النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
باب ٥ ٪ ح ٣٦٦١
كتاب فضائل الصحابة
إعراضك إلّا لشيءٍ بَلَغَك عنِّي، فما خيرُ حياتي وأنتَ مُعرِضٌ عنِّي؟ فقال: ((أنتَ الذي
اعتَذَرَ إليك أبو بكر فلم تَقبَلْ منه))، ووَقَعَ في حديث ابن عمر عند الطبراني (١٣٣٨٣) في
نحو هذه القصَّة: ((يسألك أخوك أن تَستَغفِر له فلا تَفْعَل!» فقال: والذي بَعَثَك بالحقِّ ما
من مرَّة يسألني إلّا وأنا أستَغْفِرُ له، وما خَلَقَ الله من أحد أحَبَّ إليَّ منه بعدك، فقال أبو
بكر: وأنا والذي بَعَثَك بالحقِّ كذلك.
قوله: ((حتَّى أشفَقَ أبو بكر)) زاد محمد بن المبارك: أن يكون من رسول الله عليه إلى عمر
ما يكره.
قوله: ((فجَثَا)) بالجيم والمثلَّثة، أي: بَرَك.
قوله: ((والله أنا كنت أظلَمَ)) أي: من عُمرَ (١) في القصَّة المذكورة، وإنَّما قال ذلك لأنَّه الذي
بَدَأ كما تقدَّم في أوَّل القصَّة.
قوله: ((مرَّتَينٍ)) أي: قال ذلك القولَ مَرَّتَينٍ، ويحتمل أنَّه من قول أبي بكر، فيكون مُعلَّقاً
بقوله: كنت أظلمَ.
قوله: ((وواساني)) في رواية الكُشْمِيهني وحده: ((وأَوْساني))(٢) والأوَّل أوجَهُ، وهو من
المواساة، وهي بلفظ المفاعَلَة من الجانبَينِ، والمراد به أنَّ صاحب المال يَجَعَل يدَه ويدَ صاحبه
في ماله سواءً.
قوله: ((تاركُو لي صاحبي)) في التفسير: ((تاركونَ(٣) لي صاحبي)) وهي الموجَّهَة حتَّى قال
أبو البَقَاء: إنَّ حذف النُّون من خطأ الرُّواة، لأنَّ الكلمة/ ليست مُضافَة ولا فيها ألف ٢٦/٧
ولام، وإنَّما يجوز الحذف في هذَينِ الموضعَينِ، وَوَجَّهَها غيره بوجهَينِ:
(١) قوله: ((أي: من عمر)) سقط من (س).
(٢) كذا في (أ) على الصواب كما في النسخة اليونينيّة، ووقع في (ع): ((وآساني)) بمدّ الهمزة، وفي (س):
((واساني)) بلا مدٍّ، وكلاهما تحريف.
(٣) في التفسير برقم (٤٦٤٠)، وهي رواية أبي ذر الهروي، وأما رواية الباقين فبحذف النون.

٤٢
باب ٥ / ح ٣٦٦١
فتح الباري بشرح البخاري
أحدهما: أن يكون ((صاحبي)) مُضافاً وفُصِلَ بين المضاف إليه بالجارِّ والمجرور عِنايةً
بتقديم لفظ الإضافة، وفي ذلك جمعٌ بين إضافتَينِ إلى نفسه تعظيماً للصِّدِّيقِ، ونَظِيره قراءة
ابن عامر: ((وكذلكَ زُيِّنَ لكثيرٍ من المشركينَ قَتْلُ أولادَهُمْ شُرَكائِهِم)) [الأنعام: ١٣٧] بنَصْب
((أولادَهم)) وخَفْض ((شُرَكائهم)) وفَصْلٍ بين المتضايفَينِ(١) بالمفعول.
والثاني: أن يكون استَطالَ الكلمةَ(٢) فحَذَفَ النُّون كما يُحذَف من الموصول المطوّل، ومنه ما
ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمٌ كَأَلَّذِى خَاضُواْ ﴾ [التوبة:٦٩].
قوله: ((مرَّتَينِ)) أي: قال ذلك القول مرَّتَينٍ، وفي رواية محمد بن المبارك: ثلاث مرّات.
قوله: ((فما أُوذيَ بعدَها)) أي: لمَا أظهَرَه النبيُّ ◌َّه لهم من تعظيمه، ولم أرَ هذه الزّيادة
من غير رواية هشام بن عمَّار، ووَقَعَ لأبي بكر مع ربيعة بن جعفر قصَّةٌ نحو هذه، فأخرج
أحمد (١٦٥٧٧) من حديث ربيعة: أنَّ النبيَّ وَّهر أعطاه أرضاً وأعطى أبا بكر أرضاً، قال:
فاختلفا في عَذْق نخلة، فقلت أنا: هي في حدِّي، وقال أبو بكر: هي في حَدِّي، فكان بينهما
كلام، فقال له أبو بكر كلمةً ثمَّ نَدِمَ فقال: رُدَّ عليَّ مثلَها حتّى یکون قِصاصاً، فأُبَيتُ، فأتى
النبيَّ وَّهِ فقال: ((ما لك وللصِّدّيق؟)) فذكر القصَّة، فقال: ((أجَلْ، فلا تَرُدَّ عليه، ولكن
قُل: غَفَرَ الله لك يا أبا بكر)) فقلتُ، فَوَلَّى أبو بكر وهو يبكي(٣).
وفي الحديث من الفوائد: فضلُ أبي بكر على جميع الصحابة، وأنَّ الفاضل لا ينبغي له أن
يُغاضِب مَن هو أفضلُ منه، وفيه جواز مَدْح المرء في وجهه، ومحلُّه إذا أُمِنَ عليه الافتَانُ والاغترار.
وفيه ما طُبعَ عليه الإنسان من البشرية حتَّى يَحمِلَه الغضبُ على ارتكاب خلاف الأَولى،
لكن الفاضل في الدِّين يُسرِع الرُّجوع إلى الأَولى كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ
طَبْفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
(١) في (س): المضافين، وهو خطأ.
(٢) أي: كلمة ((تاركو))، وفي (س): استطال الكلام! وهو خطأ.
(٣) في إسناده المبارك بن فَضَالة يدلِّس ويسوِّي - وهو شر أنواع التدليس - وقد عنعن هنا، فضلاً عن انقطاعه
بين أبي عمران الجَوْني وربيعة بن جعفر راوي هذا الحديث، وانظر تفصيل القول فيه في ((المسند)).

٤٣
باب ٥ / ح ٣٦٦٢
كتاب فضائل الصحابة .
وفيه أنَّ غير النبيِّ ولو بَلَغَ من الفضل الغاية ليس بمَعصوم. وفيه استحباب سؤال
الاستغفار والتخَلُّل من المظلوم، وفيه أنَّ مَن غَضِبَ على صاحبه نَسَبَه إلى أبيه أو جَدِّه ولم يُسمِّه
باسمِهِ، وذلك من قول أبي بكر لمَّا جاء وهو غَضبانُ من عمر: ((كان بيني وبين ابن الخطَّب)»
فلم يَذْكُرُه باسمِهِ، ونَظِيرُه قوله ◌َّ: ((إلّا إن كان ابن أبي طالب يريد أن يَنكِحَ ابنتَهم))(١)،
وفيه أنَّ الرُّكبة ليست عَوْرةً.
الحديث السابع:
٣٦٦٢- حدَّثنا مُعلَّى بنُ أَسَدٍ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، قال: خالدٌ الحَذَّاءُ حدَّثنا عن
أبي عثمان، قال: حدَّثَنِي عَمْرو بنُ العاصِ : أنَّ النبيَّ ◌َّهِ بَعَثَه على جيشِ ذاتِ السَّلامِلِ،
فأتيتُه فقلتُ: أيُّ الناسِ أحَبُّ إليكَ؟ قال: ((عائشةُ)) فقلتُ: مِن الرِّجال؟ فقال: ((أبوها)) قلتُ:
ثمَّ مَن؟ قال: ((ثمَّ عمرُ بنُ الخطّاب)) فعَدَّ رجالاً.
[طرفه في: ٤٣٥٨]
قوله: ((خالد الحَذَّاء حدَّثنا)» هو من تقديم الاسم على الصِّفة، وقد استعملوه كثيراً،
والإسناد كلُّه بصريُّون إلّ الصحابي، وأبو عثمان: هو النَّهْدي.
قوله: ((بَعَثَه على جيش ذات السَّلاسِل)) بالمهمَلتَين، والمشهور أنَّها بفتح الأُولى على لفظ
جمع السِّلسِلة، وضَبَطَه كذلك أبو عُبيد البَكْري، قيل: سُمّي المكان بذلك لأنَّه كان به رَمْلٌ
بعضُه على بعض كالسِّلسِلة، وضَبَطَها ابن الأثير بالضَّمِّ، وقال: هو بمعنى السِّلسال، أي:
السَّهل. وسيأتي شرحها وتسميتها في المغازي (٤٣٥٨) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((أيُّ الناس أحَبُّ إليك؟)) زاد في رواية قيس بن أبي حازم عن عَمْرو بن العاص:
((يا رسول الله فأحبّه)) أخرجه ابن عساكر (٢) من طريق عليّ بن مُسهِر عن إسماعيل عن
قيس، وَقَعَ عند ابن سعد (٢/ ١٣١) سبب هذا السُّؤال، وأنَّه وَقَعَ في نفس عَمْرو لمَّا أمَّرَه
النبيُّ وَِّ على الجيش وفيهم أبو بكر وعمر أنَّه مُقدَّم عنده في المنزلة عليهم، فسألَه لذلك.
(١) سيأتي برقم (٥٢٣٠).
(٢) هو عنده في ((تاريخ دمشق)) ١٣٥/٣٠ من هذا الطريق، وليس فيه الزيادة المذكورة.

