النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٩ كتاب المناقب كَشِبَع الخلق الكثير من الطَّعام القليل، وبعضها تخويف من الله ككُسوفِ الشمس والقمر، كما قال ◌َّه: ((إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله يُخُوِّف الله بهما عِباده))(١). وكأنَّ القوم الذينَ خاطَبَهم عبد الله بن مسعود بذلك تَسَّكوا بظاهرٍ قوله تعالى: ﴿وَمَا تُرْسِلُ بِلْأَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، ووقعَ عند الإسماعيلي من طريق الوليد بن القاسم عن إسرائيل في أوَّل هذا الحديث: سمعَ عبد الله بن مسعود بخَسفٍ، فقال: كنَّا أصحابَ محمَّد نَعُدّ الآيات بَرَكة، الحدیث. قوله: ((كنَّا مع رسول الله وَلَ فِي سَفَرَ)) هذا السَّفَرِ يُشِهِ أن يكون غزوةَ الحُدَيبية، لُبُوتٍ نَبع الماء فيها كما سيأتي (٤١٥٠)، وقد وقعَ مِثلُ ذلك في تَبُوك. ثمَّ وجَدت البيهقي في ((الدَّلائل)) جَزَمَ بالأوَّل لكن لم يُرِّج ما يُصرح به. ثمَّ وجَدت في بعض طرق هذا الحديث عند أبي نُعَيم في ((الدَّلائل) (٢) أنَّ ذلك كان في غزوة خيبر، فأخرج من طريق يحيى بن سَلَمَةَ بن كُهَيل عن أبيه عن إبراهيم، في هذا الحديث، قال: كنَّا مع رسول الله وَ له في غزوة خيبر، فأصاب الناسَ عَطَشٌ شديدٌ، فقال: (يا عبد الله التَمِس لي ماء)) فأتيتُهُ بفضلٍ ماءٍ في إدَاوَة، الحديث، فهذا أولى، ودَلَّ على تَكَرُّر وقوع ذلك حَضَراً وسَفَراً. قوله: ((فقال: اطْلُبُوا فضلة من ماء، فجاؤوا بإناءٍ فيه ماءٌ قليل)) ووقعَ عند أبي نُعَيم في ((الدَّلائل)) من طريق أبي الضُّحى عن ابن عبّاس قال: دَعا النبي ◌َِّ بلالاً بماءٍ، فطلبَه فلم يَجِده، فأتاه بشَنٍّ فيه ماء، الحديث، وفي آخره: فجَعَلَ ابن مسعود يَشرَب ويُكثِرِ، وهذا يُشعِرُ بأنَّ ابن عبّاس حَمَلَه عن / ابن مسعود، وأنَّ القصَّة واحدة، ويحتمل أن يكون كلّ من ابن ٥٩٢/٦ مسعود وبلال أحضَرَ الإِدَاوَةَ، فإنَّ الشَّنّ، بفتح المعجَمة وبالنّونِ: هو الإدَاوَة اليابسة. (١) سلف من حديث أبي موسی برقم (١٠٥٩). (٢) وهو أيضاً عند البزار (١٤٦٣)، والطبراني (١٠٠١٦)، لكن يحيى ضعيف الحديث، والإسناد إليه ضعيف جداً كذلك. ٤٦٢ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حَيَّ على الطَّهور المبارَك)) أي: هَلُمّوا إلى الطَّهور، وهو بفتح الطاء، والمراد به الماء، ويجوز ضَمّها، والمراد الفعل، أي: تَطَهَّروا. قوله: ((والبَرَكَةُ من الله)) البَرَكة مُبتَدَأ، والخبر من الله، وهو إشارة إلى أنَّ الإيجاد من الله. ووقعَ في رواية عَّر بن رُزَيق عن إبراهيم(١) في هذا الحديث: فجَعَلت أُبادِرهم إلى الماء أُدخِله جوفي، لقوله: «البر کة من الله)». وفي حديث ابن عبّاس: فبَسَطَ كَفّه فيه، فنَبَعَت تحت يده عَيْنٌ، فجَعَلَ ابن مسعود یَشرَب ويُکثِر. والحكمة في طلبه وَ له في هذه المواطن فضْلَة الماء لئلّا يُظَنّ أنَّه المُوجِد للماءِ، ويحتمل أن يكون إشارةً إلى أنَّ الله أجرى العادة في الدُّنيا غالباً بالنَّوالُدِ، وأنَّ بعضَ الأشياء يقع بينها التَّوالُد، وبعضها لا يقع، ومن جُملة ذلك ما يُشَاهَدُ من فَوَران بعض المائعات إذا خُمِّرَت وتُرِكَت زماناً، ولم تَجِرِ العادة في الماء الصِّرف بذلك، فكانت المعجزة بذلك ظاهرة جدّاً. قوله: ((ولَقد كنّا نَسْمَع تَسْبِيحَ الطَّعام وهو يُؤْكَل)) أي: في عهد رسول الله ◌َّلتز غالباً، ووقعَ ذلك عند الإسماعيلي صريحاً، أخرجه عن الحسن بن سفيان عن بُندار عن أبي أحمد الزُّبَيري في هذا الحديث: كنَّا نأكُل مع النبي ◌َّهِ الطَّعام ونحنُ نَسمَع تسبيح الطَّعام. وله شاهد أورَدَه البيهقي في ((الدَّلائل)) (٦٣/٦) من طريق قيس بن أبي حازم قال: كان أبو الدَّرداء وسَلمان إذا كَتَبَ أحدهما إلى الآخر، قال له: بآية الصَّحْفة، وذلك أنَّهما بَيْنا هما يأكلان في صحفة إذ سَبَّحَت وما فيها. وذكر عياض عن جعفر بن محمَّد عن أبيه، قال: مَرِضَ النبي ◌َِّ فأتاه جِبْرِيل بطَبَقٍ فيه عِنَب ورُطَب، فأكَلَ منه فسَبَّحَ. (١) كذا وقع في الأصلين و(س)، وهو خطأ، صوابه: عن الأعمش عن إبراهيم، كما جاء في ((دلائل النبوة)) لأبي نعيم، حيث خرَّج الحديث من طريقه برقم (٣١١)، ولأنَّ عماراً لا يروي عن إبراهيم النخعي إلاّ بواسطة، کما في (تهذيب الكمال)». ٤٦٣ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٩ كتاب المناقب قلت: وقد اشتَهَرَ تسبيح الحصى، ففي حديث أبي ذرِّ قال: تَناوَلَ رسولُ الله ◌ِێ سبع حَصَيات، فسَبَّحِنَ في يده حتَّى سمعتُ لهنَّ حَنِيناً، ثمَّ وضَعَهُنَّ في يد أبي بكر فسَبَّحنَ، ثمَّ وضَعَهُنَّ في يد عمر فسَبَّحنَ، ثمَّ وضَعَهُنَّ في يدَ عثمان فسَبَّحنَ، أخرجه البزَّار (٤٠٤٠ و٤٠٤٤)، والطبراني في «الأوسط)» (١٢٤٤ و٤٠٩٧) وفي رواية الطبراني: فسمعَ تسبيحَهنَّ مَن في الحَلْقة، وفيه: ثمَّ دَفَعَهُنَّ إلينا، فلم يُسبِّحنَ مع أحد مِنّا. قال البيهقي في ((الدَّلائل)) (٦/ ٦٥): كذا رواه صالح بن أبي الأخضر - ولم يكن بالحافظِ - عن الزّهْري عن سويد بن يزيد السُّلَمي عن أبي ذرِّ، والمحفوظ ما رواه شعيب بن أبي حمزة عن الزُّهْري قال: ذكر الوليد بن سوَيدِ أنَّ رجلاً من بني سُلَيم كان كبير السِّنّ مَمَّن أدرَكَ أبا ذرِّ بالرَّبَذَة، ذكر له عن أبي ذرِّ بهذا(١). فائدة: ذكر ابن الحاجِب عن بعض الشّيعة أنَّ انشقاق القمر وتسبيح الحصى وحَنين الجِدع وتَسليم الغَزالة ممّا نُقِلَ آحاداً مع تَوَقُّر الدَّواعي على نَقلِه، ومع ذلك لم يُكذَّب رواتُها. وأجابَ بأنَّه استُغني عن نَقلها تَواتُراً بالقرآن. وأجابَ غيره بمَنع نَقْلِها آحاداً. وعلى تسليمه فمجموعها يفيد القطع، كما تقدَّم في أوَّل هذا الفَصل(٢). والذي أقول: إنَّها كلّها مُشتَهِرة عند الناس، وأمَّا من حيثُ الرِّواية فليست على حَدِّ سواء، فإنَّ حَنين الجِذع وانشِقاق القمر نُقِلَ كلّ منهما نقلاً مُستَفيضاً يُفيد القطع عند مَن يَطَّلِع على طرق ذلك من أئمَّة الحديث، دون غيرهم ممَّن لا تُمارَسة له في ذلك. (١) هذا الذي نقله الحافظ رحمه الله تعالى إنما قاله البيهقي في الطريق الذي ساقه في ((الدلائل)) ٦٤/٦ -٦٥، ولم يَسُق غيره، وهو أول طريقي البزار لهذا الحديث، لكن الحديث جاء عند البزار في الموضع الثاني وعند الطبراني في الموضع الأول بإسناد آخر عن أبي ذرّ الغفاري، وهو عند الطبراني رجاله ثقات، وهذا اللفظ الذي ذكره الحافظ لفظه، وطريق شعيب بن أبي حمزة التي أشار إليها البيهقي هي عند الطبراني في «الشامیین)) (٣١٩٨). (٢) في هامش (س): العجيب أن يقول هذا شيعي، وهم في أوثق كتبهم ينقلون عن رواة معروفين بالكذب آيات عن غير المعصومين بعد رسول الله وي لهم يكذب بعضها بعضاً حتى لو لم يكن رواتها كذابين. محب الدين الخطيب. ٤٦٤ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٠ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا تسبيح الحصى فليست له إلّا هذه الطَّريق الواحدة مع ضعفِها(١)، وأمَّا تَسليم الغَزالة فلم أجد له إسناداً لا من وجه قوي ولا من وجه ضعيف(٢)، والله أعلم. ٣٥٨٠- حذَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا زكريّا، قال: حدَّثني عامرٌ، قال: حدَّثني جابرٌ ﴾: أنَّ أباه توفِّيَ وعليه دينٌ، فأتيتُ النبيَّ وَِّ، فقلتُ: إِنَّ أبي تَرَكَ عليه دَيناً، وليس عندي إلّا ما يُخْرِجُ نَخلُه، ولا يَبْلُغُ ما يُخْرِجُ بِنِينَ ما عليه، فانطَلِقِ مَعي لكي لا يُفْحِشَ عليَّ الغُرَماءُ، فمَشَى حَوْلَ بَيَدَرٍ من بَيَادِرِ الَّمْرِ فَدَعا، ثَمَّ آخَرَ، ثمَّ جَلَسَ عليه، فقال: «انزِعُوهُ» فأوْفاهُمُ الذي لهم، وبَقِيَ مِثلُ ما أعطاهُم. الحديث الثامن: حديث جابر في قصَّة وفاء دَين أبيه، أورَدَه مختصراً، وقد ذكره في مواضع أُخرى مُطوَّلاً (٣). ٥٩٣/٦ قوله: ((حدَّثنا زكريًّا)) هو ابن أبي زائدة، وعامر: / هو الشَّعبي. قوله: ((أنَّ أباه)» هو عبد الله بن عَمْرو بن حَرام، بالمهمَلتَينِ، وفي رواية مُغيرة عن الشَّعبي في البيوع (٢١٢٧): تُوُفّيَ عبد الله بن عَمْرو بن حَرام وعليه دين، وفي رواية فِراس عن الشَّعبي في الوصايا (٢٧٨١): أنَّ أباه استُشهِدَ يومٍ أُحُد، وتَرَكَ سِتّ بنات، وتَرَكَ عليه دَيناً. وفي رواية وَهْب بن كَيْسانَ عن جابر فيه (٢٣٩٦): أنَّ أباه تُوُفّيَ وتَرَكَ عليه ثلاثينَ وَسْقاً لرجلٍ من اليهود، فاستَنظَرَه جابر، فأبى أن يُنظِرَهِ، فَكَلَّمَ جابرٌ رسولَ اللهِوَ ل﴿ ليشفَع له، فكَلَّمَ اليهوديّ لیأخُذ ثَمَر نخله بالذي له فأبى. وفي رواية ابن كعب بن مالك في الاستقراض (٢٣٩٥)، والهبة (٢٦٠١) عن جابر: أنَّ أباه قُتِلَ يومٍ أُحُد شهيداً وعليه دَين، فاشتَكَّ الغُرَماء في حقوقهم، فأتيتُ النبيَّ ◌َِّ فِكَلَّمتُه، (١) بل لها طرق أخرى كما بيناه قريباً. (٢) لكن ذكر الحافظ في ((تخريج أحاديث المختصر)) ١/ ٢٤٥ أنه ورد في كلام الظبية معه وَليم أحاديث، ثم ساقها. (٣) أولها برقم (٢١٢٧)، وانظر جميع أطرافه فيه. ٤٦٥ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٠ كتاب المناقب فسألَم أن يقبلوا تمر حائطي، ويُحُلِّلوا أبي فأبَوا. ووقعَ عند أحمد (١٥٢٨١) من طريق نُبَيح العَنَزي عن جابر قال: قال لي أبي: يا جابر، لا عليك أن يكون في نَظّارِي أهلِ المدينة حتَّى تعلم إلى ما يصير أمرنا - فذكر قصَّة قتل أبيه ودفنه، قال - وتَرَكَ أبي عليه دَيناً من التَّمر، فاشتَدَّ عليَّ بعضُ غُرَمائه في التَّقَاضِي، فأتيتُ النبيَّ ◌َلّ فذكرتُ له، وقلت: فَأُحِبّ أن تُعينَني عليه، لعلَّه أن يُنظِرَني طائفةً من تمره إلى هذا الصِّرام المُقبِل، قال: ((نعم، آتيك إن شاء الله قريباً من نصف النَّهار)) فذكر الحديث في الضّيافة، وفيه: ((ثمَّ قال: ادعُ فلاناً) - لغريمي الذي اشتَدَّ في الطَّلَب - فجاء، فقال: ((أنظِرِ جابراً طائفةً من دَينِك الذي على أبيه إلى الصِّرام المُقبِل)) فقال: ما أنا بفاعلٍ، واعتَلَّ، وقال: إنَّما هو مالُ يتامى. قوله: ((وليس عندي إلّا ما يُخْرِجُ نَخلُه)) يعني: أنَّه لم يَتْرُك مالاً إلّا الْبُستانَ المذكور. قوله: ((ولا يَبْلُغ ما يُخْرِجُ نَخلُهُ سِنِينَ)) أي: في مُدَّة سنين ((ما عليه)) أي: من الدَّين. قوله: ((فانطَلِقٍ مَعي لكَيلا يُفْحِش عليَّ الغُرَماء، فمَشى)) فيه حذف تقديره: فقال: نعم، فانطَلَقَ فوصَلَ إلى الحائط فمَشى. وقد تَبِيَّن من الرّوايات الأُخرى التَّصريحُ بما وقعَ من ذلك، ففي رواية مُغيرة: فقال: ((اذهَب فصَنِّفُ تَرك أصنافاً، ثمَّ أرسِل إليَّ) ففَعَلتُ، فجاء فجَلَسَ على أعلاه. وفي رواية فِراس(١) في البيوع: ((اذهَب فصَنِّف تمرَك أصنافاً: العَجْوة على حِدَةٍ، وعَذْق زَيْد على حِدَةٍ)) وقوله: عَذْق زيد، بفتح المهمَلة، وزيدٌ الذي نُسِبَ إليه اسم لشخصٍ كأنَّه هو الذي كان ابتَدَأْ غِراسَه، فنُسِبَ إليه، والعَجْوة من أجود تمر المدينة. قوله: (بَيَدِرْ))(٢) بفتح الموحّدة وكسر المهمَلة، وهو فعل أمر، أي: اجعَل التَّمر في البَيَادِر (١) هذا الذي ساقه الحافظ رحمه الله إنما هو رواية المغيرة نفسها التي أشار إليها من قبل. وليس رواية فراس - وهو ابن يحيى الهمداني -. (٢) هذه اللفظة لم تقع في رواية حديث جابر في هذا الباب، ولكنها في الرواية السالفة برقم (٢٧٨١) والرواية الآتية برقم (٤٠٥٣). ٤٦٦ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٠ فتح الباري بشرح البخاري كلَّ صِنف في بَيْدَر، والبَيدَر، بفتح الموحَّدة وسكون التَّحتانية وفتح الدّال المهمَلة للَّمرِ، كالجُرنِ للحَبّ. قوله: ((فَدَعا)) في رواية ابن كعب بن مالك: فغَدًا علينا فطافَ في النَّخل، ودَعًا في تمره بالبَرَكة، وفي رواية الذَّيّال بن حَرمَلة عن جابر: فجاء هو وأبو بكر وعمر، فاستَقرأ النَّخلَ، يقوم تحت كلِّ نخلة، لا أدري ما يقول، حتَّى مرَّ على آخرها، الحديث. أخرجه أحمد(١). قوله: ((ثُمَّ آخَر)) أي: مَشى حول بَيَدَر آخر فدَعا، وفي رواية فِراس: فدَخَلَ النبيُّ ◌َله النَّخلَ فَمَشى فيها، فقال: ((أفرِ غُوه)) أي: أفرِغوه من البَيدَر، وفي رواية مُغيرة: ثمَّ قال: ((كِل للقومٍ)) فكِلتهم حتَّى أوفَيتُهم، وفي رواية فِراس: ثمَّ قال لجابرٍ: ((جُدَّ فأوفٍ له (٢) الذي له)» فجَدَّه بعدَما رَجَعَ النبي ◌ِّ. قوله: ((فأوْفاهمُ الذي لهم وبَقي مِثلُ ما أعْطاهم)) في رواية مُغيرة: وبقي تمري كأنَّه لم يَنقُص منه شيء، وفي رواية ابن كعب: وبَقي لنا من تمرها بقيَّة، ووقعَ في رواية وَهْب بن كَيْسانَ: فأوفاه ثلاثينَ وَسقاً، وفَضَلَت له سبعة عشر وسقاً. ويُجمَع بالحَملِ على تعدُّد الغُرَماء، فكأن أصل الدَّين كان منه ليهودي ثلاثونَ وسقاً من صنف واحد، فأوفاه وفَضَل من ذلك البَيدَر سبعة عشر وسْقاً، وكان منه لغير ذلك اليهودي أشياءُ أُخَرُ من أصناف أُخرى، فأوفاهم وفَضَلَ من المجموع قَدْرَ الذي أوفاه، ويُؤْيِّده قوله في رواية نُبَيح العَنَزي عن جابر: فكِلتُ له من العجوة، ٥٩٤/٦ فأوفاه اللهُ وفَضَلَ لنا من / التَّمر كذا وكذا(٣). (١) لم نقف عليه في ((مسند أحمد)) ولم يعزه له الحافظ في ((إتحاف المهرة)) ولا في ((أطراف المسند))، وأخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)» ٢٢٧/١١ من طريق أبي يعلى برواية ابن المقرئ الأصبهاني عنه. (٢) لفظة ((له)) سقطت من (س). (٣) زاد بعدها في (ع) و(س): وكلت له من أصناف التمر، فأوفاه اللهُ وفضل لنا من التمر كذا وكذا. وهذه الزيادة لم ترد في (أ)، وهو الصواب، فإنها لم ترد في شيء من مصادر تخريج الحديث. ٤٦٧ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٠ كتاب المناقب ووقعَ في رواية فِراس عن الشَّعبي ما قد يخالف ذلك، ففيه: ثمَّ دَعَوتُ رسول الله وَّه فلمَّا نظروا إليه كأنَّمَا أُغْرُوا بي تلكَ الساعةَ، أي: أنَّهم شَدَّدوا عليه في المطالَبة لعداوتهم للنبي وَ ل﴾، قال: فلمَّا رأى ما يصنعونَ طافَ حول أعظَمها بَيدَراً ثلاث مرَّات ثمَّ جَلَسَ عليه، ثمَّ قال: ((ادعُهم)) فما زالَ يَكِيل لهم حتَّى أدّى اللهُ أمانةَ والدي، وأنا راضٍ أن يُؤَدَّهَا اللهُ ولا أرجِعَ إلى أخواتي بتمرةٍ، فسَلَّمَ اللهُ البَادِرِ كلَّها، حتَّى إنّي أَنظُر إلى البَيَدَر الذي عليه رسولُ اللهِ وَ﴿ كأنَّه لم يَنقُص منه تمرةٌ واحدة. ووجه المخالَفة فيه أنَّ ظاهره أنَّ الكَيْل جميعه كان بحَضْرة رسول الله وَّةِ، وأنَّ التَّمر لم يَنقُص منه شيءٌ البَثَّة، والذي مضى ظاهره أنَّ ذلك بعد رجوعه، وأنَّ بعض التَّمر نَقَصَ، ويُجمَع بأنَّ ابتداءَ الكَيل كان بحَضرَتِه ◌ََِّ، وبقيتَه كان بعد انصرافه، وكان بعضُ البَیادِر التي أوفى منها بعضَ أصحاب الدَّين حيثُ كان بحَضرة رسول الله وَله لم يَنْقُص منه شيء البَنَّة، ولمَّ انصَرَفَ بقيت آثارُ بَرَكَته، فلذلك أوفى من أحد البَيَادِر ثلاثينَ وسقاً، وفَضَلَ سبعة عشر. وفي رواية نُبَيح ما يُؤيِّد ذلك، ففي روايته قال: ((كِل له، فإنَّ الله سوف يُوَفِیه»، وفي حديثه: فإذا الشمس قد دَلَكَت فقال: ((الصلاةَ يا أبا بكر)) فاندَفَعوا إلى المسجد، فقلت له - أي: للغريم -: قَرِّب أوعِيَتَك، وفيه: فجِئتُ أسعى إلى رسول الله وَ﴿ كأنِّي شَرارَة، فَوَجَدتُه قد صَلّى، فأخبَرَتُه، فقال: ((أين عمر؟)) فجاء يُهَروِل، فقال: ((سَلْ جابراً عن تمرِهِ وغَريمه)) فقال: ما أنا بسائِلِهِ، قد عَلِمتُ أنَّ الله سيُوفّيه، الحديث. وقصَّة عمر قد وقعَت في رواية ابن كعب، ففيها: ثمَّ جِئتُ رسول الله وَّه، فقال لعمر: (اسمَعْ يا عمر)) قال: ألّا يكونُ قد عَلِمْنا أنَّك رسولُ الله، والله إنَّكَ لَرسولُ الله. وفي رواية وَهْب: فقال عمر: لقد عَلمت حين مَشى فيها رسولُ اللهِوَلَه لَيُبَارِ كَنَّ اللهُ فيها. وقوله في رواية ابن كعب: ألّا يكونُ، بفتح الهمزة وتشديد اللّم في الرِّوايات كلّها، وأصلها أن الخفيفة ضُمَّت إليها لا النافية، أي: هذا السُّؤال إنَّما يَحتاج إليه مَن لا يعلم أنَّك رسول الله، فلذلك يَشُكّ في الخبر فيَحتاج إلى الاستدلال، وأمَّا مَن عَلِمَ أنَّك رسول الله ٤٦٨ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٠ فتح الباري بشرح البخاري فلا يَحتاج إلى ذلك. وزَعَمَ بعض المتأخِّرِينَ أنَّ الرِّواية فيه بتخفيفِ اللّم، وأنَّ الهمزة فيه للاستفهام التَّقریري، فأنكَرَ عمرُ عَدَم علمه بالرِّسالة، فأنتَجَ إنکارُه ثُبوت علمه بها، وهو كلامٌ موجَّه، إلّا أنَّ الرِّواية إنَّما هي بالتَّشديد، وكذلك ضَبَطَها عياض وغيره. وقيل: النُّكتة في اختصاص عمر بإعلامه بذلك أنَّه كان مُعتَنياً بقصَّةٍ جابر، مُهتَمّاً بشأنِهِ، مُساعداً له على وفاء دَيْن أبيه. وقيل: لأنَّه كان حاضراً مع النبي ◌َِّ لِمَّ مَشى في النَّخلِ، وتَحقَّقَ أنَّ التَّمر الذي فيه لا يَفي ببعضِ الدَّين، فأراد إعلامَه بذلك لكَونِه شاهَدَ أوَّل الأمر، بخلاف مَن لم يُشاهِدهُ. ثمَّ وجَدت ذلك صريحاً في بعض طرقه، ففي رواية أبي المتوكّل عن جابر عند أبي نُعَيم، فذكر الحديث، وفيه: فإذا رسولُ اللهِ وَلِّ وعمرُ، فقال: ((انطَلِقٍ بنا حتَّى نَطوف بنَخْلِك هذا)) فذكر الحديث. وفي رواية أبي نَضْرة عن جابر عنده في هذه القصّة، قال: فأتاه هو وعمر فقال: ((يا فلان خُذ من جابر وأخّر عنه)) فأبى، فكادَ عمر يَبطِشُ به، فقال النبي ◌َّ: «مَه يا عمر، هو حقّه)» ثمَّ قال: ((اذهَب بنا إلى نَخلك)) الحديث، وفيه: فأتيتُ النبي وَلّ فأخبَرته فقال: ((ائِني بعمر)) فأتيته، فقال: ((يا عمر)) سَلْ جابراً عن نَخله)) فذكر القصَّة. ووقعَ في رواية الذّيال بن حَرمَلة: أنَّ أبا بكر وعمر جميعاً كانا مع النبي ◌ََّ، وقال في آخره: قال: ((فانطَلِقِ فأخبِرِ أبا بكر وعمر)) قال: فانطَلَقتُ فأخبَرَتُهما، الحديث، ونحوه في روایة وهب بن گیْسانَ عن جابر. وَجَمَعَ البيهقي بين مُخْتَلِفِ الرِّوايات في ذلك بأنَّ اليهودي المذكور كان له دین مِن تَر، ولغيره من الغُرَماءِ دُيون أُخرى، فلمَّا حَضَرَ الغُرَماء وطالَبُوا بحقوقِهم، وكالَ لهم جابرُ التَّمَرَ ٥٩٥/٦ ففَضَلَ تمر الحائط كأنَّه لم يَنقُص شيء، فجاء اليهودي بعدهم فطالَبَ/ بدينه، فجَدَّ له جابر ما بقي على النَّخَلات، فأوفاه حقّه منه، وهو ثلاثونَ وَسْقاً، وفَضَلَت منه سبعة عشر، انتهى. وهذا الجمع يقتضي أنَّه لم يَفضُل من الذي في البَيَادِر شيءٌ. وقد صَرَّحَ في الرِّواية ٤٦٩ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ كتاب المناقب المتقدِّمة أنَّها فضَلَت كلُّها، كأنَّه لم يَنقُص منها شيء، فما تقدَّم من الطَّريق الذي جمعتُ به أولى، والله أعلم. وفي الحديث من الفوائد: جواز الاستنظار في الدَّين الحالّ، وجواز تأخير الغريم مصلحة المال الذي يُوفّى منه. وفيه مَشيُ الإمام في حوائج رَعيَّته، وشَفاعَته عند بعضهم في بعض. وفيه عَلَمٌ ظاهر من أعلام النبوَّة لتكثير القليل إلى أن حَصَلَ به وفاءُ الكثير وفَضَلَ منه. ٣٥٨١- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا مُعتَمِرٌّ، عن أبيه، حدَّثنا أبو عُثْمانَ، أنَّه حدَّثه عبدُ الرحمن بنُ أبي بكرٍ رضي الله عنهما: أنَّ أصحابَ الصُّفّةِ كانوا أُناساً فُقَراءَ، وأنَّ النبيَّ ◌َله قال مَرّةً: ((مَن كان عندَه طعامُ اثنَين فلْيَذْهَب بثالثٍ، ومَن كان عندَه طعامُ أربعةٍ فَلْيَذْهَب بخامسٍ پسادسٍ» أو كما قال. وإنَّ أبا بكرٍ جاء بثلاثةٍ، وانطَلَقَ النبيُّ ◌َّهِ بِعَشَرَةِ، وأبو بكرٍ ثلاثةً، قال: فهو أنا وأبي وأُتّي - ولا أدري هل قال: امرأتي - وخادِمي بينَ بيتِنا وبينَ بيتٍ أبي بكرٍ، وإنَّ أبا بكرٍ تَعَشَّى عندَ النبيِّ وَلِّ، ثُمَّ لَبِثَ حتَّى صَلَى العِشاءَ، ثمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حتَّى تَعَشَّى رسولُ الله وَّةِ، فجاء بعدَما مَضَى مِن اللَّيلِ ما شاءَ اللهُ. قالت له امرأتُه: ما حَبَسَكَ عن أضْيَافِكَ - أو ضَيفِكَـ؟ قال: أوَعَشَّتِهِم؟ قالت: أبَوْا حتَّى تَجِيءَ، قد عَرَضُوا عليهم فغَلَبوهم، قال: فذهبتُ فاختَبَأْتُ، فقال: يا غُنْثَرُ، فجَدَّعَ وسَبَّ، وقال: كُلُوا، وقال: لا أطْعَمُه أبداً، قال: وايمُ الله، ما كنّا نأْخُذُ مِن اللُّقْمَةِ إلّا رَبا من أسفلها أكثَرُّ منها، حتَّى شَبِعوا وصارَت أكثَرَ ممّا كانت قبلُ، فنَظَرَ أبو بكرٍ فإذا شيءٌ أو أكثرُ، فقال لِامرأتِه: يا أُخْتَ بني فِراسٍ، قالت: لا، وقُرَّةٍ عَينِي، هيَ الآنَ أكثرُ ممَّ قبلُ بثلاثٍ مِرَارٍ، فَأَكَلَ منها أبو بكرٍ، وقال: إنَّا كان الشيطانُ - يعني: يَمِينَه - ثمَّ أَكَلَ منها لُقْمَةً، ثمَّ ◌َلَها إلى النبيِّ ◌َِّةِ، فأصبَحَت عندَه، وكان بيننا وبينَ قوم عَهْدٌ، فمَضَى الأجَلُ فَفَرَّقَنا اثنا عَشَرَ رجُلاً، معَ كلِّ رجلٍ منهم أُناسٌ، اللهُ أعلمُ كم معَ كلِّ رجلٍ، غيرَ أنَّه بَعَثَ معهم، قال: أكَلُوا منها أجمَعُونَ؛ أو كما قال. ٤٧٠ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ فتح الباري بشرح البخاري وغيره يقول: فعَرَّفَنا، مِن العِرَافة. الحديث التاسع: حديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدّيق في قصَّة أضياف أبي بكر، والمراد منه تكثير الطَّعام القليل. قوله: ((عن أبيه)) هو سليمان بن طَرْخان التَّيْمي، أحدُ صِغار التابعينَ، وفي رواية أبي التُّعمان عن مُعتَمِر: حدَّثنا أبي، كما تقدَّم في الصلاة (٦٠٢). وأبو عثمان: هو النَّهدي. قوله: ((أنَّ أصحاب الصُّفَّة كانوا أُناساً فُقَراء)» سيأتي ذِكْرهم في كتاب الرِّقاق (٦٤٥٢)، وأنَّ الصُّفَّة مكان في مُؤَخَّر المسجد النَّبوي مُظَلَّل، أُعِدّ لنزولِ الغُرَباء فيه مَمَّن لا مأوى له ولا أهل، وكانوا يَكثُرُونَ فيه ويَقِلّونَ، بحَسَبٍ مَن يَتزوَّج منهم أو يموت أو يُسافر، وقد سَرَدَ أسماءَهم أبو نُعَيم في ((الحِلية))، فزادوا على المئة. قوله: ((مَن كان عنده طعام اثنَيَن فلْيَذْهَب بثالثٍ)) أي: من أهل الصُّفَّة المذكورينَ. ووقعَ في رواية مسلم (١٧٦/٢٠٥٧): «فليذهب بثلاثةٍ». قال عياض: وهو غَلَط، والصَّواب رواية البخاري لموافَقَتِها لسياق باقي الحديث. وقال القُرطُبي: إن ◌ُملَ على ظاهره فسَدَ المعنى، لأنَّ الذي عنده طعام اثنين إذا ذهب معه بثلاثةٍ لَزِمَ أن يأكله في خمسة، وحينئذٍ لا يكفيهم ولا يَسُدّ رَمَقَهم، بخلاف ما إذا ذهب بواحدٍ، فإنَّه حينئذٍ یأکله في ثلاثة. ويُؤيِّده قوله في الحديث الآخر: ((طعام الاثنين يكفي أربعة))(١)، أي: القَدر الذي يُشبِع الاثنين يَسُدّ رَمَق أربعة. ووَجَّهَها النَّوَوي بأنَّ التَّقدير: فليذهب بمَن يُتِمّ مَن عنده ثلاثة، أو فليذهب بتمام ثلاثة. قوله: ((ومَن كان عنده طعامُ أربعةٍ فَلْيَذْهَب بخامسٍ، بسادسٍ، أو كما قال)» أي: فليذهب بخامسٍ إن