النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٩ -٣٤٤١
كتاب أحاديث الأنبياء
يَطُوفُ بالبيتِ، فقلتُ: مَن هذا؟ قالوا: المسيحُ الذَّجَالُ)).
تابَعَه عُبيدُ الله، عن نافعٍ.
[أطرافه في: ٣٤٤١، ٥٩٠٢، ٦٩٩٩، ٧١٢٨،٧٠٢٦]
٣٤٤١- حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ المكِّيُّ، قال: سمعتُ إبراهيمَ بنَ سعدٍ، قال: حدَّثني
الزُّهْريُّ، عن سالم، عن أبيه، قال: لا والله، ما قال النبيُّ وَّ لعيسى: أحمرُ، ولكن قال: ((بينما أنا
نائمٌ أطوفُ بالكَعْبةِ، فإذا رجلٌ آدمُ سَبِطُ الشَّعَرِ يُهادَى بينَ رجُلَيْنٍ، يَنْطِفُ رأسُه ماءً - أو
يُهَراقُ رأسُه ماءً - فقلتُ: مَن هذا؟ قالوا: ابنُ مريمَ، فذهبتُ التَفِتُ، فإذا رجلٌ أحمرُ جَسِيمٌ
جَعْدُ الرَّأسِ، أعوَرُ عينِهِ اليُمْنَى، كأنَّ عَينَه طافيَةٌ، قلتُ: مَن هذا؟ قالوا: هذا الدَّجّالُ، وأقرَبُ
الناسِ بِه شَبَهاً ابنُ قَطَنٍ».
قال الزُّهْريُّ: رجلٌ من خُزَاعَةَ هَلَكَ في الجاهليَّة.
الحديث الرابع: حديث ابن عمر في ذِكْر عيسى والدَّجّال، أورَدَه من طريق نافع عنه
من وجهَينِ موصولة ومُعلَّقة، ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه.
قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن عُقْبة.
قوله: ((بين ظَهْراني)) بفتح الظّاء المعجمة وسكون الهاء بلفظ التَّثنية، أي: جالساً في
وَسَط الناس، والمراد أنَّ جَلَسَ بينهم مُستَظهِراً لا مُستخفياً، وزِيدَت فيه الألف والنُّون
تأكيداً، أو معناه أنَّ ظَهراً منه قُدّامه، وظَهراً خلفَه، وكأنَّهم حَقُّوا به من جانبَيه، فهذا أصله،
ثمَّ كَثُرَ حتَّى استُعمِلَ في الإقامة بين القوم مُطلَقاً، ولهذا زَعَمَ بعضهم أنَّ لفظة ((ظَهرانَي)»
في هذا الموضع زائدة.
قوله: ((ألا إنَّ المسيح الدَّجّال أعْوَرُ العين اليُّمْنى، كأنَّ عينه عِنَبة طافية)) أي: بارزة، وهو
من طَفَا الشيء يَطْفُو(١) بغير همز: إذا عَلَا على غيره، وشَبَّهَها بالعِنَبة التي تقع في العُنقود
بارزةً عن نظائرها، وسيأتي بَسطُ ذلك في كتاب الفتن (٧١٢٣).
(١) في (س): يطفا، وهو خطأ.

٢٤٢
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٩ -٣٤٤١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وأَراني)) بفتح الهمزة، ذكره بلفظ المضارَعة مُبالَغةً في استحضار صورة الحال.
قوله: ((آدم)) بالمدِّ، أي: أسمَر/ .
٤٨٦/٦
قوله: ((كأحْسَن ما يُرى)) في رواية مالك عن نافع الآتية في كتاب اللُّاس (٥٩٠٢): «كأحسن
ما أنت راءٍ)).
قوله: ((تَضْرِب لِمَّتُه) بكسر اللّام، أي: شَعرُ رأسه، ويقال له إذا جاوَزَ شَحمةَ الأُذُنین
وأَلَمَّ بالمنكِبَين: لِمَّة، وإذا جاوَزَت المنكِيين فهي جُمَّة، وإذا قَصُرَت عنهما فهي وَفْرة.
قوله: ((رَجِل الشَّعْر)) بكسر الجيم، أي: قد سَرَّحَه ودَهَنَه، وفي رواية مالك: («له لمَّة قد
رَجَّلها فهي تَقطُر ماء))، وقد تقدَّم أنَّه يحتمل أن يريد أنَّها تَقطُر من الماء الذي سَرَّحَها به، أو
أنَّ المراد الاستعارةُ وكُنّ بذلك عن مَزيدِ النَّظافة والنَّضارة، ووَقَعَ في رواية سالم الآتية
(٣٤٤١) في نعْت عيسى: ((أنَّه آدمُ سَبِط الشَّعر))، وفي الحديث الذي قبله في نعت عيسى:
((أنَّه جَعْد))، والجَعْد ضِدّ السَّبِطِ، فيُمكِن أن يُجمَع بينهما بأنَّه سَبِطِ الشَّعر، ووَصَفَه
بالجعودة في جسمه لا شَعْره، والمراد بذلك اجتماعُه واكتِنازه، وهذا الاختلاف نَظِير
الاختلاف في كَونِه آدمَ أو أحمرَ، والأحمر عند العرب: الشَّديد البياض مع الحُمرة، والآدم:
الأسمَر، ويُمكِن الجمع بين الوصفَين بأنَّه احمرَّ لونُه بسَبَبٍ كالتَّعَبِ وهو في الأصل أسمَر،
وقد وافَقَ أبو هريرة على أنَّ عيسى أحمرُ، فظَهَرَ أنَّ ابن عمر أنكَرَ شيئاً حَفِظَه غيره، وأمَّا
قول الدّاوودي إنَّ رواية مَن قال: ((آدم)) أثبَتُ، فلا أدري من أين وَقَعَ له ذلك مع اتِّفاق
أبي هريرة وابن عبَّاس على مُخالَفة ابن عمر. وقد وَقَعَ في رواية عبد الرحمن بن آدم عن أبي
هريرة في نَعْت عيسى: ((أنَّه مَرَبُوعٌ إلى الحُمرة والبياض))، والله أعلم.
قوله: ((واضعاً يَدَيه على مَنكِيَي رجُلَين)) لم أقِفْ على اسمهما، وفي رواية مالك: ((مُتَّكِئاً
على عَواتق رجلين))، والعَواتق جمع عاتق: وهو ما بين المنكِب والعُنُقُ.
قوله: ((قَطَطاً)) بفتح القاف والمهمَلة بعدها مِثلُها، هذا هو المشهور، وقد تُكسَر الطاء
الأولى، والمراد به شِدَّة جُعودة الشَّعر، ويُطلَق في وصف الرجل ويُراد به الذَّمَ، يقال: جَعدُ

