النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
باب ١٥ / ح ٣٥٣١
كتاب المناقب
قوله: ((باب مَن أحَبَّ أن لا يُسبّ نَسَبُه)) هو بضمٌ أوَّل (يُسبّ))، والمراد بالنَّسَبِ: الأصل،
وبالسَّبِّ: الشَّتم، والمراد: أن/ لا يُشتَم أهلُ نَسَبِهِ.
٥٥٤/٦
قوله: ((حدَّثنا عبدَة)) هو ابن سليمان، و((هشام)) هو ابن عُرْوة.
قوله: (استأذَنَ حسَّان بن ثابت)) أي: ابن المنذر بن حَرام بن عمرو الأنصاري الخَزَرَجي،
وسَبَب هذا الاستئذان مُبيَّن عند مسلم (٢٤٩٠) من طريق أبي سَلَمةَ عن عائشة قالت: قال
رسول الله وَ ﴾: ((اهْجُوا المشرِكينَ، فإنَّه أشدّ عليهم من رَشْق النَّبْل)) فأرسَلَ إلى ابن رواحة،
فقال: ((هجُهم) فهَجاهم، فلم يُرْضِ، فأرسَلَ إلى كعب بن مالك، ثمَّ أرسَلَ إلى حسَّان،
فقال: ((قد آنَ لكم أن تُرسِلوا إليَّ هذا الأسَد الضّارب بذَنَبِهِ)). ثمّ أدلَعَ لسانَه، فجَعَلَ مُرِّكه،
ثمَّ قال: والذي بَعَثَك بالحقِّ لَأفرينَّهم بلساني فَرْي الأديم، قال: ((لا تَعْجَل)).
وروى أحمد (١٥٧٩٦) من حديث كعب بن مالك، قال: قال لنا رسول الله وَله:
((اهجوا المشرِكينَ بالشِّعرِ، فإنَّ المؤمن يُجاهد بنفسِه وماله، والذي نفس محمَّد بيدِه كأنّما
يَنْضَحُونَهم بالنَّبْل)».
وروى أحمد (١٨٣١٤)، والبزَّار (٢٠٩٧) من حديث عَّار بن ياسر قال: لمَّا هَجانا
المشركونَ، قال لنا رسول الله وَلّ: ((قولوا لهم كما يقولون لكم)).
قوله: ((كيف بنَسَبي فيهم)) أي: كيف تَهجو قريشاً مع اجتماعي معهم في نَسَب واحد؟
وفي هذا إشارة إلى أنَّ مُعظَم طرق الَجْوِ الغَضُّر من الآباء(١).
قوله: (لَأَسُلَّنك منهم)) أي: لَأُخَلِّصَنَّ نَسَبك من نَسَبهم بحيثُ يَخْتَصّ الھجُ بهم دونك،
وفي رواية أبي سَلَمَةَ المذكور: فقال: ((ائتِ أبا بكر، فإنَّه أعلم قريشٍ بأنسابها، حتَّى يُخُلِّص(٢)
لك نَسَبِي)) فأتاه حسَّان، ثمَّ رَجَعَ فقال: لَخَّص(٣) لي نَسَبَك.
(١) في (أ) و(س): الغض بالآباء، وتصحف في (س) إلى: العض، والمثبت على الجادة من (ع).
(٢) كذا جاء في الأصلين و(س): يخلص، ومقتضى ما جاء من قول حسان بعد ذلك أن يكون اللفظ ((يلخص)) لا
(یخلص» کما وقع في بعض نسخ مسلم، وهما متقاربان في المعنى، كما قال عياض في ((المشارق)) ٢٤٠/١.
(٣) في (س): مَخَّضَ، والمثبت من الأصلين هو الصواب في الرواية، وإن كان كلاهما صحيحاً في المعنى.

٣٨٢
باب ١٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((كما تُسَلّ الشَّعرة من العَجين)) أشارَ بذلك إلى أنَّ الشَّعرة إذا أُخرِجَت من العَجين
لا يَتعلَّق بها منه شيء لنُعومَتِها، بخلاف ما إذا سُلَّت من العَسَل مثلاً، فإنّها قد يَعلَق بها منه
شيءٌ، وأمَّا إذا سُلَّت من الخُبز، فإنَّها قد تَنقَطِع قبل أن تَخلُص.
قوله: ((وعن أبيه)) هو موصول بالإسناد المذكور إلى عُرْوة وليس بمُعلَّقٍ، وقد أخرجه
المصنِّف في الأدب (٦١٥٠) عن محمَّد بن سَلَام عن عبْدة، بهذا الإسناد، فقال فيه: وعن
هشام عن أبيه، فذكر الزّيادة. وكذلك أخرجه في ((الأدب المفرَد)» (٨٦٣).
قوله: «کان یُنافِح)) بکسر الفاء بعدها مهملة، ومعناهُ يُدافع أو يُرامي، قال الگُشْمِيهني في
رواية أبي ذرِّ عنه: نَفَحَتِ الدّابّةُ: إذا رَمَحَتْ بِحَوافرها، ونَفَحَه بالسَّيفِ: إذا تَناوَلَه من بعيد.
وأصل النَّفْح - بالمهمَلة -: الضَّرب، وقيل للعطاءِ: نَفْح، كأنَّ المعطيَ يَضرِب السائل به، ووقَعَ
في رواية أبي سَلَمَةَ المذكورة (١): قالت عائشة: فسمعتُّ النبي ◌ََّ يقول لحسَّان: ((إنَّ روح
القُدُس لا يزال يُؤيِّدُك ما نافَحتَ عن الله ورسوله)) قالت: وسمعته يقول: ((هَجاهم حسَّان
فشَفى واشتفى))، وقد تقدَّم في أوائل الصلاة (٤٥٣) ما يدلّ على أنَّ المراد بروح القُدُس جِبْرِيلُ
عليه السلام، ويأتي الكلام على الشِّعر وأحكامه في كتاب الأدب(٢) إن شاء الله تعالى.
١٦ - باب ما جاء في أسماء رسول الله وَالێ،
وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] وقوله:
﴿مِنْ بَعْدِى أَسْمُنْ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
٥٥٥/٦
قوله: ((باب ما جاء في أسماء رسول الله وَاله وقول الله عزَّ وجلَّ: ((﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللّهِ وَالَّذِينَ
مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِى أَسْمُه أَحْمَدُ﴾) كأنَّه يشير إلى أنَّ هذين الاسمين
أَشهَر أسمائه، وأشهُرهما محمَّد، وقد تَكَرَّرَ في القرآن، وأمَّا أحمد، فذُكِرَ فيه حكايةً عن قول
عيسى عليه السلام، فأمَّا محمَّد، فمِن باب التَّفعيل للمُبالَغة، وأمَّا أحمد فمِن باب التَّفضيل،
(١) عند مسلم (٢٤٩٠).
(٢) انظر الأبواب (٩٠) و(٩١) و(٩٢) من كتاب الأدب.

٣٨٣
باب ١٦
كتاب المناقب
وقيل: سُمّ أحمدَ لأنَّه عَلَمٌ منقول من صفة، وهي أَفْعَل التَّفضيل، ومعناه: أحمد الحامدينَ،
وسَبَب ذلك ما ثَبَتَ في ((الصَّحيح) (١) أنَّه يُفتَح عليه في المقام المحمود بمحامد لم يُفتَح بها
على أحد قبله، وقيل: الأنبياء حَمَّادُونَ، وهو أحمدُهم، أي: أكثرهم حَمداً، أو أعظَمهم في
صفة الحمد. وأمَّا محمَّد: فهو منقول من صفة الحمد أيضاً، وهو بمعنی محمود، وفيه معنی
المبالَغة، وقد أخرج المصنِّف في ((التاريخ الصَّغير))(٢) من طريق عليّ بن زيد، قال: كان أبو
طالب(٣) يقول:
وشَقَّ له مِنِ اسمِه ليُجِلَّه فذُو العَرشِ محمودٌ وهذا محمَّدُ
والمحمَّد الذي ◌ُدَ مرَّة بعد مرَّة، كالمُمَدَّح، قال الأعشى:
إليك أبَيْتَ اللَّعْنَ كان وجيفُها(٤) إلى الماجِد القَرْم (٥) الجوادِ المحمَّدِ
أي: الذي ◌ُدَ مرَّة بعد مرَّة، أو الذي تكامَلَت فيه الخِصال المحمودة.
قال عياض: كان رسول الله وَ ل﴿ل أحمدَ قبل أن يكون محمَّداً، كما وقَعَ في الوجود، لأنَّ
تسميته أحمد وَقَعَت في الكتب السّالفة، وتسميتهُ محمَّداً وَقَعَت في القرآن العظيم، وذلك
أنَّه ◌َمِدَ ربّه قبل أن يَحمَدَه الناسُ، وكذلك في الآخرة يَحمَدُ ربّه فيُشَفِّعُه، فيَحمَدُه الناس.
وقد خُصَّ بسورة الحمد، وبلِواءِ الحمد، وبالمقام المحمود، وشُرِعَ له الحمدُ بعد الأكل،
وبعد الشُّرب، وبعد الدُّعاء، وبعد القُدوم من السَّفَر، وسُمّيت أمَّتُه الحَّادِينَ، فجُمِعَت له
معاني الحمد وأنواعه وَله.
(١) في حديث الشفاعة الذي رواه أبو هريرة ، وسيأتي في التفسير برقم (٤٧١٢). وانظر أيضاً حديث
أنس في التفسير (٤٤٧٦).
(٢) وهو في ((التاريخ الأوسط)) (٢٩).
(٣) هذا البيت نسبَه القسطلاني في ((المواهب اللدنيّة))، وعبد القادر البغدادي في ((خزانة الأدب)) ٢٢٥/١
لحسان بن ثابت ضمن أبيات، وقال الأخير: إنها في رواية أبي سعيد السكري لديوان حسان. قلنا: ومن
خلال سياق هذه الأبيات يظهر واضحاً معاني التوحيد، مما يؤكد أنه لحسان بن ثابت، والله أعلم.
(٤) الوجيف: ضربٌ من سير الإبل والخيل. انظر ((الصحاح)) باب (وجف).
(٥) القَرْم من الرجال: السيّد المعظّم. انظر ((لسان العرب)) مادة (قرم).

٣٨٤
باب ١٦ / ح ٣٥٣٢ - ٣٥٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
٣٥٣٢- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، قال: حدَّثنا مَعْنٌ، عن مالك، عن ابنِ شِهابٍ، عن
محمَّدٍ بِنِ جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن أبيه ﴾، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لي خمسةُ أسماءٍ: أنا محمَّدٌ
وأحمدُ، وأنا الماحي الذي يَمْحو اللهُ بي الكُفْرَ، وأنا الحاشرُ الذي يُحْشَرُ الناسُ على قَدَمِي، وأنا
العاقِبُ)).
[طرفه في: ٤٨٩٦]
٣٥٣٣ - حدَّثْنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾،
قال: قال رسولُ الله ◌َّةَ: ((ألا تَعْجَبون كيفَ يَصْرِفُ اللهُ عِّي شَتْمَ قريشٍ، ولَعْنَهم؟ يَشْتِمونَ
مُذَتَّاً، ويَلْعَنونَ مُذَتَّاً، وأنا محمَّدٌ)).
وذکر فیه حدیثین:
أحدهما: قوله: (عن محمَّد بن جُبَير بن مُطْعِم عن أبيه)) كذا وقَعَ موصولاً عن مَعْن بن
عيسى عن مالك، وقال الأكثر: عن مالك عن الزُّهْري عن محمَّد بن جُبَير، مُرسلاً. ووافَقَ
مَعْناً على وصله عن مالك: جُوَيِرِيةُ بن أسماء عند الإسماعيلي. ومحمّد بن المبارك وعبد الله
ابن نافع عند أبي عَوانة (١). وأخرجه الدّارَقُطني في ((الغرائب)) عن آخرينَ عن مالك، وقال: إنَّ
أكثر أصحاب مالك أرسَلُوه.
قلت: وهو معروفُ الاتِّصالِ عن غير مالك، وصَلَه يونسُ بن يزيد وعُقيلٌ ومَعمَرٌ،
وحديثهم عند مسلم (١٢٥/٢٣٥٤)، وشعيبٌ، وحديثه عند المصنِّف (٤٨٩٦) في التَّفسير،
وابنُ عُيَينَةَ عند مسلم أيضاً (١٢٤/٢٣٥٤)، والتِّرمِذي (٢٨٤٠)، كلّهم عن الزُّهْري.
ورواه عن جُبَير بن مُطعِم أيضاً ولدُه الآخرُ نافعٌ، وفي حديثه زيادة، عند المصنّف في
((التاريخ))(٢)، وأخرجه أحمد (١٦٧٤٨) وابن سعد (١٠٤/١ و١٠٥)، وصحَّحه الحاكم
(٦٠٤/٢).
(١) في المناقب كما في ((إتحاف المهرة)) (٣٩٠٧).
(٢) «الأوسط)) (٢٢).

٣٨٥
باب ١٦ / ح ٣٥٣٢ - ٣٥٣٣
كتاب المناقب
وفي الباب عن أبي موسى الأشعَري عند مسلم (٢٣٥٥)، والمصنّف في ((التاريخ))(١)،
وعن حُذَيفة عند المصنِّف في ((التاريخ))(٢)، والتِّرمِذي(٣) وابن سعد (١٠٤/١)، وعن ابن
عبَّاس (٧/ ٦٤) وأبي الطَّفَيل (٤٣٦/٣) عند ابن عَدي، ومن مُرسَل مجاهد عند ابن سعد
(١٠٥/١)، وسأذكُرُ ما في رواياتهم من زيادةِ فائدةٍ.
قوله: ((عن محمَّد بن مجُبَير)) في رواية شعيب المذكورة عن الزُّهْري: أخبرني محمَّد بن
◌ُبیر.
قوله: ((لي خمسة أسماء)» في رواية نافع بن جُبَير عند ابن سعد (١٠٥/١): أنَّ دَخَلَ على
عبد الملك بن مروان، فقال له: أتُّحصي أسماء رسول الله وَّر التي كان جُبَير بن مُطعِمٍ
يَعُدُّها؟ قال: نعم، هي ستّ، فذكر الخمسة/ التي ذكرها محمَّد بن جُبَير، وزادَ: الخاتم، ٥٥٦/٦
لكن روى البيهقي في ((الدَّلائل)) (١٥٤/١) من طريق ابن أبي حفصة عن الزُّهْري في
حديث محمَّد بن جُبَير بن مُطعِم: ((وأنا العاقب)) قال: يعني: الخاتم، وفي حديث حُذَيفة(٤).
((أحمد ومحمّد والحاشر والمقَفِّي ونبي الرَّحمة))، وكذا في حديث أبي موسى (٥)، إلّا أنَّه لم يذكُر
((الحاشر)).
وزَعَمَ بعضهم أنَّ العَدَد ليس من قول النبي ◌ِِّ، وإنَّما ذكره الراوي بالمعنى. وفيه نظر،
لتصريحِه في الحديث بقوله: ((إنَّ لي خمسةَ أسماء))، والذي يَظهَر أنَّه أراد أنَّ لي خمسة أسماء أختَصُّ
بها، لم يُسَمَّ بها أحدٌ قبلي، أو مُعَظَّمة أو مشهورة في الأُمَم الماضية، لا أنَّه أراد الحَصْر فيها.
قال عياض: ◌َى اللهُ هذه الأسماءَ أن يُسَمّى بها أحدٌ قبله، وإنَّما تَسَمّى بعضُ العرب
محمَّداً قُرْبَ ميلاده لمّا سمعوا من الكُهّان والأحبار: أنَّ نبيّاً سَيُبعَثُ في ذلك الزَّمان ◌ُسَمّی
(١) ((الأوسط)) (٢٤).
(٢) («الأوسط)) (٢٣).
(٣) في ((الشمائل))(٣٦٠).
(٤) خرَّجه الحافظ قريباً.
(٥) خرَّجه الحافظ قريباً أيضاً.

