النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
باب ٢٢ / ح ٣٥٥٤- ٣٥٥٧
كتاب المناقب
وفي حديثه عند أحمد (١٨٨٣٨): أُتيَ رسولُ اللهِ وَ لَّهِ بِدَلوِ من ماء، فشَرِبَ منه، ثمَّ مَجَّ
في الدَّلو، ثمّ في البئر، ففاح منها مِثل ریح المِسك.
وروى مسلم (٨٣/٢٣٣١) حديث أنس في جمع أمّ سُلَيم عَرَقَه ◌َلِّ، وجعلها إياه في
الطّيب، وفي بعض طرقه: وهو أطيّب الطّيب.
وأخرج أبو يَعْلى (٦٢٩٥) والطبراني(١) من حديث أبي هريرة في قصَّة الذي استعانَ به
وَُّ على تَجهيز ابنَتَه، فلم يكن عنده شيء، فاستدعى بقارورةٍ، فسَلَت له فيها من عَرَقه،
وقال له: ((مُرها فلتَطَيَّب به)) فكانت إذا تَطَيَّيَت به شَمَّ أهل المدينة رائحة ذلك الطّيب،
فسُمّوا بيت المطَيِّينَ.
وروى أبو يَعْلى/ (٣١٢٥) والبزَّار (٧١١٨) بإسنادٍ صحيح (٢) عن أنس: كان رسول الله ٥٧٤/٦
وَّه إذا مرَّ في طريق من طرق المدينة، وُجِدَ منه رائحة المسك، فيقال: مرَّ رسول الله وَلّ ..
٣٥٥٤- حدَّثْنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونُسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني
عُبِيدُ الله بنُ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان النبيُّ ◌َّهِ أَجْوَدَ الناسِ، وأجْوَدُ
ما يكونُ في رمضانَ حينَ يَلْقَاه جِبْرِيلُ، وكان جِبْريلُ عليه السلام يَلْقَاهُ في كلِّ ليلةٍ من رمضانَ،
فيُدَارِسُه القرآنَ، فَرَسولُ اللهِوَّهِ أَجْوَدُ بالخيرِ مِن الرِّيحِ الْمُرْسَلة.
٣٥٥٥- حدَّثنا يحيى بنُ موسى، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني ابنُ
شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ رسولَ الله وَهِ دَخَلَ عليها مَسْرُوراً تَبْرُقُ
أساريرُ وجهِه، فقال: «ألم تَسْمَعي ما قال المُدْلِجِيُّ لِزيدٍ وأسامةَ، وَرَأى أقدامَهما؟ إنَّ بعضَ
هذه الأقدامِ مِن بعضٍ)).
[أطرافه في: ٣٧٣١، ٦٧٧٠، ٦٧٧١]
٣٥٥٦- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الرحمن
(١) في («المعجم الأوسط)) (٢٨٩٥).
(٢) بل إسناده ضعيف جدّاً، فيه عمر بن سعيد الأبح، وهو متروك الحديث.

٤٢٢
باب ٢٢ / ح ٣٥٥٤ - ٣٥٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
ابنِ عبدِ الله بنِ كَعْبٍ، أَنَّ عبدَ الله بنَ كَعْبٍ، قال: سمعتُ كَعْبَ بنَ مالكِ يُحدِّثُ حينَ تَخَلَّفَ
عن تَبُوكَ، قال: فَلَا سَلَّمْتُ على رسولِ الله وَّةِ وهو يَبْرُقُ وجهُه مِن السُّرورِ، وكان رسولُ الله
وَّ إذا سُرَّ اسْتَنَارَ وجهُه، حتَّى كأَنَّهِ قِطْعَةُ قَمَرِ، وكنَّا نَعْرِفُ ذلك مِنْه.
٣٥٥٧- حدَّثنا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمن، عن عَمرو، عن سعيد
المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ قال: ((بُعِثْتُ من خيرِ قُرُونِ بني آدمَ قَرْناً فَقَرْناً،
حتَّى كنتُ مِن القَرْنِ الذي كنتُ مِنْه)».
الحديث الحادي عشر: حديث ابن عبّاس: كان النبي ◌َ ل ◌ِ أجود الناس. تقدَّم شرحه مُستَوفَّى
في كتاب الصّيام (١٩٠٢)، والغرض منه وصفه عليه الصلاة والسَّلام بالجود.
الحديث الثاني عشر: حديث عائشة في قصَّة القائف، وسيأتي شرحه في كتاب الفرائض
(٦٧٧٠) إن شاء الله تعالى.
والغرض منه هنا قولها: تَبرُق أسارير وجهه. والأسارير: جمع أسرار، وهي جمع سِرِّ،
وهي الخطوط التي تكون في الجَبهَة.
الحديث الثالث عشر: حديث كعب بن مالك، وهو طَرَف من قصَّة تَويَتِه، وسيأتي بطولِه في
المغازي (٤٤١٨) مُستَوفَّى شرحُه إن شاء الله تعالى.
قوله: ((استَنَارَ وَجْهه حتّى كأنَّه قِطْعَةُ قَمَرٍ)) أي: الموضع الذي يتبين فيه السُّرورُ، وهو
جَبينه، فلذلك قال: قِطعة قَمَر، ولعلَّه كان حينئذٍ مُلَثَّماً، ويحتمل أن يكون يريد بقوله:
قِطعةُ قَمَر: القمرَ نفسَه.
ووقَعَ في حديث جُبَير بن مُطعِم عند الطبراني (١٥٧٥): التَفَتَ إلينا النبي ◌َّ بوجهه
مِثل شَقَّةِ القمر، فهذا محمول على صِفَته عند الالتفات.
وقد أخرج الطبراني (١٣٦/١٩) حديث كعب بن مالك من طرق في بعضها: كأنَّه
دارَةُ قَمَر.

٤٢٣
باب ٢٢ / ح ٣٥٥٨
كتاب المناقب
الحديث الرابع عشر: حديث أبي هريرة.
قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن أبي عَمْرو مولى المطَّلِّب، واسم أبي عَمْرو مَيسَرة.
قوله: ((بُعِثْت من خير قُرون بني آدم قَرْناً فقَرْناً» القَرن: الطَّقة من الناس المجتَمِعينَ في
عَصيرٍ واحدٍ، ومنهم مَن حَدَّه بمئة سنة، وقيل: بسبعينَ، وقيل: بغير ذلك. فحَكَى الحَرْبي
الاختلاف فيه من عشرة إلى مئة وعشرينَ، ثمَّ تَعقَّبَ الجميعَ، وقال: الذي أراه أنَّ القَرنَ
كلُّ أمَّة هَلَكَت حتَّى لم يَبقَ منها أحدٌ.
وقوله: ((قَرْناً) بالنَّصْبِ، حالٌ للتَّفْضیل.
قوله: ((حتَّى كنتُ مِن القَرْن الذي كنتُ منه)) في رواية الإسماعيلي: ((حتَّى بُعثت من
القَرْن الذي کنت فیه)).
وسيأتي في أوَّل مناقب الصَّحابة حديثُ عِمران بن حُصَينٍ (٣٦٥٠): ((خير الناس
قَرني)»، والكلامُ عليه مُستَوفَى إن شاء الله تعالى.
٣٥٥٨- حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتبةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وَهِ كان يَسْدِلُ
شَعَرَه، وكان المشْرِكونَ يَفْرُقُونَ رؤوسَهم، وكان أهلُ الكتاب يَسْدِلونَ رؤوسَهم، وكان
رسولُ الله ◌َِّ يُحِبُّ مُوافَقَةَ أهلِ الكِتاب فيما لم يُؤْمَر فيه بشيءٍ، ثمَّ فَرَقَ رسولُ الله ◌َێ رأسَه.
[طرفاه في: ٣٩٤٤، ٥٩١٧]
الحدیث الخامس عشر: حديث ابن عبّاس.
قوله: ((عن ابن شِهاب أخبَرَني عُبيد الله بن عبد الله بن عُْبة)) هذا هو المشهور عن ابن
شهاب، وعنه فيه إسناد آخر أخرجه الحاكم (٢ / ٦٠٦ - ٦٠٧) من طريق مالك عن زياد بن
سعد عنه عن أنس: سَدَلَ رسولُ الله ◌َّهِ ناصيته ما شاءَ الله، ثمَّ فَرَقَ بعدُ، وأخرجه أيضاً
أحمد (١٣٢٥٤)، وقال: تفرَّد به حمَّد بن خالد عن مالك وأخطأ فيه، والصَّواب: عن عُبيد الله
ابن عبد الله.