٢٤٣
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٩ -٣٤٤١
كتاب أحاديث الأنبياء
اليدين وجَعدُ الأصابع، أي: بخيل، ويُطلَق على القصير أيضاً، وأمَّا إذا أُطلِقَ في الشَّعر
فَيَحتَمِل الذَّمَّ والمدح.
قوله: ((كأشبَهِ مَن رأيتُ بابن قَطَن)) بفتح القاف والمهمَلة، يأتي في الطَّريق التي تَلي هذه.
قوله: ((تابَعَه عُبيد الله) يعني: ابنَ عمر العُمري ((عن نافع)) أي: عن ابن عمر، وروايته وَصَلَها
أحمد (٤٩٤٨)، ومسلم (٢٩٣٢/ ١٠٠) من طريق أبي أسامة ومحمّد بن بِشر جميعاً عن
عبد الله بن عمر في ذِكْر المسيح الدَّجّال فقط إلى قوله: ((عِنَبة طافية)) ولم يَذكُر ما بعده،
وهذا يُشعِر بأنَّه يُطلِقِ المتابعة ويريد أصل الحديث، لا جميعَ ما اشتَمَلَ عليه.
قوله: ((حدَّثنا أحمد بن محمَّد المِّي)) هو الأزرَقي واسم جَدّه الوليد بن عُقْبة، ووَهِمَ مَن
قال: إنَّه القَوّاس، واسم جدِّ القَوّاس: عَوْن.
قوله: «عن سالم)» هو ابن عبد الله بن عمر.
قوله: «لا والله ما قال رسول الله وَل ﴿ لعيسى: أحمر)) اللّام في قوله: ((لِعيسى)) بمعنى ((عن))
وهي كقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْلِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]،
وقد تقدَّم بيان الجمع بين ما أنكَرَه ابن عمر وأثبتَه غيرُه، وفيه جواز اليمين على غَلَبة الظَّنّ،
لأنَّ ابن عمر ظنَّ أنَّ الوصفَ اشتَبَهَ على الراوي، وأنَّ الموصوف بكَونِه أحمرَ إنَّما هو
الدَّجّال لا عيسى، وقَرَّب ذلك أنَّ كلَّ منهما يقال له: المسيح، وهي صفة مدح لعيسى
وصفة ذَمِّ للدَّجّال كما تقدَّم، وكأنَّ ابن عمر قد سمعَ سماعاً جَزماً في وصف عيسى أنَّه
آدم، فساغَ له الخَلِفُ على ذلك لمَا غَلَبَ على ظنّه أنَّ مَن وَصَفَه بأنَّه أحمر واهمٌ.
قوله: (بَيْنا أنا نائم أطوف بالكَعْبة)) هذا يدلُّ على أنَّ رُؤيتَه للأنبياءِ في هذه المرّة غير المرّة
التي تقدَّمت في حديث أبي هريرة (٣٤٣٧)، فإنَّ تلكَ كانت ليلة الإسراء، وإن كان قد قيل
في الإسراء: إنَّ جميعه مَنامٌّ، لكن الصَّحيح أنَّه كان في اليَقَظَة، وقيل: كان مرَّتَين أو مِراراً
كما سيأتي في مكانه، ومثله ما أخرجه أحمد (١٠٨٣٠) من وجه آخر عن أبي هريرة رَفَعَه:
((ليلة أُسْريَ بي وَضَعتُ قَدَمي حيثُ يَضَع الأنبياء أقدامهم من بيت المَقدِس، فعُرِضَ عليّ

٢٤٤
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٩ -٣٤٤١
فتح الباري بشرح البخاري
عيسى ابن مريم)) الحديث.
٤٨٧/٦
قال عياض: رُؤيا النبي ◌َّ للأنبياءِ على ما ذُكِرَ في هذه الأحاديث/ إن كان مَناماً فلا
إشكال فيه، وإن كان في اليَقِظَة ففيه إشكال. وقد تقدَّم في الحجّ (١٥٥٥).
ويأتي في اللُّباس (٥٩١٣) من رواية ابن عون عن مجاهد عن ابن عبّاس، في حديث الباب
من الزّيادة: ((وأمَّا موسى فرجل آدمُ جَعْدٌ، على جَمَل أحمرَ تَطوم بخُلْبة، كأنّ أنظُر إليه إذا
انحَدَرَ في الوادي)» وهذا مما يزيد الإشكال. وقد قيل عن ذلك أجوبة:
أحدها: أنَّ الأنبياء أفضل من الشُّهَداء، والشُّهَداء أحياء عند ربهم فكذلك الأنبياء، فلا
يَبْعُد أن يُصَلّوا ويَحُجّوا ويَتَقَرَّبوا إلى الله بما استَطاعوا، ما دامَت الدُّنيا وهي دارُ تكليف باقيةً.
ثانيها: أنَّه ◌َ له أُري حالهم التي كانوا في حياتهم عليها فمُثُّلوا له كيف كانوا، وكيف
كان حَجّهم وتَلبيتهم، ولهذا قال أيضاً في رواية أبي العالية عن ابن عبّاس عند مسلم
(١٦٦ / ٢٦٨): ((كأنّ أنظُر إلى موسى ... وكأنّي أنظُر إلى يونس ... )).
ثالثها: أن يكون أخبرَ عَّا أوحي إليه وَلّ من أمرهم وما كان منهم، فلهذا أدخَلَ حرف
التَّشبيه في الرُّواية، وحيثُ أطلقَها فهي محمولة على ذلك، والله أعلم.
وقد جَمَعَ البيهقي كتاباً لطيفاً في ((حياة الأنبياء في قُبورهم)) أورَدَ فيه (٢) حديث أنس:
((الأنبياء أحياء في قُبُورهم يُصَلّونَ)) أخرجه من طريق يحيى بن أبي بكير(١) - وهو من رجال
الصَّحيح - عن المستلم بن سعيد - وقد وثَّقه أحمد وابن حِبّان - عن الحجّاج الأسوَد - وهو
ابن أبي زياد البصري، وقد وثّقه أحمد وابن مُعین - عن ثابت عنه.
وأخرجه أيضاً أبو يَعلى في ((مُسنَده)) (٣٤٢٥) من هذا الوجه، وأخرجه البزَّار (٦٨٨٨)
لكن وقع عنده عن حَجّاجِ الصَّاف، وهو وهم، والصَّواب: الحجّاج الأسوَد، كما وَقَعَ
التَّصريح به في رواية البيهقي (١) وصَخَّحَه البيهقي(٣)، وأخرجه أيضاً من طريق الحسن
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: يحيى بن أبي كثير. والتصويب من (ع) موافقاً ما جاء في مطبوع الكتاب المذكور.
(٢) صححه البيهقي في غير كتابه المذكور، فيما نقله عنه ابن الملقن في ((البدر المنير)) ٢٨٥/٥، ووافقه عليه.