٣٨٦
باب ١٦ / ح ٣٥٣٢ - ٣٥٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
محمَّداً، فَرَجَوا أن يكونوا هم، فسَمَّوا أبناءَهم بذلك، قال: وهم سِتَّة لا سابعَ لهم. كذا قال.
وقال السُّهَيلي في ((الرَّوض)): لا يُعرَف في العرب مَن تَسَمّى محمَّداً قبل النبي ◌َّ إلّا
ثلاثة: محمَّد بن سفيان بن مُجَاشِع، ومحمَّد بن أُحَيْحَة بن الجُلَاحِ، ومحمّد بن محُمْران بن
ربيعة. وسَبَقَ السُّھیليَّ إلى هذا القول أبو عبد الله بن خالويه في كتاب ((لیس)).
وهو حَصر مردودٌ، وقد جمعتُ أسماء مَن تَسَمّى بذلك في جُزء مُفرَد فبَلَغوا نحو العشرينَ،
لكن مع تَكَرُّرٍ في بعضهم ووَهْم في بعض، فتخلَّص (١) منهم خمسة عشر نفساً.
وأشهرهم: محمّد بن عَدي بن ربيعة بن سَواءَة بن جُشَم بن سعد بن زيد مناة بن تَميم
التَّمیميُّ السَّعدي، روی حدیثه البغوي وابن سعد وابن شاهین وابن السَّگن وغيرهم، من
طريق العلاء بن الفضل عن أبيه عن جَدّه عبد الملك بن أبي سَوِيَّة عن أبيه أبي سَوية عن
أبيه خليفة بن عبْدة المِنقَري، قال: سألت محمَّد بن عَدي بن ربيعة: كيف سَّاك أبوك في
الجاهلية محمَّداً؟ قال: سألت أبي عمَّا سألتَني، فقال: خَرَجتُ رابعَ أربعةٍ من بني تميم: أنا
أحدهم، وسفيان بن مجاشع، ويزيد بن عَمْرو بن ربيعة، وأسامة بن مالك بن حبيب بن
العَنبَرَ نُريد ابن جَفْنة الغَسّاني بالشّام، فنزلنا على غَدير عند دَيْر، فأشرَفَ علينا الدَّيْراني،
فقال لنا: إنَّه يُبعَث منكم وشيكاً نبيٌّ فسارعوا إليه، فقلنا: ما اسمه؟ قال: محمَّد. فلمَّا انصَرَفنا
وُلِدَ لكلٍّ مِنّا ولد، فسماه محمَّداً لذلك. انتهى.
وقال ابن سعد (١٦٩/١): أخبرنا عليّ بن محمَّد عن مَسلَمة بن محارب(٢) عن قَتَادة بن
السَّكَن، قال: كان في بني تميم محمَّد بن سفيان بن مجاشع، قيل لأبيه: إنَّه سيكون نبيٌّ في
العرب اسمه محمَّد، فسَمّى ابنه محمَّداً.
فهؤلاءِ أربعة ليس في السّياق ما يُشعِر بأنَّ فيهم مَن له صُحْبة إلّا محمَّد بن عَدي، وقد
(١) في (س): فيتلخّص.
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله: مسلمة بن محارب، والذي في مطبوع ((الطبقات)»: مسلمة بن علقمة، وعلي بن
محمد - وهو أبو الحسن المدائني - يروي عن كليهما عند ابن سعد، فالله تعالى أعلم.

٣٨٧
باب ١٦ / ح ٣٥٣٢ -٣٥٣٣
كتاب المناقب
قال ابن سعد لمَّا ذكره في الصَّحابة: عِداده في أهل الكوفة.
وذكر عبْدان المروَزي: أنَّ محمَّد بن أُحَيحة بن الجُلَاحِ أوَّل مَن تَسَمّى في الجاهلية محمَّداً.
وكأنَّه تَلَقّى ذلك من قصَّة تُبَّعَ لمَّا حاصَرَ المدينة، وخَرَجَ إليه أُحَيحَةُ المذكور هو والحَبْ الذي
كان عندهم بيثرِبَ، فأخبر الحَبْ أنَّ هذا بَلَد نبيِّ يُبعَثُ، يُسَمّى محمَّداً، فسَمّى ابنَه محمَّداً.
وذكر البَلاذُري منهم محمَّدَ بن عُقْبة بن أُحَيحة، فلا أدري أهما واحد نُسِبَ مرَّة إلى
جَدّه، أم هما اثنان؟
ومنهم محمَّد بن البراء البكري، ذكره ابن حبيب، وضَبَطَ البَلاذُري أباه، فقال: محمَّد
ابن بَرّ - بتشديد الرّاء ليس بعدها ألفٍ - ابن طَريف بن عُتْوارَة بن عامر بن لیث بن بكر
ابن عبد مناة بن كِنانة، ولهذا نَسَبوه أيضاً العُتواري.
وغَفَلَ ابن دِحية، فعَدَّ فيهم محمَّد بن عُتوارة، وهو هو نُسِبَ لجدِّه الأعلى.
ومنهم محمَّد بن اليُحْمِد الأزدي، ذكره المفَجَّع البصري في كتاب ((المنقذ)).
ومحمّد بن خَوْلي الهمداني، وذكره ابن دُرَید.
ومنهم محمَّد بن حِرْماز بن مالك اليَعمري، ذكره أبو موسى في ((الذَّيل)).
ومنهم محمَّد بن ◌ُمران بن أبي حُمران - واسمه - ربيعة (١) بن مالك الجُعْفي، المعروف
بالشّوَيعِرِ، ذكره المرزُباني، فقال: هو أحد مَن سُمّي محمَّداً في الجاهلية، وله قصَّة مع امِرِئٍ
القیس.
ومنهم محمَّد بن خُزاعيّ بن عَلقَمة بن حِزابة(٢) السُّلَمي من بني ذَكْوانَ، ذكره ابن سعد
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى بأنَّ اسمه ربيعة، ومن قبله السُّهيلي في ((الروض الأنف)) ٢٧٦/١،
وغيرهما، والمعروف في كتب الأنساب أنَّ أبا حمران هذا اسمه الحارث بن معاوية بن الحارث. انظر
(جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص ٤١٠ في نسب بني جُعفي بن سَعْد، و((الإكمال)) لابن ماكولا في
باب الشّاجي والسَّاجي.
(٢) المثبت من (أ) هكذا، يعني بالحاء المهملة والزاي المعجمة، بعدها ألف، ثم موحدة، بعدها التاء المربوطة،
وهو يوافق ما جاء في مطبوع ((الطبقات الكبرى)) ١٦٩/١، ومطبوع ((المنمق في أخبار قريش)) لمحمد =