٤٢٤
باب ٢٢ / ح ٣٥٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن عبد البَرّ: الصَّواب عن مالك فيه: عن الزّهْري مُرسلاً، كما في ((الموطَّأ)).
قوله: «يَسْدِل شَعره)) بفتح أوَّله وسكون المهمَلة وكسر الدّال، ويجوز ضَمّها، أي: يَترُك
شعر ناصیته على جبهته.
قال النَّوَوي: قال العلماء: المراد إرساله على الجبين، واتّخاذه كالقُصَّة. أي: بضمِّ القاف
بعدها مُهمَلة.
قوله: («ثمَّ فَرَقَ بعدُ (١)) بفتح الفاء والرّاء، أي: ألقى شَعر رأسه إلى جانبَي رأسه، فلم
يَترُك منه شيئاً على جبهته.
و ((يَفْرُقونَ» بضمِّ الرّاء وبکسرها.
وقد روى ابن إسحاق عن محمَّد بن جعفر عن عُروة عن عائشة قالت: أنا فرَقتُ
لرسولِ الله و ◌َ﴿ رأسه - أي: شَعر رأسه - عن يافوخه، ومن طريقه أخرجه أبو داود
(٤١٨٩).
وفي حديث هِند بن أبي هالة في صفة النبي ◌َِّ﴾(٢) أنَّه: إن انفَرَقَتْ عَقيقَته - أي: شَعر
رأسه الذي على ناصيته - فَرَقَ، وإلّا فلا يُجاوز شَعَرُه شَحمة أُذُنه. قال ابن قُتَيبة في ((غريبه)):
العَقيقة: شَعر رأس الصَّبي قبل أن يُحلَق، وقد يُطلَق علیه بعد الحلق مجازاً، وقوله: كان لا
يَفرُق شَعره إلّا إذا انفَرَقَ، محمول على ما كان أوَّلاً لمَا بيَّنه حديثُ ابن عبّاس.
قوله: ((وكان يُحِبّ مُوافَقة أهل الكتاب)) أي: حيثُ كان عُبّاد الأوثان کثیرینَ.
قوله: ((فيما لم يُؤْمَر فيه بشيءٍ)) أي: فيما لم يخالِفٍ شرعَه، لأنَّ أهل الكتاب في زمانه كانوا
مُتَمَسِّكينَ ببقايا من شَرائع الرُّسُل، فكانت موافَقَتُهم أحَبَّ إليه من مُوافَقة عُبّاد الأوثان،
فلمَّا أسلَمَ غالبُ عُبّاد الأوثان، أحَبَّ ◌َِّ حينئذٍ مُخالَفة أهل الكتاب.
واستُدِلَّ به على أنَّ شرْعَ مَن قبلنا شرعٌ لنا، ما لم يَجِئ في شرعنا ما يخالفُه. وتُعقّبَ
(١) لفظة (بعد)) لم ترد في هذه الرواية، ولكنها في الرواية الآتية برقم (٥٩١٧).
(٢) عند الترمذي في ((الشمائل)) (٧) وغيره.

٤٢٥
باب ٢٢ / ح ٣٥٥٩
كتاب المناقب
بأنَّه/ عَبَّرَ بالمحبَّة، ولو كان كذلك لَعَبَّرَ بالوجوب، وعلى التَّسليم ففي نفس الحديث أنَّه ٥٧٥/٦
رَجَعَ عن ذلك آخِراً، والله أعلم.
٣٥٥٩- حدَّثْنا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن مَسْروقٍ، عن
عبدِ الله بنِ عَمٍو رضي الله عنهما، قال: لم يكنِ النبيُّ وَ لِّ فاحشاً ولا مُتَفَخِّشاً، وكان يقول:
((إنَّ مِن خياركم أحسنكم أخلاقاً)).
[أطرافه في: ٣٧٥٩، ٦٠٢٩، ٦٠٣٥]
الحديث السادس عشر: حديث عبد الله بن عَمْرو، أي: ابن العاص.
قوله: ((عن أبي حمزة)) هو السُّكَّري، والإسناد كلّه كوفيُّونَ سوى طَرَفَيه(١)، وقد
دَخَلاها.
قوله: ((عن عبد الله بن عَمْرو)) أي: ابن العاص، في رواية مسلم (٢٣٢١) عن عثمان بن
أبي شَيْبة عن جَرِير عن الأعمَش، بسندِه: دَخَلْنا على عبد الله بن عَمْرو حين قَدِمَ مع معاوية
الكوفةَ، فذكر رسولَ الله ◌َلِّ، فقال.
قوله: ((فاحشاً ولا مُتَفَخِّشاً)) أي: ناطقاً بالفُحشِ، وهو الزّيادة على الحَدّ في الكلام
السَّيِّى، والمتفَخِّش: المتكلِّف لذلك، أي: لم يكن له الفُحش خُلُقاً ولا مُكتَسَباً.
ووقَعَ عند التِّرمِذي (٢٠١٦) من طريق أبي عبد الله الجَدَلي قال: سألت عائشة عن
خُلُق النبيِ وَِّ، فقالت: لم يكن فاحشاً ولا مُتَفَحِّشاً، ولا سَخّاباً في الأسواق، ولا تَجزي
بالسَّيِّئَة السّيئةَ، ولكن يَعفو ويَصفَحُ.
وتقدَّمت هذه الزّيادة في حديث عبد الله بن عَمْرو (٢١٢٥) من وجه آخرَ بأتمَّ من هذا
السّياق، ويأتي في تفسير سورة الفتح (٤٨٣٨).
وقد روى المصنّف في الأدب (٦٠٣١) من حديث أنس: لم يكن رسول الله وَ لِّ سَبّاباً،
(١) وكذلك أبو حمزة السُّگّري محمد بن ميمون، فهو مروزي لا کوفي.

