النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
باب ٤٩ / ح ٣٤٤٨ -٣٤٤٩
كتاب أحاديث الأنبياء
حِبّان (٦٨٠٢)، والبيهقي في ((البعث))، وابن الأعرابي في ((مُعجَمه)) (٢٢٦١) من طرق
عنه، ولفظه مِثل روایة یونس.
وقد أخرجه مسلم (٢٤٦/١٥٥) من طريق ابن أبي ذِئْب عن ابن شِهاب بلفظ: ((وأَمَّكم
منكم)) قال الوليد بن مسلم: فقلت لابن أبي ذِئْب: إنَّ الأوزاعي حدَّثنا عن الزّهْري فقال:
((وإمامُكم منكم)؟ قال ابن أبي ذِئْب: أتدري ما أمّكم منكم؟ قلت: تُّحُبِني، قال: فأمَّكم
بكتاب ربّكم(١). وأخرجه مسلم (١٥٥/ ٢٤٥) من رواية ابن أخي الزُّهْري عن عَمّه بلفظ:
«کیف بكم إذا نزلَ فیکم ابن مريم فأَمَّكم)).
وعند أحمد (١٤٩٥٤) من حديث جابر في قصَّة الدَّجّال ونزول عيسى: ((وإذا هم بعيسى،
فيقال: تقدَّم يا روح الله، فيقول: ليتقدَّمْ إمامكم، فليُصَلُّ بكم)).
ولابن ماجَهْ (٤٠٧٧) في حديث أبي أمامةَ الطَّويل في الدَّجّال قال: ((وجُلّهم - أي
المسلمونَ ۔ ببیتِ المَقدِس، وإمامهم رجل صالح قد تقدّم لیصلّيَ بهم، إذ نزلَ عیسی ابن
مريم، فَرَجَعَ الإمام يَنكُص ليتقدَّم عيسى، فيقِف عيسى بين كَتِفَيْهِ (٢) ثمَّ يقول: تقدَّم، فإنَّها
لك أُقيمت)).
وقال أبو الحسن(٣) الآبُري(٤) في ((مناقب الشّافعي)): تَواتَرَت الأخبار / بأنَّ المهدي من ٤٩٤/٦
هذه الأُمَّة، وأنَّ عيسى يُصَلّي خَلفه، ذكر ذلك رَدّاً للحديث الذي أخرجه ابن ماجَهْ (٤٠٣٩)
(١) الذي في مسلم بزيادة: وسنة نبيكم له.
(٢) الذي في نسختنا المحققة من (سنن ابن ماجه)): «فیضع عیسی یده بین کتفیه)).
(٣) وقع في (ع) قبل نسبة الآبُري كلمةٌ أخرى، كأنها نسبة أيضاً، لكننا لم نتبينها، ولم تظهر في (أ) لانطماس
الورقة، وقد أُثبتت في (س) على أنها: الخسعي، والظاهر أنَّ هذه الكلمة محرفة عن ((الحسين)) مع سقوط
لفظة ((بن)) بين أبي الحسن وبين الحسين، وتكون في الأصل: أبو الحسن بن الحسين، لأنَّ اسم هذا الرجل
محمد بن الحسين الآبري السِّجزي، لا يُنسب إلاّ بهاتين النسبتين، فسِجْزي نسبة إلى سِجستان، ولهذا
يقال له: السجستاني أيضاً، وآبري نسبة إلى آبٌر إحدى قرى سجستان. وانظر ترجمته في ((سير أعلام
النبلاء)) ٢٩٩/١٦، و((طبقات الشافعية الكبرى)) ١٤٧/٣.
(٤) تحرفت في (س) إلى: الأبدي.

٢٦٢
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
عن أنس وفيه: ((ولا مَهدي إلّا عيسى)).
وقال أبو ذرِّ الْهَرَوي: حدَّثنا الجَوزَقي عن بعض المتقدِّمينَ قال: معنى قوله: ((وإمامكم
منكم)) يعني: أنَّه يَحكم بالقرآن لا بالإنجيل.
وقال ابن التِّين: معنى قوله: ((وإمامكم منكم)) أنَّ الشَّريعة المحمَّدية مُتَّصِلة إلى يوم
القيامة، وأنَّ في كلّ قَرن طائفة من أهل العلم.
وهذا والذي قبله لا يُبيِّن كَونَ عيسى إذا نزلَ يكون إماماً أو مأموماً، وعلى تقدير أن
يكون عيسى إماماً، فمعناه أنَّه يصير معكم بالجماعة من هذه الأُمَّة.
قال الطيبي: المعنی: يؤمّکم عیسی حال گونه في دِینکم. ويُعگِّر عليه قوله في حديث
آخر عند مسلم (١٥٦): ((فيقال له: صَلِّ لنا، فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أُمَراء،
تَكرِمةً لهذه الأُمَّة».
وقال ابن الجوزي: لو تقدَّم عيسى إماماً لَوَقَعَ في النَّفْس إشكال، ولَقيل: أتُراه تقدَّم نائباً أو
مُبْتَدِئاً شرعاً، فصَلّى مأموماً لئلّا يَتَدَنَّس بِغُبار الشُّبهَة وجهُ قوله: ((لا نبيَّ بعدي)).
وفي صلاة عيسى خَلف رجل من هذه الأُمّة مع كونه في آخر الزمان وقُرب قيام الساعة،
دلالة للصَّحيحِ من الأقوال أنَّ الأرض لا تَخلو من قائم لله بحُجَّةٍ، والله أعلم.
٥٠- باب ما ذُكِر عن بني إسرائيل
٣٤٥٠ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، حدَّثنا عبدُ الملكِ، عن رِبْعِيِّ بنِ
حِراشٍ، قال: قال عُقْبةُ بنُ عَمٍو لحُذَيفةَ: ألا تُحُدِّثُنا ما سمعتَ من رسولِ الله وَّرَ؟ قال: إنّي
سمعتُهُ يقول: ((إنَّ معَ الدَّجّال إذا خَرَجَ ماءً وناراً، فأمَّا التي يَرَى الناسُ أنَّها النارُ فماءٌ باردٌ،
وأمَّا الذي يَرَى الناسُ أنَّه ماءٌ باردٌ فنارٌ تُحْرِقُ، فمَن أدرَكَ مِنْكم فلْيَقَع في الذي يَرَى أنَّها نارٌ،
فإِنَّه عَذْبٌ باردٌ».
[طرفه في: ٧١٣٠]
٣٤٥١- قال حُذَيفةُ: وسمعتُهُ يقول: ((إنَّ رجُلاً كان فيمن كان قبلكم، أتاه الملَكُ لِيَقْبِضَ