٣٨٨
باب ١٦ / ح ٣٥٣٢ - ٣٥٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
٥٥٧/٦ (١٦٩/١) عن عليّ بن محمّد عن سَلَمةَ بن الفضل عن/ محمَّد بن إسحاق قال: سُمّي محمَّدَ
ابن خُزاعيّ طَمعاً في النبوّة.
وذكر الطَّبَري: أنَّ أبرَهَة الْحَبَشِيّ تَوَّجَهُ، وأمَرَه أن يَغْزُوَ بني كِنانة، فقتلوه، فكان ذلك
من أسباب قصَّة الفيل. وذكره محمَّد بن أحمد بن سليمان الهروي في كتاب ((الدَّلائل)) فيمَن
تَسَمّی محمَّداً في الجاهلية. وذكر ابنُ سعد لأخيه قيس بن خُزاعِيّ یَذكره(١) من أبياتٍ يقول
فيها:
فِذَلِكُمُ ذو التاج مِنّا محمَّدٌ ورايتُه فِي حَومةِ الموت تَخْفِقُ
ومنهم محمَّد بن عَمْرو بن مُغْفِل - بضمٍّ أوَّله وسكون المعجَمة وكسر الفاء ثمَّ لام -
وهو والد هُبَيب - بموخَّدتَين، مُصغَّر - وهو على شرط المذكورينَ، فإنَّ لولدِه صُحْبة،
وماتَ هو في الجاهلية.
ومنهم محمَّد بن الحارث بن حُدَيج بن حوَيص، ذكره أبو حاتم السِّجِستاني في ((كتاب
المعمَّرِينَ))، وذكر له قصَّة مع عَمْرو، وقال: إنَّه أحد مَن سُمّي في الجاهلية محمَّداً.
ومنهم محمَّد الفُقَيمي، ومحمَّد الأُسَيِّدي، ذكرهما ابن سعد، ولم يَنسُبهما بأكثرَ من
ذلك.
فعُرِفَ بهذا وجه الردّ على الحَصْر الذي ذكره السُّهَيلي، وكذا الذي ذكره القاضي
عیاض، وعجب من السُّھیلي کیف لم يقف على ما ذكره عیاض، مع گونه کان قبله؟ وقد
تَحرَّرَ لنا من أسمائِهِم قَدْرُ الذي ذكره القاضي مرَّتَين بل ثلاث مرات، فإنَّه ذكر في السِّئَّة
الذينَ جَزَمَ بهم محمَّد بن مَسلَمة، وهو غَلَط، فإنَّهِ وُلِدَ بعد ميلاد النبيَِّ بِمُدَّةٍ، فَفَضَلَ له
خمسة، وقد خَلَصَ لنا خمسة عشر، والله المستعان.
= ابن حبيب البغدادي ص ٧٢، ومطبوع ((معجم الشعراء)) للمرزباني، في ترجمة عمير بن الحباب بن جعدة
ابن إياس بن حزابة. وفي (س): حرابة، بالراء المهملة، ونظنه تصحيفاً، والله أعلم.
(١) يعني يذكر أخاه محمد بن خزاعي.

٣٨٩
باب ١٦ / ح ٣٥٣٢ -٣٥٣٣
كتاب المناقب
قوله: ((وأنا الماحي الذي يَمْحو اللهُ بي الكُفْرَ)) قيل: المراد إزالة ذلك من جزيرة العرب.
وفيه نظرٌ، لأَنَّه وقَعَ في رواية عَقيل ومَعمَر (١): «يَمحو اللهُ بي الكَفَرَةَ».
ويُجاب: بأنَّ المراد إزالة الكفر بإزالة أهله، وإنَّما قُيِّدَ بجزيرة العرب لأنَّ الكفر ما
انمَحَى من جميع البلاد، وقيل: إنَّه محمول على الأغلب، أو أنَّه يَمَّحِي بسَبَبِه أوَّلاً فأوَّلاً، إلى
أن يَضمَحِلّ في زمن عيسى ابن مريم، فإنَّه يَرفَع الجِزية، ولا يقبل إلّا الإسلام.
وتُعقّبَ: بأنَّ الساعة لا تقوم إلّا على شِرار الناس.
ويُجاب: بجواز أن يَرتَدّ بعضهم بعد موت عيسى، وتُرسَل الرّيحُ، فَتَقِضُ روحَ كلّ
مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنةٍ، فحينئذٍ فلا يبقى إلّا الشِّرار.
وفي رواية نافع بن جُبَير (٢): وأما (٣) الماحي، فإنَّ الله يَمحُو به سَيَِّات مَن اتَّبَعَه؛ وهذا يُشبِهِ
أن یکون من قول الراوي.
قوله: ((وأنا الحاشر الذي يُحْشَر الناس على قَدَمِي)) أي: على أثري، أي: أنَّه يُحِشَر قبلَ الناس،
وهو موافق لقوله في الرّواية الأُخرى: ((يُحْشَر الناس على عَقِبي))(٤) ويَحَتَمِل أن يكون المراد
بالقَدَمِ: الزَّمان، أي: وقت قيامي على قَدَمِي بظُهورِ علامات الحَشر، إشارةً إلى أنَّه ليس
بعده نبيٌّ ولا شَریعةٌ.
واستُشكِلَ التَّفسير بأنَّه يقتضي(٥) بأنَّه مَحَشور، فكيف يُفَسَّرِ به حاشرٌ، وهو اسم فاعل،
وأُجِيبَ بأنَّ إسنادَ الفعل إلى الفاعل إضافةٌ، والإضافةُ تَصِحُ بأدنى مُلاَبَسة، فلمَّا كان لا
أمَّةَ بعد أمَّته، لأنَّه لا نبيَّ بعده، نُسِبَ الحَشرُ إليه، لأنَّه يقع عَقِبه.
(١) عند مسلم (٢٣٥٤) (١٢٥).
(٢) عند البخاري في ((التاريخ الأوسط)) (٢٢)، وعند ابن سعد ١٠٥/١.
(٣) تحرف في الأصلين و(س) إلى: ((وأنا))، على صيغة المتكلم، فصار كأنه مرفوع، وليست الرواية كذلك،
ويؤيد ذلك قوله: ((يمحو به))، فإنه جاء بضمير الغائب، وسيأتي في كلام الحافظ عند شرح قوله:
((العاقب)) ما يدل على ذلك في رواية نافع.
(٤) هذه الرواية عند مسلم (٢٣٥٤) (١٢٤).
(٥) في (س): يقضي.

٣٩٠
باب ١٦ / ح ٣٥٣٢ - ٣٥٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
ويحتمل أن يكون معناه: أنَّه أوَّل مَن يُحِشَر كما جاء في الحديث الآخر: ((أنا أوَّل مَن
تَنشَقّ عنه الأرضُ))(١)، وقيل: معنى القَدَم: السَّبَب، وقيل: المراد على مُشاهَدَتي قائماً لله
شاهداً على الأُمَم.
ووقَعَ في رواية نافع بن جُبَير (٢): ((وأما(٣) حاشرٌ فَبُعِثَ(٤) مع السّاعة) وهو يُرجِّح الأوَّل.
تنبيه: قوله: ((على عَقِبي))(٥): بكسر الموحّدة مُفَّفاً على الإفراد، ولبعضِهم: بالتَّشديد
على التَّنية، والموخَّدة مفتوحة.
قوله: ((وأنا العاقب)) زاد يونس بن يزيد في روايته عن الزُّهْري(٦): «الذي ليس بعده أحدٌ(٧)،
وقد سَمّاه الله رَؤوفاً رَحِيماً))، قال البيهقي في ((الدَّلائل)) (١٥٤/١): قوله: ((وقد سَمّه الله ... )) إلى
آخره، مُدَرَجُ من قول الزُّهْري. قلت: وهو كذلك، وكأنَّه أشارَ إلى ما في آخر سورة براءة.
وأمَّا قوله: ((الذي ليس بعده نبي)) فظاهره الإدراج أيضاً، لكن وَقَعَ في روایة سفيان بن
عُيَينةَ عند التِّرمِذي(٨) (٢٨٤٠) وغيره بلفظ: ((الذي ليس بعده(٩) نبيّ))، ووقَعَ في رواية
نافع بن جُبَير: فإنه عَقِبَ الأنبياء، وهو مُتمِلٌ للرفع والوقف.
(١) سلف عند البخاري برقم (٢٤١٢).
(٢) عند البخاري في ((الأوسط)) (٢٢)، وعند ابن سعد ١٠٥/١.
(٣) تحرف في الأصلين و(س) إلى: ((وأنا))، على صيغة المتكلم، فصار كأنه مرفوع، وليست الرواية كذلك، كما
يوضحه كلامُ الحافظ قريباً عند شرح قوله: ((العاقب)).
(٤) تحرف في الأصلين و(س) إلى: ((بعثت))، على صيغة المتكلم، كالحال في التعليق الذي قبله.
(٥) يعني في رواية مسلم (٢٣٥٤) (١٢٤).
(٦) عند مسلم (٢٣٥٤) (١٢٥).
(٧) كذا في الأصلین، موافقاً ما جاء في رواية يونس عند مسلم وغيره، ووقع في (س): نبي، وهو يوافق رواية
يونس عند ابن حبان (٦٣١٣)! والظاهر أنه خطأ في رواية يونس عن الزهري، والله أعلم.
(٨) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من مسلم، وهو فيه برقم (٢٣٥٤) (١٢٤).
(٩) تحرف في (أ) و(س) إلى: ((بعدي))، وقول الحافظ بأنه محتمل للرفع والوقف، يعارضه، فالصحيح أنه
بصيغة الغائب، كما جاء في (ع). وعليه فما وقع في مطبوع الترمذي خطأ، وقد صوبناه في طبعتنا برقم
(٣٠٥٢).