٤٢٦
باب ٢٢ / ح ٣٥٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
ولا فَحّاشاً، ولا لَعّاناً، كان يقول لأحدِنا عند المعتِبة: «ما لَه تَرِبَت جَبِينُه؟»
ولأحمد (١٢٣٦٧) من حديث أنس: أنَّ النبي وَ لِّ كان لا يُواجِه أحداً في وجهه بشيءٍ
یکرهه.
ولأبي داود (٤٧٨٨) من حديث عائشة: كان رسول الله وَ ﴿ إذا بَلَغَه عن الرجل
الشيءُ، لم يَقُل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ((ما بال أقوام يقولون؟)).
قوله: ((وكان يقول)) أي: النبيُّ وَله. ووقَعَ في رواية مسلم (٢٣٢١): قال: وقال
رسول الله آل﴾.
قوله: ((إنَّ من خياركم أحْسَنكم أخلاقاً» في رواية مسلم (٢٣٢١): ((أحاسِنَكم))،
وحُسن الخلق: اختيار الفضائل، وتَرك الرَّذائل.
وقد أخرج أحمد (٨٩٥٢) من حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((إنَّما بُعِثت لأُتَمِّمَ صالح
الأخلاق)».
وأخرجه البزَّار (٨٩٤٩) من هذا الوجه بلفظ: ((مكارم)) بدل: ((صالح)).
وأخرج الطبراني في «الأوسط)) (٦٥٨٠) بإسنادٍ حسن عن صَفيّة بنت حُبَيٍّ، قالت: ما
رأيت أحداً أحسنَ خُلُقاً من رسول الله وَ ه.
وعند مسلم من حديث عائشة: كان خُلُقه القرآن، يَغضَب لغضبه ویَرضی لِضاه (١).
٣٥٦٠- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ،
عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّها قالت: ما خُيُّرَ رسولُ الله ◌ِّهِ بِينَ أمَرَين إلّا أَخَذَ أيسَرَهما، ما لم
يكن إِثْماً، فإن كان إثماً كان أبعَدَ الناسِ منه، وما انتَقَمَ رسولُ الله وَيهِ لِنفسِه، إلّا أن تُنْتَهَكَ
حُزْمةُ الله، فيَنْتَقِمَ لِلّه بها.
[أطرافه في: ٦١٢٦، ٦٧٨٦، ٦٨٥٣]
(١) هذا الذي ساقه الحافظ رحمه الله ليس لفظ رواية مسلم، وإنما هو لفظ رواية الطبراني في ((الأوسط)) برقم
(٧٢). وأما مسلم فقد أخرج منه قولها: كان خلقه القرآن، ضمن حديث مطوّل برقم (٧٤٦).

٤٢٧
باب ٢٢ / ح ٣٥٦٠
كتاب المناقب
الحديث السابع عشر: حديث عائشة.
قوله: ((بين أمرين)) أي: من أُمور الدُّنيا، يدلّ عليه قوله: ما لم يكن إثماً، لأنَّ أُمور الدّين
لا إثم فيها، وأبهَمَ فاعل خُيِّر، ليكونَ أعمّ من أن يكون من قِبَل الله، أو من قِبَل المخلوقِينَ.
وقوله: ((إلّا أَخَذَ أيسَرَهما)) أي: أسهَلَهُما.
وقوله: ((ما لم يكن إِثّ)) أي: ما لم يكن الأسهَلُ مُقتَضياً للإثم، فإنَّه حينئذٍ يختار الأشدَّ.
وفي حديث أنس عند الطبراني في «الأوسط)) (٩١٥٢): إلّا اختارَ أيسَرهما ما لم يكن الله
فيه شُخط.
ووقوع التَّخيير بين ما فيه إثمٌّ وما لا إثم فيه من قِبَل المخلوقين واضح، وأمَّا من قِبَل
الله، ففيه إشكال، لأنَّ التَّخيير إنَّما يكون بين جائزَينٍ، لكن إذا حَلناه على ما يُفضِي إلى
الإثم، أمكنَ ذلك، بأن يُخيِّره بين أن يَفتَح عليه من كُنوز الأرض ما يُحشى من الاشتغال به
أن لا يَتَفَرَّغ للعبادة مثلاً، وبين أن لا يُؤتيه من الدُّنيا إلّ الكفافَ، فيختار الكَفاف، وإن
كانتِ السَّعةُ أسهلَ منه، والإثم على هذا أمرٌ نِسبيٌّ لا يُراد منه معنى الخطيئة لُبُوتِ العِصْمة
لَه.
قوله: ((وما انتَقَمَ لنفسِه)) أي: خاصَّةً، فلا يَرِدُ أمرُه بقتل عُقْبة بن أبي مُعَيط وعبد الله بن
خَطَل (١) وغيرهما مَمَّن كان يُؤذيه، لأنَّهم كانوا مع ذلك يَنتَهِكونَ خُرُمات الله، وقيل: أرادَت
أنَّه لا يَنتَقِم إذا أوذي في غيرِ السَّبَب الذي يُجْرِج إلى الكفر، كما عَفا عن الأعرابي الذي جَفا
في رفع صوته عليه (٢)، وعن الآخر الذي جَبَذَ برِدائه حتَّى أَثََّ في كَتِفِه(٣).
(١) أما قتل عقبة بن أبي معيط فثبت في حديث ابن مسعود عند أبي داود (٢٦٨٦) بإسناد صحيح، وأما قتل
ابن خَطَل فثبت أنه و سلم قال للصحابة: ((اقتلوه))، وذلك فيما سلف عند البخاري برقم (١٨٤٦) من
حديث أنس بن مالك.
(٢) أخرجه أحمد (١٨٠٩٥)، والترمذي (٣٥٣٥) والنسائي في ((الكبرى)) (١١١١٤) من حديث صفوان بن
عسّال.
(٣) سيأتي عند البخاري برقم (٥٨٠٩) من حديث أنس بن مالك.

٤٢٨
باب ٢٢ / ح ٣٥٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
وَلَ الدّاووي عَدَم الانتِقام على ما يَخْتَصّ بالمال، قال: وأمَّا العِرض فقد اقتَصَّ مَمَّن
نالَ منه(١)، قال: واقتَصَّ ثَمَّن لَدَّه في مرضه بعد نَهيه عن ذلك بأن أمر بلَدِّهم، مع أنَّهم كانوا
٥٧٦/٦ في ذلك تأوَّلوا أنَّه إنَّما نَهاهم على عادة البشريّة من / كراهة النَّفس للدَّواءِ (٢)، كذا قال.
وقد أخرج الحاكم (٦١٣/٢ - ٦١٤) هذا الحديث من طريق مَعمَر(٣) عن الزُّهْري، بهذا
الإسناد مُطوَّلاً، وأوَّله: ما لَعَنَ رسول الله وََّ مسلماً بذِكْرٍ - أي: بصريح اسمه - ولا
ضَرَبَ بيدِه شيئاً قَطُّ إلّا أن يَضرِب بها في سبيل الله، ولا سُئِلَ عن شيء قَطُّ فمَنَعَه إلّا أن
يُسأل مأثَماً، ولا انتَقَمَ لنفسِه من شيء إلّا أن تُنْتَهَك حُرُمات الله فيكون لله يَنْتَقِم، الحديث.
وهذا السّياق سوى صَدْر الحديث عند مسلم (٧٩/٢٣٢٨) من طريق هشام بن عُروة عن
أبيه، به.
وأخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٩١٥٢) من حديث أنس، وفيه: وما انتَقَمَ لنفسِه إلّا
أن تُنْتَهَك حُرمة الله، فإن انتُهِكَت حُرمة الله كان أشدَّ الناس غَضَباً لله.
وفي الحديث الحَثّ على تَرك الأخذ بالشيءِ العَسِر، والاقتِناع باليسير، وتَرك الإلحاح
فیما لا يُضطَرّ إليه.
ويُؤخَذ من ذلك النَّدب إلى الأخذ بالرُّخَصِ ما لم يَظهَر الخطأ، والحَثّ على العفو إلّا في
حقوق الله تعالى، والنَّدبُ إلى الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، ومَحَلّ ذلك ما لم يُفضِ إلى
ما هو أشدّ منه.
وفيه تَرك الحُكم للنَّفْسِ، وإن كان الحاكم مُتمكِّناً من ذلك، بحيثُ يُؤمَن منه الخَيفُ
على المحكوم عليه، لكن لِحَسْمِ المادّة، والله أعلم.
(١) كإقامته حد القذف على من تكلم في أم المؤمنين عائشة المطهرة، كما في حديث روته عند أحمد (٢٤٠٦٦)،
وأبي داود (٤٤٧٤)، وابن ماجه (٢٥٦٧)، والترمذي (٣١٨١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٣١١)،
وهو حديث حسن.
(٢) سيأتي عند البخاري برقم (٤٤٥٨) من حديث عائشة.
(٣) وقُرن به أيوبُ والنعمانُ بنُ راشد.

