو حِلَ قَتِّ، فلا تَأْخُذْهُ، فإنَّه ◌ِرِباً. ولم يَذْكُرِ النَّضرُ وأبو داودَ ووَهبٌ، عن شُعْبةَ: البيتَ. [طرفه في: ٧٣٤٢] قوله: ((باب مناقب عبد الله بن سَلَام)) بتخفيف اللّام، أي: ابن الحارث من بني قَيتُقَاع، وهم من ذُرِّيَّة يوسف الصِّدِّيق، وكان اسم عبد الله بن سَلَام في الجاهليَّة الحُصَينَ، فسماه النبيُّ وَ ﴿ عبدَ الله، أخرجه ابن ماجَهْ (٣٧٣٤) (١)، وكان من حُلَفاء الخَزْرَج من الأنصار، أسلَمَ أوَّل ما دَخَلَ النبيّ وَِّ المدينة، وسيأتي شرح ذلك في أوائل الهجرة (٣٩١١). وزَعَمَ الدّاووديّ أنَّه كان من أهل بدر، وسَبَقَه إلى ذلك أبو عَرُوبة وتفرَّد بذلك ولا يَثْبُت، وغَلِطَ مَن قال: إنَّه أسلَمَ قبل وفاة النبيّ وَّ بعامَينِ، وماتَ عبد الله بن سَلام سنة ثلاث وأربعين. (١) وأخرجه أيضاً أحمد (٢٣٧٨٢)، والترمذي (٣٢٥٦) و(٣٨٠٣)، وعبد بن حميد في ((مسنده)) (٤٩٨) بإسناد ضعيف لجهالة ابن أخي عبد الله بن سلام الراوي عنه، ولم يقع عند أيِّ منهم أن اسمه كان الحصین، لكن وقع ذلك عند الحاكم في «المستدرك)» ٤١٤/٣ من وجه آخر عن محمد بن عمر، وهو الواقدي. ٢٤٤ باب ١٩ / ح ٣٨١٢ -٣٨١٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن أبي النَّضر)) في رواية أبي يَعْلى (٧٦٧) عن يحيى بن مَعِين عن أبي مُسهِر عن مالك: حدَّثني أبو النَّضر. قوله: ((عن عامر)) في رواية عاصم بن مُهَجِّع عن مالك عند الدّارَ قُطنيِّ(١): قال: سمعت عامر بن سعد. قوله: ((عن أبيه)) في رواية إسحاق بن الطَّاع عن مالك عند الدّارَقُطنيِّ(٢): قال: سمعت أبي. قوله: ((ما سمعت ... )) إلى آخره، استُشكِلَ بأنَّه وَلَه قد قال لجماعةٍ إِنَّهم من أهل الجنَّة غير عبد الله بن سَلام، ويَبعُد أن لا يَطَّلِعِ سعد على ذلك. وأُجيب بأنَّه كَرهَ تَزكية نفسِه لأنَّه أحدُ العشرةِ المَشَرة بذلك، وتُعقّبَ بأنَّه لا يَستَلِزِم ذلك أن يَنفي سماعه مثلَ ذلك في حَقّ غيره، ويَظهَر لي في الجواب: أنَّه قال ذلك بعد موت المبَشَّرين، لأنَّ عبد الله بن سَلام عاشَ بعدهم ولم يَتأخّر معه من العشرة غير سعد وسعيد، ويُؤخَذ هذا من قوله: ((يَمشي على الأرض)). ووَقَعَ في رواية إسحاق بن الطَّاع عن مالك عند الدّارَ قُطنيِّ: ما سمعت النبيّ وَّل يقول لحَيِّ يَمشي: ((إنَّه من أهل الجنَّة)) الحديث(٣)، وفي رواية عاصم بن مُهَجِّع عن مالك عنه: (يقول لرجلٍ حَيّ)) وهو يُؤْيِّد ما قلته. لكن وَقَعَ عند الدّارَ قُطنيٍّ من طريق سعيد بن داود عن مالك ما يُعكِّر على هذا التأويل، فإنَّه أورَدَه بلفظ: سمعت النبيَّ ◌َ ل﴿و يقول: ((لا أقول لأحدٍ من الأحياء: إنَّه من أهل الجنَّة إلّا لعبدِ الله بن سَلام))، وبَلَغَني أنَّه قال: ((وسَلمان الفارسيّ))، لكنَّ هذا السّياق مُنكَر، فإن كان محفوظاً حُلَ على أَنَّه ◌َِّ قال ذلك قديماً قبل أن يُبشِّر غيره بالجنَّة. وقد أخرج ابن حِبّان (٧١٦٤) من طريق مُصعَب بن سعد عن أبيه سببَ(٤) هذا الحديث (١) ورواية عاصم بن مهجِّع عن مالك أخرجها أيضاً البزار في ((مسنده)) (١٠٩٣) وفيها: عن سالم أبي النضر عن عامر بن سعد. (٢) رواية إسحاق بن الطباع عن مالك أخرجها أيضاً مسلم (٢٤٨٣)، وأحمد في ((المسند)) (١٥٣٣)، وفيها عندهما: ((قال: سمعت أبي))، وقد فات الحافظ الإشارة إليها عندهما. (٣) وكذا وقع عند مسلم (٢٤٨٣)، وأحمد في («مسنده)) (١٥٣٣) من الرواية نفسها. (٤) لفظ ((سبب)) سقط من (س). ٢٤٥ باب ١٩ / ح ٣٨١٢-٣٨١٤ كتاب مناقب الأنصار بلفظ: سمعت النبيَّ وَّه يقول: ((يدخل عليكم رجل من أهل الجنَّة)) فدَخَلَ عبد الله بن سَلام. وهذا يُؤيِّد صِحّة رواية الجماعة، ويُضَعِّف روایة سعید بن داود. قوله: ((قال: لا أدري قال مالكٌ الآية أو في الحديث)) أي: لا أدري هل قال مالك: إنّ نزول هذه الآية في هذه القِصّة من قِبَل نفسِه أو هو بهذا الإسناد؟ وهذا الشكّ في ذلك من عبد الله بن يوسف شيخ البخاريّ، ووَهمَ مَن قال: إنَّه من القَعنبيّ إذ لا ذِكْر للقَعنبيّ هنا، ولم أرَ هذا عن عبد الله بن يوسف إلّا عند البخاريّ، وقد رواه عن عبد الله بن يوسف أيضاً إسماعيل بن عبد الله الملَقَّب سَمَّوَيه في ((فوائده)) ولم يَذكُر هذا الكلام عن عبد الله بن يوسف، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من وجه آخر عن عبد الله بن يوسف، وكذا أخرجه الدّارَ قُطْنيُّ في ((غرائب مالك)) من وجهَينٍ آخرَينٍ عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه من طريق ثالث عنه بلفظٍ آخر مُقتَصِراً على الزّيادة دون الحديث وقال: إنَّه وَهمٌ. وروى ابن مَندَهْ في (الإيمان)) (٢٦٩) من طريق إسحاق بن سَيّار عن عبد الله بن يوسف الحديث والزّيادة، وقال فيه: قال إسحاق: فقلت لعبدِ الله بن يوسف: إنَّ أبا مُسهِر حدَّثنا بهذا عن مالك ولم يَذكُر هذه الزّيادة، قال: فقال عبد الله بن يوسف: إنَّ مالكاً تَكلَّمَ به عَقِب الحديث، وكانت مَعي ألواحي فكَتَبت. انتَهَى، وظَهَرَ بهذا سبب قوله للبخاريِّ ((ما أدري ... )) إلى آخِره، وقد أخرجه