النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
باب ٨ / ح ٣٧٩٢ - ٣٧٩٤
كتاب مناقب الأنصار
٣٧٩٣- حدَّثني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرُّ، حدَّثَنَا شُعْبةُ، عن هشام، قال: سمعتُ
أنسَ بنَ مالكٍ ﴾ يقول: قال النبيُّ ◌َّ للأنصار: ((إنَّكم ستَلقَونَ بعدي أَثَرَةً، فاصبِوا حتَّى
تَلقَوْني، ومَوعِدُكُم الخَوضُ».
٣٧٩٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ
فيه حين خَرَجَ معه إلى الوليدِ، قال: دَعَا النبيُّ ◌َِّ الأنصارَ إلى أن يُقْطِعَ لهمُ البحرَينِ، فقالوا:
لا، إلّا أن تُقطِعَ لإخواننا مِن المهاجرينَ مِثلَها، قال: «إمّا لا فاصبروا حتَّى تَلقَوني، فإنَّه
سيُصيبُكم بعدي أثرةٌ».
قوله: ((باب قول النبيِّ وَّهِ: اصبروا حتَّى تَلقَوني على الحوض)) أي: مُخَاطِباً للأنصار
بذلك.
قوله: ((قاله عبد الله بن زيد)) أي: ابن عاصم المازنيّ، وحديثه هذا وَصَلَه المؤلِّف بأتمّ
من هذا في غزوة حُنَينٍ كما سيأتي (٤٣٣٠) إن شاء الله تعالى.
قوله: (عن أنس عن أُسَيدٍ)) مُصغَّر ((ابن حُضَير)) بمُهمَلة ثمَّ مُعجَمة مُصغَّر أيضاً، وهو
من رواية صَحابيٍّ عن صحابيّ، زاد مسلم (١٣٥/١٠٥٩): ((وقد رواه يحيى بن سعيد
وهشام بن زید عن أنس) بدون ذِكْر ◌ُسید بن حُضَیر، لکن باختصار القِصّة التي هنا وذِكر
كلٌّ منهما قِصّة أُخرى غير هذه، فحديث يحيى بن سعيد تقدَّم في الجِزية (٣١٦٣)، وحديث
هشام يأتي في المغازي (٤٣٣٣).
ووَقَعَ لهذا الحديث قِصّة أُخرَى من وجه آخر: فأخرج الشّافعيّ(١) من رواية محمد بن
إبراهيم التيميِّ إلى أُسَيد بن حُضَير: طُلِبَ من النبيّ وَّهَ لأهلِ بيتَينِ من الأنصار، فأمَرَ
لكلٍّ بيت بوَسْقٍ من تمر وشَطر من شعير، فقال أُسَيد: يا رسول الله، جزاك الله عَنّا خيراً،
فقال: ((وأنتم فجَزَاكم الله خيراً يا مَعشَر الأنصار، وإنَّكم لَأَعِفَةٌ صُبُرٌ، وإِنَّكم سَتَلقَونَ
(١) في ((السنن المأثورة)) له برقم (٤٠٨) قال: سمعت الثقفي - وهو عبد الوهاب بن عبد المجيد - يحدّث
عن يحيى بن سعيد - وهو الأنصاري - عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي به مرسلاً.

٢٢٢
باب ٨ / ح ٣٧٩٢ - ٣٧٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
بعدي أَثَرةً)) الحديثَ، وقوله: ((إنَّكم لَأَعِفَةٌ صُبُرٌ)) أخرجه التُّرمِذيّ (٣٩٠٣) والحاكم
(٤/ ٧٩) من وجه آخر عن أنس عن أبي طلحة، وسنده ضعيف.
قوله: ((أنَّ رجلاً من الأنصار)» لم أقِفْ على اسمه، زاد مسلم في روايته (١٨٤٥): فخَلَا/
برسولِ الله وَاليوم
١١٨/٧
قوله: ((أَلا تَستعمِلُني)) أي: تجعلني عاملاً على الصدقة أو على بَلَد.
قوله: ((كما استعملت فلاناً» لم أقِفْ على اسمه، لكن ذكرتُ في المقدِّمة أنَّ السائل أُسَيد
ابن حُضَير، والمستَعمَل عَمْرو بن العاص، ولا أدري الآنَ من أين نقلتُه.
قوله: ((ستَلقَونَ بعدي أثَرَة)) بفتح الهمزة والمثلَّثة، ولغير الكُشْمِيهنيّ بضمِّ الهمزة وسكون
المثلَّثة، وأشارَ بذلك إلى أنَّ الأمر يصير في غيرهم فيختصّونَ دونهم بالأموال، وكان الأمر
كما وَصَفَ وَ لي، وهو معدود فيما أخبر به من الأمور الآتية فوقَعَ كما قال، وسيأتي مزيد في
الكلام عليه في الفتن (٧٠٥٧).
قوله: ((عن هشام)) هو ابن زيد بن أنس بن مالك.
قوله: ((ومَوعِدكم الحَوض)) أي: حوض النبيِّ وَِّ يومَ القيامة.
قوله: ((حذَّثنا سفيان)) هو ابن عُيَينة، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاريّ.
قوله: ((حين خَرَجَ معه)) أي: سافَر.
قوله: ((إلى الوليد)) أي: ابن عبد الملك بن مروان، وكان أنسُ قد تَوَجَّهَ من البَصرة حين
آذاه الحجّاج إلى دمشق يَشكُوه إلى الوليد بن عبد الملك فأنصَفَه منه.
قوله: ((إمّا لَا)) أصله ((إنْ)) مكسورة الهمزة مُحُفَّفة النُّون وهي الشَّرطيّة، و((ما)) زائدة و(لا))
نافية، فأُدغِمَت النُّون في الميم وحُذِفَ فِعلُ الشَّرط، وتقديره: تَقبَلوا أو تَفعَلوا، ورواه بعضهم
بفتح همزة ((إمّا)) وهو خطأ إلّا على لُغةٍ لبعض بني تميم، فإنَّهم يفتحون الهمزةَ من ((إمّا)) حيثُ
وَرَدَت، قال عِيَاض: واللّام من قوله: ((إِمَّا لَا)) مفتوحة عند الجمهور، ووقع عند الأَصِيلي في

٢٢٣
باب ٩ / ح ٣٧٩٥ -٣٧٩٧
كتاب مناقب الأنصار
البيوع من (الموطأ)) وعند الطَّبري(١) في مسلم بكسر اللام، والمعروف فتحُها، وقد مَنَعَ من
كسرها أبو حاتم وغيره ونَسَبوه إلى تغيير العامّة، لكن هو جارٍ على مذهبهم في الإمالة وأن
◌ُجِعَل الكلام كلّه كأنَّه كلمة واحدة.
قوله: ((فإِنَّه)) الهاء ضمير الشَّأن، وأبعَدَ مَن قال: يعود على الإقطاع.
٩ - باب دعاء النبيِّ ◌َطلقة: ((أصلِحِ الأنصارَ والمُهاجرة)»
٣٧٩٥- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا أبو إياسٍ معاويةٌ بن قُرَّةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، ١١٩/٧
قال: قال رسولُ الله ◌ِصل﴾.
((لا عَيشَ إلّا عَيشُ الآخِرَهُ فَأَصلِح الأنصارَ والمهاجرَة)»
وعن قَتَادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَِّ، مثلَه، وقال: ((فاغفِرْ للأنصار)).
٣٧٩٦- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مُميدِ الطَّويلِ، سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ ظُ، قال:
كانتِ الأنصارُ يومَ الخندقِ تقولُ:
نحنُ الذين بايعوا محمَّدا على الجهادِ ما حَيِينا أبدا
فأجابهم:
((اللهمَّ لا عَيشَ إلَّا عَيشُ الآخِرَهْ فأَكرِم الأنصارَ والمهاجرَه»
٣٧٩٧- حذَّثني محمَّدُ بنُ عُبيدِ الله، حدَّثنا ابنُ أبي حازم، عن أبيه عن سهلٍ، قال: جاءنا
رسولُ الله ◌َّهِ ونحنُ نَحِفِرُ الخندقَ، ونَنَقُلُ التُّرابَ على أكتادِنا، فقال رسولُ الله ◌ِّ:
((اللهمَّ لا عَيشَ إلَّا عَيشُ الآخرَةْ فاغفِر الأنصارَ والمهاجرَهْ)»
[طرفاه في: ٤٠٩٨، ٦٤١٤]
(١) الطبري هذا هو أحدُ رواة ((صحيح مسلم)) عن أبي الحسين عبد الغافر الفارسي عن محمد بن عيسى
الجُلودي عن إبراهيم بن سفيان عن مسلم، واسمه الحسين بن علي بن الحسين الطبري الشافعي، سمع
((صحيح مسلم)) من الفارسي سنة ٤٣٩ ه، وكان من كبار الشافعية بمكة، وتوفي بها سنة ٤٩٨هـ. انظر
ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ١٩/ ٢٠٣ -٢٠٤.