٤٢٩
باب ٢٢ / ح ٣٥٦١
كتاب المناقب
٣٥٦١- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ ﴾، قال: ما مَسِسْتُ
حَرِيراً ولا دِيباجاً أَلْيَنَ من كَفِّ النبيِّ ◌َّةِ، ولا شَمِمْتُ رِيحاً قَطُّ - أو عَرْفاً قَطَّ - أطْيَبَ من رِيحِ
- أو عَرْفٍ - النبيِّ آلّ.
الحديث الثامن عشر: حديث أنس: أخرجه من طريق حمّاد بن زيد.
وأخرجه مسلم (٢٣٣٠/ ٨١) بمعناه من رواية سليمان بن المغيرة عن ثابت عنه.
قوله: ((ما مَسِسْت)) بِمُهمَلَتَين، الأولى مكسورة ويجوز فتحها، والثّانية ساكنة. وكذا
القول في میم ((شَمِمتُ)).
قوله: ((ولا ديباجاً)) هو من عَطف الخاصّ على العامّ، لأنَّ الدّيباج نوعٌ من الحرير، وهو
بكسر المهمَلة، وحُكي فتحها، وقال أبو عُبيدة(١): الفتح موَلَّد، أي: ليس بعربي.
قوله: ((أَلَيَن من كَفّ رسول الله وَلَ) قيل: هذا يخالف ما وَقَعَ في حديث أنس الآتي في
كتاب اللِّباس (٥٩٠٦): أنَّه كان ضخم اليدين، وفي رواية له (٥٩٠٧): والقَدَمَين، وفي
رواية له (٥٩١٠): شَئْن القَدَمَين والكَفَّين، وفي حديث هِند بن أبي هالة الذي أخرجه
القِّرمِذي(٢) في صفة النبي ◌َّ فإنَّ فيه: أنَّه كان شَئْن الكَفَّين والقَدَمَين، أي: غليظهما في
خُشونة، وهكذا وصَفَه عليّ من عِدَّة طرق عنه عند التِّرمِذي والحاكم وابن أبي خَيْثمةَ،
وغيرهم، وكذا في صفة عائشة له عند ابن أبي خَيْئمةَ(٣).
والجمع بينهما: أنَّ المراد اللّين في الجِلد، والغِلَظ في العِظام، فيَجتَمِع له نُعومة البَدَن
وقوَّته، أو حيثُ وُصِفَ باللّين واللَّطافة حيثُ لا يعمل بهما شيئاً، كان بالنّسبة إلى أصل
(١) كذا في الأصلين و(س): أبو عبيدة، وهو يوافق ما جاء في ((المشارق)) للقاضي عياض ٢٥٢/١، لكن جاء
في ((المخصص)) لابن سِيدَهْ ٧٦/٤ نسبة هذا الكلام لأبي عبيد، وكذلك جاء في ((لسان العرب))، و((تاج
العروس)) في مادة (دبج)، ولأبي عبيدة معمر بن المثنى كتابٌ اسمه ((الديباج))، فالأظهر أنَّ هذا الكلام
له، والله أعلم.
(٢) في ((الشمائل)) (٧).
(٣) انظر تخريج هذين الحديثين عند شرح الحديث (٣٥٤٧).

٤٣٠
باب ٢٢ / ح ٣٥٦١
فتح الباري بشرح البخاري
الِلْقة، وحيثُ وُصِفَ بالغِلَظِ والخُشونة فهو بالنِّسبة إلى امتِهانهما بالعملِ، فإنَّه يَتَعاطى
كثيراً من أُموره بنفسِهِ وَّةِ، وسيأتي مَزيد لهذا في كتاب اللِّباس إن شاء الله تعالى(١).
وفي حديث معاذ عند الطبراني (١٠٩/٢٠) والبزَّار: أردَفَني النبي ◌َّ خَلفه في سَفَر،
فما مَسِسْتُ شيئاً قَطّ ألْيَن من جِلده وَلَّهِ.
قوله: ((أو عَزْفا) بفتح المهمَلة وسكون الرّاء بعدها فاء، وهو شَكٍّ من الراوي، ويدلّ
عليه قوله بعدُ: أطيب من ريح - أو عَرف -. والعَرْف: الرّيح الطيِّب.
ووَقَعَ في بعض الرِّوايات: بفتح الرّاء والقاف، و((أو)) على هذا للتََّويع. والأوَّل هو
المعروف، فقد تقدَّم في الصّيام (١٩٧٣) من طريق حُميدٍ عن أنس: مِسْكةً ولا عَنْبَرَةً أطيب
رائحةً من ريح رسول الله وَّهِ، وقوله: عَنبَرَة، ضُبِطَ بوجهَين: أحدهما: بسكونِ النّون،
بعدها موحّدة، والآخر: بكسر الموحّدة بعدها تحتانية، والأوَّل معروف، والثاني طيب
معمولٌ من أَخْلاط يجمعها الَّعفَران، وقيل: هو الَّعفَران نفسه.
ووقَعَ عند البيهقي (٢): ولا شَمِمت مسكاً ولا عَنبَراً ولا عَبِيراً. ذكرهما جميعاً، وقد
تقدَّم شيء من هذا في الحديث العاشر.
وقوله: ((من ريح - أو عَرْف - )) بخفضٍ ((ريح)) بغير تنوين، لأنَّه في حُكم المضاف،
کقول الشاعر:
بين ذِراعَي وجَبهَةِ الأسَدِ (٣)
ووقَعَ في أوَّل الحديث عند مسلم (٢٣٣٠/ ٨٢): كان رسول الله وَ لَ أَزْهَرَ اللَّون، كأنَّ
(١) عند شرح الحديث (٥٩١٠).
(٢) في ((الدلائل)) ٢٥٥/١ من عدة طرق عن ثابت، لكن ليس في شيء منها ذكر العبير مجموعاً مع العنبر،
فالله أعلم.
(٣) هو شطر بیت قاله الفرزدق صدره:
يامَن رأى عارِضاً أُسَرُّ به
انظر ((خزانة الأدب)) لعبد القادر البغدادي ٣١٩/٢-٣٢٠.