٤٤
باب ٥ / ح ٣٦٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فقلت: مِن الرِّجال؟)) في رواية قيس بن أبي حازم عن عَمْرو عند ابن خُزَيمةَ(١)
وابن حِبّان (٧١٠٦): ((قلت: إنّ لست أعني النِّساءَ، إنّ أعني الرِّجال))، وفي حديث أنس
عند ابن حِبّان (٧١٠٧) أيضاً: ((سُئِلَ رسول الله وَّهِ: مَن أَحَبُّ الناس إليك؟ قال: ((عائشة))
قیل له: ليس عن أهلك نسألك. وعُرِفَ بحدیثِ عَمٍو اسم السائل في حديث أنس.
قوله: ((فقلت: ثمَّ مَن؟ قال: ثمَّ عمر بن الخطّب، فعَدَّ رجالاً)) زاد في المغازي (٤٣٥٨)
من وجهٍ آخرَ: ((فسَكَتُّ مخافةَ أن يَجَعَلَني في آخرهم))، ووَقَعَ في حديث عبد الله بن شَقِيق
٢٧/٧ قال: ((قلت لعائشة: أيُّ أصحاب النبي وَلهوكان أحَبَّ إليه؟ قالت: أبو بكر، قلت:/ ثمَّ
مَن؟ قالت: عمر، قلت: ثمَّ مَن؟ قالت: أبو عبيدة بن الجرّاح، قلت: ثمَّ مَن؟ فسَكَتَت))
أخرجه الترمذي (٣٦٥٧) وصحَّحه، فيُمكِن أن يُفَسَّر بعض الرِّجال الذي أُبهموا في حديث
الباب بأبي عُبيدة.
وأخرج أحمد (١٨٤٢١) وأبو داود (٤٩٩٩) والنَّسائي (ك٨٤٤١و٩١١٠) بسندٍ
صحيح عن الُّعمان بن بشير قال: استأذَنَ أبو بكر على النبي ◌َِّ، فسمعَ صوت عائشة
عالياً وهي تقول: والله لقد علمتُ أنَّ عليّاً أحَبُّ إليك من أبي ... الحديثَ، فيكون عليٍّ عَمَّن
أبهمه عمرو بن العاص، وهو أيضاً - وإن كان في الظاهر یعارض حديث عَمْرو - لكن
يُرجَّح حديث عَمْرو أنَّه من قول النبي ◌َّێ، وهذا من تقريره، ويُمكِن الجمع باختلاف
جِهَة المحبَّة: فيكون في حَقّ أبي بكر على عُمومه بخلاف عليٍّ، ويَصِحُّ حينئذٍ دخوله فيمَن
أبَهَمَه عَمْرو، ومَعَاذَ الله أن نقول كما تقول الرافضة من إبهام عَمْرٍو فيما روى لمَا كان بينه
وبين عليٍّ رضي الله عنهما، فقد كان النُّعمان مع معاوية على عليٍّ ولم يَمنَعْه ذلك من
التحديث بمَنقَبة عليٍّ، ولا ارتيابَ في أنَّ عَمراً أفضلُ من التُّعمان، والله أعلم.
الحديث الثامن: حديث أبي هريرة في قصَّة الذِّئب الذي كَلَّمَ الراعي، وفي قصَّة البقرة
التي كَلَّمَت مَن ◌َّلَها.
(١) ليس في القسم المطبوع من ((صحيحه))، وابن حبان إنما ساقه من طريقه.

٤٥
باب ٥ / ح ٣٦٦٣
كتاب فضائل الصحابة .
٣٦٦٣- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بنُ
عبدِ الرحمنِ بنِ عَوفٍ، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: سمعتُ رسولَ الله وَّه يقول: ((بينما راعٍ فِي غَنَمِه
عَدَا عليه الذِّئبُ، فأخَذَ منها شاةً فطَلَبَه الرّاعي، فالْتَفَتَ إليه الذُّبُ، فقال: مَن لها يومَ السَّبُعِ؟
يومَ ليس لها راعٍ غيري، وبَيْنا رجلٌ يَسُوقُ بقرةً قد ◌َلَ عليها، فالْتَفَتَت إليه فكَلَّمَته، فقالت:
إِّي لم أُخَلَقْ لهذا، ولكنّي خُلِقِتُ للحَرثِ)) فقال الناسُ: سبحانَ الله! قال النبيُّ ◌َّ: ((فإنّ أُومِنُ
بذلك وأبو بكرٍ وعمرُ بنُ الخطَّب)) رضي الله عنهما.
وقد تقدّم الكلام على ما في إسناده في ذِكْر بني إسرائيل(١).
قوله: ((بينما راعٍ في غَنَمِهِ عَدَا عليه الذُّئب)) الحديثَ، لم أقِفْ على اسم هذا الراعي، وقد
أورَدَ المصنّف الحديث في ذِكْر بني إسرائيل (٣٤٧١)، وهو مُشعِر بأنَّه عنده ممَّن كان قبل
الإسلام، وقد وَقَعَ كلامُ الذُّئب لبعض الصحابة في نحو هذه القصَّة، فروى أبو نُعَيم في
((الدَّلائل))(٢) من طريق ربيعة بن أوس عن أُنيس بن عَمْرو عن أُهْبَانَ بن أَوسٍ، قال: كنت
في غنم لي، فشَدَّ الذِّئب على شاة منها، فصِحتُ عليه فأَقعَى الذِّئب على ذَنَبه يُخاطِيني وقال:
مَن لها يوم تَشتَغِلُ عنها؟ تَمَنَعُني رِزقاً رَزَقَنيه الله تعالى، فصَفَّقتُ بيدي وقلت: والله ما رأيت
شيئاً أعجَبَ من هذا، فقال: أعجَبُ من هذا، هذا رسول الله وَلَه بين هذه النَّخَلات يَدعُو
إلى الله، قال: فأتى أُهبانُ إلى النبي ◌َّهِ فأخبَرَه وأسلَمَ. فيحتمل أن يكون أُهبان لمَّا أخبر
النبيَّ وَ ﴿ بذلك كان أبو بكر وعمر حاضرَينٍ، ثمَّ أخبر النبيِ وَِّ النّاسَ(٣) بذلك وأبو بكر
وعمر غائبَينٍ، فلذلك قال النبي وَله: (فإنّ أُومِن بذلك وأبو بكر وعمر))، وقد تقدَّمت هذه
الزّيادة في هذه القصَّة من وجه آخر عن أبي سَلَمة في المزارَعة (٢٣٢٤) وفيه: ((قال أبو
(١) أي: في ((باب ما ذُكر عن بني إسرائيل)) عند الحديث (٣٤٧١) من كتاب الأنبياء.
(٢) الذي في المطبوع من ((دلائله)) ١/ ١٨٢ من طريق القاسم بن الفضل عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري،
وقال بعده: والمشهور أن هذا الراعي هو أهبان بن أوس، وأما الطريق التي ذكرها الحافظ فهي في
((الدلائل)) للبيهقي ٦/ ٤١.
(٣) لفظ (الناس)) سقط من (س).