٢٢٤
باب ١٠ / ح ٣٧٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب دعاء النبيِّ ◌َلي: أصلح الأنصار والمهاجرة» أي: قائلاً ذلك، ذكر فيه حديث
أنس من رواية شُعْبة عن ثلاثة من شيوخه عنه، وفي الأوَّل بلفظ: ((فأصلِح)»، وفي الثاني
((فاغفِر))، وفي الثالث ((فأكرِم))، وبيَّن في الثالث أنَّ ذلك كان يوم الخندق.
ثمَّ أورَدَ المصنِّف حديث سَهل: وهو ابن سعد بلفظ: ((ونحنُ نَحفر الخندق))، وفيه:
((فاغفِر)).
وقوله: ((على أكتادنا)) بالمثّة جمع كَتَد: وهو ما بين الكاهِل إلى الظَّهر، وللُشْمِيهنيِّ
بالموحّدة، ووُجِّه بأنَّ المراد: نَحمِله على جُنوبنا مَّا يَلي الكبد.
وقوله فيه: ((وعن قَتَادة عن أنس)) هو مَعطوف على الإسناد الأوَّل، وقد أخرجه مسلم
(١٨٠٥/ ١٢٧ -١٢٨) والتِّرمِذيّ والنَّسائيُّ من رواية غُندَر عن شُعْبة بالإسنادَينِ معاً (١).
١٠ - باب قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر: ٩]
٣٧٩٨- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ داودَ، عن فُضَيلٍ بنٍ غَزوانَ، عن أبي حازمٍ، عن
أبي هريرةَ ﴾: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ وَّةِ، فَبَعَثَ إلى نسائه، فقُلنَ: ما معنا إلا الماءُ، فقال
رسولُ اللهِ وَيِ: ((مَن يَضُمُّ أو يُضيفُ هذا؟» فقال رجلٌ مِن الأنصار: أنا، فانطَلَقَ به إلى
امرأتِه، فقال: أكرِمِي ضَيفَ رسولِ اللهِوَ لِّ، فقالت: ما عندنا إلَّا قُوتُ صِبياني، فقال: هَيِّي
طعامَكِ، وأصبِحِي سِراجَكِ، ونَوِّمي صِبيانكِ إذا أرادوا عَشَاءً، فَهَّأْتْ طعامَها، وأصبَحَت
◌ِراجَها، ونَوَّمَت صِبيانَها، ثمَّ قامَت كأنَّها تُصلِحُ سِراجَها فأطفَاتُهُ، فَجَعَلا يُرِيَانِه أنَّهما يأكلانِ،
فباتا طاوبَينٍ، فلمَّا أصبَحَ غَدَا إلى رسولِ الله وَّةِ، فقال: ((ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ، أو عَجِبَ من
فَعَالِكُمْ))، فَأَنزَلَ الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ.
(١) الذي عند الترمذي (٣٨٥٧) والنسائي في ((الكبرى)) (٨٢٥٧) من طريق غندر محمد بن جعفر عن
شعبة عن قتادة، ورواه النسائي أيضاً برقم (٨٢٥٥) و(٨٢٥٦) من طريق النضر بن شميل عن شعبة
عن أبي إياس وعن قتادة، فرَّقهما.

٢٢٥
باب ١٠ / ح ٣٧٩٨
كتاب مناقب الأنصار
فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[طرفه في: ٤٨٨٩]
قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾)) هو مَصيرٌ
منه إلى أنَّ الآية نزلت في الأنصار وهو ظاهر سياقها. وحديث الباب ظاهر في أنَّها نزلت في
قِصّة الأنصار فيُطابق الترجمة، وقد قيل: إنَّها نزلت في قِصّة أُخرَى، ويُمكِن الجمع.
قوله: ((أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ◌َّ) لم أقِفْ على اسمه، وسيأتي أنَّه أنصاريّ، زاد في رواية
أبي أسامة عن فُضَيلٍ بن غزوان في التفسير (٤٨٨٩): ((فقال: يا رسول الله، أصابني
الجهد))؛ أي: المشَقّة من الجوع، وفي رواية جَرِير عن فُضَيلٍ بن غزوان عند مسلم
(٢٠٥٤/ ١٧٢): إنّ مجهود.
قوله: ((فبَعَثَ إلى نسائه)) أي: يَطلُب منهنَّ ما يُضَيِّقه به.
قوله: «فقُلنَ: ما معنا» أي: ما عندنا «إلّا الماء)»، وفي رواية جرِیر: «ما عندي»، وفيه ما
يُشعِرِ بأنَّ ذلك كان في أوَّل الحال قبل أن يَفتَح الله لهم خَبَر وغيرها.
قوله: ((مَن يَضُمّ أو يُضَيِّف)) أي: مَن يُؤوي هذا فيُضَيِّقه، وكأنَّ ((أو)) للشكِّ، وفي رواية
أبي أسامة: ((ألا رجل يُضَيِّقه هذه اللّيلة يَرحمه الله)).
قوله: ((فقال رجل من الأنصار)) زَعَمَ ابن التِّين أنَّه ثابت بن قيس بن شَّاس، وقد أورَدَ
ذلك ابن بَشكوال من طريق أبي جعفر بن النَّحَاس بسندٍ له عن أبي المتوكّل الناجي مُرسَلاً،
ورواه إسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن)) ولكنَّ سياقه يُشعِر بأنَّهَا قِصّة أُخرَى لأنَّ لفظه:
أنَّ رجلاً من الأنصار عَبَرَ عليه ثلاثة أيام لا يَجِد ما يُفطِرِ عليه ويُصبح صائماً، حتَّى فُطِنَ له
رجل من الأنصار / يقال له ثابت بن قيس، فقَصَّ القِصّة، وهذا لا يَمنَع التعدُّد في الصَّنيع ١٢٠/٧
مع الضّيف وفي نزول الآية.
قال ابن بَشكُوال: وقيل: هو عبد الله بن رَوَاحة، ولم يَذكُر لذلك مُستَنَداً، وروى أبو
البَختَريّ القاضي - أحد الضُّعَفاء المتروكين - في كتاب ((صِفة النبيّ)) وَّ له: أنَّه أبو هريرة