٢٦٣
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
كتاب أحاديث الأنبياء
روحَه، فقيلَ له: هل عَمِلْتَ من خَير؟ قال: ما أعلَمُ، قيلَ له: انظُر، قال: ما أعلمُ شيئاً، غيرَ أنّي
كنتُ أبايعُ الناسَ في الدُّنْيا وأُجازِيهم، فأُنظِرُ المُوسِرَ، وأتجاوَزُ عن المُعْسِرِ، فأدخَلَه الله الجنَّةَ».
٣٤٥٢ - قال: وسمعته يقول: ((إنَّ رجلاً حَضَرَه الموتُ، فلمَّا يَئِسَ مِن الحياةِ أوْصَى أهلَه:
إذا أنا مُتُّ فاجْمَعوا لِي حَطَباً كثيراً وأوْقِدوا فيه ناراً، حتَّى إذا أُكَلَت لَحْمِي وخَلَصَتْ إلى
عَظْمي، فامتُحِشَتْ، فخُذوها فاطْحَنوها، ثمَّ انظُرُوا يوماً رَاحاً فاذْرُوه في اليَمِّ، ففَعَلوا.
فجَمَعَه اللهُ، فقال له: لِمَ فعلْتَ ذلك؟ قال: من خَشْيَتِكَ، فَغَفَرَ الله لَه)).
قال عُقْبةُ بنُ عَمرِو: وأنا سمعتُه يقول ذاكَ، ((وكان نَبّاشاً)).
[طرفاه في: ٣٤٧٩، ٦٤٨٠]
٣٤٥٣، ٣٤٥٤- حدَّثنا بِشرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرني مَعمَرٌ ویونسُ، عن
الزّهْريِّ، قال: أخبرني عبيدُ الله بنُ عبدِ الله، أنَّ عائشةَ وابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهم، قالا: لمَّا
نُزِلَ برسولِ اللهِ وَِّ طَفِقَ يَطْرَح خَمِيصةً على وجهِهِ، فإذا اغتَمَّ كَشَفَها عن وجهِه، فقال وهو
كذلك: ((لَعْنَةُ الله على اليهودِ والنَّصارَى، اَّخذوا قُبورَ أنبيائهم مَساجِدَ» تُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا.
٣٤٥٥- حذَّثني محمَّدُ بنُ بشّار، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن فُراتٍ القَزّاز،
قال: سمعتُ أبا حازم، قال: قاعَدْتُ أبا هريرةَ خمسَ سِنِينَ، فسمعتُهُ يُحدِّثُ عن النبيِّ ◌َِّ،
قال: ((كانت بنو إسرائيلَ تَسُوسُهم الأنبياءُ، كلَّما هَلَكَ نبيٌّ خَلَفَه نبيٌّ، وإِنَّه لا نبيَّ بعدي،
وسَيكونُ خُلَفاءُ، فَيَكْثُرُونَ)) قالوا: فما تَأْمُرُنا؟ قال: ((فُوْا ببيعةِ الأوَّلِ فالأوَّلِ، أعطُوهم حَقَّهم،
فإنَّ اللهَ سائلُهم عنَّا استَرْعاهم)).
٣٤٥٦- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غَسّانَ، قال: حدَّثني زيدُ بنُ أسلَمَ، عن
عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيدٍ ﴾، أنَّ النبيَّ وَّهِ قال: ((لَتَّعُنَّ سَنَنَ مَن قبلَكم شِبْراً بشِيْ،
وذِراعاً بذِراع، حتَّى لو سَلَكُوا مُجُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ))، قُلْنا: يا رسولَ الله، اليهودَ والنَّصارَى؟
قال النبيُّ وَ الِهِ: ((فمَنْ؟)).
[طرفه في: ٧٣٢٠]

٢٦٤
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
٣٤٥٧ - حدَّثْنَا عِمْرانُ بنُ مَيسَرةَ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا خالدٌ، عن أبي قلابةَ، عن
أنسٍ ﴾، قال: ذَكَروا النارَ والناقوسَ، فَذَكَروا اليهودَ والنَّصارَى، فَأُمِرَ بلالٌ أن يَشْفَعَ الأذانَ،
وأن يوتِرَ الإقامةَ.
٣٤٥٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن أبي الضُّحَى، عن
مَسْروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها: كانت تَكْرَه أن يَجْعَلَ يَدَهُ في خاصرَتِهِ، وتقولُ: إنَّ اليهودَ
تَفْعَلُه.
تابَعَه شُعْبةُ، عن الأعمَش.
٣٤٥٩ - حدَّثنا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا الليثُ، عن نافع، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، عن
رسولِ اللهِ وَ﴿، قال: ((إنَّما أجَلُكُم في أجَلِ مَن خَلا مِن الأُمَمِ ما بينَ صلاةِ العَصْرِ إلى مَغْرِبٍ
الشمس، وإنَّما مَثَلُكم ومَثَلُ اليهودِ والنَّصارَى، كَرجلٍ اسْتَعمَلَ عُمَّالاً، فقال: مَن يَعْمَلُ لي إلى
نِصْفِ النَّهار على قِيراطِ قِيراطٍ؟ فعَمِلَتِ اليهودُ إلى نِصْفِ النَّهار على قِيراطِ قِيراطٍ، ثمَّ قال:
مَن يَعْمَلُ لي من نِصْفِ النَّهار إلى صلاةِ العَصْرِ على قِيراطِ قِيراطٍ؟ فعَمِلَتِ النَّصَارَى من
نِصْفِ النَّهار إلى صلاةِ العَصْرِ على قيراطٍ قِيراطٍ، ثمَّ قال: مَن يَعْمَلُ لي من صلاةِ العَصْرِ إلى
مَغْرِبِ الشمس على قِيراطَين قِيراطَينِ؟ ألا فأنتمُ الذينَ تَعْمَلونَ مِن صلاةِ العَصْرِ إلی مَغْرِبٍ
الشمس على قيراطَين قِيرالطَينٍ، ألا لكمُ الأَجْرُ مَرَّتَينٍ، فغَضِبَتِ اليهودُ والنَّصارَى، فقالوا:
نحنُ أكثَرُ عملاً، وأقلُّ عطاءً! قال الله: هل ظَلَمْتُكم من حَقِّكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فإنَّه
فضلی أُعْطِیه مَن شئتُ)).
٣٤٦٠ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرٍو، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ،
قال: سمعتُ عمرَ﴾ يقول: قاتَلَ اللهُ فلاناً، ألم يَعْلم أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: ((لعن الله اليهودَ، حُرِّمَتِ
عليهم الشُّحومُ، فجَمَلوها فباعُوها)).
تَابَعَه جابرٌ وأبو هريرةَ، عن النبيِّ ◌ِّهِ.
٣٤٦١- حدَّثنا أبو عاصم الضَّحّاكُ بنُ تَخَلَدٍ، أخبرنا الأوْزاعيُّ، حدَّثنا حسَّانُ بنُ عَطِيَّةَ،

٢٦٥
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
كتاب أحاديث الأنبياء
عن أبي كَبْشَةَ، عن عبدِ الله بنِ عَمرٍو، أنَّ النبيَّ نَّه قال: ((بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً، وحَدِّثُوا عن بني
إسرائيلَ ولا حَرَجَ، ومَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً، فَلْيَتَوَّأْ مَفْعَدَه مِن النار)).
٣٤٦٢ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحٍ، عن ابنِ
شِهابٍ، قال: قال أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمن، إنَّ أبا هريرةَ﴾ قال: إنَّ رسولَ اللهِوَس ◌َ قال: ((إنَّ
اليهود والنَّصَارَى لا يَصْبُغُونَ، فخالِفوهم)».
[طرفه في: ٥٨٩٩]
٣٤٦٣- حدَّثنا محمّدٌ، قال: حدَّثنا حَجّاجٌ، حدَّثنَا جَرِيرٌ، عن الحسنِ، حدَّثنا ◌ُنْدُبُ بنُ
عبدِ الله في هذا المسجدِ، وما نَسِينا منذُ حدَّثنا، وما نَخْشَى أن يكونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ على النبيِّ ◌ِِّ،
قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به ◌ُرٌْ، فجَزِعَ فأخَذَ سِكِّیناً فخَزَّ بها
يدَه، فما رَقَأْ الدَّمُ حتَّى ماتَ، قال الله عز وجَلّ: بادَرَني عبدي بنفسِهِ، حَرَّمْتُ عليه الجنَّةَ)).
قوله: ((باب ما ذُكِرَ عن بني إسرائيل)) أي: ذُرّية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ٤٩٦/٦
وإسرائيلُ لَقَب يعقوب، أي: من الأعاجيب التي كانت في زمانهم، ذكر فيه أربعةً وثلاثين
حديثاً:
الحديث الأول: وهو يَشتَمِل على ثلاثة أحاديث.
وقوله: ((حدَّثنا موسى بن إسماعيل)) هذا هو الصَّواب. ولبعضِهم: حدَّثنا مُسدَّد، بدل:
موسى، وليس بصَواب، لأنَّ رواية مُسدَّد ستأتي في آخر هذا الباب موصولة، ورواية
موسى مُعلَّقة من أجل كلمة اختَلَفا فيها على أبي عَوَانة، وكلامُ أبي عليّ الغَسّاني يُوهِم أنَّ
ذلك وَقَعَ هنا، وليس كذلك.
وقوله: ((حدَّثنا عبد الملك)) هو ابن عُمَیر.
قوله: ((قال عُقْبة بن عَمْرو)) هو أبو مسعود الأنصاري المعروف بالبدري.
قوله: ((إنَّ مع الدَّجّال إذا خَرَجَ ماءً)) الحديث يأتي الكلام عليه مُستَوقَى في كتاب الفتن
(٧١٣٠)، والغرض منه هنا إيراد ما يَليه، وهو قصَّة الرجل الذي كان يُبايع الناسَ، وقصَّة