٤٦
باب ٥ / ح ٣٦٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
سَلَمة: وما هما يومَئذٍ في القوم)) أي: عند حكاية النبي وَليل ذلك. ويحتمل أن يكون وَ لاه قال
ذلك لمَا اطَّلَعَ عليه من غَلَبة صِدْق إيمانهما وقوَّة يقينهما، وهذا أليَقُ بدخولِه في مناقبهما.
قوله: (يوم السَّبُع)) قال عياض: يجوز ضَمّ الموخَّدة وسكونها، إلّا أنَّ الرِّواية بالضَّمِّ،
وقال الحَرْبي: هو بالضَّمِّ والسُّكون، وجَزَمَ بأنَّ المراد به الحيوان المعروف، وقال ابن
العربي: هو بالإسكان والضَّمُّ تصحيف. كذا قال، وقال ابن الجَوْزي: هو بالسُّكونِ
والمحدِّثونَ يَرِؤُونَه بالضَّمِّ، وعلى هذا - أي: الضَّمّ - فالمعنى: إذا أخَذَها السَّبُع لم يَقدِرْ على
خلاصها منه، فلا يَرْعاها حينئذٍ غيري، أي: إِنَّك تَهرُب منه وأكون أنا قريباً منه أرعى ما
یفضُل لي منها.
وقال الدّاوودي: معناه: مَن لها يومَ يَطُرُقها السَّبُع - أي: الأسَد - فَتَفِرُّ أنت منه فيأخذ
منها حاجته وأتخلَّف أنا لا راعي لها حينئذٍ غيري، وقيل: إنَّما يكون ذلك عند الاشتغال
بالفتنِ فتصير الغنم هَمَلاً فَتَنْهَبُها السِّباع، فيصير الذُّئب كالراعي ها لانفرادِه بها.
وأمَّا بالسُّكونِ فاختُلِفَ في المراد به، فقيل: هو اسم الموضع الذي يقع فيه الحشْر یوم
القيامة، وهذا نَقَلَه الأزهَري في ((تهذيب اللُّغة)) عن ابن الأعرابي، ويُؤْيِّده أنَّه وَقَعَ في بعض
طرقه عن محمد بن عَمْرو بن عَلقَمة عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة: ((يوم القيامة))(١)، وقد
تُعقّبَ هذا بأنَّ الذِّئب حينئذٍ لا یکون راعیاً للغنم ولا تَعلَّق له بها، وقيل: هو اسم يوم عيد
كان لهم في الجاهلية يَشتَغِلونَ فيه باللهِ واللَّعِب، فيَغفُل الراعي عن غَنَمه، فيتمكَّن الذُّئب
٢٨/٧ من الغنم، وإنَّما قال: ((ليس لها راع غيري)) مُبالَغةً في تمكُّنه منها، وهذا / نَقَلَه الإسماعيلي عن
أبي عُبيدة، وقيل: هو مِن سَبَعتُ الرجل: إذا ذَعَرتُه، أي: مَن لها يوم الفَزَع؟ أو مِن
أسبَعْتُه: إذا أهمَلْته، أي: مَن لها يوم الإهمال؟ قال الأصمَعي: السَّبْع: الهَمَل، وأسبَعَ
الرجلُ أغنامَه: إذا تَرَكَها تصنع ما تشاء. ورَجِّحَ هذا القولَ النَّوَويُّ.
(١) أخرجه من هذه الطريق ابنُ الأعرابي في ((معجمه)) (٢٧)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٨٩٠)، وفيه
عندهما: ((يوم السبع))، ولم نقف على ما ذكره الحافظ.

٤٧
باب ٥ / ح ٣٦٦٤ - ٣٦٦٥
كتاب فضائل الصحابة
وقيل: يوم الأكل، يقال: سَبَعَ الذُّبُ الشّاةَ: إذا أكَلَها. وحَكَى صاحب ((المطالع)) أنَّه
رُوِيَ بسكون الياء التحتانية آخرَ الحروف، وفَسَّرَه بيومِ الضَّياع، يقال: أسَعتُ وأَضَعتُ(١)
بمَعنّى، وهذا نَقَلَه ابن دِخْية عن إسماعيل القاضي عن عليّ بن المديني عن مَعمَر بن المثنَّى،
وقيل: المراد بيومِ السَّبُع: يومُ الشِّدَّة، كما روي عن ابن عبّاس، أنَّه سُئِلَ عن مَسْألة فقال:
أجراً من سَبْعٍ، يريد أنَّها من المسائل الشِّداد التي يَشتَدُّ فيها الخَطْب على المفتي، والله أعلم.
قوله: ((وبينما رجل يَسُوق بقرةً)) تقدَّم الكلام عليه في المزارَعة (٢٣٢٤)، ووَقَعَ عند ابن
حِبّان (٦٩٠٣) من طريق محمد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة في آخره في القِصَّتَينِ:
((فقال الناس: آمنًّاً بما آمَنَ به رسول الله وَّ)). وفي الحديث جواز التعجُّب من خَوَارق
العادات، وتَفاوت الناس في المعارف.
الحديث التاسع: حديث أبي هريرة في رُؤْيا النَّزْع من القَلِيب.
٣٦٦٤- حدَّثْنا عَبْدَانُ، أخبَرَنا عبدُ الله، عن يونُّسَ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني ابنُ
المسيّبِ، سمعَ أبا هريرةَ عُ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّةٍ، يقول: ((بَيْنا أنا نائمٌ رأيتُني على قَلِيبٍ
عليها دَلْوٌ، فَنَزَعتُ منها ما شاءَ الله، ثمَّ أَخَذَها ابنُ أبي قُحَافَةَ، فَتَزَعَ بها ذَنُوباً أو ذَنوبَينٍ، وفي
نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللهُ يَغْفِرُ له ضَعْفَه، ثمَّ استَحالَت غَرْباً، فأخَذَها ابنُ الخطّاب، فلم أرَ عَبقَريّاً مِن
الناسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عمرَ، حتَّى ضَرَبَ الناسُ بعَطَنٍ)).
[أطرافه في: ٧٠٢١، ٧٠٢٢، ٧٤٧٥]
وسيأتي شرحه في التعبير (٧٠٢١) إن شاء الله تعالى.
الحديث العاشر: حديث ابن عمر في الزَّجْر عن جَرِّ الثَّوب خُيَلاءَ.
٣٦٦٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبَرَنا موسى بنُ عُقبةَ، عن سالم بنِ
عبدِ الله، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((مَن جَرَّ ثَوبَه خُيَلاءَ لم
(١) تحرف قوله: ((أَسَعتُ)) في الأصلين و(س) إلى: أسيعت، ووقع في (ع) و(س): ((أضيعت)) وهو خطأ.
يقال: أَسَعتُ الإبلَ إِساعةً: وذلك إذا أهملتَها حتى تَمُرَّ على وجهها، وساعَتْ فهي تَسُوع.

٤٨
باب ٥ / ح ٣٦٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
يَنظُرِ اللهُ إليه يومَ القيامةِ)) فقال أبو بكرٍ: إنَّ أحدَ شِقَّيْ ثَوْبٍ يَستَرخي، إلا أنْ أتعاهَدَ ذلك منه؟
فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((إنَّكَ لستَ تَصنَعُ ذلك خُيَلاءَ)).
قال موسى: فقلتُ لسالمٍ: أذكرَ عبدُ الله مَن جَرَّ إزارَه؟ قال: لم أسمَعْه ذَكَر إلا ثوبَه.
[أطرافه في: ٥٧٨٣، ٥٧٨٤، ٥٧٩١، ٦٠٦٢]
وسيأتي شرحه في كتاب اللُّباس (٥٧٨٣)، وفيه فضيلة ظاهرة لأبي بكر لشُحِّه على دينه،
ولشهادة النبيِّ ێ بما يُنافي ما يَكرَه.
قوله: ((فقلت لسالم)) هو مَقُولة موسى بن عُقْبة، وسيأتي هناكَ الإشارة إلى تسوية ابن
عمر بين الثَّوب والإزار في الحكم.
الحديث الحادي عشر: حديث أبي هريرة فيمَن أنفَقَ زوجَينٍ، أي: شيئينٍ.
٣٦٦٦- حدّثنا أبو اليَمَان، أخبَرَنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني مُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ
ابنِ عَوْفٍ، أنَّ أبا هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َّةِ، يقول: «مَن أَنْفَقَ زوجَينٍ من شيءٍ مِن
الأشياءِ في سَبيلِ الله، دُعيَ من أبوابٍ - يعني الجنَّةَ: يا عبدَ الله، هذا خيرٌ، فمَن كان من أهلِ
الصلاةِ دُعيَ من باب الصلاةِ، ومَن كان من أهلِ الجهادِ دُعيَ من باب الجهادِ، ومَن كان من
أهلِ الصدقةِ دُعيَ من باب الصدقةِ، ومَن كان من أهلِ الصِّيَامِ دُعيَ من باب الصِّيامِ، وبابِ
الَّيّانِ)) فقال أبو بكرٍ: ما على هذا الذي يُدعَى من تلكَ الأبوابِ من ضَرُورةٍ؟ وقال: هل
يُدعَی منها كلُّها أحدٌ یا رسولَ الله؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكونَ منھم یا أبا بكرٍ)).
قوله: ((مِن شيءٍ من الأشياء)) أي: من أصناف المال.
قوله: ((في سبيل الله)) أي: في طلب ثواب الله، وهو أعمُّ من الجهاد وغيره من العبادات.
قوله: ((دُعيَ من أبوابٍ - يعني الجنَّةَ)) كذا وَقَعَ هنا وكأنَّ لفظة: ((الجنَّة)) سَقَطَت من بعض
الرّواة، فلأجلِ مُراعاة المحافَظَة على اللَّفظ زاد ((يعني))، وقد تقدَّم في الصّيام (١٨٩٧) من
وجهٍ آخرَ عن الزُّهْري بلفظ: ((من أبواب الجنَّة)» بغیر تَرَدُّد.