٢٢٦
باب ١٠ / ح ٣٧٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
راوي الحديث، والصواب الذي يَتَعيَّن الجزم به في حديث أبي هريرة ما وَقَعَ عند مسلم
(٢٠٥٤ / ١٧٣) من طريق محمد بن فُضَيلِ بن غَزْوان عن أبيه بإسنادِ البخاريّ: ((فقامَ رجل
من الأنصار يقال له: أبو طلحة))، وبذلك جَزَمَ الخطيب لكنَّه قال: أظنّه غير أبي طلحة زيد
ابن سهل المشهور، وكأنَّه استبعد ذلك من وجهَینِ:
أحدهما: أنَّ أبا طلحة زيد بن سَهل مشهور لا يَحسُن أن يقال فيه: فقامَ رجل يقال له
أبو طلحة.
والثاني: أنَّ سياق القِصّة يُشعِر بأنَّه لم يكن عنده ما يَتَعَشَى به هو وأهله حتَّى احتاج إلى
إطفاء المصباح، وأبو طلحة زيد بن سَهل كان أكثر أنصاريّ بالمدينة مالاً، فيَبعُد أن يكون
بتلك الصِّفة من التقَلُّل، ويُمكِن الجواب عن الاستبعادَينِ، والله أعلم.
قوله: «إلّا قُوت صِبیاني)» يحتمل أن یکون هو وامرأته تَعَشَّیا وکان صِبیانهم حينئذٍ في
شُغلهم أو نياماً فأخَّروا لهم ما يكفيهم، أو نَسَبوا العَشاء إلى الصِّبية لأنَّهم إليه أشدّ طلباً،
وهذا هو المعتَمَد لقولِه في رواية أبي أُسامة: ((ونَطوي بُطوننا اللَيلة))، وفي آخِرِ هذه الرِّواية
أيضاً: «فأصبحا طاویینِ))، وقد وَقَعَ في روایة و کیع عند مسلم (٢٠٥٤/ ١٧٣): فلم يكن
عنده إلّا قُوتُه وقُوتُ صِبیانه.
قوله: ((وأَصبحي سِراجَك)) بهمزة قطع، أي: أوقِدِیه.
قوله: ((نَوِّمي صِبيانك)) في رواية لمسلمٍ (٢٠٥٤ / ١٧٢): عَلِّليهم بشيءٍ.
قوله: ((فجَعَلا يُرِيانه كأنَّهما)» في رواية الكُشْمِيهنيّ بحذفِ الكاف من كأنَّهما.
وقوله: ((طاوتَينٍ)) أي: بغير عَشاء.
قوله: ((ضَحِكَ الله اللَّيلة أو عَجِبَ من فَعَالِكُ)) في رواية جَرِير: ((من صَنيعك))، وفي
رواية التفسير (٤٨٨٩): ((من فلان وفلانة))، ونسبة الضَّحِك والتعجُّب إلى الله مَجَازِيَّة والمراد
بهما الرِّضا بصَنيعِهما، وقوله: ((فَعَالكما)) في روايةٍ: ((فِعْلكما)) بالإفراد (١)، قال في ((البارع)):
(١) لم نقف على هذه الرواية فيما بين أيدينا من المصادر إلا في المطبوع من كتاب ((الترغيب والترهيب)) لقوام
السُّنة الأصبهاني برقم (٢٠٣٤).

٢٢٧
باب ١١ / ح ٣٧٩٩ - ٣٨٠٠
كتاب مناقب الأنصار
الفَعَال بالفتح: اسم الفِعل الحَسَن مثل الجُود والكرم، وفي ((التهذيب)): الفَعَال بالفتح: فِعل
الواحد في الخير خاصّة يقال: هو كريم الفَعَال، بفتح الفاء، وقد يُستَعمَل في الشّ، والفِعال
بالكسرِ إذا كان الفِعلُ بين اثنين، يعني أنَّه مصدر فاعَلَ، مثل: قاتَلَ قِتالاً.
قوله: «فأنزلَ الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ ... )) إلى آخره، هذا هو الأصحّ في سبب
نزول هذه الآية، وعند ابن مردويه من طريق محارب بن دِثار عن ابن عمر: أُهديَ لرجلٍ
رأس شاة فقال: إنَّ أخي وعِیاله أحوَج منّا إلى هذا، فبَعَثَ به إلیه، فلم يزل يبعث به واحد
إلى آخر حتَّى رَجَعَت إلى الأوَّل بعد سبعة، فنزلت، ويحتمل أن تكون نزلت بسبب ذلك كلِّه.
قيل: في الحديث دليلٌ على نُفوذ فِعل الأب في الابن الصغير وإن كان مَطويّاً على ضَرَر
خفيف إذا كان في ذلك مَصلَحة دينيَّة أو دُنيَويَّة، وهو محمول على ما إذا عُرِفَ بالعادة من
الصغير الصبرُ على مثل ذلك، والعلم عند الله تعالى.
١٢١/٧
١١ - باب قول النبيِّ وَّ: ((اقبَلوا من مُحسِنِهم، وتَجَاوَزوا عن مُسيئِهم))
٣٧٩٩- حدَّثني محمَّدُ بنُ يحيى أبو عليٍّ، حدَّثنا شاذانُ أخو عَبْدان، حدَّثنا أبي، أخبَرَنا
شُعْبةُ بنُ الحجّاج، عن هشامِ بنِ زيدٍ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ، يقول: مَّ أبو بكرٍ والعبَّاسُ
رضي الله عنهما بمجلِسٍ من تجالس الأنصار وهم ییکونَ، فقال: ما يُیکیگُم؟ قالوا: ذكرْنا مَجلِسَ
النبيِّ ◌َّهِ مِنّا، فَدَخَلَ على النبيِّ وََّ فأخبَرَه بذلكَ، قال: فَخَرَجَ النبيُّ ◌َّه وقد عَصَبَ على
رأسِه حاشيةَ بُرْدٍ، قال: فصَعِدَ المِنِبَ، ولم يَصعَدْه بعدَ ذلك اليومِ، فحَمِدَ الله وأثنَى عليه، ثمَّ
قال: ((أُوصِيكُم بالأنصار، فإنَهم كَرِشي وعَيبَتي، وقد قَضَوا الذي عليهم وبَفيَ الذي لهم،
فاقبَلوا من مُحسِنِهم، وتَجاوَزوا عن مُسيئِهم)).
[طرفه في: ٣٨٠١ ]
٣٨٠٠- حدَّثنا أحمدُ بنُ يعقوبَ، حدَّثنا ابنُ الغَسيلِ، سمعتُ عِكْرمةَ، يقول: سمعتُ ابنَ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما، يقول: خَرَجَ رسولُ الله ◌َّهِ وعليه مِلحَفةٌ مُتَعَطِّقاً بها على مَنكِيَه، وعليه
عِصابةٌ دَسماءُ، حَتَّى جَلَسَ على المِيرِ، فحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه، ثمَّ قال: ((أمَّا بعدُ، أيُّها الناسُ، إِنَّ الناسَ

٢٢٨
باب ١١ / ح ٣٧٩٩-٣٨٠١
فتح الباري بشرح البخاري
يَكثُرُونَ وتَقِلُّ الأنصارُ، حتَّى يكونوا كالملح في الطَّعامِ، فمَن وَلِيَ منكم أمراً يَضُرُّ فيه أحداً، أو
يَنفَعُه فليَقبَلْ من مُحسِنِهِم، ويَتَجاوَزْ عن مُسيئِهم)).
٣٨٠١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارِ، حدَّثْنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ قَتَادَةَ، عن أنسِ
ابنِ مالكٍ ◌ُ، عن النبيِّ وَّ: قال: ((الأنصارُ كَرِشي وعَبِيَتَي، والناسُ سَيَكْثُرُونَ ويَقِلُّونَ، فاقبَلُوا
من مُحسِنِهم، وَجَاوَزُوا عن مُسيئِهم)).
قوله: ((باب قول النبيِّ وَّهِ: اقْبَلوا من مُحسِنهم وتَجَاوَزوا عن مُسيئهم)) يعني: الأنصار.
قوله: ((حدَّثني محمَّد بن يحيى أبو عليّ) هو اليَشكُريّ المروزيُّ الصّائغ، كان أحد الحُفّاظ،
مات قبل البخاريّ بأربع سِنین.
قوله: ((حدَّثنا شاذان أخو عَبْدان)) هو عبد العزيز بن عثمان بن جَبَلة، وهو أصغَر من
أخيه عَبْدان، وقد أكثرَ البخاريّ عن عَبْدان وأدرَكَ شاذان لكنّه روى عنه هنا بواسطة.
قوله: «مرَّ أبو بكر» أي: الصِّدِّیق «والعبّاس» أي: ابن عبد المطلب، وكان ذلك في مرض
النبيِّ ێ وهم يبكون.
قوله: ((فقال: ما يُبكيكُم؟» لم أقِفْ على اسم الذي خاطَبَهم بذلك، هل هو أبو بكر أو
العبّاس، ويَظهَر لي أنَّه العبّاس.
قوله: «ذكرنا مجلِسَ النبيِّ پڼ)) أي: الذي كانوا يجلِسونه معه، و کان ذلك في مرض
النبيّ وَّهِ، فخَشَوْا أن يموت مِن مرضه فيَفْقِدوا مَجَلِسَه، فبكَوْا حُزناً على فَوَات ذلك.
قوله: ((فَدَخَلَ)) كذا أفرَدَ بعد أن ثَنَّى، والمراد به مَن خاطَبَهم، وقد قَدَّمت رُجْحان أنَّه
العَبَّاس؛ لكونِ الحديث من رواية ابنه، وكأنَّه إنَّما سمعَ ذلك منه.
قوله: ((حاشية بُرْد)) في رواية المُستَمْلي: ((حاشية بُرْدة)) بزيادة هاء التأنيث.
قوله: ((أُوصيكم بالأنصار)) استَنْبَطَ منه بعض الأئمّة: أنَّ الخلافة لا تكون في الأنصار
لأنَّ مَن فيهم الخلافةَ يُوصونَ ولا يوصَى بهم، ولا دلالة فيه إذ لا مانعَ من ذلك.

