النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ باب ٥٢ كتاب أحاديث الأنبياء فضَرَبَ اللهُ على آذانهم: فناموا. ﴿رَحْمَا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]: لم يَسْتَِنْ. وقال مجاهدٌ: ﴿تَّفْرِضُهُمْ﴾ [الكهف: ١٧]: تَترُكُهُم. قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اَلْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ كذا لأبي ذرِّ عن المُستَمْلِي والكُشْمِيهني وحدهما إلى آخر التَّرجمة، ولغيره في أوَّله: ((باب)). ولم يُورِد في ذلك إلّا تفاسير ممّاً وَقَعَ في قصَّة أصحاب الكهف، وسقط كلّه من رواية النَّسَفي. قوله: (﴿اَلْكَهْفِ﴾: الفَتْح في الجبل)) هو قول الضَّحّاك، أخرجه عنه ابن أبي حاتم، واختُلِفَ في مكان الكهف، فالذي تظافرت به الأخبار أنَّه في بلاد الروم. وروى الطَّبَري (١٩٨/١٥) بإسناد ضعيف عن ابن عبَّاس أنَّه بالقُربِ من أيلة، وقيل: بالقُربِ من طَرَسُوس، وقيل: بين أيلةَ وفِلَسطين، وقيل: بقُربِ زِيزاء، وقيل: بغرناطة من الأندَلُس. وفي «تفسیر ابن مَرْدویه)) عن ابن عبّاس: أصحاب الكهف أعوان المهدي. وسنده ضعيف، فإن ثَبَتَ حُلَ على أنَّهم لم يموتوا، بل هم في المنام إلى/ أن يُبعَثوا لإعانة المهدي. وقد وَرَدَ في ٥٠٤/٦ حديث آخر بسند واهٍ أَّهم يَحُجّونَ مع عيسى ابن مريم. قوله: (﴿وَالرَّقِيمِ﴾: الكتاب ﴿مَّرْقُومُ﴾: مكتوب، من الرَّقْم)) روى الطَّبَري (١٩٨/١٥) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: الرَّقيم: الكتاب. وقوله: ((مَرْقُوم: مكتوب) هو قول أبي عبيدة قاله في تفسير قوله: ﴿وَمَا أَذَرَئِكَ مَا سِينٌ ٨ كِنَبُ مَرْقُومٌ ﴾. ووَراء ذلك أقوال أُخرى: فأخرج الطَّبَري (١٩٨/١٥) من طريق سعيد عن قَتَادة، ومن طريق عَطيّة العَوْفي، وكذا قال أبو عبيدة: الرَّقيم: الوادي الذي فيه الكهف. وأخرج الطَّبَري (١٩٨/١٥) أيضاً من طريق ابن عبّاس عن كعب الأحبار قال: هو اسم القرية. ٢٨٢ باب ٥٢ فتح الباري بشرح البخاري وروى ابن أبي حاتم من طريق أنس بن مالك، ومن طريق سعيد بن جُبَير: أنَّ الرَّقيم اسم الكلب، وقيل: الرَّقيم: هو الغار، كما سأُبيِّنُه في حديث الغار (٣٤٦٥)، وقيل: الرَّقيم الصَّخرة التي أطبقَّت على الوادي، وسيأتي في تفسير سورة الكهف(١) قول ابن عبّاس: إنَّ الرَّقيم لوح من رَصاص كُتِبَت فيه أسماء أصحاب الكهف لمَّا تَوَجَّهوا عن قومهم، ولم يَدِرُوا أين تَوَجَّهوا، وسأُشيرُ إليه هنا مختصراً. وقيل: إنَّ الذي كان مكتوباً في الرَّقيم شرعُهم الذي كانوا عليه. وقيل: الرَّقيم: الدَّواة. وقال قوم: أخبر الله عن قصَّة أصحاب الكهف، ولم يُخْبِرِ عن قصَّة أصحاب الرَّقيم. قلت: وليس كذلك، بل السّياق يقتضى أنَّ أصحاب الكهف هم أصحاب الرَّقيم، والله أعلم. قوله: ((﴿ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أَمْناهم صَبْراً) هو قول أبي عُبيدة. قوله: (﴿شَطَطًا﴾: إِفْراطاً) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿لَّقَدْ قُلْنَآَ إِذَا شَطَطًا﴾، أي: جَوْراً وغُلوّاً، قال الشّاعر (٢): ألا يا لَقَومي قد أشَطَّتْ عَواذِلي ويَزعُمْنَ أن أوْدَى بحَقّيَ باطِي وروى الطَّبَري (٢٠٨/١٥) عن سعيد عن قَتَادة في قوله: ﴿شَطَطًا﴾ قال: كذِباً. قوله: (﴿ِاَلْوَصِيدِ﴾: الفِناء)» هو بكسر الفاء والمدّ، وهو قول ابن عبّاس (٢١٤/١٥)، أخرجه ابن أبي حاتم وابن جَرِير (٢١٤/١٥) عن سعيد بن جُبَير(٣). قوله: ((وجمعُه: وصائد ووُصُد، ويقال: الوَصيد: الباب، ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: مُطْبَقة، آصَدَ البابَ وأوْصَدَ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَكَلْبُهُم بَسِطْ ذِرَاعَيْهِ بِلْوَصِيدِ﴾ أي: على الباب، (١) في شرح الباب رقم (١٨) من كتاب التفسير. (٢) هو الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت الشاعر المشهور. انظر ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة نفسه، حيث صرح باسمه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْطِطْ﴾ [ص: ٢٢]. (٣) أي أنَّ الطبري أخرج هذا التفسير عن كلٍّ من ابن عباس وسعيد بن جبير، لا أنَّ سعيد بن جبير يرويه عن ابن عباس، کما یُوهمه السّياق هنا. ٢٨٣ باب ٥٢ كتاب أحاديث الأنبياء ويفِناءِ الباب، لأنَّ الباب يُوصَد، أي: يُغلَق، والجميع وصائد ووُصُد. وقالوا: الوَصيد: عَتَبَة الباب أيضاً، تقول: أوصِدْ بابك وآصِده، وذكر الطََّري عن أبي عَمْرو بن العلاء: أنَّ أهل اليمن وتهامة يقولون: الوَصيد، وأهل نَجد يقولون: الأصید. قوله: (﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: مُطْبَقة)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾، أي: مُطبقة. تقول: أو صَدتُ واصَدتُ، أي: أطبقت. وهذا ذَكَره المؤلِّف استطراداً. قوله: (﴿بَعَثْنَهُمْ﴾: أحْيَيناهم)) هو قول أبي عبيدة أيضاً. قوله: ((﴿أَزَكَى﴾: أكثرُ رَيْعاً)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿ أَيُّهَ أَزْكَى طَعَامًا﴾، أي: أكثر، قال الشّاعر(١): قبائِلُنا سبعٌ وأنتم ثلاثةٌ ولَلسَّبِعُ أزكى من ثلاثٍ وأكثرُ(٢) وروى عبد الرَّزّاق في «تفسيره)) (١/ ٤٠٠) عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿ أَزَكَ طَعَامًا﴾ قال: خيرٌ طعاماً، وروى الطَّبَري (٢٢٣/١٥) عن سعيد بن جُبَير: أحَلُّ، ورَجَّحَه الطَّري. قوله: ((فضَرَبَ الله على آذانهم: فناموا)) هو قول ابن عبّاس كما سأذكُرُه من طريقه، وقيل: معنى ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَّ ◌َاذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]، أي: سَدَدنا عن نُفوذ الأصوات إليها. قوله: ((﴿رَبْمًا بِالْغَيْبِ﴾: لم يَسْتَبِنْ)) قال عبد الرَّزّاق في «تفسيره)) (١ /٤٠٠) عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ قال: قَذْفاً بالظَّنّ، وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ قال: الرَّجم ما لم تَستَقِنه من الظَّنّ، قال الشّاعر(٣): وما الحربُ إلّا ما عَلمتُمْ وذُقتُمُ وما هو عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ (١) هو القَتَّال الكلابي. انظر ((الكتاب)) لسيبويه ٣/ ٥٦٥. (٢) في (ع): وأطيب، بدل: وأكثر. وهو رواية في هذا البيت أيضاً، لكن في غير ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة. (٣) الذي في ((مجاز القرآن)) ١ / ٤٥٠: قال زهير. قلنا: هو ابن أبي سُلْمى، وهذا البيت من معلقته المشهورة. ٢٨٤ باب ٥٢ فتح الباري بشرح البخاري ٥٠٥/٦ قوله: ((وقال مجاهد: ﴿تَّقْرِضُهُمْ﴾: تَتْرُكُهم)) يأتي الكلام عليه في التَّفسير(١). تنبيه: لم يَذكُر المصنِّف في هذه التَّرجمة حديثاً مُسنَداً، وقد روى عبدُ بن مُيدٍ بإسناد صحيح، عن ابن عبّاس قصَّة أصحاب الكهف مُطوَّلةً غير مرفوعة، ومُلخَّص ما ذُكِرَ: أنَّ ابن عبّاس غَزَا مع معاوية الصّائفة(٢)، فمَرّوا بالكَهفِ الذي ذكر الله في القرآن، فقال معاوية: أُريد أن أكثِف عنهم، فمَنَعَه ابن عبّاس، فصَمَّمَ وبَعَثَ ناساً، فَبَعَثَ الله ريحاً فأخرجتهم، قال: فَبَلَغَ ابنَ عبَّاس فقال: إنَّهم كانوا في مملكة جَبّار يَعبُد الأوثان، فلمَّا رأوا ذلك خَرَجوا منها، فجمعهم الله على غير ميعاد، فأخَذَ بعضُهم على بعض العُهود والمواثيق، فجاء أهاليهم يَطلُبُونَهم ففَقَدوهم، فأخبَرَوا الملك فأمَرَ بكتابة أسمائهم في لَوح من رَصاص وجعله في خِزانَته، فدَخَلَ الفِتية الكَهف، فضَرَبَ الله على آذانهم فناموا، فأرسَلَ الله مَن يُقلِّبهم، وحَوَّلَ الشمس عنهم، فلو طَلَعَتْ عليهم لَأحرَقَتْهم، ولولا أنَّهم يُقلَّبونَ لَأَكَلَتهم الأرض، ثمَّ ذهب ذلك الملك وجاء آخرُ فكَسَّرَ الأوثان وعَبَدَ الله وعَدَلَ، فَبَعَثَ الله أصحابَ الكَهف فأرسَلوا واحداً منهم يأتيهم بما يأكلونَ، فدَخَلَ المدينة مُستخفياً فرأى هيئة وناساً أنكَرَهم لِطولِ المَّةِ، فَدَفَعَ دِرهَماً إلى خَبّاز فاستَنْكَرَ ضَرْبه، وهَمَّ بأن يَرفَعه إلى الملك، فقال: أتَُّوِّفُني بالملكِ وأبي دِهقانُهُ(٣)؟ فقال: مَن أبوك؟ قال: فلان، فلم يَعرفه، فاجتَمَعَ الناس فرَفَعوه إلى الملك، فسأله فقال: عليَّ باللَّوحِ، وكان قد سمعَ به فسَمّى أصحابه فعَرَفَهم من اللَّوحِ، فَكَبَّرَ الناسُ وانطَلَقوا إلى الكهف، وسَبَقَ الفتى لئلّا يَخافوا من الجيش، فلمَّا دَخَلَ عليهم عَمَّى الله على الملك ومَن معه المكانَ، فلم يُدرَ أين ذهب الفتى، فاتَّفَقَ رأيهم على أن يَبنوا عليهم مسجداً، فجَعَلوا يَستَغفِرونَ لهم ويَدعُونَ لهم. (١) عند شرح الباب (١٨) من كتاب التفسير. (٢) هي الغزوة في الصيف، ومنها سميت غزوة الروم، لأنَّ سُنَّتَهم أن يُغزَوا صيفاً، ويُقْفَلَ عنهم قبل الشتاء، لمكان البرد والثلج. انظر ((لسان العرب)) مادة (صيف). (٣) الدهقان، بكسر الدال وضمها، وحكي بالفتح أيضاً، وهو فارسي معرّب، ومعناه: مُقدَّم قرية أو صاحبها أو رئيس إقليم أو زعيم الفلاحين عند العجم، وقيل غير ذلك. انظر ((تاج العروس)) مادة (دهقن). ٢٨٥ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ كتاب أحاديث الأنبياء وذكر ابن أبي حاتم في («تفسيره) عن شهر بن حَوشَبٍ قال: كان لي صاحب قوي النَّفْس، فمرَّ بالكَهف فأراد أن يَدخُله فنُهِي، فأبى فأشرَفَ عليهم فابيَضَّت عيناه وتَغيَّرَ شَعرِه. وعن عِكْرمة: أنَّ السَّبَب فيما جَرَى لهم أنَّهم كانوا تَذَاكَرُوا: هل يَبعَثُ الله الرّوح والجسد، أو الرّوح فقط؟ فألقى الله عليهم النَّوم فناموا المدَّة المذكورة، ثمَّ بَعَثَهم، فعَرَفوا أنَّ الجسد يُبعَث كما تُبعَث الرّوح. وعن ابن عبّاس: أنَّ اسم الملك الأوَّل دِقيانوس، واسم الفِتية: مكسلمينا ومخشلمينا وتمليخا ومرطونس وكشطونس وبيرونس ودينموس، وفي النّطق بها اختلاف كثير، ولا يقع الوثوق من ضبطها بشيءٍ. وأخرج أيضاً عن مجاهد: أنَّ اسم كَلبهم قطميروا، وعن الحسن: قِطمير، وقيل غير ذلك. وأمَّا لَونه فقال مجاهد: كان أصفر، وقيل غير ذلك. وعن مجاهد: أنَّ دَراهمهم كانت كَخِفاف الإبل، وأنَّ تمليخا هو الذي كان رسولَهم الشِراء الطَّعام. وقد ساقَ ابن إسحاق قِصَّتهم في ((المبتَدَأ)) مُطوَّلة، وأفادَ أنَّ اسم الملك الصالح الذي عاشوا في زَمنه بدرسیس. وروى الطََّري (٢٠٤/١٥ -٢٠٥) من طريق عبد الله بن عُبيد بن عُمَير: أنَّ الكَلب الذي کان معهم کان گلب صید، وعن وَهْب بن مُنبِّه (٢٠٥/١٥): أنَّه کان گلب حَرث، وعن مُقاتل: كان الكَلب لكبيرهم، وكان كَلب غَنَم، وقيل: كان إنساناً طَّاخاً تَبِعَهم، وليس بكَلب حقيقة، والأوَّل هو المعتمد. ٥٣- حديثُ الغار ٣٤٦٥- حدّثنا إسماعيلُ بنُ خليلٍ، أخبرنا عليٌّ بنُ مُسْهِرٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عمَرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((بينما ثلاثةُ نَفَرِ ثَمَّن كان قبلكم يَمْشونَ إِذ أصابهم مَطَرِّ، فأوَوْا إلى غارٍ فانطَبَقَ عليهم، فقال بعضُهم لبعضٍ : إنَّه والله يا هؤلاءِ لا يُنَجِّيكم إلَّا الصِّدْقُ، فليَدْعُ كلَّ رجلٍ مِنْكُم بِما يَعْلَمُ أَنَّه قد صَدَقَ فيه، فقال: اللهمَّ إن كنتَ ٢٨٦ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ فتح الباري بشرح البخاري تعلمُ أنَّه كان لي أجِيرٌ عَمِلَ لي على فَرَقٍ من أرُزِّ، فذهب وتَرَكَه، وأنّي