٢٤٥
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٩ -٣٤٤١
كتاب أحاديث الأنبياء
ابن قُتَية عن المستلم، وكذلك أخرجه البزَّار (٦٨٨٨) وابن عَدي (٣٢٧/٢). والحسن بن
قُتَيبة ضعيف.
وأخرجه البيهقي (٤) أيضاً من رواية محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أحد فقهاء الكوفة
عن ثابت بلفظ آخر، قال: ((إنَّ الأنبياء لا يُترَكونَ في قُبورهم بعد أربعينَ ليلة، ولكنَّهم
يُصَلّونَ بين يَدَي الله حتَّى يُنفَخ في الصّوَر)). ومحمَّد سَيِّع الحفظ.
وذكر الغَزالي ثمَّ الرّافعي حديثاً مرفوعاً: ((أنا أكرَم على ربّي من أن يتركني في قبري بعد
ثلاث ولا أُصَلّ له)) إلّا إن أُخِذَ من رواية ابن أبي ليلى هذه، وليس الأخذ بجيِّدٍ لأنَّ رواية
ابن أبي ليلى قابلة للتَّويلِ، قال البيهقي: إن صَحَّ فالمراد أنَّهم لا يُترَكونَ يُصَلّونَ إلّا هذا
المِقدار، ثمَّ يكونونَ مُصَلّينَ بین یَدَي الله.
قال البيهقي: وشاهد الحديث الأوَّل ما ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (١٦٤/٢٣٧٥) من
رواية حمّاد بن سَلَمَةَ عن ثابت(١) عن أنس رَفَعَه: «مَرَرت بموسی لیلة أُسري بي عند الکثیب
الأحمر، وهو قائم يُصَلّي في قبره))، وأخرجه أيضاً (٢٣٧٥/ ١٦٥) من وجه آخر عن أنس.
فإن قيل: هذا خاصّ بموسى، قلنا: قد وَجَدْنا له شاهداً من حديث أبي هريرة، أخرجه
مسلم أيضاً (١٧٢) من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة رَفَعَه: ((لقد
رأيتني في الحِجر وقريش تسألني عن مَسْراي)) الحديث وفيه: ((وقد رأيتُني في جماعة من
الأنبياء، فإذا موسى قائم يُصَلّي، فإذا رجل ضَرْب(٢) جَعْد كأنَّه)) وفيه: ((وإذا عيسى ابن
مريم قائم يُصَلّ، أقرب الناس به شَبَهاً عُرْوة بن مسعود، وإذا إبراهيم قائم يُصَلّي، أشبَهُ
الناس به صاحبُکم، فحانت الصلاة فأتَتُهم».
قال البيهقي: وفي حديث سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة: أنَّه لقيَهم ببيتِ المَقدِس(٣)،
(١) وقرن به سليمان التيمي.
(٢) قال ابن الأثير: الضرب: الخفيف اللحم الممشُوق المُستَّدِقُ.
(٣) كذا نقل الحافظ عن البيهقي، مع أنَّ الذي في ((دلائل النبوة)) للبيهقي ٣٨٨/٢ وكذا في جزء ((حياة
الأنبياء)) له، أنَّه قال: في حديث ابن المسيب أنه لقيهم ببيت المقدس. فلم يذكر أبا هريرة، وهذا هو =