٢٢٩
باب ١١ / ح ٣٧٩٩ -٣٨٠١
كتاب مناقب الأنصار
قوله: ((كَرِشِيٍ وعَبِبَتَي)) أي: بِطانتي وخاصَّتي. قال القَزّاز: ضَرَبَ المثَل بالكَرِشِ لأنَّه
مُستَقَرّ غِذاء الحيوان الذي يكون فيه نَاؤُه، ويقال: لفلانٌ كَرِشٌ مَنثورةٌ، أي: عيالٌ كثيرٌ،
والعَيبة بفتح المهمَلة وسكون المثنّاة بعدها موخَّدة: ما يُرِز فيه الرجلُ نَفِيسَ ما عنده، يريد
أنَّهم موضع سِرِّه وأمانتِه. قال ابن دُرَيدٍ: هذا من كلامه ◌َّهِ الموجز الذي لم يُسبَق إليه.
وقال غيره: الكَرِش بمَنزِلة المعِدة للإنسان، والعَيْبة/ مُستَودَع الثّياب، والأوَّل أمر باطِن، ١٢٢/٧
والثاني أمر ظاهر، فكأنَّه ضَرَبَ المثَل بهما في إرادة اختصاصهم بأُموره الباطِنة والظّاهرة،
والأوَّل أولَى، وكلّ من الأمرَينِ مُستَودَع لمَا يُحِفَی فیه.
قوله: ((وقد قَضَوا الذي عليهم وبَقيَ الذي لهم)) يشير إلى ما وَقَعَ لهم ليلةَ العَقَبة من
المبايعة، فإنَّهم بايعوا على أن يُؤووا النبيّ ◌َّهِ ويَنصُروه على أنَّ لهم الجنَّة، فوَفوا بذلك.
قوله: ((حدَّثنا ابن الغَسيل)) هو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حَنظَلة الأنصاريّ،
وحَنظَلة هو غسيل الملائكة، وعبد الرحمن المذكور يُكْنَى أبا سليمان.
قوله: ((مِلحَفة)» بکسر أوَّله.
قوله: ((مُتَعَطِّفاً بها)) أي: مُتَوَشِّحاً مُرتَدياً، والعِطاف: الرِّداء، سُمَّ بذلك لوضعه على
العِطفَينِ: وهما ناحيَتَا العُنُق، ويُطلَق على الأرديَة مَعاطِفُ.
قوله: ((وعليه عِصابة)) بكسر أوَّله: وهي ما يُشَدّ به الرَّأس وغيرها، وقيل: في الرَّأس
بالتاء وفي غير الرَّأس يقال: عِصاب فقط، وهذا يَرُدّه قوله في الحديث الذي أخرجه مسلم
(٢٠٤٠ / ١٤٣): عَصَبَ بطنه بعِصابةٍ.
قوله: ((دَسْماء)) أي: لكونها كلَونِ الدَّسَم: وهو الدُّهن، وقيل: المراد أنَّها سوداء لكن
ليست خالصة السَّواد، ويحتمل أن تكون اسوَدَت من العَرَق أو من الطّيب كالغالية (١).
ووَقَعَ في الجمعة (٩٢٧): ((دَسِمة)) بكسر السّين، وقد تَبيَّن من حديث أنس الذي قبله أنَّها
(١) الغالية: أخلاط من الطِّيب.

٢٣٠
باب ١١ / ح ٣٧٩٩ -٣٨٠١
فتح الباري بشرح البخاري
كانت حاشية البُرْد، والحاشية غالباً تكون من لون غير لون الأصل، وقيل: المراد بالعِصابة
العِمامة، ومنه حديث المسح على العصائب(١).
قوله: ((حتَّى جَلَسَ على المِنْبَ)) تَبيَّن من حديث أنس الذي قبله سبب ذلك، وعُرِفَ أنَّ ذلك
كان في مرض موته وَله، وصَرَّحَ به في علامات النُّبوّة (٣٦٢٨)، وتقدَّم في الجمعة (٩٢٧)
من هذا الوجه وزاد: وكان آخرَ مَجَلِسِ جَلَسَه.
قوله في حديث أنس(٢): ((وإنَّ الناس سَيَكثُرُونَ ويَقِلُّونَ)) أي: أنَّ الأنصار يَقِلُّون، وفيه
إشارة إلى دخول قبائل العرب والعَجَم في الإسلام وهم أضعافُ أضعافٍ قبيلة الأنصار،
فمهما فُرِضَ في الأنصار من الكَثْرة بالتَّنَاسُلِ(٣)، فُرِضَ في كلّ طائفة من أولئك، فهم أبداً
بالنِّسبة إلى غيرهم قليل، ويحتمل أن يكون بَّهِ الطَّلَعَ على أنَّهم يَقِلُّونَ مُطلَقاً، فأخبر بذلك
فكان كما أخبر، لأنَّ الموجودين الآنَ من ذُرِّيَّة عليّ بن أبي طالب مَمَّن يَتَحقَّق نَسَبُه إليه
أضعاف مَن يوجد من قبيلَتَي الأوس والخَزَرَج ثمّن يَتَحقَّق نَسَبه وقِسْ على ذلك، ولا
التِفات إلى كَثْرة مَن يَدَّعي أنَّه منهم بغیر بُرهان.
قوله: ((فمَن وليَ منكم أمراً يَضُرّ فيه أحداً أو يَنفَعه)) قيل: فيه إشارة إلى أنَّ الخلافة لا
تكون في الأنصار. قلت: وليس صريحاً في ذلك إذ لا يَمتَنِعِ النَّوصية على تقدير أن يقع الجَور،
ولا التَّوصية للمَتبوع، سواءٌ كان منهم أو من غيرهم.
وقوله: ((حتَّى يكونوا كالملح في الطَّعام)) في علامات النُّبوّة (٣٦٢٨): ((بمَنزِلة الملح في
الطَّعام)) أي: في القِلّة، لأنَّه جَعَلَ غاية قِلَّتهم الانتهاء إلى ذلك، والملح بالنِّسبة إلى ◌ُملة
الطَّعام جُزءٌ يسير منه، والمراد بذلك المعتَدِل.
قوله: ((ويَتَجاوَز عن مُسيئهم)) أي: في غیر الحدود وحقوق الناس.
(١) أخرجه أحمد (٢٢٣٨٣)، وأبو داود (١٤٦) من حديث ثوبان، وإسناده صحيح.
(٢) كذا وقع في الأصلين و(س)، والصحيح أن هذا القول واللذان يليانه إنما وقع في حديث ابن عباس،
وأما القول الأخير فهو لفظ مشترك وقع في الحدیثین.
(٣) في (ع) و(س): كالتناسل، وما أثبتناه من (أ)، وهو الأنسب لظاهر السياق.