٢٦٦
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
الرجل الذي أوصَى بَنيهِ أن يُحرقوه.
فأمَّا قصَّة الذي كان يُبايع الناس فقد أورَدَها أيضاً في أواخر هذا الباب من حديث أبي
هريرة، وتقدَّم الكلام عليه في أثناء كتاب البيوع (٢٠٧٧).
وقوله في هذه الرِّواية: ((كنتُ أُبايع الناس في الدُّنيا وأُجازيهم)) أي: أُقاضيهم،
٤٩٧/٦ والمُجازاة: المقاضاة، أي: آخذ منهم وأُعطي. ووَقَعَ في رواية الإسماعيلي: ((وأُجازفُهم» بالجيم/
والزّاي والفاء، وفي أُخرى بالمهمَلة والرّاء، وكلاهما تصحيف(١) لا يَظهَر، والله أعلم.
وأمَّا قصَّة الذي أوصى بَنيهِ أن يُحرقوه، فسيأتي الكلام عليها في أواخر هذا الباب حيثُ
أو رَدَه المصنّف مُفرَداً (٣٤٧٩ و٣٤٨١) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فامْتُحِشَت)) بضمِّ المثنّاة وكسر المهمَلة بعدها مُعجَمة، أي: احتَرَقَت، ولبعضِهم
بوَزنِ احْتَرَقتْ، وهو أشبه.
وقوله: ((ثمَّ انظُروا يوماً راحاً)) أي: شديد الريح.
قوله في آخره: ((قال عُقْبة بن عَمْرو: وأنا سمعْتُه)) يعني: النبي ◌َِّ ((يقول ذاكَ. وكان
نَّاشاً)) ظاهره أنَّ الذي سمعَه أبو مسعود هو الحديث الأخير فقط، لكن تَبيَّن من رواية
شُعْبة عن عبد الملك بن عُمَير أنَّه سمعَ الجميع، فإنَّه أورَدَ في الفتن (٢) قصَّة الذي كان يُبابِع
الناس من حديث حُذَيفة، وقال في آخره: قال أبو مسعود: وأنا سمعته، وكذلك قال في
حدیث الذي أوصی بنیه، كما سيأتي في أواخر هذا الباب (٣٤٧٩).
وقوله: ((وكان نَباشا)) ظاهره أنَّه من زيادة أبي مسعود في الحديث، لكن أورده ابن حِبّان
(٦٥١) من طريق رِبعي عن حُذَيفة قال: ((تُوُفّيَ رجل كان نبّاشاً، فقال لولدِه: أحرِقوني»
فدَلَّ على أنَّ قوله: ((وكان نبّاشاً)) من رواية حُذَيفة وأبي مسعود معاً.
(١) لا نظن ذلك تصحيفاً، فقد جاءت كذلك في رواية أحمد (٢٣٣٥٣)، ومردّ الأمر فيما يظهر إلى بيع
الجزاف، وهو البيع والشراء من غير كيل ولا وزن، وفيه معنى السهولة.
(٢) بل في الاستقراض (٢٣٩١).

٢٦٧
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
كتاب أحاديث الأنبياء
ووقَعَ في رواية للطَّبَراني(١) بلفظ: بينَمَا حُذَيفة وأبو مسعود جالِسَين، فقال أحدهما:
سمعتُ رسول الله وَله يقول: ((إنَّ رجلاً من بني إسرائيل كان يَنْبُش القُبور)) فذكره، وعُرِفَ
منها وجه دخوله في هذا الباب.
الحديث الثاني: قوله: ((لمَّا نُزِلَ)) بضمِّ أوَّله، وفي نُسخَة عند أبي ذرٍّ بفتحَتَين ((برسولِ الله
وَّه)) يعني: الموت، أو مَلَك الموت، ونَقَلَ النَّوَوي أنَّه في مسلم للأكثر بالضَّمِّ، وفي رواية
بزيادة مُثنّة يعني: المنية، أورَدَه مختصراً، وقد تقدَّم بأتمّ من هذا السياق في الصلاة (٤٣٥
و٤٣٦). ويأتي شرحه في أواخر المغازي (٤٤٤١ و٤٤٤٣ و٤٤٤٤) إن شاء الله تعالى،
والغرض منه ذَمّ اليهود والنَّصارى في اتّخاذهم قُبُورَ أنبيائهم مَساجِدَ، وعبد الله الذي في
الإسناد: هو ابن المبارك.
الحديث الثالث: قوله: ((عن فُرَات القَزّاز)) بِقاف وزایین مُعجَمَتَین، وهو فُرات، بضمِ
الفاء وتخفيف الرّاء آخره مُثنّة، ابن عبد الرحمن، وأبو حازم: هو سَلمان الأشجَعي.
قوله: ((تَسُوسُهم الأنبياء)) أي: أنَّهم كانوا إذا ظَهَرَ فيهم فساد بَعَثَ الله لهم نبيّاً يُقيم لهم
أمرهم، ويُزيل ما غَيَّروا من أحكام التَّوراة، وفيه إشارة إلى أنَّه لا بدَّ للرَّعية من قائم
بأُمورها تَحمِلها على الطَّريق الحسنة، ويُنصِف المظلوم من الظّلم.
قوله: ((وإنَّه لا نبي بعدي)) أي: فيَفعل ما كان أولئكَ يَفعلونَ.
قوله: ((وسیکون خُلَفاء)) أي: بعدي.
وقوله: ((فِيَكثُرُونَ)) بالمثلَّثة، وحَكَى عياض أنَّ منهم مَن ضَبَطَه بالموخَّدة، وهو تصحيف،
ووُجِّهَ بأنَّ المراد إكبار قبيح فعلهم.
قوله: ((فُوْا)) فعل أمر بالوفاءِ، والمعنى: أنَّه إذا بويِعَ لخليفةٍ بعد خليفةٍ فبيعة الأوَّل
صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثّاني باطلة.
قال النَّوَوي: سواء عَقَدوا للثّاني عالِمِين بعَقدِ الأوَّل أم لا، سواء كانوا في بَلَد واحد
(١) في ((الأوسط)) (٣٦٦٥).

