النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
باب ٢٢ / ح ٣٧٤٦ -٣٧٤٧
كتاب فضائل الصحابة :
وستّين بكربلاءَ من أرض العراق، وكان أهل الكوفة لمَّا ماتَ معاوية واستُخلِفَ يزيدُ كاتَبوا
الحسين بأنَهم في طاعته، فخرج الحسين إليهم، فسَبَقَه عُبيد الله بن زياد إلى الكوفة، فخُذِّلَ
غالب الناس عنه فتأخّروا رَغبةً ورَهبةً، وقُتِلَ ابنُ عمِّه مسلمُ بن عَقيل، وكان الحسين قد قَدَّمَه
قبله ليُبابِعَ له الناس، ثمَّ جَهَّزَ إليه عسكراً فقاتلوه إلى أن قُتِلَ هو وجماعة من أهل بيته، والقِصّة
مشهورة فلا نُطيل بشرحِها، وعَسَى أن يقع لنا إلمام بها في كتاب الفتن (٧١٠٩).
قوله: ((وقال نافع بن جُّبَير)) أي: ابن مُطعِم، وحديثه المذكور طَرَف من حديث تقدَّم
موصولاً في البيوع (٢١٢٢).
ثمَّ ذکر فیه ثمانيةً أحاديث:
٣٧٤٦- حدَّثنا صَدَقةُ، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، حدَّثنا أبو موسى، عن الحسنِ، سمعَ أبا بكرةَ،
سمعتُ النبيَّ ◌َِّ على المِيرِ، والحسنُ إلى جنِهِ يَنظُرُ إلى الناسِ مَرّةً وإليه مَرّةً، ويقول: ((ابني
هذا سَيِّدٌ، ولعلَّ الله أن يُصلِحَ به بين فِئَتَينِ مِن المسلمين)).
٣٧٤٧- حدَّثنا مُسلَّدٌ، حدَّثْنَا المعتَمِرُ، قال: سمعتُ أبي، قال: حدَّثنا أبو عثمان، عن أُسامةَ بنِ
زيدٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وََّ، أَنَّه كان يأخُذُه والحسنَ ويقول: (اللهمَّ إنِّي أُحِبُّهما فأحِبَّهما)»
أو كما قال.
الأوَّل: حديث أبي بَكْرة: ((إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ))، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب الفتن
(٧١٠٩)، وزاد أبو ذرِّ هنا: أبو موسى اسمه إسرائيل بن موسى من أهل البَصْرة نزلَ الهند،
لم يروِه عن الحسن غیرُه.
الثاني: حديث أسامة بن زيد، تقدم في ترجمة أسامة (٣٧٣٥).
قوله: ((سمعت أبي)) هو سليمان التيميُّ.
قوله: ((حدَّثنا أبو عثمان)) وَقَعَ في رواية الأدب (٦٠٠٣) من وجه آخر عن مُعتَمِر عن
أبيه: سمعت أبا تميمةً يُحدِّث عن أبي عثمان، قال الإسماعيليّ: كأنَّ سليمان سمعَه من أبي
تميمةً عن أبي عثمان، ثمَّ لَفيَ أبا عثمان فسمعَه منه. قلت: بل هما حديثان، فإنَّ لفظ سليمان
١٨٢
باب ٢٢ / ح ٣٧٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
عن أبي عثمان: ((اللهمَّ إنّي أُحِبُّهما)»، ولفظ سليمان عن أبي تميمةً: إن كان رسول الله وَّل
٩٦/٧ لَيأخُذني فيَضَعني على فَخِذه ويَضَع على الفَخِذ الآخر الحسنَ بن/ عليّ، ثمَّ يَضُمُّهما ثمَّ
يقول: ((اللهمَّ ارحمهما فإنّ أرحمهما)).
الثالث: حديث أنس.
٣٧٤٨ - حدَّثني محمَّدُ بنُ الحسينِ بنِ إبراهيمَ، قال: حدَّثني حُسَينُ بنُّ محمَّدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ،
عن محمَّدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ : أَتَيَ عُبِيدُ الله بنُ زيادٍ برأسِ الحسينِ عليه السلام، فجُعِلَ في
طَستٍ، فجَعَلَ يَنكُثُ، وقال في حُسنِهِ شيئاً، فقال أنسُ: كان أشبَهَهم برسولِ الله ◌ٍِّ، وكان
تخضوباً بالوَسمةِ.
قوله: ((حدَّثني محمَّد بن الحسين بن إبراهيم)» هو ابن إشكابَ أخو عليٍّ.
قوله: «حدّثنا جرِیر) هو ابن أبي حازم (عن محمد» هو ابن سیرین.
قوله: ((أُنيَ عُبيد الله بن زياد)» هو بالتصغير، وزياد هو الذي يقال له ابن أبي سفيان،
وكان أمير الكوفة عن يزيد بن معاوية، وقُتِلَ الحسين في إمارَته كما تقدَّم فأُتيَ برأسِه.
قوله: ((فجَعَلَ يَنكُت)) في رواية التِّرمِذيّ (٣٧٧٨) وابن حِبّان (٦٩٧٢) من طريق
حفصة بنت سِيرِين عن أنس: فجَعَلَ يقول بقَضيبٍ له في أَنفه، وللطَّراني (٥١٢١) من
حديث زيد بن أرقَم: فجَعَلَ قَضيباً في يده في عينه وأنفه، فقلت: ارفَع قَضيبك، فقد رأيت
فَمَ رسول الله ګ في موضعه، وله من وجه آخر عن أنس نحوه وسیأتي.
قوله: ((وقال في حُسْنه شيئاً)) في رواية التِّرمذيِّ: وقال: ما رأيتُ مثلَ هذا حُسْناً.
قوله: ((كان أشْبَهَهم برسولِ الله وَا﴾﴾ أي: أشبَهَ أهلِ البيت، وزاد البزَّار (٦٦٣٢) من وجه
آخر عن أنس قال: فقلت له: إنّ رأيت رسول الله وَل﴿ يَلِثِمِ حيثُ يقع قَضِيبُك، قال: فانقَبَضَ.
قوله: ((وكان مخضوباً)) أي: الحسين ((بالوَسْمة)) بفتح الواو - وأخطَأْ مَن ضَمَّها - وبسكون
المهملة ويجوز فتحها: نَبْتُ مُتَضَبُ به یمیل إلی سواد، وسيأتي البحث في ذلك في كتاب اللِّباس
(٥٨٩٩) إن شاء الله تعالى.
١٨٣
باب ٢٢ / ح ٣٧٤٩ - ٣٧٥٠
كتاب فضائل الصحابة
٣٧٤٩ - حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ المِهال، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عَديٌّ، قال: سمعتُ البراءَ ظ﴾،
قال: رأيتُ النبيَّ وَّه والحسنُ بنُ عليٍّ على عاتقِه يقول: ((اللهمَّ إنّ أُحِبُّه، فأحِبّه)».
٣٧٥٠- حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرني عمرُ بنُ سعيدِ بنِ أبي حُسَينٍ، عن
ابنِ أبِي مُلَيكةَ، عن عُقبةَ بنِ الحارثِ، قال: رأيتُ أبا بكرٍ ◌ّه وَلَ الحسنَ، وهو يقول: بأبي
شَبيةٌ بالنبيِّ، ليس شَبيةٌ بعليٌّ، وعليّ يَضحك.
الحديث الرابع: حديث البراء.
قوله: ((والحسن بن عليّ)) وَقَعَ عند الإسماعيليّ من طريق عَمْرو بن مرزوق عن شُعْبة:
((الحسن أو الحسين)) بالشكِّ، ثمَّ ذكر أنَّ أكثر أصحاب شُعْبة رَوَوه فقالوا: ((الحسن)) بغير
شكّ، ثمَّ عَدَّ منهم ثمانية.
الحديث الخامس: حديث عُقبة بن الحارث: هو النَّوفلي.
قوله: ((عن ابن أبي مُلَيكة عن عُقبة بن الحارث)) هذا هو الصحيح، وقال زَمعة بن صالح
عن ابن أبي مُلَيكة: ((كانت فاطمة تُنقِّز - بالقاف والزّاي، أي: تُرقِّص - الحسن بن عليّ))،
فذكر هذا الحديث، وأخرجه أحمد (٢٦٤٢٢) (١)، ويحتمل - إن كان حَفِظَه - أن يكون كلَّ
من أبي بكر وفاطمة تَوافَقا على ذلك، أو يكون أبو بكر عَرَفَ أنَّ فاطمة كانت تقول ذلك
فتابَعَها على تلك المقالة.
