النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
كتاب فضائل الصحابة:
قوله: (قَتَلَني - أو أكَلَني - الكلبُ؛ حين طَعَنَه)) في رواية جَرِير: ((فتقدَّم فما هو إلّا أن كَبَّرَ
فِطَعَنَه أبو لُؤْلُؤة فقال: قَتلَني الكَلب))، في رواية أبي إسحاق المذكورة: ((فعَرَضَ له أبو
لُؤلُؤة، غلام المغيرة بن شُعْبة، فناجَى عمرَ غيرَ بعيد، ثمَّ طَعَنَه ثلاث طَعَنات، فرأيت عمر
قائلاً بيدِه هكذا يقول: دُونكم الكلب فقد قتلني))، واسم أبي لؤلؤة فيروز كما سيأتي، فروى
ابن سعد (٣٤٥/٣) بإسنادٍ صحيح إلى الزُّهْريّ قال: كان عمر لا يأذَن لسَبِيٍ قد احتَلَمَ في
دخول المدينة، حتَّى كَتَبَ المغيرة بن شُعْبة وهو على الكوفة يَذكُر له غلاماً عنده/ صَنَعاً(١) ٦٣/٧
ويَستأذِنه أن يُدخِله المدينة ويقول: إنَّ عنده أعمالاً تَنفَع الناس، إنَّه حَدّاد نَقّاش نَجّار، فأذِنَ
له، فضَرَبَ عليه المغيرة كلّ شهر مئةً، فشَكًا إلى عمر شِدّة الخَراج، فقال له: ما خَراجك
بكثيرٍ في جنب ما تَعمَل، فانصَرَفَ ساخطاً، فَلَبثَ عمر لَيَالِيَ، فمرَّ به العبد فقال: أَمْ أُحدَّث
أنَّك تقول: لو أشاء لَصَنَعتْ رَحَّى تَطْحَن بالرّيحِ؟ فالتَفَتَ إليه عابساً فقال: لَأصنَعَنَّ لك
رَحِّى يَتَحَدَّث الناس بها، فأقبَلَ عمر على مَن معه فقال: تَوَعَّدَني العبدُ. فَلَبثَ لَيَالِيَ ثمَّ
اشتَمَلَ على خِنجَر ذي رأسَينِ نِصابُهُ وسَطه، فكَمَنَ في زاوية من زوايا المسجد في الغَلَس
حتَّى خرج عمر يوقِظ الناس: الصلاةَ الصلاةَ، وكان عمر يَفعَل ذلك، فلمَّا دَنا منه عمر
وثَبَ إليه فطَعَنَه ثلاث طَعَنات، إحداهنَّ تحت السُّرّة قد خَرَقَت الصِّفاق وهي التي قَتلته.
وفي حديث أبي رافع: كان أبو لُؤْلُؤة عبداً للمغيرة، وكان يَسْتَغِلُّه أربعة دراهم - أي:
كلّ يوم - فَلَقِيَ عمرَ فقال: إنَّ المغيرة أثقَلَ عليَّ، فقال: اتَّقِ الله وأحسِنْ إليه، ومن نيَّة عمر
أن يَلقَى المغيرة فيُكلِّمه فيُخفِّف عنه، فقال العبد: وَسِعَ الناسَ عَدلُه غيري؛ وأضمَرَ على
قتله، فاصطَنَعَ له خِنجَراً له رأسان وسَمَّه، فَتَحَيَّنَ(٢) صلاة الغَداة حتَّى قامَ عمر فقال:
أقيموا صُفوفَكُم، فلمَّا كَبَّر طَعَنَه في كَتِفْه وفي خاصِرَته فسَقَطَ.
(١) في (س) وحدها: صانعاً. ويقال: رجل صَنع وامرأة صناع: إذا كان لهما صَنْعة يعملانها بأيديهما ويكسبان
بها. انظر («اللسان» (صنع)، وسيأتي قريباً شرح الحافظ على هذه الكلمة.
(٢) في (س): فتحرَّى، وما أثبتناه من الأصلين، وهو الموافق لما في ((مسند أبي يعلى)) (٢٧٣١) الذي أخرج
رواية أبي رافع.

١٢٢
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
وعند مسلم (٥٦٧) من طريق مَعْدان بن أبي طلحة: أنَّ عمر خَطَبَ فقال: رأيت ديكاً
نَقَرَني ثلاث نَقَرات، ولا أُراه إلّا حضورَ أجَلي، وفي رواية جُوَيرِية بن قُدامةَ عن عمر(١) نحوُه
وزادَ: فما مرَّ إلّا تلك الجمعةُ حتَّى طُعِنَ، وعند ابن سعد (٣٣٥/٣) من رواية سعيد بن
أبي هلال قال: بَلَغَني أنَّ عمر، ذكر نحوَه، وزادَ: فحدَّثتها أسماء بنتَ عُميس، فحدَّثتني أنَّه
يقتلني رجل من الأعاجم، وروى عمر بن شَبّة في كتاب ((المدينة)) (٢/ ٦٤) من حديث ابن
عمر بإسنادٍ حَسَن: أنَّ عمر دَخَلَ بأبي لؤلؤة البيت ليُصلِح له ضَبّة له فقال له: مُرِ المغيرةَ أن
يَضَعِ عنِّي من خَراجي، قال: إِنَّك لَتَكسِب كَسباً كثيراً فاصِرْ، الحديث.
وللطََّرانيّ في ((الأوسط)) (٥٧٩) بسند صحيح عن المبارَك بن فَضَالة(٢) عن عُبيد الله عن
نافع عن ابن عمر: طَعَنَ أبو لؤلؤة عمر طعتَينٍ، ويُحمَل على أنَّه لم يَذكُر الثالثة التي قتلته.
قوله: ((حتَّى طَعَنَ ثلاثةَ عشرَ رجلاً»، في رواية أبي إسحاق(٣): ((اثني عشر رجلاً معه،
وهو ثالث عشر))، زاد ابن سعد (٣٤٨/٣) من رواية إبراهيم التيميِّ عن عَمْرو بن ميمون:
وعلى عمر إزارٌ أصفَرُ قد رَفَعَه على صدره، فلمَّا طُعِنَ قال: وكان أمرُ الله قَدَراً مَقدوراً.
قوله: ((ماتَ منهم سبعة)) أي: وعاشَ الباقون، ووَقَفتُ من أسمائهم على كُلَيب بن
الْبُكَيرِ اللَّيْثِيّ، وله ولِإِخوَتِه عاقل وعامر وإياس صُحْبة، فُرُوِّينا في ((جُزء أبي الجَهم)
بالإسناد الصحيح إلى ابن عمر: أنَّه كان مع عمر صادراً من الحجّ، فمرَّ بامرأةٍ فدَفَنَها
كُلَيب اللَّيِيّ، فشَكَرَ له ذلك عمرُ وقال: أرجو أن يُدخِله الله الجنَّة، قال: فطَعَنَه أبو لُؤْلُؤة
لمَّا طَعَنَ عمرَ فمات، وروى عبد الرَّزّاق من طريق نافع نحوه (٦٦٦٠)، ومن طريق
الزُّهْريّ (٦٦٦٠ و٩٧٧٥): طَعَنَ أبو لُؤْلُؤة اثنَي عشر رجلاً فماتَ منهم عمر وكُلَيب،
وروى ابن أبي شَيْبة (١٤ / ٥٨٥ -٥٨٨) من طريق أبي سَلَمة ويحيى بن عبد الرحمن في قِصّة
قتل عمر: فطَعَنَ أبو لؤلؤة كُلَيب بن البُکیر فأجهَزَ عليه.
(١) عند ابن سعد ٣٣٦/٣-٣٣٧.
(٢) مبارك بن فضالة صدوق حسن الحديث إذا صرح بالسماع، وقد صرح.
(٣) رواية أبي إسحاق سبق أن ذكر أنها عند ابن أبي شيبة والحارث وابن سعد، ولم نقف عليها بهذا السياق في
مصنفاتهم، وهي عند عمر بن شبّة في ((تاريخ المدينة)) ٢/ ١٠٢.