٢٦٨
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
أو أكثر، سواء كانوا في بَلَد الإمام المنفَصِل أم لا، هذا هو الصَّواب الذي عليه الجمهور،
وقيل: تكون لمن عُقِدَت له في بَلَد الإمام دون غيره، وقيل: يُقرَع بينهما. قال: وهما قولان
فاسدان.
وقال القُرطُبي: في هذا الحديث حُكم بيعة الأوَّل، وأنَّه يجب الوفاء بها، وسَكَتَ عن
بيعة الثّاني. وقد نَصَّ عليه في حديث عَرَفَجة(١) في ((صحيح مسلم)) (١٨٥٢ /٦٠) حيثُ قال:
(«فاضرِبوا عُنُق الآخر)).
قوله: ((أعْطُوهم حقّهم)) أي: أطيعوهم وعاشِروهم بالسَّمع والطاعة، فإنَّ الله يُحاسبهم
على ما يَفعلونَه بكم، وستأتي تَتِمَّة القول في ذلك في أوائل كتاب الفتن (٧٠٥٢).
قوله: ((فإنَّ الله سائلُهم عَّا استَرْعاهم)) هو كحديث ابن عمر المتقدِّم (٨٩٣): ((كلُّكم
راع وكلَّكم مَسْؤولٌ عن رَعِيّته))، وسيأتي شرحه في كتاب الأحكام (٧١٣٨) إن شاء الله
تعالى.
وفي الحديث تقديم أمر الدّين على أمر الدُّنيا، لأنَّه وَّهِ أمر بتَوْفية حَقّ السُّلطان لما فيه
من إعلاء كلمة الدّين وكَفّ الفتنة والشرّ، وتأخير المرء المطالبة بحَقِّه لا يُسقِطه، وقد وعَدَه الله
أنَّه يُخُلِّصُه ويُوفِّيه إياه، ولو في الدّار الآخرة.
الحديث الرابع: / حديث أبي سعید.
٤٩٨/٦
قوله: (لَشَِّعُنَّ)) بضمِّ العين وتشديد الُّون ((سَنَن)) بفتح المهمَلة، أي: طريق (مَن قبلكم))
أي: الذينَ قبلكم.
قوله: ((جُحْر)) بضمِّ الجيم وسكون المُهمَلة ((ضَبّ)) بفتح المعجَمة وتشديد الموحّدة:
دُوَيَّة معروفة، يقال: خُصَّت بالذِّكرِ لأنَّ الضَّبّ يقال له: قاضي البهائم. والذي يَظهَر أنَّ
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو وهم منه، لأنَّ اللفظ المذكور إنما هو لعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو
عند مسلم برقم (١٨٤٤)، وأما لفظ حديث عرفجة الذي عند مسلم برقم (١٨٥٢) فهو: ((إنه ستكون
هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فمن أراد أن يُفرِّق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان)).

٢٦٩
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
كتاب أحاديث الأنبياء
التَّخصيص إِنَّما وقعَ جُحرِ الضَّبّ لِشِدَّة ضيقه ورَداءَته، ومع ذلك فإنَّهم لاقتِفائهم آثارهم
واتِّباعهم طَرائقَهم، لو دخلوا في مِثل هذا الضَّيِّقُ الرَّديء لَوافقوهم(١).
قوله: ((قال النبي ◌َِّ: فمَن؟!)) هو استفهام إنكاري، أي: ليس المراد غيرهم، وسيأتي
بقيَّة الكلام على هذا الحديث في كتاب الاعتصام (٧٣٢٠).
الحديث الخامس: حديث أنس: ذَكَروا النار والناقوس، الحديث، أورَدَه مختصراً، وقد
مضى شرحه تامّاً في كتاب الصلاة (٢).
الحديث السادس: حديث عائشة: كانت تَكرَه أن يجعل يده في خاصرَته، وتقول: إنَّ
اليهودَ تَفعله. في رواية أبي نُعَيم من طريق أحمد بن الفُرات عن محمَّد بن يوسف شيخ
البخاري فيه بلفظ: أنَّها كَرهَت الاختصار في الصلاة، وقالت: إنَّما يَفعل ذلك اليهود،
ووقعَ عند الإسماعيلي من طريق يزيد بن هارون عن سفيان، وهو الثّوري، بهذا الإسناد:
يعني وضع اليد على الخاصرة في الصلاة، وقد تقدَّم البحث في هذه المسألة في أواخر الصلاة
في الكلام على حديث أبي هريرة (١٢١٩): تُهي عن الخَصر في الصلاة.
قوله: ((تابَعَه شُعْبة عن الأعْمَش)) وصلَه ابن أبي شَيْبة من طريقه(٣).
الحديث السابع: حديث ابن عمر: ((مَثَلكم ومَثَل اليهود والنَّصارى كَرجلٍ استعملَ عُمَالاً))
الحديث، تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الصلاة (٥٥٧).
الحديث الثامن: حديث عمر: قاتَلَ الله فلاناً أورَدَه مختصراً، وقد تقدَّم تامّاً في كتاب
البيوع في أواخرہ (٢٢٢٣) مع شرحه.
قوله: ((تابَعَه جابر وأبو هريرة عن النبي (وَ ل 9) يعني: في تحريم شُحوم الميتة دون القصّة،
فأمَّا حديث جابر فوصلَه المصنِّف في أواخر البيوع (٢٢٣٦)، وفيه غير ذلك، وتقدَّم شرحه
هناك.
(١) في (س): لتبعوهم.
(٢) بل في كتاب الأذان برقم (٦٠٣).
(٣) الأثر عند ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧ عن وكيع عن الأعمش، وليس عن شعبة عن الأعمش.

٢٧٠
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا حديث أبي هريرة فوصلَه المصنّف في أواخر البيوع أيضاً (٢٢٢٤) من طريق
سعيد بن المسيّب عنه.
الحديث التاسع: قوله: ((عن أبي كَبْشَة)) يعني السَّلُولِيّ، تقدَّم ذِكْره في كتاب الِبة
(٢٦٣١) في حديث آخر، وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين.
قوله: (بَلِّغوا عنِّي ولو آية)) قال المُعاَ النَّهْرواني في ((كتاب الجليس)) له: الآية في اللُّغة
تُطلَق على ثلاثة مَعانٍ: العلامة الفاصلة، والأُعجوبة الحاصلة، والبَليَّة النازلة. فمِن الأوَّل
قوله تعالى: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، ومن الثّاني:
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ﴾ [آل عمران: ٤٩] ومن الثّالث: جَعَلَ الأمير فلاناً اليوم آية. قال: وتَجمَع
بين هذه المعاني الثلاثة أنَّه قيل لها: آية، لدلالتِها وفَصلها وإبانَتها. وقال في الحديث: ((ولو
آية)) أي: واحدة ليسارع كلّ سامع إلى تَبليغ ما وقعَ له من الآي ولو قَلَّ، ليتَّصِل بذلك نَقلُ
جمیع ما جاء به ۇ. انتهى كلامه.
قوله: ((وحَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج)) أي: لا ضَيق عليكم في الحديث عنهم، لأنَّه
كان تقدَّم منه ◌ِّهِ الَّجر عن الأخذ عنهم، والنَّظَرِ في كُبهم(١)، ثمَّ حَصَلَ التَّوسُّع في ذلك،
وكأنَّ النَّهي وَقَعَ قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدّينية، خشية الفتنة، ثمَّ لمَّا
زالَ المحذور وقعَ الإذن في ذلك لِمَا في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار.
وقيل: معنى قوله: ((لا حَرَج)): لا تَضيق صُدوركم بما تَسمَعونَه عنهم من الأعاجيب،
فإنَّ ذلك وقعَ لهم كثيراً، وقيل: لا حَرَج في أنَّ لا تُحَدِّثوا عنهم، لأنَّ قوله أوّلاً: ((حَدِّثوا))
صيغة أمر تَقتَضي الوجوب، فأشارَ إلى عَدَم الوجوب، وأنَّ الأمر فيه للإباحة بقوله: (ولا
حَرَج)) أي: في تَرك التَّحديث عنهم. وقيل: المراد رفع الخَرَج عن حاكي ذلك لِمَا في
أخبارهم من الألفاظ المُستبشَعة، نحو قولهم: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا ﴾ [المائدة: ٢٤]
وقولهم: ﴿أَجْعَل لََّ إِلَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٨] وقيل: المراد ببني إسرائيل أولاد إسرائيل
(١) انظر لزاماً كلام الحافظ وما ساقه من الأحاديث في ذلك عند شرح الباب (٥٥) قبل الحديث (٧٥٥٣).
.