٢٤٦
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٩ -٣٤٤١
فتح الباري بشرح البخاري
فحَضَرَت الصلاة فأمَّهم نبيِّنَا وَّةِ، ثمَّ اجْتَمَعوا في بيت المَقدِس. وفي حديث أبي ذرِّ(١)
ومالك بن صَعصَعة(٢) في قصَّة الإسراء: أنَّه لَقيَهم بالسماوات، وطرق ذلك صحيحة،
فيُحمَل على أنَّه رأى موسى قائماً يُصَلّي في قبره، ثمَّ عُرِجَ به هو ومن ذُكِرَ من الأنبياء إلى
السَّماوات، فَلَقيهم النبي ◌َّهِ، ثمَّ اجتَمَعوا في بيت المَقدِس، فحَضَرَت الصلاة، فأمَّهم
٤٨٨/٦ نبيِّنَا وٍَّ. قال: وصلاتهم في أوقات مُخْتَلِفة، وفي أماكن مُخْتَلِفة لا/ يَرُدّه العقل، وقد ثَبَتَ به
النَّقْل، فدَلَّ ذلك على حياتهم.
قلت: وإذا ثَبَتَ أنَّهم أحياء من حيثُ النَّقل، فإنَّه يُقوِّيه من حيثُ النَّظَرَ كَون الشُّهَداء
أحياء بنَصِّ القرآن، والأنبياء أفضل من الشُّهَداء.
ومن شواهد الحديث ما أخرجه أبو داود (٢٠٤٢) من حديث أبي هريرة رَفَعَه، وقال
فيه: ((وصَلُّوا عليَّ فإنَّ صلاتكم تَبلُغني حيثُ كنتُم)) سنده صحيح، وأخرجه أبو الشَّيخ في
كتاب ((الثَّواب)) بسند جيِّد (٣) بلفظ: ((مَن صَلّى عليَّ عند قبري سمعته، ومَن صَلّى عليَّ نائياً
بُلِّغْتُه)).
وعند أبي داود (١٠٤٧) والنَّسائي (١٣٧٤) وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ (١٧٣٣) وغيره عن
أوس بن أوس رَفَعَه في فضل يوم الجمعة: ((فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإنَّ صلاتكم
معروضةٌ عليَّ)) قالوا: يا رسول الله، وكيف تُعرَض صلاتُنا عليك وقد أرِمْتَ؟ قال: ((إنَّ الله
حَرَّمَ على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء))(٤).
= الصحيح، لأنَّ يونس بن بكير قد روى هذا الخبر في زياداته على ((السيرة)) لابن إسحاق (٤٦٣) من
طريق ابن المسيب مرسلاً، بذكر قصة إمامته و ال# بالأنبياء. وهو في الصحيحين من طريق ابن المسيب عن
أبي هريرة لكن دون ذكر الصلاة بالأنبياء.
(١) سلف حديثه عند البخاري برقم (٣٤٩).
(٢) سيأتي حديثه بطوله برقم (٣٨٨٧).
(٣) الحديث أخرجه أيضاً البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٥٨٣)، وفي («حياة الأنبياء)) له (١٨)، والأصبهاني
في ((الترغيب والترهيب)» (١٦٦٦)، ومداره على محمد بن مروان السُّدِّي وهو ضعيف جداً، فلا يكون
إسناده جيداً!
(٤) وهو في ((مسند أحمد)) (١٦١٦٢)، وانظر تمام تخريجه فيه.

٢٤٧
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٩ -٣٤٤١
كتاب أحاديث الأنبياء
وممّا يُشكِل على ما تقدَّم ما أخرجه أبو داود (٢٠٤١) من وجه آخر عن أبي هريرة
رَفَعَه: ((ما من أحد يُسلِّم عليَّ إلّا رَدَّ اللهُ عليَّ روحي حتَّى أَرُدَّ عليه السلامَ)) ورواته ثقات.
ووجه الإشكال فيه أنَّ ظاهره أنَّ عَوْد الرّوح إلى الجسد يقتضي انفصالها عنه، وهو الموت،
وقد أجابَ العلماء عن ذلك بأجوبةٍ:
أحدها: أنَّ المراد بقوله: ((رَدَّ الله عليَّ روحي)) أنَّ رَدَّ روحه كانت سابقة عقب دفنه، لا
أنَّهَا تُعاد ثمَّ تُنْزَع ثمّ تُعاد.
الثّاني: سَلَّمْنا، لكن ليس هو نَزْع موتٍ، بل لا مَشَقَّة فيه.
الثّالث: أنَّ المراد بالرّوحِ الملَك المؤكَّل بذلك.
الرّابع: المراد بالرّوحِ النَّطق، فتجوَّزَ فيه من جِهَة خِطابنا بما نَفْهَمه.
الخامس: أنَّه يَستَغرِق في أُمور الملأ الأعلى، فإذا سُلِّمَ عليه رَجَعَ إليه فهمُّه ليُجيبَ مَن
سَلَّمَ عليه. وقد استُشكِلَ ذلك من جِهَة أُخرى، وهو أنَّه يَستَلِزِم استغراق الزّمان كلّه في
ذلك لاتِّصال الصلاة والسَّلام عليه في أقطار الأرض ممَّن لا يُحصى كَثْرةً، وأُجيبَ بأنَّ أُمور
الآخرة لا تُدرَك بالعقلِ، وأحوال البَرزَخ أشبَهُ بأحوال الآخرة، والله أعلم.
قوله: ((سَبِطِ الشَّعر)) تقدَّم ما فيه.
قوله: ((يُهادَی)) أي: يمشي مُتَمايِلاً بينهما.
قوله: ((يَنْطِف)) بكسر الطاء المهمَلة، أي: يَقطُر، ومنه النُّطفة، كذا قال الدّاوودي، وقال
غيرُه: النُّطفة: الماء الصّافي.
وقوله: ((أو يَُراق)) هو شٌَّ من الراوي.
قوله: ((أعْوَر عينِهِ اليُمْنى)) كذا هو بالإضافة، و((عينه)) بالجرِّ للأكثر، وهو من إضافة
الموصوف إلى صِفَته، وهو جائزٌ عند الكوفيينَ، وتقديره عند البصريينَ: عين صَفْحة وجهه
اليُمنى، ورواه الأَصِيلي: ((عينُه)) بالرفع، كأنَّه وَقَفَ على وصفه أنَّه أعوَرُ، وابتَدَأ الخبر عن
صفة عينه، فقال: عينه كأنَّها كذا، وأبرزَ الضَّمير، وفيه نظر، لأنَّه يصير كأنَّه قال: عينه كأنَّ

