النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ باب ٦ / ح ٣٦٩٢ كتاب فضائل الصحابة ٥٢/٧ قوله: ((لمَّا طُعِنَ عمرُ)) سيأتي بيان/ ذلك بعدُ في أواخر مناقب عثمان (٣٧٠٠). قوله: ((وكأنَّه يُجزِّعه)) بالجيم والزّاي الثَّقيلة، أي: يَنسُبه إلى الجَزَع ويَلومه عليه، أو معنى يُجْزِّعُهُ: يُزيل عنه الجَزَع، وهو كقوله تعالى: ﴿ حََّ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣]، أي: أُزيلَ عنهم الفَزَعِ، ومثله: مرَّضَه: إذا عانى إزالة مرضه، ووَقَعَ في رواية الجُرْجانيّ: ((وكأنَّه جَزِعَ))، وهذا يَرجِع الضَّمير فيه إلى عمر بخلاف رواية الجماعة، فإنَّ الضَّمير فيها لابنِ عبّاس. ووَقَعَ في رواية حمّاد بن زيد: وقال ابن عبّاس: مَسِست جِلد عمر فقلت: جِلِدٌ لا تَسُّه النار أبداً، قال: فنظرَ إليَّ نَظرة كنت أرثي له من تلك النَّظرة. قوله: ((ولَئِن كان ذاكَ» كذا في رواية الأكثر، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((ولا كلّ ذلك)) أي: لا تُبالغ في الجَزَع فيما أنتَ فيه، ولبعضهم: ((ولا كان ذلك))، وكأنَّه دعاءٌ، أي: لا يكون ما تخافه، أو لا يكون الموت بتلك الطَّعنة. قوله: ((ثُمَّ فارَقت)) كذا بحذف المفعول، وللكُشْمِیھنیّ: «ثُمَّ فارَقته)». قوله: ((ثُمَّ صَحِبتَهُم فأحسنتَ صُحْبتَهم، ولَئِن فارَقتَهم)) يعني: المسلمين، وفي رواية بعضهم: ((ثُمَّ صَحِبت صَحَبَتَهم)) بفتح الصّاد والحاء والموخَّدة، أي: أصحاب النبيّ وَّل وأبي بكر، وفيه نظر للإتيان بصيغة الجمع موضع التَّثنية(١)، قال عياض: يحتمل أن تكون ((صَحِبت)) زائدة وإنَّما هو: ((ثمَّ صَحِبتَهم))، أي: المسلمين، قال: والرِّواية الأولى هي الوجه، وروِّيناها في ((أمالي)) أبي الحسن بن رِزْقويه من حديث ابن عمر قال: لمَّا طُعِنَ عمر قال له ابن عبّاس ... فذكر حديثاً قال فيه: ولمَّا أسلمت كان إسلامك عِزّاً. قوله: ((فإنَّ ذلك مَنٍّ)) أي: عطاءٌ، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: فإنَّما ذلك. قوله: ((فهو من أجلك ومن أجل أصحابك)) في رواية أبي ذرِّ عن الحَقُّويّ والمُستَمْلي: (أُصیحابك)) بالتصغير، أي: من جهة فِکرته فیمن یستخلف علیھم، أو من أجل فِکرَته في سِيرتَه التي سارَها فيهم، وكأنَّ غَلَبَ عليه الخوف في تلك الحالة مع هَضْم نفسِه وتَواضُعِه لربِّه. (١) وتعقبه العيني بقوله: لا يتوجه النظر فيه أصلاً، بل الموضع موضع ذكر الجمع، لأن المراد أصحاب النبي ﴿الجر وأبو بكر. ((عمدة القاري)) ٢٠٠/١٦. ١٠٢ باب ٦ / ح ٣٦٩٣ -٣٦٩٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((طِلاع الأرض)) بكسر الطاء المهمَلة والتخفيف، أي: مِلأها، وأصل الطِّلاع: ما طَلَعَت عليه الشمس، والمراد هنا: ما يَطلُع عليها ويُشِرِف فوقها من المال. قوله: ((قبل أن أَراه)) أي: العذاب، وإنَّما قال ذلك لغَلَبة الخوف الذي وَقَعَ له في ذلك الوقت من خَشْية التقصير فيما يجب عليه من حقوق الرَّعيَّة، أو من الفتنة بمَدحِهم. قوله: ((قال ◌َمَّاد بن زيد)) وَصَلَه الإسماعيليّ كما تقدَّم، والله أعلم، وسيأتي مزيد في الكلام على هذا الحديث في قِصّة قَتْل عمر آخِر مناقب عثمان (٣٧٠٠). وأخرج ابن سعد (٣٥١/٣- ٣٥٢) من طريق أبي عُبيد مَولَى ابن عبّاس عن ابن عبّاس، فذكر شيئاً من قِصّة قَتْل عُمرَ. ٣٦٩٣- حدّثنا يوسُفُ بنُ موسى، حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثني عثمانُ بنُ غِيَاتٍ، حَّثنا أبو عثمان النَّهْديُّ، عن أبي موسى ، قال: كنتُ مع النبيِّ وَ﴿ في حائطٍ من حِيْطانِ المدينةِ، فجاء رجلٌ فاسْتَفَتَحَ، فقال النبيُّ نَّهَ: ((افتَحْ له، وبَشِّرْهُ بالجنَّةِ)) ففَتحتُ له فإذا أبو بكرٍ، فَثَّرتُه بما قال رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَحَمِدَ الله، ثمَّ جاء رجلٌ فاستَفْتَحَ، فقال النبيُّ وَلِ: ((افتَح له وبَشِّرْهُ بالجنَّةِ» فقَتحتُ له فإذا هو عمرُ، فأخبَرَتُه بما قال النبيُّ وَّةِ، فَحَمِدَ اللهَ، ثمَّ استَفتَحَ رجلٌ، فقال لي: («افتح له، وبَشِّرْهُ بالجنَّةِ على بَلَوَى تُصيبُه)) فإذا عثمانُ، فأخبرتُه بما قال رسولُ الله وَِّ، فَحَمِدَ الله، ثمَّ قال: الله المستعانُ. ٣٦٩٤- حدّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثْني ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني حَيْوةُ، قال: حدَّثني أبو عَقيلٍ زُهْرةُ بنُ مَعبَدٍ، أَنَّه سمعَ جَدَّه عبدَ الله بنَ هشامٍ قال: كنَّ مع النبيِّ ◌َِّهِ وهو آَخِذٌ بِيَدِ عمرَ بنِ الخطّاب. [طرفاه في: ٦٢٦٤، ٦٦٣٢] الحديث الخامس عشر: حديث أبي موسى. تقدَّم مبسوطاً مع شرحه في مناقب أبي بكر (٣٦٧٤) بما يُغني عن الإعادة. الحديث السادس عشر: قوله: ((أخبَرَني حَيْوة)) بفتح المهمَلة والواو بينهما تحتانيَّة ساكنة: هو ابن شُرَيح المِصريّ. قوله: ((عبد الله بن هشام)) أي: ابن زُهرة بن عثمان التَّيْميُّ، ابن عمّ طلحة بن عُبيد الله. ١٠٣ باب ٧ كتاب فضائل الصحابة قوله: ((كنّا مع النبيِّ ﴾ وهو آخِذٌ بیَدِ عمر بن الخطّاب)) هو طَرَف من حدیث یأتي تمامه في الأيمان والنُّذور (٦٦٣٢)، وبقيَّته: «فقال له عمر: يا رسول الله، لَأنتَ أحَبُّ إليَّ من كلّ شيء)) الحديث، وقد ذكرت شيئاً من مباحثه في كتاب الإيمان(١)، وسيأتي بيان الوقت الذي قُتِلَ فيه عُمرُ في آخِر ترجمة عثمان إن شاء الله تعالى. ٧- باب مناقب عثمان بن عفّان أبي عمرو القرشيّ ﴾ وقال النبيُّ ◌َّ: ((مَن يَحِفِرُ بئرَ رُومَةَ فلَه الجنَّة)» فحَفَرَها عثمانُ. وقال: ((مَن جَهَّزَ جيشَ العُسرةِ فَلَه الجنَّةُ)) فجَهَّزَه عثمانُ. قوله: ((باب مناقب عثمان بن عَفّان أبي عَمْرو القُرَشِيّ)) هو عثمان بن عَفّان بن أبي العاص ٥٤/٧ ابن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منافٍ، يجتمع مع النبيِّ يَّر في عبد مَناف. وعدد ما بينهما من الآباء مُتَفاوٍت، فالنبيُّ وَطِّ من حيثُ العددُ فِي دَرَجة عَفّان كما وَقَعَ لعمرَ سواءٌ. وأمَّا كُنْيته فهو الذي استَقَرَّ عليه الأمر، وقد نَقَلَ يعقوب بن سفيان عن الزُّهْريّ أنَّه كان يُكْنى أبا عبد الله بابنه عبد الله الذي رُزِقَه من رُقيَّة بنت رسول الله وَلّه، وماتَ عبد الله المذكور صغيراً وله ستّ سِنين، وحَكَى ابن سعد أنَّ موته كان سنة أربع من الهجرة، وماتت أمّه رُقيَّة قبل ذلك سنة اثنتَيْنِ والنبيُّ ◌َل# في غزوة بدر، وكان بعض مَن يَنتَقِصه يُگنّه أبا ليلى، يشير إلى لين جانبه، حكاه ابن قُتَيبة، وقد اشتَهرَ أنَّ لَقَبه ذو النُّورَينِ. وروى خَيْثمة في ((الفضائل)) والدّارَ قُطنيُّ في ((الأفراد)) من حديث عليّ أنَّه ذكر عثمان فقال: ذاكَ امُرُؤٌ يُدعَى في السماء ذا النُّورَينِ، وسأذكر اسم أمّه ونَسَبها في الكلام على الحديث الثاني من ترجمته. قوله: ((وقال النبيُّ نَّهِ: مَن يَحِفِر بئر رُومة فله الجنَّة، فحَفَرَها عثمان. وقاله النبيُّ وَّه مَن جَهَّزَ جيش العُسرة فله الجنَّة، فجَهَّزَه عثمان)) هذا التعليق تقدَّم ذِكْر مَن وَصَلَه في أواخر كتاب الوَقف (٢٧٧٨) وبسطت هناكَ الكلام عليه، وفيه من مناقب عثمان أشياء كثيرة استَوعَبتها هناكَ فأغنى عن إعادَتها. (١) في شرح باب (٨): حب الرسول واصلفيه ١٠٤ باب ٧ / ح ٣٦٩٥ فتح الباري بشرح البخاري والمراد بجيشِ العُسرة: تَبُوك كما سيأتي في المغازي (٤٤١٥)، وأخرج أحمد (١) والتِّرمِذيّ (٣٧٠٠) من حديث عبد الرحمن بن حُبَاب السُّلَميّ: أنَّ عثمان أعان فيها بثلاثٍ مئةٍ بعير، ومن حديث عبد الرحمن بن سَمُرة: أنَّ عثمان أتى فيها بألفٍ دينار فصَبَّها في حِجر النبيِّ وََّ(٢)، وقد مَضَى في الوَقف بقيَّة طُرقه (٢٧٧٨)، وفي حديث حُذَيفة عند ابن عَديّ (٣٤٠/١): ((فجاء عثمان بعشرة آلاف دينار)) وسنده واهٍ، ولعلَّها كانت بعشرة آلاف درهم، فتوافِقُ رواية ٥٥/٧ ألف/ دینار. ثمَّ ذكر المصنِّفُ في هذا الباب خمسةَ أحاديثَ: الأول: حديث أبي موسى في قِصّة القُفّ. ٣٦٩٥- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَربٍ، حدَّثنا حمادٌ، عن أیوبَ، عن أبي عثمانَ، عن أبي موسی ت﴾: أنَّ النبيَّ بَ دَخَلَ حائطاً، وَأُمَرَني بحِفظِ باب الحائطِ، فجاء رجلٌ يَستَأذِنُ، فقال: ((ائذَنْ له وبَشِّرْهُ بالجنَّةِ)) فإذا أبو بكرٍ، ثمَّ جاء آخَرُ يَستَأذِنُ، فقال: ((ائذَنْ له وبَشِّرْهُ بالجنَّةِ)) فإذا عمرُ، ثمَّ جاء آخَرُ يَستَأذِنُ، فسَكَتَ هُنَيهةً، ثمَّ قال: ((ائذَنْ له وبَشِّرْهُ بالجنَّةِ على بَلَوَى سَتُصِيبُه)) فإذا عثمانُ بنُ عَفّانَ. قال حَمّدٌ: وحدَّثنا عاصمٌ الأحوَلُ وعليُّ بنُ الحَكَم، سَمعا أبا عثمانَ مُحدِّثُ، عن أبي موسى بنَحوه، وزادَ فيه عاصمٌ: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ كان قاعداً في مكانٍ فيه ماءٌ، قد كَشَفَ عن رُكِبَتَه أو رُكَبَتِهِ، فلمَّا دَخَلَ عثمانُ، غَطّاها. أورَدَها مختصرة من طريق أبي عثمان عن أبي موسى، وقد تقدَّم شرحها في مناقب أبي بكر الصِّدِّيق (٣٦٧٤). قوله: ((فسَكَتَ هُنَیھةً)) بالتصغير، أي: قليلاً. قوله: ((قال حمّاد: وحدَّثنا عاصم)) كذا للأكثر، وهو بقيَّة الإسناد المتقدِّم، وحَمَّاد: هو ابن زيد، ووَقَعَ في رواية أبي ذرِّ وحده: ((وقال حَمَّد بن سَلَمة: حدَّثنا عاصم ... )) إلى آخره، (١) بل أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على ((المسند)) (١٦٦٩٦)، وإسناده ضعيف. (٢) أخرجه أحمد (٢٠٦٣٠) وإسناده حسن، وهو عند الترمذي (٣٧٠١) وقال: حسن غريب. ١٠٥ باب ٧ / ح ٣٦٩٥ كتاب فضائل الصحابة والأوَّل أصوَب، فقد أخرجه الطبرانيُّ(١) عن يوسف القاضي عن سليمان بن حَرْب: حدّثنا حمّاد بن زيد عن أيوب، فذكر الحديثَ وفي آخره: قال حمّاد: فحدَّثني عليّ بن الحكم وعاصم: أنَّهما سمعا أبا عثمان يُحدِّث عن أبي موسى نحواً من هذا، غير أنَّ عاصماً زادَ، فذكر الزّيادة. وقد وَقَعَ لي من حديث حَمَّد بن سَلَمة لكن عن عليّ بن الحكم وحده، أخرجه ابن أبي خَيْئمةَ في ((تاريخه)) (٢٠٩٤) عن موسى بن إسماعيل، والطبرانيُّ من طريق حَجّاج بن مِنهال وهُذْبةَ بنِ خالد كلَّهم عن حمّاد بن سَلَمة عن عليّ بن الحَكَم وحدَه به وليست فيه الزّيادة، ثمَّ وجدته في نُسخة الصَّغانيّ مثلَ رواية أبي ذرٍّ، والله أعلم. قوله: ((وزادَ فيه عاصم: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ كان قاعِداً في مكان فيه ماء قد كَشَفَ عن رُكبته، فلمَّا دَخَلَ عثمان غَطّاها)) قال ابن التِّين: أنكَرَ الدّاووديُّ هذه الرِّواية وقال: هذه الزّيادة ليست من هذا الحديث بل دَخَلَ لرواتها حديثٌ في حديث، وإنَّما ذلك الحديث: أنَّ أبا بكر أتى النبيَّ بِّهِ وهو في بيته قد انكَشَفَ فخِذه فجَلَسَ أبو بكر، ثمَّ دَخَلَ عمر، ثمَّ دَخَلَ عثمان فغَطّاها؛ الحديثَ. قلت: يشير إلى حديث عائشة: كان رسول الله وَ ل﴾ مُضطَجِعاً في بيته كاشفاً عن فخِذَیه أو ساقَيهِ، فاستأذَنَ أبو بكر فأذِنَ له وهو على تلك الحالة؛ الحديث، وفيه: ثُمَّ دَخَلَ عثمان فجلستَ وسوَّيتَ ثيابك، فقال: ((ألا أستَحي من رجل تَستَحي منه الملائكة؟))(٢)، وفي رواية المسلم (٢٤٠٢) أنَّه ◌َ لَّه قال في جواب عائشة: ((إنَّ عثمان رجل حَييٍّ، وإنّي خَشِيت إن أذِنت له على تلك الحالة أنْ لا يَبلُغَ إليَّ في حاجته)). انتهى، وهذا لا يلزم منه تغلیط رواية عاصم، إذ لا مانعَ أن يَنَّفِقِ للنبِّ ◌َِّأن يُغَطّيَ ذلك مرَّتَيْنِ حين دَخَلَ عثمان، وأن يقع ذلك في مَوطِنَيْنِ، ولا سيَّما مع اختلاف تَخَرَج الحديثَينِ، وإنَّما يقال ما قاله الدّاووديُّ حيثُ تَتَّفِقِ المخارج، فيُمكِن أن يدخل حديثٌ في حديث لا مع افتراق المخارج كما في هذا، والله أعلم. (١) حديث أبي موسى ليس في القسم المطبوع من ((المعجم الكبير))، وقد أخرجه الطبراني أيضاً في ((الأوسط)) (٢٠٩٥) و(٧٥٠٦) من طريقين أخريين عن أبي موسى لكن دون الزيادة المذكورة. (٢) أخرجه مسلم (٢٤٠١). ١٠٦ باب ٧ / ح ٣٦٩٦ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثاني: حديث عبيد الله بن عَدي بن الخيار في قصة الوليد بن عقبة. ٣٦٩٦- حذَّثني أحمدُ بنُ شَبيبٍ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني عُزْوةُ: أنَّ عُبيد الله بنَ عَديٍّ بنِ الخيار أخبَرَه، أنَّ المِسوَرَ بنَ تَخَرَمةَ وعبد الرحمنِ بنَ الأسوَدِ بنِ عبدِ يَغُوثَ قالا: ما يَمنَعُكَ أن تُكلُّمَ عثمانَ لأخيه الوليدِ؟ فقد أكثَرَ الناسُ فيه، فَقَصَدتُ لِعثمانَ حتَّى خَرَجَ إلى الصلاةِ، قلتُ: إنَّ لي إليكَ حاجةٌ، وهي نَصيحةٌ لكَ، قال: یا أيُّها المرءُ منكَ - قال مَعمَرٌ: أُراه قال: أعوذُ بالله مِنكَ - فانصَرَفتُ فرجعتُ إليهما، إذ جاء رسولُ عثمانَ فأتيتُه، فقال: ما نَصيحَتُكَ؟ فقلتُ: إِنَّ الله سبحانه بَعَثَ محمَّداً وَّهِ بِالحقِّ، وأنزَلَ عليه الكتابَ، وكنتَ ممَّنِ اسْتَجابَ لله ولِرسولِه ◌ِلِ، فها جَرتَ الهجرتَينِ، وصَحِبتَ رسولَ الله إنَّهِ، ورأيتَ هَديَه، وقد أكثَرَ الناسُ في شأنِ الوليدِ، قال: أدرَكتَ رسولَ الله ◌َِّ؟ قلتُ: لا، ولكن خَلَصَ إليَّ من عِلمِهِ ما يَخلُصُ إلى العَذراءِ في سِتِرِها، قال: أَمَّا بعدُ، فإنَّ الله بَعَثَ محمَّداً وَ﴿ بالحقِّ، فكنتُ مَمَّنِ اسْتَجابَ لله ولِرسولِهِ، وآمَنتُ بما بُعِثَ به، وهاجَرتُ الهجرتَينِ كما قلتَ، وصَحِبتُ رسولَ اللهِوَّةِ، وبايعتُه، فوالله ما عَصَيتُه ولا غَشَشتُه حتَّى تَوَفّاه الله، ثمَّ أبو بكرٍ مثلُه، ثمَّ عمرُ مثلُه، ثمّ استُخلِفتُ، أقَليس لي مِن الحقِّ مثلُ الذي لهم؟ قلتُ: بَلَى، قال: فما هذه الأحاديثُ التي تَبلُغُني عنكُم؟ أمّا ما ذكرتَ من شأنِ الوليدِ فسَنأْخُذُّ فيه بالحقِّ إن شاء الله، ثمَّ دَعَا عليّاً، فأمَرَه أن يَجلِدَه، فجَلَدَه ثمانين. [طرفاه في: ٣٨٧٢، ٣٩٢٧] قوله: (ما يَمتَعك أن تُكلُّم عثمان؟)) في رواية مَعمَر عن الزُّهْريّ الآتية في هِجرة الحَبَشة (٣٨٧٢): ((أن تُكلِّم خالك))، ووجه كَون عثمان خاله أنَّ أمّ عُبيد الله هذا هي أمّ قِتال بنت أَسِيدِ بن أبي العِيصِ(١) بن أُميَّة، وهي بنت عمَّ عثمان، وأقارب الأُمّ يُطلَق عليهم أخوال، وأمَّا أمّ عثمان فهي أروَى بنت كُرَيز - بالتصغير - بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأُمّها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطَّلِب، وهي شقيقة عبد الله والد النبيِّ وَّةِ، ويقال: إنَّهما وُلِدا توأمّاً، حكاه الزُّبَير بن بكّار، فكان ابن بنت عَمّة النبيِّ وَّ، وكان النبيّ ◌َّ ابن (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: العاص، والصواب ما أثبتناه. ١٠٧ باب ٧ / ح ٣٦٩٦ كتاب فضائل الصحابة خال والدته، وقد أسلَمَت أمّ عثمان كما بيَّنت ذلك في كتاب ((الصحابة)). وروى محمد بن الحسين المخزوميّ في كتاب ((المدينة)): أنَّها ماتت في خلافة ابنها عثمان، وأنَّه كان مَمَّن ◌َلَها إلى قبرها. وأمَّا أبوه فهَلكَ في الجاهليّة. قوله: ((لأخيهِ)) اللّام للتعليل، أي: لأجلِ أخيهِ، ويحتمل أن تكون بمعنى ((عن))، ووَقَعَ في رواية الگُشْمِيهنيٍّ: في أخيه. قوله: ((الوليد)) أي: ابن عُقْبة، وصَرَّحَ بذلك في رواية مَعمَر، وعُقْبة: هو ابن أبي مُعَيط بن أبي عَمْرو بن أُميَّة بن عبد شمس، وكان أَخا عثمان لأُمّه، وكان عثمان ولّاه الكوفة بعد عَزْل سعد بن أبي وقّاص، فإنَّ عثمان كان ولّاء الكوفة لمَّا وليَ الخلافة بوَصَّةٍ من عمر كما سيأتي في آخِر ترجمة عثمان في قِصّة مَقتَل عمر (٣٧٠٠)، ثمَّ عَزَلَه بالولید وذلك سنة خمسٍ وعشرين، وكان سبب ذلك أنَّ سعداً كان أميرها، وكان عبد الله بن مسعود على بيت المال فاقتَرَضَ سعد/ منه مالاً، ٥٦/٧ فجاءه يَتَقاضاه فاختَصَمَا، فَبَلَغَ عثمانَ فَغَضِب عليهما وعَزَلَ سعداً، واستَحضَرَ الوليدَ وكان عاملاً بالجزيرة على عَرَبها (١)، فَوَلّاه الكوفة، وذكر ذلك الطَّريُّ في ((تاريخه)). قوله: ((فقد أكثَر الناسُ فيه)) أي: في شأن الوليد؛ أي: من القول، ووَقَعَ في رواية مَعمَر: وكان أكثر الناس فیما فعل به، أي: من تركه إقامة الحدّ علیه، وإنکارهم عليه عزل سعد بن أبي وقّاص به، مع كَون سعد أحدَ العشرة ومن أهل الشّورَى، واجتمع له من الفضل والسُّنَن والعلم والدِّين والسَّبق إلى الإسلام ما لم يَنَّفِقِ شيءٍ منه للوليد بن عُقْبة، والعُذر لعثمان في ذلك: أنَّ عمر كان عَزَلَ سعداً كما تقدَّم بيانه في الصلاة (٧٥٥)، وأوصَى عمر مَن يَلي الخلافة بعده أن يوَّ سعداً قال: ((لأني لم أعزِله عن خيانة ولا عَجز)) كما سيأتي ذلك في حديث مَقتَل عمر قريباً (٣٧٠٠)، فَوَلّاه عثمان امتِثالاً لوَصيّة عمر، ثمَّ عَزَلَه للسَّبَب الذي تقدَّم ذِكْرِه ووَلَّى الوليد لمَا ظَهَرَ له من كِفايته لذلك وليَصِلِ رَحِمه، فلمَّا ظَهَرَ له سوءُ سيرَته عَزَلَه، وإنَّما أخَّرَ إقامة الحَدّ عليه ليَكشِف عن حال مَن شَهِدَ عليه بذلك، فلمَّا وضَحَ له الأمر أمَرَ بإقامة الحدّ عليه. (١) تحرف في (س) إلى: ((عُسر بها))، وجاء في ((تاريخ الطبري)) ٢/ ٤٨٥: واستعمل حبيب بن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها، والوليد بن عقبة على عرب الجزيرة. ١٠٨ باب ٧ / ح ٣٦٩٦ فتح الباري بشرح البخاري وروى المدائنيّ من طريق الشَّعبيّ: أنَّ عثمان لمَّا شَهِدوا عنده على الوليد حَبَسَه. قوله: ((فقَصَدت لعثمان حتَّى خَرَجَ)) أي: إنَّه جَعَلَ غايةَ القصد خروج عثمان. وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((حين خَرَجَ)) وهي تُشعِر بأنَّ القصد صادَفَ وقتَ خروجه، بخلاف الرِّواية الأُخرَى فإنَّهَا تُشعِر بأَنَّه قَصَدَ إليه ثمَّ انتَظَرَه حتَّى خرج، يُؤْيِّد الأوَّل رواية مَعمَر (٣٨٧٢): فانتَصَبت لعثمان حین خَرَجَ. قوله: «إنَّ لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك، فقال: يا أيها المرء منك» كذا في رواية يونس. قوله: «قال