قوله: ((بأبي شَبيةٌ بالنبيِّ)) تقدَّم في أوَّل صِفة النبيّ وَِّ (٣٥٤٢)، ووَقَعَ عند أحمد(٢) من
وجه آخر عن ابن أبي مُلَيكة قال: وكانت فاطمة عليها السَّلام تُرَقِّص الحسن وتقول:
ابني شبيهٌ بالنبيُّ
ليس شبيهاً بعلي
وفيه إرسال، فإن كان محفوظاً فلعلَّها تَوارَدَت في ذلك مع أبي بكر أو تَلَقَّى ذلك أحدُهما
من الآخر.
(١) وإسناده ضعيف لضعف زمعة بن صالح، فضلاً عن إرساله، كما سيشير الحافظ نفسه إلى ذلك بعد قليل.
(٢) في ((المسند)) برقم (٢٦٤٢٢)، وهو فيه بلفظ: ((تُنقِّز)) بدل: تُرقِّص، و(«بأبي شَبَهُ» بدل: ابني شبيهٌ.
١٨٤
باب ٢٢ / ح ٣٧٥١ -٣٧٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ليس شَبيةٌ بعليٍّ)) قال ابن مالك: كذا وَقَعَ برفع ((شَبيه)) على أنَّ((ليس)) حرف عطف
وهو مذهب كوفيّ، قال: ويجوز أن يكون ((شَبيه)) اسم ليس، ويكون خبرُها ضميراً مُتَّصِلاً
حُذِفَ استغناء عن لفظه بنّيَّتِهِ، ونحوُه قولُه في خُطبة يوم النَّحر: ((أليس ذو الحجّة))(١).
وقال الطِّييُّ في قوله: ((بأبي شبيهٌ بالنبيِّ)) يحتمل أن يكون التقدير: هو مُفَدَّى بأبي
شَبيهٌ، فيكون خَبَراً بعد خَبَرَ، أو: أفديه بأبي، و((شَبيةٌ بالنبيِّ)) خَبَرَ مُبتَدَأ محذوفٍ. وفيه
إشعار بعِلّيَّة الشَّبَه للتفدية، وفي قوله: ((شَبيةٌ بالنبيِّ)) ما قد يعارض قول عليٍّ في صِفة النبيّ ◌َّ.
((لم أرَ قبله ولا بعده مثلَه)) أخرجه التِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (٥)، والجواب أن يُحمَل المنفيّ
على عُموم الشَّبَه، والمثبت على مُعظَمه، والله أعلم.
٣٧٥١ - حدَّثني يحيى بنُ مَعِينٍ وصَدَقَةُ، قالا: أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبةَ، عن
واقدِ بنِ محمَّدٍ، عن أبيه، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال: قال أبو بكرٍ: ارقُبوا محمَّداً ◌َلآ في
أهلٍ بیتِه.
٣٧٥٢- حذَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسُفَ، عن مَعمَر، عن الزُّهْريِّ،
عن أنسٍ.
وقال عبدُ الرَّزّاق: أخبرنا مَعمَرٌّ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني أنسٌ، قال: لم يكن أحدٌ أشبَهَ بالنبيِّ
وَلٌ مِن الحسنِ بنِ عليٍّ.
الحديث السادس: حديث ابن عمر عن أبي بكر، تقدَّم متناً وسنداً وشرحاً قريباً (٣٧١٣)
في مناقب قرابة رسول اللهێ.
الحديث السابع:
قوله: ((وقال عبد الرَّزّاق ... )) إلى آخره، وَصَلَه أحمد (١٢٦٧٤) وعبد بن حُميدٍ (١١٦٠)
جميعاً عن عبد الرَّزّاق، وأخرجه التِّرمِذيّ من روايته (٣٧٧٦)، وقَصَدَ البخاريّ بهذا
التعلیق بیانَ سماع الُّهْريِّ له من أنس.
(١) سلف برقم (١٧٤١).
١٨٥
باب ٢٢ / ح ٣٧٥٢
كتاب فضائل الصحابة
قوله: (لم يكن أحد أشبه بالنبيِّ وَّر من الحسن بن عليّ)) هذا يعارض رواية ابن سِيرِين الماضية
في الحديث الثالث (٣٧٤٨)، فإنَّه قال في حَقّ الحسين بن عليّ: ((كان أشْبَهَهم بالنبيِّ ◌ِّ)،
ويُمكِن الجمع بأن يكون أنس قال ما وَقَعَ في رواية الزُّهْرِيِّ في حياة الحسن لأنَّه يومَئذٍ كان
أشدَّ شَبَهاً بالنبيِّ وَّ من أخيه الحسين، وأمَّا ما وَقَعَ في رواية ابن سِيرِين فكان بعد ذلك
كما/ هو ظاهر من سياقه، أو المراد بمَن فضَّلَ الحسين عليه في الشَّبَه مَن عَدا الحسن، ويحتمل ٩٧/٧
أن يكون كلٌّ منهما كان أشدَّ شَبَهاً به في بعض أعضائه، فقد روى التِّرمِذيّ (٣٧٧٩) وابن
حِبّان (٦٩٧٤) من طريق هانئ بن هانئ عن عليّ قال: الحسن أشبَهَ رسولَ الله وَلّ ما بين
الرَّأس إلى الصدر، والحسين أشبَهَ النبيَّ ◌َ﴿ما كان أسفَل من ذلك، ووَقَعَ في رواية عبد الأعلى
عن مَعمَر عند الإسماعيليّ في رواية الزُّهْريِّ هذه: وكان أشبَهَهم وجهاً بالنبيِّ وَّ، وهو
يُؤيِّد حديث عليّ هذا، والله أعلم.
والذين كانوا يُشَبَّهونَ بالنبيِّ وََّ غير الحسن والحسين: جعفر بن أبي طالب، وابنُه
عبد الله بن جعفر، وقُثَم - بالقاف - ابن العبّاس بن عبد المطَّلِب، وأبو سفيان بن الحارث
ابن عبد المطَّلِب، ومسلم بن عَقيل بن أبي طالب، ومن غير بني هاشم: السائبُ بن يزيد
المطَّلِبِيّ الجدّ الأعلى للإِمام الشّافعيّ، وعبد الله بن عامر بن كريز العَبشَميّ، وكابس بن
رَبيعة بن عَديّ، فهؤلاء عشرة نَظَمَ منهم أبو الفتح بن سَيِّد الناس خمسةً فقط، أنشَدَنا محمد
ابن الحسن المقرئُ عنه:
بخمسةٍ أشبهوا المختارَ من مُضَرِ ياحُسنَ ما خُوِّلوا من شِبْهِهِ الحَسَنِ
بجعفرٍ وابنِ عمّ المصطفَى قُثَمٍ وسائبٍ وأبي سفيان والخَسَنِ
وزادَهم شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ اثنين، وهما الحسين وعبد الله بن عامر
ابن كُرِيز، ونَظَمَ ذلك في بیتَينِ وأنشَدَناهما، وهما:
وسبعةٌ شُبِّهوا بالمصطَفَى فسَما لهمْ بذلك قَدْرٌ قدزَكَا ونَما
◌ِبْطا النبيِّ أبو سفيانَ سائبُهمْ وجعفرٌ وابنُه ذو الجُودِ مع قُغَما
١٨٦
باب ٢٢ / ح ٣٧٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
وزاد فيهم بعض أصحابنا ثامناً: وهو عبد الله بن جعفر، ونَظَمَ ذلك في بيتَينِ أيضاً، وقد
زِدت فيهما مسلم بن عقيل وكابس بن ربيعة؛ فصاروا عشرة، ونَظَمت ذلك في بيتَينٍ، وهما:
شِبْهُ النبيِّ لعَشْرِ: سائبٍ وأبي سفيانَ والحَسنينِ الطاهرَينِ هُما
وجعفرٍ وابنِه ثمَّ ابنِ عامِهمْ ومسلمٍ كابسٍ يَتلوه معَ قُغَما
وقد وجدتُ بعد ذلك أنَّ فاطمة ابنتَه عليها السَّلام كانت تُشبهه، فيُمكِن أن يُغيَّر من
البيت الأوَّل قوله: ((لعشرٍ)) فيُجعَل ((لياءٍ)) وهو بالحِساب أحدَ عشرَ(١)، ويُغيَّر ((الطاهرَينِ
هما)) فيُجعَل ((ثُمَّ أمّهم)(٢)، ثمَّ وجدت أنَّ إبراهيم ولده عليه السلام كان يُشبهُه فِيُغيّر
قوله: ((لياءٍ)) فُيُجعَل ((ليبِّ))(٣)، وبَدَل ((الطاهرَينِ هما)): ((الخال أمّهما))(٤)، ثمَّ وجدت في
قِصّة جعفر بن أبي طالب أنَّ ولديه عبد الله وعَوْناً(٥) كانا يُشبهانه، فيُجعَل أوَّل البيت (شَبَه
النبيّ لَيَجِ))(٦)، والبيت الثاني ((وجعفرٍ ولديه وابن عامرهم) ... إلى آخِره، ووَجَدت من
نَظْم الإمام أبي الوليد ابن الشِّحْنة قاضي حَلَبَ، ولم أسمَعه منه:
وخمسَ عَشْرَ لهمْ بالمصطَفَى شَبَهُ سِبْطَاهُ وابنا عَقيلِ سائبٌ قُثَمُ
وجعفرٌ وابنُه عَبْدانِ مُسْلِمْ أبو سفيانَ كابسُ عُثْمُ ابنُ النِّجادِهُمُ
فزاد ابنَ عَقيل الثاني وعُثْم وابن النِّجاد، وأخَلَّ مَن ذكرتُه بابنِ جعفر الثاني، وأراد هو
بقولِه: ((عَبْدان)) تثنية عبد: وهما عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الحارث، ولو كان أراد اسماً
مُفرَداً لم يَتِمَّ له خمسة عشر.