٢٤٨
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٩-٣٤٤١
فتح الباري بشرح البخاري
عينه، ويحتمل أن يكون رُفِعَ على البدل من الضَّمير في ((أعوَر)) الرّاجِع على الموصوف، وهو
بدل بعض من كلٍّ.
وقال السُّهَيلي: لا يجوز أن يَرتَفِعِ بالصِّفة كما تَرفَع الصِّفةُ المشَبَّهَةُ باسم الفاعل، لأنَّ
أعوَر لا يكون نَعتاً إلّا لمذكَّرٍ، ويجوز أن تكون ((عينه)» مُرتَفِعةً بالابتداءِ وما بعدها الخبر،
وقوله: (كأنَّ عِنَبَةً طافيةً)) بالنَّصبِ على اسم كأنَّ، والخبر محذوف تقديره: كأنَّ في وجهه،
وشاهده قول الشّاعر(١):
إِنَّ مَحَلَّا وإنَّ مُرتَحَلاً
أي: إنَّ لنا مَحَلَّا وإنَّ لنا مُرتَحلاً.
قوله: ((كأنَّ عَيْنَه طافية)) كذا للكُشْمِيهني، ولغيره: ((كأنَّ عينه عِنَبة طافية)) وقد تقدَّم
ضبطه قبلُ.
قوله: ((وأقرَب الناس به شَبَهاً ابنُ قَطَن، قال الزُّهْري)) أي: بالإسناد المذكور ((رَجْلٌ))
أي: ابن قَطَن ((من خُزاعة هَلَكَ في الجاهلية)). قلت: اسمه عبد العُزّى بن قَطَن بن عَمْرو بن
جُندُب بن سعيد بن عائذ بن مالك بن المصطَلِقِ، وأُمّه هالة بنت خُوَيلِد. أفادَه الدِّمياطي،
قال: وقال ذلك أيضاً عن أكثم بن أبي الجَوْن، وأنَّه قال: يا رسول الله، هل يَضُرّني شَبَهُه؟
قال: «لا، أنتَ مسلم وهو كافر» حكاه عن ابن سعد.
والمعروف في الذي شَبَّهَ به وَ لَّأكثَم(٢): عَمْرُو بن ◌ُيّ جَدّ خُزاعة لا الدَّجّال، كذلك
٤٨٩/٦ أخرجه أحمد(٣) وغيره، وفيه دلالة على أنَّ قوله وَّهِ: ((إنَّ/ الدَّجّال لا يَدخُل المدينة ولا
(١) القائل هو الأعشى، انظر («ديوانه)) القصيدة رقم (٣٥)، وهذا مطلعها، وعجزه:
وإن في السَّفْر ما مضى مَهَلا
(٢) أقحم في (ع) و(س) بعد ((أكثم)) لفظة ((بن))، وهو خطأ.
(٣) الذي في «المسند» (١٤٨٠٠) من حديث جابر بن عبد الله بذکر معبد بن أکثم الکعبي، ولیس بذکر أکثم
ابن أبي الجون، فأما الرواية التي فيها ذكر تشبيه عمرو بن لحي بأكثم بن أبي الجون فأخرجها ابنُ إسحاق
كما في ((سيرة ابن هشام)) ٧٦/١، ومن طريقه البزار (٨٩٩١)، والطبري في «تفسيره)» ٨٦/٧، وغيرهما،
وأخرجه كذلك ابن حبان (٧٤٩٠) من طريق آخر.

٢٤٩
باب ٤٨ / ح ٣٤٤٢ - ٣٤٤٣
كتاب أحاديث الأنبياء
مكَّة))(١)، أي: في زمن خروجه، ولم يُرِد بذلك نفيَ دخوله في الَّمَن الماضي، والله أعلم.
٣٤٤٢- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةً بن
عبدِ الرحمن، أنَّ أبا هريرةَ﴾ قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َِّ يقول: «أنا أَوْلَى الناسِ بابنِ مريمَ،
والأنبياءُ أوْلادُ عَلَّاتٍ، ليس بيني وبينَه نبيٌّ)).
[طرفه في: ٣٤٤٣]
٣٤٤٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدَّثْنَا فُلَيحُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا هلالُ بنُ عليٍّ، عن
عبد الرحمن بنِ أبي عَمْرةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: «أنا أَوْلَى الناسِ بعيسى ابنِ
مريمَ في الدُّنْيا والآخرةِ، والأنبياءُ إِخْوَةٌ لِعَلَاتٍ، أمَّهاتُهم شَتَّى، ودِينُهم واحدٌ».
الحديث الخامس: حديث أبي هريرة في ذِكْر عيسى ابن مريم، أورَدَه من ثلاثة طرق:
طريقَين موصولَين، وطريقة مُعلَّقة.
قوله: ((أنا أولى الناس بابن مريم)) في رواية عبد الرحمن بن أبي عَمْرة عن أبي هريرة: ((بعيسى
ابن مريم في الدُّنيا والآخرة) أي: أخَصّ الناس به وأقربهم إليه، لأَنَّه بَشَّرَ بأَنَّه يأتي من بعده.
قال الكِزْماني: التَّوفيق بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ
لَلَّذِينَ أَقَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ﴾ [آل عمران: ٦٨] أنَّ الحديثَ وارد في كونه وَلَّ مَتبوعاً، والآية واردة
في كَونه تابعاً، كذا قال. ومَساق الحديث كَمَساق الآية فلا دليل على هذه التَّفْرِقة. والحقّ
أنَّه لا مُنافاة ليُحتاج إلى الجمع، فکما أنَّه أولى الناس بإبراهیم كذلك هو أولى الناس بعيسى،
ذاكَ من چِهَة قوّة الاقتداء به، وهذا من چِهَة قوّة قُرب العهد به.
قوله: ((والأنبياء أولاد عَلّات)) في رواية عبد الرحمن المذكورة: ((والأنبياء إخوة لِعَلّات))
والعَلّات بفتح المهمَلة: الضَّرائر، وأصله أنَّ مَن تزوَّجَ امرأة، ثمَّ تزوَّجَ أُخرى كأنَّه عَلَّ
منها، والعَلَل: الشُّرب بعد الشُّرب، وأولاد العَلّات: الإخوة من الأب وأُمَّهاتهم شَتَّى،
وقد بيَّنْه في رواية عبد الرحمن فقال: ((أُمَّهاتهم شَتَّى ودينهم واحد)) وهو من باب التَّفسير
(١) سلف عند المصنف برقم (١٨٨١).