٢٧١
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
كتاب أحاديث الأنبياء
نفسه، وهم أولاد يعقوب، والمراد حَدِّثوا عنهم بقِصَّتِهم مع أخيهم يوسف، وهذا أبعَد
الأوجُه.
وقال مالك: المراد جواز التَّحَدُّث عنهم / بما كان من أمرٍ حسن، أمَّا ما عُلمَ كِذِبه فلا. ٤٩٩/٦
وقيل: المعنى حَدِّثُوا عنهم بمِثلِ ما وَرَدَ في القرآن والحديث الصَّحيح. وقيل: المراد جواز
التَّحَدُّث عنهم بأيِّ صورة وقعَت من انقطاع أو بَلاغ لتعذُّرِ الاتّصال في التَّحَدُّث عنهم،
بخِلاف الأحكام الإسلامية، فإنَّ الأصل في التَّحَدُّث بها الاتّصال، ولا يَتعذَّر ذلك لقُربٍ
العهد.
وقال الشّافعي: من المعلوم أنَّ النبي ◌َِّ لا يُجيز التَّحَدُّث بالكذِبِ، فالمعنى: حَدِّثوا
عن بني إسرائيل بما لا تَعلَمونَ كذِبه، وأمَّا ما تُجَوِّزونَه فلا حَرَج عليكم في التَّحَدُّث به
عنهم، وهو نَظِير قوله: ((إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تُصَدِّقوهم ولا تُكذِّبوهم))(١)، ولم يَرِدِ
الإذن ولا المنع من التَّحَدُّث بما يُقطَعِ بصِدقِه.
قوله: ((ومَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً)) تقدَّم شرحه مُستَوَى في كتاب العلم (١٠٧)، وذكرت
عَدَد مَن رواه، وصفة تَخارجه بما يُغني عن الإعادة. وقد اتَّفَقَ العلماء على تَغليظ الكذِب
على رسول الله وَ﴿ وأنَّه من الكَبائر، حتَّى بالَغَ الشَّيخ أبو محمَّد الجُوَيني فحَكَمَ بكفرٍ مَن
وقعَ منه ذلك، وكلام القاضي أبي بكر بن العربي یمیل إلیه.
وجَهِلَ مَن قال من الكَرّامية وبعض المتزهِّدة: إنَّ الكذب على النبيِ وَّ يجوز فيها
يَتعلَّق بتَقوية أمر الدّين، وطريقة أهل السُّنَّة والتَّرغيب والتَّرهيب، واعتَلّوا بأنَّ الوعيد وَرَدَ
فِي حَقّ مَن كذَبَ عليه لا في الكذِب له، وهو اعتلال باطل، لأنَّ المراد بالوعيد مَن نَقَلَ عنه
الكذِب سواء كان له أو عليه، والدّين بحَمدِ الله كامل غير محتاج إلى تقوية بالكذب.
الحديث العاشر: قوله: ((إنَّ اليهود والنَّصارى لا يَصْبُغونَ فخالفوهم» يقتضي مشروعية
الصَّبغ، والمراد به صَبغ شَيب اللُّحية والرَّأس، ولا يعارضه ما وَرَدَ من النَّهي عن إزالة
(١) أخرجه أحمد (١٧٢٢٥)، وأبو داود (٣٦٤٤).

٢٧٢
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
الشَّيب، لأنَّ الصَّبغ لا يقتضي الإزالة. ثمَّ إنَّ المأذون فيه مُقيّد بغير السَّواد، لمَا أخرجه
مسلم (٧٩/٢١٠٣) من حديث جابر أنَّه وَ لَه قال: ((غَيِّروه وجَنِبوه السَّواد))، ولأبي داود
(٤٢١٢)(١) وصَخَّحَه ابن حِيّان(٢) من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: ((يكون قوم في آخر
الزّمان يخضِبونَ كَحَواصل الخَمَامِ، لا يَجِدونَ ريح الجنَّةِ)) وإسناده قوي، إلّا أنَّه اختُلِفَ في
رفعه ووَقفه، وعلى تقدير ترجيح وقفه، فمِثله لا يقال بالرَّأيٍ، فحُكمه الرفع.
ولهذا اختارَ النَّوَوي أنَّ الصَّبغ بالسَّوادِ يُكرَه كراهية تحريم. وعن الخَلِيمي: أنَّ الكراهة
خاصَّة بالرِّجال دون النِّساء، فيجوز ذلك للمرأة لأجلِ زوجها. وقال مالك: الحِنّاء
والكَتَم واسع، والصَّبغ بغير السَّواد أحَبّ إليَّ. ويُستَثنى من ذلك المجاهد اتِّفاقاً.
وليس المراد بالصَّبغِ في هذا الحديث صَبغ الثّياب، ولا خَضب اليدين والرِّجلَين
بالحِنّاءِ مثلاً، لأنَّ اليهود والنَّصارى لا يَتْرُكونَ ذلك، وقد صَرَّحَ الشّافعية بتحريمٍ لُبس
الثّياب المزَعفَرة للرجلِ، وبتحريمِ خَضب الرِّجال أيديهم وأرجُلَهم إلّا للتَّداوي، وسيأتي
بسط القول في ذلك في كتاب اللباس (٥٨٩٩) إن شاء الله تعالى.
الحديث الحادي عشر: قوله: ((حدَّثنا محمَّد)) هو ابن مَعمَر، نَسَبَه ابن السَّكّن عن
الفِرَبْري، وقيل: هو الذُّهْلي.
قوله: ((حدَّثنا حَجّاج)» هو ابن مِنهال، وجَرِير: هو ابن حازم، والحسن: هو البصري.
قوله: ((في هذا المسجد)» هو مسجد البصرة.
قوله: ((وما نَسينا منذُ حدَّثنا)) أشارَ بذلك إلى تَحَقُّقِه لمَا حدَّث به، وقُرِب عَهْده به،
واستمرار ذِكْره لَه.
قوله: ((وما نَخْشى أن يكون جُنْدُبِّ كَذَبَ)) فيه إشارة إلى أنَّ الصَّحابة عُدول، وأنَّ
(١) وهو أيضاً عند النسائي (٥٠٧٥).
(٢) كذا عزاه الحافظ هنا لابن حبان، وأنه صححه، مع أنه لم يَعزُه إليه هو نفسه في «إتحاف المهرة)) (٧٦٥٦)،
بل اقتصر على عزوه لأحمد، وقد صححه الضياء المقدسي في ((مختارته)) (٢٤٤)، والذهبي في ((تلخيص
کتاب الموضوعات)» (٧١٢).

٢٧٣
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
كتاب أحاديث الأنبياء
الكذِب مأمونٌ مِن قِبَلهم، ولا سيّما على النبي ◌َّـ
قوله: ((كان فيمَن كان قبلكم رجل)) لم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((به ◌ُرْح)) بضمِّ الجيم وسكون الرّاء بعدها مُهمَلة، وتقدَّم في الجنائز (١٣٦٤)
بلفظ: ((به جِراح)) وهو بكسر الجيم، وذكره بعضهم بضمِّ المعجَمة وآخره جيم، وهو
تصحيف، ووقعَ في رواية مسلم (١١٣/ ١٨٠): ((أنَّ رجلاً خَرَجَت به قَرْحة)) وهي بفتح
القاف وسكون الرّاء: حَبَّةٌ تَخْرُج في البَدَن، وکأنَّه کان به جُرح، ثمَّ صارَ قَرحةً.
قوله: ((فجَزِعَ» أي: فلم يَصبِرِ على ألم تلكَ القَرحة.
قوله: ((فأخَذَ سِكّناً فحَزَّ بها يَده) السِّكّين تُذكَّر وتُؤنَّث، وقوله: ((حَّ)) بالحاءِ المهمَلة
والزّاي: هو القطع بغير / إبانة، ووقعَ في رواية مسلم: «فلمَّا آذَتْه انتَزَعَ سهماً من كِنانته ٥٠٠/٦
فتكأها)» وهو بالنّونِ واهمز، أي: نَخَسَ موضع الُرح، ويُمكِن الجمع بأن يكون فجَرَ
الجُرحَ بِذُبابة السَّهم، فلم يَنفَعه فحَّ موضعه بالسِّكّينِ، ودَلَّت رواية البخاري على أنَّ
الجُرح کان في يده.
قوله: ((فما رَقَأَ الدَّمُ)) بالقاف والهمز، أي: لم يَنقَطِعِ.
قوله: ((قال الله عزَّ وجلّ: بادَرَني عبدي بنفسِه)) هو كِناية عن استعجال المذكورِ الموتَ،
وسیأتي البحث فيه.
وقوله: ((حَرَّمت عليه الجنَّة)) جارٍ مَجَرى التَّعليل للعُقوبة، لأَنَّه لمَّا استَعجَلَ الموت بتَعاطي
سببه من إنفاذ مقاتله فجَعَلَ له فيه اختياراً عَصى اللهَ به، فناسَبَ أن يُعاقبه. ودَلَّ ذلك على أنَّه
حَزَّها لإرادة الموت، لا لقصدِ المداواة التي يَغلِب على الظَّنّ الانتفاع بها.
وقد استُشكِلَ قوله: (بادَرَني بنفسِه)) وقوله: ((حَرَّمت عليه الجنَّة))، لأنَّ الأوَّل يقتضي أن
يكون مَن قُتِلَ فقد ماتَ قبل أجَله، لمَا يُوهِمه سياق الحديث من أنَّه لو لم يَقتُل نفسه كان قد
تأخّرَ عن ذلك الوقت وعاشَ، لكنَّه بادَرَ فتقدَّم، والثّاني يقتضي تخليد الموحِّد في النار.
والجواب عن الأوَّل: أنَّ المبادَرة من حيثُ التَّسُبُّب في ذلك والقصد له والاختيار،

٢٧٤
باب ٥٠ / ح ٣٤٥٠ - ٣٤٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
وأطلقَ عليه المبادَرة لوجودِ صورتها، وإِنَّمَا اسْتَحقَّ المعاقَبة، لأنَّ الله لم يُطلِعِه على انقضاء
أجَله، فاختارَ هو قتل نفسه، فاستَحقَّ المعاقَبة لعِصيانه.
وقال القاضي أبو بكر: قَضاءُ الله مُطلَق ومُفيَّد بصفة، فالمطلَق يمضي على الوجه بلا
صارف، والمقَيَّد على وجهين، مِثاله أن يُقَدِّر لواحد أنَّ يعيش عشرينَ سنة إن قتل نفسَه،
وثلاثينَ سنة إن لم يَقُلْ، وهذا بالنِّسبة إلى ما يعلم به المخلوق كَمَلَكِ الموت مثلاً، وأمَّا
بالنِّسبة إلى عِلم الله فإنَّه لا يقع إلّا ما عَلمَه. ونَظِير ذلك الواجب المخَيَّر، فالواقع منه
معلوم عند الله، والعَبد مُخيّر في أيّ الخِصال يَفعل.
والجواب عن الثّاني من أو جُه:
أحدها: أنَّه كان استَحلَّ ذلك الفعل، فصارَ كافراً.
ثانيها: كان كافراً في الأصل وعُوقِبَ بهذه المعصية زيادةً على كفره.
ثالثها: أنَّ المرادَ أنَّ الجنَّة حَرِّمَت عليه في وقت ما، كالوقتِ الذي يَدخُل فيه السابقونَ،
أو الوقت الذي يُعذَّب فيه الموحِّدونَ في النار ثمَّ يَخْرُجونَ.
رابعها: أنَّ المراد جَنَّ مُعيَّنَة كالفِردَوسِ مثلاً.
خامسها: أنَّ ذلك وَرَدَ على سبيل التَّغليظ والتَّخويف، وظاهره غیر مُراد.
سادسها: أنَّ التَّقدير: حُرَّمتُ عليه الجنَّة إن شئتُ استمرار ذلك.
سابعها: قال النَّوَوي: يحتمل أن يكون ذلك شرْعَ مَن مضى: أنَّ أصحاب الكبائر
يَكفُرُونَ بفعلها.
وفي الحديث تحريم قتل النَّفس، سواء كانت نفس القاتل أم غيره، وقتل الغير يُؤْخَذ
تحريمه من هذا الحديث بطريق الأَولى.
وفيه الوقوف عند حقوق الله ورَحَمَتَه بخلقِه حيثُ حَرَّمَ عليهم قتل نفوسهم، وأنَّ
الأنفُس مِلكُ الله.

٢٧٥
باب ٥١ / ح ٣٤٦٤
كتاب أحاديث الأنبياء
وفيه التحدّث عن الأُمَم الماضية، وفضيلة الصَّبر على البلاء، وتَرك التَّضَجُّر من الآلام
لئلّا يُفضيَ إلى أشدَّ منها.
وفيه تحريم تَعاطي الأسباب المفضية إلى قتل النَّفْس.
وفيه التَّنبيه على أنَّ حُكم السِّراية(١) على ما يَتَرَب عليه ابتداءُ القتل. وفيه الاحتياط في
التَّحديث وكيفية الضَّبط له، والتَّحَفّظ فيه بذِكْر المكان والإشارة إلى ضبط المحدِّث
وتوثيقه لمن حدَّثه ليَركَن السامع لذلك، والله أعلم.
٥١- حديثُ أبرصَ وأقرعَ وأعمى
٣٤٦٤- حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، حدَّثنا عَمْرو بنُ عاصم، حدَّثنا هنَّامٌ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ
عبدِ الله، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ أبي عَمْرةَ، أنَّ أبا هريرةَ حدَّثه، أَنَّه سمعَ النبيَّ ◌ِه.
وحذَّثني محمَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَجاءٍ، أخبرنا همَّامٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله، قال:
حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ أبي عَمْرةَ، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ حدَّثه، أنَّه سمعَ رسولَ الله وَّهِ يقول: ((إِنَّ
ثلاثةً في بني إسرائيلَ: أَبَرَصَ وأقرَعَ وأعمَى، بَدالله عزّ وجلَّ أن يَبْتَلِيَهم، فَبَعَثَ إليهم مَلَكاً،
فأتى الأبَرَصَ، فقال: أيُّ شيءٍ أحَبُّ إليكَ؟ قال: لَونٌ حسنٌ، وجِلْدٌ حسنٌ، قد قَذِرَني الناسُ،
قال: فَمَسَحَه فَذَهَبَ، وأُعْطِيَ لَوْناً حسناً، وجِلْداً حسناً، فقال: وأيُّ المال أحَبُّ إليكَ؟ قال:
الإبلُ - أو قال: البقرُ، هو شَكَّ في ذلك أنَّ الأبَرَصَ والأقرَعَ قال أحدُهما: الإبلُ، وقال الآخَرُ:
البقرُ - فَأُعْطِيَ ناقةً عُشَراءَ، فقال: يُبارَكُ لكَ فيها.
وأتى الأفرَعَ فقال: أيُّ شيءٍ أحَبُّ إليكَ؟ قال: شَعَرٌ حسنٌ، ويَذْهَبُ هذا عنِّي، قد قَذِرَني
الناسُ، قال: فَمَسَحَه، فذهبَ، وأُعْطِيَ شَعَراً حسناً، قال: فأيُّ المال أحَبُّ إليكَ؟ قال: البقرُ،
قال: فأعطاه بقرةً حامِلاً، وقال: يُبارَكُ لكَ فيها.
(١) هي تأثير الجرح في النفس حتى تهلك، ويكون ذلك بالمبالغة في القصاص حتى يتجاوز العطبُ ما هو
مقرر في الحد إلى غيره، فيلتهبُ المكانُ، فيسري ذلك إلى جميع البدن فيموت الإنسان. انظر ((المغرب في
ترتيب المعرب)) ٣٩٥/١، و((البحر الرائق)» ٣٨٧/٨.