٢٣١
باب ١٢ / ح ٣٨٠٢ - ٣٨٠٤
كتاب مناقب الأنصار
١٢٣/٧
١٢ - باب مناقب سعد بن معاذٍ﴾
٣٨٠٢ - حدَّثَنَا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ
البراءَ ﴾ يقول: أُهدَيَت للنبيِّ وَِّ حُلَّةُ حَرِيرٍ، فجَعَلَ أصحابُه ◌َمَسُّونَها ويعجبونَ من لِينِها،
فقال: ((أَتعجبونَ من لِينِ هذه؟ لَمناديلُ سعدِ بنِ معاذٍ خيرٌ منها، أو أَلَنُ)).
رواه قَتَادَةُ والزُّهْريُّ، سَمعا أنساً، عن النبيِّ ◌َله.
٣٨٠٣- حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا فضلُ بنُ مُساوِرٍ، خَتَنُ أبي عَوَانَةَ، حدَّثنا أبو
عَوَانَةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ ◌َُه، سمعتُ النبيَّ ◌َّل يقول: ((اهتَزَّ العَرشُ
لموتِ سعدِ بنِ معاذٍ)).
وعن الأعمَشِ، حدَّثنا أبو صالحٍ، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَّةِ، مثلَه، فقال رجلٌ لجابرِ: فإنَّ
البراءَ يقول: اهتَزَّ السَّريرُ! فقال: إنَّه كان بين هذَينِ الحَّينِ ضَغائنُ، سمعتُ النبيَّ ◌َّ يقول:
((اهتَزَّ عَرشُ الرحمنِ لموتِ سعدِ بنِ معاذٍ)).
٣٨٠٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرعَرَةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبي أمامةَ بنِ
سَهلٍ بِنِ حُنَيفٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ﴾: أنَّ أناساً نَزلوا على حُكمِ سعدِ بنِ معاذٍ، فأرسَلَ
إليه، فجاء على حِمَارٍ، فلمَّا بَلَغَ قريباً مِن المسجدِ قال النبيُّ ◌َهُوَ: ((قُوموا إلى خَيرِكُم - أو سَيِّدِكُمِ))
فقال: ((يا سعدُ، إنَّ هؤلاءِ نَزَلوا على حُكمِكَ)) قال: فإنّ أحكُمُ فيهم أن تُقتَلَ مُقاتِلَتُهم،
وتُسبَى ذَرَارِيُهم، قال: ((حَكَمَتَ بِحُكْمِ الله، أو بحُكْمِ الملِكِ)).
قوله: ((باب مناقب سعد بن معاذ)) أي: ابن النُّعمان بن امرئ القيس بن عبد الأشهَل،
وهو كبير الأوس، كما أنَّ سعد بن عُبَادة كبير الخَزَرَج، وإيّاهما أراد الشّاعر بقولِه:
فإن يُسلِمِ السَّعْدانِ يُصبِحْ محمَّدٌ بمكَّةَ لا يَخْشَى خِلافَ المُخالِفِ(١)
(١) أخرج ابن أبي الدنيا في ((الهواتف)) (٧٥) من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن عبد المجيد بن
أبي عبس بن محمد بن جبر عن أبيه عن جده قال: سمعت قريش صائحاً يصيح على أبي قبيس، فذكره.
ونحوه في ((الدلائل)) للبيهقي ٤٢٨/٢، وابن الكلبي ضعيف جدّاً.

٢٣٢
باب ١٢ / ح ٣٨٠٢ - ٣٨٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أُهديَت للنبيِّ وَِّ حُلّة حَرير)) الذي أهداها له أُكَيدِر دُومة(١)، كما بيَّنه أنس في
حديثه المتقدِّم في كتاب الهِبة (٢٦١٦).
قوله: ((رواه قَتَادةُ والزّهْريّ، سَمِعَا أنساً عن النبيّ ◌ِ)) أمَّا رواية قَتَادة فَوَصَلَها المؤلِّف
في الهِبة (٢٦١٥)، وأمَّا رواية الزُّهْريِّ فَوَصَلَها في اللِّباس(٢)، ويأتي ما يتعلَّق بها هناكَ إن
شاء الله تعالى.
قوله: ((حدَّثنا فَضْل بن مُساوِر)) بضمٌّ الميم وتخفيف المهمَلة، هو بصريّ يُكْنَى أبا المساوِر،
وكان خَتَن أبي عَوَانة، وليس له في البخاريّ إلّا هذا الموضع.
قوله: ((خَتَنُ أبي عَوَانة)) بفتح المعجَمة والمثنّة، أي: صِهِرُه زوج ابنته، والخَتَن يُطلَق على
كلّ مَن كان من أقارب المرأة.
قوله: ((وعن الأعمَش)) هو معطوف على الإسناد الذي قبلَه، وهذا من شأن البخاريِّ في
حديث أبي سفيان طلحةَ بن نافع صاحبٍ جابرٍ لا يُجْرِج له إلّا مقروناً بغيره أو استشهاداً.
قوله: (فقال رجل جابر)) لم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((فإنَّ البراء يقول: اهتَزَّ السَّرير)) أي: الذي ◌ُلَ عليه.
قوله: ((إنَّه كان بين هذَينِ الحَّينِ)) أي: الأوس والخَزْرَج.
قوله: ((ضَغائن)) بالضّادِ والغَين المعجَمتَينِ، جمع ضَغينة: وهي الحِقد، قال الخطّابُّ: إنَّما
قال جابر ذلك لأنَّ سعداً كان من الأوس والبراء من الخَزْرَج، والخزرجُ لا تُقِرُّ للأوسِ
بفضلٍ، كذا قال! وهو خطأ فاحش، فإنَّ البراء أيضاً أوسيٍّ لأنَّه ابن عازب بن الحارث بن
(١) دُومة: موضع في بلاد الشام قرب تبوك، وكان أكيدر ملكها: وهو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الحي
الكندي، وكان نصرانيّاً، صالحه النبي وَّر وأمَّنه، ووضع عليه وعلى أهله الجزية، ثم نقض الصلح بعد
وفاة النبي ◌ُّ، فغزاه خالد بن الوليد في عهد أبي بكر فقتله، انظر ((الإصابة)) لابن حجر ٢٤١/١.
(٢) كذا قال الحافظ، وهو ذهولٌ منه، فطريق الزهري إنما علَّقها المصنف تعليقاً في باب (٢٦): مس الحرير من
غير لبس، بين يدي الحديث (٥٨٣٦)، وعزاه هو هناك للطبراني ولتّام في ((فوائده))، وهو عند الطبراني
في ((الكبير)) برقم (٥٣٤٧)، وفي ((الفوائد)) لتمام برقم (٥٤٠).

٢٣٣
باب ١٢ / ح ٣٨٠٢ - ٣٨٠٤
كتاب مناقب الأنصار
عَديّ بن مَجْدَعةَ بن حارثة بن الحارث بن الخَزْرَج بن عَمْرو بن مالك بن الأوس، يجتمع
مع سعد بن معاذ في الحارث بن الخزرج، والخزرج والد الحارث بن الخزرج، وليس هو
الخَزَرَج الذي يقابل الأوس وإنَّما سُمِّيَ على اسمه، نعم الذي من الخَزَرَج الذين هم مُقابِلو
الأوس جابرٌ، وإنَّما قال جابر ذلك إظهاراً للحقِّ واعترافاً بالفضل لأهلِهِ، فكأنَّه تَعَجَّبَ
من البراء کیف قال ذلك مع أنَّه أوسيّ، ثمّ قال: أنا - وإن کنت خَزرجیّاً، وکان بین الأوس
والخَزَرَج ما كان - لا يَمنَعني ذلك أن أقول الحقّ، فذكر الحديث. والعُذر للبراءِ أنَّه لم
يَقصِد تَغطية فضل سعد بن معاذ، وإنَّما فهمَ ذلك فجَزَمَ به، هذا الذي يَليق أن يُظَنّ به،
وهو دالٌّ على عدم تعصُّبه.
ولمَّا جَزَمَ الخطَّبيُّ بما تقدَّم احتاجَ هو ومَن تَبعَه إلى الاعتذار عَّ صَدَرَ من جابر في حَقّ
البراء وقالوا في ذلك ما مُحُصَّلُه: إنَّ البراء مَعذور لأنَّه لم يَقُل ذلك على سبيل العَداوة
لسعدٍ، وإِنَّمَا فَهِمَ شيئاً مُحتمَلاً فحَمَلَ الحديث عليه، والعُذر لجابر أنَّه ظنَّ أنَّ/ البراء أراد ١٢٤/٧
الغَضَّ من سعد فساغَ له أن ينتصر له، والله أعلم.
وقد أنكَرَ ابن عمر ما أنكَرَه البراء فقال: إنَّ العَرش لا يَهتَزّ لأحدٍ، ثمَّ رَجَعَ عن ذلك
وجَزَمَ بأنَّه اهتَزَّ له عَرْش الرحمن، أخرج ذلك ابن حِبّان من طريق مجاهد عنه(١)، والمراد
باهتزاز العرش: استبشاره وسُروره بقدومِ رُوحه (٣)، يقال لكلِّ مَن فِرِحَ بقدومِ قادِم علیه:
اهتَزَّ له، ومنه: اهتزَّت الأرض بالنَّبات: إذا اخضَرَّت وحَسُنَت، ووَقَعَ ذلك من حديث
ابن عمر عند الحاكم(٣) بلفظ: ((اهتزّ العرشُ فَرَحاً به)) لكنَّه تأوَّلَه كما تأوَّله البراء بن عازب
(١) الذي في المطبوع من («صحيحه)) (٧٠٣٤) من طريق مجاهد عنه ذكرُ قصة ضمِّ القبر لمعاذ، دون ذكر
اهتزاز العرش.
(٢) قال الإمام البغوي في ((شرح السنة)) ١٤ / ١٨٠: والأولى إجراؤه على ظاهره، وكذلك قوله عليه السلام:
(أُحد جبل يحبنا ونحبه))، ولا ينكر اهتزاز ما لا روح فيه بالأنبياء والأولياء كما اهتز أُحد وعليه رسول الله وَه
وأبو بكر وعمر وعثمان، وكما اضطربت الأسطوانة على مفارقته اصله.
(٣) في ((المستدرك)) ٢٠٦/٣، وليس في المطبوع منه قوله: ((فرحاً به))، وهذه اللفظة وقعت عند ابن سعد في
«الطبقات)) ٣/ ٤٣٤ من مرسل الحسن ومن قوله ..