٢٥٠
باب ٤٨ / ح ٣٤٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا (١) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا (٢) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾
[المعارج: ١٩ - ٢١] ومعنى الحديث: أنَّ أصل دينهم واحد، وهو التَّوحيد، وإن اختَلَفَت فُروع
الشَّرائع، وقيل: المراد أنَّ أزمِنَتَهم مُخْتَلِفة.
قوله: ((ليس بيني وبينه نبي)) هذا أورَدَه كالشّاهدِ لقوله: إنَّه أقرب الناس إليه. ووقعَ في
رواية عبد الرحمن بن آدم: ((وأنا أولى الناس بعيسى، لأنَّه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ))(١).
واستُدِلَّ به على أنَّه لم يُبعَث بعد عيسى أحد إلّا نبينا وَّه، وفيه نظر، لأنَّه وَرَدَ أنَّ
الرُّسُل الثلاثة الذينَ أُرسِلوا إلى أصحاب القرية المذكورة قِصَّتهم في سورة يس كانوا من
أتباع عيسى، وأنَّ جرجيس وخالد بن سِنان كانا نبّين وكانا بعد عيسى، والجواب أنَّ هذا
الحديث يُضَعِّف ما وَرَدَ من ذلك، فإنَّه صحيح بلا تَرَدُّد، وفي غيره مقال، أو المراد أنَّه لم
يُبعَث بعد عيسى نبي بشَريعةٍ مُستَقِلَّة، وإنَّما بُعِثَ بعده مَن بُعِثَ بتقرير شَريعة عيسى،
وقصَّة خالد بن سنان أخرجها الحاكم في ((المستدرك)) (٥٩٨/٢- ٦٠٠) من حديث ابن
عبَّاس، ولها طرق جمعتها في ترجمته في كتابي في الصّحابة(٢).
٣٤٤٤ - وقال إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن صَفْوانَ بنِ سُلَيم، عن عطاءِ بنِ
يَسارٍ، عن أبي هريرةَ﴾ قال: قال رسولُ الله آلِ﴾.
وحدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هنَّام، عن أبي هريرةً ﴾،
عن النبيِّ وَِّ قال: ((رَأَى عيسى رجلاً يَسْرِقُ، فقال له: أسَرَقْتَ؟ قال: كلَّ والله الذي لا إلهَ
إلّا الله، فقال عيسى: آمَنْتُ بالله، وكَذَّبتُ عَيْنَيَّ)).
الحديث السادس: حديث أبي هريرة: ((رأى عيسى رجلاً يَسرِق)) الحديث، أورَدَه من
طريقَين موصولة ومُعلَّقة.
قوله: ((وقال إبراهيم بن طَهْمان ... )) إلى آخره، وصلَه النَّسائي (٥٤٢٧) عن أحمد بن
(١) أخرجها أحمد (٩٢٧٠).
(٢) انظر ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣٦٩/٢ -٣٧٣.

٢٥١
باب ٤٨ / ح ٣٤٤٤
كتاب أحاديث الأنبياء
حفص بن عبد الله النَّيسابوري عن أبيه عن إبراهيم، وأحمد من شيوخ البخاري.
قوله: («كَلّ والذي لا إله إلّا الله)) في رواية الكُشّميھَني: ((إلّا هو))، وفي رواية ابن طَهْمان
عند النَّسائي (٥٤٢٧): ((فقال: لا والذي لا إله إلا هو)).
قوله: ((وكذَّبْتُ عينَيَّ)) بالتَّشديد على الَّثنية، ولبعضِهم بالإفراد، وفي رواية المُستَمْلي:
((كذَبَتْ)) بالتّخفيفِ وفتح الموحّدة، و «عيني)) بالإفرادِ في مخلّ رفع، ووقع في رواية مسلم
(١٤٩/٢٣٦٨): ((وكذَّبت نفسي))، وفي رواية ابن طَهْمان: ((وكذَّبت بَصري)).
قال ابن التِّين: قال عيسى ذلك على المبالَغة في تصديق الحالف.
وأمَّا قوله: ((وكذَّبت عيني)) فلم يُرِد حقيقة التكذيب، وإنَّما أراد كذَّبت عيني في غير
هذا. قاله ابن الجوزي، وفيه بُعد.
وقيل: إنَّه أراد بالتَّصديق والتَّكذيب ظاهر الحُكم لا باطن الأمر، وإلّا فالمشاهَدة أعلى
اليقين، فكيف يُكذِّب عينَه ويُصدِّق قول المدَّعي؟ ويحتمل أن يكون رآه مَدّ يده إلى الشيء،
فِظَنَّ أَنَّه تَناوَلَه، فلمَّا حَلَفَ له رَجَعَ عن ظنّه.
وقال القُرطُبي: ظاهر قول عيسى للرجلِ: ((سَرَقت)) أنَّه خبر جازم عمََّ فعَلَ الرجل
من السَّرقة، لكَونِه رآه أخَذَ مالاً من حِرز في خُفية. وقول الرجل: كَلّا، نفي لذلك، ثمَّ
أكَّدَه باليمين، وقول عيسى: ((آمَنت بالله وكذَّبت عينَيَّ)) أي: صَدَّقت مَن حَلَفَ بالله،
وكذَّبت ما ظَهَرَ لي من كَون الأخذ المذكور سَرِقة، فإنَّه/ يحتمل أن يكون الرجل أخَذَ ما له فيه ٤٩٠/٦
حَقّ، أو ما أَذِنَ له صاحبه في أخذه، أو أخَذَه ليقَلِبه ويَنظُر فيه، ولم يَقصِد الغَصب والاستيلاء.
قال: ويحتمل أن يكون عيسى كان غير جازم بذلك، وإنَّما أراد استفهامه بقوله: ((سَرَقت؟))
وتكون أداة الاستفهام محذوفة، وهو سائغ کثیر. انتھی.
واحتمال الاستفهام بعيد مع جَزمه بَلَه بأنَّ عيسى رأى رجلاً يَسرِق، واحتمال كَونه
يَحِلّ له الأخذ بعيد أيضاً بهذا الجزم بعينِهِ، والأوَّل مأخوذ من كلام القاضي عياض، وقد
تَعقَّبَه ابن القَيِّم في كتابه ((إغاثة اللهفان)) فقال: هذا تأويل مُتَكلَّف، والحقّ أنَّ الله كان في