(١) أي: بحساب الجُمَّل، وعلى مقتضاه فإن قوله: ((لياء)) الياء تعادل عشرة والألف تعادل واحداً، فيكون
المجموع أحد عشر، فيصير الشعر: شبه النبي لياءٍ.
(٢) فيصير الشعر: والحسنين ثم أمهما.
(٣) قوله: ((ليب)) يب: الياء تعادل عشرة، والباء: اثنين، فالمجموع: اثنا عشر.
(٤) فيصير الشعر: شبه النبي ليب: سائب ... والحسنين الخال أمهما.
(٥) في (س): ((عوفاً)) بالفاء، وهو تحريف.
(٦) قوله: ((ليجّ)) يج: الياء تعادل عشرة، والجيم: ثلاثة، فالمجموع: ثلاثة عشر.
١٨٧
باب ٢٢ / ح ٣٧٥٢
كتاب فضائل الصحابة
وقد تُعَقِّبَ قوله: / ((ابنا عَقيل)) بالتثنية مع قوله: ((مسلم)) لأنَّ مسلماً: هو ابن عَقيل، ثمَّ ٩٨/٧
وجدتُ الجواب عنه يُؤْخَذ ممَّا ذكره أبو جعفر بن حبيب: أنَّ مسلم بن مُعتِّب بن أبي لهب
مَّن كان يُشبِهِه، ومسلم بن عقيل ذكره ابن حِبّان في ((ثِقاته))، ومحمد بن عقيل ذكره المِّيّ
في (تهذيبه))، وذكر في ((المحَبَّ)): أنَّ عبد الله بن الحارث بن نَوفَل بن الحارث بن عبد المطَّلِب
المَقَّب بَيَّه كان يُشبِهِه، وذكر ذلك ابن عبد البَرِّ في ((الاستيعاب)) أيضاً.
وأراد ابن الشِّحنة بقولِه: ((عُثْم)) ترخيم عثمان، واعتَمَدَ على ما جاء في حديث عائشة:
أنَّ النبيّ وَّه قال لابنَتِهِ أمّ كُلثوم لمَّا زَوَّجَها عثمان: ((إنَّه أشبَهُ الناس بجَدِّك إبراهيم وأبيك
محمد)) وهو حديث موضوع كما قاله الذَّهَبيّ في ترجمة عَمْرو بن الأزهَر(١) أحدِ رُواته، وهو
وشيخه خالد بن عَمرِو كَذَّبَهما الأئمّة، وانفَرَدَ بهذا الحديث، والمعروف في صِفة عثمان
خلاف ذلك، وأراد بابنِ النِّجاد: عليَّ بنَ عليّ بن النِّجاد بن رِفاعة، واعتَمَدَ على ما ذكره
ابن سعد عن عثمان أنَّه كان يُشبِهِه، وهذا تابعيّ صغير مُتأخّر عن الذين تقدَّم ذِكْرهم،
فلذلك لم أُعَوِّل عليه، وعلى تقدير اعتباره يكون قد فاتَه مَمَّن وُصِفَ بذلك القاسم بن
عبد الله بن محمد بن عَقيل وإبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ ويحيى بن
القاسم بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ، فكلّ من هؤلاء مذكور في كتب
الأنساب أنَّه كان يُشبهه، حتَّى إِنَّ يحيى المذكور كان يقال له ((الشَّبيه)) لأجلِ ذلك، والمهديّ
الذي يَخرُج في آخِرِ الَّمان جاء أنَّه يُشبِهِه ويُواطئُ اسمُه واسمُ أبيه اسمَ النبيّ وَّرُ واسَمَ
أبيه (٢)، وذكر ابن حبيب أيضاً محمد بن جعفر بن أبي طالب، وهو غَلَط لأنَّه وَقَعَ في الْخَبَرَ
الذي تقدَّم ذِكْرُه في جعفر، أنَّه قال في حَقّ محمد بن جعفر: شَبيهُ عَمِّه أبي طالب، وقد سَلِمَ
ابن الشِّحنة منه، وقد غَيَّرتُ بيتَيَّ هكذا:
(١) من («الميزان)) ٢٤٥/٣-٢٤٦.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٢٨٢)، وابن حبان في «صحيحه)) برقم (٦٨٢٤) بإسناد حسن من حديث ابن مسعود، وهو
عند البزار في ((مسنده)) برقم (٣٣٢٣)، والطبراني ١٩/ (٦٨) من حديث قرة بن إياس، وأخرجه أحمد في
((مسنده)) برقم (٣٥٧١) من حديث ابن مسعود دون قوله: ((واسم أبيه اسم أبي))، وانظر تتمة تخريجه فيه.
١٨٨
باب ٢٢ / ح ٣٧٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
شِبْهُ النبيِّ لِيَةٍ(١): سائبٍ وأبي سفيانَ والحَسنينِ الخال أمّهما
وجعفرٍ وَلَدَيه وابنِ عامر كا بِسٍ ونَجْلَيْ عَقيلٍ بَيَّةٍ قُغَما
فاقتَصَرتُ على ثلاثةَ عشرَ ثَمّن ذكرهم ابن الشِّحنة، وأبدَلتهما باثنين، فوَفَيت عُذَّته مع
السَّلامة ممَّا تُعقِّبَ عليه، والله الموفِّق.
وذكر ابن يونس في ((تاريخ مِصر)) عبدَ الله بن أبي طلحة الخَوْلانيَّ، وأنَّ شَهِدَ فتح مِصر
وأمَرَه عمر بأن لا يَمشيَ إلّا مُقَنَّعاً لأنَّه كان يُشبِهِ النبيَّ ◌َِّ، قال: وكان له عبادةٌ وفضلٌ،
وفي قِصّة الكاهنة مع أويس أنَّها قالت لهم: أشبَهُ الناس بصاحب المقام - أي: إبراهيم
الخليل - هذا؛ تُشير إلى محمد له.
الحدیث الثامن: حديث ابن عمر.
٣٧٥٣ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدِ بنِ أبي يعقوبَ،
سمعتُ ابنَ أبي نُعمِ، سمعتُ عبد الله بنَ عمرَ، وسألَه عن المُحرِمِ - قال شُعْبةُ: أحسِبُهُ يَقتُلُ
الذُّبابَ - فقال: أهلُ العراق يسألونَ عن الذُّباب وقد قَتَلُوا ابنَ ابنةِ رسولِ اللهِوَّرَ! وقال النبيُّ ◌َّ:
((هما رَنْجانتايَ مِن الدُّنيا)).