٢٧٦
باب ٥١ / ح ٣٤٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
وأتى الأعمَى فقال: أيُّ شيءٍ أحَبُّ إليكَ؟ قال: يَرُدُّ الله إليَّ بَصري، فأُبْصِرُ به الناسَ، قال:
فَمَسَحَه، فَرَدَّ الله إليه بَصَرَه، قال: فأيُّ المال أحَبُّ إليكَ؟ قال: الغنمُّ، فأعطاه شاةً والداً، فَأُنْتِجَ
هذان ووَلَّدَ هذا، فكان لهذا وادٍ من الإِبِلِ، ولهذا وادٍ من بَقَرٍ، ولهذا وادٍ من غَنَمِ.
ثُمَّ إِنَّه أتى الأبرَصَ في صورتِهِ وهيئتِه، فقال: رجلٌ مِسْكِينٌ تَقَطَّعَت به الحِبالُ في سَفَرِه، فلا
بَلاغَ اليومَ إلا بالله ثمَّ بكَ، أسألُكَ بالذي أعطاكَ اللَّونَ الحسنَ والِجِلْدَ الحسنَ والمالَ، بَعِيراً
أنَّغُ عَلَيه في سَفَري، قال له: إنَّ الحقوقَ كَثيرةٌ، فقال له: كأنّ أعرفُكَ، ألم تكن أبرَصَ يَقْذَرُكَ
الناسُ، فقِيراً فأعطاكَ الله؟ فقال: لقد ورِثْتُ لكابرٍ عن كابرٍ. فقال: إن كنتَ كاذِباً، فصَيَّرَكَ الله
إلى ما كُنتَ.
وأتى الأَقْرَعَ في صورتِهِ وهيئتِهِ، فقال له مِثلَ ما قال لهذا، وَرَدَّ عليه مِثلَ ما رَدَّ عَلَيه، فقال:
إن كنتَ كاذباً فصَيَّرَكَ الله إلى ما كنتَ.
وأتى الأعمَى في صورتِهِ، فقال: رجلٌ مِسْكِينٌّ وابنُ السَّبيلِ وتَقَطَّعَت به الحِبالُ في سفرِهِ،
فلا بَلاغَ اليومَ إلا بالله ثمَّ بكَ، أسألُكَ بالذي رَدَّ عليكَ بَصَرَكَ، شاةً أتبلَّغُ بها في سَفَري. وقال:
قد كنتُ أعمَى فَرَدَّ الله بَصري، وفَقِيراً فقد أغناني، فخُذ ما شئتَ، فوالله لا أَحْتَدُكُ اليومَ لِشَيءٍ
أَخَذْتَه لله، فقال: أمسِك مالَكَ، فإنَّمَا ابْتُلِيتُم، فقد رُضِيَ عنكَ، وسُخِطَ على صاحبَيَكَ)).
[طرفه في: ٦٦٥٣]
قوله: ((حديث أَبَرَص وأقرَع وأعْمى)) هكذا تَرجَمَ لهذا الحديث في أثناء ذِكْر بني
إسرائیل، وهو الحديث الثاني عشر.
قوله: ((حدَّثنا أحمد بن إسحاق)) هو السَّرْماري بفتح المهمَلة، ويجوز كسرها (١)، وبعدها
راء ساكنة، نِسبة إلى سَرْمارة من قُرى بُخارى، الزّاهد المجاهد، وهو من أقران البخاري،
ماتَ سنة اثنَتَين وأربعينَ ومثَتَين.
(١) كذا ضبطها الحافظ رحمه الله، ونظنه تبع في ذلك الأصيلي فيما نقله عنه شارح القاموس، وكذلك ضبطه القاضي
عياض في ((مشارق الأنوار)) ٢/ ٢٤١، ولكن هذا يخالف قول السمعاني وياقوت وابن الأثير والسيوطي حيث
ضبطوه بضم السين، وقالوا: سرمارى، بالألف المقصورة، فالله أعلم.

٢٧٧
باب ٥١ / ح ٣٤٦٤
كتاب أحاديث الأنبياء
قوله: في السَّنَد الثّاني: ((وحدَّثني محمَّد، حدَّثنا عبد الله بن رجاء)) يقال: إن محمَّداً هذا هو
الذُّهْلي، ويقال: إنَّه المصنِّف نفسه، كما قيل في الحديث الذي قبله، ويُؤْيِّد ذلك أنَّه روى عن
عبد الله بن رَجاء في اللَّقَطة(١) (٢٤٣٩) وعِدَّة مواضع بغير واسطة، لكن جَزَمَ أبو ذرِّ بأنَّه
عند المصنّف عن محمَّد غير منسوب عن عبد الله بن رَجاء، وجَوَّزَ أنَّه الذُّهْلي، وساقَه عن
الجَوزَقي عن / مَكّي بن عبدان عن الذُّهْلي بطولِه، وكذلك جَزَمَ أبو نُعَيم وساقَه من طريق ٥٠٢/٦
موسى بن العبّاس عن محمّد بن يحيى، وسيأتي في التَّوحيد حديث آخر أخرجه البخاري
بهذَين السَّنَدين سواء إلى أبي هريرة، وليس في البخاري لإسحاق بن أبي طلحة عن
عبد الرحمن بن أبي عَمْرة سوى هذين الحديثين.
قوله: ((حدثنا إسحاق بن عبد الله)) هو ابن أبي طلحة، صَرَّحَ به شَيْبان في روايته عن
همَّام عند مسلم (٢٩٦٤) والإسماعيلي.
قوله: ((بَدَا الله)) بتخفيفِ الدّال المهمَلة بغير همز، أي: سَبَقَ في عِلم الله فأراد إظهاره،
وليس المراد أنَّه ظَهَرَ له بعد أن كان خافياً، لأنَّ ذلك مُحال في حَقّ الله تعالى، وقد أخرجه
مسلم (٢٩٦٤) عن شَيْبانَ بن فرّوخ عن همَّام، بهذا الإسناد بلفظ: ((أراد الله أن يَبْتَلِيَهم))،
فلعلَّ التَّغيير فيه من الرُّواة، مع أنَّ في الرّواية أيضاً نظراً، لأنَّه لم يزل مُريداً(٢)، والمعنى:
أظهر الله ذلك فيهم، وقيل: معنى أرادَ: قضى.
وقال صاحب ((المطالع)): ضَبطناه على مُتَّقِني شيوخنا بالهمزِ، أي: ابتَدَأ الله أن يَبتَليهم،
قال: ورواه كثير من الشَّيوخ بغير همز، وهو خطأ. انتهى، وسَبَقَ إلى التَّخطِئة أيضاً الخَطّابي،
(١) وقبل ذلك في الصلاة (٣٩٩)، وفي الحج (١٦٨٣).
(٢) هذا لا يُعارض التعبير بالماضي، ألم تر قولَ الله سبحانه وتعالى على لسان الخضر: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ
أَشُدَهُمَا﴾، فإنَّ الله تعالى لم يزل مُريداً بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم، وأما إرادةُ الشيء المعين فإنما
يريده في وقته، وهو سبحانه يقدر الأشياء ويكتبها ثم بعد ذلك يخلقها، فهو إذا قدَّرها علم ما سيفعله
وأراد فعله في الوقت المستقبل، لكن لم يُرد فعله في تلك الحال، فإذا جاء وقته أراد فعله. انظر ((مجموع
الفتاوى)) لشيخ الإسلام ابن تيمية ٣٠٣/١٦.