١٢٣
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
كتاب فضائل الصحابة
قوله: ((فلمَّا رَأى ذلك رجل من المسلمين طَرَحَ عليه بُرُنُساً)) وَقَعَ في ((ذَيل الاستيعاب))
لابنٍ فَتْحون من طريق سعيد بن يحيى الأُمويّ قال: حدَّثنا أبي حدَّثني مَن سمعَ حُصَين بن
عبد الرحمن في هذه القِصّة قال: فلمَّا رأى ذلك رجل من المهاجرين يقال له حِطّان التَّميميّ
الْيَربوعيّ طَرَحَ عليه بُرُنُساً، وهذا أصحّ مَّا رواه ابن سعد (٣/ ٣٤٧) بإسنادٍ ضعيف مُنقَطِع
قال: طَعَنَ أبو لُؤْلُؤة نَفَراً فأخَذَ أبا لُؤْلُؤة رَهط من قُرَيش، منهم عبد الله بن عَوْف وهاشم
ابن عُتبة الزُّهْرِيّان، ورجل من بني سَهْم، وطَرَحَ عليه عبد الله بن عَوْف خَميصة كانت
عليه، فإن ثَبَتَ هذا ◌ُلَ أنَّ الكلّ اشتَرَكوا في ذلك. وروى ابنُ سعد (٣٤٧/٣-٣٤٨)
عن الواقديّ بإسنادٍ آخر: أنَّ عبد الله بن عَوْف المذكور احتَزَّ رأس أبي لُؤْلُؤة.
قوله: ((وتَناوَلَ عمرُ يدَ/ عبد الرحمن بن عَوْف فقَدَّمَه)) أي: للصَّلاة بالناس.
٦٤/٧
قوله: ((فصَلَّى بهم عبد الرحمن صلاةً خفيفةً)) في رواية أبي إسحاق: بأقصَر سورتَينِ في
القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾، و﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴾، وزاد في رواية
ابن شِهاب المذكور: (ثُمَّ غَلَبَ عمرَ النَّزْفُ حتَّى غُشيَ عليه، فاحتَمَلتُه في رَهْط حتَّى أدخَلْتُه
بيتَه، فلم يزل في غَشْيته حتَّى أسفَرَ، فنظرَ في وجوهنا فقال: أصَلَّى الناس؟ فقلت: نعم، قال: لا
إسلام لمن تَرَكَ الصلاة، ثمَّ تَوضَّأ وصَلَّ))، وفي رواية ابن سعد (٣٤٩/٣) من طريق ابن عمر
قال: فتَوضَّأ وصَلَّى فقرأ في الأولى ﴿وَالْعَصْرِ﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، قال:
وتَساندَ إليَّ وجُرحه يَتْعَب دَماً، إنّي لأضَعِ أُصبُعي الوُسطَى فِما تَسُدّ الفَتْق.
قوله: «فلمَّا انصَرَفوا قال: يا ابن عبّاس، انظُر مَن قَتَلَني» في رواية أبي إسحاق: فقال
عمر: يا عبد الله بن عبَّاس، اخرُج فنادٍ في الناس: أَعَن مَلَأٍ منكم كان هذا؟ فقالوا: معاذ الله،
ما عَلمنا ولا الطَّلَعنا، وزاد مُبارَك بن فَضالة: فظَنَّ عمر أنَّ له ذَنباً إلى الناس لا يَعلَمه فدَعا
ابن عبّاس - وكان يُحِبّه ويُدْنيه - فقال: أُحِبّ أن نعلَم عن مَلَأٍ من الناس كان هذا؟ فخرج
لا يَمُرّ بمَلَأٍ من الناس إلّا وهم يَبكون، فكأنما فقَدوا أبكار أولادهم، قال ابن عبّاس: فرأيت
البِشْرَ في وجهه.

١٢٤
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((الصَّنَع)) بفتح المهمَلة والنّون، وفي رواية ابن فُضَيلِ عن حُصَين عند ابن أبي
شَيْبة (١٤ / ٥٧٤ -٥٧٨) وابن سعد (٣٣٧/٣-٣٣٩): ((الصَّنَاع)» بتخفيف النّون، قال أهل
اللُّغة: رجل صَنَعُ اليدِ واللُّسان، وامرأةٌ صَنَاعُ اليد، وحكى أبو زيد: الصَّنَاعِ والصَّنَع يقعان
معاً على الرجل والمرأة.
قوله: (لم يَجِعَل مِيتَتَي)) بكسر الميم وسكون التحتانيَّة بعدها مُثنّاة، أي: قتلَتي، وفي رواية
الكُشْمِيهنيِّ: ((مَنَّتي)) بفتح الميم وكسر النُّون وتشديد التحتانيَّة.
قوله: ((رجل يَدَّعي الإسلام) في رواية ابن شِهاب: فقال: الحمد لله الذي لم يَجعَل قاتلي
يُجاجُني عند الله بسجدةٍ سَجَدَها له قَطُّ، وفي رواية مُبارَك بن فَضَالة: يُحاجّني بقولِ لا إله إلّ الله.
ويُستَفاد من هذا أنَّ المسلم إذا قَتل مُتَعَمِّداً تُرجَى له المغفرة خلافاً لمن قال: إنَّه لا يُغْفَر
له أبداً، وسيأتي بسط ذلك في تفسير سورة النِّساء (٤٥٩٠)، وفي رواية ابن أبي شَيْبة
(١٤ / ٥٧٦): قاتَلَه الله، لقد أمَرت به معروفاً، أي: أنَّه لم يَخَف عليه فيما أمَرَه به، وفي
حديث جابر: فقال عمر: لا تَعجَلوا على الذي قتلني، فقيل: إنَّه قتل نفسه، فاستَرجَعَ
عمر، فقيل له: إنَّه أبو لؤلؤة، فقال: الله أكبر.
قوله: ((قد كنتَ أنتَ وأبوك تُحِّان أن تَكثُر العُلوج بالمدينة» في رواية ابن سعد (٣٥٢/٣) من
طريق محمد بن سِيرِين عن ابن عبّاس: فقال عمر: هذا من عمل أصحابك، كنتُ أُريد أن
لا يدخلها عِلْج من السَّبي فغَلَبْتُموني، وله (٣/ ٣٥٠) من طريق أسلَم مَولَى عمر قال: قال
عمر: مَن أصابني؟ قالوا: أبو لُؤْلُؤة، واسمه فيروز، قال: قد نَهَيتُكم أن تَجلِبوا علينا من
عُلوجهم أحداً فعَصَيتُموني، ونحوه في رواية مُبارَك بن فَضَالة.
وروى عمر بن شَبّة (١) من طريق ابن سِيرِين قال: بَلَغَني أنَّ العبّاس قال لعمر - لمَّا قال:
لا تُدخِلوا علينا من السَّبي إلّا الوُصَفاء -: إنَّ عمل المدينة شديد لا يَستَقيم إلّا بالعُلوجِ.
قوله: ((إن شِئتَ فعلت)) قال ابن التِّين: إنَّما قال له ذلك لعِلمِه بأنَّ عمر لا يأمرُه بقتلِهم.
(١) في ((تاريخ المدينة)) ٨٨٩،٨٨٨/٢.

١٢٥
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
كتاب فضائل الصحابة
قوله: ((كَذَبت)) هو على ما أُلِفَ من شِدّة عمر في الدّين، لأَنَّه فهمَ من ابن عبّاس من قوله:
إن شِئت فعَلنا؛ أي: قتلناهم فأجابَه بذلك، وأهل الحِجاز يقولون: ((كَذَبت)) في موضع
أخطأت، وإنَّما قال له: بعد أن صَلَّوا لعِلمِه أنَّ المسلم لا يَحِلّ قَتله، ولعلَّ ابن عبَّاس إنَّما
أراد قتل مَن لم يُسلم منهم.
قوله: ((فَأَتِيَ بنبيذٍ فِشَرِبَه)) زاد في حديث أبي رافع: ليَنظُر ما قَدْرُ جُرحه، وفي رواية أبي
إسحاق: فلمَّا أصبَحَ دَخَلَ عليه الطَّبيب فقال: أيُّ الشَّراب أحَبّ إليك؟ قال: النَّبِيذ، فدَعا
بنبيذٍ فَشَرِبَ فخرج من جُرحه، فقال: هذا صَديد ائتوني بلَبَنٍ، فَأَتِيَ بلَبَنٍ فشَرِبَه فخرج من
جُرحه، فقال الطَّبيب: أوصٍ، فإنّ لا أظنّك إلّا ميِّاً من يومك أو من غَدٍ.
قوله: «فخرج من جوفه» في رواية الُشْمِهنيّ:/ (من جُرحه» وهي أصوب، وفي رواية أبي ٦٥/٧
رافع: ((فخرج النَّبيذ فلم يُدرَ أهو نبيذ أم دَم))، وفي روايته: ((فقالوا: لا بأس عليك يا أمير
المؤمنين، فقال: إن يكن القتل بَأساً فقد قُتِلت))، وفي رواية ابن شهاب: ((قال: فأخبرني سالم
قال: سمعت ابن عمر يقول: فقال عمر: أرسِلوا إلى طَبيب يَنظُر إلى جُرحي، قال: فأرسَلوا إلى
طَبيب من العرب فسَقاه نبيذاً فشُبِّهَ النبيذ بالدَّمِ حين خرج من الطَّعنة التي تحت السُّرّة، قال:
فَدَعَوت طبيباً آخر من الأنصار فسَقاه لَبناً، فخرج اللَّبَن من الطَّعنة أبيضُ فقال: اعهَد يا أمير
المؤمنين. فقال عمر: صَدَقَني، ولو قال غير ذلك لكَذَّبته))، وفي رواية مُبارَك بن فَضَالة: ثمَّ دَعَا
بشَرِيةٍ مِن لَبَن فشَرِبَهَا فخرج مُشاش اللَّبَن من الجُرحَينِ، فعَرَفَ أنَّه الموت فقال: الآن لو أنَّ لي
الدُّنيا كلّها لافتَدَيت به من هَول المطلَع، وما ذاكَ والحمد لله أن أكون رأيت إلّا خيراً.
تنبيه: المراد بالنَّبيذِ المذكور: تَرات نُبذَت في ماء، أي: نُقِعَت فيه، كانوا يصنعونَ ذلك
لاستعذاب الماء، وسيأتي بسط القول فيه في الأشربة (٥٥٩١).
قوله: ((وجاء الناس يُثنونَ عليه)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((فجَعَلوا يُثنونَ علیه))، ووَقَعَ في
حديث جابر عند ابن سعد من تسمية مَن أثنَى عليه عبد الرحمن بن عَوْف، وأنَّه أجابَه
بنحو ما أجابَ به غیره.