٣٩١
باب ١٦ / ح ٣٥٣٢-٣٥٣٣
كتاب المناقب
وممّاً وقَعَ من أسمائه في القرآن بالاتّفاق: الشّاهد، المبَشِّر، النَّذير، المبين، الدّاعي إلى الله،
السِّراج المنير، وفيه أيضاً:/ المذَكِّر، والرّحمة، والنِّعمة، والهادي، والشَّهيد، والأمين، والمَّمِّل، ٥٥٨/٦
والمدَّثِّر، وتقدّم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٢١٢٥): المتوگِّل، ومن أسمائه
المشهورة: المختار، والمصطَفى، والشَّفيع المشَفَّع، والصّادِق المصدوق، وغير ذلك.
قال ابن دِحية في تَصنيفٍ له مُفرَدٍ في الأسماء النَّبويّة(١): قال بعضهم: أسماء النبي ◌َّ
عَدَد أسماء الله الحسنى، تسعة وتسعونَ اسماً، قال: ولو بَحَثَ عنها باحث لَبَلَغَت ثلاث مئة
اسمٍ، وذكر في تَصنيفه المذكور أماكنها من القرآن والأخبار، وضَبَطَ ألفاظها وشَرَحَ
مَعانيها، واستَطَرَدَ كَعادَتِهِ إلى فوائد كثيرة، وغالبُ الأسماء التي ذكرها وُصِفَ بها النبي ◌ِّ،
ولم يَرِدِ الكثيرُ منها على سبيل التَّسمية، مِثلُ عَدّه اللَّبِنة - بفتح اللّام وكسر الموحّدة ثمَّ
النُّون - في أسمائه، للحديث المذكور في الباب بعده في القصر الذي من ذهب وفِضَّة إلّا
موضع لَبِنة، قال: ((فكنت أنا اللَّبِنة)»، كذا وَقَعَ في حديث أبي هريرة، وفي حديث جابر:
((موضع اللَّبِنة))، وهو المراد.
ونَقَلَ ابن العربي في ((شرح التِّرمِذي)) عن بعض الصّوفيَّة: أنَّ لله ألفَ اسم، ولرسولِه
ألفَ اسم.
وقيل: الحكمة في الاقتصار على الخمسة المذكورة في هذا الحديث: أنَّها أشهر من غيرها
موجودة في الكتب القديمة، وبين الأُمَم السالفة.
الحديث الثاني: قوله: ((سُفْيان)) هو ابن عُيَينَةَ.
قوله: ((عن أبي الزِّناد)) في رواية (٢): حدّثنا أبو الزِّناد.
قوله: ((ألا تَعْجَبونَ)) في رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عند المصنِّف في ((التاريخ))(٣):
(١) اسمه: ((المستوفى في أسماء المصطفى)).
(٢) عند البيهقي في ((الدلائل)) ١/ ١٥٢.
(٣) «الأوسط)) (٢٨).

٣٩٢
باب ١٧ / ح ٣٥٣٤ -٣٥٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
((يا عِباد الله انظُرُوا»، وله (٢٦) من طريق محمَّد بن عَجْلان عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ:
((ألم تَروا كيف)) والباقي سواء.
قوله: ((يَشْتِمونَ مُذَتَّما)) كان الكفّار من قريش من شِدَّةٍ كَرَاهَتهم في النبيِِّ لا يُسَمّونَه
باسمِهِ الدّالّ على المدح، فيَعدِلونَ إلى ضِدّه، فيقولون: مُذَمَّم، وإذا ذَكَروه بسوءٍ قالوا: فعلَ الله
بِمُذَمَّمٍ، ومُذَمَّم ليس هو اسمَه، ولا يُعرَف به، فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفاً إلى
غيره.
قال ابن التِّين: استَدَلَّ بهذا الحديث مَن أسقَطَ حَدّ القَذف بالتَّعريضِ، وهم الأكثر
خِلافاً لمالكِ، وأجابَ بأنَّه لم يقع في الحديث أنَّه لا شيء عليهم في ذلك، بل الواقع أنَّهم
◌ُوقِبوا على ذلك بالقتل وغيره. انتهى.
والتَّحقيق أنَّه لا حُجَّة في ذلك إثباتاً ولا نفياً، والله أعلم.
واستَنبَطَ منه النَّسائيُّ أَنَّ مَن تَكلَّمَ بكلام مُنافٍ لمعنى الطَّلَاقِ ومُطلَقِ الفُرقة، وقَصَدَ
به الطَّلَاقَ لا يقع، كمَن قال لزوجَتِه: كُلي وقَصَدَ الطَّلاق فإنَّهَا لا تَطلُق، لأنَّ الأكل لا
يَصلُح أن يُفَسَّر به الطَّلاق بوجهٍ من الوجوه، كما أنَّ مُذَتَّماً لا يُمكِن أن يُفَسَّر بمحمد عليه
وآله أفضل الصلاة والسَّلام بوجهٍ من الوجوه.
١٧ - باب خاتم النبيّين
٣٥٣٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدَّثْنَا سَليمُ بن حَيّانَ، حدَّثنا سعيدُ بنُ مِيناءَ، عن جابرِ بنِ
عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ نَّهِ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ الأنبياءِ كَرجلٍ بَنَى داراً، فأكمَلَها
وأحسنَها، إلّا موضعَ لَبِنِةٍ، فَجَعَلَ الناسُ يَدخُلُونَهَا ويَتَعَجَّبونَ، ويقولون: لولا موضعُ اللَّبِنة)».
٣٥٣٥- حدثنا قُتَیةُ بنُ سعیدٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفٍ، عن عبدِ الله بنِ دِینارٍ، عن أبي
صالح، عن أبي هريرةَ﴾، أنَّ رسولَ الله وَّم قال: ((إِنَّ مَثَلَي ومَثَلَ الأنبياءِ مِن قبلي كمَثَلِ رجُلٍ
بَنَى بَيْتاً، فأحسنَهُ وأْمَلَه، إلّا موضعَ لَبِنةٍ من زاوِيةٍ، فجَعَلَ الناسُ يَطوفونَ به ويَعْجَبونَ له،
ويقولون: هَلَّ وُضِعَتْ هذه اللَِّنَةُ؟)) قال: «فأنا اللَّبِنَّةُ، وأنا خاتِمُ النبيِّينَ)).