الإسماعيليّ والدّارَ قُطنيّ في ((غرائب مالك)) من طريق أبي مُسهِر وعاصم بن مُهَجِّع وعبد الله بن وَهْب وإسحاق بن عيسى، زاد الدّارَ قُطنيُّ: وسعيد بن داود وإسحاق الفَرْويّ، كلّهم عن مالك بدون هذه الزّيادة، قال: فالظّاهر أنّها مُدرجة من هذا الوجه. ووَقَعَ في رواية ابن وَهْب عند الدّارَ قُطنيِّ التصريح بأنّها من قول مالك، إلّا أنَّها قد جاءت من حديث ابن عبّاس عند ابن مردويه، ومن حديث عبد الله بن سلام نفسِه عند التِّرمِذيّ (٣٢٥٦)، وأخرجه ابن مَرْدويه أيضاً من طرق عنه، وعند ابن حِبّان (٧١٦٢) من حديث عَوْف بن مالك أيضاً: أنَّها نزلت في عبد الله بن سَلَام نفسِه، وقد استَنكَرَ الشَّعبيّ فيما رواه عبد بن حُميدٍ عن النَّضر بن شُمَيلٍ عن ابن عَوْن عنه نزولها في عبد الله بن سَلَام ٢٤٦ باب ١٩ / ح ٣٨١٢ -٣٨١٤ فتح الباري بشرح البخاري لأنَّه إنَّما أسلَمَ بالمدينة والسّورة مَكّيَّة، فأجابَ ابن سِيرِين بأنَّه لا يَمتَنِع أن تكون السّورة مَكّيَّة وبعضها مَدَنيّ وبالعكس، وبهذا جَزَمَ أبو العبّاس في ((مقامات التنزيل)) فقال: الأحقاف مَكّيَّة إلّا قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ ... ﴾ إلى آخِرِ الآيتينِ، انتَهَى(١). ولا مانع أن تكون جميعَها مَكّيَّةٌ وتَقَع الإشارة فيها إلى ما سيقعُ بعد الهجرة من شهادة عبد الله بن سَلام، وروى عبد بن حُميدٍ في ((تفسيره)) من طريق سعيد بن جُبَير: أنَّ الآية نزلت في ميمون بن يامين، وفي ((تفسير الطَّبَريّ)) عن ابن عبّاس: أنَّها نزلت في ابن سَلام وعُمير بن وَهْب بن يامين النَّضريّ، وفي ((تفسير مُقاتل)): اسمه يامين بن يامين؛ ولا مانع أن تكون نزلت في الجميع. قوله: ((عن محمَّد)) هو ابن سِيرِين، وقيس بن عُبَاد بضمِّ المهمَلة وتخفيف / الموحّدة. ١٣١/٧ قوله: ((ما ينبغي)) هو إنكار من ابن سَلام على مَن قَطَعَ له بالجنَّة، فكأنَّه ما سمعَ حديث سعد وكأنَّهم هم سَمعوه، ويحتمل أن يكون هو أيضاً سمعَه لكنَّ كَرهَ الثَّناء عليه بذلك تَواضُعاً، ويحتمل أن يكون إنكاراً منه على مَن سألَه عن ذلك لكَونِه فهمَ منه التعجُّب من خَبَرَهم، فأخبره بأنَّ ذلك لا عَجَب فيه بما ذكره له من قِصّة المنام، وأشارَ بذلك القول إلى أنه لا ينبغي لأحدٍ إنكار ما لا علم له به إذا كان الذي أخبره به من أهل الصِّدق. قوله: ((فقيلَ لي: ارْقَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ارقَهْ)) بزيادة هاء، وهي هاء السَّكت. قوله: («فأتاني مِنصَف)) بكسر الميم وسكون النُّون وفتح الصّاد المهمَلة بعدها فاء، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ بفتح الميم، والأوَّل أشهر: وهو الخادِمِ. قوله: ((فرقِیت)» بکسر القاف وحُكِيَ فتحها. قوله في الرِّوایة الثانية: ((وَصِیف) مکان «مِنصَف)) یرید أنَّ معاذاً - وهو ابن معاذ-روی الحديث عن عبد الله بن عَوْن كما رواه أزهَر السَّان، فأبدَلَ هذه اللَّفظة بهذه اللَّفظة وهي بمعناها، والوَصيف: الخادِم الصغير غلاماً كان أو جارية. (١) أورد هذه الروايات جميعها السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣١٦/١٣-٣١٨ وعزاها لابن حميد وغيره. ٢٤٧ باب ١٩ / ح ٣٨١٢ -٣٨١٤ كتاب مناقب الأنصار قوله: ((فاستَيقَظت وإنَّهَا لَفي يَدي)) أي: إنَّ الاستيقاظ كان حالَ الأخذ من غیر فاصلة، ولم يُرِدِ أنَّهَا بَقْيَت في يده في حال يَقَظَته، ولو ◌ُملَ على ظاهره لم يَمتَنِعِ في قُدرة الله، لكنَّ الذي يَظهَر خلاف ذلك، ويحتمل أن يريد: أنَّ أثرها بقيَ في يده بعد الاستيقاظ، كأن يُصبح فیَرَی یدَه مقبوضة. قوله: ((وذلك الرجلُ عبدُ الله بن سَلَام)) هو قول عبد الله بن سَلام، ولا مانع من أن يُخبر بذلك ویرید نفسه، ويحتمل أن یکون من کلام الراوي. قوله: ((عن أبيه)) هو أبو بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ. قوله: ((في بيتٍ)) التنوين للتعظيم، ووَجْه تعظيمه أنَّ النبيَّ وَِّ دَخَلَ فيه (١) مَثَلاً(٢)، وكأن هذا القَدْر المقتضي لإدخال هذا الحديث في مناقب ابن سَلَام، أو لمَا دَلَّ عليه أمره بتَركِ قَبُوله هديةَ المسْتَقِرِض من الوَرَع. قوله: ((إنَّك بأرضٍ)) يعني: أرض العراق ((الرِّبا بها فاشٍ)) أي: شائعٌ. قوله: ((حِمْل)) بكسر المهمَلة ((تِيْن)) بكسر المثنّاة وسكون الموحّدة معروف. قوله: ((حِمْل قَتّ)) بفتح القاف وتشديد المثنّاة: وهو عَلَف الذَّوابّ. قوله: ((فإنَّه رِباً)) يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سَلام، وإلّا فالفقهاء على أنَّه إِنَّما يكون رِباً إذا شَرَطَه، نعم الوَرَع تَركُه. قوله: ((ولم يَذْكُرُ النَّضرُ)) أي: ابن شُمَيلِ ((وأبو داودَ)) أي: الطَّالسيّ ((ووَهبٌ)) أي: ابن جَرِير ((عن شُعْبة: البيتَ)) أي: قول سليمان بن حَرْب عن شُعْبة في روايته: ((وتدخل في بیتٍ))، وقد وَقَعَ في رواية أبي أُسامة عن بُرَيد بن عبد الله، أي: ابن أبي بُرْدة عن جَدّه أبي بُرْدة في كتاب الاعتصام (٧٣٤٢) بلفظ: انطَلِقٍ إلى المنزِل فَأَسقيَكَ من قَدَحِ شَرِبَ منه رسول الله وَ ل﴾، الحدیثَ. (١) كذا قال، وتابعه على ذلك العيني في ((عمدة القاري)) ١٦/ ٢٧٧، وقال القاضي عياض في ((المشارق)) ٣٩١/٢: وفي كتاب الأصيلي بياض بعد ((بيت)) يدلُّ على نقص، وتمامه: في بيتٍ دخله النبيُّ ◌َّ. (٢) لفظ ((مثلاً)) سقط من (س)، ولا بدَّ منه لاكتمال المعنى المراد من السياق. ٢٤٨ باب ٢١ / ح ٣٨٢٢ -٣٨٢٣ فتح الباري بشرح البخاري ١٣٢/٧ ٢١ - باب ذِكْر جَريرِ بنِ عبدِ الله البجليِّ ٣٨٢٢ - حدَّثنا إسحاقُ الواسِطيُّ، حدَّثنا خالدٌ، عن بيانٍ، عن قيسٍ، قال: سمعتُه يقول: قال جَرِيرُ بنُ عبدِ الله : ما حَجَبَتِي رسولُ اللهِوَّهِ مُنذُ أسلَمتُ، ولا رآنِي إِلَّضَحِكَ. ٣٨٢٣- وعن قيسٍ، عن جَرِيِرِ بنِ عبدِ الله، قال: كان في الجاهليِّ بیتُ يقال له: ذو الخَلَصةِ، وكان يقال له الكعبةُ اليَمَانِيَة، أو الكعبةُ الشَّامِيَّةُ، فقال لي رسولُ الله ◌ِ: «هل أنتَ مُريحِي من ذي الخَلَصةِ؟» قال: فَتَفَرتُ إليه في خمسين ومئةِ فارسٍ من أحَمَسَ، قال: فكَسَرناهُ وقَتَلْنا مَن وجَدنا عندَه، فأَتيناه فأخبرناه، فدَعا لنا ولاًحَمَسَ. قوله: ((باب ذِكْر جَرِیر بن عبد الله البَجَليّ)» أي: ابن جابر بن مالك من بني أَنمار بن أراشٍ، نُسِبوا إلى أمّهم بَجِيلة، يُكْنى أبا عَمْرو على المشهور، واختُلِفَ في إسلامه والصحيح أنَّه في سنة الوُفود سنة تسع، ووَهِمَ مَن قال: إنَّه أسلَمَ قبل موت النبيّ وَل ◌َهَ بأربعين يوماً، لمَا ثَبَتَ في ((الصحيح)): أنَّ النبيَّ وَّ قال له: ((استَنْصِت الناسَ)) في حَجّة الوداع(١)، وذلك قبل موته(# بأكثر من ثمانين يوماً، و کان موت جریر سنة خمسین، وقيل: بعدها. قوله: ((ما حَجَبني رسول الله وَل)) أي: ما مَنَعَني من الدُّخول إليه إذا كان في بيته فاستأذَنت عليه، وليس كما ◌َلَه بعضهم على إطلاقه فقال: كيف جازَ له أن يدخل على محرَّمِ بغير حِجاب؟ ثمَّ تَكلَّفَ في الجواب أنَّ المراد مَجَلِسُه المختَصُّ بالرِّجال، أو أنَّ المراد بالحِجاب: مَنْعُ ما يَطلُبه منه. قلت: وقوله: ((ما حَجَبني)) يَتَناوَل الجميع مع بُعد إرادة الأخير. قوله: ((ولا رآني إلّ ضَحِكَ)) في رواية الحميديّ (٨٠٠) عن إسماعيل: إلّا تَبَسَّمَ في وجهي، وروى أحمد (١٩٨٠ و١٩٨١) وابن حِبّان (٧١٩٩) من طريق المغيرة بن شُبَيل عن جَرِير قال: لمَّ دَنَوت من المدينة أَنخْتُ ثمَّ لَبستُ حُلَّتِي فَدَخَلت، فَرَماني الناس بالحَدَقِ، فقلت: هل ذكرَني رسول الله وََّ؟ قالوا: نعم، ذكرك بأحسنَ ذِكْرٍ فقال: ((يدخل عليكم رجلٌ مِن خَيرِ ذِي يَمَنٍ، على وجهه مَسْحةُ مَلَكِ». (١) سلف برقم (١٢١)، وسيأتي برقم (٤٤٠٥). ٢٤٩ باب ٢٢ / ح ٣٨٢٤ كتاب مناقب الأنصار قوله: ((وعن قيس)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور. قوله: ((ذو الخَلَصة)) بفتح المعجَمة واللّام والصّاد المهمَلة، وحُكيَ إسكان اللّام. وقوله: ((الیمانیة)) بتخفيف الياء و حُکي تشديدها. وقوله: ((أو الكعبة الشّاميَّة)) استُشكِلَ الجمع بين هذَينِ الوصفَينِ، وسيأتي جوابه مع شرح هذه القِصّة في أواخر المغازي (٤٣٥٥) مع الكلام على قوله: ((الكعبة اليَمَانية)) أو: ((الكعبة الشّاميَّة)) إن شاء الله تعالى. ٢٢ - بابُ ذِكْرِ حُذَيفةَ بنِ اليَمَان العَبسيِّ ٣٨٢٤- حدَّثني إسماعيلُ بنُ خليلٍ، أخبرنا سَلَمةُ بنُ رَجاءٍ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لمَّا كان يومُ أُحُدٍ هُزِمَ المشرِكونَ هَزيمةً بَيِّةً، فصاحَ إبليسُ: أَيْ عبادَ الله! أُخراكُمْ! فَرَجَعَت أُولاهُم على أُخراهُم، فاجتَلَدَت مع أُخراهُم، فنظرَ حُذَيفةُ فإذا هو بأبيهِ، فنادَى: أيْ عبادَ الله! أبي أبي! فقالت: فوالله ما احتَجَزوا حتَّى قَتَلوه، فقال حُذَيفةُ: غَفَرَ الله لكم. قال أبي: فوالله ما زالَتْ في حُذَيفةَ منها بقيَّةُ خيرٍ حَتَّى لَقِيَ اللهَ عزَّ وجلَّ. قوله: (باب ذِكْر حُذَيفة بن اليَمَان العَبسيّ)) بالموخَّدة، واسم اليَمَان حِسْل - بمُهمَلَتَيْنِ وکسر أوَّله وسكون ثانیه ثمَّ لام- ابن جابر، له ولأبيه صُحْبة. قوله: (لمَّا هُزِمَ))(١) بضمِّ أوَّله. وقوله: ((وأُخراكُم)) أي: اقبلوا أُخراكم، أو احذَروا أُخراكم، أو انصُروا أُخراكُم. وقوله: ((احتَجَزوا)) أي: انفَصَلوا من القتال وامتَنَعَ بعضُهم من بعض، وسيأتي بقيَّة شرح هذه القِصّة في كتاب المغازي (٤٠٦٥). قوله: ((قال أبي)) القائل: هو هشام بن عُرْوة، نَقَلَه عن أبيه عُرْوة وفَصَلَه من حديث عائشة فصارَ مُرسَلاً. (١) كذا وقع هنا، ولفظ الحديث في اليونينية دون خلاف بين الرواة: لمّا كان يوم أحد هُزم. ٢٥٠ باب ٢٠ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((ما زالَت في خُذَيفة منها)) أي: من هذه الكلمة، أي: بسَببها. وقوله: ((بقيّةُ خیرٍ» يُؤخذ منه أنَّ فعل الخير تعود بَرَ کتُه على صاحبه في طول حياته. ١٣٣/٧ تنبيه: وَقَعَ ذِكْرِ جَرير وحُذيفة مُؤَخَّراً عن / ذِكْر خديجة عليها السَّلام، وفي بعضها مُقدَّماً وهو أليق، فإنَّ الذي يَظهَر