١٢٦
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
وروى عمر بن شَبّة من طريق سليمان بن يَسار: أنَّ المغيرة أثنَى عليه وقال له: هَنيئاً لك
الجنَّة وأجابَه بنحو ذلك. وروى ابن أبي شَيْبة (١١/ ٢٥) من طريق المِسوَر بن مَخَرَمةَ: أنَّه
◌َمَّن دَخَلَ على عمر حين طُعِن. وعند ابن سعد (٣٣٦/٣) من طريق جُوَيرِية بن قُدامَ:
فدَخَلَ عليه الصحابة، ثمَّ أهل المدينة، ثمَّ أهل الشّام، ثمَّ أهل العراق، فكلّما دَخَلَ عليه
قوم بكَوا وأثنَوا عليه، وقد تقدَّم طَرَف منه من هذا الوجه في الجِزية (٣١٦٢)، ووَقَعَ في
رواية أبي إسحاق عند ابن سَعدٍ (٣٤٠/٣): وأتاه كعب - أي: كعب الأحبار - فقال: ألم
أَقُل لك إِنَّك لا تَموت إلّا شهيداً، وأنتَ تقول: من أين وإنّي في جزيرة العرب.
قوله: ((وجاء رجل شابٌ)) في رواية جَرِير عن حُصَين السابقة في الجنائز (١٣٩٢):
ووَلَجَ عليه شابٌّ من الأنصار. وقد وَقَعَ في رواية سِماك الحنفيّ عن ابن عبّاس عند ابن
سعد (٣/ ٣٥١): أنَّه أثْنَى على عمر فقال له نحواً ممّا قال هنا للشّابِ، فلولا قوله في هذه
الرِّواية: إنَّه من الأنصار، لَساغَ أن يُفَسَّرِ المبهَم بابنِ عبَّاس، لكن لا مانع من تعدُّد المُثْنِينَ
مع اتّحاد جوابه كما تقدَّم. ويُؤيِّده أيضاً أنَّ في قِصّة هذا الشّابّ: أنَّه لمَّا ذهب رأى عمرُ
إزارَه يَصِلُ إلى الأرض فأنكَرَ عليه، ولم يقع ذلك في قِصّة ابن عبّاس، وفي إنكاره على
الشابِّ(١) ما كان عليه من الصَّلابة في الدِّين، وأنَّه لم يَشغَلْه ما هو فيه من الموت عن الأمر
بالمعروفٍ.
و قوله: ((ما قد عَلِمتَ)) مُبتَدأ وخبره «لك))، وقد أشار إلى ذلك ابن مسعود، فروی عمر
ابن شَبّة(٢) من حديثه نحو هذه القِصّة وزادَ: قال عبد الله: يرحم الله عمر، لم يَمنَعه ما كان
فيه من قول الحقّ.
قوله: ((وقَدَم)) بفتح القاف وكسرها، فالأوَّل بمعنى الفَضْل، والثاني: بمعنى السَّبْق.
(١) كذا في الأصلين على الصواب، ووقع في (س): ((إنكاره على ابن عباس))، وإنكار عمر ﴾ إنما كان على
الشاب لا علی ابن عباس رضي الله عنهما كما يفهم من سياق الحديث والروايات.
(٢) في ((تاريخ المدينة)) ٩٣٥/٣.

١٢٧
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
كتاب فضائل الصحابة
قوله: (ثُمَّ شهادة)) بالرَّفع عَطفاً على ((ما قد عَلمت))، وبالجرِّ عَطفاً على ((صُحْبة))، ويجوز
النَّصب على أنَّه مفعول مُطلَق لِفِعلِ محذوف والأوَّل أقوى، وقد وَقَعَ في رواية جَرِير (١٣٩٢):
ثُمَّ الشَّهادة بعد هذا كله.
قوله: ((لا عليَّ ولا لي)) أي: سواءً بسواءٍ.
قوله: ((أنقَى لثوبك)) بالنّون ثمَّ القاف للأكثر، وبالموحَّدة بَدَل النُّون للكُشْمِيهنيّ، ووَقَعَ في
رواية المبارَك بن فَضالة: قال ابن عبّاس: وإن قلت ذلك فجَزاك خيراً، أليس قد دَعَا
رسول الله وَ﴿ أن يُعِزّ الله بك الدِّين والمسلمين إذ يخافونَ بمكَّة، فلمَّا أسلَمت كان إسلامك
عِزّاً، وظَهَرَ بك الإسلام، وهاجَرت فكانت هِجرَتك فتحاً، ثمَّ لم تَغِب عن مَشهَد شَهِدَه
رسول الله وَل﴿ من قتال المشركين، ثمَّ قُبضَ وهو عنك راضٍ، ووازَرت الخليفة بعده على
مِنْهاج النبيِّ نَّةٍ، فضَرَبت مَن أدبَرَ بمَن أقبَل، ثمَّ قُبضَ الخليفة وهو عنك راضٍ، ثمَّ
وَلِيتَ بخيرٍ ما وَلِيَ الناس: مَصَّرَ الله بك الأمصار، وجَبا بك الأموال، ونَفَى بك العدوّ،
وأدخَلَ بك على كلِّ أهل / بيت مَن سَيُوسِعُهم في دينهم وأرزاقهم، ثمَّ خَتَمَ لك بالشَّهادة، ٦٦/٧
فهَنيئاً لك، فقال: والله إنَّ المغرور مَن تَغُرُّونَه، ثمّ قال: أتشهَدُ لي يا عبدَ الله عند الله يوم
القيامة؟ فقال: نعم، فقال: اللهمَّ لك الحمد، وفي رواية مُبارَك بن فَضَالة أيضاً: قال الحسن
البصريّ(١) - وذُكر له فعلُ عمر عند موته وخَشْيته من ربِّه فقال -: هكذا المؤمن جمع إحساناً
وشَفَقة، والمنافق جمع إساءةً وغِرَّة(٢)، والله ما وجدت إنساناً ازدادَ إحساناً إلّا وجدته ازدادَ
تَخَافَةً وشَفَقةً، ولا ازدادَ إساءةً إلّا ازدادَ غِرَّةً.
قوله: ((يا عبدَ الله بنَ عمر، انظُر ماذا عليَّ من الدَّين، فحَسَبوه فوَجَدوه سِتّة وثمانين ألفاً أو
نَحوه)» في حديث جابر: ثُمَّ قال: يا عبد الله، أقسَمت عليك بحَقِّ الله وحَقّ عمر إذا مُتّ فدَفَنتني
أن لا تَغسِل رأسك حتَّى تَبيع من رِباع آل عمر بثمانين ألفاً فتَضَعها في بيت مال المسلمين،
(١) رواية مبارك بن فضالة عند الطبراني في ((الأوسط)) (٥٧٩)، وقد جاء قول الحسن البصري عقب هذه
الرواية.
(٢) وقع في (س) في الموضعين: ((عِزّة)) وهو تصحيف.

