النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ باب ٥ / ح ٣٦٧١ كتاب فضائل الصحابة قوله: ((حدَّثنا أبو يَعْلى)) هو مُنذِر بن يَعْلى الكوفي الثَّوري، وهو مَمَّن وافقت كُنْيْتُه اسمَ أبيه، والإسناد كلَّه كوفيُّون، ومحمد ابن الحنفية: هو ابن عليّ بن أبي طالب، واسم الحنفية خَوْلة بنت جعفر كما تقدَّم. قوله: ((قلت لأبي: أيُّ الناس خير؟)) في رواية محمد بن سُوقَةً عن مُنذِر عن محمد بن عليّ: قلت لأبي: يا أَبَةِ، مَن خير الناس بعد رسول الله وَ لَ؟ قال: أوَما تَعلَمُ يا بُنيَّ؟ قلت: لا، قال: أبو بكر، أخرجه الدّارَ قُطني(١)، وفي رواية الحسن بن محمد ابن الحنفية عن أبيه: قال: سبحان الله يا بُنيّ! أبو بكر (٢)، وفي رواية أبي جُحَيفةَ عند أحمد (٨٣٥): «قال لي علي: يا أبا جُحَيفةَ، ألا أُخبِرك بأفضل هذه الأُمَّة بعد نبيِّها؟ قلت: بلى، قال: ولم أكُن أرى أنَّ أحداً أفضلُ منه)) وقال في آخره: ((وبعدهما آخرَ ثالثٌ لم يُسمِّه))، وفي رواية للدّارَ قُطني في ((الفضائل))(٣) من طريق أبي الضُّحى عن أبي جُحَيفةَ: وإن شِئْتُم أخبَرَتُكم بخير الناس بعد عمر، فلا أدري أستَحْيا أن يَذكُر نفسه أو شَغَلَه الحديثُ. قوله: ((وخَشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثمَّ أنتَ، قال: ما أنا إلّا رجل من المسلمين)) في رواية محمد بن سُوقة: ثمَّ عَجِلتُ للحَدَاثة، فقلت: ثمَّ أنتَ يا أبتي، فقال: أبوك رجل من المسلمين، زاد في رواية الحسن بن محمد: لي ما لهم، وعليَّ ما عليهم، وهذا قاله عليٌّ تَواضُعاً مع مَعرِفَته حين المسألةِ المذكورة أنَّه خير الناس يومئذٍ، لأنَّ ذلك كان بعد قتل عثمان، وأمَّا خَشْية محمد ابن الحنفية أن يقول: عثمان، فلأنَّ محمداً كان يَعتَقِد أنَّ أباه أفضلُ، فخَشِيَ أنَّ عليّاً يقول: عثمان، على سبيل التواضُع منه والهَضْم لنفسِه، فيَضطَرِب حال اعتقاده ولا سيَّما وهو في سِنّ الحَدَاثة كما أشارَ إليه في الرِّواية المذكورة. (١) وأخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٢/ ١٢، والطبراني في ((الأوسط)) (٣٤٥٨) من طريقين عن منذر الثوري عن محمد ابن الحنفية، وفيه عندهما في آخره: قال: أبو بكر ثم عمر. (٢) أخرجها أحمد في ((فضائل الصحابة)) (٤٣٠)، وابن أبي عاصم في ((السُّنة)) (١٢٠٧). (٣) وأخرج نحوه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (٤٤) من طريق الحكم عن أبي جحيفة، وفي آخره: فقالوا: بلى، فسکت. ٦٢ باب ٥ / ح ٣٦٧١ فتح الباري بشرح البخاري وروى خَيْثمة في ((فضائل الصحابة)) من طريق عُبيد بن أبي الجَعْد عن أبيه: أنَّ عليّاً قال، فذكر هذا الحديث وزادَ: ثمَّ قال: ألا أُخبِرِكم بخير أمَّتكم بعد عمر؟ ثمَّ سَكَت، فظَنَّا أنَّه يعني نفسه، وفي رواية عَبْدِ خَيْرٍ (١) عن عليّ أنَّه قال ذلك بعد وقعة النَّهْرَوان، وكانت في سنة ثمان وثلاثين، وزاد في آخِرِ حديثه: أحدَثْنَا أُموراً يَفعَل اللهُ فيها ما يَشاء. وأخرج ابن عساكر في ترجمة عثمان من طريق ضعيفة في هذا الحديث أنَّ عليّاً قال: إنَّ ٣٤/٧ الثالث / عثمان، ومن طريق أُخرى، أنَّ أبا جُحَيفةَ قال: فرجعت الموالي تقول: كَنّى عن عثمان، والعرب تقول: كَنّى عن نفسه(٢)، وهذا يُبيِّ أنَّه لم يُصرِّح بأحدٍ، وقد سَبَقَ بيانُ الاختلاف في أيِّ الرجلينِ أفضلُ بعد أبي بكر وعمر: عثمان أو عليٍّ؟ وأنَّ الإجماع انعَقَدَ بأَخَرةَ بين أهل السُّنَّة أنَّ ترتيبَهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، رضي الله عنهم أجمعين. قال القُرطُبي في ((المفهم)) ما مُلخَّصه: الفضائل جمع فضيلة، وهي الخَصْلة الجميلة التي يَحَصُل لِصاحبها بسَببها شَرَفُ وعُلوُّ مَنزِلة، إمّا عند الحقّ وإمّا عند الخلق، والثاني لا عِبرة به إلّا إن أوصَلَ إلى الأوَّل، فإذا قلنا: فلان فاضل، فمعناه أنَّ له مَنزِلة عند الله، وهذا لا تَوَصُّل إليه إلّا بالنَّقْلِ عن الرَّسُول ◌َّهِ، فإذا جاء ذلك عنه إن كان قطعياً قَطَعْنا به، أو ظِنِّيّاً عَمِلنا به، وإذا لم نَجِدْ الخَبَرَ فلا خَفاءَ أنّا إذا رأينا مَن أعانه الله على الخير ويَسَّرَ له أسبابه، أنّا نرجو حصولَ تلك المنزلة له، لما جاء في الشَّريعة من ذلك، قال: وإذا تَقرَّرَ ذلك فالمقطوع به بين أهل السُّنَّ بأفضليّة أبي بكر ثمَّ عمرَ، ثمَّ اختَلَفوا فيمَن بعدهما: فالجمهور على تقديم عثمان، وعن مالك التوقُّف، والمسألة اجتهادية، ومُستَنَدُها: أنَّ هؤلاء الأربعة اختارهم الله تعالى لخلافة نبيِّه وإقامة دينه، فمَنزِلَتهم عنده بحَسَبٍ ترتيبهم في الخلافة، والله أعلم. (١) في (س): ((وفي رواية عبيد خبر عن علي)) وهو تحريف، وعبد خير: هو ابن يزيد، ويقال: ابن بجيد، بن خَوْلي الهمداني، أبو عمارة الكوفي، يروي عن عليّ ﴾ وعدد من الصحابة، وخبره هذا أخرجه ابن عساكر في («تاريخ دمشق» ٢٠٧/٤٤ من طريق خالد بن علقمة عنه عن عليٌّ ﴾. (٢) ((تاريخ دمشق)» ٣٥٨/٣٠ و١٥٥/٣٩ و١٥٦، وعنده: ((رجعت العرب)) بدل: الموالي. ٦٣ باب ٥ / ح ٣٦٧٢ - ٣٦٧٣ كتاب فضائل الصحابة الحديث الخامس عشر: حديث عائشة في نزول آية التيمُّم: ٣٦٧٢- حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، عن مالكِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشةً رضي الله عنها، أنَّها قالت: خَرَجْنا مع رسولِ الله وَّه في بعض أسفارِهِ، حتَّى إذا كنَّا بِالبَيداءِ أو بذاتِ الجيشِ انقَطَعَ عِقِدٌ لي، فأقامَ رسولُ الله ◌َِّ على التِمَاسِهِ، وأقامَ الناسُ معه، وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ، فأتى الناسُ أبا بكرٍ، فقالوا: ألا تَرَى ما صَنَعَت عائشةُ؟ أقامَت برسولِ اللهِوَّ وبالناسِ معه، وليسوا على ماءٍ وليس معهم ماءٌ؟ فجاء أبو بكر ورسولُ الله ◌َّه واضعٌ رأسَه على فَخِذِي قد نامَ، فقال: حَبَستِ رسولَ الله وَّهِ والناسَ، وليسوا على ماءٍ وليس معهم ماءٌ؟ قالت: فعاتَبَني، وقال ما شاءَ اللهُ أن يقولَ، وجَعَلَ يَطعُنُني بيَدِه في خاصِرَتي، فلا يَمنَعُنِي مِن التَّحَرُّكِ إلا مكانُ رسولِ اللهِوَِّ على فَخِذي، فنامَ رسولُ اللهِوَلَ حتَّى أصبَحَ على غيرِ ماءٍ، فأنزَلَ الله آيةَ التيمُّم، فَتَيَمَّموا، فقال أُسَيدُ بنُ الحُضَيرِ: ما هي بأوَّلِ بَرَكَتِكم يا آلَ أبي بكرٍ ! فقالت عائشةُ: فَبَعَثْنا البعيرَ الذي كنتُ عليه، فَوَجَدْنا العِقدَ تحتَه. وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب التيمُّم (٣٣٤)، والغرض منه قول أُسَيد بن الحُضَير في آخره: ما هي بأوَّل بَرَكَتكم يا آلَ أبي بكر، وقد تقدَّم هناكَ ذِكرُ ألفاظٍ أُخرى تَدُلّ على فضلهم. الحدیث السادس عشر: حديث أبي سعيد. ٣٦٧٣- حدَّثْنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حَدَّثنا شُعْبةُ، عن الأعمَشِ، قال: سمعتُ ذَكْوانَ يُحدِّثُ عن أبي سعيد الخُدْريِّ ه، قال: قال النبيُّ ◌َ الَ: ((لا تَسُبّوا أصحابي، فلو أنَّ أحدكم أنفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذَهباً، ما بَلَغَ مُدَّ أُحدِهم ولا نَصِيفَه)». تابَعَه جَرِيرٌ وعبدُ الله بنُ داودَ وأبو معاويةَ ومُحاضرٌ، عن الأعمَشِ. قوله: «سمعت ذَکْوان)) هو أبو صالح السَّمّان. قوله: ((عن أبي سعيد)) في رواية أُخرى سأُبيِّنُها: ((عن أبي هريرة)) والأوَّل أَولى كما سيأتي. قوله: ((لا تَسُبّوا أصحابي)) وَقَعَ في رواية جَرِير ومحاضر عن الأعمَش - وكذا في رواية عاصم عن أبي صالح - ذِكْر سَببٍ لهذا الحدیث، وهو ما وَقَعَ في أوَّله قال: كان بین خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عَوْف شيءٌ، فسَبَّه خالد، فذکر الحدیثَ، وسیأتي بیان من أخرجه. ٦٤ باب ٥ / ح ٣٦٧٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فلو أنَّ أحدَكُم)) فيه إشعارٌ بأنَّ المراد بقوله أوَّلاً: ((أصحابي)) أصحاب مخصوصون، وإلّا فالخِطاب كان للصَّحابة، وقد قال: (لو أنَّ أحدكم أنفَقَ))، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُم مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ﴾ الآية [الحديد: ١٠]، ومع ذلك فنَهيُ بعض مَن أدرَكَ النبيَّ نَ ◌ّهِ وخاطَبَه بذلك عن سَبِّ مَن سَبَقَه يقتضي زَجْر مَن لم يُدرِك النبيَّ ◌َ ◌ّهِ ولم يُخاطِبه عن سَبِّ مَن سَبَقَه من باب الأولى. وغَفَلَ مَن قال: إنَّ الخِطاب بذلك لغير الصحابة وإنَّما المراد مَن سيوجدُ من المسلمين المفروضين في العقل تنزيلاً لمَن سيوجدُ مَنزِلة الموجود للقطع بوقوعِه، ووجه التعقّب عليه وقوع التصريح في نفس الخَبَرَ بأنَّ المخاطَب بذلك خالد بن الوليد، وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاكَ بالاتّفاق. قوله: ((أنفَقَ مثلَ أُحد ذهباً) زاد البَرْقاني في (المصافحة)) من طريق أبي بكر بن عيّاش عن الأعمَش: ((كلَّ يوم)) قال: وهي زيادة حَسَنة. قوله: ((مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه)) أي: المُدُّ من كلّ شيء، والنَّصيف بوزنِ رَغيف: هو النِّصف كما يقال: عُشر وعَشِير وثُمُن وثَمِين، وقيل: النَّصيف: مِكيالٌ دون المُدّ، والمُدُّ بضمِّ الميم: مِكيال معروف ضُبِطَ قَدْرُه في كتاب الطَّهارة (٢٠١)، وحَكَى الخطَّبي: أنَّه رُويَ بفتح الميم قال: والمراد به: الفَضْل والطَّوْل، وقد تقدَّم في أوَّل ((باب فضائل الصحابة)) (٣٦٤٩) تقرير أفضلية الصحابة عَمَّن بعدهم، وهذا الحديث دالٌّ لمَا وَقَعَ الاختيار له ممَّا تقدَّم من الاختلاف، والله أعلم. قال البَيْضاوي: معنى الحديث: لا يَنالُ أحدُكم بإنفاق مثلِ أُحُدٍ ذهباً من الفضل والأجر ما يَنال أحدُهم بإنفاق مُدِّ طعام أو نَصِيفِه. وسببُ التفاوت ما يُقارن الأفضل من مَزيد الإخلاص وصِدق النّية. قلت: وأعظَمُ من ذلك في سبب الأفضلية، عِظَمُ مَوقِع ذلك لِشِدَّة الاحتیاج إليه، وأشارَ بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال كما وَقَعَ في الآية: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ ٦٥ باب ٥ / ح ٣٦٧٣ كتاب فضائل الصحابة أَنْفَقَ مِن قَبْلِ / ◌ٌلْفَتْحِ وَقَثَلَ﴾ [الحديد: ١٠]، فإنَّ فيها إشارة إلى مَوقِعِ السَّبَب الذي ذكرته، ٣٥/٧ وذلك أنَّ الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكَّة عظيماً، لِشِدَّة الحاجة إليه وقِلَّة المعتَنى به بخلاف ما وَقَعَ بعد ذلك، لأنَّ المسلمين كَثُروا بعد الفتح ودَخَلَ الناس في دين الله أفواجاً، فإنَّه لا يقع ذلك الموقع المتقدِّم، والله أعلم. قوله: ((تابَعَه جَرِير)) هو ابن عبد الحميد، وعبد الله بن داود: هو الخُرَيبيُّ، بالمعجَمة والموحّدة مُصغَّر، وأبو معاوية: هو الضَّریر، ومُاضِر بمُهمَلةٍ ثمَّ مُعجمة بوزنٍ مجاهد، عن الأعمش، أي: عن أبي صالح عن أبي سعيد. فأمَّا رواية جَرِير فوَصَلَها مسلم (٢٥٤١) وابن ماجَهْ (١٦١) وأبو يَعْلى (١١٧١) وغيرهم(١). وأمَّا رواية مُحاضِر فروِّيناها موصولة في ((فوائد)) أبي الفتح الحَدّاد، من طريق أحمد بن یونس الضَّبّي عن محاضر المذكور، فذكره مثل روایة جَرِیر، لکن قال: بین خالد بن الوليد وبين أبي بكر بَدَل عبد الرحمن بن عَوْف، وقول جَرِير أصحُ، وقد وَقَعَ كذلك في رواية عاصم عن أبي صالح الآتي ذكرها. وأمَّا رواية عبد الله بن داود فوَصَلَها مُسدَّد في ((مُسنَده)) عنه وليس فيه القصَّة، وكذا أخرجها أبو داود(٢) عن مُسدّد، وأمَّا رواية أبي معاوية فوَصَلَها أحمد (١١٠٧٩) عنه هكذا، وقد أخرجه مسلم (٢٥٤٠) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وأبي كُرَيب ويحيى بن يحيى ثلاثتهم عن أبي معاوية لكن قال فيه: ((عن أبي هريرة)) بَدَل أبي سعيد، وهو وهمّ كما جَزَمَ به خَلَف وأبو مسعود وأبو عليٍّ الجَيّاني وغيرهم. قال المِزّي: كأنَّ مسلماً وَهِمَ في حال كتابته فإنَّه بَدَأَ بطريق أبي معاوية، ثمَّ ثنَّى بحديث جَرِیر فساقَه بإسناده ومَتْنه، ثمَّ ثَلَّثَ بحديثٍ وکیع ورَبَّعَ بحدیثِ شُعْبة ولم يَسُقْ إسنادهما، بل (١) رواية مسلم وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وسيأتي قريباً تعليق الحافظ عليهما. وانظر ((التحفة)) ٣٤٣/٣-٣٤٤. (٢) رواية أبي داود (٤٦٥٨) عن مسدد عن أبي معاوية لا عن عبد الله بن داود، فتنبَّه، ووصلها الحافظ في «التغلیق) ٤/ ٦٠ من طريق مسدد عن أبي معاوية وعن عبد الله بن داود فرقهما، به. ٦٦ باب ٥ / ح ٣٦٧٣ فتح الباري بشرح البخاري قال: بإسناد جَرِير وأبي معاوية، فلولا أنَّ إسناد جَرِير وأبي معاوية عنده واحد لمَا أحالَ عليهما معاً، فإنَّ طريق وكيع وشُعْبة جميعاً تنتهي إلى أبي سعيد دون أبي هريرة اتِّفاقاً، انتهى كلامه. وقد أخرجه أبو بكر بن أبي شَيْبة - أحد شيوخ مسلم فيه - في ((مُسنَدِه)) و ((مُصنَّفَه)) (١٧٤/١٢ -١٧٥) عن أبي معاوية فقال: ((عن أبي سعيد)) كما قال أحمد، وكذا رُوِّيناه من طريق أبي نُعَيم في ((المستخرَج)) من رواية عُبيد بن غَنّام عن أبي بكر بن أبي شَيْبة. وأخرجه أبو نُعَيم أيضاً من رواية أحمد ويحيى بن عبد الحميد وأبي خَيْئمةَ وأحمد بن جَوّاس، كلّهم عن أبي معاوية فقال: ((عن أبي سعيد)) وقال بعده: أخرجه مسلم عن أبي بكر وأبي كُرَيب ويحيى بن يحيى، فدَلَّ على أنَّ الوَهْم وَقَعَ فيه ثمّن دون مسلم، إذ لو كان عنده عن أبي هريرة لبيَّنه أبو نُعَيم، ويُقوِّي ذلك أيضاً أنَّ الدّارَقُطني مع جَزْمه في ((العِلَل)) (١٠٦/١٠) بأنَّ الصواب أنَّه من حديث أبي سعيد لم يَتَعرَّض في تَتَبُّعه أو هامَ الشَّيخَينِ إلى رواية أبي معاوية هذه، وقد أخرجه أبو عبيدة في ((غريب الحديث))، والجَوزَقي من طريق عبد الله بن هاشم، وخَيْئمة من طريق سعيد بن يحيى، والإسماعيلي وابن حِبّان (٧٢٥٥) من طريق عليّ بن الجَعْد، كلّهم عن أبي معاوية فقالوا: عن أبي سعيد. وأخرجه ابن ماجَهْ (١٦١) عن أبي كُرَيب - أحدٍ شيوخ مسلم فيه أيضاً - عن أبي معاوية فقال: ((عن أبي سعيد)) كما قال الجماعة، إلّا أنَّه وَقَعَ في بعض النُّسَخ عن ابن ماجَهْ اختلاف، ففي بعضها: عن أبي هريرة، وفي بعضها: عن أبي سعيد، والصواب: عن أبي سعيد، لأنَّ ابن ماجه جمع في سياقه بين جَرِير ووَكيع وأبي معاوية ولم يَقُل أحد في رواية وكيع وجَرِير: أنَّها عن أبي هريرة، وكلُّ مَن أخرجها من المصنِّين والمخرِّجين أورَدَه عنهما من حديث أبي سعيد، وقد وجدته في نُسخَة قديمة جدّاً من ابن ماجَهْ قُرِئَت في سنة بضع وسبعين وثلاث مئة وهي في غاية الإتقان وفيها: ((عن أبي سعيد))، واحتمال گون الحديث عند أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد وأبي هريرة جميعاً مُستَبعَد، إذ لو کان کذلك لجَمَعَهما ولو مرَّةً، فلمَّا كان غالب ما وُچِدَ عنه ذِكْر أبي سعيد دون ذِكْر أبي هريرة دلَّ على أنَّ في قول مَن قال عنه: ((عن أبي هريرة)) شُذوذاً، والله أعلم. ٦٧ باب ٥ / ح ٣٦٧٣ كتاب فضائل الصحابة وقد جمعهما أبو عَوَانة عن الأعمَش، ذكره الدّارَ قُطني وقال في ((العِلَل)) (١٠٦/١٠): رواه مُسدّد وأبو كامل وشَيْبان عن أبي عَوَانة كذلك، ورواه عَفّان ويحيى بن حمّاد عن أبي عوانة فلم / یذکُرا فيه أبا سعيد، قال: ورواه زيد بن أبي أُنيسة عن الأعمش عن أبي صالح ٣٦/٧ عن أبي هريرة، وكذلك قال نَصْر بن عليٍّ عن عبد الله بن داود، قال: والصواب من روایات الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد لا عن أبي هريرة، قال: وقد رواه عاصم عن أبي صالح فقال: عن أبي هريرة، والصحيح: عن أبي صالح عن أبي سعيد. انتهى. وقد سَبَقَ إلى ذلك عليّ بن المديني فقال في ((العِلَل)): رواه الأعمَش عن أبي صالح عن أبي سعيد، ورواه عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: والأعمَش أثبَتُ في أبي صالح من عاصم، فعُرِفَ من كلامه أنَّ مَن قال فيه: عن أبي صالح عن أبي هريرة، فقد شَذَّ، وكأنَّ سبب ذلك شُهْرة أبي صالح بالرِّواية عن أبي هريرة، فَيَسبِقِ إليه الوَهْم مَمَّن ليس بحافظٍ، وأمَّا الْحُفّاظ فيُميِّزُونَ ذلك. ورواية زيد بن أبي أُنيسة التي أشارَ إليها الدّارَ قُطني أخرجها الطبراني في «الأوسط» (٦٨٧) قال: ولم يَروِه عن الأعمَش إلّا زيد بن أبي أُنيسة، ورواه شُعْبة وغيره عن الأعمَش وغيره فقالوا: عن أبي سعید. انتهى. وأمَّا رواية عاصم فأخرجها النَّسائي في ((الكبرى)) (٨٢٥١) والبَزَّار في ((مُسنَده)) (٢٧٦٨) وقال: ولم يَروِه عن عاصم إلّا زائدة. ومَمَّن رواه عن الأعمَش فقال: ((عن أبي سعيد)) أبو بكر بن عيّاش عند عبد بن حُميدٍ (٩١٨)، ويحيى بن عيسى الرَّملي عند أبي عَوَانة، وأبو الأحوَص عند ابن أبي خَيْئمة، وإسرائيل عند تنَّام الرازي(١). وأمَّا ما حَكَاه الدّارَ قُطني عن رواية أبي عَوَانة فقد وَقَعَ لي من رواية مُسدَّد وأبي كامل وشَيْبان عنه على الشكِّ، قال في روايته: ((عن أبي سعيد أو أبي هريرة))، وأبو عَوَانة كان يُحدِّث (١) في «فوائده)) (٩٣٢). ٦٨ باب ٥ / ح ٣٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري من حِفظه فِرُبَّمَا وَهِمَ، وحديثُه من كتابه أثبت، ومَن لم يَشُكَّ أحقُّ بالتقديم ممَّن شَكَّ، والله أعلم. وقد أملَيتُ على هذا الموضع جُزءاً مُفرَداً لخَّصت مقاصدَه هنا بعَونِ الله تعالى. تكملة: اختُلِفَ في سابِّ الصحابي، فقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنَّه يُعزَّر، وعن بعض المالكية: يُقتَل، وخَصَّ بعض الشّافعية ذلك بالشَّيخَينِ والحَسَنينِ فحَكَى القاضي حُسَين في ذلك وجهَينِ، وقَوّاه السُّبكي في حَقّ مَن كَفَّرَ الشَّيخَين، وكذا مَن كَفَّرَ مَن صَرَّحَ النبيُّ ◌َه بإيمانه أو تبشيره بالجنَّة إذا تَوَاتَرَ الخَبَر بذلك عنه لمَا تَضَمَّنَ من تكذيب رسول الله وَليفه. الحدیث السابع عشر: حديث أبي موسى. ٣٦٧٤- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مِسْكينٍ أبو الحسنِ، حدَّثنا يحيى بنُ حسَّانَ، حدّثنا سلیمانُ، عن شَرِيكِ بنِ أبي نَمِرٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، قال: أخبرني أبو موسى الأشعريُّ: أنَّه تَوضَّأَ في بيتِه ثُمَّ خَرَجَ، فقلتُ: لَأَلْزَمَنَّ رسولَ اللهِ وَالِهِ، ولأَكُونَنَّ معه يومي هذا، قال: فجاءَ المسجدَ، فسألَ عن النبيِّ ◌َِّ، فقالوا: خَرَجَ ووَجَّهَ هاهُنا، فخَرَجتُ على إثرِه أسألُ عنه، حتَّى دَخَلَ بئرَ أَرِيسٍ، فجلستُ عندَ الباب وبابُها من جَرِيدٍ، حتَّى قَضَى رسولُ الله ◌ِهِ حَاجَتَه، فَتَوضَّأ فقُمتُ إليه، فإِذا هو جالسٌّ على بئرٍ أَرِيسٍ، وتَوَسَّطَ قُفَّها، وكَشَفَ عن ساقَيِهِ ودَلَّاهما في البئرِ، فسَلَّمتُ عليه، ثمَّ انصَرَفتُ فجلستُ عندَ الباب، فقلتُ: لأكونَنَّ بَوَّابَ رسولِ الله وَّهِ اليومَ، فجاء أبو بكرٍ فَدَفَعَ البابَ، فقلتُ: مَن هذا؟ فقال: أبو بكرٍ، فقلتُ: على رِسْلِكَ، ثمَّ ذهبتُ فقلتُ: يا رسولَ الله، هذا أبو بكرٍ يَستَأذِن؟ فقال: (اتذَنْ له، وبَشِّره بالجنَّةِ)) فأقبَلتُ حتَّى قلتُ لأبي بكرٍ: ادخُلْ، ورسولُ اللهِ وَّهِ يُبِشِّرُكَ بالجنَّة، فَدَخَلَ أبو بكرٍ، فَجَلَسَ عن يَمين رسولِ اللهِ وَِّ معه في القُفِّ، وَّ رِجِلَيه في البئرِ كما صَنَعَ النبيُّونَ﴿، وكَشَفَ عن ساقيه، ثمَّ رجعتُ فجَلستُ، وقد تَرَكتُ أخي يَتَوضَّأُ ويَلحَقُني، فقلتُ: إِن يُرِدِ اللهُ بفلانٍ خيراً - يريدُ: أخاه - يأتِ به، فإذا إنسانٌ مُحرِّكُ البابَ، فقلتُ: مَن هذا؟ فقال: عمرُ بنُ الخطَّب، فقلتُ: على رِسْلِكَ، ثمَّ جئتُ إلى رسولِ الله وَّهِ فِسَلَّمتُ عليه، فقلتُ: هذا عمرُ بنُ الخطَّب يَستَأذِنُ؟ فقال: ((اتذَنْ له، وبَشِّرْه بالجنَّةِ)) فجئتُ فقلتُ: ادْخُلْ، وَبَشَّرَكَ رسولُ اللهِ وَّهِ بِالجنَّةِ، فَدَخَلَ فجَلَسَ مع رسولِ الله وَِّ فِي القُفِّ عن يَسارِهِ، وَلَّ رِ جِلَيه في البئرِ، ثمَّ رَجعتُ فجَلستُ، فقلتُ: إن يُرِدِ اللهُ بفلانٍ خيراً يأتِ به، ٦٩ باب ٥ / ح ٣٦٧٤ كتاب فضائل الصحابة فجاء إنسانٌ يُحرِّكُ البابَ، فقلتُ: مَن هذا؟ فقال: عثمانُ بنُ عَفّانَ، فقلتُ: على رِسلِكَ، فجئتُ إلى رسولِ الله وَلّ فأخبَرَتُه، فقال: ((اتَذَنْ له وبَشِّرْه بالجنَّةِ على بَلوَى تُصِيبُهُ)) فجئتُه فقلتُ له: ادْخُلْ، وَبَشَّرَكَ رسولُ اللهِوَّهِ بالجنَّةِ على بَلَوَى تُصيبُّكَ، فَدَخَلَ فَوَجَدَ القُفَّ قد مُلِىَ، فجَلَسَ وُجَاهَه مِن الشِّقِّ الآخَرِ. قال شَرِيكُ بنُ عبدِ الله: قال سعيدُ بنُ المسيّبِ: فَأَوَّلْتُها قُبُورَهم. [أطرافه في: ٣٦٩٣، ٣٦٩٥، ٦٢١٦، ٧٠٩٧، ٧٢٦٢] قوله: ((عن شَرِيك بن أبي نَمِر)) هو ابن عبد الله، وأبو نَمِر جدُّه. قوله: ((خَرَجَ ووَجَّهَ هاهنا)) كذا للأكثر بفتح الواو وتشديد الجيم، أي: تَوَجَّهَ أو وَجَّهَ نفسَه، وفي رواية الكُشْمِيهني بسكون الجيم بلفظ الاسم مُضافاً إلى الظَّرْف، أي: جِهَة كذا. قوله: ((حتَّى دَخَلَ بئرَ أَرِيس)) بفتح الألف وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثمَّ مُهمَلة: بُستان بالمدينة معروف يجوز فيه الصَّرْفُ وعَدمُه، وهو بالقُربِ من قُباء، وفي بئرها سَقَطَ خاتَمُ النبيِّ ◌َّ من إصبع عثمان ﴾. قوله: ((وَتَوسَّطَ قُقَّها)) بضمِّ القاف وتشديد الفاء: هو الدّاكَّة التي تُجُعَل حولَ البئر، وأصله: ما غَلُظَ من الأرض وارتَفَع، والجمع: قِفَاف. ووَقَعَ في رواية عثمان بن غِيَات عن أبي عثمان عند مسلم (٢٨/٢٤٠٣): بَيْنا رسولُ اللهِ وَله في حائط من حوائط المدينة وهو مُتَّكِئٌ يَنكُت بعُودٍ (١) معه بين الماء والطين. قوله: ((فقلت: لَأكونَنَّ بَوَّاباً للنبيِّ نَِّ اليومَ)) ظاهره أنَّه اختارَ ذلك وفَعَلَه من تلقاء نفسه، وقد صَرَّحَ بذلك في رواية محمد بن جعفر عن شَرِيك في الأدب (٧٠٩٧) فزاد فيه: ولم يأمرني. قال ابن التِّين: فيه أنَّ المرء يكون بوَّاباً للإمام وإن لم يأمره، كذا قال. وقد وَقَعَ في رواية أبي عثمان الآتية في مناقب عثمان (٣٦٩٥) عن أبي موسى: أنَّ النبيَّ نَّهِ دَخَلَ حائطاً وأمَرَه بحِفْظ باب الحائط. ووَقَعَ في رواية عبد الرحمن بن حَرمَلة عن سعيد بن المسيّب في هذا (١) كذا قال الحافظ، ورواية مسلم: يَركُز بعود، ويروى: يضرب بعود، قاله عياض في ((المشارق)) ٢٨٩/١. ٧٠ باب ٥ / ح ٣٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري الحديث: فقال: ((يا أبا موسى، أَملِكْ عليَّ الباب)) فانطَلَقَ فقضى حاجته وتَوضَّأ، ثمَّ جاء فَقَعَدَ على قُفِّ البئر، أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) والرُّوياني في «مُسنَده)) (٥٢٤)، وفي رواية الثِّرمِذي (٣٧١٠) من طريق أبي عثمان عن أبي موسى: فقال لي: ((يا أبا موسى، املِكْ ٣٧/٧ عليَّ الباب، فلا يدخلَنَّ عليَّ أحد)»،/ فيُجمَع بينهما بأنَّه لمَّا حدَّث نفسَه بذلك صادَفَ أمرَ النبيِّ وَّهِ بأن يَحِفَظ عليه الباب، وأمَّا قوله: ((ولم يأمرْني)) فيريد أنَّه لم يأمره أن يَستَمِرَّ بوَّاباً، وإنَّما أمَرَه بذلك قدرَ ما يقضي حاجته ويَتَوضَّأ ثمَّ استَمَرَّ هو من قِبَل نفسه، وسيأتي له توجيهٌ آخر في خَبَرَ الواحد (٧٢٦٢)، فبَطَلَ أن يُستَدَلَّ به لمَا قاله ابن التِّين، والعَجَب أنَّه نَقَلَ ذلك بعدُ عن الدَّاوُودي، وقال: وهذا من مُتَلَف الحديث، وكأنَّ خَفيَ عليه وَجهُ الجمع الذي قرَّرته. ثمّ إنَّ قول أبي موسى هذا لا يُعارِض قول أنس: أنَّه بَّه لم يكن له بوَّاب كما سَبَقَ في كتاب الجنائز (١٢٨٣)، لأنَّ مُرادَ أَنَس أنَّه لم يكن له بوَّاب مُرتَّب لذلك على الدَّوام. قوله: («فدَفَعَ الباب)» في رواية أبي بكر (١): فجاء رجل يَستأذِن. قوله: ((يُبِشِّرك بالجنَّةِ)) زاد أبو عثمان في روايته (٣٦٩٣): «فحَمِدَ الله)) وكذا قال في عمر. قوله: ((وقد تَرَكتُ أخي يَتَوضَّأُ ويَلحَقني)) كان لأبي موسى أخَوان: أبو رُهْم وأبو بُرْدة، وقيل: إنَّ له أخاً آخر اسمه محمد، وأشهرُهم أبو بُرْدة واسمه عامر، وقد خَرَّجَ عنه أحمد في «مُسنَده)) حديثاً (١٥٦٠٨). قوله: «فإذا