أنَّه أَخَّرَ ذِكْر خديجة عَمداً لكَونِ غالب أحوالها مُتعلِّقة بأحوال النبيِّ وَّه قبل المبعَث، فوَقَعَ له في ذلك حُسن التخَلُّص من المناقب التي استَطَرَدَ من ذِكْر النبيّ وَّه إليها، فلمَّا فَرَغْ منها رجع إلى بقيَّة سيرَته ومغازيه، والله أعلم. ٢٠ - باب تزويج النبيِّ وَّ﴿ خديجة وفَضْلِها رضي الله عنها قوله: ((باب تزويج النبيِّ وَّرِ خديجةَ وفضلِها)) كذا في النَّسَخ ((تزويج)) وتفعيل قد يجيء بمعنی تَفَعُّل وهو المراد هنا، أو فيه حذف تقديره: تزويجه من نفسه. قوله: ((خديجة)) هي أوَّل مَن تزوَّجَها ◌ََّ، وهي بنت خُوَيلِد بن أسَد بن عبد العُزَّى بن قُصَّ، تَجْتَمِع مع النبيّ وَّهَ في قُصَيّ، وهي من أقرَب نسائه إليه في النَّسَب، ولم يَتزوَّج من ذُرِّيَّة قُصَيّ غيرَها إلّا أمَّ حبيبة، وتزوَّجَها سنة خمس وعشرين من مَولِده في قول الجمهور، زَوَّجَه إيّاها أبوها خويلد، ذكره البيهقيُّ من حدیث الُّهْريِّ بإسنادِه عن عَّار بن ياسر(١)، وقيل: عَمّها عَمْرو بن أسَد، ذكره ابن الكَلْبِيّ(٢)، وقيل: أخوها عَمْرو بن خويلد، ذكره ابن إسحاق، وكانت قبلَه عند أبي هالةً بن النَّاش بن زرارة التَّميميّ حَليف بني عبد الدّار، واختُلِفَ في اسم أبي هالة، فقيل: مالك قاله الزُّبَير، وقيل: زُرارة حكاه ابن مَندَه، وقيل: هِند جَزَمَ به العَسكريّ، وقيل: اسمه النَّبّاش جَزَمَ به أبو عُبيد، وابنه هِند روى عنه الحسن بن عليّ فقال: ((حدَّثني خالي)) لأنَّه أخو فاطمة لأُمُّها، ولِندٍ هذا ولد اسمه هِند ذكره الدّولابيّ وغيره، فعلى قول العَسكريّ فهو ثَمَّن اشتَرَكَ مع أبيه وجدّه في الاسم، وماتَ أبو هالة في الجاهليّة، وكانت خديجة قبله عند عتيق بن عائذ المخزوميّ، وكان النبيّ ◌َّ قبل أن يَتَزوَّج (١) في ((دلائل النبوة)) ٧١/٢. (٢) في (س): الكلبي. ٢٥١ باب ٢٠ / ح ٣٨١٥ كتاب مناقب الأنصار خديجة قد سافَرَ في مالها مُقارضاً إلى الشّام، فرأى منه مَيسَرةُ غلامُها ما رَغَّبَها في تزوُّجه، قال الزُّبَير: وكانت خديجة تُدعَى في الجاهليّة الطاهرة، وماتت على الصحيح بعد المبعَث بعشرٍ ◌ِنين في شهر رَمَضان، وقيل: بثمانٍ، وقيل: بسبع، فأقامَت معه رَ له خمساً وعشرين سنة على الصحيح، وقال ابن عبد البَرِّ: أربعاً وعشرين سنة وأربعة أشهر، وسيأتي من حديث عائشة (٣٨١٧) ما يُؤيِّد الصحيح في أنَّ موتها قبل الهجرة بثلاثٍ سِنين، وذلك بعد المبعَث على الصواب بعشرٍ سِنين، وقد تقدَّم في أوَّل بَدْء الوحي (٣) بيان تصديقها للنبيِّوَّه في أوَّل وَهْلَة، ومن ثَباتها في الأمر ما يدلّ على قوّة يَقينها ووُفور عقلها وصِحّة عَزمها، لا جَرَمَ كانت أفضلَ نسائه على الراجح، وقد تقدَّم في ذِكْر مريم من أحاديث الأنبياء بيانُ شيءٍ من هذا(١). وروى الفاكِهِيّ في كتاب (مكَّة)) عن أنس: أنَّ النبيَّ ◌َّ كان عند أبي طالب، فاستأذَنه أن يَتَوجَّه إلى خديجة فأذِنَ له، وبَعَثَ بعده جارية له يقال لها نَبعة فقال لها: انظُري ما تقول له خديجة؟ قالت نَبعة: فرأيت عَجَباً، ما هو إلّا أن سمعَت به خديجة فخَرَ جَت إلى الباب فأخَذَت بَيَدِه فضَمَّتها إلى صدرها ونَحْرِها ثمَّ قالت: بأبي وأُمّي، والله ما أفعَل هذا لشيءٍ، ولكنّي أرجو أن تكون أنتَ النبيّ الذي ستُبعَث، فإن/ تكن هو فاعرِف حَقّي ومَنِزِلَتي وادعُ ١٣٥/٧ الإله الذي يَبعَثك لي. قالت: فقال لها: والله لَئِن كنت أنا هو قد اصطَنَعتِ عندي ما لا أُضَيِّعُه أبداً، وإن يكن غيري فإنَّ الإله الذي تَصنَعين هذا لأجلِه لا يُضَيِّعُك أبداً. ثمَّ ذكر المصنّف في الباب أحاديثَ لا تصريحَ فيها بما في الترجمة، إلّا أنَّ ذلك يُؤخَذ بطريق اللّزوم من قول عائشة: ((ما غِرت على امرأة)) ومن قوله ◌َّهِ: ((وكان لي منها ولدٌ)) وغير ذلك. الحديث الأول: ٣٨١٥- حدَّثني محمَّدٌ، حدَّثَنَا عَبدةُ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، قال: سمعتُ عبدَ الله ابنَ جعفرٍ، قال: سمعتُ عليّاً عَ﴾، يقول: سمعتُ رسولَ الله ◌َلا يقول. (١) في باب (٤٥): ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَكَةُ يَمَرْيَمُ﴾ [آل عمران: ٤٢]. ٢٥٢ باب ٢٠ / ح ٣٨١٥ فتح الباري بشرح البخاري حدَّثني صَدَقَةُ، أخبرنا عَبْدةُ، عن هشام، عن أبيه، قال: سمعتُ عبد الله بنَ جعفرٍ عن عليّ رضي الله عنهم، عن النبيِّ يَّةِ، قال: ((خيرُ نسائها مريمُ، وخيرُ نسائها خديجةُ)). قوله: ((حدَّثني محمَّد)) هو ابن سَلَام كما جَزَمَ به ابن السَّكَن، وعَبْدة: هو ابن سليمان. قوله: ((سمعتُ عبد الله بن جعفر)) هو ابن أبي طالب، ووَقَعَ عند عبد الرَّزّاق (١٤٠٠٦) عن ابن جُرَيج: عن هشام بن عُزْوة عن أبيه عن عبد الله بن الزُّبَير عن عبد الله بن جعفر (١)، وهو من المزيد في مُتَّصِل الأسانيد لتصريحِ عَبدة في هذه الرِّواية بسماع عُرْوة عن عبد الله ابن جعفر. قوله: ((سمعت عليّ بن أبي طالب)) زاد مسلم (٢٤٣٠) من رواية أبي أسامة عن هشام: ((بالكوفة»، واتَّفَقَ أصحاب هشام علی ذِكْر عليٍّ فیه، وقَصَرَ به محمد