١٢٨
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
فسألَه عبد الرحمن بن عَوْف، فقال: أَنفَقتها في حِجَج حَجَجتها، وفي نَوائبَ كانت تَنوبني.
وُرِفَ بهذا چِھة دَین عمر.
قال ابن التِّين: قد عَلِمَ عمر أنَّه لا يَلزَمه غرامةُ ذلك، إلّا أنَّه أراد أن لا يَتَعَجَّل من
عمله شيء في الدُّنيا. ووَقَعَ في ((أخبار المدينة)) لمحمدٍ بن الحسن بن زَيالة: أنَّ دَین عمر كان
ستّة وعشرين ألفاً، وبه جَزَمَ عياض، والأوَّل هو المعتَمَد.
قوله: ((إن وفَّ له مال آلِ عمر)» كأنَّه يريد نفسَه، ومثلُه يقع في كلامهم كثيراً، ويحتمل أن
یرید رَهطَه.
وقوله: ((وإلّا فَسَل في بني عَديّ بن كعب) هم البطن الذي هو منهم، وقُرَيش قبيلته.
وقوله: ((لا تَعْدُهم) بسُكون العين، أي: لا تَتَجاوَزهم، وقد أنكَرَ نافع مَولَى ابن عمر أن
يكون على عمر دَين، فروى عمر بن شَبّة في كتاب «المدينة» (٩٣٥/٣) بإسنادٍ صحيح أنَّ
نافعاً قال: من أين يكون على عمر دَين، وقد باع رجل من ورَثَتْه ميراثه بمئة ألف؟ انتَهَى،
وهذا لا ينفي أن يكون عند موته عليه دَين، فقد يكون الشَّخص كثير المال ولا يَسْتَلِزِم نَفْيَ
الدَّين عنه، فلعلَّ نافعاً أنكَرَ أن يكون دَينه لم يُقضَ.
قوله: ((فإنّ لست اليوم للمُؤمِنين أميراً) قال ابن التِّين: إنَّما قال ذلك عندَما أيقَنَ بالموت،
إشارةً بذلك إلى عائشة حتَّى لا تُحابيه لكَونِه أمير المؤمنين، وسيأتي في كتاب الأحكام(١) ما
يُخالف ظاهره ذلك، فيُحمَل هذا النَّفيُّ على ما أشارَ إليه ابن التِّين أنَّه أراد أن يَعلَم أنَّ
سؤاله لها بطريق الطَّلب لا بطريق الأمر.
قوله: ((ولَأُوْثِرَنَّه به اليومَ على نفسي)) استُدِلَّ به وباستئذان عمر لها على ذلك أنَّها كانت
تَلِك البيت، وفيه نظر، بل الواقع أنَّها كانت تَلِك مَنفَعَته بالسُّكنَى فيه والإسكان ولا يُورَث
عنها، وحُكم أزواج النبيّ وَّهَ كالمعتَدّات لأنَّهنَّ لا يَتزوَّجنَ بعده ◌َِّ، وقد تقدَّم شيء من هذا
(١) بل سلف ذلك في كتاب الجنائز ((باب ما جاء في قبر النبيِّ وَّه وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما)) عند
الحديثين (١٣٩١) و(١٣٩٢)، وذكر هناك أن ذلك سيأتي الكلام عليه مستوفى في مناقب عثمان!

١٢٩
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
كتاب فضائل الصحابة
في أواخر الجنائز (١٣٩٢)، وتقدَّم فيه وجه الجمع بين قول عائشة (١٣٩٢): ((لَأوثِرَنَّه على
نفسي)) وبين قولها لابنِ الزُّبَيرِ (١٣٩١): ((لا تَدِفِي عندهم)) باحتمال أن تكون ظنَّت أنَّه لم يَبَقَ
هناك وُسْعٌ، ثمَّ تَبيَّن لها إمكان ذلك بعد دَفْن عمر، ويحتمل أن يكون مرادُها بقولها: «لَأوثِرَنَّه
على نفسي)) الإشارة إلى أنَّها لو أذِنَت في ذلك لامتَنَعَ عليها الدَّفن هناكَ لمكان عمر لكَونِه
أجنبيّاً منها بخلاف أبيها وزوجها، ولا يَستَلزِم ذلك أن لا يكون في المكان سَعة أم لا، ولهذا
كانت تقول بعد أن دُفِنَ عمر: لم أضَعْ ثيابي عنِّي مُنذُ دُفِنَ عمر في بيتي، أخرجه ابن سعد
(٣٦٤/٣) وغيره(١)، ورُوِيَ عنها في حديث لا يَثْبُت: أنَّهَا استأذنَت النبيَّ نَّهِ إِن عاشَت بعده
أن تُدفَن إلى جانبه فقال لها: ((وأنَّى لك بذلك وليس في ذلك الموضع إلّا قبري وقبر أبي بكر
وعمر وعيسى ابن مريم))(٢)، وفي ((أخبار المدينة)) من وجه ضعيف عن سعيد بن المسيّب قال:
إِنَّ قُبُور الثلاثة في صُفّة بيت عائشة، وهناكَ موضعُ قبرٍ يُدفَن فيه عيسى عليه السلام.
قوله: ((ارفَعُوني)) أي: من الأرض، كأنَّه كان مُضطَجِعاً فأمرَهم أن يُقْعِدوه.
قوله: ((فأسنَدَه رجل إليه)) لم أقِفْ على اسمه، ويحتمل أنَّه ابن عبّاس، ويُؤيِّده ما في
رواية المبارَك: أنَّ ابن عبّاس لمَّا فَرَغَ من الثَّناء عليه قال: فقال له / عمر: ألصِقْ خَدّي ٦٧/٧
بالأرضِ يا عبد الله بن عمر، قال ابن عبّاس(٣): فوَضَعتُه من فَخِذي على ساقي فقال:
ألصِقْ خَدّي بالأرضِ، فَوَضَعتُهُ حتَّى وَضَعَ لحيتَه وخَدَّه بالأرض فقال: ويلك يا عمرُ إن
لم يَغْفِرِ الله لك.
قوله: ((ما كان شيء أهمّ إليَّ من ذلك)) وقوله: ((إذا مِتّ فاستأذِن)) ذكر ابن سعد (٣٦٣/٣)
عن مَعْن بن عيسى عن مالك: أنَّ عمر كان يَخِشَى أن تكون أذِنَت في حياته حياءً منه، وأن تَرجِعَ
عن ذلك بعد موته، فأراد أن لا يُكرِهَها على ذلك، وقد تقدَّم ما فيه في أواخر الجنائز (١٣٩٢).
(١) وأخرجه ابن شبَّة في ((تاريخ المدينة)) ٩٤٥/٣ من طريق عمرة عنها.
(٢) أخرجه ابن عساكر في ((تاریخ دمشق)) ٥٢٢/٤٧-٥٢٣.
(٣) كذا وقع للحافظ هنا: ((قال ابن عباس)) وليس في رواية المبارك - وهي عند الطبراني في «الأوسط)).
(٥٧٩) - وإسقاطه هو الصواب، لأن الأفعال هنا مسندة إلى ابن عمر.

١٣٠
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وجاءت أمّ المؤمنين حفصة)) أي: بنت عمر.
قوله: «فولجت علیه» أي: دخلت على عمر فمكثت، وفي رواية الگُشْمِيهنئٍّ: ((فبگت)»،
وذکر ابن سعد (٣٦١/٣) بإسنادٍ صحیح عن المقدام بن معدي گَرِب أنها قالت: یا صاحب
رسول الله، يا صِهرَ رسول الله، يا أمير المؤمنين، فقال عمر: لا صبرَ لي على ما أسمَعُ، أُحَرِّج
عليك بما لي عليك من الحقّ أن تندُبيتني بعد مجلِسك هذا، فأمَّا عینیك فلَن أملِگهما.
قوله: ((فوَلَتُ داخلاً لهم))، أي: مَدخَلاً كان في الدّار.
قوله: ((فقالوا: أوصٍ يا أميرَ المؤمنينَ، استَخلِفْ)) سيأتي في الأحكام (٧٢١٨) ما يدلّ
على أنَّ الذي قال له ذلك هو عبد الله بن عمر، وروى ابن شَبّة (١) بإسنادٍ فيه انقطاع: أنَّ
أسلَمَ مولى عمر قال لعمر حين وَقُفَ لم يُوَلِّ أحداً بعدَه: يا أميرَ المؤمنين، ما يَمنَعك أن
تَصنَع كما صَنَعَ أبو بكر؟ ويحتمل أن يكون ذلك قبل أن يَطعُنه أبو لُؤْلُؤة، فقد روى مسلم
(٥٦٧) من طريق مَعدان بن أبي طلحة، أنَّ عمر قال في خُطبَته قبل أن يُطعَن: إنَّ أقواماً
يأمرونَني أن أستخلف.
قوله: ((من هؤلاء النَّفَر أو الرَّهط)) شٌَّ من الراوي.
قوله: ((فسَمَّى عليّاً وعثمان ... )) إلى آخره، وَقَعَ عند ابن سعد (٣٤٤/٣) من رواية ابن
عمر: أنَّه ذكر عبد الرحمن بن عَوْف وعثمان وعليّاً، وفيه: قلت لسالم: أَبَدأَ بعبدِ الرحمن بن
عَوْف قبلَهما(٢)؟ قال: نعم؛ فدَلَّ هذا على أنَّ الرُّواة تَصَرَّفوا لأنَّ الواو لا تُرَتِّب، واقتِصار
عمر على السِّة من العشرة لا إشكال فيه لأنَّه منهم، وكذلك أبو بكر، ومنهم أبو عُبيدة وقد
ماتَ قبل ذلك، أمَّا سعيد بن زيد فهو ابن عمّ عمر فلم يُسمِّه عمر فيهم مُبالَغةً في التَّبَرّي
من الأمر، وقد صَرَّحَ في رواية المدائنيّ بأسانيدِه: أنَّ عمر عَدَّ سعيد بن زيد فيمن تؤثَّ النبيّ
وَّ وهو عنه راضٍ، إلّا أنَّه استثناه من أهل الشّورَى لقَرابَتِه منه، وقد صَرَّحَ بذلك المدائنيّ
(١) في ((تاريخ المدينة)) ٨٨٥/٣.
(٢) في المطبوع من ((الطبقات)): قبل علي.