٢٣٤
باب ١٢ / ح ٣٨٠٢ - ٣٨٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
فقال: اهتَزَّ العَرش فرَحاً بلِقاءِ الله سعداً حتَّى تَفَسَّخَت أعواده على عَواتقنا، قال ابن عمر:
يعني: عَرش سعد الذي ◌ُلَ عليه، وهذا من رواية عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن
عمر، وفي حديث عطاء مقال لأنَّه ممَّن اختَلَطَ في آخِرِ عمره.
ويعارض روايتَه أيضاً ما صَخَّحَه التِّرمِذيّ (٣٨٤٩) من حديث أنس قال: لمَّا حُمِلَت
جِنازة سعد بن معاذ قال المنافقونَ: ما أخَفّ جِنازَته، فقال النبيّ وَلِّ: ((إنَّ الملائكة كانت
تَحمِلُه)). قال الحاكم: الأحاديث التي تُصَرِّح باهتِزاز عرش الرحمن مُخرَّجة في ((الصحیحینِ))،
ولیس لمُعارضِھا في «الصحیح» ذِكْر، انتھی.
وقيل: المراد باهتِزاز العَرش: اهتِزازُ حَمَلة العَرش، ويُؤْيِّده حديث: ((إنَّ چِبْريل قال:
مَن هذا الميِّت الذي فُتِحَت له أبواب السماء واستَبشَرَ به أهلُها)) أخرجه الحاكم(١)، وقيل:
هي علامة نَصَبَها الله لموتِ مَن يموت من أوليائه ليُشعِر ملائكته بفضلِهِ.
وقال الحَرْبِيّ: إذا عَظَّموا الأمر نَسَبوه إلى عظيم كما يقولون: قامَت لموتٍ فلان القيامة،
وأظلَمَت الدُّنيا ونحو ذلك، وفي هذه مَنقَبة عظيمة لسعدٍ، وأمَّا تأويل البراء على أنَّه أراد
بالعَرشِ السَّريرَ الذي حَلَه عليه فلا يَستَلِزِم ذلك فضلاً له لأنَّه يَشرَكُه في ذلك كلّ ميِّت،
إلّا أنَّه يريد: اهتَزَّ حَمَلَة السَّرير فَرَحاً بقدومِه على رَبّه فِيُنَّجَه.
ووَقَعَ لمالك نحو ما وَقَعَ لابنِ عمر أوَّلاً، فذكر صاحب ((العُتبيَّة)) فيها: أنَّ مالكاً سُئِلَ
عن هذا الحديث فقال: أَنهاكَ أن تقولَه، وما يَدعُو المرء أن يتكلّم بهذا وما يَدري ما فيه من
الغُرور. قال أبو الوليد بن رُشد في ((شرح العُتبيَّة)): إنَّما نَهَى مالكٌ لثَلَا يَسبق إلى وَهْم
الجاهل أنَّ العَرش إذا تَحرَّكَ يَتَحرَّك الله بحَرَگَتِه کما یقع للجالسِ منّا علی ◌ُرسیّه، ولیس
العَرش بموضَع استقرار الله، تَبَارَكَ الله وتَتَزَّهَ عن مُشابهة خَلقه. انتَهَى مُلخَّصاً.
والذي يَظهَر أنَّ مالكاً ما نهى عنه لهذا، إذ لو خَشِيَ من هذا لمَا أسنَدَ في ((الموطَّ)) (٢١٤/١)
حديث: ((يَنْزِل الله إلى سَماء الدُّنيا)) لأنَّه أصرَحُ في الحركة من اهتزاز العَرش، ومع ذلك فمُعتَقَد
(١) في ((الإكليل)) له كما في ((عمدة القاري)) ٤٣٩/٢٤، وهو بنحوه في ((المستدرك)) ٢٠٥/٣.

٢٣٥
باب ١٢ / ح ٣٨٠٢ - ٣٨٠٤
كتاب مناقب الأنصار
سَلَف الأئمَّة وعُلَماء السُّنّة من الخَلَف أنَّ الله مُثَّه عن الحركة والتحوُّل والحُلول ليس كمثلِه
شيء(١)، ويحتمل الفَرق بأنَّ حديث سعد ما ثَبَتَ عنده، فأمَرَ بالكَفِّ عن التحدُّث به، بخلاف
حديث التُّرول فإنَّه ثابتٌ فرواه ووَكَلَ أمرَه إلى فَهْم أُولي العلم الذين يَسمَعونَ في القرآن
﴿أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ونحو ذلك. وقد جاء حديث اهتزاز العَرش لسعدِ بن
معاذ عن عشرة من الصحابة أو أكثر (٢) وثَبَتَ في ((الصحيحَينِ))، فلا معنى لإنكارِه.
قوله: ((إنَّ أُناساً نزلوا على حُكم سعد)) هم بنو قُرَيظة، وسيأتي شرح ذلك في المغازي
(٤١٢١).
وقوله في هذه الرِّواية: ((فلمَّا بَلَغَ قريباً من المسجد)) أي: الذي أعَدَّه النبيّ ◌َّهِ أَيامَ مُحاصَرَته
لبني قُرَيظة للصَّلاة فيه. وأخطأً مَن زَعَمَ أنَّه غَلَطٌ من الراوي لظَنِّه أنَّه أراد بالمسجدِ المسجدَ
النَّبويّ بالمدينة وقال: إنَّ الصواب ما وَقَعَ عند أبي داود الطيالسي (٢٣٥٤) من طريق
شُعْبة / أيضاً بهذا الإسناد بلفظ: ((فلمَّا دَنا من النبيّ وَّ). انتَهَى، وإذا حُمِلَ على ما قَرَّرته لم ١٢٥/٧
يكن بين اللَّفظَينِ تَنافٍ، وقد أخرجه مسلم (١٧٦٨) كما أخرجه البخاريّ كذلك.
(١) الذي نقله الإمام الترمذي عن السلف الصالح رضوان الله عليهم في ((باب ما جاء في فضل الصدقة)) من
كتاب الزكاة ما نصُّه: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث (يعني حديث: يأخذ الله الصدقة
بيمينه) وما يشبه هذا من الروايات من الصِّفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا،
قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويُؤمَن بها ولا يُتوهّم، ولا يقال: كيف؟ هكذا روي عن مالك
وسفيان بن عيينة وابن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم
من أهل السنة والجماعة.
وأما الجهمية، فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه. وقد ذكر الله تعالى في غير موضع من كتابه اليدَ
والسمع والبصر، فتأوَّلت الجهميةُ هذه الآيات ففَسَّروها على غير ما فَسَّر أهلُ العلم .. وقال إسحاق بن
إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يدٌ كيدٍ، أو مثلُ يدٍ، أو سمعٌ كسمعٍ، أو مثلُ سمع، فهذا التشبيه، فإذا
قال كما قال الله تعالى: يدٌ وسمعٌ وبصرٌ، ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمعٍ، فهذا لا يكون
تشبيهاً، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، انتهى.
(٢) انظر هذه الشواهد في التعليق على ((مسند أحمد)) عند حديث أبي سعيد الخدري برقم (١١١٨٤)، وفي
((مجمع الزوائد)) للحافظ الهيثمي ٣٠٨/٩-٣٠٩.