بن إسحاق فرواه عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن النبيّ وَلفيه، أخرجه أحمد (١٧٥٨) وابن حِبّان (٧٠٠٥) والحاكم (١٨٥/٣) لكن بلفظٍ مُغاير لهذا اللَّفظ، فالظّاهر أنَّهما حديثان، وفي الإسناد رواية تابعيّ عن تابعيّ: هشام عن أبيه، وصحابيّ عن صحابيّ: عبد الله بن جعفر عن عَمّه. قوله: ((خيرُ نسائها مريم وخيرُ نسائها خديجة)) قال القُرطُبيّ: الضَّمير عائد على غير مذكور، لكنَّه يُفسِّرِه الحال والمشاهدة، يعني به: الدُّنيا. وقال الطِّييُّ: الضَّمير الأوَّل يعود على الأُمّة التي كانت فيها مريم والثاني على هذه الأُمّة. قال: ولهذا كرَّرَ الكلام تنبيهاً على أنَّ حُكم كلّ واحدة منهما غير حُكم الأُخرَى. قلت: ووَقَعَ عند مسلم (٢٤٣٠) من رواية وكيع عن هشام في هذا الحديث: وأشارَ وكيع إلى السماء والأرض، فكأنَّه أراد أن يُبيِّن أنَّ المراد نساءُ الدُّنيا، وأنَّ الضَّميرَينِ يَرجِعان إلى الدُّنيا، وبهذا جَزَمَ القُرطُبيّ أيضاً. وقال الطِّييُّ: أراد أنَّهما خيرُ مَن تحت السماء وفوق الأرض من النِّساء، قال: ولا يَستَقيم أن يكون تفسيراً لقوله: ((نسائها)»، لأنَّ هذا الضَّمير لا يَصلُح أن يعود إلى السماء، كذا قال. (١) وليس في الإسناد في المطبوع من ((المصنف)) عبد الله بن الزبير. ٢٥٣ باب ٢٠ / ح ٣٨١٥ كتاب مناقب الأنصار ويحتمل أن يريد أنَّ الضَّمير الأوَّل يَرجِع إلى السماء والثاني إلى الأرض إن ثَبَتَ أنَّ ذلك صَدَرَ في حياة خديجة، وتكون النُّكتة في ذلك أنَّ مريم ماتت فعُرِجَ بروحِها إلى السماء، فلمَّا ذكرها أشارَ إلى السماء، وكانت خديجة إذ ذاكَ في الحياة فكانت في الأرض فلمَّا ذكرها أشارَ إلى الأرض، وعلى تقدير أن يكون بعد موت خديجة، فالمراد أنَّهما خيرُ مَن صُعِدَ بُرُوحِهِنَّ إلى السماء وخيرُ مَن دُفِنَ جسدُهنَّ في الأرض، وتكون الإشارة عند ذِكْر كلّ واحدة منهما. والذي يَظهَر لي أنَّ قوله: ((خير نسائها)) خَبَرَ مُقَدَّم والضَّمير لمريم، فكأنَّه قال: مريم خير نسائها، أي: نساء زمانها، وكذا في خديجة. وقد جَزَمَ كثير من الشُّراح أنَّ المراد نساءُ زمانها لما تقدَّم في أحاديث الأنبياء (٣٤٣٣) في قِصّة موسی وذِكْر آسية من حديث أبي موسى رَفَعَه: ((كَمُلَ من الرِّجال كثير ولم يَكمُّل من النِّساء إلّا مريم وآسية)»، فقد أثبَتَ في هذا الحديث الكمال لآسيةَ كما أثبته لمريم، فامتَنَعَ حَمْلُ الخيريَّة في حديث الباب على الإطلاق، وجاء ما يُفسِّر المراد صريحاً، فروى البزَّار (١٤٢٧) والطبرانيُّ من حديث عَّار ابن ياسر رَفَعَه: ((لقد فُضِّلَت خديجة على نساء أمَّتي كما فُضِّلَت مريم على نساء العالمين)) وهو حديثٌ حَسَن الإسناد (١)، واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ خديجة أفضلُ من عائشة. قال ابن التِّين: ويحتمل أن لا تكون عائشة دَخَلَت في ذلك لأنَّها كان لها عند موت خديجة ثلاث سِنين، فلعلَّ المراد النِّساء البَوالغ. كذا قال! وهو ضعيف، فإنَّ المراد بلفظ النِّساء أعَمُّ من البَوالغ، ومَن لم تَبلُغ أعَمُّ ◌َمَّن كانت موجودة وثمّن سَتوجد. وقد أخرج النَّسائيُّ (ك٨٢٩٧) بإسنادٍ صحيح، وأخرج الحاكم (٤٩٧/٢) من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: ((أفضلُ نساءِ أهلِ الجنَّة خديجةُ وفاطمةُ ومريمُ وآسيةُ))، وهذا نَصِّ صريحٌ لا يحتمل التأويل. قال القُرطُبيّ: / لم يَثبُت في حَقّ واحدة من الأربع أنَّها نبيَّة إلّا مريم. ١٣٦/٧ (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((معاجم)) الطبراني، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٢٣/٩ وعزاه له في («الأوسط)) وللبزار وقال: وفيه أبو يزيد الحميري، ولم أعرفه. ٢٥٤ باب ٢٠ / ح ٣٨١٦ فتح الباري بشرح البخاري وقد أورَدَ ابن عبد البَرِّ من وجهٍ آخَر عن ابن عبّاس رَفَعَه: ((سَيِّدةُ نساء العالمين مریمٌ، ثمَّ فاطمةُ، ثمَّ خديجةُ ثمَّ آسيةُ))(١) قال: وهذا حديثٌ حَسَن يَرفَع الإشكال، قال: ومَن قال: إِنَّ مريم ليست بنبيَّةٍ أوَّلَ هذا الحديث وغيره بأنَّ ((مِنْ)) وإن لم تُذكَر في الخَبَرَ فهي مُرادَة. قلت: الحديث الثاني الدّالُّ على الترتيب ليس بثابتٍ، وأصله عند أبي داود(٢) والحاكم (٢/ ٤٩٧) بغير صيغة ترتيب، وقد يَتَمسَّك بحديثِ الباب مَن يقول: إنَّ مريم ليست بنبيَّةِ لتسويتِها في حديث الباب بخديجة، وليست خديجة بنبيَّةِ بالاتّفاق. والجواب أنَّه لا يَلزَم من التَّسوية في الخيريَّة التَّسوية في جميع الصِّفات، وقد تقدَّم(٣) ما قيل في مريم في ترجمتها من أحاديث الأنبياء، والله أعلم. الحديث الثاني: ٣٨١٦- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، حدَّثنا اللَّيْثُ، قال: كَتَبَ إليَّ هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: ما غِرتُ على امرأةٍ للنبيِّ وَِّ ما غِرتُ على خديجةَ، هَلَكَت قبلَ أن يَتزوَّجَني، لِمَا كنتُ أسمَعُهُ يَذْكُرُها، وأُمَرَه الله أن يُشِّرَها ببيتٍ من قَصَبٍ، وإن كان لَيَذْبَحُ الشّاةَ، فيُهدي في خَلائلِها منها ما يَسَعُهُنَّ. [أطرافه في: ٣٨١٧، ٣٨١٨، ٥٢٢٩، ٦٠٠٤، ٧٤٨٤] قوله: ((حدَّثنا اللَّيث قال: كَتَبَ إليَّ هشام بن عُرْوة)) وَقَعَ عند الإسماعيليّ من وجه آخر عن اللَّيث: ((حدَّثني هشام بن عُزْوة)) فلعلَّ اللَّث لَقِيَ هشاماً بعد أن کَتَبَ به إليه فحدَّثه به، أو كان من مذهبه إطلاق «حدَّثنا)) في الكتابة، وقد نَقَلَ الخطيبُ ذلك عنه في ((علوم الحديث)). (١) في ترجمة خديجة من ((الاستيعاب))، لكن لم نقف فيه على الكلام اللاحق المتعلق بهذا الحديث، وهو من الطريق نفسه عند الطبراني في «الكبير» ٢٣/ (٢)، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٢٣/٩: فيه محمد بن الحسن بن زَيَالة وهو متروك. (٢) ليس في (سننه))، ولم يعزه له المزي في ((التحفة))، وقد قال الحافظ نفسه في ((النكت الظراف)) (٦٣٣٨): لعله في كتاب ((المناقب)) الفرد لأبي داود. قلنا: وهو في ((سنن النسائي الكبرى)) (٨٢٩٩)، وسنده قوي، وسيعزوه الحافظ لاحقاً ص ٢٦٣ لأبي داود والنسائي في آخر شرحه للحديث السادس. (٣) في باب (٤٥): ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَتِكَةُ يَمَرْيَمُ﴾ [آل عمران: ٤٢]، قبل الحديث (٣٤٣٢). ٢٥٥ باب ٢٠ / ح ٣٨١٦ كتاب مناقب الأنصار قوله: ((ما غِرت على امرأة للنبيِّ بَّه)) فيه ثبوت الغَيْرة وأنَّها غير مُستَنكَر وقوعها من فاضلات النِّساء فضلاً عَمَّن دُونهنّ، وأنَّ عائشة كانت تغار من نساء النبيّ ◌َّ لكن كانت تَغار من خديجة أكثرَ، وقد بيَّنتْ سببَ ذلك وأنَّه لكَثْرة ذِكْر النبيِّي وَلَّهِ إيّاها، ووَقع في الرِّواية التي تَلي هذه (٣٨١٧) بأبيَنَ من هذا حيثُ قال فيها: ((من كَثْرة ذِكْر رسول الله وَلّ إيّاها))، وأصل غَيْرة المرأة من تَخِيُّل مَحَبّة غيرها أكثرَ منها، وكَثْرةُ الذِّكر تَدُلّ على كَثْرة المحبّة. وقال القُرطُبيّ: مُرادها بالذِّكرِ لها مَدحها والثَّنَاء عليها. قلت: وَقَعَ عند النَّسائيِّ (ك ٨٣٠٣) من رواية النَّضر بن شُمَيلِ عن هشام: ((من كَثْرة ذِكْرِه إيّاها وثَنائه عليها)) فعَطفُ الثَّاء على الذِّكر من عَطْف الخاصِّ على العامّ، وهو يقتضي حَمل الحديث على أعَمّ مَّ قاله القُرطُبيّ. قوله: ((هَلكَت قبل أن يَتزوَّجني)) ذكر في الحديث الذي بعده قَدْر المدّة، وسيأتي البحث فيهِ، وأشارَت بذلك إلى أنَّها لو كانت موجودة في زمانها لكانت غَيرَتُها منها أشدَّ. قوله: ((وأمَرَه الله أن يُبشِّرَها ... )) إلى آخره، سيأتي شرحه بعد هذا، وهو أيضاً من جُملة أسباب الغَيْرة، لأنَّ اختصاص خديجة بهذه البُشرَى مُشعِرٌ بمَزيدِ مَحبّةٍ من النبيّ ◌َِّ فيها. ووَقَعَ عند الإسماعيليّ - وكذا هي عند النسائيِّ (ك ٨٣٠٤) والترمذيِّ (٣٨٧٦) في المناقب من ((سُننهما)) من هذا الوَجْهُ(١) - من رواية الفَضْل بن موسى عن هشام بن عُرْوة بلفظ: ما حَسَدتُ امرأةً قطُ ما حَسَدتُ خديجةَ حين بَشَّرَها النبيُّ ◌َِّ ببيتٍ من قَصَب، الحديثَ. قوله: ((وإن كان لَيَذْبَحُ الشّاة ... )) إلى آخره، ((إنْ)) مُحُفَّفة من الثَّقيلة ويُراد بها تأكيد الكلام، ولهذا أَتَتْ باللّام في قولها: لَيَذْبَحُ. قوله: ((في خَلَائلها)» بالخاء المعجَمة جمع خَليلة، أي: صَديقة، وهي أيضاً من أسباب الغَيْرة لما فيه من الإشعار باستمرار حُبّه لها حتَّى كان يتعاهدُ صَوَاحِباتِها. قوله: ((منها)) أي: من الشّاة. (١) من قوله: ((وكذا هي ... )) إلى هنا من (أ) وحدها، لكن تحرف فيها لفظ ((المناقب)) إلى: المناسخات! ٢٥٦ باب ٢٠ / ح ٣٨١٧ -٣٨١٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ما يَسَعُنَّ) أي: ما يَكفيهِنَّ، كذا للأكثر، وفي رواية المُستَمْلِي والحَقُّوِيّ: ((ما يَتَّسِعُهِنَّ) أي: يَتَسِع لهنّ، وفي رواية النَّسَفيّ: ((يُشِبِعُهنَّ)) من الشِّبَع بكسر المعجَمة وفتح الموحّدة، ولیس في روايته ((ما)). الحديث الثالث: ٣٨١٧- حدَّثْنَا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا مُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: ما غِرتُ على امرأةٍ ما غِرتُ على خديجةً، من کَثْرةِ ذِكْر رسولِ اللهِ وَ﴿ إيّاها، قالت: وتزوَّجَني بعدَها بثلاثٍ سِنين، وأُمَرَه رَبُّه عزَّ وجلَّ، أو جِبْرِيلُ عليه السلام أن يُبِّرَها ببيتٍ في الجنَّةِ من قَصَبٍ. قوله: ((حدَّثْنا مُميد بن عبد الرحمن)) هو الرُّؤاسيّ بضمِّ الراء وعلى الواو همزة، وبعد الألفِ مُهمَلة: ثقة باتِّفاقٍ، وليس له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث وآخَر في الحدود (٦٧٩٢). قوله: ((وتزوَّجَني بعدها بثلاثٍ سِنین)) قال النَّوَويّ: أرادت بذلك زمنَ دخولها علیه، وأمَّا العقد فتقدَّم على ذلك بمُدّة سنةٍ ونصفٍ أو نحو ذلك، کذا قال، وسيأتي في ((باب تزويج عائشة)) (٣٨٩٦) ما يوَضِّح أنَّ المدّة بين العَقد عليها والدُّخول كان أكثرَ من ذلك. قوله: ((وأمُرَه رَبِّه عزَّ وجلَّ أو جِبْرِيل)) هو شَكٌّ من الراوي، وسيأتي في حديث أبي هريرة (٣٨٢٠) في هذا الباب: أنَّ البشارة بذلك من الله كانت على لسان جِبريل عليه السلام. الحديث الرابع: ٣٨١٨- حدَّثني عمرُ بنُّ محمَّدٍ بنِ حَسَنٍ، قال: حدَّثنا أبي، حدَّثنا حفصٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: ما غِرتُ على أحدٍ من نساءِ النبيِّ وََّ ما غِرتُ على خديجةَ، وما رأيتُها، ولكن كان النبيُّ نَّهِ يُّكَثِرُ ذِكْرَها، ورُبَّمَا ذَبَحَ الشّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُها أعضاءً، ثمَّ يَبَعَثُها في صَدائقِ خديجةَ، فُرُبَّما قلتُ له: كأنَّه لم يكن في الدُّنيا امرأةٌ إلا خديجةُ! فيقول: ((إِنَّا کانت و کانت، و کان لي منها ولدٌ». ٢٥٧ باب ٢٠ / ح ٣٨١٨ كتاب مناقب الأنصار قوله: ((حدَّثْني عمر بن محمَّد بن الحسن قال: حدَّثنا أَبي)) هو الأسَدُّ الذي يُعرَفُ بِالثَّلِّ، بالمثنّاة وتشديد اللّام، واسم والد الحسن الزُّبَير، وعمرُ كوفيٌّ/ ما له في البخاريّ سِوَى هذا ١٣٧/٧ الحديث وآخر في الزكاة (١٤٨٥)، وهو من صِغَار شيوخه. وقد نزلَ البخاريّ في هذا الإسناد بالنِّسبة لحديثٍ حفص بن غياث دَرَجة، فإنَّه يروي الكثير عن ولده عمر ابن حفص وغيره من أصحاب حفص، وهنا لم يَصِل لحفصٍ إلّا باثنين، وبالنِّسبة لرواية هشام بن عُرْوة دَرَجتَينٍ، فإنَّه قد سمعَ من بعض أصحابه وأخرج هذا في ((الصحيح)) في كتاب العِتق (٢٥١٨) منه: «حدَّثنا عبيد الله بن موسى عن هشام بن عُرْوة من مُسنَد أبي ذرٍّ))، والسَّبَب في اختياره إيرادَ هذه الطَّريق النازلة، ما اشتَمَلَت عليه من الزّيادة على رواية غيره کما سأُنبّه عليه. قوله: ((وما رأيتُها)) في رواية مسلم (٧٥/٢٤٣٥) من هذا الوجه: ((ولم أُدرِكها)»، ولم أرَ هذه اللَّفظة إلّا في هذه الطَّريق، نعم أخرجها مسلم (٢٤٣٥/ ٧٦) من طريق الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة بلفظ: ((وما رأيتها قطُّ))، ورُؤْية عائشة لخديجةَ كانت تُمكِنة، وأمَّا إدراكُها لها فلا ◌ِزاع فيه لأنَّه كان لها عند موتها ستّ سِنين، كأنَها أرادَت بنفي الرُّؤية والإدراك النَّفيَ بقَيدِ اجتماعهما عند النبيِّ ◌َّ؛ أي: لم أرَها وأنا عنده ولا أدرَكتُها كذلك، وقد وَقَعَ في بعض طرقه عند أبي عَوَانة: ولقد هَلَكَت قبل أن يَتزوَّجَني (١). قوله: ((ولكن كان النبيّ وَّ يُكثِرِ ذِكْرها)) في رواية عبد الله البَهِيّ عن عائشة عند الطبرانيّ (٢١/٢٣): وكان إذا ذكر خديجة لم يَسأم من ثَناءِ عليها واستغفارٍ لها. قوله: ((فُرُبَّما قلتُ ... )) إلى آخره، هذا كلّه زائد في هذه الرِّواية، فقد أخرج الحديث مسلم (٧٥/٢٤٣٥) وأبو عَوَانة والإسماعيليّ وأبو نُعَيم من طريق سَهْل بن عثمان، والتِّرمِذيّ (٢٠١٧) عن أبي هشام الرِّفاعيّ، كلّهم عن حفص بن غياث بدونها. قوله: ((كأنَّه لم يكن)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((كأن لم)) بحذف الهاء من ((كأنَّه». (١) لم نقف عليها عند أبي عوانة، وهذه الرواية باللفظ المذكور هي عند البخاري في هذا الباب برقم (٣٨١٦)، فعدم الإشارة إليها ذهول من الحافظ رحمه الله! ٢٥٨ باب ٢٠ / ح ٣٨١٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إنَّها كانت وكانت)) أي: كانت فاضلةً وكانت عاقلةً ونحو ذلك، وعند أحمد (٢٤٨٦٤) من حديث مسروق عن عائشة: ((آمَنَت بي إذ كفرَ بي الناس، وصَدَّقَتني إذ كَذَّبني الناس، وواسَتني بمالها إذ حَرَمَني الناس، ورَزَقَني الله ولدها إذ حَرَمَني أولادَ النِّساء)». قوله: ((وكان لي منها ولدٌ)) وكان جميع أولاد النبيِّ وَّه من خديجة، إلّا إبراهيمَ فإنَّه كان من جاريته مارِيَة، والمتَّفَق عليه من أولاده منها القاسم وبه كان يُكْنى، ماتَ صغيراً قبل المبعَث أو بعده، وبناته الأربع: زينب ثمَّ رُقية ثمَّ أمّ كُلثوم ثمَّ فاطمة، وقيل: كانت أمّ كُلثوم أصغرَ من فاطمة، وعبد الله وُلِدَ بعد المبعَث فكان يقال له: الطاهر والطيِّب، ويقال: هما أخَوان له، وماتَ الذُّكور صِغاراً باتِّفاقٍ، ووَفَعَ عند مسلم (٢٤٣٥/ ٧٥) من طريق حفص بن غِيَات هذه في آخِرِ الحديث: قالت عائشة: فأغضَبتُه يوماً فقلت: خديجةً! فقال: ((إنّ رُزِقتُ حُبَّها)). قال القُرطُبيّ: كان حُبّهَّهِلها لمَا تقدَّم ذِكْره من الأسباب، وهي كثيرةٌ، كلٍّ منها كان سبباً في إيجاد المحَبّة. وممّا كافَأ النبيُّ ◌َ﴿ به خديجة في الدُّنيا أنَّه لم يَتزوَّج في حياتها غيرها، فروى مسلم (٢٤٣٦) من طريق الزّهْريِّ عن عُزْوة عن عائشة قالت: لم يَتزوَّج النبيّ وَّلـ على خديجة حتَّى ماتت، وهذا ممّا لا اختلاف فیه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عِظَمٍ قَدرها عنده وعلى مَزيد فضلها لأنَّها أغنَتَه عن غيرها واختَصَّت به بقَدرِ ما اشتَركَ فيه غيرها مرَّتَينٍ، لأَنَّهِ وَ له عاش بعد أن تزوَّجَها ثمانيةً وثلاثين عاماً، انفَرَدَت خديجة منها بخمسةٍ وعشرين عاماً وهي نحو الثُّلثَينِ من المجموع، ومع طُول المدّة فصانَ قلبها فيها من الغَيْرة، ومن نَكَد الضَّرائر الذي رُبَّمَا حَصَلَ له هو منه ما يُشوِّش عليه بذلك، وهي