١٣١
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
كتاب فضائل الصحابة
بأسانيدِه قال: فقال عمر: لا أرَب لي في أُموركم فأرغَب فيها لأحدٍ من أهلي.
قوله: ((وقال: يَشْهَدُكم عبدُ الله بن عمر)) وَوَقَعَ في رواية الطَّبَريّ(١) من طريق المدائنيّ
بأسانيدِه قال: فقال له رجل: استَخلف عبدَ الله بن عمر، قال: والله ما أردتَ اللهَ بهذا،
وأخرج ابن سعد (٣/ ٣٤٣) بسندٍ صحيح من مُرسَل إبراهيم النَّخَعيِّ نحوَه، قال: فقال
عمر: قاتَلَك الله، والله ما أردتَ الله بهذا، أستَخلِفُ مَن لم يُحسِن أن يُطلِّق امرأته.
قوله: ((كَهَيئةِ التَّعزية له)) أي: لابنِ عمر، لأنَّه لمَّا أخرجه من أهل الشُّورَى في الخلافة
أراد جَبْر خاطِرِه بأن جعلَه من أهل المشاورة في ذلك.
وزَعَمَ الكِرْمانيُّ أنَّ قوله: ((کَھیئة التعزیة له)) من كلام الراوي لا من كلام عمر، فلم
أعرِف من أين تَهَيَّأ له الجزم بذلك مع الاحتمال. وذكر المدائنيّ أنَّ عمر قال لهم: إذا
اجتمع ثلاثةٌ على رأي وثلاثةٌ على رأي فحَكِّموا عبد الله بن عمر، فإن لم تَرضَوا بحُكمِه
فقَدِّموا مَن معه عبدُ الرحمن بن عَوْف.
قوله: ((فإن أصابت الإمرة)) بكسر الهمزة، وللكُشْمِيهنيّ: الإمارة ((سعداً)) يعني: ابن أبي
وقّاص، وزاد المدائنيّ: وما أظنّ أن يَليَ هذا الأمر إلّا عليٍّ أو عثمان، فإن وليَ عثمان فرجلٌ
فيه لين، وإن وليَ عليٌّ فسَتَختَلِفُ عليه الناس، وإن وليَ سعد وإلّا فليَستَعِن/به الوالي. ثمَّ ٦٨/٧
قال لأبي طلحة: إنَّ الله قد نَصَرَ بكم الإسلام، فاختَر خمسين رجلاً من الأنصار، واستَحِثَّ
هؤلاء الرَّهط حتَّى يختاروا رجلاً منهم.
قوله: ((وقال: أوصي الخليفة من بعدي)) في رواية أبي إسحاق(٢) عن عَمْرو بن ميمون:
فقال: ادعوا لي عليّاً وعثمان وعبد الرحمن وسعداً والزُّبَير، وكان طلحة غائباً، قال: فلم
يُكلِّم أحداً منهم غير عثمان وعليّ فقال: يا عليّ، لعلَّ هؤلاء القوم يعلمونَ لك حَقّك
وقَرابَتك من رسول الله وَّه وصِهْرك وما آتاك الله من الفقه والعلم، فإن وُلّيت هذا الأمر
(١) في ((تاريخه)) ٥٨٠/٢.
(٢) عند ابن سعد ٣٤٠/٣-٣٤١، والحارث كما في ((بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)) (٥٩٤).

١٣٢
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
فاتَّقِ الله فیه. ثمَّ دعا عثمان فقال: یا عثمان، فذكر له نحو ذلك.
ووَقَعَ في رواية إسرائيل(١)، عن أبي إسحاق في قِصّة عثمان: فإن وَلَّوكَ هذا الأمر فاتَّقِ
الله فيه ولا تَحمِلَنَّ بني أبي مُعَيط على رِقاب الناس، ثمَّ قال: ادعوا لي صُهَيباً، فدُعيَ له
فقال: صَلِّ بالناس ثلاثاً وليُخْلِ هؤلاء القومُ في بيت، فإذا اجتَمَعوا على رجل فمَن خالَفَ
فاضرِبوا عُنقَه، فلمَّا خَرَجوا من عنده قال: إن يُوَلّوها الأجلَحَ يَسلُكْ بهم الطَّريق، فقال له
ابنه: ما يَمنَعُك يا أمير المؤمنين منه؟ قال: أكره أن أتحمَّلها حيّاً وميّاً.
وقد اشتَمَلَ هذا الفصل على فوائد عديدة، وله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه
ابن سعد (٣٤٤/٣) بإسنادٍ صحيح قال: دَخَلَ الرَّهْط على عمر، فنظرَ إليهم فقال: إنّي قد
نظرت في أمر الناس فلم أجِدْ عند الناس شِقاقاً، فإن كان فهو فيكم، وإنَّما الأمر إليكم
- وكان طلحة يومَئذٍ غائباً في أمواله - قال: فإن كان قومكم لا يُؤَمِّرُونَ إلّا لأحدِ الثلاثة:
عبد الرحمن بن عَوْف وعثمانَ وعليٍّ، فمَن وليَ منكم فلا يَحمِلْ قَرَابتَه على رقاب الناس،
قوموا فتَشاوَرُوا، ثمَّ قال عمر: أَمهِلوا فإن حَدَثَ لِي حَدَثٌ، فليُصَلِّ لكم صُهَيب ثلاثاً،
فمَن تأمَّرَ منكم على غير مَشُورة من المسلمين فاضرِبوا عُنقَه.
قوله: ((بالمهاجرين الأوَّلين)) هم مَن صَلَّى القِبِلَتَينِ، وقيل: مَن شَهِدَ بيعة الرِّضوان،
والأنصار سيأتي ذكرهم في باب مُفرَد.
وقوله: ((الذين تَبَوَّؤوا الدّار)) أي: سَكَنوا المدينة قبل الهجرة.
وقوله: ((والإيمان)) اذَّعَى بعضهم أنَّه من أسماء المدينة وهو بعيدٌ، والراجح أنَّه ضَمَّنَ
(تَبَوَّؤوا)) معنى لَزِمَ، أو عاملُ نَصْبِهِ محذوف وتقديره: واعتَقَدوا، أو أنَّ الإيمان لشِدّة ثبوته
في قلوبهم كأنَّه أحاطَ بهم وكأنَّهم نزلوه، والله أعلم.
قوله: ((فإنَّهم رِدهُ الإسلام)) أي: عَوْن الإسلام الذي يَدِفَع عنه ((وغَيظُ العدوّ)) أي:
(١) عند ابن سعد ٣٤٠/٣-٣٤٢، والحارث كما في ((بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)) (٥٩٤)، وعند
أبي نعيم في ((الحلية)) ١٥٢/٤.