٣٩٣
باب ١٧ / ح ٣٥٣٤-٣٥٣٥
كتاب المناقب
قوله: ((باب خاتم النبيينَ)) أي: أنَّ المراد بالخاتِم في أسمائه: أنَّه خاتِمِ النَّبِّينَ، ولَمَّحَ بما ٥٥٩/٦
وَقَعَ في القرآن (١)، وأشارَ إلى ما أخرجه في ((التاريخ))(٢) من حديث العرباض بن سارية
رَفَعَه: ((إنّي عبد الله وخاتِمِ النَّبِّينَ، وإنَّ آدم لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتَه)) الحديث، وأخرجه أيضاً
أحمد (١٧١٥٠) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٤٠٤) والحاكم (٤١٨/٢).
وأورَدَ فيه حديثَي أبي هريرة وجابر، ومعناهما واحد، وسياق أبي هريرة أتمّ، ووقَعَ في
آخر حديث جابر عند الإسماعيلي(٣) من طريق عَفّان عن سَلِيم بن حَيّان: «فأنا موضع
اللَّبِنة، جِئْتُ فخَتَمتُ الأنبياء)).
قوله: ((مَثَلِي ومَثَل الأنبياء كَرجلٍ بنى داراً) قيل: المشَبَّه به واحد، والمشبّه جماعة، فكيف
صَعَّ التَّشبيه؟ وجوابه: أنَّه جَعَلَ الأنبياء كَرجلٍ واحد، لأنَّه لا يَتِمّ ما أراد من التَّشبيه إلّا
باعتبار الكلّ، وكذلك الدّار لا تَتِمّ إلّا باجتماع البُنيان، ويحتمل أن يكون من التَّشبيه
التَّمثيلي، وهو أن يُؤخذ وصف من أوصاف المشَبَّه، ويُشَبَّ بمِثلِه من أحوال المشَبَّه به،
فكأنَّه شَبَّهَ الأنبياء وما بُعِثوا به من إرشاد الناس ببيتٍ أُسِّسَت قواعدُهُ ورُفِعَ بُنيانُه، وبَقي
منه موضعٌ به یَتِمّ صلاحُ ذلك البيت.
وزَعَمَ ابن العربي: أنَّ اللَّبِنة المشار إليها كانت في أساس الدّار المذكورة، وأنَّها لولا
وَضْعُها لانقَضَّت تلكَ الدّار، قال: وبهذا يَتِمّ المراد من التَّشبيه المذكور. انتهى.
وهذا إن كان منقولاً فهو حسن، وإلّا فليس بلازم، نعم ظاهر السّياق أن تكون اللَّبنة في
مكان يَظهَر عَدَم الكمال في الدّار بفَقدِها، وقد وقَعَ في رواية هَّام عند مسلم (٢١/٢٢٨٦): ((إلّا
موضع لَبِنِةٍ مِن زاويةٍ من زَواياها))(٤)، فيَظهَرِ أنَّ المراد أنَّها مُكَمِّلة مُحَسِّنة، وإلّا لاستَلزَمَ أن يكونَ
الأمرُ بدونها كان ناقصاً، وليس كذلك، فإنَّ شَريعةَ كلّ نبيّ بالنّسبة إليه كاملةٌ، فالمراد هنا: النَّظَر
(١) في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبْنَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
(٢) ((الأوسط)) (٣٥).
(٣) وهو عند مسلم أيضاً من هذا الطريق وبهذا اللفظ برقم (٢٢٨٧).
(٤) وهي أيضاً في رواية أبي هريرة هنا.

٣٩٤
باب ١٨ / ح ٣٥٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
إلى الأكمَل بالنّسبة إلى الشّريعة المحمَّدية مع ما مضى من الشَّرائع الكاملة.
قوله: (لولا موضع اللَّبِنة)) بفتح اللّام وكسر الموحّدة بعدها نون، وبكسر اللّام وسكون
الموخَّدة أيضاً: هي القِطعة من الطّين، تُعجَن وتُجِبَل، وتُعَدّ للبناءِ، ويقال لها ما لم تُحرَق:
لَبِنة، فإذا أُحرِقَت فهي آجُرَّة.
وقوله: ((موضع اللَّبِنة)) بالرفع على أنَّه مُبتَدَأ وخبره محذوف، أي: لولا موضع اللَِّنة
يُوهِم النَّقص، لكان بناء الدّار كاملاً، ويحتمل أن تكون ((لولا)) تَحضيضية، وفعلها
محذوف، تقديره: لولا أُكمِلَ موضع اللَّبِنة. ووقَعَ في رواية همَّام عند أحمد (٨١١٦)(١): ((ألا
وضَعْتَ هاهنا لَبِنة، فَتِمَّ بُنيانُكَ)).
وفي الحديث ضرب الأمثال للتَّقْريبِ للأفهام، وفضل النبي ◌ِّلهعلى سائر النبيّينَ، وأنَّ الله
خَتَمَ به المرسَلينَ، وأُكمَلَ به شرائعَ الدّین.
١٨ - باب وفاة النبيّ وَلـ
٣٥٣٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّنا اللَّثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ
ابنِ الزُّبَيرِ، عن عائشةَ رَضِيَ الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌َّ توفِّيَ وهو ابنُ ثلاثٍ وسِتِينَ.
وقال ابنُ شِهابٍ: وأخبَرَني سعيدُ بنُ المسيّبِ مِثْلَه.
[طرفه في: ٤٤٦٦]
قوله: ((باب وفاة النبي ◌َّ) كذا وَقَعَت هذه التَّرجمة عند أبي ذرِّ، وسقطت من رواية
النَّسَفي، ولم يَذكُرها الإسماعيلي، وفي ثُبوتها هنا نظر، فإنَّ محلّها في آخر المغازي كما سيأتي(٢).
والذي يَظهَرِ أنَّ المصنّف قَصَدَ بإيرادٍ حديث عائشة هنا بيانَ مِقدار عُمر النبيّ وَّ فقط، لا
خُصوصٍ زمن وفاته، وأورَدَه في الأسماء إشارة إلى أنَّ من جُملة صفاته عند أهل الكتاب أنَّ مُدَّة
عمره القَدْر الذي عاشَه، وسيأتي نقل الخِلاف في مقداره في آخر المغازي إن شاء الله تعالى.
(١) وهو أيضاً في ((صحيح مسلم) برقم (٢٢٨٦) (٢١).
(٢) الباب رقم (٨٥)، الأحاديث (٤٤٦٤ - ٤٤٦٦).

٣٩٥
باب ١٩ / ح ٣٥٣٧-٣٥٣٩
كتاب المناقب
قوله: ((قال ابن شِهاب: وأخبَرَني سعيد بن المسيّب مِثلَه)) أي: مِثل ما أخبر عُرْوة عن ٥٦٠/٦
عائشة، وقول ابن شِهابٍ موصولٌ بالإسناد المذكور، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق
موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب بالإسنادين معاً مُفرَّقاً.
وهو من مُرسَل سعيد بن المسيّبِ، ويحتمل أن يكون سعيدٌ أيضاً سمعَه من عائشة
رضي الله عنها.
١٩ - باب كُنية النبيّ وَله
٣٥٣٧ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حذَّثنا شُعبةُ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ ﴾، قال: كان النبيُّ
وَيليه في السُّوقِ، فقال رجلٌ: يا أبا القاسم، فالتَفَتَ النبيُّ ◌َيهِ، فقال: ((سَمُّوا باسمي، ولا تَكْتُنُوا
بگنیتي».
٣٥٣٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا شُعبةُ، عن منصورٍ، عن سالم، عن جابٍ ﴾، عن
النبيِّ وَّةِ، قال: ((تَسَمَّوا باسمي، ولا تَكْتُنُوا بِكُنِيَتِي)).
٣٥٣٩- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن أيوبَ، عن ابنِ سِيرِينَ، قال: سمعتُ
أبا هريرةَ يقول: قال أبو القاسمِ تَّ: ((سَمُّوا باسمي، ولا تَكْتَنُوا بَكُنْيتي)).
قوله: (باب كُنْية النبي ◌َّ)) الكُنية - بضمِّ الكاف وسكون النُّون -: مأخوذة من الكِناية،
تقول: كَنَيتُ عن الأمر بكذا: إذا ذكرتَه بغير ما يُستَدَلّ به عليه صريحاً، وقد اشتَهَرَتِ
الكُنى للعَرَبِ حتَّى رُبَّمَا غَلَبَت على الأسماء، كأبي طالب وأبي لهب وغيرهما، وقد يكون
للواحدِ كُنية واحدة فأكثر، وقد يَشتَهِر باسمِه وكُنْتِه جميعاً، فالاسم والكُنية واللَّقَب
يجمعُها العَلَم - بفتحَتَينِ - وتَتَغاير بأنَّ اللَّقَبَ ما أشعَرَ بمَدح أو ذَمٍّ، والكُنية ما صُدِّرَت
بأپٍ أو أمّ، وما عدا ذلك فهو اسم.
وكان النبي ◌َّه يُكْنى أبا القاسم بوَلَدِه القاسم، وكان أكبر أولاده، واختُلِفَ هل مات قبل
البعثة أو بعدها، وقد وُلِدَ له إبراهيم في المدينة من ماريَة، ومضى شيءٌ من أمره في الجنائز(١).
(١) عند شرح الحديث (١٣٠٣)، في باب قول النبي ◌َّ: ((إنّا بكَ لَمَحْزُونُون)).