٢٣٦
باب ١٣ / ح ٣٨٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
١٣ - باب مَنقَبة أُسَيد بن حُضَيرٍ وعبّاد بن بشرِ رضي الله عنهما
٣٨٠٥- حدَّثنا عليٌّ بنُ مسلم، حدَّثنا حَبّانُ، حَدَّثْنَا هَمَّامٌ، أخبرنا قَتَادِقُ عن أنسٍ ﴾: أنَّرَجُلینِ
خَرَجا من عندِ النبيِّ ◌َ ◌ّه في ليلةٍ مُظلمةٍ، وإذا نورٌ بين أيدِيهما، حتَّى تَفرَّقا فَتَّقَ النّورُ معهما.
وقال مَعمَرٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ: إنَّ أُسَيدَ بنَ حُضَيرٍ ورجلاً مِن الأنصار.
وقال حَمَّدٌ: أخبرنا ثابتٌ، عن أنسٍ: كان أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ وعبّادُ بنُ بشرٍ عندَ النبيِّ ◌ََّ.
قوله: ((باب مَنقَبة أُسَيد بن حُضَير وعبّاد بن بشر)) هو أُسَيد بن حُضَير بن سِماك بن عَتِيك
ابن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاريّ الأوسيّ الأشھَليّ، يُكْنَى أبا یحیی،
وقيل غير ذلك، وماتَ في سنة عشرين في خلافة عمر على الأصحّ.
وعبّاد بن بشر: هو ابن وَقْش كما سأُبيِّنُهُ، وفي تاريخ البخاريّ (٤٧/٢) و ((مُسنَد أبي يَعْلَى))
(٤٣٨٩) وصَحَّحَه الحاكم (٢٢٩/٣) من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عبّاد عن أبيه عن
عائشة قالت: ثلاثةٌ من الأنصار لم يكن أحدٌ يَعتَدّ عليهم فضلاً، كلَّهم من بني عبد الأشهَل:
سعد بن معاذ وأُسَيد بن حُضَير وعبّاد بن بشر.
قوله: ((إنَّ رجلينٍ)) ظَهَرَ من رواية مَعمَر أنَّ أُسَيد بن حُضَير أحدُهما، ومن رواية حمّاد
أنَّ الثاني عبّاد بن بشر، ولذلك جَزَمَ به المؤلِّف في الترجمة وأشارَ إلى حديثهما.
فأمَّا رواية مَعمَر فَوَصَلَها عبد الرَّزّاق في ((مُصنَّفه)) (٢٠٥٤١) عنه، ومن طريقه الإسماعيليّ
بلفظ: إنَّ أُسَيد بن حُضَيرٍ ورجلاً من الأنصار تَحَدَّثًا عند رسول الله وَلِّ حَتَّى ذهب من
اللَّيل ساعةٌ في ليلة شديدةِ الظُّلمة، ثمَّ خَرَجا وبَيَدِ كلٌّ منهما عُصَيَّة، فأضاءَت عَصا أحدِهما
حتَّى مَشَيا في ضَوئِها، حتَّى إذا افتَرَقَت بهما الطَّريق أضاءَت عَصا الآخَر فمَشَى كلٌّ منهما
في ضوء عَصاه حتَّى بَلَغَ أهلَه.
وأمَّا رواية حمّاد بن سَلَمة فَوَصَلَها أحمد (١٢٩٨٠) والحاكم في ((المستدرَك)) (٢٨٨/٣)
بلفظ: إنَّ أُسَيد بن حُضَيرٍ وعبّاد بن بشر كانا عند النبيّ وَّ في ليلة ظلماءَ حِندِس، فلمَّا خَرَجا
أضاءَت عَصَا أحدِهما فمَشَيا في ضَوئها، فلمَّا افتَرَقَت بهما الطَّريق أضاءَت عَصَا الآخَر.

٢٣٧
باب ١٤ / ح ٣٨٠٦
كتاب مناقب الأنصار
قوله: (عبّاد بن بِشْر)) كذا للأكثر بكسر الموحّدة وسكون المعجمة، وفي رواية أبي الحسن
القابِسيّ ((بَشير)) بفتح أوَّله وكسر ثانيه وزيادة تحتانيَّة وهو غَلَط، وفي الصحابة عباد بن بشر
ابن قَيظيّ، وعبّاد بن بشر بن نَهِيك، وعبّاد بن بشر بن وَقْش، وصاحب هذه القِصّة هو
هذا الثالث، ووَهِمَ مَن زَعَمَ خلاف ذلك.
١٤- باب مناقب معاذ بن جبلٍ
٣٨٠٦- حدَّثني محمَّدُ بنُ بَّارٍ، حَدَّثنا غُندَرٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمِرٍو، عن إبراهيمَ، عن
مَسروقٍ، عن عبدِ الله بنِ عَمِرٍو رضي الله عنهما، سمعتُ النبيَّ وَِّ، يقول: ((استَقِرِئوا القُرآنَ من
أربعةٍ: مِنِ ابنِ مسعودٍ، وسالمٍ مَولَى أبي حُذَيفةَ، وأَيِّ، ومعاذِبنِ جَبَلٍ».
قوله: ((مناقب معاذ بن جبل)) أي: ابن عَمْرو بن أوس، من بني أسَد بن ساردةً بن
تَزِيد (١) - بفتح المثنّاة الفَوْقانيَّة - بن جُشَم بن الخَزَرَجِ الخَزْرَجيّ، يُكْنَى أبا عبد الرحمن،
شَهِدَ بدراً والعَقَبة، وكان أميراً للنبيِّ ◌َِّ على اليمن، ورَجَعَ بعده إلى المدينة، ثمَّ خرج إلى
الشّام ◌ُجاهداً فماتَ في طاعون عَمَواس سنة ثماني عشرة.
ذكر فيه حديث عبد الله بن عَمْرو: ((استقرِئوا القرآن))، وقد تقدَّم شرحه قريباً (٣٧٥٨
و ٣٧٦٠)، وقد أخرج ابن حِبّان (٧١٢٩) والتِّرمِذيّ (٣٧٩٥) من حديث أبي هريرة رفعه:
(نِعمَ الرجل معاذ بن جبل)). كان عَقبّاً بدريّاً من فقهاء الصحابة، وقد أخرج التُّرمِذيّ
(٣٧٩٠) وابن ماجَهْ (١٥٤) عن أنس رَفَعَه: / «أرحَم أمَّتي أبو بكر - وفيه - وأعلَمُهم بالحلال ١٢٦/٧
والحرام معاذ)) ورجاله ثقات، وصَحَّ عن عمر أنَّه قال: مَن أراد الفقه فليأتِ معاذاً(٢)،
وسيأتي له ذِكْر في تفسير سورة النَّحل، وعاشَ معاذ ثلاثاً وثلاثين سنة على الصحيح.
(١) كذا في الأصلين على الصواب، وهو الموافق لما ضبطه أصحاب المشتبه وغيرهم، وتصحف في (س) إلى:
شاردة بن يزيد، انظر ((توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأسمائهم)) ١٣٦/٥.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٣١٦/١٢، والبيهقي في ((الكبرى)) ٦/ ٢١٠ من طريقين عن موسى
ابن عُليٌّ بن رباح عن أبيه أن عمر خطب الناس في الجابية ... إلى آخره.