٤٩
باب ٥ / ح ٣٦٦٦
كتاب فضائل الصحابة
ومعنى الحديث أنَّ كلَّ عاملٍ يُدعَى من باب ذلك العمل، وقد جاء ذلك صريحاً من
وجهٍ آخر عن أبي هريرة: ((لكلِّ عامل باب من أبواب الجنَّة، يُدعَى منه بذلك العمل))
أخرجه أحمد (٩٨٠٠) وابن أبي شيبة (٣/ ٧) بإسنادٍ صحيح.
قوله: ((يا عبدَ الله، هذا خيرٌ)) لفظ: ((خيرٌ)) بمعنى فاضل لا بمعنى أفضل، وإن كان
اللَّفظ قد يُوهم ذلك، ففائدته زيادة ترغيب السامع في طلب الدُّخول من ذلك الباب،
وتقدَّم في أوائل الجهاد (٢٨٤١) بيان الدّاعي من وجه آخر عن أبي هريرة ولفظه: ((دَعاه
خَزَنة الجنَّة كلُّ خَزَنة بابٍ)) أي: خَزَنة كلِّ باب ((أَيْ فُلُ، هَلُمَّ)، ولفظة: ((فُلُ)) لغة في فلان،
وهي بالضَّمِّ، وكذا ثَبَتَ في الرّواية، وقيل: إنَّها تَرْخيمها، فعلى هذا فتُفتَح اللّام.
قوله: ((فمَن كان من أهل الصلاة دُعيَ من باب الصلاة)) وَقَعَ في الحديث ذِكْر أربعة أبواب
من أبواب الجنَّة، وتقدَّم في أوائل الجهاد: ((وإنَّ أبواب الجنَّة ثمانية)) وبقيَ من الأركان الحجُّ فلَه
باب بلا شَكّ، وأمَّا الثلاثة الأُخرى فمنها باب الكاظِمين الغيظَ والعافين عن الناس، رواه
أحمد بن حَنبَل(١) عن رَوْح بن عُبَادة عن أشعَثَ عن الحسن مُرسَلاً: ((إنَّ لله باباً في الجنَّة لا
يدخله إلّا مَن عَفَا عن مَظَمة))، ومنها الباب الأيمن: وهو باب المتوكِّلين الذي يدخل منه مَن
لا حِسابَ عليه ولا عذاب، وأمَّا الثالث فلعلَّه باب الذِّكر، فإنَّ عند التِّرمِذي(٢) ما يُومِئ إليه،
ويحتمل أن يكون بابَ العلم، والله أعلم، ويحتمل أن يكون بالأبواب التي يُدعَى منها أبوابٌ
مِنْ داخل أبواب الجنَّة الأصلية، لأنَّ الأعمال الصالحة أكثر عدداً من ثمانية، والله أعلم.
قوله: ((فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدعَى من تلك الأبواب من ضرورة» زاد في الصّيام
(١٨٩٧): ((فهل يُدعَى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها)). وفي الحديث إشعار بقِلَّة مَن يُدعى من
(١) لم نقف عليه في («مسنده))، ولكن ذكره ابن بطال في ((شرحه على البخاري)) ١٧/٤ وقال: وذكر ابن البراء في
كتاب ((الروضة)» عن أحمد بن حنبل؛ فذكره.
(٢) لعله يشير إلى ما أخرجه (٣٥٨١) عن قيس بن سعد بن عبادة وفيه قوله له وَ له: «ألا أدلّك على باب
من أبواب الجنة؟)) قلت: بلى، قال: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)). والحديث في ((مسند أحمد)) (١٥٤٨٠)،
وإسناده حسن.

٥٠
باب ٥ / ح ٣٦٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
٢٩/٧ تلك الأبواب كلِّها، وفيه إشارة إلى أنَّ المراد: ما يُتَطَوَّع به من الأعمال المذكورة/ لا واجباتها،
لِكَثْرة مَن يجتمع له العمل بالواجبات كلِّها، بخلاف التطوُّعات فقَلَّ مَن يجتمع له العمل
بجميع أنواع التطوُّعات، ثمَّ مَن يجتمع له ذلك إنَّما يُدعى من جميع الأبواب على سبيل
التكريم له، وإلّا فدخوله إنَّما يكون من باب واحد، ولعلَّه باب العمل الذي يكون أغلَب
علیه، والله أعلم.
وأمَّا ما أخرجه مسلم (٢٣٤) عن عمر: ((مَن تَوضَّأ ثمَّ قال: أشهد أن لا إله إلّا الله))
الحديثَ، وفيه: ((فُتِحَت له أبوابُ الجنَّة يدخل من أيُّها شاءَ)) فلا يُنافي ما تقدَّم وإن كان
ظاهره أنَّه يعارضه، لأنَّه يُحمَل على أنَّها تُفتَح له على سبيل التكريم، ثمَّ عند دخوله لا
يدخل إلّا من باب العَملِ الذي يكون أغلَبَ عليه كما تقدَّم، والله أعلم.
تنبيه: الإنفاق في الصلاة والجهاد والعلم والحجّ ظاهر، وأمَّا الإنفاق في غيرها فمُشكِل،
ويُمكِن أن يكون المرادُ بالإنفاق في الصلاة فيما يتعلَّق بوَسائِلِها من تحصيل آلاتها من طهارةٍ
وتطهيرِ ثوبٍ وبَدَنٍ ومكانٍ، والإنفاق في الصِّيام بما يُقَوِّيه على فِعْله وخُلُوص القَصْد فيه،
والإنفاق في العفو عن الناس يُمكِن أن يقع بتَركِ ما يجب له من حَقّ، والإنفاق في التوُّل بما
يُنفقه على نفسه في مرضه المانع له من التصرُّف في طلب المعاش مع الصبر على المصيبة، أو يُنِفِق
على مَن أصابه مثل ذلك طلباً للَّواب، والإنفاق في الذِّكر على نحوٍ من ذلك، والله أعلم.
وقيل: المراد بالإنفاق في الصلاة والصّيام: بَذْلُ النَّفْس والبَدَنِ(١) فيهما، فإنَّ العرب
تُسمّي ما يَبذُله المرء من نفسه نَفَقة كما يقال: أنفَقتُ في طلب العلم عمري وبَذَلت فيه
نفسي، وهذا معنّی حَسَنٌ.
وأبعَدَ مَن قال: المراد بقوله: ((زَوجَينٍ)) النَّفْسُ والمالُ، لأنَّ المال في الصلاة والصّيام
ونحوهما ليس بظاهرٍ إلّا بالتأويلِ المتقدِّم، وكذلك مَن قال: النَّفَقة في الصّيام تقع بتفطير
الصّائم والإنفاق عليه، لأنَّ ذلك يَرجِع إلى باب الصدقة.
(١) قوله: ((والبدن)) سقط من (س).