٢٥٢
باب ٤٨ / ح ٣٤٤٥ -٣٤٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
قلبه أجَلّ من أن يَحِلِف به أحد كاذباً، فدارَ الأمر بين تُهمة الحالف وتُهمة بَصَرِه، فَرَدَّ التُّهمة
إلی بَصَره، کما ظنَّ آدم صِدق إبليس لمّا حَلَفَ له أنَّه له ناصح. قلت: ولیس بدونِ تأويل
القاضي في التَّكَلُّف، والتَّشبيه غير مُطابق، والله أعلم.
واستُدِلَّ به على دَرء الحَدّ بالشُّبهَة، وعلى مَنع القضاء بالعلمِ، والرّاجح عند المالكية
والحنابلة مَنعه مُطلَقاً، وعند الشّافعية جوازه إلّا في الحدود، وهذه الصّورة من ذلك،
وسيأتي بَسطه في كتاب الأحكام (٧١٧٠) إن شاء الله تعالى.
٣٤٤٥ - حدَّثْنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ يقول: أخبرني عُبِیدُ الله
ابنُ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ، سَمِعَ عمرَ ﴾ يقول على المِنْبر: سمعتُ النبيَّ ◌َ﴿ يقول: ((لا
تُطْرُوني كما أطْرَتِ النَّصارَى ابنَ مريمَ، فإنَّما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ الله ورسولُه)».
٣٤٤٦ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا صالحُ بنُ حَيٍّ: أنَّ رجلاً من أهلِ
خُرَاسانَ قال للشَّعْبِيِّ، فقال الشَّعْبيُّ: أخبرني أبو بُرْدةَ، عن أبي موسى الأشعريِّ ﴾ قال: قال
رسولُ اللهِ وَالَ: «إذا أدَّبَ الرجلُ أَمَتَه فأحسنَ تأدِيبَها، وعَلَّمَها فأحسنَ تَعْلِيمَها، ثمَّ أعتَقَها
فَزوَّجَها كان له أجْرانٍ، وإذا آمَنَ بعيسى، ثمَّ آمَنَ بِي فَلَهُ أجْرانٍ، والعبدُ إذا اتَّقَى رَبَّه، وأطاعَ
مَوَالِيَه فَلَهُ أجْرانٍ)».
٣٤٤٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن المغيرةِ بنِ النُّعْمان، عن سعيد بنِ
مُجُبَير، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: (تُحْشَرونَ حُفَاةَ عُرَاةً غُرْلاً) ثمّ
قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ﴾ (فأوَّلُ مَن يُكْسَى إِبراهيمُ،
ثُمَّ يُؤْخَذُ برجالٍ من أصحابي ذاتَ الْيَمين وذاتَ الشِّمالِ، فأقولُ: أصحابي، فيقال: إنَّهم لم
يزالُوا مُرْتَدِّينَ على أعقابِهِم منذُ فارَقْتَهم، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ عيسى ابنُ مريمَ: ﴿ مَا
قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِ بِ أَنِ أَعْبُدُواْ اللّهَ رَبٍِّ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّْتَنِى
﴿ إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ
١١٧
كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ
أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾)».

٢٥٣
باب ٤٨ / ح ٣٤٤٥ -٣٤٤٧
كتاب أحاديث الأنبياء
قال محمَّدُ بنُ يوسفَ الفِرَبْريُّ: ذُكِرَ عن أبي عبدِ الله، عن قَبِيصةَ قال: هم المرتَدُّونَ الذينَ
ارتَدُّوا على عَهْدِ أبي بكرٍ، فقاتَلَهم أبو بكرٍ ﴾.
الحديث السابع: حديث ابن عبّاس عن عمر، هو من رواية الصَّحابي عن الصَّحابي.
قوله: ((لا تُطْروني)) بضمٌّ أوَّله، والإطراء: المدح بالباطلِ، تقول: أطرَيت فلاناً: مَدَحته
فأفرطت في مَدحه.
قوله: ((كما أطْرَتِ النَّصارى ابن مريم» أي: في دَعْواهُم فيه الإلهية وغير ذلك، وهذا
الحديث طَرَف من حديث السَّقيفة، وقد ساقَه المصنّف مُطوَّلاً في كتاب المحاربين
(٦٨٣٠)، وذكر منه قطعاً مُتَفرِّقة فيما مضى (٢٤٦٢)، ويأتي التَّنبيه عليها في مكانها.
الحديث الثامن:
قوله: ((أخبَرَنا عبد الله)) هو ابن المبارك.
قوله: ((أنَّ رجلاً من أهل خُراسان قال للشَّعْبِي، فقال الشَّعْبِي)) حَذَفَ السُّؤالَ، وقد بيَّنَه
في رواية حِبّان بن موسى عن ابن المبارك فقال: إنَّ رجلاً من أهل خُراسان قال للشَّعبي:
إنّا نقول عندنا: إنَّ الرجل إذا أعتَقَ أمّ ولده ثمَّ تزوَّجَها فهو كالرّاكِبِ بَدَنَتَه، فقال الشَّعبي،
فذكره. أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عنه.
قوله: ((إذا أَذَّبَ الرجل أمَته)) يأتي الكلام عليه في النِّكاح (٥٠٨٣).
قوله: ((وإذا آمَنَ الرجل بعیسی، ثمَّ آمَنَ بي فله أجران» تقدّمت مباحث ذلك في کتاب
العلم (٩٧) مُستَوفاةً، وفيه إشارة إلى أنَّه لم يكن بين عيسى وبين نبيّنا وَ لا نبيّ، وقد تقدَّم
البحث في ذلك قريباً(١).
قوله: ((والعبد إذا اتَّقى ربّه ... )) إلى آخره، تقدَّمت الإشارة إليه في كتاب العِتق (٢٥٤٧).
الحديث التاسع: حديث ابن عبّاس: ((إنَّكم مَحشورونَ إلى الله حُفاً))، الحديث، وسيأتي
(١) عند شرح الحديث (٣٤٤٢).