إنسانٌ يُحرِّك الباب)) فيه حُسن الأدب في الاستئذان، قال ابن التِّين: ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول قوله: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُوتَّا غَيِّرَ بُيُوتِِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧]. قلت: وما أبعَدَ ما قال! فقد وَقَعَ في رواية عبد الرحمن بن حَرمَلة: ((فجاء رجل فاستأذَنَ))، وسيأتي في آخر مناقب عمر (٣٦٩٣) من طريق أبي عثمان النَّهدي عن أبي موسى بلفظ: ((فجاء رجل فاسْتَفْتَحَ))، فعُرِفَ أنَّ قوله: (يُرِّك الباب)) إِنَّمَا حَرَّكَه مُستأذِناً لا دافعاً له ليدخُلَ بغير إذنٍ. (١) كذا وقع في أصول ((الفتح))، وهو ذهولٌ من الحافظ رحمه الله أو خطأٌ من النّساخ، فليس في طرق هذا الحديث من يكنى أبا بكر، والصواب: من رواية أبي عثمان، وهو النَّهدي، وستأتي روايته هذه برقم (٣٦٩٥). ٧١ باب ٥ / ح ٣٦٧٤ كتاب فضائل الصحابة قوله: ((فقال: عثمان، فقلت: على رِسْلِك، فجئت إلى النبيِّ ◌َّ﴿ فأخبرته، فقال: ائذَن له)) في رواية أبي عثمان (٣٦٩٥): ثمَّ جاء آخرُ يَستأذِن فسَكَتَ هُنَيَّةً ثمّ قال: ((ائذَنْ له)). قوله: ((وَبَشَّرَك رسول الله وَّهِ بالجنَّةِ على بَلْوى تُصيبك)) في رواية أبي عثمان (٣٦٩٣): ((فحَمِدَ الله ثمَّ قال: الله المستعان))، وفي روايةٍ عند أحمد (١٩٥٠٩): ((فجَعَلَ يقول: اللهمَّ صَبْراً، حتَّى جَلَسَ))، وفي رواية عبد الرحمن بن حَرمَلة: ((فدَخَلَ وهو يَحمَد الله ويقول: اللهمَّ صَبراً». ووَقَعَ في حديث زيد بن أرقَم عند البيهقي في ((الدَّلائل)) (٦/ ٣٩٠) قال: بَعَثَني النبي ◌َّـ فقال: ((انطَلِقْ حتَّى تأتيَ أبا بكر فقُل له: إنَّ النبيَّ نَّه يقرأ عليك السَّلام ويقول لك: أبشِرْ بالجنَّة، ثمَّ انطَلِقٍ إلى عمر كذلك، ثمَّ انطَلِقٍ إلى عثمان كذلك)) وزادَ: ((بعد بلاءٍ شديد)) قال: فانطَلَقَ فذكر أنَّه وَجَدَهم على الصِّفة التي قال له وقال: أين نبيُّ الله؟ قلت: في مكان كذا وكذا، فانطَلَقَ إليه، وقال في عثمان: فأخَذَ بيدي حتَّى أتينا رسولَ الله وَ ﴾ فقال: يا رسول الله، إنَّ زيداً قال لي كذا، والذي بَعَثَك بالحقِّ ما تَغَنَّيت ولا تَمَنَّيت ولا مَسِسْت ذَكَري بيميني مُنذُ بايعتُك، فأيُّ بلاء يُصيبني؟ قال: ((هو ذاكَ))، قال البيهقي: إسناده ضعيف، فإن كان محفوظاً احتمل أن یکون النبيُّ پ﴿ آرسَلَ زيد بن أرقم قبل أن مجيء أبو موسى، فلمَّا جاؤوا كان أبو موسى قد قَعَدَ على الباب فراسَلهم على لسانه بنحو ما أرسَلَ به إليهم زيد بن أرقَم، والله أعلم. قلت: ووقَعَ نحو قصّة أبي موسی لبلالٍ، وذلك فيما أخرجه أبو داود (٥١٨٨) من طريق إسماعيل بن جعفر عن محمد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عن نافع بن عبد الحارث الخُزَاعي قال: دَخَلَ رسول الله وَّهِ حائطاً من حوائط المدينة فقال لبِلالٍ: ((أمسِْ عليَّ الباب)) فجاء أبو بكر يَستأذِن، فذكر نحوه. وأخرجه الطبراني في «الأوسط)» (٣٩٨٨) من حديث أبي سعيد نحوه. وهذا - إن صَحَّ - ◌ُلَ على التعدُّد. ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ فيه وَهْماً من بعض رواته، فقد أخرجه أحمد (١٥٣٧٤) عن يزيد بن هارون عن محمد بن عَمْرو، وفي حديثه: أنَّ نافع بن عبد الحارث هو الذي كان يَستأذِن، ٠٠ ٧٢ باب ٥ / ح ٣٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وهو وهمٌ أيضاً، فقد رواه أحمد (١٥٣٧٥) من طريق موسى بن عُقْبة عن أبي سَلَمة عن نافع، فذَكَره وفيه: ((فجاء أبو بكر فاستأذَنَ فقال لأبي موسى، فيما أعلم: ائذَن له))، وأخرجه النَّسائي (ك٨٠٧٧) من طريق أبي الزناد عن أبي سَلَمة عن [عبد الرحمن بن](١) ٣٨/٧ نافع بن عبد الحارث عن أبي موسى وهو الصواب، فَرَجَعَ الحديث إلى أبي/ موسى واتَّحَدَت القصَّة، والله أعلم. وأشارَ وَيه بالبَلْوى المذكورة إلى ما أصاب عثمان في آخر خلافته من الشَّهادة يومَ الدّار، وقد وَرَدَ عنہ ◌َٹڑ أُصرَحُ من هذا، فروی أحمد (٥٩٥٣) من طريق گُلیب بن وائل عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله ﴿ فتنةً، فمرَّ رجل فقال: ((يُقتَل فيها هذا يومئذٍ ظُلماً)» قال: فنظرت فإذا هو عثمان، إسناده صحيح. قوله: ((فَلَسَ وُجَاهَه)) بضمِّ الواو وبكسرها، أي: مُقابِلَه. قوله: ((قال شَرِيك)) هو موصول بالإسناد الماضي. قوله: ((قال سعيد بن المسيّب: فأوَّلتُها قُبورَهم)) فيه وقوع التأويل في اليَقَظَة وهو الذي يُسَمّى الفِراسة، والمراد: اجتماع الصّاحبينِ مع النبيِّ وَلّهِ في الدَّفن وانفِراد عثمان عنهم في البَقِيع، وليس المراد خُصوص صورة الجلوس الواقعة. وقد وَقَعَ في رواية عبد الرحمن بن حَرمَلة عن سعيد بن المسيّب: ((قال سعيد: فأوَّلت ذلك انتِباذَ قَبرِه من قُبورهم))، وسيأتي في الفتن (٧٠٩٧) بلفظ: ((اجتَمَعت هاهنا وانفَرَدَ عثمان))، ولو ثَبَتَ الخَبَرَ الذي أخرجه أبو نُعَيم عن عائشة في صِفة القُبور الثلاثة: أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، لكان فيه تمام التشبيه، ولكن سنده ضعيف، وعارَضَه ما هو أصحُ منه. وأخرج أبو داود (٣٢٢٠) والحاكم (٣٦٩/١) من طريق القاسم بن محمد قال: قلت لعائشة: يا أُمّاه، اكشِفي لي عن قبر رسول الله وَله وصاحبَيْهِ، فَكَشَفَت لي، الحديثَ، وفيه: فرأيت رسول الله وَله فإذا أبو بكر رأسُه بين كَتِفَيهِ، وعمرُ رأسُه عند رِجَلَي النبيِّ ◌َلّ. (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س). ٧٣ باب ٥ / ح ٣٦٧٥ كتاب فضائل الصحابة الحدیث الثامن عشر: ٣٦٧٥ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا يحيى، عن سعيدٍ، عن قَتَادةَ، أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ. حدَّثهم: أنَّ النبيَّ ◌َِّ صَعِدَ أُحُداً، وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ، فَرَجَفَ بهم، فقال: ((اثْبُتْ أُحدُ، فإِنَّما عليكَ نبيٌّ وصِدِّيقٌ وشهيدانِ)). [طرفاه