١٣٣
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
كتاب فضائل الصحابة
یغیظونَ العدوّ بگثرتهم وقوَّتهم.
قوله: ((وأن لا يُؤْخَذ منهم إلّا فَضلُهم عن رِضلهم)) أي: إلّا ما فضَلَ عَنهم، في رواية
الكُشْمِيهنيِّ: ((ويُؤْخَذ منهم)) والأوَّل هو الصواب.
قوله: ((من حَوَاشي أموالهم)) أي: التي ليست بخِيار، والمراد ((بذِمّة الله)): أهل الذِّمّة،
والمراد بالقتال مِنْ ورائهم؛ أي: إذا قَصَدَهم عدوٌّ لهم.
وقد استَوفَى عمر في وصيَّته جميع الطَّوائف، لأنَّ الناس إمّا مسلم وإمّا كافر، فالكافر
إمّا حَربيّ ولا يوصَى به، وإمّا ذِمِّيّ وقد ذكره، والمسلم إمّا مُهاجريّ وإمّا أنصاريّ أو
غيرُهما، وكلَّهم إمّا بَدَويّ وإمّا حَضَريّ، وقد بيَّن الجميع. ووَقَعَ في رواية المدائني من
الزّيادة: وأحسِنوا مُؤازَرة مَن يَلي أمرَكم وأَعِينوه وأدُّوا إليه الأمانة.
وقوله: ((ولا يُكلَّفوا إلّا طاقَتهم)) أي: من الجِزية.
قوله: ((فانطَلَقْنا)» في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((فانقَلَبنا)» أي: رَجَعنا.
قوله: ((فُوُضِعَ هُنالكَ مع صاحبَيهِ)) اختُلِفَ في صِفة القُبور المكرّمة الثلاثة، فالأكثر على
أنَّ قبر أبي بكر وراء قبر رسول الله وَّه، وقبر عمر وراء قبر أبي بكر. وقيل: إنَّ قبره وَ لِّ مُقدَّم
إلى القبلة، وقبر أبي بكر حذاء منكِيهِ، وقبر عمر حذاء منكِي أبي بكر. وقيل: قبر أبي بكر عند
رأس النبيّ وَّهِ، وقبر عمر عند رِ جَلَيهِ. وقيل: قبر أبي بكر عند رِجَلَي النبيّ ◌َّ، وقبر عمر عند
رِجلي أبي بكر. وقيل غير ذلك كما تقدَّم بيانه وذِكْر أدلَّته في أواخر كتاب الجنائز (١٣٩٢).
قوله: «فقال عبد الرحمن» هو ابن عَوْف.
قوله: ((اجعلوا أمركم إلى ثلاثة)) أي: في الاختيار ليَقِلَّ الاختلاف، كذا قال ابن التِّين
وفيه نظر، وصرَّحَ المدائنيّ في روايته بخلاف ما قالَه.
قوله: ((فقال طلحة: قد جَعَلتُ أمري)) فيه دلالة على أنَّه حَضَر، وقد تقدَّم أنَّه كان غائباً ٦٩/٧
عند وصيّة عمر، ويحتمل أنَّه حَضَرَ بعد أن ماتَ وقبل أن يَتِمّ أمر الشُّورى، وهذا أصحّ ممّاً
رواه المدائنيّ: أنَّه لم يحضُر إلّا بعد أن بُویعَ عثمان.

١٣٤
باب ٨ / ح ٣٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((واللهُ عليه والإسلامُ)) بالرَّفع فيهما والخبر محذوف، أي: عليه رقيبٌ، أو نحو ذلك.
قوله: ((لَيَنظُرَنَّ أفضلَهم في نفسه)» أي: مُعتَقَده، زاد المدائنيّ في رواية: فقال عثمان: أنا
أوَّل مَن رَضِيَ، وقال عليّ: أعطِنِي مَوثِقاً لتُؤْثِرَنَّ الحقّ ولا تَخُصَّنَّ ذا رَحِم، قال: نعم، ثمَّ
قال: أعطُوني مواثيقكم أن تكونوا معي على مَن خالَفَ.
قوله: ((فأُسكِت)) بضمِّ الهمزة وكسر الكاف كأنَّ مُسكِناً أسكَتَهما، ويجوز فتح الهمزة
والكاف وهو بمعنى: سَكَت، والمراد بالشَّيخَينِ: عليّ وعثمان.
قوله: ((فأخَذَ بيدِ أحدهما)» هو عليٍّ، وبقيَّة الكلام يدلّ علیه، ووَقَعَ مُصَرَّحاً به في روایة
ابن فُضَيلٍ عن حُصَين(١).
قوله: ((والقِدَم)) بكسر القاف وفتحها وقد تقدَّم، زاد المدائنيّ أنَّه قال له: أرأيت لو
صُرِفَ هذا الأمر عنك فلم تَحَضُر، مَن كنتَ تَرَى أحقّ بها من هؤلاء الرَّهط؟ قال: عثمان.
قوله: ((ما قد عَلمتَ)) صِفة أو بَدَل عن القِدَم.
قوله: ((ثُمَّ خَلا بالآخَرِ فقال له مثل ذلكَ)) زاد المدائنيّ: أنَّه قال له كما قال لعليٍّ، فقال
عليّ وزاد فيه: أنَّ سعداً أشارَ عليه بعثمان، وأنَّه دارَ تلك اللَّيالي كلِّها على الصحابة ومَن
وافى المدينة من أشراف الناس لا يخلو برجلٍ منهم إلّا أمَرَه بعثمان.
وقد أورَدَ المصنِّ قِصّة الشّورَى في كتاب الأحكام (٧٢٠٧) من رواية حُميدٍ بن
عبد الرَّحمن بنِ عَوْف عن المِسوَر بن تَخَرَمةَ وساقَها نحو هذا وأتمَّ ممّا هنا، وسأذكر شرح
ما فيها هناكَ إن شاء الله تعالى.
وفي قِصّة عمر هذه من الفوائد: شَفَقَته على المسلمين، ونَصيحَته لهم، وإقامَته السُّنّة
فيهم، وشِدّة خَوفه من رَبّه، واهتمامه بأمر الدّين أكثر من اهتمامه بأمر نفسه، وأنَّ النَّهيَ عن
المدح في الوجه مخصوص بما إذا كان غُلُوٌّ مُفرِط أو كَذِب ظاهر، ومن ثَمَّ لم يَنَ عمرُ الشابَّ
عن مدحه له مع كَونِهِ أَمَرَه بتشمير إزاره، والوَصِيَّة بأداءِ الدَّين، والاعتناء بالدَّفنِ عند أهل
الخير والمشورة في نَصْب الإمام وتقديم الأفضل، وأنَّ الإمامة تَنعَقِد بالبيعة، وغير ذلك ممّاً
(١) عند ابن أبي شيبة ١٤ / ٥٧٧-٥٧٨.

١٣٥
باب ٩
كتاب فضائل الصحابة
هو ظاهر بالتأمُّلِ، والله الموفِّق.
وقال ابن بَطّال: فيه دليل على جواز تَوْلية المفضول على الأفضل منه، لأنَّ ذلك لو لم
يَهُز لم يَجَعَل عمرُ الأمرَ شُورَى إلى ستّة أنفُس مع عِلمه أنَّ بعضهم أفضل من بعض، قال:
ويدلّ على ذلك أيضاً قول أبي بكر: قد رضيت لكم أحد الرجلينِ: عمرَ وأبي عبيدة، مع
عِلمه بأنَّه أفضل منهما.
وقد استُشكِلَ جَعْلُ عمرَ الخلافة في ستّة ووَكَلَ ذلك إلى اجتهادهم، ولم يصنع ما
صَنَعَ أبو بكر في اجتهاده فيه، لأنَّه إن كان لا يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل
فصَنِيعُه يدلّ على أنَّ مَن عَدا السِّ كان عنده مفضولاً بالنِّسبة إليهم، وإذا عَرَفَ ذلك فلم
يَخْفَ عليه أفضليَّة بعض السِّة على بعض، وإن كان يرى جواز ولاية المفضول على
الفاضل، فمَن ولّاه منهم أو من غيرهم كان مُمكِناً، والجواب عن الأوَّل يدخل فيه الجواب
عن الثاني: وهو أنَّه تَعارَضَ عنده صَنِيعُ النبيِّي وَل﴿ حيثُ لم يُصرِّح باستخلاف شخص
بعينِه وصَنيعُ أبي بكر حيثُ صَرَّح، فتلك طريق تَجمَع التَّنصيص وعَدَم التعيين، وإن شِئت
قل: تَجَمَع الاستخلافَ وتَرْكَ تعيينِ الخليفة، وقد أشارَ بذلك إلى قوله: ((لا أتقَلَّدها حَيّاً
وميًِّا))، لأنَّ الذي يقع ممَّن يَستَخلِف بهذه الكيفيّة إِنَّا يُنسَب إليه بطريق الإجمال لا بطريق
التفصيل، فعَيَّنَهم ومَكَّنَهم من المشاورة في ذلك والمناظَرة فيه لتَقَع ◌ِلاية مَن يَتَوَّ بعده عن
اتّفاقٍ من مُعظَم الموجودين حينئذٍ بَلَدِه التي هي دار الهجرة وبها مُعظَم الصحابة، وكلّ
مَن كان ساكناً غيرهم في بلدٍ غيرها كان حينئذٍ تَبَعاً لهم فيما يَتَّفِقونَ علیه.
٩ - باب مناقب عليّ بن أبي طالبٍ القرشيّ الهاشميّ أبي الحسن
وقال عمرُ: تُوقّ رسولُ الله ێ وهو عنه راضٍ.
وقال النبيُّ ◌َّ لِعليّ: ((أنتَ منّي وأنا مِنكَ)).
قوله: ((باب مناقب عليّ بن أبي طالب)) أي: ابن عبد المطَّلِب ((القُرَشِيّ الهاشميّ أبي ٧١/٧
الحسن)) وهو ابن عمّ رسول الله ﴾ ﴿ شقيق أبيه، واسمه عبد مُنافٍ على الصحيح. وُلد قبل