لم يكن عنده ما يقتضي أكثرَ من ذلك، وإلّا فليذهب بسادسٍ مع الخامس إن کان عنده أكثرُ من ذلك. (١) أخرجه أحمد (١٤٢٢٢)، ومسلم (٢٠٥٩)، وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله. ٤٧١ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ كتاب المناقب والحكمة في كَونِه يزيدُ كلَّ أحدٍ واحداً فقط أنَّ عَيشهم في ذلك الوقت لم يكن مُتَّسِعاً، فمَن كان عنده مثلاً ثلاثة أنفُس لا يَضِيق عليه أن يُطعِمِ الرّابع من قُوتِهِم، وكذلك الأربعة وما فوقها، بخلاف ما لو زِيدَت الأضيافُ بعَدَدِ العِيَال، فإنَّ ذلك إنَّما يَحَصُل الاكتِفَاءُ فيه عند اتِّساع الحال. ووقعَ في رواية أبي النُّعمان(١): ((وإن أربع فخامس أو سادس)) و((أو)) فيه للتَّنويع أو التخيير كما في الرِّواية الأُخرى، ويحتمل أن يكون معنى ((أو سادس)): وإن كان عنده طعام خمس فليذهب بسادسٍ، فيكون من عَطفِ الجملة على الجملة. وقوله: ((وإن أربع فخامس))(٢) بالجرِّ فيهما، والتَّقدير: فإن كان عنده طعام أربع فليذهب بخامسٍ أو سادِسٍ، فحَذَفَ عامل الجرّ وأبقى عمَلَه، كما يقال: مَرَرت برجلٍ صالح، وإن لا صالح فطالح، أي: إن لا أمُّ بصالحٍ، فقد مَرَرت بطالحٍ. ويجوز الرفع على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامَه، وهو أوجَهُ. قال ابن مالك: تَضَمَّنَ هذا الحديث حذفَ فِعلَين وعاملَي جَرّ مع بقاء عَمَلِهما بعد ((إن)) وبعد الفاء، والتَّقدير: مَن كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالثٍ، وإن قامَ بأربعةٍ فليذهب بخامسٍ أو سادس. انتهى. وهذا قاله في الرّواية التي في الصلاة، وأمَّا هذه الرِّواية وهي قوله: ((بخامسٍ بسادسٍ)) فيكون حُذِفَ منها شيءٌ آخرُ، والتَّقدير: أو إن قامَ بخمسةٍ فليذهب بسادسٍ. قوله: ((وإنَّ أبا بَكْر جاء بثلاثةٍ، وانطَلَقَ النبيُّنَّ بِعَشَرَةٍ)) عَبَّرَ عن أبي بكر بلفظ المجيء البُعدِ مَنزِله من المسجد، وعن النبيِ وَّ بالانطِلاق لقُربِه. وقوله بعد ذلك: ((وأبو بكر ثلاثةً)) بالنَّصبِ للأكثر، أي: أخَذَ ثلاثةً، فلا یکون قوله قبل ذلك: ((جاء بثلاثةٍ)) تَكراراً، لأنَّ هذا بيانٌ/ لابتداءِ ما جاء في نَصيبه، والأوَّل لبيان مَن ٥٩٦/٦ (١) سلفت (٦٠٢). (٢) هذا اللفظ في رواية أبي النعمان التي أشار إليها الحافظ، وقد تقدمت برقم (٦٠٢). ٤٧٢ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ فتح الباري بشرح البخاري أحضَرَهم إلى مَنِزِله. وأبعَدَ مَن قال: ثلاثةٌ، بالرفع، وقَدَّرَه: وأبو بكر أهله ثلاثةٌ، أي: عَدَد أضيافه، ودَلَّ ذلك على أنَّ أبا بكر كان عنده طعام أربعةٍ، ومع ذلك فأخَذَ خامساً وسادساً وسابعاً، فكأنَّ الحكمة في أخذه واحداً زائداً عمّ ذكر النبيُّ وَّ أنَّه أراد أن يُؤثِرِ السابعَ بنَصيِه إذ ظَهَرَ له أنَّه لم يأكل أوَّلاً معهم. ووقعَ في رواية الكُشْمِيهني: وأبو بكر بثلاثةٍ، فيكون معطوفاً على قوله: وانطَلَقَ النبي، أي: وانطَلَقَ أبو بكر بثلاثةٍ، وهي رواية مسلم (١٧٦/٢٠٥٧)، والأوَّل أوجَه، والله أعلم. قوله: ((قال: فهو أنا وأبي وأُمّي)) القائل هو عبد الرحمن بن أبي بكر، وقوله: ((فهو)) أي: الشَّأن، وقوله: ((أنا)) مُبتَدَأ وخبره محذوف، يدلّ عليه السِّياق، وتقديره: في الدّار. قوله: ((ولا أدري، هل قال: امرأتي وخادِمي)) في رواية الكُشْمِيهني: وخادِم، بغير إضافة، والقائل: هل قال، هو أبو عثمان الراوي عن عبد الرحمن، كأنَّ شَكَّ في ذلك. وقوله: ((بين بيتنا)) أي: خِدمَتُها مُشتَرَكة بين بيتنا وبيت أبي بكر، وهو ظَرْف للخادمِ. وأُمّ عبد الرحمن: هي أمّ رُومان مشهورة بكُنْيتِها، واسمها زينب، وقيل: وَعْلة، وقيل: دَعْدُ (١) بنت عامر بن عوَيمِر، وقيل: عُمَيرة، من ذُرّية الحارث بن غَنْم بن مالك بن كِنانة، كانت قبل أبي بكر عند الحارث بن سَخْبَرة الأزدي، فقَدِمَ مَّة فماتَ وخَلَّفَ منها ابنَه الطُّفَيل، فتزوَّجَها أبو بكر فوَلَدَت له عبد الرحمن وعائشة، وأسلَمَت أمّ رومان قديماً، وهاجَرَت ومعها عائشة. وأمَّا عبدُ الرحمن فتأخَّرَ إسلامه وهِجْرته إلى هُدْنة الحُدَيبية، فقَدِمَ في سنة سبع أو أوَّل سنة ثمان، واسم امرأته والدةٍ أكبر أولاده أبي عَتِيق محمَّد: أُمَيمَة بنت عَدي بن قيس السَّهمية، والخادم لم أعرف اسمَها. قوله: ((وإنَّ أبا بكر تَعَشّى عند النبيِِّ، ثمَّ لَبِثَ حتَّى صَلّى العِشاء ثمَّ رَجَعَ)) ووَقَعَ في (١) قوله: ((وقيل: دَعْد)) سقط من (س). ٤٧٣ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ كتاب المناقب الرِّواية التي في الصلاة (٦٠٢): ثمَّ لَبِثَ حتَّى صُلِّتِ العِشاءُ، وفي رواية: حيثُ صُلِّيت، ثمّ رَجَعَ. فَشَرَحَه الكِرْماني، فقال: هذا يُشعِر بأنَّ تَعَشّي أبي بكر كان بعد الرُّجوع إلى النبي ◌ِّ، والذي تقدَّم بعَكْسِه. والجواب: أنَّ الأوَّل بيان حال أبي بكر في عَدَم احتياجه إلى الطَّعام عند أهله، والثّاني فيه سياق القصّة على التَّرتيب الواقع: الأوَّل: تَعَشِّي الصِّدّيِقِ، والثّاني: تَعَشّي النبيِّ وََّ. والأوَّل من العَشاء بفتحِها، أي: الأكل، والثّاني: بكسرها، أي: الصلاة. فأحد هذه الاحتمالات أنَّ أبا بكر لمَّا جاء بالثلاثة إلى مَنزِله لَبِثَ إلى وقت صلاة العِشاء، فَرَجَعَ إلى النبيِ نَّهِ حَتَّى تَعَشّى عنده، وهذا لا يَصِحّ، لأنَّه يخالف صريح قوله في حديث الباب: وإنَّ أبا بكر تَعَشّى عند النبيِ وَله ثمّ إنَّ الذي وقعَ عند البخاري (٦٠٢) بلفظ: ثمَّ رَجَعَ، بالجيم ليس مُتَّفَقاً عليه بين الرُّواة لِمَا سأذكُرُه، وظاهر قوله في هذه الرِّواية: ثمَّ رَجَعَ، أي: إلى مَنزِله، وعلى هذا ففي قوله: فَلَبِثَ حتَّى تَعَشّى رسول الله وََّ، فجاء بعدَما مضى من اللَيل ما شاءَ الله، تكرار، وفائدته: الإشارة إلى أنَّ تأخّرَه عند النبيِ وَّ كان بمقدار أن تَعَشّى معه، وصَلّى العِشاء، وما رَجَعَ إلى مَنزِله إلّا بعد أن مضى من اللَّيل قِطعةٌ، وذلك أنَّ النبي ◌َِّ كان يُحبّ أن یُؤخّر صلاة العِشاء کما تقدّم في حديث أبي برزة (٥٤١ و٥٩٩). ووقعَ عند الإسماعيلي: ثمَّ رَكَعَ، بالكاف، أي: صَلّى النافلة بعد العِشاء، فعلى هذا فالتَّكرار في قوله: فلَبِثَ حتَّى تَعَشّى، فقط، وفائدَته ما تقدَّم. ووقعَ في رواية مسلم (١٧٦/٢٠٥٧) والإسماعيلي أيضاً: فَلَبِثَ حتَّى نَعَسَ، بعينٍ وسين مُهمَلتَين مفتوحَتَين، من النُّعاس، وهو أوجَه، وقال عياض: إنَّه الصَّواب. وبه يَنتَفي التَّكرار من المواضع كلّها إلّا في قوله: لَبِثَ، وسَبَبه اختلاف تعلُّق اللُّبث، فالأوَّل: قال: لَبِثَ حتَّى صَلّى العِشاء، ثمَّ قال: فَلَبِثَ حتَّى نَعَسَ. والحاصل أنَّه تأخّرَ عند النبي ◌َّهِ حَتَّى صَلّى العِشاء، ثمَّ تأخَّرَ حتَّى نَعَسَ النبي ◌َّل وقامَ لينامَ، فَرَجَعَ أبو بكر حينئذٍ إلى بيته. وقد تَرجَمَ عليه المصنِّف في أبواب الصلاة قُبَيل ٤٧٤ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ فتح الباري بشرح البخاري الأذان: ((باب السَّمَر مع الضَّيف والأهل)) (٦٠٢)، وأخَذَه من كَون أبي بكر رَجَعَ إلى أهله ٥٩٧/٦ وضِيفَانِهِ / بعد أن صَلّى العِشاء مع النبي ◌َِّ، فدارَ بينهم وبينه ما ذُكِرَ في الحديث. ووقعَ في رواية أبي داود (٣٢٧٠) من رواية الجُريَري عن أبي عثمان - أو أبي السَّليل(١) - عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: نزلَ بنا أضياف، وكان أبو بكر يَتَحَدَّث عند النبي ◌َلـ فقال: لا أرجِع إليك(٢) حتَّى تَفرُغ من ضيافة هؤلاء، ونحوه يأتي في الأدب (٦١٤٠) من طريق أُخرى عن الجُريَري عن أبي عثمان بلفظ: أنَّ أبا بكر تَضَيَّفَ رَهطاً، فقال لعبد الرحمن: دُونَك أضيافَك، فإنّ مُنطَلِقٍ إلى النبي ◌ِِّ، فافرُغ مِن قِراهم قبل أن أجيء، وهذا يدلُّ على أنَّ أبا بكر أحضَرَهم إلى مَنزِله وأمَّرَ أهلَه أن يُضَيِّفُوهم، وَرَجَعَ هو إلى النبيَِّ، ويدلّ عليه صريحُ قوله في حديث الباب: وإنَّ أبا بكر جاء بثلاثةٍ. قوله: ((قالت له امرأته: ما حَبَسَك عن أضْيافك؟)» في رواية الكُشْمِيهني: عن ضيفك، وكذا هو في الصلاة، ورواية مسلم (١٧٦/٢٠٥٧). قوله: ((أو ضَيفك)) شَكّ من الراوي، والمراد به الجنس، لأنَّهم كانوا ثلاثة، واسم الضَّيف يُطلَق على الواحد وما فوقه. وقال الكِرْماني: أو هو مصدَر يَتَنَاوَل المثنّى والجمع، کذا قال، وليس بواضحٍ. قوله: ((أَوَعَشَّيتهم)) في رواية الكُشْمِيهني: ((أَوَما عَشَّيتِهِم)) بزيادة ما النافية، وكذا في رواية مسلم والإسماعيلي، والهمزة للاستفهام، والواو للعَطفِ على مُقدَّر بعد الهمزة، وفي بعضها: عشَّيْتيهم، بإشباع الكسرة. قوله: ((قد عَرَضوا عليهم)) بفتح العين والرّاء، والفاعل محذوف، أي: الخَدَم أو الأهل (١) كذا وقع في الأصلين و(س)، فأوهم أنَّ الجريري - واسمه سعيد بن إياس - أو مَن دونه شكَّ: هل الرواية عن أبي عثمان أو عن أبي السليل - واسمه ضُرَيب بن نُقَير - وهذا خطأ، صوابه: أو عن أبي السليل عنه، يعني أنَّ الشك الذي حصل هل رواية الجريري عن أبي عثمان مباشرة أو بواسطة أبي السَّليل، كذلك جاء في ((سنن أبي داود))، وكذا جاء في ((تحفة الأشراف)) (٩٦٨٨) مُوضَّحاً. (٢) يخاطب بذلك أبو بكر ابنَه عبد الرحمن. ٤٧٥ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ كتاب المناقب أو نحو ذلك، ((فغَلَبوهم)) أي: أنَّ آلَ أبي بكر عَرَضوا على الأضياف العَشاء فأبَوا، فعالَجُوهم، فامتَنَعُوا حتَّى غَلَبوهم. وفي الرّواية التي في الصلاة (٦٠٢): قد عُرِّضوا، بضمٍّ أوَّله وتشديد الرّاء، أي: أُطعِموا، من العُراضة، وهي الهدية، قاله عياض، قال: وهو في الرِّواية بتخفيفِ الرّاء. وحَكَى ابن قُرِقُول أنَّ القياس بتشديد الرّاء، وبه جَزَمَ الجَوهري، وقال الكِرْماني موجِّهاً الَّخفيفَ: أي: عُرِضَ الطَّعام عليهم، فحَذَفَ الجارّ ووصلَ الفعل، فهو من القلب كَعَرَضتُ الناقة على الحوض(١). ووَقَعَ في الصلاة: ((قد عَرَضنا عليهم فامتَنَعوا(٢)، وحَكَى ابن التِّين أنَّه وَقَعَ في بعض الرِّوايات: عَرَصوا، بصادٍ مُهمَلة، قال: ولا أعرف لها وجهاً، ووَجَّهَها غيره أنَّها من قولهم: عَرِصَ: إذا نَشِطَ، فكأنَّه يريد أنَّهم نَشِطوا في العَزيمة عليهم، ولا يخفى تكلُّفُه. وفي رواية الجُرَيري (٦١٤٠): فانطَلَقَ عبد الرحمن فأتاهم بما عنده، فقال: اطعَمُوا، قالوا: أين ربُّ مَنزِلنا؟ قال: اطعَمُوا. قالوا: ما نحنُ بآكِلينَ حتَّى يَجيء. قال: اقبَلوا عَنّا قِراكُم، فإنَّه إن جاء ولم تَطعَمُوا لنَلقَين منه - أي: شَرّاً - فأبَوا)). وفي رواية مسلم (١٧٧/٢٠٥٧): ألا تَقبَلُوا عَنّا قِراكم؟