٤٣١
باب ٢٢ / ح ٣٥٦٢
كتاب المناقب
عَرَقَه اللُّؤْلُؤُ، إذا مَشِى يَتَكَفَّأْ، وما مَسِسْت ... إلى آخره.
٣٥٦٢- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن قَتَادةَ، عن عبدِ الله بنِ أبي عُتْبةَ، عن
أبي سعيدِ الخُذْريِّ ه، قال: كان النبيُّ ◌َّهِ أَشَدَّ حياءً مِن العَذْراءِ في خِدْرِها.
حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشّار، حدَّثنا يحيى وابنُ مَهْدِيٍّ، قالا: حدَّثنا شُعْبة مِثلَهُ، وإذا كَرِهَ شيئاً
عُرِفَ في وجهِهِ.
[طرفاه في: ٦١٠٢، ٦١١٩]
الحديث التاسع عشر: حديث أبي سعيد: أورَدَه من طريقَين.
قوله: ((عن عبد الله بن أبي عُتْبة)) بضمِّ المهمَلة وسكون المثنّة بعدها/ موحَّدة، وهو مولى ٥٧٧/٦
أنس، وهذا هو المحفوظ عن قَتَادة.
وقد رواه الطبراني (١٨/ ٥٠٧) من وجه آخر عن شُعْبةٍ(١) عن قَتَادة، فقال: عن أبي السَّار
العَدَوي عن عمران بن حُصَینٍ، به.
قوله: ((أشَدّ حياء من العَذْراء)) أي: البِكر.
وقوله: ((في خِذْرها)) بكسر المعجَمة، أي: في سِترها، وهو من باب التَّتميم، لأنَّ العَذراء
في الخَلْوة يَشتَدّ حياؤُها أكثر ممّاً تكون خارجةً عنه، لكونِ الخَلْوة مَظِنَّة وقوع الفعل بها،
فالظّاهر أنَّ المراد تقييده بما إذا دُخِلَ عليها في خِدرها، لا حيثُ تكون مُنْفَرِدةً فيه، ومَحَلّ
وجود الحياء منه ◌َ ﴿ في غير حدود الله، ولهذا قال للَّذي اعْتَرَفَ بالزِّنى: ((أنِكْتَها)) لا
یگني. کما سيأتي بيانه في الحدود (٦٨٢٤).
(١) كذ وقع في إسناد الطبراني: شعبة، والظاهر أنه تحرف عن سعيد، وهو ابن أبي عروبة، فإنَّ ابن عبد البر
أخرجه من طريق محمد بن سَواء في ((التمهيد)) ٣٨٦/١٧ وقيده في روايته بقوله: سعيد بن أبي عروبة.
وقال البزار بعد أن رواه من طريق قتادة عن أنس برقم (٧١٨٢): ورواه محمد بن سواء عن سعيد عن
قتادة عن أبي السوار عن أبي سعيد. كذا قال: عن أبي سعيد. ونظنه سبق قلم، والذي حصل لابن سواء
في هذا الحديث أنه دخل له هذا الحديث بحديث أبي السوار عن عمران الذي أخرجه البخاري
(٦١١٧) ومسلم (٣٧) بلفظ ((الحياء لا يأتي إلّا بخير))، والله أعلم.

٤٣٢
باب ٢٢ / ح ٣٥٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرج البزَّار (٧١٨٢) هذا الحديث من حديث أنس، وزاد في آخره: وكان يقول:
(الحیاء خیر کلّه)).
وأخرج (٤٩٤٥) من حديث ابن عبَّاس، قال: كان رسول الله ◌َّهِ يَغْتَسِل من وراء
الحُجُرات، وما رأى أحدٌ عَورَته قَطّ. وإسناده حسن.
قوله: ((حدَّثْنا محمّد بن بشّار، حدَّثنا يحيى وابن مَهْدي، قالا: حدَّثنا شُعْبة، مِثْله)) يعني:
سنداً ومَتناً.
وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية أبي موسى محمَّد بن المثنَّى عن عبد الرحمن بن مهدي
بسنده، وقال فيه: سمعت عبد الله بن أبي ◌ُتبة يقول: سمعت أبا سعيد الخُدْري يقول.
وأخرجه ابن حِبّان (٦٣٠٧) من طريق أحمد بن سنان القَطّان، قال: قلت لعبد الرحمن
ابن مَهدي: يا أبا سعيد، أكان رسول الله وَله أشدَّ حياءً من العَذراء في خِدْرها؟ قال: نعم،
عن مِثل هذا فَسَلْ، حدّثنا(١) شُعْبة، فذكره بتمامه.
قوله: ((وإذا كَرِهَ شيئاً عُرِفَ في وَجْهه)) أي: أنَّ ابن بشّار زاد هذا على رواية مُسدَّد، وهذا
يحتمل أن يكون في رواية عبد الرحمن بن مهدي وحدَه، ويُحتمل أن يكون في رواية يحيى
أيضاً، ولم يقع لمسدَّدٍ، والأوَّل المعتمَد، فقد أخرجه الإسماعيلي من رواية المقدَّمي وأبي
خیئمةَ وابن خلّاد، عن یحیی بن سعید، ولیس فیه الزیادة، وأخرجه من رواية أبي موسی
عن عبد الرحمن بن مَهدي فذكرها، وكذا أخرجه مسلم (٢٣٢٠) عن زُهَير بن حَرْب وأبي
موسى محمَّد بن المثنَّى وأحمد بن سِنان القَطّان، كلّهم عن ابن مهدي، وأخرجه من حديث
معاذ(٢)، والإسماعيلي من حديث عليّ بن الجَعْد، كلاهما عن شُعْبة كذلك، وأخرجه ابن
حِبّان (٦٣٠٨) من طريق عبد الله بن المبارك عن شُعْبة كذلك.
وقوله: ((عَرَفناه في وجهه)) إشارة إلى تصحيح ما تقدَّم(٣) من أنَّه لم یکن یواچِه أحداً بما
(١) تحرفت في (س) إلى: ((يا))، فصارت: يا شعبة، بدل: حدثنا شعبة.
(٢) يعني: ابنَ معاذ العَنْبري.
(٣) عند شرح الحديث (٣٥٥٩).

٤٣٣
باب ٢٢ / ح ٣٥٦٣ - ٣٥٦٤
كتاب المناقب
يَكرَهە، بل يَتغيَّر وجهه فَیفھَمُ أصحابُه کَراهیته لذلك.
٣٥٦٣- حدَّثنا علُّ بنُ الجَعْدِ، أخبرنا شُعْبةُ، عن الأعمَشِ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ
به قال: ما عابَ النبيُّ وَّ طعاماً قَطُّ، إِنِ اشْتَهاه أكَلَه، وإلّا تَرَكَه.
[طرفه في: ٥٤٠٩]
الحديث العشرون: حديث أبي هريرة.
قوله: ((عن أبي حازم)) هو الأشجَعي، واسمه سَلْمان، وليس هو أبا حازم سَلَمةً بن
دینار صاحب سهل بن سعد.
قوله: ((ما عابَ رسول الله ﴿ ﴿ طعاماً قَطّ)) في رواية غُندَر عن شُعْبة عند الإسماعيلي: ما
رأيت رسول الله وَال العابَ طعاماً قَطّ، وهو محمول على الطَّعام المباح، كما سيأتي تقرير
ذلك في كتاب الأطعمة (٥٤٠٩) إن شاء الله تعالى.
٣٥٦٤- حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثْنا بَكْرُ بنُ مُضَرَ، عن جعفرِ بنِ رَبِيعةَ، عن الأعَرَجِ،
عن عبدِ الله بنِ مالكِ ابنِ بُحَينَةَ الأَسْدِيِّ، قال: كان النبيُّ ◌َ﴿ إذا سَجَدَ فَّجَ بينَ يَدَیه حتَّى
نَری إیطیه.
وقال ابنُ بُکَیر: حدَّثنا بَكْرٌ: بياضَ إبطيه.
الحديث الحادي والعشرون: حديث عبد الله بن مالكٍ ابن بُحَينة، هو بتنوين مالكٍ،
وإعراب ((ابن بُحَينة)) إعرابَ ((ابن مالك))، لأنَّ مالكاً أبوه، وبُحَينة أمّه.
١
قوله: ((الأسْدي)) هو بسكونِ المهمَلة، ويقال فيه: الأزدي - بسكونِ الزّاي - وهذا
مشهور في هذه النِّسبة، يقال بالزّاي وبالسِّين، وغَفَلَ الدّاوودي، فقرأه بفتح السّین، ثمَّ
أنگره.
وقد تقدَّم هذا الحديث في کتاب الصلاة (٣٩٠).
وَکذا قوله: «قال ابن بُگیر)» أي: يحيى بن عبد الله بن بُگیر.
((حدّثنا بكر)) أي: ابن مُضَر، بالإسناد المذكور.