٢٣٨
باب ١٥ / ح ٣٨٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
١٥ - باب مَنقَبة سعد بن عبادة
وقالت عائشةُ: وكان قبلَ ذلك رجلاً صالحاً.
٣٨٠٧- حدّثنا إسحاقُ، حدَّثنا عبدُ الصمَدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، قال: سمعتُ
أنسَ بنَ مالكٍ ﴾ قال أبو أُسَيدٍ: قال رسولُ اللهِ وَله: خيرُ دُورِ الأنصار بنو النَّجّار، ثمَّ بنو
عبدِ الأشهَلِ، ثمَّ بنو الحارثِ بنِ الخَزرَجِ، ثمَّ بنو ساعدةَ، وفي كلِّ دورِ الأنصار خيرٌ))، فقال
سعدُ بنُ عُبَادةَ، وكان ذا قِدَمٍ في الإسلامِ: أَرَى رسولَ الله بَّهِ قد فضَّلَ علينا، فقيلَ له: قد
فضَّلکم على ناسٍ کثیرٍ.
قوله: ((مَنقَبة سعد بن عُبَادةَ)) أي: ابن دُلَيم بن حارثة بن أبي خُزيمةَ بن ثَعْلبة بن طَريف
ابن الخَزَرَج بن ساعدة، يُكْنَى أبا ثابت، وهو والد قيس بن سعد أحد مشاهير الصحابة،
وكان سعد كبيرَ الخَزَرَج وأحدَ المشهورين بالجودِ، وماتَ بحَوْرانَ من أرض الشّام سنة
أربع عشرة أو خمس عشرة في خلافة عمر.
ثمَّ ذكر فيه حديث أبي أُسَيد في دور الأنصار وقد تقدَّم قريباً (٣٧٨٩ و٣٧٩٠)، وأورَدَه
هنا لقولِه في هذه الطَّريق: وكان ذا قِدَمٍ في الإسلام.
قوله: ((وقالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً)) هذا طَرَف من حديث الإفك
الطّويل، وسيأتي بتمامه في تفسير سورة النّور (٤٧٥٠) إن شاء الله تعالى، وذكرت عائشة فيه
ما دار بين سعد بن عُبَادة وأُسَيد بن حُضَير حيثُ قال: وإن كان من إخواننا من الخَزَرَج فمُرنا
بأمرٍك، فقال له سعد بن عُبادة: لا تستطيع قتلَه؛ فثارَ بينهم الكلام إلى أن أسكّتَهم النبيّ ◌ََّ،
فأشارَت عائشة إلى أنَّ سعد بن عُبَادة كان قبل أن يقول تلك المقالة رجلاً صالحاً، ولا يَلزَم من
ذلك أن يكون خرج عن هذه الصِّفة إذ ليس في الخَبَرَ تَعرُّضُ لمَا بعد تلك المقالة، والظّاهر
استمرار ثبوت تلك الصِّفة له، لأنَّه مَعذور في تلك المقالة لأنّه كان فيها مُتَأوَّلاً، فلذلك
أورَدَها المصنّف في مناقبه، ولم يَبدُ منه ما يُعاب به قبلَ هذه المقالة، وعُذر سعد فيها ظاهر،
لأَنَّه تَخَيَّل أنَّ الأوسيّ أراد الغَضّ من قبيلة الخَزَرَجَ لمَا كان بين الطائفتَينِ فَرَدَّ عليه، ثمَّ لم يقع

٢٣٩
باب ١٦ / ح ٣٨٠٨-٣٨٠٩
كتاب مناقب الأنصار
من سعدٍ بعد ذلك شيءٌ يُعاب به إلّا أنَّه امتَنَعَ من بيعة أبي بكر فيما يقال وتَوجَّهَ إلى الشّام
فماتَ بها، والعُذر له في ذلك أنَّه تأوَّلَ أنَّ للأنصار في الخلافة استحقاقاً فبَنَى على ذلك،
وهو مَعذور وإن كان ما اعتَقَدَه من ذلك خطأً.
١٢٧/٧
١٦ - باب مناقب أبيّ بن كعبٍ ﴾
٣٨٠٨- حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمْرو بنِ مُرّةَ، عن إبراهيمَ، عن مسروقٍ
قال: ذُكِرَ عبدُ الله بنُ مسعودٍ عندَ عبدِ الله بنِ عَمرِو فقال: ذاكَ رجلٌ لا أزالُ أُحِبُّه، سمعتُ
النبيَّ ◌َّهِ يقول: ((خُذُوا القُرآنَ من أربعةٍ: من عبدِ الله بنِ مسعودٍ فَبَدَأ به، وسالم مَولَى أبي حُذَيفةَ،
ومعاذِبنِ جبلٍ، وأُبِّ بنِ كعبٍ)).
٣٨٠٩- حدَّثني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، قال: سمعتُ شُعْبةَ، سمعتُ قَتَادةَ، عن
أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، قال النبيُّوَّهِ لِأَبِيِّ: ((إِنَّ اللّهَ أُمَرَني أن أقرأ عليكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ [البيّنة: ١] قال: وسَّني؟ قال: ((نعم)) فبکَی.
[أطرافه في: ٤٩٥٩، ٤٩٦٠، ٤٩٦١]
قوله: ((باب مناقب أُبيّ بن كعب)) أي: ابن قيس بن عُبيدة بن زيد بن معاوية بن عَمْرو
ابن مالك بن النَّجّار الأنصاريّ الْخَرَجيّ النَّجّارِيّ، يُكْنَى أبا المنذر وأبا الطَّفَیل، كان من
السابقين من الأنصار، شَهِدَ العَقَبة وبدراً وما بعدَهما، ماتَ سنة ثلاثين، وقيل غير ذلك،
ذكر فيه حديث عبد الله بن عَمْرو المتقدِّم قريباً (٣٧٦٠) في مناقب عبد الله بن مسعود.
قوله: ((قال النبيُّ ◌ََّ لأَبيِّ بن كعب: إنَّالله أمَرَني أن أقرأَ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
أَهْلِ اُلْكِتَبِ﴾)) زاد الحاكم (٢٢٤/٢) من وجه آخر عن زِرّ بن حُبَيشٍ عن أبيّ بن كعب أنَّ
النبيّ وَّه قرأ عليه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، وقرأ فيها: ((إنَّ ذاتَ الدِّين عند الله الحَنيفيَّةُ، لا
اليهوديَّةُ ولا النَّصرانيَّة ولا المجوسيَّة، مَن يَفعَلْ خيراً فلمْ يُكفَرْهُ».
قوله: ((قال: وسَّاني؟)) أي: هل نَصَّ عليَّ باسمي، أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك
فاختَرتني أنتَ؟ فلمَّا قال له: ((نعم)) بكَى إمّا فرحاً وسُروراً بذلك، وإمّا خُشوعاً وخوفاً .

٢٤٠
باب ١٧ / ح ٣٨١٠
فتح الباري بشرح البخاري
من التقصير في شُكر تلك النِّعمة. وفي رواية للطََّرانيِّ (٥٣٩) من وجهٍ آخَر عن أُبيّ بن
كعب قال: ((نعم باسمِك ونَسَبك في الملأ الأعلى».
قال القُرطُبيّ: تَعَجَّبَ أبيٌّ من ذلك لأنَّ تسمية الله له ونَصَّه عليه ليقرأ عليه النبيّ وَل
تشريف عظيم، فلذلك بكَى إمّا فرَحاً وإمّا خُشوعاً.
قال أبو عُبيد: المراد بالعَرْضِ على أُبيِّ ليتعلَّم أُبِيٌّ منه القراءة ويَتَثَبَّت فيها، وليكونَ
عَرْضُ القرآن سُنّةً، وللتنبيه على فضيلة أُبيّ بن كعب وتَقَدُّمِه في حِفظ القرآن، وليس المراد
أن يَستَذكِر منه النبيّ ◌َليل شيئاً بذلك العَرْض.
ويُؤخَذ من هذا الحديث مشروعيَّة التواضُع في أخذ الإنسان العلمَ من أهله وإن كان
دونَه. وقال القُرطُبيّ: خَصَّ هذه السّورة بالذِّكرِ لمَا اشتَمَلَت عليه من التوحيد والرِّسالة
والإخلاص والصُّحُف والكتب المنَزَّلة على الأنبياء، وذِكْر الصلاة والزكاة والمعاد، وبيان
أهل الجنَّة والنار مع وَجازَتِها.
١٧ - باب مناقب زید بن ثابت
٣٨١٠- حدَّثْني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادَةَ، عن أنسٍ ﴾:
جَمَع القُرآنَ على عَهدِ النبيِّ وَِّ أربعةٌ كلُّهم مِن الأنصار: أُبيِّ، ومعاذُ بنُ جبلٍ، وأبو زيدٍ،
وزيدُ بنُ ثابتٍ. قلتُ لأنسٍ: مَن أبو زيدٍ؟ قال: أحدُ عُمومتي.
[أطرافه في: ٣٦٩٦، ٥٠٠٣، ٥٠٠٤]
قوله: ((باب مناقب زيد بن ثابت)) أي: ابن الضَّحّاك بن زيد بن لَوذان، من بني مالك
ابن النَّجّار، كاتب الوحي وأحدُ فقهاء الصحابة، ماتَ سنة خمس وأربعين.
قوله: ((جَمَع القُرآنَ)) أي: استَظهَرَه حِفظاً.
قوله: ((وأبو زيد ... ثمّ قال أنس: هو أحد عُمومَتي)) ذكر عليّ بن المدينيّ أنَّ اسمه أوْس،
١٢٨/٧ وعن يحيى بن مَعِين: هو ثابت بن زيد، وقيل: / هو سعد بن عُبيد بن النُّعمان، وبذلك جَزَمَ