عَمَدْتُ إلى ذلكَ الفَرَقِ فَزَرَعْتُه، فصارَ من أمرِهِ أَنّي اشتَرَيتُ منه بَقَراً، وأنَّه أناني يَطْلُبُ أجْرَه، فقلتُ له: اعْمَد إلى تلكَ البقرِ، فسُقْها، فقال لي: إنَّما لي عندَكَ فَرَقٌ من أرُزِّ، فقلتُ له: اعْمَدْ إلى تلكَ البقرِ، فإنَّا مِن ذلك الفَرَقِ، فساقَها، فإن كنتَ تعلمُ أنّ فعلْتُ ذلك من خَشْيَكَ ففَرِّج عَنّا، فانساخَتْ عنهم الصَّخْرةُ. فقال الآخَرُ: اللهمَّ إن كنتَ تعلمُ أنَّه كان لي أُبَوان شيخان كَبِيران، وكنتُ آتِيهما كلَّ ليلةٍ بِلَبَنِ غَنَمِ لي، فأبطَأْتُ عنهما ليلةً، فِئْتُ وقد رَقَدًا، وأهلي وعِيالٍ يَتَضاغَوْنَ مِن الجوعِ، وكنتُ لا أسقِيهم حتَّى يَشْرَبَ أبَواي، فكَرِهْتُ أن أُوقِظَهما، وكَرِهْتُ أن أدَعَهما فيَسْتَكِنّا لِشَرْبَتِهما، فلم أزَل أنتَظِرُ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فإن كنتَ تعلمُ أنّ فعلْتُ ذلك من خَشْيَتِكَ ففَرِّج عَنّا، فانساخَتْ عنهم الصَّخْرةُ حتَّى نَظروا إلى السماءِ. فقال الآخَرُ: اللهمَّ إن كنتَ تعلمُ أنَّه كانت لي ابنةُ عَمِّ من أحَبِّ الناسِ إليّ، وآنّ راوَدْتُها عن نفسِها، فأَبَتْ إلّا أن آتِيَها بمئةِ دِينارٍ، فطَلَبْتُها حتَّى قَدَرتُ، فأتيتُها بها فدَفَعْتُها إليها، فأمكَنَئْني من نفسِها، فلمَّا قَعَدْتُ بينَ رِجْلَيها، فقالت: أَّقِ اللهَ ولا تَفُضَّ الخاتَمَ إلّا بحَقِّه، فَقُمْتُ وتَرَكْتُ المئةَ الدِّينارِ، فإن كنتَ تعلمُ أنّ فعلْتُ ذلك من خَشْيَكَ ففَرِّجَ عَنّا، ففَرَّجَ الله عنهم فخرجوا». الحديث الثالث عشر: قوله: ((حديث الغار)) عَقَّبَ المصنّف قصَّة أصحاب الكهف بحديث الغار إشارة إلى ما وَرَدَ أَنَّه قد قيل: إنَّ الرَّقيم المذكور في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اُلْكَهْفِ وَالَرَّقِيمِ﴾ [الكهف: ٩] هو الغار الذي أصاب فيه الثلاثةَ ما أصابهم، وذلك فيما أخرجه البزَّار(١) والطبراني(٢) بإسناد حسن عن النُّعمان بن بشير أنَّه سمعَ النبي ◌َّ يَذْكُر الرَّقيم قال: ((انطَلَقَ ثلاثة نفرٍ فكانوا في كَهف، فوَقَعَ الجبل على باب الكهف (١) الحديث عند البزار (٣٢٨٨-٣٢٩١) لكن ليس فيه ذكر الرقيم. (٢) هو في ((الأوسط)) (٢٣٠٧) و((الدعاء)) (١٩٠) و(١٩١)، وهو أيضاً في ((معجمه الكبير)) في مسند النعمان لكنه سقط من المطبوع، والحديث في ((مسند أحمد)) (١٨٤١٧)، والعزو إليه أولى وأعلى. ٢٨٧ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ كتاب أحاديث الأنبياء فأُوصِدَ عليهم)) فذكر الحديث. قوله: ((بينَما ثلاثة نَفَر ممَّن كان قبلكم)) لم أَقِفْ على اسم واحد منهم، وفي حديث عُقْبة بن عامر عند الطبراني في «الدُّعاء)) (١٩٥)(١): أنَّ ثلاثة نَفَر من بني إسرائيل. قوله: ((يَمْشونَ)) في حديث عُقْبة وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن حِبّان (٩٧١) والبزَّار (٩٤٩٨): ((أنَّهم خَرَجوا يَرْتَادُونَ لأهلِيهم))(٢). قوله: ((فأُوَوْا إلى غار)) يجوز قصر ألِف ((أوَوا)) ومَدّها. وفي حديث أنس عند أحمد (١٢٤٥٤) وأبي يَعْلى (٢٩٣٧) والبزَّار (٧١٨٩) والطبراني(٣): ((فدخلوا غاراً فسقط عليهم حجر مُتَجافٍ حتَّى ما يَرَونَ منه خَصَاصةً))، وفي رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: ((حتَّى أوَوا المبيت إلى غار)) كذا للمصنّف (٢٢٧٢)، ولمسلم (٢٧٤٣) من هذا الوجه: ((حتَّى آواهم المبيت)) وهو أشهر في الاستعمال، والمبيت في هذه الرِّواية(٤) منصوب على المفعولية، وتوجيهه أنَّ دخول الغار من فعلهم فحَسُنَ أن يُنسَب الإيواء إليهم. قوله: ((فانطَبَقَ عليهم)) أي: باب الغار، وفي رواية موسى بن عُقْبة عن نافع في المزارَعة (٢٣٣٣): ((فانحَطَّت على فم غارهم صخرة من الجبل، فانطَبَقَت عليهم))، ويأتي في الأدب (٥٩٧٤) بلفظ: ((فأطبقَتْ عليهم)) وفيه حذف المفعول، والتَّقدير: نفسها أو المنفَذ، ويُؤيِّده أنَّ في رواية سالم (٢٢٧٢): ((فدخلوه فانحَدَرَت صخرة من الجبل، فسَدَّت عليهمُ / الغار))، ٥٠٧/٦ زاد الطبراني(٥) في حديث النَّعمان بن بشير من وجه آخر: ((إذ وَقَعَ حجر من الجبل ممّا يَهَبِط من خشية الله حتَّى سَدَّ فم الغار)). (١) ومن قبله الروياني في «مسنده)) (٢٦٥). وروي أنهم من بني إسرائيل أيضاً عند أبي عوانة (٥٥٧٦) من حدیث النعمان بن بشير، وتمام الرازي عن «فوائده» (٣٩٥) من حديث ابن عمر. (٢) وهو بهذا اللفظ أيضاً عند أحمد (١٢٤٥٤) وغيره من حديث أنس بن مالك. (٣) في ((الدعاء)» (١٩٢). (٤) يعني في رواية البخاري (٢٢٧٢)، وأما رواية مسلم فبالرفع على الفاعلية، كما أوضحه العيني ١٦/ ٥٢. (٥) هو في ((الدعاء)» (١٨٩). ٢٨٨ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فلْيَدْعُ كلّ رجل مِنْكم بما يَعْلم أنَّه قد صَدَقَ فيه)) في رواية موسى بن عُقْبة المذكورة: ((انظُرُوا أعمالاً عَمِلتُموها صالحة لله))، ومثله لمسلم (٢٧٤٣)، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((خالصة ادعوا الله بها))، ومن طريقه في البيوع (٢٢١٥): «ادعوا الله بأفضل عمل عَمِلتُموه))، وفي رواية سالم: ((إنَّه لا يُنجيكم إلّا أن تَدعوا الله بصالحٍ أعمالكم))، وفي حديث أبي هريرة وأنس جميعاً: ((فقال بعضهم لبعض: عَفا الأثر، ووَقَعَ الحجر، ولا يعلم بمكانكم إلّا الله، ادعوا الله بأوثَق أعمالكم))، وفي حديث عليّ عند البزَّار (٩٠٦): ((تَفَكَّروا في أحسن أعمالكم فادعوا الله بها، لعلَّ الله يُفرِّج عنكم))، وفي حديث النُّعمان بن بشير(١): ((إنَّكم لَن تَجِدوا شيئاً خيراً من أن يَدعُوَ كلّ امرىءٍ منكم بخير عمل عَمِلَه قَطّ)). قوله: ((فقال: اللهمَّ إن كنت تعلم)) كذا لأبي ذرِّ والنَّسَفي وأبي الوَقْت، لم يُذكَر القائل، وللباقين: «فقال واحد منهم)). قوله: ((اللهمَّ إن كنت تعلم)؛ فيه إشكال، لأنَّ المؤمن يعلم قطعاً أنَّ الله يعلم ذلك، وأُجيبَ بأنَّه تَرَدَّدَ في عمله ذلك هل له اعتبار عند الله أم لا؟ وكأنَّه قال: إن كان عملي ذلك مقبولاً فأجِب دعائي، وبهذا التَّقرير يَظهَر أنَّ قوله: ((اللهمَّ)) على بابها في النِّداء، وقد تَرِدُ بمعنى تحقَّق الجواب، كمَن يسأل آخرَ عن شيء، كأن يقول: رأيتَ زيداً؟ فيقول: اللهمَّ نعم، وقد تَرِدُ أيضاً لنُدْرة المستَئنى، كأن يقول شيئاً، ثمَّ يَستَئني منه، فيقول: اللهمَّ إلّا إنْ كان كذا. قوله: ((على فَرَق)) بفتح الفاء والرّاء بعدها قاف، وقد تُسكّن الرّاء. وهو مِكيال یَسَع ثلاثة آصُع(٢). لقوله: ((من أرز)) فيه ستّ لُغات: فتح الألف وضمّها مع ضَمّ الرّاء، ويضمّ الألف مع سكون الرّاء، وتشديد الزّاي وتخفيفها، وقد تقدَّم في المزارعة(٣) أنَّه فَرَق ذُرَة، وتقدَّم هناك (١) في ((الدعاء)) (١٨٩). (٢) أي: بما يساوي (٦٥٢٨) غم، لأنَّ الصاع (٢١٧٦) غم تقريباً. (٣) بل في البيوع برقم (٢٢١٥). ٢٨٩ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ كتاب أحاديث الأنبياء بيان الجمع بين الرِّوايتَينِ، ويحتمل أنَّه استأجَرَ أكثر من واحد، وكان بعضهم بفَرَقِ ذُرة، وبعضهم بفَرَقِ أَرُزّ. ويُؤَيِّد ذلك أنَّه وَقَعَ في رواية سالم: ((استأجَرتُ أُجَراء فأعطَيتهم أجرهم، غير رجل واحد تَرَكَ الذي له وذهبَ))، وفي حديث النُّعمان بن بشير نحوه كما سأذكُرُه، ووَقَعَ في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند الطبراني في ((الدُّعاء)) (١٩٦): ((استأجَرت قوماً كلّ واحد منهم بنصفِ دِرهَم، فلمَّا فرَغوا أعطَيْتُهم أُجورَهم، فقال أحدهم: والله لقد عَمِلتُ عمل اثنينٍ، والله لا آخُذ إلّا دِرهَماً، فذهب وتَرَكَه، فبَذَرت من ذلك النِّصف دِرهَمٍ ... )) إلى آخره، ويُجمَع بينهما بأنَّ الفَرَق المذكور كانت قيمته نصف دِرهَم إذ ذاكَ. قوله: ((فذهب وتَرَكَه)) في رواية موسى بن عُقْبة (٢٢١٥): ((فأعطَيْتُه فأبى ذاكَ أن يأخُذ))، وفي روايته في المزارَعة (٢٣٣٣): «فلمَّا قضى عمله قال: أعطِنِي حَقّي، فعَرَضت عليه حقّه فَرَغِبَ عنه))، وفي حديث أبي هريرة: ((فِعَمِلَ لي نصفَ النَّهار فأعطَيته أجراً، فسَخِطَه ولم يأخُذه)). ووَقَعَ في حديث النُّعمان بن بشير(١) بيان السَّبَب في تَرك الرجل أُجرَته، ولفظه: ((كان لي أُجَراء يعملونَ فجاءني عُمَّال، فاستأجَرت كلّ رجل منهم بأجر معلوم، فجاء رجل ذات يوم نصفَ النَّهار، فاستأجرته بشرطِ أصحابه فعَمِلَ في نصف نهاره کما عَمِلَ رجل منهم في نَهاره كلّه، فرأيت عليَّ في الذِّمام أن لا أَنْقُصه ممَّا استأجَرت به أصحابه لمّا جَهِدَ في عمله، فقال رجل منهم: تُعطي هذا مِثل ما أعطَيتني؟ فقلت: يا عبد الله لم أبخَسك شيئاً من شرطك، وإنَّما هو مالي أحكم فيه بما شئتُ، قال: فَغَضِبَ وذهب وتَرَكَ أجره)). وأمَّا ما وَقَعَ في حديث أنس (٢): ((فأتاني يَطلُب أجره وأنا غَضبانُ، فَزَبَرتُه فانطَلَقَ وتَرَكَ أجره) فلا يُنافي ذلك، وطريق الجمع أنَّ الأجير لمَّا حَسَدَ الذي عَمِلَ نصف النَّهار وعاتَبَ المستأجِرِ غَضِبَ منه، وقال له: لم أبخَسك شيئاً ... إلى آخره، وزَبَرَه فَغَضِبَ (١) عند أحمد (١٨٤١٧)، والطبراني في «الأوسط)) (٢٣٠٧)، وغيرهما. (٢) عند أحمد (١٢٤٥٤)، وأبي يعلى (٢٩٣٧)، وغيرهما. ٢٩٠ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ فتح الباري بشرح البخاري الأجير وذهبَ، ووَقَعَ في حديث عليّ(١): ((وتَرَكَ واحد منهم أجره، وزَعَمَ أنَّ أجره أكثر من أُجور أصحابه)). قوله: ((وأنّ عَمَدْت إلى ذلك الفَرَق فزَرَغْته، فصارَ من أمره أنّي اشتريت» وفي رواية ٥٠٨/٦ الكُشْمِيهني: ((أن اشتَرَيت)) ((منه بَقَراً، وأَنَّه أتاني يَطلُب / أجره فقلت له: اعمَد إلى تلكَ البقر فسُقْها))، وفي رواية موسى بن عُقْبة: ((فَزَرَعته حتَّى اشتَرَيت منه بَقَراً وراعيها))، وفيه: ((فقال: أتستَهزِئُ بي؟ فقلت: لا))، وفي رواية أبي ضَمرة(٢): ((فأخَذَها))، وفي رواية سالم: ((فَثَمَّرتُ أجره حتَّى كَثُرَت منه الأموال))، وفيه: ((فقلت له: كلّ ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرَّقيق من أجرك))، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((من أجلك))، وفيه: ((فاستاقَه فلم يَتْرُكُ منه شيئاً). ودَلَّت هذه الرُّواية على أنَّ قوله في رواية نافع: ((اشتَرَيت بَقَرا)) أنَّه لم يُرِد أنَّه لم يَشتَرِ غيرها، وإنَّما كان الأكثر الأغلَبَ البقرُ، فلذلك اقتَصَرَ عليها. وفي حديث أنس وأبي هريرة جميعاً: ((فجمعته وثَمَّرَته حتَّى كان منه كلّ المال))، وقال فيه: ((فأعطَيته ذلك كلّه، ولو شئتُ لم أُعطِهِ إلّا الأجرَ الأوَّل)». ووَقَعَ في حديث عبد الله بن أبي أوفى: أنَّه دَفَعَ إليه عشرة آلاف درهم. وهو محمول على أنَّها كانت قيمة الأشياء المذكورة، وفي حديث النُّعمان بن بشير(٣): ((فَذَرته على حِدة فأضعَفَ، ثمَّ بَذَرته فأضعَفَ، حتَّى كَثُرَ الطَّعام))، وفيه: ((فقال: أتظلِمُني وتَسخَربي؟)) وفي رواية له (٤): ((ثمَّ مرَّت بي بَقَر، فاشتَرَيت منها فَصِيلةً فبَلَغَت ما شاءَ الله). والجمع بينهما تُمكِن بأن يكون زَرَعَ أوَّلاً، ثمَّ اشتَری من بعضه بقرة، ثمَّ نُتِجَت. قوله: ((فإن كنت تَعْلم أنّي فعلْتُ ذلك من خَشْيَتَك)) وفي رواية موسى بن عُقْبة: ((ابتغاء وجهك))، وكذا في رواية سالم، والجمع بينهما مُمكِن، وقد وَقَعَ في حديث عليّ عند (١) عند البزار (٩٠٦). (٢) هي التي سلفت في المزارعة برقم (٢٣٣٣). (٣) عند الطبراني في ((الدعاء)) (١٨٩). (٤) عند أحمد (١٨٤١٧)، والطبراني في ((الدعاء)) (١٩٠) وغيرهما. ٢٩١ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ كتاب أحاديث الأنبياء الطبراني(١): ((من ◌َافَتك وابتغاء مَرضاتك))، وفي حديث النُّعمان(٢): ((رَجاء رَحَمَتَك وغَافة عذابك)). قوله: ((فَرِّجْ عَّا)) في رواية موسى بن عُقْبة: ((فافرُج)(٣) بوَصلِ وضمّ الرّاء، من الثَّلاثي، وضَبَطَه بعضهم بهمزة وكسر الرّاء، من الرُّباعي، وزاد في روايته: «فافرُج عَنّا فُرجة نَرى منها السماء))، وفيه تقييد لإطلاق قوله في رواية سالم: ((ففَرِّج عَنّا ما نحنُ فيه))، وقوله: ((قال: فَفُرِّجَ عنهم))، وفي رواية أبي ضَمرة: ((ففَرَّجَ اللهُ فرأوا السماء)) ولمسلم (٢٧٤٣) من هذا الوجه: ((ففَرَّجَ الله منها فُرْجة فرأوا منها السماء)). قوله: ((فانساخَت عنهم الصَّخْرة)) أي: انشَقَّت، وأنكَرَه الْخَطّابي لأنَّ معنى انساخَ بالمعجَمة: غابَ في الأرض، ويقال: انصاخَ، بالصّادِ المهمَلة بدلَ السّين، أي: انشَقَّ من قِبَلٍ نفسه، قال: والصَّواب: انساحَت، بالحاءِ المهمَلة، أي: اتَّسَعَت، ومنه: ساحة الدّار، قال: وانصاحَ بالصّادِ المهمَلة بدل السّين، أي: تَصَدَّعَ، يقال ذلك للبرق. قلت: الرِّواية بالخاءِ المعجَمة صحيحة، وهي بمعنى: انشَقَّت، وإن كان أصله بالصّادِ فالصّاد قد تُقلَب ◌ِيناً، ولا سيما مع الخاء المعجَمة كالصَّخِرِ والسَّخر. ووَقَعَ في حديث سالم (٢٢٧٢): ((فانفَرَجَت شيئاً لا يستطيعونَ الخروج))، وفي حديث النُّعمان بن بشير (٤): ((فانصَدَعَ الجبل حتَّى رأوا الضَّوء))، وفي حديث عليّ(٥): ((فانصَدَعَ الجبل حتَّى طَمِعوا في الخروج ولم يستطيعوا))، وفي حديث أبي هريرة وأنس: ((فزالَ ثُلُث الحجر)). (١) في ((الدعاء)) (١٨٧)، وكذا عند البزار (٩٠٦). (٢) لم نقف عليه عن النعمان بن بشير بهذا اللفظ، فلعل الحافظ رحمه الله أراد في حديث أنس أو في حديث أبي هريرة، فذهل فقال: في حديث النعمان. وهو عند أحمد (١٢٤٥٤) وغيره، من حديث أنس بهذا اللفظ، وعند ابن حبان (٩٧١)، والطبراني في ((الأوسط)) (٢٤٥٤) وغيرهما، من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ أيضاً. وقد جاء عند ابن حبان (٨٩٧) من حديث موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر بهذا اللفظ كذلك. (٣) وكذلك في رواية سالم عن ابن عمر السالفة برقم (٢٢٧٢) عند ذكر الأجير والمرأة. (٤) عند أحمد (١٨٤١٧) وغيره. لكن بلفظ: ((حتى رأوا منه وأبصروا)). (٥) عند البزار (٩٠٦)، والطبراني في ((الدعاء)) (١٨٧) وغيرهما. ٢٩٢ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فقال الآخَر: اللهمَّ إن كنت تَعْلم أَنَّه كان لي)) كذا للأكثر، ولأبي ذرِّ بحذفٍ ((أنَّه)). قوله: ((أبوان)) هو من التَّغلیب، والمراد الأب والأُمّ، ومُرِّحَ بذلك في حديث ابن أبي أوفی(١). قوله: ((شيخان كبيران)) زاد في رواية أبي ضَمرة عن موسى (٢٣٣٣): ((ولي صبية صِغار فكنت أرعى عليهم))(٢)، وفي حديث عليّ: ((أبَوان ضعيفان فقيران، ليس لهما خادِمٌ ولا راعٍ ولا ولُّ غيري، فكنت أرعى لهما بالنَّهار وآوي إليهما باللَّيل)). قوله: ((فأبطَأْتُ عنهما ليلة)) وفي رواية سالم: ((فنأى بي طلبُ شيء يوماً، فلم أُرِح عليهما حتَّى ناما))، وقد تقدَّم شرح قوله: ((نأى)). و((الشيء) لم يُفَسَّر ما هو في هذه الرّواية، وقد بُيِّنَ في رواية مسلم (٢٧٤٣) من طريق أبي ضَمرة، ولفظه: ((وإنّ نأى بي ذاتَ يوم الشَّجَرُ)) والمراد أنَّه استَطَرَدَ مع غَنَمه في الرَّعي إلى أن بَعُدَ عن مكانه زيادة على العادة، فلذلك أبطأً، وفي حديث عليّ: ((فإِنَّ الكَلَا تناءى عليَّ)) أي: تَبَاعَدَ، والكَلَأَ: المرعى. قوله: ((وأهلي وعِيالي)) قال الدّاوودي: يريد بذلك الزوجة والأولاد والرَّقيق والدَّوابّ، ٥٠٩/٦ وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّ الدَّوابّ لا معنى لها هنا. قلت: إنّما قال الدّاوودي ذلك في رواية/ سالم: ((وكنت لا أغبِقِ قبلهما أهلاً ولا مالاً)) وهو مُتَّجِه، فإنَّه إذا كان لا يُقَدِّم عليهما أولاده فكذلك لا يُقَدِّم عليهما دَوابَّه من باب الأولى. قوله: ((يَتَضاغَونَ)) بالمعجَمتَين، والضُّغاء بالمدِّ: الصّياح بيُكاء. وقوله: ((من الجوع)) أي: بسَبَبِ الجوع، وفيه رَدّ على مَن قال: لعلَّ الصّياح كان بسَبَب غير الجوع، وفي رواية موسى بن عُقْبة: ((والصِّبية يَتَضاغَونَ))(٣). قوله: (و کنت لا أسقیھم حتَّى يَشْرَب أبواي، فگرِهْت أن أُوقِظهما، و کرِهْت أن أُدَعھما فَيَسْتَكِنّا لِشَرْبَتِهِما)) أمَّا كَراهَته لإيقاظِهما فظاهر، لأنَّ الإنسان يَكرَه أن يُوقَظ من نَومه، (١) عند الطبراني في ((الدعاء)) (١٩٦). (٢) وهذه الزيادة أيضاً في رواية إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع عند البخاري برقم (٥٩٧٤). (٣) وكذلك في رواية إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع برقم (٥٩٧٤). ٢٩٣ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ كتاب أحاديث الأنبياء ووَقَعَ في حديث عليّ: ((ثُمَّ جلست عند رؤوسهما بإنائي كراهية أن أُؤْرِّقَهما وأوذيهما)»، وفي حديث أنس: ((كراهية أن أرُدّ وسَنَهما))(١)، وفي حديث ابن أبي أوفى: ((وكرهت أن أوقِظهما من نومهما فیَشُقّ ذلك عليهما)). وأمَّا كَراهَته أن يَدَعهما فقد فَسَّرَه بقوله: ((فيَستَكِنّا لشَريَتِهما)) أي: يَضعُفا، لأَنَّه عَشاؤُهما، وتَركُ العَشاءِ يُهِم(٢). وقوله: ((يَستَكِنّا)) من الاستكانة. وقوله: ((لِشَرِبَتِهما)) أي: لعَدَمِ شَربَتهما، فيصيران ضعيفَين مِسْكينَين، والمِسْكين الذي لا شيء لَه. قوله: ((مِن أحَبّ الناس إليَّ)) هو مُقيِّدٌ لإطلاق رواية سالم حيثُ قال فيها: ((كانت أحَبَّ الناس إليَّ))، وفي رواية موسى بن عُقْبة: ((كأشدّ ما يُحِبّ الرجالُ النِّساء))(٣)، والكاف زائدة، أو أراد تشبيه مَبَّته بأشدّ المَحَبّات. قوله: «راوَدْتُها عن نفسها)» أي: بسبب نفسها أو من چِهَة نفسها، وفي رواية سالم: «فأردتها على نفسها)) أي: ليستعلي عليها. قوله: ((فأبتْ)) في رواية موسى بن عُقْبة: ((فقالت: لا تنالُ ذلك منها حتَّى)). قوله: ((إلّا أن آتيَها بمئةِ دينار)) وفي رواية سالم: ((فأعطَيتها عشرينَ ومئة دينار)»، ويُحِمَل على أنَّهَا طلبت منه المئة فزادَها هو من قِبَل نفسه عشرينَ، أو ألغَى غيرُ سالم الكَسْرَ، ووَقَعَ في حديث النُّعمان(٤) وُعُقْبة بن عامر(٥): ((مئة دينار)) وأُبِهِمَ ذلك في حديث عليّ وأنس وأبي هريرة، وقال في حديث ابن أبي أوفى: ((مالاً ضخماً)). (١) هذا لفظ رواية أبي يعلى (٢٩٣٧)، وعند أحمد (١٢٤٥٤) بلفظ: ((أن أردّ سِنَتَهما)). (٢) هذا قول لا يستند إلى دليل علمي البتّة، وقد ورد فيه خبر عند الترمذي (١٨٥٦) بلفظ: «تركُ العشاء مَهرَمة)»، وهو ضعيف جدّاً بل واهٍ. (٣) وهي أيضاً رواية إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع الآتية برقم (٥٩٧٤). (٤) عند الطبراني في «الدعاء)) (١٨٩). (٥) عند الروياني في ((مسنده)) (٢٦٥)، والطبراني في «الدعاء)) (١٩٥). ٢٩٤ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فلمَّا قَعَدْت بين رِجْلَيها» في رواية سالم: ((حتَّى إذا قَدَرتُ عليها))، زاد في حديث ابن أبي أوفى: ((وجلست منها مَجَلِس الرجل من المرأة))، وفي حديث النُّعمان بن بشير(١): «فلمَّا كَشَفتُها». وبيَّن في رواية سالم سبب إجابتها بعد امتناعها، فقال: ((فامتَنَعَت مِنِّي حتَّى ألَمَّتْ بها سَنةٌ - أي: سنة قَحْط ــ فجاءتني فأعطَيتُها))، ويُجمَع بينه وبين رواية نافع بأنَّهَا امتَنَعَت أوّلاً عِقَّة ودافَعَت بطلبِ المال، فلمَّا احتاجَت أجابَت. قوله: ((ولا تَفُضّ)) بالفاءِ والمعجَمة، أي: لا تَكسِر، والخاتم كِناية عن عُذْرَتها، وكأنَّها كانت بكراً وكَنَتْ عن الإفضاء بالكسر، وعن الفَرج بالخاتم، إلّا أنّ في حديث النُّعمان ما يدلّ على أنَّها لم تكن بكراً، ووَقَعَ في رواية أبي ضَمرة: ((ولا تَفتَح الخاتَم)) والألف واللّام بدل من الضَّمير، أي: خاتَي، ووَقَعَ كذلك في حديث أبي العالية عن أبي هريرة عند الطبراني في ((الدُّعاء)) (١٩٤) بلفظ: ((إنَّه لا يَحِلّ لك أن تَفُضّ خاتَي إلَّا بحَقٌّه)). وقولها: ((بحَقِّه)) أرادَت به الحلال، أي: لا أُحِلّ لك أن تَقرَبني إلّا بتَزويج صحيح، ووَقَعَ في حديث عليّ(٢): ((فقالت: أُذكِّرك الله أن تَركَب منِّي ما حَرَّمَ الله عليك قال: فقلت: أنا أحقّ أن أخاف ربّي))، وفي حديث النُّعمان بن بشير(٣): «فلمَّا أمكَنَتَني من نفسها بَكَتْ، فقلت: ما يُبكيك؟ قالت: فعلت هذا من الحاجة، فقلت: انطَلِقي))، وفي رواية أُخرى عن النُّعمان (٤): ((أنَّهَا تَرَدَّدَت إليه ثلاث مرَّات تَطلُب منه شيئاً من معروفه، ويأبى عليها إلّا أن تمكِنَه من نفسها، فأجابَت في الثّالثة بعد أن استأذنَت زوجها، فأذِنَ لها، وقال لها: أغني عيالك، قال: فَرَجَعَتْ فَنَاشَدَتْني بالله فأَبَيتُ عليها، فأسلَمَت إليَّ نفسها، فلمَّا كَشَفتها (١) عند أحمد (١٨٤١٧)، والطبراني في ((الأوسط)) (٢٣٠٧)، و((الدعاء)) (١٩٠). لكن قال في رواية أحمد: «فلما تكشّفتُها». (٢) عند البزار (٩٠٦)، والطبراني في ((الدعاء)) (١٨٧). (٣) عند الطبراني في ((الدعاء)) (١٨٩). (٤) عند أحمد (١٨٤١٧)، والطبراني في «الأوسط)) (٢٣٠٧)، وفي ((الدعاء)) (١٩٠). ٢٩٥ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ كتاب أحاديث الأنبياء ارتَعَدَت من تحتي، فقلت: ما لكِ؟ قالت: أخاف الله ربّ العالمينَ، فقلتُ: خِفتيه في الشِّدَّة، ولم أخَفْه في الرَّخاء، فتَرَكتُها)»، وفي حديث ابن أبي أوفى (١): ((فلمَّا جلست منها مَجَلِس الرجل من المرأة ذَكَرَتِ النار، فقُمت عنها)). والجمع بين هذه الرّوايات مُمكِن، والحديث يُفسِّر بعضه بعضاً. وفي هذا الحديث استحباب الدُّعاء في الكَرب، والتَّقَرُّب إلى الله تعالى/ بذِكْر صالح العمل، ٥١٠/٦ واستنجاز وعده بسؤاله. واستَنْبَطَ منه بعض الفقهاء استحباب ذِكْر ذلك في الاستسقاء، واستَشكَلَه المحِبّ الطََّرِي لما فيه من رُؤية العمل، والاحتقار عند السُّؤال في الاستسقاء أولى لأنَّه مقام التَّضَرُّع، وأجابَ عن قصَّة أصحاب الغار بأنَّهم لم يَستَشِفِعوا بأعمالهم، وإنَّما سألوا الله إن كانت أعمالهم خالصَةً وقُبِلَتْ، أن يجعل جزاءَها الفَرجَ عنهم، فَتَضَمَّنَ جوابه تَسليم السُّؤال لكن بهذا القَید، وهو حسن. وقد تَعرَّضَ النَّوَوي لهذا فقال في كتاب ((الأذكار)): ((باب دعاء الإنسان وتَوَسُّله بصالحِ عمله إلى الله)) وذكر هذا الحديث، ونَقَلَ عن القاضي حسين وغيره استحباب ذلك في الاستسقاء، ثمَّ قال: وقد يقال: إنَّ فيه نوعاً من تَرك الافتقار المطلَق، ولكنَّ النبي ◌َّل أثنى عليهم بفعلِهم، فدلَّ على تصویب فعلهم. وقال السُّبكي الكبير: ظَهَرَ لي أنَّ الضَّرورة قد تُلجئ إلى تَعجيل جزاء بعض الأعمال في الدُّنيا، وأنَّ هذا منه، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه ليس في الحديث رُؤية عملٍ بالكلّية، لقولِ كلّ منهم: ((إن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك)) فلم يَعتَقِد أحد منهم في عمله الإخلاص، بل أحالَ أمره إلى الله، فإذا لم يَجِزِموا بالإخلاص فيه مع كَونه أحسنَ أعمالهم فغيره أولى، فيُستَفاد منه أنَّ الذي يَصلُح في مثل هذا أن يَعتَقِد الشَّخص تقصيرَه في نفسه ويُسيءَ الظَّنّ بها، ويَبحَث على واحد مِن عمله يَظُنّ أنَّه أخلَصَ فيه فيُفوِّض أمره إلى الله ويُعلِّق الدُّعاء (١) في ((الدعاء)) للطبراني (١٩٥). ٢٩٦ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ فتح الباري بشرح البخاري على عِلم الله به، فحينئذٍ يكون إذا دَعَا راجياً للإجابة خائفاً من الردّ، فإن لم يَغلِب على ظنّه إخلاصه ولو في عمل واحد، فليَقِف عند حَدّه ويستحيي أن يسأل بعمل ليس بخالص، قال: وإنَّما قالوا: ((ادعوا الله بصالح أعمالكم)) في أوَّل الأمر، ثمَّ عند الدُّعاء لم يُطلِقِوا ذلك، ولا قال واحد منهم: أدعوك بعملي، وإنَّما قال: ((إن كنت تَعلَم))، ثمَّ ذکر عمله. انتهى مُلخَّصاً، وكأنَّه لم يَقِف على كلام المحِبّ الطَّبَري الذي ذكرته فهو السابق إلى التَّنبيه على ما ذكره، والله أعلم. وفيه فضل الإخلاص في العمل، وفضل برّ الوالدين وخِدمَتهما وإيثارهما على الولد والأهل وتَحمُّل المَشَقَّة لأجلِهما. وقد استُشكِلَ تَركُه أولادَه الصِّغار يَيكُونَ من الجوع طول ليلتهما مع قُدرَته على تسكين جوعهم، فقيل: كان في شرعهم تقديم نَفَقة الأصل على غيرهم، وقيل: يحتمل أنَّ بُكاءَهم ليس من الجوع، وقد تقدَّم ما يَرُدّه. وقيل: لعلَّهم كانوا يَطلُبُونَ زيادة على سَدّ الرَّمَق، وهذا أَولى. وفيه فضل العِفَّة والانكِفاف عن الحرام مع القُدرة، وأنَّ تَرك المعصية يَمحو مُقدِّمات طلبها، وأنَّ التَّوبة تَجُبّ ما قبلها. وفيه جواز الإجارة بالطَّعام المعلوم بين المتآجِرَينِ. وفضل أداء الأمانة. وإثبات الكَرامة للصالحينَ. واستُدِلَّ به على جواز بيع الفُضولي، وقد تقدَّم البحث فيه في البيوع (٢٢١٥). وفيه أنَّ المستَودَع إذا انّجر في مال الوديعة كان الرِّبح لصاحبِ الوديعة. قاله أحمد، وقال الخَطّابي: خالَفَه الأكثر فقالوا: إذا تَرَتَّبَ المال في ذِمَّة الوَديع، وكذا المضارب، كأنْ تَصَرَّفَ فيه بغير ما أُذِنَ له فيَلزَمِ ذِمَّتَه، أنَّه إن النَّجَرَ فيه كان الرِّبح له. وعن أبي حنيفة: الغرامة عليه، وأمَّا الرُّبح فهو له لكن يَتَصَدَّق به. وفَصَّلَ الشّافعي فقال: إن اشتَرى في ذِمَّته، ثمَّ نَقَّدَ الثَّمَن من مال الغير فالعَقد له والرِّبح له، وإن اشتَرى بالعين فالرِّبح للمالكِ، وقد تقدَّم نقل الخِلاف فيه في البيوع أيضاً. ٢٩٧ باب ٥٣ / ح ٣٤٦٥ كتاب أحاديث الأنبياء وفيه الإخبار عَّا جَرَى للأُمَم الماضية ليعتَبِرِ السامعونَ بأعمالهم، فيُعمل بحسنِها ويُترَك قبيحُها، والله أعلم. تنبيه: لم يُخرج الشَّيخان هذا الحديث إلّا من رواية ابن عمر، وجاء بإسناد صحيح عن أنس(١)، وأخرجه الطبراني في ((الدُّعاء)) (١٩٢) من وجه آخر حسن، وبإسناد حسن عن أبي هريرة (١٩٣)، وهو في ((صحيح ابن حِبّان)) (٩٧١). وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن أبي هريرة (١٩٤) وعن النُّعمان بن بشير من ثلاثة أوجُه حِسان (١٨٩ و١٩٠)، أحدها عند أحمد (١٨٤١٧) والبزَّار (٣٢٩١) وكلّها عند الطبراني، وعن عليّ وعُقْبة بن عامر وعبد الله بن عَمْرو بن العاص وابن أبي أوفى بأسانيد ضعيفة (٢)، وقد استَوعَبَ طرقه أبو عَوَانة في («صحيحه»/ (٥٥٤٩-٥٥٨٩) والطبراني في «الدُّعاء)) (١٨٧-٢٠١). ٥١١/٦ واتَّفَقَت الرِّوايات كلّها على أنَّ القِصَص الثلاثة في الأجير والمرأة والأبوَين، إلّا حديث عُقْبة بن عامر ففيه بدل الأجير: أنَّ الثّالث قال: ((كنت في غنم أرعاها فحَضَرَت الصلاة فقُمت أُصَلّ فجاء الذِّئب فدَخَلَ الغنم، فكرهت أن أقطَع صلاتي فصَبَرَت حتَّى فَرَغت)) فلو كان إسناده قويّاً لحُمِلَ على تعدُّد القصّة، ووقع في رواية الباب من طريق عُبيد الله العمري عن نافع تقديم الأجير ثمَّ الأبَوَين ثمَّ المرأة، وخالَفَه موسى بن عُقْبة من الوجهَين، فَقَدَّمَ الأبوين ثمَّ المرأة ثمَّ الأجير، ووافَقَته رواية سالم. وفي حديث أبي هريرة: المرأة ثمَّ الأَبَوَين ثمَّ الأجير، وفي حديث أنس: الأبوين ثمَّ الأجير ثمَّ المرأة. وفي حديث التُّعمان: الأجير ثمَّ المرأة ثمَّ الأبوَينِ، وفي حديث عليّ وابن أبي أوفى معاً: المرأة ثمَّ الأجير ثمَّ الأبوين. وفي اختلافهم دلالة على أنَّ الرّواية بالمعنى عندهم كانت سائغة شائعة، وأن لا أثر للتَّقديمِ والتَّأخير في مِثل ذلك، وأرجَحها في نظري رواية موسى بن عُقْبة لموافَقة سالم لها (١) عند أحمد (١٢٤٥٤)، والبزار (٧١٨٩)، وأبي يعلى (٢٩٣٧)، وغيرهم. (٢) عند الطبراني في ((الدعاء)) بالأرقام (١٨٧) و(١٩٥) و(١٩٦) و(٢٠١). ٢٩٨ باب ٥٤ / ح ٣٤٦٦ - ٣٤٦٩ فتح الباري بشرح البخاري فهي أصحّ طرق هذا الحديث، وهذا من حيثُ الإسناد، وأمَّا من حيثُ المعنى فيُنظَر أيّ الثلاثة كان أنفَع لأصحابه، والذي يَظهَر أنَّه الثّالث، لأنَّه هو الذي أمكَنَهم أن يَخْرُجوا بدُعائه، وإلّا فالأوَّل أفادَ إخراجهم من الظُّلمة، والثّاني أفادَ الزّيادةَ في ذلك وإمكانَ التَّوَسُّل إلى الخروج بأن يَمُرّ مثلاً هناك مَن يُعالِج لهم ذلك، والثّالث هو الذي تَهَيَّ لهم الخروجُ بِسَبِهِ، فهو أنفَعهم لهم فينبغي أن يكون عمل الثّالث أكثر فضلاً من عمل الآخرين. ويَظهَر ذلك من الأعمال الثلاثة: فصاحب الأبَوَين فضيلَته مقصورة على نفسه، لأنَّه أفادَ أنَّه كان باراً بأبَوَيه، وصاحب الأجير نَفعُهُ مُتَعَدٍّ، وأفادَ بأنَّه كان عظيم الأمانة، وصاحب المرأة أفضلهم، لأنَّه أفادَ أنَّه كان في قلبه خَشية ربّه، وقد شَهِدَ الله لمن كان كذلك بأنَّ له الجنَّة حيثُ قال: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الَْ ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ اَلْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١]، وقد أضافَ هذا الرجل إلى ذلك تركَ الذَّهَب الذي أعطاه للمرأة، فأضافَ إلى النَّفْع القاصر النَّفع المتعدّي، ولا سيما وقد قال: إنَّها كانت بنت عَمّه، فتكون فيه صِلة رَحِم أيضاً، وقد تقدَّم أنَّ ذلك كان في سنة قَحط فتكون الحاجة إلى ذلك أحرى، فَيَتَرَجَّح على هذا رواية عُبيد الله عن نافع. وقد جاءت قصَّة المرأة أيضاً أخيرة في حديث أنس، والله أعلم. ٥٤- بابٌ ٣٤٦٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن عبد الرحمن حدَّثه، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ﴾، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِوَه يقول: ((بَيْنا امرأةٌ تُرضِعُ ابنَها، إذ مرَّ بها راكِبٌ وهي تُرضِعُه، فقالت: اللهمَّ لا تُمِتِ ابني حتَّى يكونَ مِثْلَ هذا، فقال: اللهمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثلَه، ثمَّ رَجَعَ في الثَّدْيِ، ومُرَّ بامرأةٍ تُجُرَّرُ ويُلْعَبُ بها، فقالت: اللهمَّ لا تَجْعَلِ ابنِي مِثْلَها، فقال: اللهمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فقال: أمَّا الرّاكِبُ فإنَّه كافرٌ، وأمّا المرأةُ فإنَّهم يقولون لها: تَزْني، وتقولُ: حسبيَ الله، ويقولون: تَشْرِقُ، وتقولُ: حسبيَ الله)). ٣٤٦٧- حدَّثنا سعيدُ بنُ تَلِيدٍ، حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني جَرِيرُ بنُ حازمِ، عن أيوبَ، ٢٩٩ باب ٥٤ / ح ٣٤٦٦ - ٣٤٦٩ كتاب أحاديث الأنبياء عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال النبيُّ وَّه: ((بينما كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كادَ يَقْتُلُهُ العَطَفُر، إذ رَأْته بَغِيٌّ مِن بَغايا بني إسرائيلَ، فَزَعَت مُوقَها فسَقَتْهِ، فَغُفِرَ لها)). ٣٤٦٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن مُميد بنِ عبدِ الرحمن، أنَّه سمعَ مُعاوِيةَ بنَ أبي سفيانَ عامَ حَجَّ على الِثْبِرِ، فتَنَاوَلَ قُصّةً من شَعَرٍ كانت في يدِ خَرَسِيٍّ، فقال: يا أهلَ المدينةِ، أينَ عُلَمَا ؤُكم؟ سمعتُ النبيَّ وَّهِ يَنْهَى عن مِثْلِ هذه، ويقول: ((إِنَّا هَلَكَت بنو إسرائيلَ حينَ انَخَذَها نِساؤُهم)). [أطرافه في: ٣٤٨٨، ٥٩٣٨،٥٩٣٢] ٣٤٦٩- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن أبي سَلَمَ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: ((إنَّه قد كان فيما مَضَى قبلَكم مِن الأُمَم مُحَدَّثُونَ، وإنَّه إن كان في أمَّتي هذه منهم، فإنَّه عمرُ بنُ الخَطّاب)». [طرفه في: ٣٦٨٩] الحديث الرابع عشر: حديث أبي هريرة في قصَّة المرأة التي كانت تُرضِع ولدها فتَكلِّمَ، وقد ٥١٦/٦ تقدَّم شرحه في قصَّة عيسى ابن مريم (٣٤٣٦). وعبد الرحمن المذكور في الإسناد: هو الأعرج. الحديث الخامس عشر: حديثه في قصَّة المرأة التي سَقَت الكلب. قوله: ((يُطيف)) بضمٍّ أوَّله، من أطافَ، يقال: أطَفت بالشيءٍ: إذا أدَمْتُ المرور حوله. قوله: ((برَكيّةٍ)) بفتح الرّاء وكسر الكاف وتشديد التَّحتانية: البئر مَطويّة أو غير مَطويّة، وغير المطوّيّة يقال لها: جُبّ وقَليب، ولا يقال لها: بئر، حتَّى تُطوى، وقيل: الرَّكي: البئر قبل أن تُطوى، فإذا طُوِيَت فهي الطَِّيُّ. قوله: ((بَغِيّ)) بفتح الموحَّدة وكسر المعجَمة: هي الزّانية، وتُطلَق على الأمَة مُطلَقاً. قوله: ((مُوقها)) بضمِّ الميم وسكون الواو بعدها قاف: هو الخُفّ، وقيل: ما يُلبَس فوق الخُفّ. ٣٠٠ باب ٥٤ / ح ٣٤٦٦ - ٣٤٦٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: («فغُفِرَ لها) زاد الكُشْمِيهني: ((به))، وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث مشروحاً في كتاب الشّرب (٢٣٦٣)، لكن وَقَعَ هناك وفي الطَّهارة (١٧٣) أنَّ الذي سَقى الكَلب رجل، وأنَّه سَقاه في خُفّه، ويحتمل تعدُّد القصَّة. وقَدَّمتُ بقيَّة الكلام في كتاب الشّرب، والله أعلم. الحديث السادس عشر: حديث معاوية. قوله: ((عام حَجّ) في رواية سعيد بن المسيّب الآتية آخر الباب (٣٤٨٨): «آخر قَدمة قَدِمَها». قلت: وكان ذلك في سنة إحدى وخمسين، وهي آخر حَجَّة حَجّها في خِلافَته. قوله: ((فَتَناوَلَ قُصَّة)) بضمِّ القاف وتشديد المهمَلة: هي شَعر الناصية، والحَرَسيّ منسوب إلى الحَرَس، وهو واحد الحُرّاس. قوله: ((أينَ عُلَمَا ؤُكم)) فيه إشارة إلى أنَّ العلماء إذ ذاكَ فيهم كانوا قد قَلّوا، وهو كذلك لأنَّ غالب الصَّحابة كانوا يومَئذٍ قد ماتوا، وكأنَّه رأى جُهّال عَوامّهم صَنَعوا ذلك، فأراد أن يُذكِّر علماءَهم ويُؤنِّهم بما تَرَكوه من إنكار ذلك. ويحتمل أن يكون تَرك مَن بقي من الصَّحابة ومن أكابر التابعينَ إذ ذاكَ الإنكارَ، إمّا لاعتقادِ عَدَم التَّحريم ممَّن بَلَغَه الخبر، فحَمَلَه على كراهة التَّنزيه، أو كان يخشى من سَطوَة الأُمَراء في ذلك الزَّمان على مَن يَستَبِدّ بالإنكار لئلّا يُنسَب إلى الاعتراض على أُولي الأمر، أو كانوا مَمَّن لم يَبلُغهم الخبر أصلاً، أو بَلَغَ بعضهم لكن لم يَتَذَكَّرُوه حتَّى ذَكَّرَهم به معاوية، فكلّ هذه أعذارٌ مُمكِّنة لمن كان موجوداً إذ ذاكَ من العلماء. وأمَّا مَن حَضَرَ خُطبة معاويةَ وخاطَبَهم بقوله: أين عُلَمَا ؤُكم، فلعلَّ ذلك كان في خُطبة غير الجمعة، ولم يَتَّفِقِ أن يَحَضُرِه إلّ مَن ليس من أهل العلم، فقال: أين عُلَمَاؤُكم؟ لأنَّ الخِطاب بالإنكار لا يَتَوجَّه إلّا على مَن عَلمَ الحُكم وأقَرَّه. قوله: ((ويقول)) هو معطوف على ((يَنهى))، وفاعل ذلك النبي ◌َّر. قوله: ((إنَّا هَلَكَت بنو إسرائيل حين انََّذَها نِساؤُهم)) فيه إشعار بأنَّ ذلك كان حَراماً