٢٧٨
باب ٥١ / ح ٣٤٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
وليس كما قال، لأنَّ موجَّه كما ترى، وأولى ما يُحمَل عليه أنَّ المراد قَضَى الله أن يَبتَليهم، وأمَّا
البدء الذي يُراد به تَغُرُ الأمر عمّا كان علیه فلا.
قوله: ((قَذِرَني الناس)) بفتح القاف والذّال المعجَمة المكسورة، أي: اشمأزّوا من رُؤيَتي،
وفي رواية حكاها الكِرْماني: ((قَذِروني الناس)) وهي على لغة أكَلوني البراغيث.
قوله: «فمسحه)» أي: مَسَحَ علی چِسمه.
قوله: «فقال: وأيّ المال» في روایة الگُشْمِیھني بحذفِ الواو.
قوله: ((الإبل، أو قال: البقر، هو شَكّ في ذلك، أنَّ الأبرَص والأقرَع، قال أحدهما: الإبل،
وقال الآخَر: البقر)) وقعَ عند مسلم عن شَيْبانَ بن فرّوخ عن همَّامِ التَّصريح بأنَّ الذي شَكَّ
في ذلك هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة راوي الحديث.
قوله: ((فأُعْطي ناقةً عُشَراء)) أي الذي تَمنّى الإبلَ، والعُشَراء، بضمِّ العين المهمَلة وفتح
الشّين المعجمة مع المدّ: هي الحامل التي أتى عليها في حَملها عشرة أشهُر من يوم طَرَقَها الفَحل،
وقيل: يقال لها ذلك إلى أن تَلِد، وبعدَما تَضَع، وهي من أَنْفَس المال.
قوله: ((يُبارَك لك فيها)) كذا وقعَ: ((يُبارَك)) بضمٌ أوَّله، وفي رواية شَيْبانَ: ((بارَكَ الله))
بلفظ الفعل الماضي وإبراز الفاعل.
قوله: ((فمَسَحَه)) أي: مَسَحَ على عينيه.
قوله: ((شاة والداً» أي: ذات ولد، ويقال: حامل.
قوله: (فأَنتِجَ هذان)) أي: صاحب الإبل والبقر ((ووَلَّدَ هذا» أي: صاحب الشّاة، وهو
بتشديد اللّم، وأُنْتِجَ في مِثل هذا شاذٌ، والمشهور في اللُّغة: نُتِجَت الناقةُ، بضمِّ النّون، ونَتَجَ
الرجلُ الناقةَ، أي: حَمَلَ عليها الفَحل، وقد سُمِعَ: أنْتَجَت الفَرَس: إذا ولدَت، فهي نَتُوج.
قوله: ((ثُمَّ إِنَّه أتى الأبرَص في صورته)) أي: في الصّورة التي كان عليها لمَّا اجتَمَعَ به
وهو أبرَص، ليكونَ ذلك أبلَغَ في إقامة الحُجَّة عليه.
قوله: ((رجل مِسْكين)) زاد شَيْبان: ((وابن سبيل)) «تَقَطَّعَت به الحِبال في سَفَره)» في رواية

٢٧٩
باب ٥١ / ح ٣٤٦٤
كتاب أحاديث الأنبياء
الكُشْمِيهني: ((بي الحِبال في سَفَري)) والحِبال، بكسر المهمَلة بعدها موحّدة خفيفة: جمع
حَبل، أي: الأسباب التي يَقطَعُها في طلب الرِّزق، وقيل: العَقَبات، وقيل: الحبل هو
المستَطيل من الرَّمل. ولبعضٍ رواه مسلم: ((الحِيال)) بالمهمَلة والتَّحتانية: جمع حيلة، أي: لم
يَبقَ لي حيلة، ولبعضٍ رواة البخاري: ((الجبال)) بالجيم والموحّدة، وهو تصحيف.
قال ابن التِّين: قول الملَك له: ((رجل مِسْكين ... )) إلى آخره، أراد أنَّك كنت هكذا، وهو
من المعاريض، والمراد به ضرب المثَل ليتَقَّظ المخاطَبُ.
قوله: (أنبَلَّغ عليه)) في رواية الكُشْمِيهني: ((أَتَبَلَّغ به)) وأتبَلَّغ، بالغَين المعجمة من البُلْغة،
وهي الكفاية، والمعنى: أتوَصَّل به إلى مُرادي.
قوله: ((لقد وَرِثْت لكابرٍ عن کابِر» في رواية الكُشْمِيهني: «كابراً عن كابر»، وفي رواية
شَيْبانَ: ((إنَّما ورِثتُ هذا المال كابراً عن كابر)) أي: كبير عن كبير في العِزّ والشَّرَف.
قوله: ((فقال: إن كنت كاذِباً/ فصَيَّرَك الله)) أورَدَه بلفظ الفعل الماضي، لأنَّه أراد المبالَغة ٥٠٣/٦
في الدُّعاء عليه.
قوله: ((فخُذ ما شئتَ)) زاد شَيْبان: ((ودَعْ ما شئتَ)).
قوله: ((لا أَحْتَدُك اليوم بشيء أخَذْتَه لله)) كذا في البخاري، بالمهملة والمیم، كذا قال عياض:
إنَّ رواة البخاري لم تَخْتَلِف في ذلك، وليس كما قال، والمعنى: لا أحمدك على تَرك شيء
تحتاج إليه من مالي، كما قال الشّاعر(١):
ليس على طول الحياة نَدَمْ
أي: فوت طول الحياة، وفي رواية كَرِيمة وأكثر روايات مسلم: ((لا أَجهَدُك)) بالجيم
والهاء، أي: لا أشُقّ عليك في رَدّ شيء تَطلُبه منِّي أو تأخذه، قال عياض: لم يَتَّضِح هذا المعنى
لبعضِ الناس، فقال: لعلَّه لا أحُدّك، بمُهمَلة وتشديد الدّال بغير ميم، أي: لا أمنَعك،
قال: وهذا تكلّف. انتهى، ويحتمل أن يكون قوله: ((لا أُحَمِّدك)) بتشديد الميم، أي: لا أطلُب
(١) هو المُرقِّش الأكبر. انظر ((المفضّليات)) ص٢٣٩، و((المعاني الكبير)) لابن قتيبة ١٢٢٢/٣.

٢٨٠
باب ٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
مِنك الحمد، من قولهم: فلان يَتحمَّد على فلان، أي: يَمتَنّ عليه، أي: لا أمتَنّ عليك.
قوله: «فإَِّما ابتُليتُمْ)) أي: امتُحِنْتُم.
قوله: ((فقد رُضِيَ عنك)) بضمٍّ أوَّله على البناء للمجهولِ في ((رُضِي)) و((سُخِطَ))، قال
الكِرْماني ما ◌ُحصَّله: كان مِزاج الأعمى أصحَّ من مِزاجٍ رَفيقَه، لأنَّ البَرَص مرض يَحِصُل
من فساد المِزاج وخَلَل الطَّبيعة وكذلك القَرَع، بخِلاف العَمى، فإنَّه لا يَستَلِزِم ذلك بل قد
يكون من أمر خارج، فلهذا حَسُنَت طِباع الأعمى وساءَت طِباع الآخَرَين.
وفي الحديث جواز ذِكْرِ ما اتَّفَقَ لمن مضى، ليتَّعِظ به مَن سمعَه ولا يكون ذلك غِيبةً
فيهم، ولعلَّ هذا هو السِّ في تَرك تسميتهم، ولم يُفصِح بما اتَّفَقَ لهم بعد ذلك، والذي يَظهَر
أنَّ الأمر وَقَعَ فيهم كما قال الملَك.
وفيه التَّحذير من كفران النِّعَم، والتَّرغيب في شُكرها، والاعتراف بها، وحَمد الله عليها.
وفيه فضل الصَّدَقة والحَثّ على الرِّفق بالضُّعَفاءِ وإكرامهم وتَبليغهم مَآرِبَهم. وفيه الَّجر
عن البخل، لأنَّه حَمَلَ صاحبه على الكذِب، وعلى جَحْد نِعمة الله تعالى.
٥٢- باب ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اُلْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ [الكهف: ٩]
﴿اَلْكَهْفِ﴾: الفَتْحُ في الجبلِ ﴿وَالرَّقِيِمِ﴾: الكتاب. ﴿مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩]: مكتوبٌ، مِن
الرَّقْم.
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤]: ألهَمْناهم صَبْراً.
﴿شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤]: إِفْراطاً.
﴿بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]: الفِناءُ، وجمعُه: وَصَائدُ ووُصُدٌ، ويقال: الوَصِيدُ: البابُ.
﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠]: مُطْبَقةٌ، آصَدَ البابَ وأَوْصَدَ.
﴿بَعَثْنَهُمْ﴾ [الكهف: ١٩]: أحيَيْناهم.
﴿أَزَّكَى﴾ [الكهف: ١٩]: أكثرُ رَيْعاً.