٤٣٤
باب ٢٢ / ح ٣٥٦٥ -٣٥٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بياض إبطيه)) أي: أنَّ يحيى زاد لفظ: ((بياض)) لأنَّ في رواية قُتَيبة: حتَّى نَرى إبطَيه.
واختُلِفَ في المراد بوَصفِ إبطَيه بالبياض، فقيل: لم يكن تحتهما شَعر، فكانا كَلَوْنِ
جسده، ثمَّ قيل: لم يكن تحت إبطَيه شَعرٌ البَّة، وقيل: كان لِدَوام تَعَهُّده له لا یبقی فیه شَعر.
ووقَعَ عند مسلم (٢٦/١٨٣٢) في حديث: حتَّى رأينا عُفرَة إبطَيه(١)، ولا تَنافي بينهما،
لأنَّ الأعفَر ما بیاضه ليس بالناصع، وهذا شأن المغابن، یکون لَونها في البیاض دون لَون
بقيَّة الجسد.
٣٥٦٥- حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ حَمَّادٍ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، أنَّ
أنساً ﴾ حدَّثهم: أنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ كان لا يرفعُ بَدَيه في شيءٍ من دُعائه، إلّا في الاستِسْقاءِ،
فإنَّه كان يرفعُ بَدَیه حتَّى يُرَی بیاضُ إِبطيه.
وقال أبو موسى: دَعَا النبيُّ نَّهِ وَرَفَعَ يَدَيه، ورَأيتُ بياضَ إِبْطَيه.
٣٥٦٦ - حدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّاح، حدَّثنا محمَّدُ بنُ سابِقٍ، حدَّثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، قال:
سمعتُ عَوْنَ بنَ أبي ◌ُحَيفةَ ذكر عن أبيه، قال: دُفِعْتُ إلى النبيِّ وَلِمِ وهو بالأَبْطَحِ في قُبَةٍ كان
بالهاجِرةِ، فَخَرَجَ بلالٌ فنادَى بالصَّلاةِ، ثمَّ دَخَلَ، فأخرَجَ فضْلَ وَضوءِ رسولِ الله ◌ِوَّهِ، فَوَقَعَ
الناسُ عليه يأخُذُونَ منه، ثمَّ دَخَلَ فأخرَجَ العَنَزَةَ، وَخَرَجَ رسولُ اللهِوَِّ، كأنِّي أَنظُرُ إلى وَبِيصِ
ساقَيهِ، فَرَكَزَ العَنَزَةَ، ثمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، والعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُّ بينَ يَدَيهِ الحِمارُ والمرأة.
٣٥٦٧- حدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّاحِ البَّزَارُ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوةَ، عن
عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يُحدِّثُ حديثاً، لو عَذَّه العادُّ لأحْصاهُ.
[طرفه في: ٣٥٦٨]
٣٥٦٨- وقال اللَّيثُ: حدَّثني يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّه قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ،
عن عائشةَ، أنَّها قالت: ألا يُعْجِبُكَ أبا فلانٍ؟ جاء فجَلَسَ إلى جانبٍ حُجْرَتِي يُحدِّثُ عن
(١) وهو أيضاً عند البخاري برقم (٢٥٩٧)، وذهل عنه الحافظ رحمه الله، وهو من حديث أبي حميد
الساعدي.

٤٣٥
باب ٢٢ / ح ٣٥٦٥ -٣٥٦٨
كتاب المناقب
رسولِ اللهِ وَ لّهِ يُسمِعُني ذلك، وكنتُ أُسَبِّحُ، فقامَ قبلَ أن أقضِيَ سُبْحَتي، ولو أدرَ كْتُه لَرَدَدْتُ
عليه، إنَّ رسولَ الله ◌َّه لم يكن يَسْرُدُ الحدیثَ كَسَرْدِكُم.
الحديث الثاني والعشرون: حديث أنس في رفع اليدين في / الاستسقاء، تقدَّم في موضعه ٥٧٨/٦
مشروحاً (١٠٣١)، والغرض منه: ذِكْر بياض إبطيه، والمراد بالخَصِرِ فيه: الرفع على هيئةٍ
مخصوصَةٍ، لا أصلُ الرفع، فإنَّه ثابت عنه كما في الخبر الذي بعده.
الحديث الثالث والعشرون: حديث أبي موسى، ذكر منه طَرَفاً مُعلَّقاً، هو طَرَف من
حديث سيأتي موصولاً في المناقب في ترجمة أبي عامر الأشعري(١)، وقد عَلَّقَ طَرَفاً منه في
الوُضوء أيضاً (١٨٨).
قوله: ((حدَّثنا الحسن بن الصَّاح)) هو البزَّار الذي أخرج عنه الحديث الذي بعده،
وقيل: بل هذا هو الَّعْفَراني، نَسَبه إلى جَدّه، لأنَّه الحسن بن محمّد بن الصَّّاح.
قوله: «سمعت عَوْن بن أبي جُحیفةً، ذکر عن أبیه» في روایة ثُعْبة: عن عون، سمعت
أبي، كما تقدَّم في أوائل الصلاة (٤٩٥).
قوله: ((دُفِعْتُ)) بضمٍّ أوَّله، أي: أنَّه وصَلَ إليه عن غير قصد.
و((الأبطَح)) هو الذي خارج مكَّة، يَنِزِل فيه الحاجّ إذا رَجَعَ من مِنی.
وقوله: ((كان بالهاجِرة)) استئناف أو حال، وقد تقدَّم هذا الحديث من وجه آخر في هذا
الباب، وهو الحديث العاشر.
والمراد منه هنا قوله: ((كأنِّي أَنظُرُ إلى وَبِيصِ ساقَيهِ)) والوَبيص - بالموحّدة والمهمَلة -:
البَرِيق وزناً ومعنّى.
الحديث الرابع والعشرون: حديث عائشة:
قوله: ((حدَّثنا الحسن بن الصَّاح البزَّار)) بِتقديم الزّاي على الرّاء، وهو واسطيّ سَكَنَ
بغداد، وكان من أئمّة الحديث.
(١) بل في المغازي في باب غزوة أَوطاس برقم (٤٣٢٣).