مَعمرٌ: أعوذ بالله مِنك)) هذا تَعليق أراد به المصنِّف بيان الخلاف بين الرِّوايتَينِ، ورواية مَعمَر قد وَصَلَها في هِجرة الحبشة كما قَدَّمته ولفظه هناكَ: ((فقال: يا أيّها المرء، أعوذ بالله مِنك»، قال ابن النِین: إنّما استعاذَ منه خشية أن يُكلِّمه بشيءٍ يقتضى الإنكار عليه، وهو في ذلك معذور فيضيق بذلك صدرُه. قوله: «فانصرفتُ فرجعتُ إلیھما» زاد في رواية معمر: فحدثتهما بالذي قلت لعثمان وقال لي، فقالا: قد قَضَيتَ الذي كان عليك. قوله: «إذ جاء رسول عثمان» في روایة معمر: «فبینما أنا جالس معھما إذ جاءني رسول عثمان فقالا لي: قد ابتلاكَ الله، فانطَلَقت))، ولم أقِفْ في شيء من الطّرق على اسم هذا الرَّسول. قوله: ((وكنتَ مَمَّنْ اسْتَجابَ)) هو بفتح ((كنتَ)) على المخاطَبة، وكذا ((هاجَرتَ)) و((صَحِبتَ))، وأراد بالهجرتَينِ: الهجرة إلى الحبشة، والهجرة إلى المدينة، وسيأتي ذِكْرهما قريباً، وزاد في رواية مَعمَر: ((ورأيتَ هَدْيَه)) أي: هدي النبيِّ ◌َّ، وهو بفتح الهاء وسُكون الدّال: الطَّريقة، وفي رواية شُعَيب عن الزّهْريّ الآتية في هجرة الحبشة (١): وكنت صِهرَ(٢) رسول الله وَله. (١) كذا قال، وإنما هي في ((باب مقدم النبي مقر المدينة)) علقها البخاري أثناء الحديث (٣٩٢٧) ووصلها أحمد في «مسنده» (٤٨٠). (٢) هذا في رواية أبي ذر الهروي عن الكُشْمِيهني، وفي رواية غيره: ونِلْتَ صهرَ. ١٠٩ باب ٧ / ح ٣٦٩٦ كتاب فضائل الصحابة قوله: ((وقد أكثرَ الناس في شأن الوليد)) زاد مَعمَر عَقِبَه(١): فحَقِّ عليك أن تُقيم عليه الحَدّ. قوله: ((قال: أدرَكتَ رسول الله؟ فقلت: لا)» في رواية مَعمر: فقال لي: يا ابن أُختي، وفي رواية صالح بن أبي الأخضَر عن الزُّهْريّ عند عمر بن شَبّة: قال: هل رأيت رسول الله وَّ؟ قال: لا، ومُراده بالإدراكِ: إدراك السَّماع منه والأخذ عنه، وبالرُّؤية: رُؤية المميِّز له، ولم يُرِد هنا الإدراك بالسِّنِّ، فإنَّه وُلِدَ في حياة النبيّ وَلِّ، فسيأتي في المغازي (٤٠٧٢) في قِصّة مَقتَل حمزة من حديث وَحشيّ بن حَرْب ما يدلّ على ذلك، ولم يَتْبُت أنَّ أباه عَديّ بن الخِيارِ قُتِلَ كافراً وإن ذكر ذلك ابن ماكُولا وغيره، فإنَّ ابن سعد ذكره في طبقة الفتحيِّين (٢٤٩/٥)، وذكر المدائنيّ وعمر بن شَبّة في ((أخبار المدينة)) (٢/ ١٠٤) أنَّ هذه القِصّة المحكيَّة هنا وقَعَت لعَديِّ بن الخِیارِ نفسِه مع عثمان، فالله أعلم. قال ابن التِّين: إنَّما استَثَبَتَ عثمان في ذلك ليُنبِّهَه على أنَّ الذي ظَنَّه من مُخالَفة عثمان لیس کما ظَنَّه. قلت: ويُفسِّر المراد من ذلك ما رواه أحمد (٥٠٤) من طريق سِماك بن حَرْب عن عُبَادة ابن زاهر: سمعَت عثمان خَطَبَ فقال: إنّ والله قد صَحِبنا رسول الله وَّه فِي السَّفَرِ والْحَضَرِ، وإنَّ ناساً يُعلِّموني سُنَّته، عَسَى أن لا يكون أحدهم رآه قَطُّ. قوله: ((خَلُصَ)) بفتح المعجَمة وضمِّ اللّام، ويجوز فتحها، بعدها مُهمَلة، أي: وَصَلَ، وأراد ابن عَديّ بذلك أنَّ عِلْم النبيِّ وَّةَ/ لم يكن مكتوماً ولا خاصّاً، بل كان شائعاً حتَّى ٥٧/٧ وَصَلَ إلى العَذْراء المستِرة في خِدْرِها(٢)، فوصوله إلیه مع حرصه عليه أولَى. قوله: (ثُمَّ أبو بكر مثلُه، ثمَّ عمر مثلُه)) يعني: قال في كلٍّ منهما: فما عَصَيْتُه ولا غَشَشتُه. وصَرَّح بذلك في رواية معمر (٣٨٧٢). (١) وقع في الأصلين و(س) بدل قوله: ((عَقِبَه)): ((ابن عُقبة)) وهو خطأ ظاهر، والصواب ما أثبتنا. (٢) قوله: ((في خدرها)) سقط من (ع) و(س). ١١٠ باب ٧ / ح ٣٦٩٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ثُمَّ استُخلِفتُ)) بضمِّ التاء الأولى والثانية. قوله: ((أفليسَ لي من الحقّ مثل الذي لهم)) في رواية مَعمَر: ((أفَليس لي عليكم من الحقّ مثل الذي کان هم عليّ))، ووَقَعَ في روایة الأَصِيلي وَهْمٌ يأتي بیانه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: ((فما هذه الأحاديث التي تَبلُغني عنكُم؟)) كأنَّهم كانوا يتكلَّمونَ في سبب تأخيره إقامةً الحدّ على الوليد، وقد ذكرنا عُذره في ذلك. قوله: ((فأمَرَه أن يَجِد)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: أن يَجلِده. قوله: ((فجَلَدَه ثمانین)» في روایة مَعمَر: ((فجَلَدَ الوليد أربعین جلدة»، وهذه الرواية أصحّ من رواية يونس، والوَهم فيه من الراوي عنه شَبيب بن سعيد، ويُرجِّح رواية مَعمَر ما أخرجه مسلم (١٧٠٧) من طريق أبي ساسان قال: شَهِدت عثمان أُتِيَ بالوليدِ وقد صَلَّى الصُّبح ركعتَينِ ثمَّ قال: أزيدكُم؟ فشَهِدَ عليه رجلان، أحدهما: حُمْران - يعني مولَى عثمان - أنَّه قد شَرِبَ الخمر، فقال عثمان: يا عليُّ قُم فاجلِدْه، فقال عليٌّ: قُم يا حَسَن فاجلِده، فقال الحسن: وَلِّ حارَّها مَن تَوَلَّى قارَّها، فكأنَّه وجدَ عليه فقال: يا عبدَ الله بن جعفر، قُم فاجلِده، فجَلَدَه، وعليٌّ يَعُدّ، حتَّى بَلَغَ أربعين فقال: أمسِك. ثمَّ قال: جَلَدَ النبيُّ وَله أربعین، وأبو بكر أربعین، وعمر ثمانین، وكلُّ ذلك سُنّة، وهذا أحبُّ إليّ، انتهى. والشّاهد الآخر الذي لم يُسَمَّ في هذه الرِّواية، قيل: هو الصَّعْب بن جَثّامة الصحابيّ المشهور، رواه يعقوب بن سفيان في ((تاريخه))، وعند الطَّبَريّ من طريق سيف في ((الفُتوح)) (٢/ ٦١١): أنَّ الذي شَهِدَ عليه ولد الصَّعْب واسمه جَثّامة كاسم جَدّه، وفي رواية أُخرَى: أُنَّ ممّن شَهِدَ علیه أبا زینب بن عَوْف الآَزديَّ وأبا مُوَرِّع الأزديَّ، وكذلك روی عمر بن شَبّة في ((أخبار المدينة)) (٢/ ١٠٥) بإسنادٍ حَسَن إلى أبي الضُّحَى وقال: لمَّا بَلَغَ عثمان قِصّة الوليد استشارَ عليّاً فقال: أرى أن تَسْتَحِضِرَه، فإن شَهِدوا عليه بمَحضَرٍ منه حَدَدتُه، ففَعَلَ، فشَهِدَ عليه أبو زينب وأبو مُوَرِّع وجُندُب بن زُهَير الأزديّ وسعد بن مالك الأشعَريّ، فذكر ١١١ باب ٧ / ح ٣٦٩٩ كتاب فضائل الصحابة نحوَ رواية أبي ساسان، وفيه: فضَرَبَه بمِخصَرةٍ لها رأسان، فلمَّا بَلَغَ أربعين قال له: أمسِك. وأخرج من طريق الشَّعبيّ قال: قال الحُطَيئة في ذلك: شَهِدَ الْحُطَيئة يومَ يَلقَى رَبَّه أنَّ الوليدَ أحقُّ بالعُذرِ نادَى وقد تَمَّت صَلاتُهم أَزيدُكم سَفَهاً وما يدري لَقَرَنتَ بين الشَّفع والوَتِرِ فأتَوْا أبا وَهْب ولو أذِنوا كَفُّوا عِنانَك إذْ جَرَيتَ ولو تَرَكوا عِنانك لم تَزَل ◌َجري وذكر المسعوديّ في ((المروج)) (٣٠٦/١): أنَّ عثمان قال للَّذَينِ شَهِدوا: وما يُدريكم أنَّه شَرِبَ الخمر؟ قالوا: هي التي كنَّا نَشرَبها في الجاهليّة. وذكر الطَّبَرِيُّ أنَّ الوليد وليَ الكوفة خمس سِنين، قالوا: وكان جَواداً، فوَلَّى عثمانُ بعدَه سعيد بن العاص، فسارَ فيهم سيرة عادِلة، فكان بعض الموالي يقول: يا ويلَنا قد عُزِلَ الوليدُ وجاءنا مُجُوِّعاً سعيدُ يَنقُص في الصّاع ولا يزيدُ الحديث الثالث: حديث أنس. ٣٦٩٩(١) - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سعيدٍ، عن قَتَادةَ، أَنَّ أنساً ◌ُ حدَّثهم، قال: صَعِدَ النبيُّوَ أَحُداً، ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ، فَرَجَفَ، وقال: ((اسكُن أُحُدُ - أظُنُّهُ ضَرَبَه بِرِجلِهِ - فليس عليكَ إلا نبيٌّ وصِدّيقٌ وشَهيدانٍ)). ((اسكُن أُحُدُ)) بضمِّ الدّال على أنَّه مُنادَى مُفرَد، وحُذِفَ منه حرف النِّداء، وقد/ تقدَّم ٥٨/٧ الكلام عليه في مناقب أبي بكر (٣٦٧٥)، ومَن رواه بلفظ: حِراء، وأنَّه يُمكِن الجمع بالحَمْل على التعدُّد، ثمَّ وجدت ما يُؤيِّده؛ فعند مسلم (٢٤١٧) من حديث أبي هريرة قال: (١) الأصل في هذا الحديث على حسب الترقيم المعتمد المشهور أن يأتي بعد حديثين، وقدِّم إلى هنا على مقتضى رواية أبي ذر التي اعتمدها الحافظ في شرحه، وسينبِّه هو على ذلك في نهاية هذا الباب. ١١٢ باب ٧ / ح ٣٦٩٧ فتح الباري بشرح البخاري كان رسول الله وَ ل﴿ على حِراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزُّبَيرِ، فَتَحرَّكَت الصَّخرةُ، فقال رسول الله وَّه؛ فذكره، وفي رواية له: ((وسعد))، وله شاهد من حديث سعيد بن زيد عند التِّرمِذيّ (٣٧٥٧)، وآخَرُ عن عليّ عند الدّارَ قُطنيِّ. الحديث الرابع: ٣٦٩٧- حدَّثني محمَّدُ بنُ حاتمِ بنِ بَزيعٍ، حدَّثنا شاذانُ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ الماحِشُونُ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال: كنَّا في زَمَنِ النبيِّ ◌َّ لا تَعدِلُ بأبي بكرٍ أَحداً، ثمَّ عمرَ، ثمَّ عثمانَ، ثمَّ نَترُكُ أصحابَ النبيِّ وَِّ لا نُفَاضِلُ بينهم. تابَعَه عبدُ الله بنُ صالحٍ، عن عبدِ العزيزِ. قوله: ((حدَّثنا شاذان)) هو الأسوَد بن عامر، وعُبيد الله: هو ابن عمر. قوله: ((ثُمَّ نَترُكُ أصحابَ رسول الله وَيِ لا نُفاضِل بينهم) تقدَّم الكلام عليه في مناقب أبي بكر (٣٦٥٥). قال الخطّبيُّ: إنَّما لم يَذكُر ابن عمر عليّاً، لأنَّه أراد الشُّيوخ وذَوي الأسنان الذين كان رسول الله وَ﴿ إذا حَزَبَه أمر شاوَرَهم، وكان عليٌّ في زمانه وَّهِ حديثَ السِّنِّ. قال: ولم يُرِد ابن عمر الازدراء به ولا تأخيرَه عن الفضيلة بعد عثمان. انتَهَى، وما اعتَذَرَ به من جهة السِّنّ بعيدٌ لا أثر له في التفضيل المذكور، وقد اتَّفَقَ العلماء على تأويل كلام ابن عمر هذا لمَا تَقرَّرَ عند أهل السُّنّة قاطِبة من تقديم عليٍّ بعد عثمان، ومن تقديم بقيَّة العشرة المبشَّرة على غيرهم، ومن تقديم أهل بدر على مَن لم يَشهَدْها وغير ذلك، فالظّاهر أنَّ ابن عمر إنَّما أراد بهذا النَّفي أنَّهم كانوا يَجْتَهِدونَ في التفضيل، فيَظهَر لهم فضائلُ الثلاثة ظُهوراً بَيِّناً فَيَجْزِمونَ به ولم يكونوا حينئذٍ اطَّلَعوا على التَّنصيص، ويُؤيِّده ما روى البزَّار (١٦١٦) عن ابن مسعود قال: كنّا نَتَحَدَّث أنَّ أفضل أهل المدينة عليّ بن أبي طالب؛ رجاله مُوثَّقون(١)، (١) بل فيهم يحيى بن السكن صاحب شعبة، وهو ضعيف، لكن تابعه محمد بن جعفر عن شعبة عند أحمد في ((فضائل الصحابة)) (١٠٣٣). ١١٣ باب ٧ / ح ٣٦٩٧ كتاب فضائل الصحابة وهو محمول على أنَّ ذلك قاله ابن مسعود بعد قتل عمر، وقد حَمَل أحمدُ(١) حديثَ ابن عمر على ما يتعلَّق بالترتيب في التفضيل، واحتَجَّ في التَّربيع بعليٍّ بحديثٍ سَفينةَ مرفوعاً: ((الخلافةُ ثلاثونَ سنةً، ثمَّ تصير مُلكاً)) أخرجه أصحاب (السُّنَن))(٢) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٩٤٣) وغيره. وقال الكِرْمانيُّ: لا حُجّة في قوله: ((كنَّا نَترُك))، لأنَّ الأُصولِيِّين اختَلَفوا في صيغة («كنّا نفعل)) لا في صيغة (كنَّ لا نفعل)) لتَصَوُّرِ تقرير الرَّسول في الأوَّل دون الثاني، وعلى تقدير أن يكون حُجّة فما هو من العمليّات حتَّى يكفي فيه الظَّنُّ، ولو سَلَّمنا فقد عارَضَه ما هو أقوى منه. ثُمَّ قال: ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد أنَّ ذلك كان وَقَعَ لهم في بعض أزمِنة النبيِّ ـلى الله فلا يَمنَع ذلك أن يَظهَر بعد ذلك لهم، وقد مَضَت تَّتِمّة هذا في مناقب أبي بكر، والله أعلم. قوله: ((تابَعَه عبد الله بن صالح عن عبد العزيز)) أي: ابن أبي سَلَمة بإسنادِه المذكور، وابن صالح هذا: هو الجُّهَنيّ كاتب اللَّث، وقيل: هو العِجليُّ والد أحمد صاحب كتاب ((الثِّقات)) والله أعلم. وكأنَّ البخاريّ أراد بهذه المتابعة إثبات الطَّريق إلى عبد العزيز بن أبي سَلَمة، لأنَّ عبَّاساً الدُّوريّ روى هذا الحديث عن شاذان فقال: ((عن الفَرَج بن فَضَالة عن يحيى بن سعيد عن نافع))، فكأنَّ لشاذان فيه شيخَينِ، والله أعلم. وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق أبي عمَّر والرَّماديِّ وعثمانَ بنِ أبي شَيْبة(٣) وغيرٍ واحد عن أسوَد بن عامر المذكور، وكذلك رواه عن عبد العزيز عنده(٤) أبو سَلَمة الخُزَاعِيّ وحُجَينُ بن المثنَّى. (١) انظر تفصيل القول في هذا في ((مسائل الإمام أحمد بن حنبل)) رواية ابنه أبي الفضل صالح ٤٢٦/١. (٢) أبو داود (٤٦٤٦)، والترمذي (٢٢٢٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٠٩٤). (٣) وطريق عثمان بن أبي شيبة أخرجها أيضاً أبو داود (٤٦٢٧). (٤) أي: عند الإسماعيلي، وقد تصحفت هذه اللفظة في (س) إلى: عبدة. وأبو سلمة الخزاعي المذكور: اسمه منصور بن سلمة، وقد أخرج روايته أيضاً أحمد في ((فضائل الصحابة)) (٥٤). ١١٤ باب ٧ / ح ٣٦٩٨ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الخامس: ٣٦٩٨ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، حدَّثنا عثمانُ، هو ابنُ مَوهَبٍ، قال: جاء رجلٌ من أهلٍ مِصرَ وحَجَّ البيتَ، فَرَأى قوماً جُلوساً، فقال: مَن هؤلاء القومُ؟ قال: هؤلاء قُرَيشٌ، قال: فمَنِ الشيخُ فيهم؟ قالوا: عبدُ الله بنُ عمرَ، قال: يا ابنَ عمرَ، إنّي سائلُكَ عن شيءٍ فحَدِّثني عنه، هل تَعلَمُ أنَّ عثمانَ فَرَّ يومَ أُحُدٍ؟ قال: نعم، فقال: تَعلَمُ أنَّه تَغَيَّبَ عن بدرٍ ولم يَشهَدْ؟ قال: نعم، فقال: هل تَعلَمُ أَنَّه تَغيَّبَ عن بيعةِ الرِّضوان فلم يَشهَدْها؟ قال: نعم، قال: الله أكبرُ! قال ابنُ عمرَ: تَعالَ أُبِيِّ لكَ، أمّا فِرارُه يومَ أُحُدٍ، فأشهَدُ أنَّ الله عفا عنه، وغَفَرَ له، وأمَّا تَغْيُُّه عن بدرٍ فإنَّه كانت تحتَه بنتُ رسولِ الله وَّهِ وكانت مريضةً، فقال له رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إنَّ لكَ أجرَ رجلٍ مَمَّنْ شَهِدَ بدراً وسَهمَه))، وأمَّا تَغُّبُه عن بيعةِ الرِّضوان، فلو كان أَحدٌ ببطنٍ مِكَّةَ أَعَزَّ من عثمان لَبَعَثَه مكانَه، فَبَعَثَ رسولُ اللهِوَِّ عثمانَ، وكانت بيعةٌ الرِّضوان بعدَما ذهب عثمانُ إلى مكَّةَ، فقال رسولُ الله ◌ِهِ بِيَدِه اليُمنَى: ((هَذِهِ يَدُ عثمانَ)» فضَرَبَ بها على يدِه، فقال: ((هَذِهِ لِعُثمانَ)) فقال له ابنُ عمرَ: اذهَب بها الآنَ معكَ. قوله: «حدَّثنا موسی)) هو ابن إسماعیل. قوله: ((عثمان هو ابن مَوهَب)) نَسَبه إلى جَدّه: وهو عثمان بن عبد الله بن مَوهَب، بفتح الميم وسُكون الواو وفتح الهاء بعدها موخَّدة، مَولَى بني تَيم، بصريّ تابعيّ وسَطٌ من طبقة الحسن البصريّ، وهو ثقة باتِّفاقهم، وفي الرُّواة آخر يقال له: عثمان بن مَوهَب، بصريّ أيضاً لكنَّه أصغر من هذا، روى عن أنس، روى عنه زيد بن الحُبَاب وحده، أخرج له النَّسائيّ(١). قوله: ((جاء رجل من أهل مِصر وحَجَّ البيت)) لم أقِفْ على اسمه ولا على اسم مَن أجابَه من القوم ولا على أسماء القوم، وسيأتي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ ﴾ من سورة البقرة (٤٥١٣) ما قد يُقرِّب أنَّه العلاء بن عِرار، وهو بمُهمَلاتٍ، وكذا في مناقب (١) أخرج له في موضع واحد في ((الكبرى)) (١٠٣٣٠)، في قول النبيِّ ◌َّيه لفاطمة ابنته رضي الله عنها: ((ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أو تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيتٍ: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ... )). ١١٥ باب ٧ / ح ٣٦٩٨ كتاب فضائل الصحابة عليٍّ بعد هذا (٣٧٠٤)، ويأتي في سورة الأنفال (٤٦٥٠)/ أنَّ الذي باشَرَ السُّؤال اسمُه ٥٩/٧ حَكيم، وعليه اقتَصَرَ شيخنا ابن الملَقِّن، وهذا كلّه بناء على أنَّ الحديثَينِ في قِصّة واحدة. قوله: ((قال: فَمَن الشَّيخ؟)) أي: الكبير (فيهم)) الذي يَرجِعونَ إلى قوله. قوله: ((هل تَعلَم أنَّ عثمان فرَّ يوم أُحُد .. )) إلى آخره، الذي يَظهَر من سياقه أنَّ السائل كان مَّن يَتَعَصَّب على عثمان، فأراد بالمسائلِ الثلاث أن يُقرِّر مُعتَقَده فيه، ولذلك كَبَّرَ مُستَحسِناً لمَّا أجابه به ابن عمر. قوله: ((قال ابن عمر: تَعالَ أُبيِّن لك)» كأنَّ ابن عمر فهمَ منه مُراده لمَّا كَبَّر، وإلّا لو فهمَ ذلك من أوَّل سؤاله لَقَرَنَ العُذر بالجواب، وحاصله أنَّه عابَه بثلاثة أشياء، فأظهَرَ له ابن عمر العُذر عن جميعها: أمَّ الِفِرار فبالعفوِ، وأمَّا التخَلَّف فبالأمرٍ، وقد حَصَلَ له مقصود مَن شَهِدَ مِن تَرَقُّب الأمرَينِ الدُّنيَويّ: وهو السَّهم، والأُخرَويّ: وهو الأجر، وأمَّا البيعة فكان مأذوناً له في ذلك أيضاً، ويَدُ رسولِ اللهِوَله خيرٌ لعثمان من يده كما ثَبَتَ ذلك أيضاً عن عثمان نفسِه فيما رواه البزَّار (٣٨٠) بإسنادٍ جيّد أنَّه عاتَبَ عبد الرحمن بن عَوْف فقال له: لمَ تَرفَع صوتك عليَّ؟ فذكر الأُمور الثلاثة، فأجابَ عثمانُ بمثلِ ما أجابَ به ابنُ عمر. قال في هذه: فشِمالُ رسولِ الله وَل ◌ِ خيرٌ لي من يَميني. قوله: ((فأَشهَدُ أنَّ الله عَفا عنه وغَفَرَ له)) يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْ مِنكُمْ يَوْمَ اَلْتَّقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ◌َللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٥٥]. قوله: ((وأمَّا تَغُّبُه عن بدر، فإنَّه كان تحتَه بنتُ رسول الله ◌َِّ)) هي رُقِيَّة، فروى الحاكم في (المستدرَك)) (٤٧/٤) من طريق حمَّد بن سَلَمة عن هشام بن عُرْوة عن أبيه قال: خَلَّفَ النبيُّ ◌َِّ عثمانَ وأسامة بن زيد على رُقيَّة في مرضها لمَّا خرج إلى بدر، فماتت رُقيَّة حين وَصَلَ زيد بن حارثة بالبِشَارة، وكان عمرُ رُقيَّةَ لمَّا ماتت عشرين سنة، قال ابن إسحاق: ويقال: إنَّ ابنها عبد الله بن عثمان ماتَ بعدها سنة أربع من الهجرة وله ستُّ سِنين. ١١٦ باب ٨ / ح ٣٧٠٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فلو كان أَحدٌ ببطنِ مكَّة أعَزَّ من عثمان)) أي: على مَن بها ((لَبَعَثَه)) أي: النبيّ ◌َل «مکانه)) أي: بَدَل عثمان. قوله: ((فَبَعَثَ النبيّ وَّرَ عثمان وكانت بيعة الرِّضوان)) أي: بعد أن بَعَثَه، والسَّبَب في ذلك أنَّ النبيّ ◌َِّ بَعَثَ عثمان ليُعلمَ قُرَيشاً أنَّه إنَّما جاء مُعتَمِراً لا محارباً، ففي غَيبة عثمان شاع عندهم أنَّ المشركين تَعرَّضوا لحرب المسلمين، فاستَعَدَّ المسلمونَ للقتال وبايعَهم النبيّ وَّه