فضيلة لم يُشارِ کها فيها غيرها. وممّا اختَصَّت به سَبْقُها نساءَ هذه الأُمّة إلى الإيمان، فسَنَّت ذلك لكلِّ مَن آمَنَت بعدها، فيكون لها مثل أجرهنّ، لمَا ثَبَتَ أنَّ: ((مَن سَنَّ سُنّة حَسَنةً))(١)، وقد شارَكَها في ذلك أبو بكر الصِّدِّيق بالنّسبة إلى الرِّجال، ولا يُعرَف قَدْر ما لكلٌّ منهما من الثَّواب بسبب ذلك إلّا الله عزَّ وجَلّ. (١) أخرجه مسلم (١٠١٧)، وأحمد (١٩٢٠٢) من حديث جرير بن عبد الله البَجَلي. ٢٥٩ باب ٢٠ / ح ٣٨١٩ كتاب مناقب الأنصار وقال النَّوويّ: في هذه الأحاديث دلالةٌ لحُسنِ العَهد، وحِفظُ الوُدّ، ورِعاية حُرمة الصّاحب والمعاشِرِ حَيّاً وميِّاً، وإكرام مَعارِف ذلك/ الصّاحب. ١٣٨/٧ الحديث الخامس: ٣٨١٩- حدَّثْنَا مُسَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، قال: قلتُ لعبدِ الله بنِ أبي أوفَى رضي الله عنهما: بَشَّرَ النبيُّ نَّهِ خديجةَ؟ قال: نعم، بَبَيتٍ من قَصَبٍ، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ. قوله: ((عن إسماعیل» هو ابن أبي خالد. قوله: ((قلت لعبدِ الله بن أبي أَوَى ... )) إلى آخره، هذا ممَّا حَمَلَه التابعيُّ عن الصحابيّ عَرْضاً، وليس هذا من التَّقين، لأنَّ التلقين لا استفهامَ فيه وإنَّما يقول الطالب للشّيخِ: قل: حدَّثنا فلان بكذا، فيُحدِّث به من غير أن يكون عارفاً بأنَّه من حديثه(١) ولا بعَدالة الطالب، فلا يُؤمَنُ أن لا يكون ذلك الطالب ضابطاً لذلك القَدْر فيدلّ على تَساهل الشَّيخ، فلذلك عابُوه على مَن فعَلَه. قوله: (بَشَّرَ النبيّ وَّ) هو استفهام محذوف الأداة. قوله: ((قال: نعم)) في رواية مسلم (٢٤٣٣): بَشَّر خديجةَ ببيتٍ من قَصَب؟ قال: نعم ... إلى آخره، ووَقَعَ في رواية جَرِير عن إسماعيل أنَّهم قالوا لعبدِ الله بن أبي أوَ: حَدِّثنا ما قال لخديجة، قال: ((قال: بَشِّروا خديجةَ)) فذكر الحديث، هكذا تقدَّم في أبواب العمرة من البخاريّ (١٧٩٢). قوله: ((من قَصَب) بفتح القاف والمهمَلة بعدها موحّدة، قال ابن التِّين: المراد به لُؤلُؤة مُجُوَّفة واسعة كالقصرِ المُنيف. قلت: عند الطبرانيِّ في ((الأوسط))(٢) من طريق أُخرَى عن ابن أبي أوفَى: ((يعني: قَصَب اللَّؤْلُؤ))، وعنده في ((الكبير)) من حديث أبي هريرة: ((بيت من (١) في (س): ((عارفاً به حديثه)) وهو خلط لا وجه له في هذا السياق. (٢) برقم (٢٢٢١) وليس فيه اللفظ المذكور، وهو عنده في ((الصغير)) برقم (١٩)، وأورده الهيثمي في («مجمع الزوائد» ٢٢٤/٩ وعزاه له في («الأوسط)) وقال: رجاله رجال الصحيح غير محمد بن أبي سمينة، وقد وثقه غير واحد. ٢٦٠ باب ٢٠ / ح ٣٨١٩ فتح الباري بشرح البخاري لُؤْلُؤة مُجُوَّفة))(١)، وأصله في مسلم (٢٤٣٢)، وعنده في ((الأوسط)) (٤٤٠) من حديث فاطمة قالت: قلت: يا رسول الله، أين أمّ خديجة؟ قال: ((في بيتٍ من قَصَب))، قلت: أَمِنْ هذا القَصَب؟ قال: ((لا، من القَصَب المنظوم بالدُّرِّ واللُّؤْلُؤْ والياقوت)). قال السُّهَيليّ: النُّكتة في قوله: ((من قَصَب)) ولم يَقُل: من لُؤْلُؤ: أنَّ في لفظ القَصَب مُناسَبة لكونها أحرَزَت قَصَبَ السَّبْق بمُبادَرَتِها إلى الإيمان دون غيرها، ولذا وَقَعَت هذه المناسبة في جميع ألفاظِ هذا الحديث. انتهى، وفي القَصَب مُناسَبة أُخرى من جهة استواء أکثر أنابيبه، وکذا کان خديجة من الاستواء ما لیس لغیرها، إذ كانت حريصة على رِضاه بكلِّ تُمكِن، ولم يَصدُر منها ما يُغضِبه قَطُّ كما وَقَعَ لغيرها. وأمَّا قوله: ((بيتٍ)) فقال أبو بكر الإسكاف في ((فوائد الأخبار)): المراد به بيتٌ زائدٌ على ما أعَدَّ الله لها من ثواب عملها، ولهذا قال: ((لا نَصَب فيه))، أي: لم تَتَعَب بسببه. قال السُّهَيليّ: لِذِكْر البيت مَعنّى لطيفٌ لأنَّها كانت رَبََّ بيتٍ قبل المبعَث ثمَّ صارت رَبَّةَ بيتٍ في الإسلام مُنْفَرِدة به، فلم يكن على وجه الأرض في أوَّل يومٍ بَعثِ النبيِّ وََّ بِيتُ إسلامٍ إلّا بيتها، وهي فضيلة ما شارَكَها فيها أيضاً غيرها. قال: وجزاء الفِعل يُذكَر غالباً بلفظه وإن كان أَشَرَفَ منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت دون لفظ القصر، انتهى. وفي ذِكْر البيت مَعنّى آخر، لأنَّ مَرجِع أهل بيت النبيّ وَّه إليها، لمَا ثَبَتَ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، قالت أمّ سَلَمة: لمَّا نزلت دَعَا النبيّ وَّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين فجَلَّلَهم بكِساءٍ فقال: ((اللهمَّ هؤلاء أهلُ بيتي)) الحديثَ، أخرجه التِّرمِذيّ (٢) وغيره، ومَرجِع أهل البيت هؤلاء (١) حديث أبي هريرة عند الطبراني في ((الكبير)) ٢٣/ (٨-١٠) وليس فيه هذا الحرف، وعزاه العيني في ((عمدة القاري)» ٢٧٩/١٦ لعبد الله بن وهب، ولعله في «جامعه». (٢) برقم (٣٨٧١) بنحوه دون ذكر الآية وسبب نزولها، والسياق المذكور عنده برقم (٣٢٠٥) و(٣٧٨٧) من حديث عمر بن أبي سلمة لا أم سلمة. وحديث أم سلمة باللفظ المذكور أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٦٥٠٨).