٤٣٦
باب ٢٢ / ح ٣٥٦٥ -٣٥٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
و(سفيان)) هو ابن عُيَينَةَ، فإنَّ الحسن بن الصَّاحِ ما لَقَ الثَّورِيَّ، والثَّوري لا يَروي
عن الزُّهْري إلّا بواسطةٍ.
قوله: ((لو عَدَّه العادُّ لَأَحْصاء)» أي: لو عَذَّ كلماته، أو مُفرَداته، أو حُروفه، لَأطاقَ ذلك وبَلَغَ
آخرَها، والمراد بذلك: المبالَغة في التَّرتيل والتَّفهيم.
وهذا الحديث هو الحديث الذي بعده، اختَلَفَ الرُّواة في سياقه بَسطاً واختصاراً.
قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني يونس)) وصَلَه الذُّهْلي في ((الزُّهْريات)) عن أبي صالح عن اللَّيث.
قوله: ((ألا يُعْجِبك)) بضمٍّ أوَّله وإسكان ثانيه من الإعجاب، ويفتح ثانيه والتَّشديد من
التَّعجيب.
قوله: ((أبا فلان)) كذا للأكثر، قال عياض: هو مُنادىّ بكُنْتِه. قلت: وليس كذلك لمَا
سأذكُرُه، وإنَّما خاطَبَت عائشة عُرْوةَ بقولها: ألا يُعجبك، ثم ذكرت له المتعَجَّب منه،
فقالت: أبا فلان، وحَقّ السّياق أن تقول أبو فلان، بالرفع على أنَّه فاعل، لكنَّه جاء هكذا
على اللُّغة القليلة، ثمَّ حَكَت وجه التَّعَجُّب، فقالت: جاء فجَلَسَ ... إلى آخره، ووقعَ في
رواية الأصیلی و کریمة: أبو فلان، ولا إشكال فيها.
وتَبيَّن من رواية مسلم وأبي داود أنَّه هو أبو هريرة، فأخرجه مسلم (٣٠٠٣/ ٧١) عن
هارون بن معروف، وأبو داود (٣٦٥٤) عن محمّد بن منصور الطَّوسي، كلاهما عن سفيان،
لكن قال هارون: عن سفيان عن هشام بن عُرْوة، وقال الطّوسي: عن سفيان عن الزُّهْري.
وكذا أخرجه الإسماعيلي عن ابن أبي عمر عن سفيان عن هشام، وعن أبي يَعْلى عن (١) أبي
مَعمَر عن سفيان عن الزُّهْري، وكذا أخرجه أبو نُعَيم من طريق القَعنبي عن سفيان عن
الزُّهْري، فكأنَّ لسفيان فيه شيخَينٍ، وفي رواية الجميع أنَّه أبو هريرة.
ووقعَ في رواية ابن وَهْب عند الإسماعيلي: ألا يُعجِبك أبو هريرة، جاء فجَلَسَ،
(١) وقع في (س): عن هشام عن أبي يعلى، وعن أبي معمر، بتأخير الواو إلى أبي معمر، وهو خطأ، صوبناه من
الأصلين عندنا، فالإسماعيلي إنما رواه عن أبي يعلى إذ هو شيخه، وهو في ((مسند أبي يعلى)) (٤٦٧٧).

٤٣٧
باب ٢٣ / ح ٣٥٦٩ - ٣٥٧٠
كتاب المناقب
ولأحمد(١)، ومسلم (٢٤٩٣/ ١٦٠)، وأبي داود (٣٦٥٥)، من هذا الوجه: ألا أُعجِّكَ من
أبي هريرة(٣).
ووقَعَ للقابسي بفتح الهمزة بعدها مُثنّة مفتوحة، فعل ماضٍ من الإتيان، و ((فلان))
بالرفع والتَّوين، وهو تصحيف، لأنَّه تَبيَّن من الرّواية الأُخرى أنَّه بصيغة الكُنية، لا بلفظ
الاسم المجرَّد عنها، والعَجَب أنَّ القابِسيّ أنكَرَ غير روايته، وقال عياض: هي الصَّواب
لولا قوله بعده: جاء. قلت: لأنَّه يصير تكراراً.
قوله: ((وكنت أُسَبِّح)) أي: أُصَلّ نافلة، أو هو على ظاهره، أي: أذكُر الله، والأوَّل أوجَه.
قوله: ((ولو أدرَكْته لَرَدَدْت عليه)) أي: لَأَنكَرت عليه، وبيَّنت له أنَّ التَّرتيل في التَّحديث
أولى من السَّرْد.
قوله: ((لم يكن يَسْرُد الحديث كَسَرْدِكم)) أي: يُتابع الحديثَ استعجالاً بعضَه إثرَ بعضٍ،
لئلّا يَلْتَبِس على المستَمِع.
زاد الإسماعيلي من رواية ابن المبارك عن يونس: إنَّما كان حديثُ رسول الله وَّةٍ فَضْلاً، فهْماً
تَفهمه القلوب. واعتذر عن/ أبي هريرة بأنّه کان واسع الرِّوایة کثیر المحفوظ، فكان لا یتمكَّن ٥٧٩/٦
من المُهْل عند إرادة التَّحديث، كما قال بعض البُلَغاء: أُريد أن أقتَصِر، فَتَزاحَم القوافي على فِيَّ.
٢٣ - بابٌ كان النبيّ وَّ تنامُ عيْنُهُ، ولا ينامُ قلبُه
رواه سعيدُ بنُّ مِيناءَ، عن جابرٍ، عن النبيِّ ◌َّؤ.
٣٥٦٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن سعيدِ المقبُرُيِّ، عن أبي سَلَمةَ بنِ
عبد الرحمن: أنَّه سأل عائشةَ رضي الله عنها: كيفَ كانت صلاةُ رسولِ الله وَّهِ في رمضانَ؟
قالت: ما كان يزيدُ في رمضانَ ولا في غيرِهِ على إحدَى عَشْرَةَ رَكْعةٌ: يُصَلِّ أربعَ رَكَعاتٍ، فلا
(١) هو عند أحمد (٢٤٨٦٥) من رواية عبد الله بن المبارك، عن يونس، لا من رواية ابن وهب، عنه. والظاهر
أنَّ الحافظ رحمه الله تابع الحافظ ابن كثير في هذا، حيث قال ذلك في «البداية والنهاية» ٨/ ٤٧٢.
(٢) هو عندهم بلفظ: ألا يعجبك أبو هريرة.

٤٣٨
باب ٢٣ / ح ٣٥٦٩ - ٣٥٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
تَسألُ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثمَّ أربعاً، فلا تَسألُ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِنَّ، ثمَّ يُصَلّى ثلاثاً، فقلتُ:
يا رسولَ الله، تَنامُ قبلَ أن توِرَ؟ قال: ((تَنامُ عَيْني، ولا يَنامُ قَلْبِي)).
٣٥٧٠- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن شَرِيكِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي
نَمِرٍ، سمعتُ أنْسَ بنَ مالكِ يُحدِّثُنا عن ليلةٍ أُسْرِيَ بالنبيِّ وَِّ مِن مسجدِ الكَعْبة: جاءَه ثلاثةُ
نَفَرِ قبلَ أن يوحَى إليه وهو نائمٌ في مَسجِدِ الحرامِ، فقال أوَّهُم: أيّهم هو؟ فقال أوسَطُهم: هو
خَيرُهم، وقال آخِرُهم: خُذُوا خَيرَهُم، فكانت تلكَ، فلم يَرَهُم حتّى جاؤوا ليلةٌ أُخرَى فيما
يَرَى قَلْبُه، والنبيُّ ◌ََّ نائمةٌ عَيناهُ، ولا يَنامُ قَلْبُه، وكذلك الأنبياءُ تَنامُ أعيُنُهم، ولا تَنامُ قُلوبُهم،
فَولاە چِبْرِيلُ، ثمَّ عَرَجَ به إلى السماء.
[أطرافه في: ٤٩٦٤، ٥٦١٠، ٦٥٨١، ٧٥١٧]
قوله: ((بابٌ كان النبيَِّ تَنَامُ عَيْنُهُ)) في رواية الكُشْمِيهني: عيناه ((ولا يَنام قلبه)).
قوله: ((رواه سعيد بن ميناءَ، عن جابر)) وصلَه في كتاب الاعتصام مُطوَّلاً (٧٢٨١)،
وسيأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى.
وأخرجه المصنِّف في الباب من حديث عائشة في صلاته وَ لَّهِ باللَّيلِ، وفي آخره: فقلتُ:
يا رسول الله، تَنام قبل أن توتِّر؟ قال: «تَنام عيني، ولا يَنام قلبي»، وهذا قد تقدَّم في صلاة
التطوُّع (١١٤٧)، وتقدَّم حديث ابن عبّاس في ذلك في صلاته وَّ بِاللَّيل(١).
ثمَّ ذكر طَرَفاً من حديث شَرِيك عن أنس في المِعراج، وسيأتي بأتمّ من هذا في التَّوحيد
(٧٥١٧).
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس.
قوله: «حدَّثني أخي)» هو أبو بكر عبد الحميد، وسلیمان: هو ابن بلال.
قوله: ((جاءه ثلاثةُ نَفَر)) هم ملائكة، ولم أتحقَّق أسماءهم.
(١) يعني في نومه حتى سمع ابنُ عباس غطيطه، ثم خروجه بعد ذلك إلى صلاة الفجر من غير أن يُحدث
وضوءاً، وقد سلف حديثه برقم (١١٧) و(١٣٨).