حينئذٍ تحت الشَّجَرة على أن لا يَفِرّوا، وذلك في غَيْبة عثمان. وقيل: بل جاء الخَبَرَ بأنَّ عثمان قُتِل، فكان ذلك سببَ البيعة، وسيأتي إيضاح ذلك في عُمرة الحديبية من المغازي (٤١٤٨). قوله: «فقال رسول الله ێے بیدِە الیمنی» أي: أشارَ بها. قوله: ((هذه يدُ عثمان)) أي: بَدَلها «فضَرَبَ بها على يده)) أي: اليُسرَى ((فقال: هذه - أي: البيعة- لعثمان» أي: عن عثمان. قوله: ((فقال له ابن عمر: اذهَبْ بها الآن معك)) أي: اقرِن هذا العُذر بالجواب حتَّى لا يَبقَى لك فيما أجَبتُك به حُجّة على ما كنت تَعتَقِده من غَيْبة عثمان. وقال الطِّييُّ: قال له ابن عمر تَهكُّماً به، أي: تَوَجَّه بما تَسَّكت به، فإنَّه لا يَنفَعُك بعدَما بَيَّنت لك، وسيأتي بقيَّةٌ لمَا دارَ بينهما في ذلك في مناقب عليّ (٣٧٠٤) إن شاء الله تعالى. تنبيه: وَقَعَ هنا عند الأكثر حديث أنس المذكور قبلُ بحديثَينِ (٣٦٩٩)، والذي أوردناه هو ترتیب ما وقع في رواية أبي ذرٍّ، والخطب في ذلك سهل. ٨- باب قصّة البيعة والاتّفاق على عثمان بن عفّان ﴾ ٣٧٠٠ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن خُصَين، عن عَمْرو بنِ ميمونٍ، قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﴾ه قبلَ أن يُصابَ بأيامِ بالمدينةِ، وَقَفَ على حُذَيفةَ بنِ اليَمَان وعثمانَ بنِ حُنَفٍ، قال: كيفَ فعَلتُما؟ أَتخافانٍ أن تكونا قد ◌َّلْتُما الأرضَ ما لا تُطيقُ؟ قالا: خَّلناها أمراً هي له مُطيقةٌ، ما فيها كبيرُ فضلٍ، قال: انظُرا أن تكونا حَّلْتُما الأرضَ ما لا تُطيقُ، ١١٧ باب ٨ / ح ٣٧٠٠ كتاب فضائل الصحابة قال: قالا: لا، فقال عمرُ: لَئِن سَلَّمَني الله لأَدَعنَّ أرامِلَ أهلِ العراق لا يَحْتَجنَ إلى رجلٍ بعدي أبداً، قال: فما أَتَتْ عليه إلا رابعٌ حتَّى أُصيبَ. قال: إنَّ لَقائمٌ ما بيني وبينَه إلا عبدُ الله بنُ عِبَّاسٍ غَداةَ أُصيبَ، وكان إذا مرَّ بين الصفَّيْنِ قال: اسْتَوُوا، حتَّى إذا لم يَرَ فيهم خَلَلاً تَقَدَّمَ، فَكَبََّ، ورُبَّما قرأ سورةَ يوسُفَ أو النَّحلَ، أو نحوَ ذلك في الرَّكعةِ الأولَى، حتَّى يَجْتَمِعَ الناسُ، فما هو إلا أن كَبَّرَ فسَمعتُه يقول: قَتَلَني، أو أكَلَني الكَلِبُ، حين طَعَنَه، فطارَ العِلْجُ بِكّينٍ ذاتٍ طَرَفَيْنٍ، لا يَمُرُّ على أحدٍ يميناً ولا شِمالاً إلا طَعَنَهِ، حتَّى طَعن ثلاثةَ عشرَ رجلاً، ماتَ منهم سَبعةٌ، فلمَّا رَأى ذلك رجلٌ مِن المسلمين طَرَحَ عليه بُرْنُساً، فلمَّا ظنَّ العِلْجُ أنَّه مأخوذٌ نَحَرَ نفسَه، وتَناوَلَ عمرُ يدَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ فقَدَّمَه، فَمَن يَلي عمرَ فقد رَأى الذي أَرَى، وأمَّا نواحي المسجدِ فإِنَهم لا يَدُرُونَ، غيرَ أنَّهم قد فَقَدُوا صوتَ عمرَ، وهم يقولون: سبحانَ الله! سبحانَ الله! فصَلَّى بهم عبدُ الرحمنِ صلاةً خفيفةً، فلمَّ انصَرَفوا قال: يا ابنَ عبَّاسٍ، انظُرْ مَن قَتَلَني؟ فَجَالَ ساعةً، ثمَّ جاء فقال: غلامُ المغيرةِ، قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتَلَه الله! لقد أمَرتُ به معروفاً، الحمدُ لله الذي لم يَجَعَلْ مِيتَي بيدِ رجلٍ يَدَّعي الإسلامَ، قد كنتَ أنتَ وأبوكَ تُحِّان أن تَكثُرَ العُلوجُ بالمدينةِ، وكان العبّاسُ أكثَرَهم رَقِيقاً، فقال: إن شِئتَ فعَلتُ، أي: إن شِئتَ قَتَلْنا: قال: كَذَبتَ، بعدَما تكلّموا بلِسانگم، وصَلَّوا قبلتگُم، وحُوا حَجُّم! فاحتُمِلَ إلى بَيْتِهِ، فانطَلَقْنا معه، وكأنَّ الناسَ لم تُصِبْهم مُصيبةٌ قبلَ يومَئذٍ، فقائلٌ يقول: لا بَأْسَ، وقائلٌ يقول: أخافُ عليه، فأُتيَ بنبيذٍ فِشَرِبَه، فخَرَجَ من جَوفِهِ، ثمَّ أَتِيَ بلَبَنٍ فشَرِبَه، فخَرَجَ من جُرحِه، فعَلموا أنَّه مَيِّت، فدَخَلْنا عليه، وجاء الناسُ فجَعَلُوا يُثنونَ علیه، وجاء رجلٌ شابٌّ، فقال: أبشِرْ يا أميرَ المؤمنين بيُشَرَى الله لكَ من صُحْبةِ رسولِ الله ◌ِِّ، وقَدَمِ في الإسلامِ ما قد عَلِمتَ، ثمَّ وَلِيتَ فعَدَلتَ، ثمَّ شهادةٌ، قال: وَدِدتُ أنَّ ذلك كَفافٌ، لا عليَّ ولا لي، فلمَّا أدَبَرَ إذا إزارُه يَمَسُّ الأرضَ، قال: رُدُّوا عليَّ الغلامَ، قال: يا ابنَ أخي، ارفَعْ ثوبَكَ، فإِنَّه أبقَى لِثَوِكَ وأَنْقَى لِرَبِّكَ، يا عبدَ الله بنَ عمرَ، انظُر ما عليَّ مِن الدَّينِ، فَحَسَبوه فَوَجَدوه سِتّةً وثمانين ألفاً، أو نَحوَه، قال: إن وَفَى له مالُ آلٍ عمرَ فَأَدُّه من أموالهم، وإلا فسَلْ في بني ١١٨ باب ٨ / ح ٣٧٠٠ فتح الباري بشرح البخاري عَديٍّ بنِ كعبٍ، فإن لم تَفِ أموالهم فسَلْ في قُرَيشٍ، ولا تَعْدُهم إلى غيرِهم، فأَدِّ عنِّي هذا المالَ، انطَلِقْ إلى عائشةَ أمّ المؤمنين، فقُل: يَقرَأُ عليكِ عمرُ السَّلامَ، ولا تَقُل: أميرُ المؤمنين، فإنّ لستُ اليومَ للمؤمنين أميراً، وقُل: يَستَأذِنُ عمرُ بنُ الخطَّابِ أن يُدفَنَ مع صاحبَه، فسَلَّمَ واستأذَنَ، ثَمَّ دَخَلَ عليها، فَوَجَدَها قاعدةً تَبكي، فقال: يَقرَأُ عليكِ عمرُ بنُ الخطَّبِ السَّلامَ، ويَستَأذِنُ أن يُدفَنَ مع صاحبيَه، فقالت: كنتُ أُريدُه لنفسي، ولَأُوْثِرَنَّ به اليومَ على نفسي. فلمَّا أقبَلَ قيلَ: هذا عبدُ الله بنُ عمرَ قد جاء، قال: ارفَعُوني، فأسنَدَه رجلٌ إليه، فقال: ما لَدَيكَ؟ قال: الذي تُحِبُّ يا أميرَ المؤمنين، أَذِنَتْ، قال: الحمدُ لله، ما كان من شيءٍ أهَمُّ إليَّ من ذلكَ، فإذا أنا قَضَيتُ فاحِلوني، ثمَّ سَلِّمْ، فَقُل: يَستَأذِنُ عمرُ بنُ الخطّاب، فإن أَذِنَتْ لِي فأدخِلوني، وإن رَدَّتني رُدُّوني إلى مقابرِ المسلمين. وجاءت أمُّ المؤمنين حفصةُ والنِّساءُ تَسيرُ معها، فلمَّا رأيناها قُمنا، فوَلَجَت عليه فبگَت عندَه ساعةً، واستَأذَنَ الرِّجالُ فَوَلَجَتْ داخلاً لهم، فسَمِعْنا بكاءَها مِن الدّاخلِ، فقالوا: أَوْصِ یا أميرَ المؤمنين، استَخلِف، قال: ما أجِدُ أحقَّ بهذا الأمر من هؤلاء النَّفَرِ - أو الرَّهطِ - الذين تُوُلّيَ رسولُ اللهِوَلِ﴾ وهو عنهم راضٍ؛ فسَمَّى عليّاً، وعثمانَ، والزُّبَيرَ، وطلحةَ، وسعداً، وعبد الرحمنِ، وقال: يَشْهَدُكم عبدُ الله بنُ عمرَ وليس له مِن الأمر شيءٌ؛ كَهَيئةِ النَّعزيةِ له، فإن أصابتِ الإمرةُ سعداً فهو ذاكَ، وإلا فليَستَعِنْ به أيُّكم ما أُمُّرَ، فإنّي لم أعزِلْهُ عن عَجزٍ ولا خيانةٍ، وقال: أُوصي الخليفةَ من بعدي بالمهاجرين الأوَّلين: أن يَعرِفَ لهم حَقَّهم ويَحَفَظَ لهم حُرمَتَهم، وأُوصيه بالأنصار خَيراً الذين تبوَّؤوا الدارَ والإيمانَ من قبلهم: أن يُقبَلَ من ◌ُحسِنِهم، وأن يُعفَى عن مُسيئهم، وأُوصيه بأهلِ الأمصار خيراً، فإنَّهم رِدءُ الإسلامِ، وجُباةُ المال، وغَيظُ العدوِّ، وأن لا يُؤخَذَ منهم إلا فَضلُهم عن رِضاهم، وأُوصيه بالأعراب خيراً، فإنَّهم أصلُ العربِ ومادّةُ الإسلامِ: أن يُؤْخَذَ من حَوَاشي أموالهم وتُردَّ على فُقَرائهم، وأُوصيه بذِمّةِ الله وذِمّةِ رسولِهِ مَّه: أن يُوَى لهم بعَهدِهم، وأن يقاتَلَ مِن ورائهم، ولا يُكلَّفوا إلا طاقَتَهم. فلمَّا قُبِضَ خَرَجْنا به، فانطَلَقْنا نَمشي، فسَلَّمَ عبدُ الله بنُ عمرَ، قال: يَستَأذِنُ عمرُ بنُ الخطَّب، قالت: أَدخِلوه، فأُدخِلَ، فوُضِعَ هُنالكَ مع صاحبيه، فلمَّا فُرِغَ من دَفِهِ اجتَمع ١١٩ باب ٨ / ح ٣٧٠٠ كتاب فضائل الصحابة هؤلاء الرَّهطُ، فقال عبدُ الرحمنِ: اجعَلوا أمرَكم إلى ثلاثةٍ منكم، فقال الزُّبَيرُ: قد جَعَلتُ أمري إلى عليٍّ، فقال طلحةُ: قد جَعَلتُ أمري إلى عثمان، وقال سعدٌ، قد جَعَلتُ أمري إلى عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، فقال عبدُ الرحمنِ: أَيُّكُما تَبَرَّأَ من هذا الأمر فتَجعَلُه إليه، واللهُ علیه، والإسلامُ، لَيَنظُرَنَّ أفضلَهم في نفسِهِ، فأُسكِتَ الشَّيخانِ، فقال عبدُ الرحمنِ: أَفَتجعلونَه إليَّ؟ واللهُ عليَّ أن لا أُوعن أفضلِكُم، قالا: نعم، فأخَذَ بيَدِ أحدِهما، فقال: لكَ قَرابةٌ من رسولِ الله وَّهِ والقَدَمُ في الإسلام ما قد عَلِمتَ، فاللهُ عليكَ، لَئِن أَمَّرتُكَ لَتَعدِلَنَّ، ولَئِن أمَّرتُ عثمانَ لَتَسمَعِنَّ/ ولَتُطِيعِنَّ، ثمَّ خَلَا بالآخَرِ فقال له مثلَ ذلكَ، فلمَّا أَخَذَ الميثاقَ قال: ارفَعْ يدَكَ يا ٦٢/٧ عثمانُ، فبايعَه، فبايعَ له عليٌّ ووَلَجَ أهلُ الدّار، فبايَعُوه. قوله: ((باب قِصّة البيعة)) أي: بعد عمر. قوله: ((والاتّفاق على عثمان)) زاد السَّرَخْسِيّ في روايته: ومَقتَل عمر بن الخطّاب. قوله: ((عن عَمْرو بن ميمون)) هو الأَوْديُّ(١)، وهذا الحديث بطولِه قد رواه عن عَمْرو ابن ميمون أيضاً أبو إسحاق السَّبيعيّ، وروايته عند أبي شَيْبة (١٤ / ٥٧٤-٥٧٥)، والحارث (٥٩٤)، وابن سعد (٣٤٠/٣-٣٤٢)، وفي روايته زوائد ليست في رواية حُصين. وروى بعض قِصّة مَقتَل عمر أيضاً أبو رافع، وروايته عند أبي يَعْلى (٢٧٣١)، وابن حِبّان (٦٩٠٥)، وجابرٌ وروايته عند ابن أبي عمر، وعبدُ الله بن عمر وروايته في ((الأوسط)) للطَّبَرانيّ (٥٧٩)، ومَعدانُ بن أبي طلحة، وروايته عند مسلم (٥٦٧)، وعند كلّ منهم ما ليس للآخرِ، وسأذكر ما فيها وفي غيرها من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى. قوله: ((رأيت عمر بن الخطّاب قبل أن يُصاب)) أي: قبل أن يُقتَل ((بأيام)) أي: أربعةٍ کما سيأتي. قوله: ((بالمدينة)) أي: بعد أن صَدَرَ من الحجّ، وقد تقدَّم في الجنائز (١٢٨٧) من حديث ابن عبّاس: أنَّ ذلك كان لمَّا رَجَعَ من الحجّ، وفيه قِصّة صُهَيب، ويأتي في الأحكام (٧٢٠٧) (١) في (س): الأزدي، وهو خطأ. ١٢٠ باب ٨ / ح ٣٧٠٠ فتح الباري بشرح البخاري بنحو ذلك، وكان ذلك سنة ثلاث وعشرين بالاتّفاق. قوله: (وَقَفَ علی خُذَیفة بن اليمان وعثمان بن ◌ُنَیف قال: کیف فَعَلتُما، أتخافان أن تكونا قد حَمَلْتُما الأرض ما لا تُطيق؟)) الأرض المشار إليها هي أرض السَّواد، وكان عمر بَعَثَهما يَضرِبان عليها الخَراج وعلى أهلها الجِزية، بيَّن ذلك أبو عُبيد في كتاب ((الأموال)) (٩٣) من رواية عَمْرو بن میمون المذكور. وقوله: ((انظُر)) أي: في التحميل، أو هو كِناية عن الحَذَر لأنَّه يَستَلِزِمِ النَّظَر. قوله: ((قالا: كَّلناها أمراً هي له مُطيقةٌ)) في رواية ابن أبي شَيْبة (٢٥٩/١٢) عن محمد بن فُضَيلِ عن حُصَين بهذا الإسناد فقال حُذَيفة: لو شِئت لَأضعَفت أرضي؛ أي: جَعَلت خَراجها ضِعفَينٍ، وقال عثمان بن حُنَيف: لقد ◌َّلت أرضى أمراً هي له مُطيقة. وله (٢٥٩/١٢) من طریق التگم عن عَمْرو بن میمون: أنَّ عمر قال لعثمان بن حُنَیف: لَئِن زِدتَ علی کلّ رأس دِرِهَمَينٍ، وعلى كلّ جَريب دِرهَماً وقَفيزاً من طعام، لَأطاقوا (١) ذلك، قال: نعم. قوله: ((إنّ ◌َقائمٌ) أي: في الصفّ نَنتَظِرِ صلاة الصُّبح. قوله: ((ما بيني وبينه)) أي: عمر ((إلّا عبد الله بن عبَّاس)) في رواية أبي إسحاق(٢): إلّا رجلان. قوله: ((وكان إذا مرَّ بين الصفَّينِ قال: استَووا، حتَّى إذا لم يَرَ فيهِنَّ)) أي: في الصُّفوف، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((فيهم))؛ أي: في أهلها ((خَلَلاً تقدَّم فكَبَّر)) وفي رواية الإسماعيليّ من طريق جَرِير عن حُصَين: ((وكان إذا دَخَلَ المسجد وأُقيمت الصلاة تأخّرَ بين كلّ صَفَّيْنٍ فقال: اسْتَووا، حتَّى لا يرى خَلاً، ثمَّ يَتقدَّم ويُكبِّ))، وفي رواية أبي إسحاق عن عَمْرو بن ميمون: شَهِدَت عمر يوم طُعِن، فما مَنَعَني أن أكون في الصفّ المتقدِّم إلّا هَيْبتُه، وكان رجلاً مَهيباً، وكنت في الصفّ الذي يَليه، وكان عمر لا يُكبِِّ حتَّى يَستَقبل الصفّ المقدَّم بوجهِه، فإن رأى رجلاً مُتَقَدِّماً من الصفّ أو مُتأخِراً ضَرَبَه بالدِّرّة، فذلك الذي مَنَعَني منه. (١) في المطبوع منه بلفظ: ((لا يضرُّهم ذلك ولا يُجهدهم، أو كلمةً نحوها، بدل: لأطاقوا ذلك. (٢) رواية أبي إسحاق سلف تخريجها في أول شرح هذا الحديث، ولم نقف على هذا اللفظ عند من أخرج هذه الرواية في المطبوع من مصنفاتهم.