[طرفه في: ٥٩٩٤]
قوله: ((عن محمَّد بن أبي يعقوب)) هو محمد بن عبد الله البصريّ الضَّبِّيُّ، ويقال: إنَّه تميميٌّ،
وقال شُعْبة مَرّةً: ((حذَّثني محمد بن أبي يعقوب وكان سيِّد بني تميم))، وهو ثقة باتِّاقٍ.
قوله: ((سمعت ابن أبي نُعم)) بضمِّ الُّون وسُكون المهملة: وهو عبد الرحمن، يُكْنی أبا
الحَكَمِ البَجَليّ.
قوله: «وسأله عن المُحرم» في روایة مهديّ بن میمون عن ابن أبي یعقوب کما سيأتي في
الأدب (٥٩٩٤): ((وسألَه رجل))، ورأيت في بعض النُّسَخ من رواية أبي ذرِّ الْهَرَويِّ
((وسألته))، فإن كانت محفوظة فقد عُرِفَ اسم السائل، لکن ◌ُبعِده أنَّ في روایة جَرِیر بن حازم
(١) قوله: ((لِيَةٌ)) يه: الياء تعادل عشرة، والهاء خمسة، فالمجموع خمسة عشر.
١٨٩
باب ٢٣ / ح ٣٧٥٤ -٣٧٥٥
كتاب فضائل الصحابة
عن محمد بن أبي يعقوب عند التِّرمِذيّ (٣٧٧٠): ((أنَّ رجلاً من أهل العراق سألَ))، وفي
رواية لأحمد (٥٦٧٥): ((وأنا جالس عنده))، ونحوها في رواية مَهديّ المذكورة في الأدب.
قوله: ((قال شُعْبة: أحسَبه يَقتُل الذُّباب)) وَقَعَ عند أبي داود الطَّالسيّ (٢٠٣٩) عن شُعْبة
بغير شَكّ، وفي رواية جَرِير بن حازم المذكورة: ((سُئِلَ ابن عمر عن دم البَعُوض يُصيب
الثَّوب))، وكذا هو في رواية مَهديّ بن ميمون المذكورة، يحتمل أن يكون السُّؤال وَقَعَ عن
الأمرَينِ، والله أعلم.
قوله: ((فقال: أهل العراق يسألونَ عن الذُّباب)) في رواية أبي داود(١): ((فقال: يا أهل
العراق، تسألونَني / عن الذُّباب))، أورَدَ ابن عمر هذا مُتَعَجِّباً من حِرص أهل العراق على ٩٩/٧
السُّؤال عن الشَّيء اليسير وتَفريطهم في الشَّيء الجليل.
قوله: ((رَيحانتايَ)) كذا للأكثر بالتثنية، ولأبي ذرِّ ((رَيحاني)) بالإفرادِ والتذكير، وشَبَّههما
بذلك لأنَّ الولد يُشَمّ ويُقبَّل، ووَقَعَ في رواية جَرِير بن حازم: ((أنَّ الحسن والحسين هما
رَيْجانتَيَّ))، وعند التِّرمذيّ (٣٧٧٢) من حديث أنس: أنَّ النبيّ وَِّ كان يَدعُو الحسن
والحسين فيَشُمّهما ويَضُمّهما إليه، وفي رواية الطبرانيِّ في ((الأوسط))(٢) من حديث أبي أيوب
قال: دخلتُ على رسول الله وَّهِ والحسن والحسين يَلعَبان بين يَدَيهِ، فقلت: أُحِبُّهما يا
رسول الله؟ قال: ((وكيف لا وهما رَيْجانتايَ من الدُّنيا أشُمُّهما)».
٢٣ - باب مناقب بلال بن رباحٍ مولى أبي بكرٍ رضي الله عنهما
وقال النبيُّ ◌َّ: ((سمعتُ دَفَّ نَعليكَ بين يَدَيَّ في الجنَّةِ)).
٣٧٥٤- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمةَ، عن محمَّدِ بنِ المنگَدِرِ، أخبرنا
جابرُ بنُ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: كان عمرُ يقول: أبو بكرٍ سَيِّدُنا، وأعتَقَ سَيِّدَنا، يعني: بلالاً.
٣٧٥٥- حدَّثنا ابنُ نُمَيرٍ، عن محمَّدِ بنِ عُبيدٍ، حدَّثنا إسماعيلُ، عن قيسٍ، أنَّ بلالاً قال لأبي
بكرٍ: إن كنتَ إِنَّما اشتَرَيتَني لنفسِكَ فَأَمسِكني، وإن كنتَ إنَّما اشتَرَيْتَنَي لله فدَعْنِي وَعَمَلَ الله.
(١) أي: الطيالسي، وروايته هذه في ((مسنده)) برقم (٢٠٣٩).
(٢) بل في ((الكبير)) برقم (٣٩٩٠).
١٩٠
باب ٢٣ / ح ٣٧٥٤ -٣٧٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((مناقب بلال بن رباح)) بفتح الراء والموحّدة وآخره مُهمَلة، وقد تقدَّم في ((باب
البيع والشِّراء مع المشركين)) (١) من البُيوع بيان الاختلاف في كيفيَّة شِرائهِ، وذكر ابن سعد
(٣/ ٢٣٢): أنَّه كان من مُولَّدي السَّراة، واسم أمّه حَمامة وكانت لبعض بني جُمَح، وجاء
عن أنس عند الطبرانيِّ وغيره أنَّه حَبَشِيّ وهو المشهور، وقيل: نوبيّ.
قوله: «مَولَی أبي بکر) روی أبو بكر بن أبي شيبة (١٢/ ١٥٠) بإسنادٍ صحیح عن قیس
ابن أبي حازم قال: اشتَرَى أبو بكر بلالاً بخمسٍ أواقٍ، وهو مَدفون بالحجارة.
قوله: ((وقال النبيّ وَّ: سمعت دَفّ نَعليك في الجنَّة)) هو طَرَف من حديث أورَدَه في
صلاة الليل (١١٤٩)، وقد تقدَّم شرحه.
قوله: ((كان عمر يقول: أبو بكر سيدُنا، وأعتَقَ سَيِّدَنا، يعني: بلالاً)) قال ابن التِّين: يعني
أنَّ بلالاً من السادة، ولم يُرِد أنَّه أفضل من عمر. وقال غيره: السَّيِّدُ: الأوَّلُ حقيقةً، والثاني
قاله تَواضُعاً على سبيل المجاز، أو أنَّ السّيادة لا تُثبت الأفضليَّة، فقال ابن عمر: ((ما رأيت
أسوَدَ من معاوية))(٢) مع أنَّه رأى أبا بكر وعمر.
قوله: («حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي خالد ((عن قيس)) هو ابن أبي حازم.
قوله: ((أنَّ بلالاً قال لأبي بكر)) كأنَّ قوله ذلك لأبي بكر في خلافة أبي بكر، وقد وَقَعَ
ذلك صريحاً في رواية أحمد (٣) عن أبي أسامة عن إسماعيل بلفظ: قال بلال لأبي بكر حين
توقَّ رسول الله ◌ِلِ﴾.
قوله: ((فَدَعْني وعَمَل الله)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((وعملي الله))، وفي رواية أبي أُسامة
((فَذَرني أعمَل لله))، وذكر ابن سعد في ((الطَّبَقات)) (٢٣٦/٣) في هذه القِصّة من الزّيادة:
أنَّه قال: رأيت أفضل عمل المؤمن الجهاد (٤)، فأردت أن أُرابط في سبيل الله، وأنَّ أبا بكر
(١) بل في الباب الذي يليه (باب شراء المملوك من الحربي) قبل الحديث (٢٢١٧) من كتاب البيوع (٣٤).
(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير)) (١٣٤٣٢).
(٣) عند الطبراني في ((الكبير)) (١٠١٠).
(٤) قوله: ((أفضل عمل المؤمن الجهاد)) جاءت هذه الجملة مرفوعة إلى النبي وَّر في ((الطبقات)).
١٩١
باب ٢٤ / ح ٣٧٥٦
كتاب فضائل الصحابة
قال لبلالٍ: أنشدك اللهَ وحَقّي، فأقامَ معه بلال حتَّى تُوُلّي، فلمَّا ماتَ أذِنَ له عمر فَتَوَجَّهَ
إلى الشّام مُجاهداً، فماتَ بها في طاعون عَمَواس سنة ثمان عشرة، وقيل: سنة عشرين،
والله أعلم.