٥١
باب ٥ / ح ٣٦٦٧ -٣٦٦٨
كتاب فضائل الصحابة
قوله: ((وأرجو أن تكونَ منهم)) قال العلماء: الرَّجاء من الله ومن نبيِّه واقع، وبهذا التقرير
يدخل الحديث في فضائل أبي بكر. ووَقَعَ في حديث ابن عبّاس عند ابن حِبّان (٦٨٦٧) في
نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر، ولفظُه: ((قال: أَجلْ، وأنتَ هو يا أبا بكر)).
وفي الحديث من الفوائد: أنَّ مَن أكثرَ من شيء عُرِفَ به، وأنَّ أعمال البِرِّ قَلَّ أن تَجْتَمِع
جميعُها لشخصٍ واحد على السَّواء، وأنَّ الملائكة يُحِبّونَ صالِحي بني آدم ويَفرَحونَ بهم،
فإنَّ الإنفاق كلَّما كان أكثرَ كان أفضلَ، وأنَّ تَمَنِّي الخير في الدُّنيا والآخِرة مطلوب.
الحديث الثاني عشر: حديث عائشة في الوفاة وقصَّة السَّقيفة(١).
٣٦٦٧- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، قال:
أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، زوجِ النبيِّ وَِّ: أنَّ رسولَ الله وَِّ ماتَ وأبو
بكرٍ بالسُّنْحِ - قال إسماعيلُ: يعني بالعاليَةِ - فقامَ عمرُ يقول: والله ما ماتَ رسولُ الله ◌ِِّ، قالت:
وقال عمرُ: والله ما كان يَقَعُ في نَفْسي إلا ذاكَ، ولَيَبعَثَنَّ اللهُ، فَلَيَقْطَعنَّ أيديَ رجالٍ وأرجُلَهم.
فجاءَ أبو بكرٍ فَكَشَفَ عن رسولِ اللهِ وَّةِ، فَقَبَّلَه، فقال: بأَبِي أنتَ وأُمّي، طِبتَ حَيّاً وميّاً،
والذي نَفْسِي بِيَدِه، لا يُذيقُكَ الله الموتَتَينِ أبداً، ثمَّ خَرَجَ فقال: أيُّها الحالفُ على رِسْلِكَ، فلمَّا
تَكلَّمَ أبو بكرٍ جَلَسَ عمرُ.
٣٦٦٨- فحَمِدَ اللهَ أبو بكرٍ، وأثنى عليه، وقال: ألا مَن كان يَعِبُّدُ محمَّداً ◌َّهِ، فإنَّ محمَّداً قد
ماتَ، ومَن كان يَعبُّدُ الله فإنَّ الله حَيُّ لا يموتُ، وقال: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم مَّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]،
وقال: ﴿وَمَا تُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، قال:
فَشَجَ الناسُ يَيكونَ، قال: واجتمعتِ الأنصارُ إلى سعدِ بنِ عُبَادةَ في سَقيفة بني ساعدةَ، فقالوا:
منّا أميرٌ، ومنكم أميرٌ، فذهب إليهم أبو بكرٍ وعمرُ بنُ الخطّاب وأبو عُبيدةَ بنُ الجرّاح، فذهب
عمرُ بتكلَّمُ، فأسكَتَه أبو بكرٍ.
(١) قال صاحب ((اللسان)): السقيفة: الصُّفَّة، ومنه: سقيفة بني ساعدة، وفي حديث اجتماع المهاجرين والأنصار
في سقيفة بني ساعدة: هي صُفَّة لها سقف، فَعِيلة بمعنى مفعولة.

٥٢
باب ٥ / ح ٣٦٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
وكان عمرُ يقول: والله ما أردتُ بذلك إلا أنّي قد هَيَّأْتُ كلاماً قد أعجَبَتي، خَشِيتُ أن لا
يَبلُغَه أبو بكرٍ، ثمَّ تَكلَّمَ أبو بكرٍ، فَتَكلَّمَ أبلَغَ الناسِ، فقال في كلامِه: نحنُ الأُمراءُ وأنتمُ
الوُزَراءُ، فقال حُبَابُ بنُ المنذِرِ: لا والله لا نفعلُ، منّا أميرٌ، ومنكم أميرٌ، فقال أبو بكرٍ: لا
ولكنّا الأُمراءُ وأنتمُ الوُزَراءُ، هم أوسَطُ العربِ داراً، وأعرَبُهم أحساباً، فبابِعُوا عمرَ أو أبا
عُبيدةَ، فقال عمرُ: بل نُبَايِعُكَ أنتَ، فأنتَ سيِّدُنا وخيرُنا، وأحَبُّنا إلى رسولِ الله وَّهِ، فَأَخَذَ
عمرُ بَيَدِه فبايعَه، وبايعَه الناسُ، فقال قائلٌ: قَتَلتُم سعدَ بنَ عُبَادةَ، فقال عمرُ: قَتَلَه الله.
وسيأتي ما يتعلَّق بالوفاة في مكانها في أواخر المغازي (٤٤٥٢)، وأمَّا السَّقيفة فتَتَضَمَّن
بيعة أبي بكر بالخلافة، وقد أورَدَها المصنِّف أيضاً من طريق ابن عبّاس عن عمرَ في الحدود
(٦٨٣٠)، وذَكَر شيئاً منها في الأحكام (٧٢١٩) من طريق أنس عن عمرَ أيضاً، وأتمُّها
روایةُ ابن عبّاس، وسأذكر هنا ما فيها من فائدة زائدة.
قوله: ((ماتَ النبيُّ وَلِّ وأبو بكر بالسُّنْح)) تقدَّم ضبطُه في أوَّل الجنائز (١٢٤١)، وأنَّه
بسكونِ النّون، وضَبَطَه أبو عُبيد البَكْري بضمِّها وقال: إنَّه منازل بني الحارث من الخَزْرَج
بالعَوَالي، وبينه وبين المسجد النّبوي مِيْل.
قوله: ((قال إسماعيل)) هو شيخ المصنّف فيه: وهو ابن أبي أُوَيس.
وقوله: ((يعني بالعالية)) أراد تفسير قول عائشة: بالسُّنْح.
قوله: ((ما كان يَقَع في نفسي إلّا ذاكَ)) يعني: عَدَم موتِه ◌ِوَ لِّ حينئذٍ، وقد ذكر عمرُ مُستَنَدَه
في ذلك کما سأُبيِّنُه في موضعه.
قوله: ((لا يُذِيقُك الله الموتَتَينِ)) تقدَّم شرحه في أوائل الجنائز (١٢٤١)، وقد تَسَّكَ به مَن
أنكَرَ الحياة في القبر، وأُجيبَ عن أهل السُّنَّة المثبِتِينَ لذلك بأنَّ المراد نَفْيُ الموت اللّازم من الذي
أثبتَه عمر بقوله: ((وَلَيَبَعَثه الله في الدُّنيا ليقطَعَ أيديَ القائلين بموتِهِ)) وليس فيه تَعرُّضُ لمَا يقع
في البَرَزَخ، وأحسنُ من هذا الجواب أن يقال: إنَّ حياته وَّهِ في القبر لا يَعقُبُها موت بل يَسْتَمِرّ
حَيّ، والأنبياء أحياءٌ في قُبُورهم، ولعلَّ هذا هو الحكمة في تعريف الموتَتَيْنِ حيثُ قال:

٥٣
باب ٥ / ح ٣٦٦٨
كتاب فضائل الصحابة
لا يُذيقُك الله الموتتَينِ، أي: المعروفتَينِ المشهورتَينِ الواقعتَينِ لكلِّ أحد غيرَ الأنبياء،/ وأمَّا ٣٠/٧
وقوع الخَلِف من عمر على ما ذكره، فبَنَاه على ظنِّه الذي أدَّاه إليه اجتهادُه، وفيه بيان رُجْحان
عِلْم أبي بكر على عمر فمَن دونَه، وكذلك رُجْحانه عليهم لِثَباته في مثل ذلك الأمر العظيم.
قوله: ((أيّها الحالفُ، على رِسْلك)) بكسر الراء، أي: هِينَتِك ولا تَستَعجِل، وتقدَّم في
الطَّريق الذي بالجنائز: أنَّ أبا بكر خرج وعمر يُكلِّم الناس فقال: اجلِسْ، فَأَبِى، فَتَشَهَّدَ أبو
بكر، فمالَ الناسُ إليه وتَرَكوا عمر. وقد اعتَذَرَ عمر عن ذلك كما سيأتي (٧٢١٩) في ((باب
الاستخلاف)) من كتاب الأحكام.
قوله: ((فَتَشجَ الناس)) بفتح النُّون وكسر(١) المعجمة بعدها جيم، أي: بَگوْا بغير انتِحاب،
والنَّشِيجُ(٢): ما يَعرِض في حَلْق الباكي من الغُصَّة، وقيل: هو صوت معه ترجيعٌ كما يُردِّد
الصَّبيُّ بکاءَه في صَدْرِه.
قوله: ((واجتَمعت الأنصار إلى سعد بن عُبَادةَ في سَقيفة بني ساعِدَة)) هو سعد بن عُبَادة
ابن دُلَیم بن حارثة الخَزْرَجي ثمَّ الساعدي، وكان کبیر الخَزَرَج في ذلك الوقت. وذکر ابن
إسحاق في آخِرِ «السِّيرة)): أنَّ أُسَيد بن حُضَير في بني عبد الأشهل انحازوا إلى أبي بكر ومَن
معه وهؤلاء من الأوس. وفي حديث ابن عبّاس عن عمر: ((تَخَلَّفَت عَنّا الأنصار بأجمَعِها في
سَقيفة بني ساعدة)(٣)، فيُجمَعِ بأَّهم اجتَمَعوا أوَّلاً ثمَّ افَتَرَقوا، وذلك أنَّ الخَزْرَج والأوس
كانوا فريقَينِ، وكان بينهم في الجاهلية من الحروب ما هو مشهور، فزالَ ذلك بالإسلام وبقيَ
من ذلك شيء في النُّفُوس، فكأنَّهم اجتَمَعوا أوَّلاً، فلمَّا رأى أُسَيد ومَن معه من الأوس أبا
بكر ومَن معه افتَرَقوا من الخَزَرَج إيثاراً لِتأمير المهاجرين عليهم دون الخَزَرَج. وفيه أنَّ
عليّاً والزُّبَير ومَن كان معهما تَخلَّفوا في بيت رسول الله وَّ﴿ واجتَمع المهاجرونَ إلى أبي بكر.
(١) بل بفتح الشين المعجمة، انظر ((القاموس المحيط)) و((لسان العرب)) (نشج).
(٢) تحرَّفت في (أ) و(س) إلى: النَّشج.
(٣) هو بهذا اللفظ عند أحمد في «مسنده)) (٣٩١)، ولفظه عند البخاري (٦٨٣٠): إن الأنصار خالفونا واجتمعوا
بأمرهم في سقيفة بني ساعدة.

٥٤
باب ٥ / ح ٣٦٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فذهب إليهم أبو بكر الصُّدِّيق وعمر بن الخطّاب وأبو عبيدة» في رواية ابن عبّاس
المذكورة (٦٨٣٠): ((فقلت له: يا أبا بكر، انطَلِقْ بنا إلى إخواننا من الأنصار))، وزاد أبو يَعْلى (١)
من رواية مالك عن الزهري فیه: فبينما نحنُ في منزِل رسول الله ێ إذا رجلٌ ينادي من
وراء الجِدار أن: اخرُجْ إليَّ يا ابن الخطّاب، فقلت: إليك عنّي فإنّ عنك مَشاغيلُ، يعني: بأمر
رسول الله وَلّه فقال له: إنَّه قد حَدَثَ أمرٌ، فإنَّ الأنصار اجتَمَعوا في سَقِيفة بني ساعدة
فأدرِكوهم قبل أن يُحدِثوا أمراً يكون فيه حرب. فقلت لأبي بكر: انطَلِقْ - فذَكَرَه - قال:
فانطَلَقنا نَؤُمُّهم حتَّى لَفِيَنا رجلان صالحان فقالا: لا عليكم ألّا تَقرَبُوهم، واقضوا أمرَكم.
قال: فقلت: والله لآتينَّهم، فانطَلَقْنا، فإذا بين ظهرانيهم رجل مُزَمَّل، فقلت: مَن هذا؟
قالوا: سعد بن عُبَادة، وذكر في آخر الحديث عن عُرْوة أنَّ الرجلينِ اللذين لَقِيَاهم هما
عُوَيم بن ساعدة بن عبَّاس بن قيس بن النُّعمان من بني مالك بن عَوْف، ومَعْن بن عَدي
ابن الجَدِّ (٢) بن العَجْلان حليفهم، وهما من الأوس أيضاً، وكذا وَقَعَت تسميتهما في رواية
ابن عُيَينةَ عن الزُّهْري، أخرجه الزُّبَير بن بكّار.
قوله: ((فذهب عمر يتكلّم، فأسكَتَه أبو بكر ... )) إلى آخره، وفي رواية ابن عبَّاس: قال
عمر: أردتُ أن أتكلّم، وقد كنت زَوَّرتُ - أي: هَيَّت وحَسَّنت - مقالةً أعجَبَتَني أُرِيدَ أن
أُقَدِّمها بين يَدَي أبي بكر، وكنت أُداري منه بعض الحَدّ -أي: الحِدَّة - فقال: على ڕِسْلك،
فكرهت أن أُغضِبَه.
قوله: ((ثُمَّ تَكلَّمَ أبو بكر فتَكلَّمَ أبلَغَ الناس)) بنصبٍ ((أبلَغَ)) على الحال، ويجوز الرَّفع على
الفاعلية، أي: تَكلَّمَ رجلٌ هذه صفتُه. وقال السُّهَيلي: النَّصب أوجَه ليكونَ تأكيداً لمَدحِه
وصَرف الوَهْم عن أن يكون أحد موصوفاً بذلك غيره. وفي رواية ابن عبّاس: قال: قال
عمر: والله ما تَرَكَ كلمةً أعجَبَتَني في تَزْويري إلّا قالها في بَدِيهته وأفضلَ حتَّى سَكَتَ.
(١) وأخرجه عن أبي يعلى بهذا الإسناد ابنُ حبان في ((صحيحه)) (٤١٤)، وإسناده صحيح.
(٢) تحرف في (س) إلى: الجعد، وانظر ترجمته في ((الإصابة)) ٦/ ١٩١.

٥٥
باب ٥ / ح ٣٦٦٨
كتاب فضائل الصحابة
قوله: ((فقال في كلامه)) وَقَعَ في رواية حُميدٍ بن عبد الرحمن(١) بيانُ ما قال في روايته: فتَكلَّمَ
أبو بكر فلم يَتْرُك شيئاً أُنزِلَ في الأنصار ولا ذكره رسول الله وَّ﴿ من شأنهم إلّا ذكره، ووَقَعَ
في رواية ابن عبّاس بيانُ بعض ذلك الكلام وهو: أمَّا بعدُ، فما ذكرتُم من خير فأنتم أهله،
ولن تعرِفَ العرب/ هذا الأمر إلّا لهذا الحيِّ من قُرَيش، وهم أوسَطُ العرب نَسَباً وداراً، ٣١/٧
وعُرِفَ بذلك المراد بقوله بعدُ في هذه الرّواية: هم أوسَطُ العرب داراً وأعرَبُهم أحساباً،
والمراد بالدّار: مكَّة، وقال الخطَّابي: أراد بالدّار: أهلُ الدّار، ومنه قوله: ((خير دُور الأنصار
بنو النَّجّار)(٢)، وقوله: ((أحسابا)) الحَسَب: الفِعال الحِسان، مأخوذ من الحساب: إذا عَدُّوا
مناقبهم، فمَن كان أكثرَ كان أعظمَ حَسَباً، ويقال: النَّسَب للآباءِ، والحَسَب للأفعال.
قوله: ((فقال حُبَابِ)) بضمِّ المهمَلة وموخَّدتَينِ الأولى خفيفة ((ابن المنذِر)) أي: ابن عَمْرو
ابن الجَمُوحِ الخَزْرَجي ثمَّ السَّلَمي، بفتحَتَينٍ، وكان يقال له: ذو الرَّأي.
قوله: ((لا والله لا نفعلُ، منّا أمير ومنكم أمير)) زاد في رواية ابن عبّاس أنَّه قال: «أنا جُدَیلُها
المحَكَّك، وعُذَيقها المَرَجَّب))، وشرح هاتَينِ الكَلمَتَينِ: أنَّ العُذَيق بالذّال المعجَمة تصغير
عَذْق: وهو النَّخلة، والمَرَجَّب بالجيم والموخَّدة، أي: يُدعِّم النَّخلة إذا كَثُرَ حَملُها، والجُدَيل
بالتصغير أيضاً وبالجيم، والجَدَل: عُود يُنصَب للإبلِ الجَزْباء لِتحتَكَّ فيه، والمحَكَّك بكافَيْنِ
الأولى مفتوحة، فأراد أنَّه يُستَشفى برأيه.
ووَقَعَ عند ابن سعد (١٨٢/٣) من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد: فقامَ
حُبَاب بن المنذر - وكان بَدْريّاً - فقال: منّا أمير ومنكم أمير، فإِنّا والله ما نَنفَس عليكم هذا
الأمر، ولكنّا نَخاف أن يَليَه أقوام قَتَلْنا آباءَهم وإخوانَهم، قال: فقال له عمرُ: إذا كان ذلك
فمُتْ إن استَطَعت، قال: فَتَكلَّمَ أبو بكر فقال: نحنُ الأُمراء وأنتم الوُزَراء، وهذا الأمر
بيننا وبينكم، قال: فبايعَ الناسُ، وأوَّلهم بَشير بن سعد والد التُّعمان.
(١) رواية حميد بن عبد الرحمن أخرجها أحمد في ((مسنده)) (١٨).
(٢) سيأتي برقم (٣٧٨٩).