٣٩٦
باب ٢٠ / ح ٣٥٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
وفي حديث أنس(١): أنَّ جِبْريل قال للنبي وَّ: ((السَّلام عليك يا أبا إبراهيم)).
وأورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أنس أورَدَه مختصراً، وقد مضى في البيوع (٢١٢١) بأتمّ منه، وفيه: أنَّ
الرجل قال له: لم أَعْنِكَ، وحينئذٍ تَهى عن التَّگنّي بگنْيْتِهِ.
ثانيها: حديث جابر: وسالم الراوي عنه: هو ابن أبي الجَعْد. وأورَدَه أيضاً مختصراً، وقد
مضى في الخُمس (٣١١٤) بأتمّ منه أيضاً.
وقوله في أوّله: ((حدَّثنا محمَّد بن كثير، حدَّثنا شُعبة)» كذا للأكثر، وفي رواية أبي عليّ بن
السَّكَن: ((سفيان)) بدل: ((شُعبة)»، ومالَ الجَيّاني إلى ترجيح الأكثر، فإنَّ مسلماً (٧/٢١٣٣)
أخرجه من طريق شُعبة عن منصور.
ثالثها: حديث أبي هريرة:
قوله: ((قال أبو القاسم وَ ل﴿) كذا وقَعَ في هذه الطَّريق، وهو لطيف، وتقدَّم في العلم (١١٠)
بلفظ: قال رسول الله چ.
وقد اختُلِفَ في جواز التَّكَنّي بَكُنْيَتِهِ وَّهِ: فالمشهور عن الشّافعي المنعُ على ظاهر هذه
الأحاديث، وقيل: يَخْتَصّ ذلك بزمانه، وقيل: بمَن تَسمّى باسمِه، وسيأتي بسط ذلك وتوجيه
هذه المذاهب في كتاب الأدب (٦١٨٨) إن شاء الله تعالى.
٢٠- بابٌ
٣٥٤٠- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا الفَضْلُ بنُ موسى، عن الجُعَید بنِ عبدِ الرحمن:
رأيتُ السائبَ بنَ يزيدَ ابنَ أربع وتسعينَ جَلْداً مُعَدِلاً، فقال: قد عَلمْتُ ما مُتِّعْتُ به، سَمْعي
وبَصَري، إلّا بدعاءِ رسولِ اللهِ وَّهِ، إنَّ خالَتِي ذَهَبَت بي إليه، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ ابنَ
أُخْتِي شاكٍ فادعُ اللهَ، قال: فَدَعَا لِي ◌ِّ.
(١) أخرجه البزار (٦٣٣١)، والطبراني في ((الأوسط)) (٣٦٨٧).

٣٩٧
باب ٢١ / ح ٣٥٤١
كتاب المناقب
قوله: ((باب)) كذا للأكثر بغير ترجمة کأبي ذرٍّ، وأبي زيد من رواية القاسي عنه وكَرِیمة، ٥٦١/٦
وكذا للنَّسَفي، وجَزَمَ به الإسماعيلي، وضمَّه بعضهم إلى الباب الذي قبله، ولا تَظهَر مُناسبته
له، ولا يَصلُح أن يكون فصلاً من الذي قبله، بل هو طَرَف من الحديث الذي بعده، ولعلَّ
هذا من تصرُّف الرُّواة، نعم وجَّهَه بعض شيوخنا: بأنَّه أشارَ إلى أنَّ النبي ◌َّ وإن كان ذا
أسماء وكُنية، لكن لا ينبغي أن يُنادى بشيءٍ منهما، بل يقال له: يا رسول الله، كما خاطَبَتْه
خالة السائب لمَّا أتت به إليه، ولا يخفى تكلُّمه.
قوله: ((جَلْداً) بفتح الجيم وسكون اللّام، أي: قويّاً صُلْباً.
قوله: ((ابنَ أربع وتسعينَ)) يُشعِر بأنَّه رآه سنة اثنَتَين وتسعينَ، لأنَّه كان له يومَ ماتَ
النبيِ وَ ل﴿ل ثمانُ سنين كما ثَبَتَ من حديثه، ففيه رَدُّ لقولِ الواقدي: أنَّه ماتَ سنة إحدى
وتسعينَ. على أنَّه يُمكِن توجيه قوله، وأبعَدُ منه مَن قال: ماتَ قبل التِّسعينَ، وقد قيل: إنَّه ماتَ
سنة ستّ وتسعينَ، وهو أشبه، قال ابن أبي داود: هو آخر مَن ماتَ من الصَّحابة بالمدينة، وقال
غيره: بل محمود بن الرَّبيع، وقيل: بل محمود بن لَبيد، فإنَّه ماتَ سنة تسع وتسعينَ.
٢١ - باب خاتِمِ النُّوَّة
٣٥٤١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيدِ الله، حدَّثنا حاتِمٌ، عن الجُعَيد بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: سمعتُ
السائبَ بنَ يزيدَ، قال: ذهبَتْ بي خالَتي إلى رسولِ الله وَّ، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ ابنَ أُخْتي
وقِعٌ، فمَسَحَ رأسي، ودَعا لي بالبَرَكةِ، وتَوضَّأ، فشَرِبتُ من وَضوئِهِ، ثمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِه،
فَظَرتُ إلى خاتِمِ النبوّةِ بِينَ كَتِفَيِه.
قال ابنُ عُبيدِ الله: الحُجْلةُ: من حُجَلِ الفَرَسِ الذي بينَ عَينَيَه.
وقال إبراهيمُ بنُ حمزةَ: مِثلَ زِرِّ الحَجَلة.
قوله: ((باب خاتم النبوَّة)) أي: صِفَته، وهو الذي كان بين كَتِفَي النبي بََّ، وكان من
علاماته التي كان أهل الكتاب يَعرفونَه بها.
وادَّعى عياضٌ هنا أنَّ الخاتم هو أثرُ شَقّ الملَكَين لمَا بين كَتِفَيه.

٣٩٨
باب ٢١ / ح ٣٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
وتَعقَّبَه النَّوَوي، فقال: هذا باطل، لأنَّ الشَّقّ إنَّما كان في صَدره وبطنه. وكذا قال
القُرطُبي: وأثره إنَّما كان خَطّاً واضحاً من صدره إلى مَرَاقٌّ بطنه كما في ((الصحيحينِ))(١)،
قال: ولم يَثْبُت قَطُّ أَنَّه بَلَغَ بالشَّقِّ حتَّى نَّفَذَ من وراء ظَهْره، ولو ثَبَتَ لَزِمَ عليه أن يكون
مُستَطيلاً من بين كَتِفَيه إلى قَطِنَتِهِ، لأنَّه الذي يُحاذي الصَّدر مِن مَسْرُبته (٢) إلى مَرَاقٌّ بطنه،
قال: فهذه غَفلة من هذا الإمام، ولعلَّ ذلك وَقَعَ من بعض نُسّاخ كتابه، فإنَّه لم يُسمَع عليه
فيما علمتُ.
كذا قال، وقد وَقَفْتُ على مُستنَد القاضي، وهو حديث عُتبة بن عبدِ السُّلَمي الذي
أخرجه أحمد (١٧٦٤٨) والطبراني (٣٢٣/١٧) وغيرهما (٣) عنه: أنَّه سأل رسول الله ◌ِّه:
كيف كان بَدْء أمرك؟ فذكر القصَّة في ارتضاعه في بني سعد، وفيه أنَّ الملَكَين لمَّا شَقّا
صَدَرَه، قال أحدهما للآخر: خِطْه، فخاطَه، وخَتَمَ عليه بخاتِمِ النبوّة. انتهى.
فلمَّا ثَبَتَ أنَّ خاتَم النبوَّة كان بين كَتِفَه، حَمَلَ ذلك عياض على أنَّ الشَّقّ لمَّا وقعَ في
صَدره، ثمَّ خِيطَ حتَّى الْتَأَمَ كما كان، ووقَعَ الْحَتَم بين كَتِفَيه، كان ذلك أثرَ الحَتْم(٤)، وفَهمَ
النَّووي وغيره منه أنَّ قوله: بين كَتِفَيه، مُتعلِّق بالشَّقِّ، وليس كذلك، بل هو مُتعلِّق بأثرٍ
الحَتْم، ويُؤيِّده ما وقَعَ في حديث شَدّاد بن أوس عند أبي يَعْلى (٥) و ((الدَّلائل)) لأبي نُعَيم: أنَّ
الملَك لمَّا أخرج قلبَه وغَسَلَه ثمَّ أعادَه، خَتَمَ عليه بخاتَمٍ في يده من نور، فامتلأ نوراً(٦)،
(١) سلف عند البخاري برقم (٣٢٠٧)، وهو عند مسلم برقم (١٦٤) في قصة الإسراء من حديث مالك
ابن صعصعة.
(٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: سرته، وجاء على الصواب في (ع) موافقاً ما جاء في ((المفهم)) للقرطبي، حيث
نقله الحافظ منه، والمَسرُبة: الشّعر الذي في الصدر إلى البطن.
(٣) لكن إسناده ضعيف، مداره على بقية بن الوليد.
(٤) في (س): الشَّق.
(٥) في ((مسنده الكبير)) الذي برواية ابن المقرئ، إذ أورده الحافظ في ((المطالب العالية)) برقم (٤٢٠٧).
(٦) وفي إسناده عمر بن صُبْح، وهو متروك كذاب متهم بالوضع، كما في ((البداية والنهاية)) لابن كثير
٤١٤/٣، ط هجر.