وكانت وفاته بدِمَشق ودُفِنَ بباب الصغير، وبهذا جَزَمَ النَّوَويّ، وقيل: دُفِنَ بباب
كَيْسان، وقيل: بدارِيًا، وقيل: بحَلَب، ورَدَّه المنذِريّ وقال: الذي ماتَ بحَلَب أخوه خالد،
وزَعَمَ ابن السَّمعانيّ: / أنَّ بلالاً ماتَ بالمدينة، وغَلَّطوه.
١٠٠/٧
٢٤ - باب ذكر ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما
٣٧٥٦- حدَّثنا مُسَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال:
ضَمَّني النبيُّنَّهِ إلى صدرِهِ، وقال: ((اللهمَّ عَلِّمْهُ الحكمةَ)).
حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، وقال: ((اللَّهِمَّ عَلِّمْه الكتابَ)).
حذَّثنا موسى، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن خالدٍ ... مثلَه.
والحِكْمةُ: الإصابةُ في غيرِ النُّوَّةِ.
قوله: ((ذِكْر ابن عبّاس)) أي: عبد الله بن العبّاس بن عبد المطَّلِب بن هاشم ابن عمّ النبيّ ◌َّ،
يُكْنَى أبا العَبَّاس، وُلِدَ قبل الهجرة بثلاثٍ سِنين، وماتَ بالطائفِ سنة ثمان وستّين، وكان
من عُلَماء الصحابة حتَّى كان عمرُ يُقَدِّمه مع الأشياخ وهو شابّ، أورَدَ فیه حديثه قال:
ضَمَّني النبيّ وَّهِ إليه وقال: ((اللهمَّ عَلِّمه الحكمة))، وفي لفظ: ((عَلِّمه الكتاب))، وهو يُؤْيِّد
من فَسَّرَ الحكمة هنا بالقرآن، وقد استَوعَبت ما قيل في تفسيرها في أوائل كتاب العلم
(٧٥)، وقد تقدَّم هذا الحديث في كتاب العلم (٧٥)، وفي الطَّهارة (١٤٣) مع بيان سببه
وبيان مَن زاد فيه: ((وعَلِّمه التأويل))، وهذه اللَّفظةُ اشْتَهَرَت على الألسِنة: ((اللهمَّ فقِّهه في
الدّين وعَلِّمه التأويل)) حتَّى نَسَبَها بعضهم للصَّحيحَينِ ولم يُصِب، والحديث عند أحمد
(٢٣٩٧) بهذا اللَّفظ من طريق ابن خُثَيم عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس، وعند الطبرانيّ
من وجهَينٍ آخرَينِ (١٠٥٨٧ و١٠٦١٤)، وأوَّله في هذا ((الصحيح)) (١٤٣) من طريق عُبيد الله
١٩٢
باب ٢٥ / ح ٣٧٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
ابن أبي يزيد عن ابن عبّاس دون قوله: ((وعَلِّمه التأويل))، وأخرجها البزَّار(١) من طريق
شَبيب بن بِشْر عن عِكْرمة بلفظ: ((اللهمَّ عَلِّمه تأويل القرآن)»، وعند أحمد (٢٤٢٢) من
وجه آخر عن عِكْرمة: ((اللهمَّ أعطِ ابن عبّاس الحكمة وعَلِّمه التأويل)).
واختُلِفَ في المراد بالحكمة هنا، فقيل: الإصابة في القول، وقيل: الفَهم عن الله، وقيل:
ما يَشْهَد العقل بصِحَّتِه، وقيل: نور يُفرَّق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سُرعة الجواب
بالصواب، وقيل غير ذلك.
وكان ابن عبّاس من أعلم الصحابة بتفسير القرآن. وروى يعقوب بن سفيان في
((تاريخه)) (٢٦٦/١) بإسنادٍ صحيح عن ابن مسعود قال: لو أدرَكَ ابن عبَّاس أسنانَنا ما
عاشَرَه منّا رجل، وكان يقول: نِعمَ تَرجُمان القرآن ابن عبّاس، وروى هذه الزّيادة ابن سعد
(٣٦٦/٢) من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود، وروى أبو زُرْعة الدِّمَشقيّ في ((تاريخه)»
عن ابن عمر قال: هو أعلم الناس بما أنزلَ الله على محمد، وأخرج ابن أبي خَيْثمةَ نحوه
بإسنادٍ حَسَن، وروى يعقوب أيضاً (٢٦٦/١) بإسنادٍ صحيح عن أبي وائل قال: قرأ ابن
عبَّاس سورة النّور ثمَّ جَعَلَ يُفسِّرها، فقال رجل: لو سمعَت هذا الدَّيلَمُ لَأسلَمَت(٢)،
ورواه أبو نُعَيم في ((الحِلية)) (٣٢٤/١) من وجه آخر بلفظ: ((سورة البقرة)) وزاد: أنَّه كان
على الموسم؛ يعني: سنة خمس وثلاثين، كان عثمان أرسَلَه لمَّا حُصِر.
٢٥ - باب مناقب خالد بن الوليد ﴾
٣٧٥٧- حدَّثنا أحمدُ بنُ واقدٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أیوبَ، عن مُمیدِ بنِ هلالٍ، عن
أنسِ : أنَّ النبيَّ ◌َ نَعَى زيداً وجعفراً وابنَ رواحةَ للناسِ، قبلَ أن يأتيَهم خَبَرُهم، فقال:
(أَخَذَ الزّايةَ زِيدٌ فَأُصيبَ، ثمَّ أخَذَ جعفرٌ فأُصيبَ، ثمَّ أَخَذَ ابنُ رَوَاحَةَ فَأُصيبَ - وعَيناهُ
١٠١/٧ تَذْرِفانٍ - حتَّى أَخَذَها سيفٌ / من سُيوفِ الله، حتَّى نَتَحَ الله عليهم).
(١) كما في ((كشف الأستار)) (٢٦٧٤).
(٢) وأخرجه من هذه الطريق الحاكم في ((مستدركه)) ٣/ ٥٣٧. وفيه ذِكْر التُّرك بدل الديلم.
١٩٣
باب ٢٥ / ح ٣٧٥٧
كتاب فضائل الصحابة
قوله: ((مناقب خالد بن الوليد)) أي: ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن تَخَزوم بن يَقَظة
- بفتح التحتانيَّة والقاف والمُشَالة - بن مُرّة بن كعب، يجتمع مع النبيّ نَّهِ ومع أبي بكر
جميعاً في مُرّة بن كعب، يُكْنَى أبا سليمان، وكان من فُرسان الصحابة، أسلَمَ بين الحُدَيبية
والفتح، ويقال: قبل غزوة مؤتة بشهرَينٍ، وكانت في جُمادَى سنة ثمان، ومن ثَمَّ جَزَمَ
مُغَلطاي بأنّها كانت في صَفَر وكان الفتح بعد ذلك في رمضان.
وحَكَى ابن أبي خَيْئمةَ أنَّه أسلَمَ سنة خمس، وهو غَلَط فإنَّه كان بالحُدَيبية طَليعة
للمُشرِكين وهي في ذي القَعدة سنة ستّ.
وقال الحاكم: أسلَمَ سنة سبع، زاد غيره وقيل: عُمرة القضاء، والراجح الأوَّل وما وافقَه.
وقد أخرج سعيد بن منصور(١) عن هُشَيم عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه: أنَّ خالد بن الوليد
فَقَدَ قَلَنْسُوَة فقال: اعتَمَرَ رسول الله ◌ِّهِ فِحَلَقَ رأسه، فابتَدَرَ الناسُ شَعرَه فسَبَقّتُهم إلى ناصيته
فجَعَلتها في هذه القَلَنْسُوة، فلم أشهَد قتالاً وهي مَعي إلّا رُزِقت النَّصر.