٥٦
باب ٥ / ح ٣٦٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
وعند أحمد (٢١٦١٧) من طريق أبي نَضْرة عن أبي سعيد: فقامَ خطيب الأنصار فقال:
إِنَّ رسول الله ﴿ كان إذا استعملَ رجلاً منكم قَرَنَه برجلٍ مِنّا، فتتابَعُوا على ذلك، فقامَ
زيد بن ثابت فقال: إنَّ رسول الله وَّه كان من المهاجرين وإنَّما الإمام من المهاجرين، فنحنُ
أنصار الله كما كنَّا أنصارَ رسول الله وَ ◌ّ، فقال أبو بكر: جزاكم الله خيراً، فبایَعُوه.
ووَفَعَ في آخِر ((المغازي)) لموسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب: أنَّ أبا بكر قال في خُطبَته:
وكنّا مَعشَر المهاجرين أوَّلَ الناس إسلاماً، ونحنُ عشيرتُه وأقاربُه وذَوُو رَحِمِه، ولن تَصلُحَ
العرب إلّا برجلٍ من قُرَيش، فالناس لقُرَيشٍ تَبَعٌّ، وأنتم إخواننا في كتاب الله، وشُرَكاؤنا
في دين الله، وأحَبُّ الناس إلينا، وأنتم أحقّ الناس بالرِّضا بقَضاءِ الله، والتسليمِ لفضيلة
إخوانِكُم، وأن لا تَحسُدوهم على خير، وقال فيه: إنَّ الأنصار قالوا أوّلاً: نَخْتار رجلاً من
المهاجرين، وإذا ماتَ اختَرنا رجلاً من الأنصار، فإذا ماتَ اخترنا رجلاً من المهاجرين،
كذلك أبداً، فيكون أجدَرَ أن يُشِفِقَ القُرَشي إذا زاغَ أن يَنْقَضَّ عليه الأنصاريُّ، وكذلك
الأنصاريُّ، قال: فقال عمر: لا والله لا يُخالفُنا أحدٌ إلّا قتلناه، فقامَ حُبَاب بن المنذر، فقال
كما تقدَّم وزادَ: وإن شِئْتُم كرَّرْناها جَذَعَةً(١) - أي: أعَدْنا الحرب - قال: فكَثُرَ القول حتَّى
كادَ أن يكون بينهم حرب، فوَنَبَ عمرُ فأخَذَ بیدِ أبي بكر.
وعند أحمد (١٨) من طريق محُميدٍ بن عبد الرحمن بن عَوْف(٢) قال: تُوُفّيَ رسول الله
وَ﴿ وأبو بكر في طائفة من المدينة، فذكر الحديثَ، قال: فتَكلَّمَ أبو بكر فقال: والله لقد
علمتَ يا سعدُ أنَّ رسول الله وَّه قال وأنتَ قاعد: ((قُرَيش وُلاة هذا الأمر)) فقال له سعد:
صدقت.
(١) في (س): ((خدعة)) بالخاء المعجمة والدال، وهو تصحيف. يقال: أعدتُ الأمر جَذَعاً، أي: جديداً كما
بدأ، وإذا طفِئت الحرب من القوم يقال: إن شئتم أعدناها جَذَعة، أي: أول ما يُبتدأ بها. انظر ((العين))
و ((اللسان)» (جذع).
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو وهمٌّ، فإن حميداً هذا: هو ابن عبد الرحمن الحميري البصري، وهو
المعروف برواية داود بن عبد الله الأودي الكوفي عنه، أما حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي فلا
تُعرَفالداود روایة عنه.

٥٧
باب ٥ / ح ٣٦٦٨
كتاب فضائل الصحابة
قوله: ((هم أوسَطُ العرب)) أي: قُرَيش.
قوله: ((فبابِعُوا عمرَ بن الخطّاب أو أبا عُبيدَة)) في رواية ابن عبّاس عن عمر: ((وقد
رضيت لكم أحد هذَينِ الرجلينِ، وأخَذَ بيدي ويد أبي عبيدة، فلم أكره ممّاً قال غيرَها))،
وقد استُشكِلَ قولُ أبي بكر هذا مع مَعرِفَته بأنَّه الأحقّ بالخلافة بقَرِينة تقديمه في الصلاة
وغير ذلك، والجواب أنَّه استَحْيا أن يُزّي نفسَه فيقول مثلاً: رضيت لكم نفسي، وانضَمَّ
إلى ذلك أنَّه عَلِمَ أنَّ كلَّ منهما لا يقبل ذلك، وقد أفصَحَ عمر بذلك في القصَّة، وأبو عبيدة
بطريق الأَولى، لأنَّه دون عمر في الفضل باتِّفاق أهل السُّنَّة، ويكفي أبا بكر كَونه جَعَلَ
الاختيارَ في ذلك لنفسِه فلم يُنكِرِ ذلك عليه أحد، ففيه إيماءٌ/ إلى أنَّه الأحقّ، فظَهَرَ أنَّه ليس ٣٢/٧
في كلامه تصریح بتخلِّیه من الأمر.
قوله: ((فقال عمر: بل نُبَايِعُك أنتَ، فأنتَ سَيِّدُنا وخيرُنا وأحَبُّنا إلى رسول الله وَلآ)) قد
أَفَرَدَ بعض الرّواة هذا القَدْر من هذا الحديث، فأخرجه التِّرمِذي (٣٦٥٦) عن إبراهيم بن
سعيد الجَوْهري عن إسماعيل بن أبي أُوَيس شيخ المصنِّف فيه بهذا الإسناد: ((أنَّ عمرَ قال
لأبي بكر: أنتَ سَيِّدنا ... )) إلى آخره، وأخرجه ابن حِبّان (٦٨٦٢) من هذا الوجه، وهو
أوضَحُ ما يدخل في هذا الباب من هذا الحديث.
قوله: ((فأخَذَ عمر بيدِه فبايعَه)) في رواية ابن عبّاس عن عمر قال: فَكَثُرَ اللَّغَط وارتَفَعَت
الأصوات، حتَّى خَشِينا الاختلاف، فقلت: ابسُطْ يدَك يا أبا بكر، فبَسَطَ يده فبايعتُه وبايعَه
المهاجرونَ ثمَّ الأنصار. وفي («مغازي)) موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب: قال: فقامَ أُسَيد بن
الحُضَير وبَشِير بن سعد وغيرهما من الأنصار فبايعوا أبا بكر، ثمَّ وَثَبَ أهل السَّقيفة يَبْتَدِرونَ
البيعة. ووَقَعَ في حديث سالم بن عُبيد عند البزَّار(١) وغيره في قصَّة الوفاة: فقالت الأنصار: منّا
أمير ومنكم أمير، فقال عمر - وأخَذَ بيدٍ أبي بكر -: أسَيْفان في غِمْد واحد؟ لا يَصطَلِحان،
(١) لم نقف عليه في المطبوع من («مسنده))، وأخرجه الطبراني في «الكبير)) (٦٣٦٧)، وأورده الهيثمي في ((المجمع))
١٨٣/٥، وقال: روى ابنُ ماجه بعضه (١٢٣٤)، ورواه الطبراني ورجاله ثقات.