في: ٣٦٨٦، ٣٦٩٩] قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيد القَطّانُ، وسعيد: هو ابن أبي عَرُوبة. قوله: ((صَعِدَ أُحُدا)) هو الجبل المعروف بالمدينة، ووَقَعَ في رواية لمسلمٍ ولأبي يَعْلى (١) من وجه آخر عن سعيد: ((حِراء)) والأوَّل أصحُ، ولولا اتّحاد المخرَجِ الجَوَّزت تعدُّد القصَّة، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ الاختلاف فيه من سعيد، فإنّ وجدتُه في ((مُسنَد الحارث بن أبي أسامة)) عن رَوْح ابن عُبَادة عن سعيد فقال فيه: ((أُحُداً أو حِراء)) بالشكِّ(٢)، وقد أخرجه أحمد (٢٢٩٣٦) من حديث بُرَيدة بلفظ: ((حِراء)) وإسناده صحيح، وأخرجه أبو يَعْلى (٧٥١٨) من حديث سَهْل بن سعد بلفظ: ((أُحُد)) وإسناده صحيح، فقَوَّى احتمال تعدُّد القصَّة، وتقدَّم في أواخر الوَقْف من حديث عثمان أيضاً نحوه وفيه: حِراء(٣)، وأخرج مسلم (٢٤١٧) من حديث أبي هريرة ما يُؤْيِّد تعدُّد القصَّة، فذكر: أنَّه كان على حِراء ومعه المذكورونَ هنا، وزاد معهم غيرَهم، والله أعلم. قوله: ((وأبو بكر وعمر)) قال ابن التِّين: إنَّما رَفَعَ ((أبو بكر)) عَطفاً على الضَّمير المرفوع الذي في «صَعِدَ)) وهو جائز اتِّفاقاً لِوُجودِ الحائل وهو قوله: ((أُحد)»، وهو بخلاف قوله الآتي في آخر الباب (٣٦٧٧): كنت وأبو بكر وعمر. (١) الذي في ((صحيح مسلم)) (٢٤١٧) من حديث أبي هريرة، وسيأتي الحافظُ على ذكره بعد قليل، وأما أبو یعلی فأخر جه في «مسنده» (٩٦٩) من حدیث سعید بن زید. (٢) وأخرجه من هذه الطريق أبو نعيم في ((الإمامة والرد على الرافضة)) (١٥٣)، ورواية الشك هذه وقعت عند أحمد في ((مسنده)) (١٦٣٨) من طريق عبد الله بن ظالم عن سعيد. (٣) ذكره الحافظ عند الحديث (٢٧٧٨) وعزاه هناك للترمذي، وهو عنده برقم (٣٦٩٩)، وأخرجه أيضاً النسائي (٣٦٠٩) وابن حبان (٦٩١٦)، وإسناده صحيح. ٧٤ باب ٥ / ح ٣٦٧٦ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((اثبُتْ)) وَقَعَ في مناقب عمر (٣٦٨٦): ((فضَرَبَه برجلِه وقال: اثبت)) بلفظ الأمر من الثَّبات، وهو الاستقرار، و(أُحدُ)) مُنادَى ونِداؤه وخطابه يحتمل المجاز، وحَملُه على الحقيقة أولى. وقد تقدَّم شيء منه في قوله: ((أُحدٌ جبل مُحِبُّنَا ونُحِبُّه)) (١٤٨٢)، ويؤيِّدُه ما وَقَعَ في مناقب عمرَ (٣٦٨٦): أنه ضربَه برِجْله وقال: (اثبُتْ))(١). قوله: ((فإنَّما عليك نبيٌّ وصِدّيق وشهيدان)) في رواية يزيد بن زُرَيع عن سعيد الآتية في مناقب عمر (٣٦٨٦): ((فما عليك إلّا نبيٌّ أو صدّيق أو شهيد)) و((أو)) فيها للتنويع، و((شهيد)) للجنسِ. الحديث التاسع عشر: ٣٦٧٦- حذَّثني أحمدُ بنُ سعيدٍ أبو عبدِ الله، حدَّثْنا وَهْبُ بنُ جَرِیر، حدَّثنا صَخْرٌ، عن نافعٍ، أَنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله ◌ِهِ: ((بينما أنا على بئرِ أَنزِعُ منها، جاءني أبو بكرٍ وعمرُ، فَأَخَذَ أبو بكرِ الدَّلْوَ فَزَعَ ذَنوباً أو ذَنوبينٍ، وفي نَزِعِهِ ضَعْفٌ، والله يَغْفِرُ له، ثُمَّ أَخَذَها ابنُ الخطَّب من يدِ أبي بكرٍ، فاستَحالَت في يَدِهِ غَرْباً، فلم أرَ عَبِقَرِيّاً مِن الناسِ يَفْري فَرِيَّه، فَتَزَعَ حتَّى ضَرَبَ الناسُ بعَطَنٍ)). قال وَهبٌّ: العَطَنُ: مَبَرَكُ الإبلِ، يقول: حتَّى رَوِيَتِ الإبلُ فأناخَت. قوله: ((حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد أبو عبد الله)) هو الرِّباطي، واسم جَدِّه إبراهيم، وأمَّا السَّرَخْسي فگنیته أبو جعفر، واسم جَدِّه صخر. قوله: ((حدَّثنا صخر)) هو ابن جُوَيِرِية. قوله: ((بَيْنا أنا على بئر)) أي: في المنام كما تقدَّم التصريح به في هذا الباب (٣٦٦٤) من حديث أبي هريرة: ((بَيْنا أنا نائم))، وسَبَقَ من وجه آخر عن ابن عمر قبلَ مناقب الصحابة ببابٍ (٣٦٣٣): ((رأيت الناس مُجْتَمَعين في صَعيدٍ واحدٍ))، ويأتي في مناقب عمر (٣٦٨٢) بلفظ: ((أُرِيتُ في المنام)). (١) من قوله: ((ويؤيِّده)) إلى هنا لم يرد في (س). ٧٥ باب ٥ / ح ٣٦٧٦ كتاب فضائل الصحابة قوله: ((أنزع منها)) أي: أملأ الماء بالدَّلوِ. قوله: ((فَزَعَ ذَنوباً أو ذَنوبينٍ)) بفتح المعجَمة وبالنّونِ وآخرُه موحّدة: الدَّلْو الكبيرة إذا كان فيها الماء، واتَّفَقَ مَن شَرَحَ هذا الحديث على أنَّ ذِكْر الذَّنوب إشارة إلى مُدَّة/ خلافته، ٣٩/٧ وفيه نظرٌ لأنَّه وَلِيَ سنتَينِ وبعضَ سنة، فلو كان ذلك المراد لقال: ذَنوبَينِ أو ثلاثة، والذي يَظهَر لي أنَّ ذلك إشارة إلى ما فُتِحَ في زمانه من الفُتوح الكبار وهي ثلاثة، ولذلك لم يَتعرَّضْ في ذِكْر عمر إلى عدد ما نَزَعَه من الدِّلاء، وإنَّما وَصَفَ نَزْعَه بالعَظَمة إشارةً إلى كَثْرة ما وَقَعَ في خلافته من الفُتوحات، والله أعلم. وقد ذكر الشّافعي تفسير هذا الحديث في ((الأُمّ)) (١٨٩/١) فقال بعد أن ساقَه: ومعنى قوله: ((وفي نَزْعه ضَعْف))، قِصَرُ مُلَّتِهِ وعَجَلةُ موتِه وشَغْلُه بالحربِ لأهلِ الرِّدَّة عن الافتِتاح والازدياد الذي بَلَغَه عمر في طول مُدَّته. انتهى، فجَمَعَ في كلامه ما تَفَّقَ في كلام غيره، ويُؤيِّد ذلك ما وَقَعَ في حديث ابن مسعود في نحو هذه القصَّة فقال: قال النبي ◌َّ: «فاعبُرْها يا أبا بكر)) فقال: إليَّ الأمرُ من بعدك، ثمَّ يَلِيه عمرُ، قال: ((كذلك عَبَّرَها الملَك)) أخرجه الطَّبراني(١)، لكن في إسناده أيوب بن جابر، وهو ضعيف. قوله: ((وفي نَزْعه ضَعفٌ)) أي: أنَّه على مَھَلٍ ورِفْق. قوله: ((واللهُ يَغْفِرُ له)) قال النَّوَوي: هذا دعاءٌ من المتكلِّم، أي: أنَّه لا مفهوم له. وقال غيرُه: فيه إشارة إلى قُرب وفاة أبي بكر، وهو نَظِير قوله تعالى لنبيِّه عليه السلام: ﴿فَسَيِّحْ بَحَمْدٍ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]، فإنَّها إشارة إلى قُرب وفاة النبيِّ ◌َّهُ. قلت: ويحتمل أن يكون فيه إشارةٌ إلى أنَّ قِلَّة الفُتوح في زمانه لا صُنعَ له فيه، لأنَّ سببَه قِصَرُ مُلَّته، فمعنى المغفِرة له: رفعُ المَلامة عنه. (١) هو عنده في ((الكبير)) برقم (١٠٢٤٣)، دون قصَّة الملَك، ولا ذكرها الهيثمي في ((المجمع)) ٧١/٩، وهذا الحديث سيأتي على ذكره الحافظ عند ((باب نَزْع الماء من البئر حتى يَرْوى الناس)) عند الحديث (٧٠١٩)، وقد عزاه هناك لأبي ذرّ الهروي في كتاب ((الرؤيا))، ولم يعزه للطبراني، وقال: وفي سنده أيوب بن جابر وهو ضعيف، وهذه الزيادة منكرة. : ٧٦ باب ٥ / ح ٣٦٧٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فاستَحالَت في يَدِهِ غَرْباً)) بفتح المعجَمة وسكون الراء بعدها موحّدة، أي: دَلواً عظيمة. قوله: ((فلم أرَ عَبقَريّا)) بفتح المهمَلة، وسكون الموحّدة بعدها قاف مفتوحة، وراء مكسورة وتحتانية ثقيلة، والمراد به: كلُّ شيءٍ بَلَغَ النّهاية، وأصلُه: أرضٌ يَسكُنها الجِنّ ضَرَبَ بها العرب المثَلَ في كلّ شيء عظيم، قيل: قرية يُعمَل فيها الثّياب البالغة في الحُسْن، وسيأتي بقية ما فيه في مناقب عمر (٣٦٨٢). قوله: ((يَفْري)) بفتح أوَّله وسكون الفاء وكسر الراء وسكون التحتانية، وقوله: ((فَرِيَّه)) بفتح الفاء وكسر الراء وتشديد التحتانية المفتوحة، ورُويَ بسكون الراء وخَطَّأه الخليل، ومعناه: يعمل عملَه البالغَ، ووَقَعَ في حديث أبي هريرة (٣٦٦٤): ((يَنزِع نزعَ عمرَ)). قوله: ((حتَّى ضَرَبَ الناسُ بعَطَنٍ)) بفتح المهمَلتَينِ وآخره نون: هو مُناخ الإبل إذا شَرِبَت ثُمَّ صَدَرَت، وسيأتي في مناقب عمرَ (٣٦٨٢) بلفظ: ((حتَّى رَوِيَ الناس وضَرَبوا بعَطَنِ»، ووَقَعَ في حديث أبي الطَّفَيل بإسنادٍ حَسَن عند البزَّار والطبرانيِّ(١) أنَّ رسول الله وَ لِّ قال: (بَيْنا أنا أنزِعُ اللَّيلةَ إذ وَرَدَت عليَّ غنم سُودٌ وعُفْرٌ، فجاء أبو بكر فَتَزَعَ)) فذكره، وقال في عمرَ: ((فمَلَأَ الحياضَ وأَروى الواردةَ)) وقال فيه: «فأَوَّلتُ السُّودَ: العربَ، والعُفْرَ: العَجَم)). قوله: ((قال وَهْب)) هو ابن جَرِير شيخُ شيخِه في هذا الحديث، وكلامه هذا موصول بالسَّنَد المذكور، وقوله: ((يقول: حتَّى رَوِيَت الإبل فأناخَت)) هو مَقُول وَهْب المذكور، وسيأتي شيء من مباحثه في كتاب التعبير (٧٠١٩) إن شاء الله تعالى. قال البَيْضاوي: أشارَ بالبئرِ إلى الدِّين الذي هو منيع ماؤه حياة النُّفوس وتمام أمر المعاش والمعاد، والنَّزع منه إخراج الماء، وفيه إشارة إلى إشاعة أمره وإجراء أحكامه. (١) البزار في ((مسنده)) برقم (٢٧٨٥) مختصراً، ولم نقف عليه في المطبوع من معاجم الطبراني، وأخرجه أحمد (٢٣٨٠١)، وأبو يعلى (٩٠٤)، وانظر تتمة تخريجه في ((مسند أحمد))، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٥/ ١٨٠ وعزاه لأحمد، و٩/ ٧١ وعزاه للطبراني وقال: إسناده حسن. ٧٧ باب ٥ / ح ٣٦٧٧ كتاب فضائل الصحابة وقوله: ((يَغْفِر الله له)) إشارة إلى أنَّ ضعفَه المرادُ به: الرِّفقُ، غيرُ قادِح فيه، أو المراد بالضَّعفِ: ما وَقَعَ في أيامه من أمر الرِّدَّة واختلاف الكلمة إلى أن اجتَمَع ذلك في آخر أيامه وتَكَمَّلَ في زمان عمر، وإليه الإشارة بالقوّة. وقد وَقَعَ عند أحمد (٢٠٢٤٢) من حديث سَمُرة، أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، رأيت كأنَّ دَلواً من السماء دُلِّيَت، فجاء أبو بكر فشَرِبَ شُرباً ضعيفاً، ثمَّ جاء عمر فشَرِبَ حتَّى تَضَلَّعَ ... الحديث، ففي هذا إشارة إلى بيان المراد بالنَّزع الضَّعيف والنَّزع القويِّ، والله أعلم. الحديث العشرون: ٣٦٧٧- حدَّثني الوليدُ بنُ صالح، حدَّثنا عيسى بنُ يونُسَ، حدَّثنا عمرُ بنُ سعيدِ بنِ أبي الحسينِ المكّيُّ، عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: قال: إنَّ لَواقفٌ في قومِ، فَدَعَوا اللهَ لِعِمرَ بنِ الخطّاب وقد وُضِعَ على سَريرِهِ، إذا رجلٌ من خَلْفي قد وَضَعَ مِرِفَقَه على مَنكِيي يقول: رَحِمَكَ الله، إن كنتُ لَأرجو أن يَجِعَلَكَ اللهُ مع صاحبَيكَ، لأنّي كَثيراً ما كنتُ أسمَعُ رسولَ الله ◌َِِّ يقول: ((كنتُ وأبو بكرٍ وعمرُ، وفَعَلتُ وأبو بكرٍ وعمرُ، وانطَلَقتُ وأبو بكرٍ وعمُ)) فإن كنتُ لَأرجو أن يَجِعَلَكَ اللهُ معهما. فالْتَفَتُّ، فإذا هو عليّ بنُ أبي طالبٍ. [طرفه في: ٣٦٨٥] قوله: ((حدَّنا الوليد بن صالح)) هو أبو محمد الضَّبِّي الجَزَري النَّخّاس، بالنّونِ والخاء المعجَمة، وثَّقه أبو حاتم وغيره، ولم يَكتُب عنه أحمد؛ لأنَّه كان من أصحاب الرَّأي فرآه يُصلِّ فلم تُعجِبه صلاتُه، وليس له في البخاري إلّا هذا/ الحديث الواحد، وسيأتي من وجه ٤٠/٧ آخر في مناقب عمر (٣٦٨٥) عن ابن أبي حُسَين، فظَهَرَ أنَّ البخاري لم يَحَتَجَّ به. قوله: ((كنتُ وأبو بكر وعمر)) قال ابن التِّين: الأحسن عند النُّحاة أن لا يُعطَف على الضَّمير المرفوع إلّا بعد تأكيده، حتَّى قال بعضُهم: إنَّه قبيح، لكن يَرِدُ عليهم قوله تعالى: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وأُجيبَ بأنَّه قد وَقَعَ الحائلُ وهو قوله: ((لا))، وتُعقّبَ بأنَّ العطف قد حَصَلَ قبل ((لا))، قال: ومَرِدُ علیهم أيضاً هذا الحدیث، انتهى. ٧٨ باب ٥ / ح ٣٦٧٨ فتح الباري بشرح البخاري والتعقيب مردودٌ، فإنَّه وُجِدَ فاصل في الجملة، وأمَّا هذا الحديث فلم تَتَّفِقِ الرُّواة على لفظه، وسيأتي في مناقب عمر (٣٦٨٥) من وجه آخر بلفظ: ((ذهبتُ أنا وأبو بكر وعمر)) فَعَطَفَ مع التأكيد مع اتّحاد المخرَجِ، فدَلَّ على أنَّه من تَصَرُّف الرُّواة، وسيأتي شرح هذا الحديث قريباً في مناقب عمر إن شاءً تعالى. الحديث الحادي والعشرون: ٣٦٧٨- حدَّثني محمَّدُ بنُ يزيدَ الكوفيُّ، حدَّثنا الوليدُ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بنِ أبي كَثيرٍ، عن محمَّدٍ بنِ إبراهيمَ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيِ، قال: سألتُ عبد الله بنَ عَمرِو عن أشَدِّ ما صَنَعَ المشرِكونَ برسولِ اللهِوَ ﴿؟ قال: رأيتُ عُقبةَ بنَ أبي مُعَبطٍ جاء إلى النبيِّ ◌َّم وهو يُصلِّي، فَوَضَعَ رِداءً في عُنُقِهِ، فخَنَقَه به خَنقاً شديداً، فجاء أبو بكرٍ حتَّى دَفَعَه عنه، فقال: أَتقتلونَ رجلاً أن يقولَ ربِّ الله وقد جاءَّكم بالبيِّنَاتِ مِنْ ربّكم. [طرفاه في: ٣٨٥٦، ٤٨١٥] قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن يزيدَ الكوفيُّ) قيل: هو أبو هشام الرِّفاعي وهو مشهور بكُنْیتِه، وقال الحاكم والكَلاباذي: هو غيرُه، ووَقَعَ في رواية ابن السَّكَّن عن الفِرَبري ((محمد بن كثير)) وهو وَهْمٌ نَبََّ عليه أبو عليٍّ الجَيّاني، لأنَّ محمد بن كثير لا تُعرَف له رواية عن الوليد، والوليد: هو ابن مسلم، وسيأتي الحديث في ((باب ما لَقي النبي ◌َّ وأصحابه من المشركين بمكّة)) (٣٨٥٦) من وجه آخر عن الوليد، وفيه تصريحه وتصريح الأوزاعيِّ بالتحديث، ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى. فائدة: ماتَ أبو بكر ظه بمرضِ السُّلِّ على ما قاله الزُّبَير بن بكّار، وعن الواقدي: أنَّه اغتَسَلَ في يوم بارد فحُمَّ خمسةَ عشرَ يوماً، وقيل: بل سَمَّته اليهودُ في خَزِيرةٍ أو غيرِها (١)، وذلك على الصحيح لِثمانٍ يَقِينَ من ◌ُمادَى الآخِرة سنة ثلاثَ عشرةَ من الهجرة، فكانت مُدَّة خلافته (١) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ١٩٨/٣ من مرسل الزهري. والخزيرة: طعام يُتَّخذ من لحم يقطَّع صغاراً ثم يطبخ ويجعل علیه دقیق. ٧٩ باب ٦ / ح ٣٦٧٩ كتاب فضائل الصحابة سنتَينِ وثلاثةَ أشهرٍ وأياماً، وقيل غير ذلك، ولم يختلفوا أنَّه استَكمَلَ سِنَّ النبيِّيوَّهِ، فماتَ وهو ابن ثلاث وستين، والله أعلم. ٦ - باب مناقب عمر بن الخطّاب أبي حفصِ القرشيِّ العَدَويِّ ٣٦٧٩- حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنهالٍ، حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ الماجِشُونِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ المنكَدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((رأيتُنِي دَخَلتُ الجنَّةَ، فإذا أنا بالرُّمَيصاءِ - امرأةٍ أبي طلحةَ - وسمعتُ خَشَفةً، فقلتُ: مَن هذا؟ فقال: هذا بلالٌ، ورأيتُ قَصْراً بفِنائه جاريةٌ، فقلتُ: لمَنْ هذا؟ فقال: لِعِمرَ، فأردتُ أن أدخُلَه فأنظُرَ إليه، فذكرتُ غَيْرَتَكَ)) فقال عمرُ: بأَبِي وَأُمِّي يا رسولَ الله، أعليكَ أَغارُ؟! [طرفاه في: ٥٢٢٦، ٧٠٢٤] قوله: ((باب مناقب عمرَ بن الخطّاب)) أي: ابن نُفَيل - بنونٍ وفاء مُصغَّر - بن عبد العُزّى ٤٤/٧ ابن رِیاح - بكسر الراء بعدها تحتانية وآخره مُهمَلة - بن عبد الله بن قُرْط بن رَزَاح - بفتح الراء بعدها زاي وآخره مُهمَلة - بن عَديٍّ بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب، يجتمع مع النبيِّ ◌َله في كعب، وعددُ ما بينهما من الآباء إلى كعب مُتَفاوت بواحدٍ، بخلاف أبي بكر فبيّن النبيِّ وَّ وكعبٍ سبعةٌ آباء، وبين عمر وبين كعب ثمانية، وأُمّ عمر حَنتَمة بنت هاشم بن المغيرة ابنة عَمِّ أبي جهل والحارثِ ابنَي هشام بن المغيرة، ووَفَعَ عند ابن مَندَهْ: أنَّها بنت هشام أُخت أبي جهل، وهو تصحيف نَبَّهَ عليه ابن عبد البَرِّ وغيرُه. قوله: ((أبي حفص القُرَشي العَدَوي) أمَّا كُنْيته فجاء في ((السِّيرة)) لابن إسحاق: أنَّ النبيَّ ◌َله كَّاه بها، وكانت حفصة أكبرَ أولاده، وأمَّا لَقَبه فهو الفاروق باتِّفاقٍ، فقيل: أوَّل مَن لَقَّبَه به النبيُّ وَّةِ، رواه أبو جعفر بن أبي شَيْبة في ((تاريخه)) من طريق ابن عبّاس عن عمر، ورواه ابن سعد (٢٧٠/٣-٢٧١) من حديث عائشة، وقيل: أهل الكتاب، أخرجه ابن سعد (٣/ ٢٧٠) عن الزُّهْري، وقيل: جِبْرِيل، رواه البَغَوي. ثم ذكر المصنِّفُ في هذه التَّرجمة ستةَ عشر حديثاً. ٨٠ باب ٦ / ح ٣٦٧٩ فتح الباري بشرح البخاري الحدیث الأوّل: حدیثُ جابر. قوله: ((حدَّثنا عبد العزيز بن الماحِشُونِ)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ لفظ: ((ابن)) من رواية غيره، وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة المدني، والماجِشُون لَقَب جَدِّه وتَلقَّبَ به أولادُه. قوله: ((حدَّثْنا محمّد بن المنكَدِر)) هكذا رواه الأكثر عن ابن الماجِشُونِ، ورواه صالح بن مالك عنه عن مُميدٍ عن أنس، أخرجه البَغَوي في ((فوائده))، فلعلَّ لعبدِ العزيز فيه شيخَينِ، ويُؤيِّده اقتِصاره في حديث حُميدٍ على قصَّة القَصْر فقط، وقد أخرجه التِّرمِذي (٣٦٨٨) والنَّسائي (٨٠٧١) وابن حِبّان (٦٨٨٧) من وجه آخر عن حُميدٍ كذلك. قوله: ((رأيتُنِي دَخَلتُ الجنَّة، فإذا أنا بالرُّمَيصاءِ امرأةٍ أبي طلحة)) هي أمّ سُلَيم، والرُّمَيصاءُ - بالتصغير -: صِفة لها لرَمَصٍ كان بعينها، واسمها سَهْلة، وقيل: رُمَیلة، وقيل غير ذلك، وقيل: هو اسمها، ويقال فيه بالغَين المعجمة بَدَل الراء، وقيل: هو اسم أُختها أمّ حَرام، وقال أبو داود (١): هو اسم أُخت أمّ سُلَيم من الرَّضاعة، وجَوَّزَ ابن التِّين أن يكون المراد امرأةً أُخرى لأبي طلحة. وقوله: ((رأيتُني) بضمِّ المثنّة والضَّمير من المتكلِّم، وهو من خصائص أفعال القلوب. قوله: ((وسمعت خَشَفَة)) بفتح المعجَمتَينِ والفاء، أي: حركة، وزناً ومَعنّى، ووَقَعَ لأحمد (١٥٠٠٢): ((سمعت خَشَفاً)، يعني: صوتاً، قال أبو عبيد: الخَشَفة: الصوت ليس بالشَّديد، قيل: وأصله صوت دَبيب الحيَّة، ومعنى الحديث هنا: ما يُسمَع من حِسِّ وَقْعِ القَدَم. قوله: ((فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال)) وهذا قد تقدَّم في صلاة اللَّيل (١١٤٩) من حديث أبي هريرة مُطوَّلاً، وتقدَّم من شرحه هناكَ ما يتعلَّق به، وتقدَّم بعض الكلام عليه في صِفة الجنَّة حيثُ أوردَه هناكَ من حديث أبي هريرة (٣٢٤٢). قوله: ((ورأيت قصراً بفِنائه جارية)» في حديث أبي هريرة الذي بعده: ((تتوضَّأ إلى جانب قَصْرٍ))، وفي حديث أنس عند التِّرمِذي (٣٦٨٨): ((بقَصْرِ من ذَهبٍ))، والفِناء - بكسر الفاء وتخفيف النُّون مع المدّـ: جانب الدّار. (١) تحت الحديث (٢٤٩٢) من ((سننه).