وشَهِدَ مع النبيِّ وَِّ عِدّة مَشاهد ظَهَرَت فيها نَجابَته، ثمَّ كان قَتْل أهل الرِّدّة على يَدَیه
ثمَّ فُتوح البلاد الكبار، وماتَ على فِراشه سنة إحدى وعشرين، وبذلك جَزَمَ ابن نُمير،
وذلك في خلافة عمر بحِمص. ونُقِلَ عن دُحَيمِ أنَّه قال: ماتَ بالمدينة وغَلَّطُوه، ووَقَعَ في
كلام ابن التِّين وتَبِعَه بعض الشُّراح شيءٌ يدلّ على أنَّه ماتَ في خلافة أبي بكر، وهو غَلَط
قبيح أشدّ من غَلَط دُخَيمٍ، وذلك أنَّه قال: قال الصِّدِّيق - لمَّا احتُضِرَ خالد والنِّسوة تَبكِينَ
عليه -: دَعُهُنَّ يُهِقْنَ دُموعَهنَّ على أبي سليمان، فهل تأيَّمَت النِّساءُ عن مثله. انتَهَى، قلت:
وبعض هذا الكلام منقول عن عمر في حقّ خالد کما مَضَی فی کتاب الجنائز(٢)، وفیہ ذِكْر
اللَّقْلَقة.
(١) وأخرجه من طريقه أبو يعلى في ((مسنده)) (٧١٨٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٨٠٤)، والحاكم في
((المستدرك)» ٢٩٩/٣، ورجاله ثقات إلا أن جعفر بن عبد الله بن الحكم لا يعرف له سماع من خالد بن
الوليد.
(٢) علقه البخاري عن عمر في باب (٣٣) منه: ما يكره من النياحة على الميت من كتاب الجنائز.
١٩٤
باب ٢٦ / ح ٣٧٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
ثُمَّ أورَدَ حديث أنس في أهل مُؤتة، والغرض منه قوله: ((حتَّى أَخَذَها - يعني الرايةَ -
سيفٌ من سُيوف الله))، فإنَّ المراد به: خالد، ومن يومئذٍ تَسَمَّى سيفَ الله، وقد أخرج ابن
حِبّان (٧٠٩١) والحاكم (٢٩٨/٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفَ قال: قال رسول الله وَله:
((لا تُؤذوا خالداً، فإنَّه سيف من سُيوف الله صَبَّه الله على الكفَّار))، وسيأتي شرح هذه الغزوة
في المغازي (٤٢٦٢) إن شاء الله تعالی.
٢٦ - باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة ﴾
٣٧٥٨- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَربٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمْرو بنِ مُرّةَ، عن إبراهيمَ، عن
مَسروقٍ، قال: ذُكِرَ عبدُ الله عندَ عبدِ الله بنِ عَمرٍو، فقال: ذاكَ رجلٌ لا أزالُ أُحِبُّه، بعدَما سمعتُ
رسولَ الله ◌َّه يقول: ((استَقْرِئوا القُرآنَ من أربعةٍ: من عبدِ الله بن مسعودٍ - فَبَدَأ به - وسالمٍ مَولَى
أبي حُذَيفةَ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ، ومعاذِ بنِ جبلٍ)). قال: لا أدري بَدَأ بأُبِّ، أو بمعاذٍ.
[أطرافه في: ٣٧٦٠، ٣٨٠٦، ٤٩٩٩،٣٨٠٨]
قوله: «باب مناقب سالم مولى أبي حُذيفة» أي: ابن ◌ُتبة بن ربيعة بن عبد شمس، و کان مولاه
أبو حُذَيفة بن عُتبة من أكابر الصحابة، وشَهِدَ بدراً مع النبيّ ◌َ﴿ِ، وقُتِلَ أبوه يومَئذٍ كافراً فساءَه
ذلك فقال: كنت أرجو أن يُسلم، لمَا كنت أرَى من عَقْله. واستُشهِدَ أبو حُذَيفة باليمامة، وأمَّا
سالم فكان من السابقين الأوَّلين، وقد أُشير في هذا الحديث إلى أنَّه كان عارفاً بالقرآن، وسَبَقَ في
١٠٢/٧ كتاب الصلاة (٦٩٢) أنَّه كان يَؤُمّ المهاجرين بقُباءَ لمَّا قَدِموا من مكَّة،/ وشَهِدَ سالم بدراً وما
بعدها، ويقال: إنَّ اسم أبيه مَعِقِل، وكان مَولّى لامرأةٍ من الأنصار فَتَبَنّه أبو حُذَيفة لمَّا تزوَّجَها
فُسِبَ إليه، وسيأتي بيان ذلك في الرَّضاع (١)، واستُشهِدَ سالم باليمامة أيضاً.
قوله: ((ذُكِرَ» بالضَّمِّ ولم أعرف اسم فاعله.
قوله: ((عبد الله)) أي: ابن مسعودٍ، و((عبد الله بن عَمْرو))، أي: ابن العاص.
قوله: ((فبَدَأْ به)) فيه أنَّ التقديم يفيد الاهتمام.
(١) عند باب (٢١): من قال: لا رضاع بعد حولين، عند الحديث (٥١٠٢) من كتاب النكاح.
١٩٥
باب ٢٧ / ح ٣٧٥٩ - ٣٧٦٣
كتاب فضائل الصحابة
وقوله: ((لا أدري بَدَأ بأَبِّ أو بمعاذ)) فيه أنَّ الواو تَقتَضى الترتيب ظاهراً، وتخصيص
هؤلاء الأربعة بأخذِ القرآن عنهم إمّا لأنَّهم كانوا أكثرَ ضبطاً له وأتقَنَ لأدائِهِ، أو لأنَّهم
تَفرَّغوا لأخذِه منه مُشافَهة وتَصَدَّوا لأدائه من بعده، فلذلك نُدِبَ إلى الأخذ عنهم، لا أنَّه
لم تَجمَعْه غیرُهم.
٢٧ - باب مناقب عبد الله بن مسعود:
٣٧٥٩- حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سليمانَ، قال: سمعتُ أبا وائلٍ، قال:
سمعتُ مَسروقاً، قال: قال عبدُ الله بنُ عَمرو: إنَّ رسولَ الله وَّه لم يكن فاحِشاً ولا مُتَفَخِّشاً،
وقال: ((إنَّ مِن أحَبّكم إليَّ أحسَنَكُم أخلاقاً)).
٣٧٦٠ - وقال: ((استَقرِئوا القُرآنَ من أربعةٍ: من عبدِ الله بن مسعودٍ، وسالم مَولَى أبي حُذَيفةَ،
وأُبيِّ بنِ كعبٍ، ومعاذِ بنِ جَبَلٍ».
٣٧٦١- حدَّثنا موسى، عن أبي عَوَانةَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عَلقمةَ: دَخَلتُ
الشَّام، فصَلَّيتُ رَكعَتَيْنٍ، فقلتُ: اللهمَّ يَسِّر لِي جَليساً، فرأيتُ شيخاً مُقبِلاً، فلمَّا دَنا قلتُ:
أرجو أن يكونَ استَجابَ الله، قال: من أين أنتَ؟ قلتُ: من أهلِ الكوفةِ، قال: أفَلَم يكن فيكم
صاحبُ النَّعلينِ والوِسادِ والمِطهَرةِ، أَوَمَ يكن فيكم الذي أُجِيرَ مِن الشَّيطان؟ أوَلم يكن فيكم
صاحبُ السِّرِّ الذي لا يَعلَمُه غيرُه، كيفَ قرأ ابنُ أمِّ عبدٍ: ﴿وَلَِّلِ﴾ فقرأتُ ((واللَّيلِ إذا
يَغْشَى، والنَّهارِ إذا تَجَلَّى، والذَّكَرِ والأُنثَى))، قال: أَقَرَأَنِيها النبيُّنَِّ فَاهُ إلى فيَّ، فما زالَ هؤلاء
حتَّی کادوا یَرُُّوني.
٣٧٦٢- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَربِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ
يزيدَ، قال: سألنا حُذَيفةَ عن رجلٍ قريبِ السَّمْتِ والهدىٍ مِن النبيِّ وَِّ حَتَّى نأْخُذَ عنه، فقال:
ما أعلمُ أحداً أقرَبَ سَمْتاً وهَدْياً ودَلَّا بالنبيِّ وٍَّ مِنِ ابنِ أمِّ عبدٍ.