٤٣٩
باب ٢٤
كتاب المناقب
قوله: ((فقال أوَّلهم: أيّهم)) هو مُشعِرٌ بأنَّه كان نائماً بين اثنين أو أكثر، وقد قيل: إنَّه كان
نائماً بين عَمّه حمزة وابنِ عَمّه جعفر بن أبي طالب.
قوله: ((فكانت تلكَ)) أي: القصَّة، أي: لم يقع في تلكَ اللَّيلة غيرُ ما ذُكِرَ من الكلام.
قوله: «حتَّی جاؤوا إلیه لیلةً أُخرى» أي: بعد ذلك، ومن هنا تحصُل رفع الإشكال في
قوله: قبل أن يُوحى إليه، كما سيأتي بيانه في مكانه (٧٥١٧).
قوله: ((فيما يَرِى قَلْبُهُ، والنبي ◌َّ نائمةٌ عيناه، ولا يَنام قَلْبُه، وكذلك الأنبياء تَنام أغُْهم،
ولا تَنام قلوبُهم)) قد تقدَّم مِثل هذا من قول عُبيد بن عُمَير في أوائل الطَّهارة(١)، ومِثله لا
يقال من قِبَل الرَّأي، وهو ظاهر في أنَّ ذلك من خصائصه ◌َِّ، لكنَّه بالنّسبة للأُمَّة، وزَعَمَ
القُضاعي: أنَّه ممَّا اختَصَّ به/ عن الأنبياء أيضاً، وهذان الحديثان يَرُدّان عليه، وقد تقدَّم في ٥٨٠/٦
التيمُّم في الكلام على حديث عمران (٣٤٤) في قصَّة المرأة صاحبة المزادَتَين ما يَتعلَّق بكَونِه
ټ کان تنام عیناه ولا ینام قلبه، فليُراجع منه من أراد الوقوف علیه.
٢٤ - باب علامات النّبوّةِ في الإسلام
قوله: ((باب علامات النُّبَوَّة في الإسلام)) العلامات جمع علامة، وعَبَّرَ بها المصنِّف لگَونِ
ما يُورِده من ذلك أعمَّ من المعجزة والكرامة، والفَرق بينهما أنَّ المعجزة أخَصّ، لأنَّه
يُشْتَرَط فيها أن يَتَحَدّى النبيُّ وَّهِ مَن يُكذِّبه، بأن يقول: إن فعلْتُ كذا أَتُصَدِّقُ بأتِّي
صادِقٍ؟ أو يقولُ مَن يَتَحَدّاه: لا أُصَدِّقك حتَّى تَفعل كذا.
ويُشتَرَط أن يكون المتُحَدّى به ممّا يَعجِز عنه البشر في العادة المستَمِرَّة. وقد وقَعَ النَّوعان
للنبي وَلٌ فِي عِدَّة مَواطن.
وسُمّيت المعجِزةَ لعَجزِ / مَن يقع عندهم ذلك عن مُعارَضَتها، والهاء فيها للمُبالَغة، أو ٥٨٢/٦
هي صفة محذوف.
وأشهَر مُعجِزات النبيِ وَّهِ القرآن، لأنَّه ◌َلِّ تَحَدَّى به العرب، وهم أفصَحُ الناس
(١) يعني بذلك قوله بإثر حديث ابن عباس برقم (١٣٨): رؤيا الأنبياء وحيٌّ.

٤٤٠
باب ٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
لساناً وأشدّهم اقتِداراً على الكلام، بأن يأتوا بسورةٍ مِثله، فعَجَزوا مع شِدَّة عداوتهم له
وصَدّهم عنه، حتَّى قال بعض العلماء: أقصَر سورة في القرآن ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ﴾
فكلّ قرآن من سورة أُخرى كان قَدْر ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ﴾ سواء كان آيةً، أو أكثر، أو
بعض آية، فهو داخل فيما تَحدّاهم به، وعلى هذا فتَصِل مُعجِزات القرآن من هذه الحيثية إلى
عَدَد كثير جدّاً.
ووجوه إعجاز القرآن من جِهَة حُسْن تأليفه والتِئام كلماته وفَصاحَتِهِ، وإيجازه في مقام
الإيجاز، وبَلاغَتُه ظاهرةٌ جدّاً مع ما انضَمَّ إلى ذلك من حُسن نَظمه وغرابة أُسلوبه، مع
كَونه على خِلاف قواعد النَّظم والنَّثر، هذا إلى ما اشتَمَلَ عليه من الإخبار بالمغَيَّات ممَّا وَقَعَ
من أخبار الأُمَم الماضية ممَّا كان لا يَعلَمه إلّا أفرادٌ من أهل الكتاب، ولم يُعلم أنَّ النبي ◌َّه
اجْتَمَعَ بأحدٍ منهم ولا أخَذَ عنهم، وبما سيقعُ فَوَقَعَ على وَفْقِ ما أخبر به في زَمَنِه ◌ِه
وبعده، هذا مع الهيبةِ التي تقع عند تِلاوَته، والخَشيةِ التي تَلحَق سامعَه، وعَدَم دخول الملال
والسآمة على قارئه وسامعه، مع تیسُّر حفظه لمُتعلِّمیه وتسھیل سَرْده لِتالِیه.
ولا يُنكِرِ شيئاً من ذلك إلّا جاهلٌ أو مُعاندٌ، ولهذا أطلقَ الأئمّة أنّه أعظم مُعجِزات
النبيِ وَّه. ومن أظهَر مُعجِزات القرآن بقاؤه(١) مع استمرار الإعجاز، وأشهر ذلك تَحَدّيه اليهودَ
أن يَتَمِنَّوا الموت، فلم يقع تَمَّن سَلَفَ منهم ولا خَلَفَ مَن تَصَدّى لذلك ولا أقدَمَ، مع شِدَّة
عداوتهم لهذا الدّين وحِرصهم على إفساده والصَّدّ عنه، فكان في ذلك أوضحَ مُعجِزةٍ.
وأمَّا ما عَدا القرآن من نَبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطَّعام، وانشِقاق القمر،
ونُطق الجماد، فمنه ما وَقَعَ التَّحَدّي به، ومنه ما وقعَ دالا على صِدقه من غير سَبْق تَحَدٍّ،
ومجموع ذلك يفيد القطع بأنَّه ظَهَرَ على يده وَ لّ من خَوارق العادات شيءٌ كثير، كما يُقْطَع
بوجودٍ جود حاتم وشَجاعة علي، وإن كانت أفراد ذلك ظَنّية ورَدَت مَورِد الآحاد مع أنَّ
كثيراً من المعجِزات النَّبوية قد اشتَهَرَ وانتَشَرَ، ورواه العَدَد الكثير والجَمُّ الغَفير، وأفادَ
(١) في (أ) و(س): إبقاؤه، والمثبت من (ع).