٣٩٩
باب ٢١ / ح ٣٥٤١
كتاب المناقب
وذلك/ نور النبوَّة والحكمة. فيحتمل أن يكون ظَهَرَ من وراء ظهره عند كَتِفِه الأيسر، لأنَّ ٥٦٢/٦
القلب في تلكَ الجِهَة.
وفي حديث عائشة عند أبي داود الطَّيالسي (١٦٤٣) والحارث بن أبي أسامة(١) و((الدَّلائل))
لأبي نُعَيم أيضاً (١٦٣): أنَّ جِبْريل وميكائيل لمَّا تَراءَيا له عند المبعَث: «هَبَطَ جِبْرِيل،
فَسَلَقَنِي لَحَلاوة القَفَا (٢)، ثمَّ شَقَّ عن قلبي فاستَخرَجَه، ثمَّ غَسَلَه في طَسْتٍ من ذهب بماءٍ
زَمَزَم، ثمَّ أَعادَه مكانه، ثمَّ لَأَمَه، ثمَّ ألقاني وخَتَمَ في ظَهْري، حتَّى وَجَدتُ مَسَّ الخاتم في
قلبي، وقال: اقرأ)) الحديث، هذا مُستند القاضي فیما ذكره، وليس بباطلٍ.
ومُقتَضى هذه الأحاديث: أنَّ الخاتم لم يكن موجوداً حين ولادته، ففيه تَعقيبٌ على مَن
زَعَمَ أنَّه وُلِدَ به، وهو قولٌ نَقَلَه أبو الفتح اليَعمَري بلفظ: قيل: وُلِدَ به، وقيل: حين وُضِعَ.
ونَقَلَه مُغَلْطاي عن يحيى بن عائذ(٣)، والذي تقدَّم أثبت.
ووقَعَ مِثله في حديث أبي ذرِّ عند أحمد، والبيهقي(٤) في ((الدَّلائل))، وفيه: ((وجَعَلَ خاتَم
النبوَّة بين كَتِفَي كما هو الآن))، وفي حديث شَدّاد بن أوس في ((المغازي)) لابن عائذ في قصَّة
شَقّ صَدره وهو في بلاد بني سعد بن بكر: ((وأقبَلَ وفي يده خاتم له شُعاع، فوَضَعَه بين كَتِفَيه
وثَدَيَيه)) الحديث، وهذا قد يُؤْخَذ منه أنَّ الخَتْم وقَعَ في موضعین من جسده، والعلمُ عند الله.
قوله: (حدثنا محمّد بن عُبید الله)) بالتّصغیرِ: هو أبو ثابت المدني، مشهور بگنیته، والإسناد
کلّه مدنُّونَ، وأصلُ شیخه حاتم بن إسماعيل کوفي.
(١) كما في ((بغية الباحث)) (٩٢٨).
(٢) أي: أضجعني على وسط القفا، لم يمِل بي إلى أحد الجانبين. انظر ((النهاية)) مادة (حلا).
(٣) هو الإمام يحيى بن مالك بن عائذ أبو زكريا الأندلسي. انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ٦/ ٤٢١.
(٤) كذا نسبه الحافظ رحمه الله إلى أحمد والبيهقي في ((الدلائل))، ولم نقف عليه فيهما، ولا ذكره الحافظ نفسُه في
((أطراف المسند))، ولا عزاه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢٥٥/٨ إلى أحمد، وإنما عزاه للبزار فقط، ونظن
أنَّ الحافظ رحمه الله أراد أن يذكر أبا نعيم في ((الدلائل))، فسبق قلمه فقال: البيهقي. وهو في ((دلائل النبوة))
لأبي نعيم برقم (١٦٧).

٤٠٠
باب ٢١ / ح ٣٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ذهبَت بي خالَتي)) لم أقِفْ على اسمها، وأمَّا أمّه، فاسمها عُلبة - بضمِّ المهمَلة
وسكون اللّام بعدها موحَّدة (١) - بنت شُرَيح أُخت ◌َرَمةَ بن شُرَيح.
قوله: ((وَقِعٌ)) بفتح الواو وكسر القاف، وبالتّنوین، أي: وَجِئٌ، وزنه ومعناه، وقد مضى
في الطَّهارة (١٩٠) بلفظ: وَجِع، وجاء بلفظ الفعل الماضي مَبنيّاً للفاعلِ (٢). والمراد أنَّه كان
يَشتكي رِجْلَه كما ثَبَتَ في غير هذه الطَّريق.
قوله: ((فَمَسَحَ رأسي، ودَعَالي بالبركة)) سيأتي شرحه في كتاب الأدب(٣) إن شاء الله تعالى.
قوله: «فنظرت إلى خاتم النبوّة بین کتفیه» في حدیث عبد الله بن سرچِس عند مسلم
(٢٣٤٦): أنّه كان إلى چِهَة گتفه اليُسرى.
قوله: «قال ابن عُبيد الله: الحُجْلة من حُجَل الفَرَس الذي بين عينيه. وقال إبراهيم بن حمزة:
مِثْلِ زِرّ الحَجَلَةِ» قلت: هكذا وَقَعَ، وكأنَّه سقط منه شيء، لأَنَّه يَبعُد من شيخه محمّد بن عُبيد الله
أن يُفسِّرِ الْحُجْلة، ولم يقع لها في سياقه ذِكْر، وكأنَّه كان فيه: مِثل زِرّ الحَجَلة، ثمَّ فسَّرَها،
وكذلك وَقَعَ في أصل النَّسَفي تضبيبٌ بين قوله: بين كَتِفَيه، وبين قوله: قال ابن عُبيد الله.
وأمَّا التَّعليق عن إبراهيم بن حمزة: فالمراد أنَّه روى هذا الحديثَ كما رواه محمَّد بن
عُبيد الله، إلّا أنَّه خالَفَ في هذه الكلمة، وسيأتي الحديث عنه موصولاً بتمامه في كتاب
الطِّبّ (٥٦٧٠).
وقد زَعَمَ ابن التِّين: أنَّها في رواية ابن عُبيد الله بضمِّ المهمَلة وسكون الجيم، وفي رواية
ابن حمزة: بفتحِهما. وحَكَى ابنُ دِحية مِثْلَه، وزاد في الأوَّل: كسر المهمَلة مع ضَمّها.
وقيل: الفَرْق بين رواية ابن حمزة وابن عُبيد الله: أنَّ رواية ابن عُبيد الله بتقديم الزّاي
(١) كذا ضبطها الحافظ رحمه الله بالموحدة، مع أنَّ الذي في ((المؤتلف والمختلف)) للدار قطني وفي ((توضيح
المشتبه)» لابن ناصر الدين بالياء التحتانية!
(٢) يعني: وَقَعَ.
(٣) بل في كتاب الدعوات، الباب رقم (٣١).