[طرفه في: ٦٠٩٧]
٣٧٦٣- حدَّثني محمَّدُ بنُّ العلاءِ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسُفَ بنِ أبي إسحاقَ، قال: حدَّثني
١٩٦
باب ٢٧ / ح ٣٧٥٩ -٣٧٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
أبي، عن أبي إسحاقَ، قال: حدَّثني الأسوَدُ بنُ يزيدَ، قال: سمعتُ أبا موسى الأشعريّ ◌ُ،
١٠٣/٧ يقول: قَدِمتُ أنا وأخي / مِن اليَمَنِ، فمَكَثْنا حِيناً ما نَرَى إلّا أنَّ عبدَ الله بنَ مسعودٍ رجلٌ من
أهلٍ بِيتِ النبيِّ وَِّ، لِمَا نَرَى من دخولِه ودخولِ أمِّه على النبيِّ ◌َّ.
[طرفه في: ٤٣٨٤]
قوله: ((باب مناقب عبد الله بن مسعود)) وهو ابن مسعود بن غافل بن حبيب بن شَمْخ
ابن هُذَيل بن مُدرِكة بن إلياس بن مُضَر، ماتَ أبوه في الجاهليَّة وأسلَمَت أمّه وصَحِبَت،
فلذلك نُسِبَ إليها أحياناً، وكان هو من السابقين. وقد روى ابن حِبّان (٧٠٦٢) من طريقه
أنَّه كان سادسَ ستّة في الإسلام، وهاجَرَ الهجرتَينِ، وسيأتي في غزوة بدر (٣٩٦٠) شُهُودُه
إيّاها (٣٩٦٠)، ووَليَ بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان، وقَدِمَ في أواخر عُمُره المدينة، وماتَ
في خلافة عثمان سنة اثنتينٍ وثلاثين، وقد جاوَزَ السِّين، وكان من عُلَماء الصحابة، وممّن
انتشرَ عِلمه بگثرة أصحابه والآخذین عنه.
ثمَّ أورَد المصنِّفُ فيه حديثَ عبد الله بن عَمرِو المذكور قبلَه (٣٧٥٨)، وزاد في أوَّله
حديثاً تقدَّم في صفة النبيِّي وَلَ (٣٥٥٩)، وكأنَّ بعضَ الرُّواةِ سمعَه مجموعاً فأوردَه
كذلك، ثم أورَد حديثَ أبي الدَّرداء المذكورَ في مناقب عّارٍ وحذيفةَ آنِفاً (٣٧٤٢)، ثم
حديث حُذَيفة: ((ما أعلمُ أحداً أقرَبَ سَمْتً) أي: خُشوعاً ((وهَذْياً)) أي: طريقة ((ودَلَّا))
بفتح المهمَلة والتشديد، أي: سِيرةً وحالةً وهيئة، وكأنَّه مأخوذ مما يدلّ ظاهر حاله على
حُسن فَعَالِهِ.
قوله: ((من ابن أُمّ عبدٍ)) هو عبد الله بن مسعود، وكانت أمّه تُكْنَى أمّ عبد، وقد ذُكِرَت في
الحديث الذي بعده حديثٍ أبي موسى (٣٧٦٣)، وتقدَّم التَّنبيه عليه في مناقب عمّار
(٣٧٤٢)، وقد روى الحاكم (٣١٥/٣) وغيره من طريق أبي وائل عن حُذَيفة قال: لقد عَلِمَ
المحفوظونَ من أصحاب محمد ◌َّهِ أَنَّ ابن أمّ عبد من أقربهم إلى الله وسيلةً يوم القيامة(١).
(١) وهو عند الترمذي (٣٨٠٧)، وصحَّحه ابن حبان (٧٠٦٣).
١٩٧
باب ٢٨ / ح ٣٧٦٤ -٣٧٦٦
كتاب فضائل الصحابة
قوله في حديث أبي موسى: ((قَدِمت أنا وأخي)» تقدَّم بيان اسمه في مناقب أبي بكر الصِّدِّيق(١).
وقوله: ((ما نَرَى)) حال من فاعل ((مَكَثنا)) أو صِفة لقولِه: «حيناً»، والحديث دالٌّ على
مُلازَمَته للنبيِّ ێ، وهو يَستَلزِم ثبوت فضله.
٢٨ - باب ذكر معاوية ـ
٣٧٦٤- حدَّثنا الحسنُ بنُ بشرٍ، حدَّثنا المُعاقَى، عن عثمان بنَ الأسوَدِ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ،
قال: أوتَرَ معاويةُ بعدَ العِشاءِ برَكعةٍ، وعِندَه مَولَّى لابنِ عبَّاسٍ، فأتى ابنَ عبَّاسٍ فقال: دَعْهُ،
فإِنََّ صَحِبَ رسولَ الله ◌َلِ.
[طرفه في: ٣٧٦٥]
٣٧٦٥- حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، حدَّثنا نافعُ بنُ عمرَ، حدَّثني ابنُ أبي مُلَیکةَ، قيل لابنِ
عِبَّاسٍ: هل لكَ في أميرِ المؤمنين معاويةَ، فإِنَّه ما أوتَرَ إلا بواحدةٍ؟ قال: إِنَّه فقيهٌ.
٣٧٦٦ - حدَّثَنِي عَمْرو بنُ عبَّاسٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبَةُ، عن أبي التَّاحِ،
قال: سمعتُ مُمران بنَ أبانَ، عن معاويةَ ه قال: إنَّكم لَتُصَلّونَ صلاةً لقد صَحِبنا النبيَّ ◌َِّ،
فما رأيناه يُصلِّيها، ولقد نَهَى عَنهما؛ يعني: الرَّكعَتَينِ بعدَ العصرِ.
قوله: ((باب ذِكْر معاوية)) أي: ابن أبي سفيان واسمه صَخْر، ويُكْنَى أيضاً أبا حَنظَلة بن ١٠٤/٧
حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس، أسلَمَ قبل الفتح، وأسلَمَ أَبُواه بعده، وصَحِبَ النبيّ وَلـ
وگتَبَ له، وولي إمرة دمشق عن عمر بعد موت أخيه يزيد بن أبي سفيان سنة تسع عشرة
واستَمرَّ عليها بعد ذلك إلى خلافة عثمان، ثمَّ زمان مُحارَبَته لعليٍّ وللحَسَنِ، ثمَّ اجتمع عليه
الناس في سنة إحدى وأربعين إلى أن ماتَ سنة ستّين، فكانت ولايته ما بين إمارةٍ ومُحَارَبةٍ
ومملكةٍ أكثر من أربعين سنة مُتَوالية.
قوله: ((حدَّثْنا المعافَ)) هو ابن عِمران الأزديّ الموصِليّ، يُكْنَى أبا مسعود، وكان من الثّقات
النُّبلاء، وقد لَقَيَ بعض التابعين، وتَلمَذَ لسفيانَ الثَّوريِّ، وكان يُلقَّب ياقوتة العلماء، وكان
(١) عند الحديث (٣٦٧٤) من الباب المذكور.
١٩٨
باب ٢٨ / ح ٣٧٦٤ -٣٧٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
الثَّوريّ شديدَ التعظيم له، ماتَ سنة خمس أو ستّ وثمانين ومئة، وليس له في البخاريّ
سِوَى هذا الموضع وموضع آخر تقدَّم في الاستسقاء (١٠١٨)، وفي الرُّواة آخر يقال له
المعافَ بن سليمان أصغر من هذا، ووَهمَ مَن عَكَسَ ذلك على ما يَظهَر من كلام ابن التِّين،
وماتَ المعاَى بن سليمان سنة مئتَينٍ وأربع وثلاثين، أخرج له النَّسائيُّ وحده، وأخرج للمُعافَى
ابن عِمران مع البخاريّ أبو داود والنَّسائيّ.
قوله: ((وعنده مَولّى لابنِ عبّاس» هو كُرَیب، روى ذلك محمد بن نَصر المروزيُّ في
كتاب ((الوِتر)) له من طريق ابن عُيَينةَ عن عُبيد الله بن أبي يزيد عن كُرَيب، وأخرج من
طريق عليّ بن عبد الله بن عبَّاس قال: بِتُّ مع أبي عند معاوية، فرأيته أوتَرَ بركعةٍ، فذكرت
ذلك لأبي فقال: يا بُنيّ، هو أعلم.
قوله: ((فقال: دَعْهُ)) فيه حذفٌ يدلّ عليه السّياق، تقديره: فأتى ابنَ عبَّاس فحَكَى له
ذلك فقال له: دَعْه، وقوله: ((دَعه)) أي: اترُك القول فيه والإنكار عليه: ((فإنَّه قد صَحَّت))
أي: فلم يَفعَل شيئاً إلّا بِمُستَنَدٍ.