، ضَبَطَه عياض عن الأكثر بتخفيفِ اللّام على استفتاح الكلام، قال القُرطُبي: ويَلزَم عليه أن تَتْبُت النُّون في «تَقبَلُونَ)» إذ لا موچِب حذفها، وضبطها ابن أبي جعفر بتشديد اللّام، وهو الوجه. قوله: ((قال: فذهبْتُ فاختبأتُ)) أي: خوفاً من خِصام أبي بكر له وتَغيُّظه عليه. وفي (١) كذا وقع في الأصلين و(س)، فأوهم الكلامُ أنَّ القلب هو التقدير بعد حذف الجارّ ووصل الفعل، وهو خطأ، لأنهما تقديران متغايران، وجاء على الصواب في ((عمدة القاري)) للعَيني، حيث جاء فيه: وقال الكرماني: وفي بعض النسخ بضم العين، أي: عُرِض الطعامُ على الأضياف، فحذف الجار وأوصل الفعل، أو هو من باب القلب نحو: عرضتُ الحوض على الناقة، وهذا هو نص الكرماني في ((الكواكب الدراري)) ٢٣٨/٤، غير أنه وقع في مطبوع الكرماني: عرضت الناقة على الحوض، كالذي نقله الحافظ هنا، وهو أظهر في القلب، لأنَّ المعروض عادة هو الحوض لا الناقة، لاختبار عطشها. (٢) لم يرد في الصحيح بهذا اللفظ، بل ولا في شيء من كتب الحديث، وأما في الصلاة فجاء بلفظ: قد عُرضوا فأبوا، وفي الأدب (٦١٤١) بلفظ: عرضنا عليهم فأبوا. ٤٧٦ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ فتح الباري بشرح البخاري رواية الجُرَيري (٦١٤٠): فعَرَفت أنَّه يَجِدُ عليّ - أي: يَغضَب - فلمَّا جاء تَغْيَّيتُ عنه، فقال: يا عبد الرحمن، فسَكَتُّ، ثمَّ قال: يا عبد الرحمن، فسَكَتُ. قوله: ((فقال: يا غُنْثَر، فجَدَّعَ وسَبَّ)) في رواية الْجُرَيري فقال: يا غُنشَرُّ، أقسَمتُ عليك إن كنت تسمع صوتي لمَّا جِئتَ، قال: فخَرَجتُ، فقلت: والله ما لي ذَنبٌ، هؤلاءِ أضيافُك فسَلْهم، قالوا: صَدَقَك، قد أتانا به. وقوله: ((فجَدَّعَ وسَبَّ)) أي: دَعَا عليه بالجَدْع، وهو قطع الأُذُن أو الأنف أو الشَّفَة، وقيل: المراد به السَّبّ، والأوَّل أصحّ. وفي رواية الجُرَيري: فَجَزَّعَ(١) بالزّاي بدل الدّال، أي: نَسَبَه إلى الجَزَع، بفتحَتَين، وهو الخوف، وقيل: المجازَعة: المخاصَمة، فالمعنى: خاصَمَ. قال القُرطُبي: ظنَّ أبو بكر أنَّ عبد الرحمن فرَّطَ في حَقّ الأضياف، فلمَّا تَبَيَّن له الحال، أَذَّبَهم بقوله: كُلوا لا هَنيئاً(٣)، وسَبَّ: أي: شَتَمَ. وحَذَفَ المفعول للعِلمِ به. قوله: ((غُنْثَر)) بضمِّ المعجمة وسكون النُّون وفتح المثلَّثة، هذه الرِّواية المشهورة، وحُكي ٥٩٨/٦ ضَمّ المثلَّثة، وحَكَى عياض عن بعض / شيوخه فتح أوّله مع فتح المثلَّثة، وحكاه الخطّابي بلفظ: ((عَنتَر)) بلفظ اسم الشّاعر المشهور، وهو بالمهملة والمثنّة المفتوحَتَين بينهما النُّون الساكنة، وَرَوى عن أبي عمرَ عن ثَعلَب: أنَّ معناه الذُّباب، وأنَّه سُمّي بذلك لصوتِهِ، فشَبَّهَه به حيثُ أراد تَحقيره وتصغيره. وقال غيره: معنى الرّواية المشهورة: الثَّقيل الوَخِم، وقيل: الجاهل، وقيل: السَّفيه، وقيل: اللَّئيم، وهو مأخوذ من الغُثْر، ونونه زائدة، وقيل: هو ذُباب أزرق، شَبَّهَه به لتحقيره كما تقدَّم. قوله: ((وقال: كُلوا)) زاد في الصلاة (٦٠٢): لا هَنيئاً، وكذا في رواية مسلم (١٧٦/٢٠٥٧)، (١) كذا نسب الحافظ هذه الرواية للجريري، وليست في رواية الجريري، وإنما هي في رواية معتمر بن سليمان عن أبي عثمان عند البزار (٢٢٦٣). (٢) هذه العبارة جاءت في الرواية السالفة في الصلاة برقم (٦٠٢)، وهي في (مسلم)) برقم (٢٠٥٧) (١٧٦). ٤٧٧ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ كتاب المناقب أي: لا أكَلتُم هَنيئاً، وهو دعاء عليهم، وقيل: خبر، أي: لم تَتَهَنَّوا به في أوَّل نُضجه. ويُستَفاد من ذلك جواز الدُّعاء على مَن لم يَحَصُل منه الإنصاف، ولا سيما عند الجزع(١) والتغيُّظُ، وذلك أنَهم تَحَكَّمُوا على ربّ المنزل بالحضورِ معهم، ولم يَكتَفُوا بوَلَدِه، مع إذنه لهم في ذلك، وكأنَّ الذي حَمَلهم على ذلك رغبتهم في التَّبَرُّك بِمُؤْاكَلَتِهِ. ويقال: إنَّه إِنَّا خاطَبَ بذلك أهلَه لا الأضياف، وقيل: لم يُرِد الدُّعاء، وإنَّما أخبر أنَّهم فاتَهم الهَنَاءُ به، إذ لم یأکلُوه في وقته. قوله: ((وقال: لا أَطْعَمُه أبداً) في رواية مسلم (١٧٦/٢٠٥٧)، وكذا هو في الصلاة (٦٠٢): فقال: والله لا أطعَمه أبداً، وفي رواية الجُرَيري (٦١٤٠): فقال: فإنَّما انتَظَرْتُموني، والله لا أطعَمُه أبداً، فقال الآخَرون: والله لا نَطعَمُه، وفي رواية أبي داود (٣٢٧٠) من هذا الوجه: فقال أبو بكر: فما مَنَعَكم؟ قالوا: مكانك. قال: والله لا أطعَمُه أبداً. ثمَّ اتَّفَقاء فقال: لم أرَ في الشّ كاللَّيلة، وَيْلكم ما أنتم؟ لم لا تَقبَلونَ عَنّا قِراكُم؟ هاتِ طعامَك، فَوَضَعَ، فقال: بسمِ الله، الأولى من الشيطان، فأكَلَ وأكَلُوا(٢). قال ابن التِّين: لم يخاطب أبو بكر أضيافَه بذلك، إنَّما خاطَبَ أهله، والرِّواية التي ذكرتُها تَرُدّ عليه. ووقعَ في رواية مسلم: ألّا تَقْبَلونَ، وهو بتشديد اللّام للأكثر، ولبعضِهم بتخفيفها. قوله: ((وايمُ الله)) همزتُه همزةٌ وَصْل عند الجمهور، وقيل: يجوز القطع، وهو مُبتَدَأ وخبره محذوف، أي: ايمُ الله قَسَمي، وأصله: أَيْمُنُ الله، فالهمزة حينئذٍ همزة قَطْع، لكنَّها لكَثْرة الاستعمال خُفِّفَت فوُصِلَت، وحُكي فيها لُغات: أيمُن الله، مُثلَّة النّون، ومُنُّ الله، مختصرة من الأولى مُثَلَّثة النُّون أيضاً، وايمُ الله كذلك، ومُ الله كذلك، ويكسر الهمزة أيضاً، وأُمُ الله(٣). (١) في (س): الحرج. (٢) من قوله: لم لا تقبلون ... إلى آخر الرواية هو لفظ الجُريري عند المصنف، وليس في رواية أبي داود. (٣) انظر كلام الفيروزآبادي في ((القاموس)) في مادة (يمن)، فقد بسط بيان هذه اللغات بياناً شافياً، وزاد على ما ذكره الحافظ ابن حجر. ٤٧٨ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن مالك: وليس الميم بَدَلاً من الواو، ولا أصلها مُن، خِلافاً لمن زَعَمَ ذلك. ولا أيمُن جمع يمين، خلافاً للكوفيينَ. وسيأتي تمام هذا في كتاب الأيمان والنُّور (٦٦٢٧). قوله: «إلّا رَبا)) أي: زادَ. وقوله: ((من أسفلها)) أي: الموضع الذي أُخِذَت منه. قوله: ((فَتَظَرَ أبو بَكْر فإذا شيءٌ أو أكثَرُ)) والتَّقدير: فإذا هي شيء، أي: قَدْرَ الذي كان، کذا عند المصنِّف هنا، ووقعَ في الصلاة (٦٠٢) فإذا هي - أي: الجَفْنة - كما هي - أي: كما كانت أوَّلاً - أو أكثر))، وكذلك في رواية مسلم (١٧٦/٢٠٥٧) والإسماعيلي، وهو الصَّواب. قوله: ((يا أُخْتَ بني