١٣٦
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
البِعْثة بعشِرٍ سِنين على الراجح، وكان قد رَبّاه النبيّ وَلّ من صِغَرَه لِقِصّةٍ مذكورة في السِّيرة
النَّبويَّة، فلازَمَه من صِغَره فلم يُفارقه إلى أن مات. وأُمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم،
وكانت ابنة عمِّ(١) أبيه وهي أوَّل هاشميَّة ولدت لهاشميٍّ، وقد أسلَمَت وصَحِبَت وماتت
في زمن النبيّ ◌ِ﴾.
قال أحمد وإسماعيل القاضي والنَّسائيّ وأبو عليّ النَّيسابوريّ: لم يَرِد في حَقّ أحد من
الصحابة بالأسانيدِ الجياد أكثر ممّا جاء في عليّ، وكأنَّ السَّبَب في ذلك أنَّه تأخّر، ووَقَعَ
الاختلاف في زمانه وخروج مَن خرج عليه، فكان ذلك سبباً لانتشار مناقبه من كَثْرة مَن
كان بيَّنها من الصحابة رَدّاً على مَن خالَفَه، فكان الناس طائفتَينٍ، لكن المبتدعة قليلة جدّاً.
ثُمَّ كان من أمر عليٍّ ما كان، فَتَجَمَت طائفة أُخرى حارَبوه، ثمَّ اشتدَّ الْخَطْب فتَنقَّصوه
واّخذوا لعنَه على المنابر سُنّة، ووافقهم الخوارج على بُغْضه وزادوا حتَّى كَفَّروه، مضموماً
ذلك منهم إلى عثمان، فصارَ الناس في حقّ عليٍّ ثلاثةً: أهل السُّنّة، والمبتَدِعة من الخوارج،
والمحاربين له من بني أُميَّة وأتباعهم، فاحتاجَ أهل السُّنّة إلى بَثّ فضائله فكَثُرَ الناقل
لذلك لكَثْرة مَن يُخالِف ذلك، وإلّا فالذي في نفس الأمر أنَّ لكلّ من الأربعة من الفضائل
إذا حُرِّرَ بميزان العدل، لا يَخْرُج عن قول أهل السُّنّة والجماعة أصلاً.
وروى يعقوب بن سفيان بإسنادٍ صحيح عن عُرْوة قال: أسلَمَ/ عليٌّ وهو ابن ثمان سنين.
٧٢/٧
وقال ابن إسحاق: عشر سنين؛ وهذا أرجحُها، وقيل غير ذلك.
قوله: ((وقال عمر: تُوُنّيَ رسول الله وَِّ وهو عنه راضٍ)) تقدَّم ذلك في الحديث الذي
قبله موصولاً، وكانت بيعة عليّ بالخلافة عَقِب قتل عثمان في أواخر (٢) ذي الحِجّة سنة خمس
وثلاثين، فبايعَه المهاجرون والأنصار وكلُّ مَن حَضَر، وكَتَبَ بيعتَه إلى الآفاق فأذعَنوا
(١) تحرف في (س) إلى: عمة.
(٢) في (س) وحدها: ((أوائل))، وقد نقل ابن الأثير في ((أسد الغابة)) ١/ ٧٥ وابن حجر في ((الإصابة)) ٤/ ٤٥٨
عن ابن إسحاق: أن مقتله به كان في الثاني والعشرين من ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين. وعن
الواقدي: قُتل ◌ّه لثمان ليال خلت من ذي الحجة من السنة المذكورة، وقيل غير ذلك والله أعلم.

١٣٧
باب ٩ / ح ٣٧٠١ -٣٧٠٢
كتاب فضائل الصحابة
كلّهم إلّا معاوية في أهل الشّام، فكان بينهم بعدُ ما كان.
قوله: ((وقال النبيّ وَّهِ: أنتَ منِّي وأنا مِنك)) هو طَرَف من حديث البراء بن عازب في
قِصّة بنت حمزة، وقد وَصَلَه المصنِّف في الصُّلح (٢٦٩٩) وفي عمرة القضاء (٤٢٥١)
مُطوَّلاً، ويأتي شرحه في المغازي (٤٢٥١) مُستَوقّ إن شاء الله تعالى .
ثمَّ ذكر المصنّف في الباب سبعةَ أحاديث:
٣٧٠١- حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أبي حازم، عن سَهلِ بنِ سعدٍ
أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((لأُعطِيَنَّ الرّايةَ غَداً رجلاً يَفتَحُ الله على يَدَیه)) قال: فباتَ الناسُ
يَدوكونَ ليلَتَهم أيُّهم يُعطاها؟ فلمَّا أصبَحَ الناسُ غَدَوا على رسولِ الله وَّهَ، كلَّهم يرجو أن
يُعطاها، فقال: ((أين عليٌّ بنُ أبي طالبٍ؟)) فقالوا: يَشتَكِي عَيْنِيهِ يا رسولَ الله، قال: ((فأرسِلُوا
إليه، فأتوني به))، فلمَّا جاء بَصَقَ في عَينَيِهِ، ودَعَا له فبَرَأَ، حتَّى كأنْ لم يكن به وَجَعٌّ، فأعطاه
الّايةَ، فقال عليٌّ: يا رسولَ الله، أُقاتلُهم حتَّى يكونوا مثلَنا؟ فقال: (انفُذ على رِسِلِكَ حتَّى
تَنزِلَ بساحَتِهم، ثمَّ ادعُهم إلى الإسلامِ، وأخبرهم بما تَجِبُ عليهم من حَقِّ الله فيه، فوالله لَأَنْ
يَهديَ اللهُ بكَ رجلاً واحداً، خيرٌ لكَ من أن يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ)).
٣٧٠٢- حدَّثْنَا قُتَبةُ، حدَّثنا حاتمٌ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ، قال: كان عليٌّ قد
تَخَلَّفَ عن النبيِّ وَِّ فِي خَيِيرَ، وكان به رَمَدٌ، فقال: أنا أتخلَّفُ عن رسولِ الله وَلَ؟ فَخَرَجَ عليٌّ،
فَلَحِقَ بالنبيِّ وَّهَ، فلمَّا كان مَساءُ اللَّيلةِ التي فَتَحَها الله في صَباحها، قال رسولُ اللهِ وَّت:
لِأُعطِيَنَّ الرّابةَ، أو لَيَأْخُذَنَّ الرّايةَ غَداً رجلاً يُحِبُّه الله ورسولُه -أو قال: مُحِبُّ الله ورسوله-یَفتَحُ الله
عليه)) فإذا نحنُ بعليٍّ وما نَرجوه، فقالوا: هذا عليٌّ، فأعطاه رسولُ الله ◌ِِّ، فَفَتَحَ الله عليه.
أوَّلها: حديث سهل بن سعد في قِصّة فتح خَيْبَرَ، وسيأتي شرحه في المغازي (٤٢١٠).
ثانيها: حديث سَلَمة بن الأكوع في المعنى، ويأتي هناك أيضاً مشروحاً (٤٢٠٩).
وقوله في الحديثَينِ: ((إنَّ عليّاً يُحِبّ اللهَ ورسولَه ويُحِبّه اللهُ ورسولُهُ)) أراد بذلك وجودَ
حقيقة المحَبّة، وإلّا فكلّ مسلم يَشتَرِك مع عليٍّ في مُطلَق هذه الصِّفة.