وفي قوله في الرِّواية الأُخرَى: ((أصاب، إِنَّه فقيهٌ)) ما يُؤيِّد ذلك، ولا التفات إلى قول
ابن التِّين: إنَّ الوتر بركعةٍ لم يَقُل به الفقهاء، لأنَّ الذي نَفاه قول الأكثر، وثَبَتَ فيه عِدّة
أحاديث، نعم الأفضل أن يَتقدَّمها شَفع وأقلّه ركعتان، واختُلِفَ أَيّما الأفضل وَصْلُهما بها
أو فَصْلُهما؟ وذهب الكوفيّونَ إلى شرطيَّةٍ وَصْلِهما وأنَّ الوتر بركعةٍ لا يُجْزِئ، وشُهرة ذلك
تُغني عن الإطالة فیه.
ثمَّ أوردَ حديث معاوية في النَّهي عن الصلاة بعد العصر، والغرض منه قوله: ((لقد
صَحِينا النبيّ وٌَّ)) والكلام على الصلاة بعد صلاة العصر تقدَّم في مكانه في كتاب الصلاة(١).
تنبيه: عَبَّرَ البخاريّ في هذه الترجمة بقولِه: ((ذِكْر)) ولم يَقُل فضيلة ولا مَنقَبَة لكَونِ الفضيلة لا
تُؤخَذ من حديث الباب، لأنَّ ظاهر شهادة ابن عبّاس له بالفقه والصُّحبة دالّة على الفضل
(١) عند باب (٣١): لا يتحرَّى الصلاة قبل غروب الشمس، الأحاديث (٥٨٥-٥٨٨).
١٩٩
باب ٢٩ / ح ٣٧٦٧
كتاب فضائل الصحابة
الکثیر، وقد صَنَّفَ ابن أبي عاصم جُزءاً في مناقبه، وكذلك أبو عمر غلام تَعلَب، وأبو بكر
النَّقّاش، وأورَدَ ابن الجَوْزيّ في ((الموضوعات)) (١٥/٢-٢٤) بعض الأحاديث التي
ذكروها ثمَّ ساقَ عن إسحاق بن راهويه أنَّه قال: لم يَصِحّ في فضائل معاوية شيء، فهذه
النُّكتة في عُدول البخاريّ عن التصريح بلفظ مَنقَبة اعتماداً على قول شيخه، لكن بدَقيق
نظره استَنْبَطَ له ما يَدِفَع به رُؤوس الرَّوافض، وقِصّة النَّسائيِّ في ذلك مشهورة، وكأنَّه
اعتَمَدَ أيضاً على قول شيخه إسحاق، وكذلك في قِصّة الحاكم.
وأخرج ابن الجَوْزيّ أيضاً من طريق عبد الله بن أحمد بن حَنبَل: سألَت أبي: ما تقول
في عليّ ومعاوية؟ فأطرَقَ ثمّ قال: اعلَم أنَّ عليّاً كان كثير الأعداء ففَتَّشَ أعداؤه له عَیباً فلم
يَجِدُوا، فعَمَدوا إلى رجل قد حارَبَه فأطرَوه كياداً منهم لعليٍّ، فأشارَ بهذا إلى ما اختَلَقوه
لمعاويةَ من الفضائل ممّا لا أصل له.
وقد وَرَدَ في فضائل معاوية أحاديثُ كثيرةٌ لكن ليس فيها ما يَصِحّ من طريق الإسناد،
وبذلك جَزَمَ إسحاق بن راهويه والنَّسائيُّ وغيرهما، والله أعلم.
١٠٥/٧
٢٩ - باب مناقب فاطمة عليها السلام
وقال النبيُّ وَ ◌ّهِ: ((فاطمةُ سَيِّدةُ نساءِ أهل الجنَّةِ)).
٣٧٦٧- حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن عَمْرو بنِ دينارٍ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن المِسوَرِ
ابنِ تَخْرَمَةَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِِّ قال: ((فاطمةُ بَضْعَةٌ منّي، فمَن أغضَبَها أغضَبني)».
قوله: ((باب مناقب فاطمة)) أي: بنت رسول الله وَ له، وأُمّها خديجة عليها السَّلام،
وُلِدَت فاطمة في الإسلام، وقيل: قبل البِعْثة، وتزوَّجَها عليّ ◌ُه بعد بدر في السَّنة الثانية،
ووَلَدَت له وماتت سنة إحدى عشرة بعد النبيّ وَّهِ بستة أشهر، وقد ثَبَتَ في ((الصحيح))
من حديث عائشة(١)، وقيل: بل عاشَت بعده ثمانية، وقيل: ثلاثة، وقيل: شهرَينٍ، وقيل:
شهراً واحداً، ولها أربع وعشرونَ سنة، وقيل غير ذلك، فقيل: إحدَى، وقيل: خمس، وقيل:
(١) سيأتي برقم (٤٢٤١،٤٢٤٠).
٢٠٠
باب ٢٩ / ح ٣٧٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
تسع، وقيل: عاشت ثلاثين سنة، وسيأتي من مناقب فاطمة في ذِكْر أمّها خديجة في أوَّل
السِّيرة النَّبويّة (٣٨١٥).
وأقوَى ما يُستَدَلّ به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عَصرها ومَن بعدهنَّ ما ذُكِرَ
من قوله {وَ لّ أنَّهَا: ((سَيِّدة نساء العالمين إلّا مريم))(١)، وأَّهَا رُزِئَت بالنبيِّ وَّ دون غيرها من
بناته، فإنَّهنَّ مُتنَ في حیاته فگنَّ في صحيفته، ومات هو في حياتها فكان في صحيفتها، وكنت
أقول ذلك استنباطاً إلى أن وجدتُه منصوصاً: قال أبو جعفر الطَّريُّ في تفسیر آل عمران من
((التفسير الكبير)) (٢٦٣/٣ -٢٦٤) من طريق فاطمة بنت الحسين بن عليّ: إنَّ جَدَّتها فاطمة
قالت: دَخَلَ رسول وليه يوماً وأنا عند عائشة فناجاني فبكيت، ثمَّ ناجاني فضَحِکت،
فسألَتني عائشة عن ذلك فقلت: لقد عَلمت أأُخبرُك بسِرِّ رسول الله وَلَ؟ فَتَرَكَتني، فلمَّا
تُؤُنفَّ سألَت، فقالت: ناجاني، فذكر الحديث في مُعارَضة جِبْريل له بالقرآن مرَّتَينِ وأنَّه قال:
((أحسَب أنّي ميِّت في عامي هذا، وأنَّه لم تُرزَأ امرأة من نساء العالمين مثل ما رُزِئتِ، فلا
تكوني دون امرأة منهنَّ صَبراً» فبكيت، فقال: ((أنتِ سيّدة نساء أهل الجنَّة إلّا مريم))
فضَحِكت. قلت: وأصل الحديث في ((الصحيح))(٢) دون هذه الزّيادة.
قوله: ((وقال النبيّ وَ لّ: فاطمة سيِّدة نساء أهل الجنَّة)) هو طَرَف من حديث وَصَلَه
المؤلِّف في ((علامات النُّبوّة)) (٣٦٢٤)، وعند الحاكم (١٥١/٣) من حديث حُذَيفة بسندٍ
جيِّد: ((أتى النبيَّ وَّهِ مَلَكُ وقال: إنَّ فاطمة سَيِّدة نساء أهل الجنَّة))، وقد تقدَّم في آخِر
أحاديث الأنبياء (٣٤٣٢) ما وَرَدَ في بعض طرقه من ذِكْر مريم عليها السَّلام وغيرِها
مُشارَکة لها في ذلك.
قوله: ((عن ابن أبي مُلَيكة عن المِسوَر بن نَخَرَمةَ)) كذا رواه عنه عَمْرو بن دينار، وتابَعَه
اللَّيث وابن لَهِيعة وغيرهما، ورواه أيوب عن ابن أبي مُلَيكة فقال: عن عبد الله بن الزُّبَيرِ،
(١) روي بنحو هذا اللفظ عند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٢٧/٢١ من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن
النبي ولل مرسلاً، وهو على إرساله ضعيف الإسناد.
(٢) سلف برقم (٣٦٢٣) و(٣٦٢٤).