٥٨
باب ٥ / ح ٣٦٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
وأخَذَ بيدٍ أبي بكر فقال: مَن له هذه الثلاثة: ﴿إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] مَن هما؟
﴿إِذْيَقُولُ لِصَحِبِهِ﴾ مَن صاحبُه؟ ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ مع مَن؟ ثمَّ بَسَطَ يده
فبایعَه، ثمّ قال: بايعوه، فبايعه الناس.
قوله: ((فقال قائل: قَتَلتُم سعد بن عُبادةَ)) أي: كِدتُم تَقتُلُونَه، وقيل: هو كِناية عن
الإعراض والخِذلان، ويَرُدُّه ما وَقَعَ في رواية موسى بن عُقْبة عن ابن شهاب: ((فقال قائل
من الأنصار: أَبْقُوا سعدَ بن عُبَادة لا تَطَؤوه، فقال عمر: اقتلوه، قتله الله)). نعم لم يُرِدْ عمرُ
الأمر بقتْلِه حقيقةً، وأمَّا قوله: ((قَتَلَه الله)) فهو دعاء عليه، وعلى الأوَّل هو إخبارٌ عن إهماله
والإعراض عنه، وفي حديث مالك(١): فقلت وأنا مُغضَب: قتل الله سعداً، فإنَّه صاحب
شَرّ وفتنة.
قال ابن التِّين: إنَّما قالت الأنصار: ((مِنّا أمير ومنكم أمير)» على ما عَرَفوه من عادة العرب
أن لا يَتأمَّر على القبيلة إلّا مَن يكون منها، فلما سمعوا حديث: «الأئمَّة من قُرَيش)» رجعوا
عن ذلك وأذعَنوا.
قلت: حديث: ((الأئمّة من قُرَيش)) سيأتي ذِكرُ مَن أخرجه بهذا اللَّفظ في كتاب
الأحكام(٢)، ولم يقع في هذه القصَّة إلّا بمعناه، وقد جمعت طُرقَه عن نحو أربعين صحابيّاً
لمَّا بَلَغَني أنَّ بعض فُضَلاء العصر ذكر أنَّه لم يُروَ إلّا عن أبي بكر الصِّدِّيق. واستَدَلَّ به
الدّاوودي على أنَّ إقامة الخليفة سُنَّة مُؤَّدة، لأنَّهم أقاموا مُدَّةً لم يكن لهم إمام حتَّى بويعَ
أبو بكر، وتُعقِّبَ بالاتّفاق على فرضيَّتها وبأنَّهم تَرَكوا لأجلِ إِقامَتها أعظَم المهمّات وهو
التشاغُل بدفنِ النبيِّ نَّهِ حَتَّى فَرَغوا منها، والمدَّة المذكورة زمن يسيرٌ في بعض يوم يُغَفَر
مثله لا جتماع الكلمة.
واستُدلَّ بقولِ الأنصار: ((مِنّا أمير ومنكم أمير)) على أنَّ النبيَّ ◌َّه لم يَستَخِلِف، وبذلك
(١) رواية مالك سلفت الإشارة إليها قريباً، وهي عند ابن حبان في (صحيحه) برقم (٤١٤).
(٢) في الباب الثاني: باب الأمراء من قريش، بين يدي الحديث (٧١٣٩).

٥٩
باب ٥ / ح ٣٦٦٩ - ٣٦٧٠
كتاب فضائل الصحابة
صَرَّحَ عمر كما سيأتي، ووجه الدَّلالة أنَّهم قالوا ذلك في مقام مَن لا يخاف شيئاً ولا يَتَّقِيهِ،
وكذلك ما أخرجه مسلم (٢٣٨٥) عن ابن أبي مُلَيكة: سألت عائشة: مَن كان رسول الله وَله
مُستَخلِفاً؟ قالت: أبو بكر. قيل: ثمَّ مَن؟ قالت: عمر. قيل: ثمَّ مَن؟ قالت: أبو عبيدة بن
الجرّاح، ووَجَدتُ في التِّرمِذي (٣٦٥٧) من طريق عبد الله بن شَقِيق ما يدلُّ على أنَّه هو
الذي سألَ عائشة عن ذلك.
قال القُرطُبي في ((المفهم)): لو كان عند أحد من المهاجرين والأنصار نَصُّ من النبي وَله
على تعيين أحد بعينِه للخلافة لمَا اختَلَفوا في ذلك ولا تَفاوَضوا فيه، قال: وهذا قول
جمهور أهل السُّنَّة، واستَنَدَ مَن قال: إنَّه نَصَّ على خلافة أبي بكر، بأُصولٍ كلّية وقرائنَ
حاليَّةٍ تَقتَضى أنَّه أحقُّ بالإمامة وأولى بالخلافة. قلت: وقد تقدَّم بعضها/ في ترجمته(١)، ٣٣/٧
وسيأتي بعضها في الوفاة النَّبوية آخِر المغازي (٢) إن شاء الله تعالى.
الحديث الثالث عشر:
٣٦٦٩- وقال عبدُ الله بنُ سالم: عن الزُّبَيديِّ، قال عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ: أخبرَني القاسمُ، أنَّ
عائشةَ رضي الله عنها قالت: شَخَصَ بَصَرُ النبيِّ وَّهِ، ثَّ قال: ((في الرَّفيقِ الأَعلى)) ثلاثاً ...
وقَصَّ الحديثَ، قالت: فما كانت من خُطْبَتِهما من خُطبةٍ إلَّا نَفَعَ الله بها، لقد خَوَّفَ عمرُ
الناسَ، وإنَّ فيهِم لَنِفاقاً فَرَدَّهُمُ اللهُ بذلكَ.
٣٦٧٠- ثمَّ لقد بَصَّرَ أبو بكرِ الناسَ الهُدَى، وعَرَّفَهمُ الحقَّ الذي عليهم، وخَرَجُوا به يَتْلُونَ:
﴿ وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلى: ﴿الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
قوله: ((قال عبد الله بن سالم)) هو الحِمْصي الأشعَري، تقدَّم ذِكْره في المزارَعة (٢٣٢١)،
والزُّبَيدي: هو محمد بن الوليد صاحب الزّهْري، وعبد الرحمن بن القاسم، أي: ابن أبي بكر
الصِّدِّیق.
(١) في باب (٣): قول النبيِّ ◌َّ: سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر.
(٢) في باب (٨٣): مرض النبي ◌َّر ووفاته.

٦٠
باب ٥ / ح ٣٦٧١
فتح الباري بشرح البخاري
وهذه الطَّريق لم يُورِدها البخاري إلّا مُعلَّقة ولم يَسُقْها بتمامها، وقد وَصَلَها الطبراني في
((مُسنَد الشّاميين)) (١٨٢٥).
وقوله: ((شَخَصَ)) بفتح المعجمتَينِ ثمَّ مُهمَلة، أي: ارتَفَع.
وقوله: ((وقَصَّ الحديث)) يعني: فيما يتعلَّق بالوفاة. وقول عمرَ: إِنَّه لم يَمُت ولن يموت حتَّى
يَقطَعَ أيدي رجال من المنافقين وأرجُلَهم، وقول أبي بكر: إنَّه ماتَ، وتِلاوَته الآيتينِ كما تقدَّم.
قوله: ((قالت)) أي: عائشة: ((فما كانت من خُطبَتهما من خُطبة إلّا نَفَعَ الله بها)) أي: من
خُطَبَي أبي بكر وعمر، و((من)) الأولى تبعيضية أو بيانية، والثانية زائدة، ثمَّ شَرَحَت ذلك
فقالت: لقد خَوَّفَ عمرُ الناس،، أي: بقوله المذكور، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلي: ((لقد خَوَّفَ
أبو بكر الناس)) وهو غَلَط.
وقولها: ((وإنَّ فيهم لَنِفاقاً) أي: إنَّ في بعضهم مُنافقين، وهم الذين عَرَّضَ بهم عمر في
قوله المتقدِّم، ووَقَعَ في رواية الحُميدي في الجمع بين ((الصحيحين)): ((وإنَّ فيهم لَتُقّى))
فقيل: إنَّه من إصلاحه، وإِنَّه ظنَّ أنَّ قوله: ((وإنَّ فيهم لَنِفاقاً) تصحيف فصَيَّرَه ((لَتُقّى))،
كأنَّه استَعظَمَ أن يكون في المذكورين نفاقاً.
وقال عِيَاض: لا أدري هو إصلاح منه أو رواية؟ وعلى الأوَّل فلا استعظامَ، فقد ظَهَرَ
في أهل الرّدَّة ذلك، ولا سيّما عند الحادث العظيم الذي أذهَلَ عقول الأكابر، فكيف بضُعَفاء
الإيمان! فالصواب ما في النَّسَخ. انتهى، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق البخاريِّ وقال فيه:
إنَّ فيهم ◌َنِفاقاً.
الحديث الرابع عشر:
٣٦٧١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ کَثیرٍ، أخبرنا سفيانُ، حدَّنا جامِعُ بنُ أبي راشدٍ، حَّثنا أبو يَعْلی، عن
محمَّدِ ابنِ الحنفيَّةِ، قال: قلتُ لأَبي: أيُّ الناسِ خيرٌ بعدَ رسولِ الله ◌َِّ؟ قال: أبو بكرٍ، قلتُ: ثمَّ
مَن؟ قال: ثمَّ عمرُ، وخَشِيتُ أن يقولَ: عثمانُ، قلتُ: ثمّ أنتَ؟ قال: ما أنا إلا رجلٌ مِن المسلمينَ.