١٣٨
باب ٩ / ح ٣٧٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
وفي الحديث تلميحٌ بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]،
فكأنَّه أشارَ إلى أنَّ عليّاً تأمُّ الاتِّبَاعِ لرسولِ الله وَِّ حَتَّى اَتَّصَفَ بصِفة محبّة الله له، ولهذا كانت
مَحَّته علامة الإيمان وبُغضه علامة النِّفاق كما أخرجه مسلم (٧٨) من حديث عليٍّ نفسِه
قال: والذي فَلَقَ الْحَبّ وبَرَأْ النَّسَمة، إنَّه لَعَهِدُ النبيِّ وَ أَن لا يُحِبَّك إلّا مُؤمن ولا يُبِغِضَك
إلّا مُنافق، وله شاهد من حديث أمّ سَلَمة عند أحمد (٢٦٥٠٧)(١).
ثالثها: حديث سهلٍ أيضاً.
٣٧٠٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم، عن أبيه: أنَّ رجلاً
جاء إلى سَهلِ بنِ سعدٍ، فقال: هذا فلانٌ - الأميرِ المدينةِ - يَدعُو عليّاً عندَ المِيرِ، قال: فيقول ماذا؟
قال: يقول له: أبو تُرابٍ، فضَحِكَ، قال: والله ما سَمّه إلا النبيُّ نَّهِ، وما كان له اسمٌ أَحَبَّ إليه
مِنه، فاستَطعَمتُ الحديثَ سَهلاً، وقلتُ: يا أبا عبَّاسٍ، كيفَ ذلكَ؟ قال: دَخَلَ عليٌّ على فاطمةً
ثمَّ خَرَجَ، فاضطَجَعَ في المسجدِ، فقال النبيُّ ◌َّ: «أين ابنُ عَمِّكِ؟)) قالت: في المسجدِ، فخَرَجَ
إليه فَوَجَدَ رِداءَه قد سَقَطَ عن ظَهرِهِ، وخَلَصَ التُرابُ إلى ظَهرِهِ، فَجَعَلَ يَمسَحُ التُّرَابَ عن
ظَهرِه، فيقول: ((اجلِس يا أبا تُرابٍ)) مرَّتَينِ.
قوله: «عن أبیه» هو أبو حازم سَلَمة بن دينار.
قوله: ((إنَّ رجلاً جاء إلى سَهل بن سعد)) لم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((هذا فلانٌ - لأميرِ المدينة)) أي: عَنَى أميرَ المدينة، وفلان المذكور لم أقِفْ على اسمه
صريحاً، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ: هذا فلان بن فلان(٢).
قوله: ((يَدعُو عليّاً عند المِبَرَ، قال: فيقول: ماذا؟)) في رواية الطبرانيّ (٥٨٧٩) من وجه
آخر عن عبد العزيز بن أبي حازم: يَدعُوك لتَسُبَّ عليّاً.
(١) وإسناده ضعيف، لكن له شاهد آخر إسناده صحيح عند أحمد أيضاً (٧٣١) من حديث علي نفسه،
وأخرجه ابن ماجه (١١٤)، والنسائي (٥٠١٨).
(٢) في (س): ((هذا فكان فلان ابن فلان)) بزيادة: ((فكان)) ولا معنى لهذه الزيادة.

١٣٩
باب ٩ / ح ٣٧٠٣
كتاب فضائل الصحابة
قوله: ((والله ما سَّه إلّ النبيّ ◌َلّ)) يعني: أبا تراب.
قوله: ((فاستَطعَمت الحديث سَهلاً)) أي: سألته أن يُحدِّثني، واستَعارَ الاستطعام للكلام
لجامع ما بينهما من الذَّوق للطَّعام: الذَّوق الحِسِّّ، وللكلام: الذَّوقِ المعنويِّ. وفي رواية
الإسماعيليّ: فقلت: يا أبا عبَّاس، كيف كان أمره.
قوله: «أين ابنُ عمِّكِ؟ قالت: في المسجد)) في رواية الطبرانيّ: كان بيني وبينه شيء
فغاضبني(١).
قوله: ((وخَلُصَ الثُّراب إلى ظهره)) أي: وصَل، في رواية الإسماعيليّ: حتَّى تَخَلَّصَ ظَهره
إلى التُّراب، وكان نامَ أوَّلاً على مكان لا ترابَ فيه، ثمَّ تَقَلَّبَ فصارَ ظَهره على التُّراب أو
سَفَى عليه التُراب.
قوله: ((اجلِس یا أبا تُرابِ. مرَّتَین) ظاهره أنَّ ذلك أوَّل ما قال له ذلك، وروی ابن
إسحاق ومن طريقه أحمد (١٨٣٢١) من حديث عَّار بن ياسر قال: نِمت أنا وعليٌّ في غزوة
العُسَيرة في نَخْل فما أفَقْنَا إلّا بالنبيِّلَه ◌ُرِّكنا بِرِجلِه يقول لعليٌّ: ((قُم يا أبا تُرابٍ))؛ لما يرى
عليه من التُّراب. وهذا إن ثَبَتَ(٢) مُلَ على أنَّه خاطَبَه بذلك في هذه الكائنة الأُخرَى.
ويُروَى من حديث ابن عبّاس: أنَّ سبب غَضَب عليّ: كان لمَا آخَى النبيّ ◌َِّ بين
أصحابه ولم يُؤاخ بينه وبين أحد، فذهب إلى المسجد، فذكر القِصّة وقال في آخرها: ((قُم
فأنتَ أخي)) أخرجه الطبرانيُّ (٣) (١١٠٩٢)، وعند ابن عساكر(٤) نحوه من حديث جابر بن
سَمُرة، وحديث الباب أصحّ، ويَمتَنِعِ الجمع بينهما، لأنَّ قِصّة المؤاخاة كانت أوَّل ما قَدِمَ
النبيّ ◌َ ﴿ المدينة، وتزويجُ عليّ بفاطمة ودخولُه عليها كان بعد ذلك بمُدّةٍ، والله أعلم.
(١) بل هذا لفظ رواية البخاري التي مضت في كتاب الصلاة برقم (٤٤١)، وستأتي في الاستئذان برقم
(٦٢٨٠)، وأما رواية الطبراني (٥٨٠٨) فهي بلفظ: ((أين ابن عمك؟)) قالت: خرج آنفاً مغضَباً.
(٢) إسناده ضعيف، وانظر تفصيل ذلك في التعليق على ((مسند أحمد)).
(٣) قال الهيثمي في «المجمع)) ٩/ ١١١ : فیه حامد بن آدم المروزي كذاب.
(٤) في ((تاريخ دمشق) ١٨/٤٢، وإسناده ضعيف فيه نكارة.

١٤٠
باب ٩ / ح ٣٧٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
رابعها: حديث ابن عمر.
٣٧٠٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ رافع، حدَّثنا حُسَينٌّ، عن زائدةَ، عن أبي حَصينٍ، عن سعدِ بنِ
عُبيدةَ، قال: جاء رجلٌ إلى ابنِ عمرَ، فسألَه عن عثمان، فذكر عن تَحاسِنٍ عَمَلِه، قال: لعلَّ ذاكَ
يَسوؤُكَ؟ قال: نعم، قال: فأرغَمَ اللهُ بأنِفِكَ، ثمّ سألَه عن عليٍّ، فذكر مَحاسِنَ عَمَلِه، قال: هو
ذاكَ بيْتُهُ أوسَطُ بُيُوتِ النبيِّ وَّةِ، ثمّ قال: لعلَّ ذاكَ يَسوؤُكَ؟ قال: أجَل، قال: فأرغَمَ اللهُ
بأنِفِكَ، انطَلِقِ فاجهَد عليَّ جَهدَكَ.
قوله: ((حدَّثنا حُسَين)) هو ابن عليٌّ الْجُعْفيّ، وأبو حَصِين، بفتح أوَّله والمهمَلَتَينِ، وسعد
ابن عُبیدة بضمِّ العين.
قوله: ((جاء رجل إلى ابن عمر)) تقدَّم في مناقب عثمان (٣٦٩٨).
قوله: ((فذكر عن تَحاسِن عَمَله)) كأنَّه ضَمَّنَ ذكر معنى ((أخبر)) فعَدّاها بـ((عن))، وفي رواية
٧٣/٧ الإسماعيليّ: ((فذكر أحسنَ عملِه))، وكأنَّه ذكر له إنفاقه في جيش / العُسرة وتسبيلَه بئر رومة
ونحو ذلك.
قوله: ((ثُمَّ سألَه عن عليّ، فذكر تحاسِن أعماله)) كأنَّه ذكر له شُهوده بدراً وغيرها وفتحَ
خیبر على يَدیه وقَتْل مَرحَب ونحو ذاك.
قوله: ((هو ذاكَ، بيته أوسَط بيوت النبيّ وَلا﴾)) أي: أحسنها بناءً، وقال الدّاووديُّ: معناه
أنَّه في وسَطها وهو أصحّ. ووَقَعَ عند النَّسائيّ (ك٨٤٣٨) من طريق عطاء بن السائب عن
سعد بن عُبيدة في هذا الحديث: فقال: لا تسأل عن عليّ، ولكِن انظُر إلى بيته من بُيوت
النبيّ وَّر. وله (ك٨٤٣٧) من رواية العلاء بن عِرار قال: سألت ابن عمر عن عليّ فقال:
انظُر إلى مَنزِله من نبيّ اللهَوَّ ليس في المسجد بيتٌ غيرَ بيتِهِ. وقد تقدَّم ما يتعلَّق بتَركِ بابِه
غيرَ مسدود في مناقب أبي بكر(١) الصِّدّيق ﴾.
(١) عند شرح الحديث (٣٦٥٤).