فِراس)) زاد في الصلاة (٦٠٢): ما هذا، وخاطَبَ أبو بكر بذلك امرأته أمّ رومان، وبنو فِراس، بكسر الفاء وتخفيف الرّاء وآخره مُهمَلة: ابن غَنْم بن مالك ابن كِنانة، وقال النَّوَوي: التَّقدير: يا مَن هي من بني فِراس، وفيه نظر، والعرب تُطلِقٍ على مَن كان مُنتَسِباً إلى قبيلة أنَّه أخوهم، كما تقدَّم في العلم (٦٣): ضِمامٌ أخو بني سعد بن بكر، وقد تقدَّم أنَّ أمّ رومان من ذُرِّية الحارث بن غَنْم، وهو أخو فِراس بن غَنْم، فلعلَّ أبا بكر نَسَبَها إلى بني فِراس لكَونِهِم أشهَرَ من بني الحارث، ويقع في النَّسَب كثير من ذلك، ويُنسَبونَ أحياناً إلى أخي جَدّهم. أو المعنى: يا أُخت القوم المنتَسِبين إلى بني فِراس، ولا شَكَّ أنَّ الحارث أخو فِراس، فأولاد كلّ منهما إخوة للآخرينَ، لكَونِهِم في دَرَجَتهم. وحَكَى عياض أنَّه قيل في أمّ رومان: إنَّها من بني فِراس بن غَنْم لا من بني الحارث، وعلى هذا فلا حاجة إلى هذا التَّويل، ولم أرَ في كتاب ابن سعد لها نَسَباً إلّا إلى بني الحارث ٥٩٩/٦ ابن غَنم، ساقَ لها / نَسَبَين مُخْتَلِفَينِ، فالله أعلم (١). (١) قلنا: قد ذكر خليفةُ بن خياط في ((طبقاته)) ص١٨ أنها من بني فراس بن غنم، وهذا يؤيد قولَ القاضي عیاض. ٤٧٩ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ كتاب المناقب قوله: ((قالت: لا وقُرَّةٍ عيني)) قُرَّة العين يُعَبَّر بها عن المسَرَّة، ورُؤية ما يُحِبّه الإنسان ويوافقه، يقال ذلك لأنَّ عينه قَرَّت، أي: سَكَنَت حَرَكَتُها من التلفَّت لحصولٍ غَرَضها، فلا تَستَشِف لشيءٍ آخرَ، فكأنَّه مأخوذ من القَرار، وقيل: معناه: أنام الله عينك، وهو يَرجِع إلى هذا، وقيل: بل هو مأخوذ من القَرّ، وهو البَرَد، أي: أنَّ عينه باردة لسُروره، ولهذا قيل: دمعة السرور باردة، ودَمعة الحُزن حارّة، ومن ثَمَّ قيل في ضِدّه: أسْخَنَ الله عينَهُ، وإِنَّمَا حَلَفَتْ أمّ رومان بذلك لمَا وقعَ عندها من السُّرور بالكرامة التي حَصَلَت لهم ببَرَكة الصِّدّيق ظه وزَعَمَ الدَّاوودي أنَّها أرادَت بِقُرَّة عينها النبيَّ نَّهِ، فأقسَمَت به، وفيه بُعدٌ. و(لا)) في قولها: ((لا وقُرَّة عيني)) زائدة، أو نافية على حذفٍ، تقديره: لا شيء غير ما أقول. قوله: ((لهيَ) أي: الجَفْنة، أو البقيَّة. ((أكثر ممّاً قبلُ)) كذا هنا، وفي رواية مسلم (١٧٦/٢٠٥٧): أكثر منها قبلُ وهو أو جَه، و((أكثر)) للأكثر بالمثلَّثة، ولبعضِهم بالموخَّدة. قوله: ((فأكَلَ منها أبو بَكْر، وقال: إنَّما كان الشيطان، يعني يمينه)) كذا هنا، وفيه حذف والتقديرُ: وإنَّما كان الشيطان الحاملَ على ذلك، يعني: الحامل على يمينه التي حَلَفَها في قوله: والله لا أَطعَمُه. ووقعَ عند مسلم (١٧٦/٢٠٥٧) والإسماعيلي: وإنَّما كان ذلك من الشيطان، يعني: یمینه، وهو أو جه. وأبعَدَ مَن قال: الضَّمير في قوله: هذه، لِلُّقمة التي أكَلَ(١)، أي: هذه اللَّقمة لقَمْع الشيطان وإرغامه، لكونه قَصَدَ بتَزيينِه له اليمين إيقاعَ الوحشة بينه وبين أضيافه، فأخزاه أبو بكر بالحِنثِ الذي هو خیر. (١) تحرف في (ع) إلى: هذا اللقمة التي أكلها، وفي (س) إلى: هذه اللقمة للتي أكل. ولفظة ((هذه)) لم ترد في رواية حديث الباب، ولكنها في الرواية الآتية برقم (٦١٤١) من رواية سليمان التيمي حيث قال أبو بكر: كأنَّ هذه من الشيطان. قال الكرماني: هذه، أي: الحالة أو اليمين. ٤٨٠ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ فتح الباري بشرح البخاري وظاهر هذا السّياق مخالف لرواية الجُرَيري، فقال عياض: في هذا السّياق خطأ، وتقديم وتأخير، ثمَّ ذكر ما حاصله: أنَّ الصَّواب ما في رواية الجُرَيري، وهو أنَّ رواية سليمان الَّيمي هذه تَقْتَضي أنَّ سبب أكل أبي بكر من الطَّعام ما رآه من البَرَكة فيه، فَرَغِبَ في الأكل منه، وأعرَضَ عن يمينه التي حَلَفَ لِمَا رَجَحَ عنده من التَّنَاوُل للبركة، ورواية الْجُرَيري تَقتَضى أنَّ سبب أكله من الطَّعام لَجَاجُ الأضياف وحَلِفهم في أنهم لا يَطعَمونَ من الطَّعام حتَّى يأكل أبو بكر. ولا شَكّ في كونها أوجَهُ، لكن يُمكِن رَدّ رواية سليمان التَّيمي إليها بأن يكون قوله: فأكَلَ منها أبو بكر، معطوفاً على قوله: والله لا أطعَمه، لا على القصّة التي دَلَّت على بَرَكة الطَّعام، وغايته أنَّ حَلْفَ الأضياف أن لا يَطعَموه لم يقع في رواية سليمان، والله أعلم. ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ ذلك من مُعتَمِر بن سليمان لا من أبيه، فقد وقعَ في الأدب (٦١٤١) عند المصنّف من رواية ابن أبي عَدي عن سليمان التَّيمي: فحَلَفَت المرأةُ لا تَطْعَمُه حتَّى يَطْعَمَه، فقال أبو بكر: كأنَّ هذه من الشيطان، فدعا بالطَّعام فأكَلَ وأكَلوا، فجَعَلوا لا يَرفَعونَ الُّقمة إلّا رَبا من أسفَلها. ويَحَتَمِل أن يُجمَع بأن يكون أبو بكر أكَلَ، لأجلِ تَحليل يمينهم، شيئاً، ثمَّ لمَّا رأى البَرَكة الظّاهرة عادَ فأكَلَ منها لتَحصُل له، وقال كالمعتَذِرِ عن يمينه التي حَلَفَ: إنَّما كان ذلك من الشيطان. والحاصل: أنَّ الله أكرَمَ أبا بكر، فأزالَ ما حَصَلَ له من الحَرَج، فعادَ مسروراً، وانقلبَ الشيطانُ مَدحوراً. واستعملَ الصِّدّيق مكارم الأخلاق، فحَنَّثَ نفسه زيادة في إكرام ضيفانه ليحصُل مقصوده من أكلهم، ولكَونِه أكثرَ قُدرة منهم على الكفَّارة. ووقعَ في رواية الجُريري عند مسلم (١٧٧/٢٠٥٧): فقال أبو بكر: يا رسول الله، بَرُّوا وحَنَثْتُ، فقال: ((بل أنتَ أبَرّهم وخيرهم)) قال: ولم يَبلُغني كفَّارةٌ، وسقط ذلك من رواية الْجُريري عند المصنِّف (٦١٤٠)، وكأنَّ سبب حذفه لهذه الزّيادة أنَّ فيها إدراجاً بيَّنَتْه روايةُ ٠