٢٥٤
باب ٤٩ / ح ٣٤٤٨ -٣٤٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
البحث فيه في أواخر الرِّقاق (٦٥٢٤)، والغرض منه ذِكْر عيسى ابن مريم في قوله:
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِهِمْ﴾.
قوله: ((قال الفِرَبْري: ذُكِرَ عن أبي عبد الله)) هو البخاري ((عن قبيصة)) هو ابن عُقْبة أَحد
شيوخ البخاري، أي: إنَّه حَمَلَ قوله: ((من أصحابي)) أي: باعتبار ما كان قبل الرِّدَّة لا أنَّهم
ماتوا على ذلك، ولا شَكَّ أنَّ مَن ارتَدَّ سُلِبَ اسمَ الصُّحبة، لأنَّها نسبة شريفة إسلامية، فلا
يَستَحِقّها مَن ارتَدَّ بعد أنَّ انَّصَفَ بها، وقد أخرج الإسماعيلي الحديث المذكور عن إبراهيم
ابن موسى عن إسحاق عن قبيصة عن سفيان الثّوري به.
٤٩ - نزولُ عيسى ابن مريمَ عليهما السلام
٣٤٤٨- حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابنِ
شِهابٍ، أنَّ سعيدَ بنَ المسيّبِ، سمعَ أبا هريرةَ﴾، قال: قال رسولُ الله ◌ِوَّ: ((والذي نفسي
بَيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أن يَنزِلَ فيكمُ ابنُ مريمَ حَكَماً عَدْلاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، ويَضَعَ
الحَرْبَ، ويَفِيضَ المالُ حتَّى لا يقبلَه أحدٌ، حتَّى تكونَ السَّجْدةُ الواحدةُ خيراً مِن الدُّنْيا وما
فیھا)).
ثُمَّ يقول أبو هريرةَ: واقرَؤوا إن شئتُم: ﴿وَإِن ◌ِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّبِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ
اُلْقِيَّمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ [النساء: ١٥٩]
٣٤٤٩- حدَّثنا ابنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن نافعٍ مولى أبي
قَتَادَةَ الأنصاريِّ، أنَّ أبا هريرةَ قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: «كيفَ أنتم إذا نزلَ ابنُ مريمَ فيكم
وإمامُکم مِنْکم).
تابَعَه عُقَيِلٌ والأوزاعيّ.
٤٩١/٦
قوله: ((نزول عيسى ابن مريم)) يعني في آخر الزَّمان، كذا لأبي ذرِّ بغير ((باب))، وأثبَتَه
غيره. وذكر فيه المصنف حديثين عن أبي هريرة:
أحدهما: حديث: ((والذي نفسي بيده لَيُوشِكَن أن یَنزِل فيكم ابن مريم)) الحديث.

٢٥٥
باب ٤٩ / ح ٣٤٤٨ - ٣٤٤٩
كتاب أحاديث الأنبياء
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وإنَّما جَزَمتُ بذلك مع
تجويز أبي عليٍّ الجَيّاني أنَّ يكون هو أو إسحاق بن منصور، لتَعبيره بقوله: أخبرنا يعقوب
ابن إبراهيم، لأنَّ هذه العِبارةِ يَعتَمِدها إسحاق بن راهويه كما عُرِفَ بالاستقراءِ من عادَته
أنَّه لا يقول إلّا: أخبرنا، ولا يقول: حدَّثنا، وقد أخرج أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) هذا الحديث
من مُسنَد إسحاق بن راهويه، وقال: أخرجه البخاري عن إسحاق.
قوله: ((أخبَرَنا يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا أبي)) هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد
الرحمن بن عَوف.
قوله: ((والذي نفسي بيده)) فيه الخَلِف في الخبر مُبالَغة في تأكيده.
قوله: (لَيُوشِكَن)) بكسر المعجَمة، أي: لَيَقْرُبَنّ، أي: لا بدَّ من ذلك سريعاً.
قوله: ((أن يَنزِل فيكم)) أي: في هذه الأُمَّة، فإنَّه خِطاب لبعضِ الأُمَّة ممن لا يُدرِك نزولَه.
قوله: ((حَكما) أي: حاكماً، والمعنى أنَّه يَنزِل حاكماً بهذه الشَّريعة، فإنَّ هذه الشَّريعة باقية
لا تُنسخ، بل یکون عیسی حاکماً من حُگّام هذه الأُمّة. وفي رواية اللَیٹ عن ابن شِهاب
عند مسلم (١) (٢٤٢/١٥٥): ((حَكماً مُقْسِطاً))، وله (٢٤٢/١٥٥) من طريق ابن عُيَينةً عن
ابن شِهاب: ((إماماً مُقسِطاً))(٢). والمقسِط: العادِل، بخلاف القاسط: فهو الجائر.
ولأحمد (٩١٢١) من وجه آخر عن أبي هريرة: أَقرِتُوه من رسول الله وَِّ السَّلام، وعند
أحمد (٢٤٤٦٧) من حديث عائشة: «ويَمكُّث عيسى في الأرض أربعينَ سنة))(٣)، وللطَّبَراني(٤)
من حديث عبد الله بن مُغَفَّل: ((يَنزِل عيسى ابن مريم مُصَدِّقاً لمحمدٍ على مِلَّته)).
قوله: ((فِيَكْسِرِ الصَّليب، ويَقْتُل الخِنْزِير)) أي: يُبطِل دين النَّصرانية، بأن يَكسِرِ الصَّليب
حقيقة، ويُبطِلِ ما تَزْعُمه النَّصارى من تعظيمه.
(١) فاتَ الحافظ رحمه الله أن يعزوه للبخاري، فهو فيه بهذا الإسناد وبهذا اللفظ برقم (٢٢٢٢).
(٢) قال في روايته: ((إماماً مقسطاً وحكماً عادلاً، فجمع بينهما.
(٣) وروي في مكثه أربعين سنة أيضاً في حديث أبي هريرة عند أحمد (٩٢٧٠)، وأبي داود (٤٣٢٤).
(٤) في ((الأوسط)) (٤٥٨٠). وروي أيضاً من حديث سمرة بن جندب عند أحمد برقم (٢٠١٥١).

٢٥٦
باب ٤٩ / ح ٣٤٤٨-٣٤٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
ويُستَفاد منه تحريم اقتِناء الخنزير، وتحريم أكله، وأنَّه نَجِس، لأنَّ الشيء المنتَفَع به لا
يُشرَع إتلافه، وقد تقدَّم ذِكْر شيء من ذلك في أواخر البيوع (٢٢٢٢). ووقعَ للطََّراني في
((الأوسط))(١) (١٣٤٢) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة: ((فيكسِرِ الصَّليب ويَقتُّل الخنزير
والقِرد)) زاد فيه: القِرد، وإسناده لا بأس به، وعلى هذا فلا يَصِحّ الاستدلال به على نجاسة
عين الخنزير، لأنَّ الِرد ليس بنَجِسِ العين اتّفاقاً، ويُستَفاد منه أيضاً تغيير المنكرات وكسر
آلةِ الباطل. ووَقَعَ في رواية عطاء بن ميناء عن أبي هريرة عند مسلم (٢٤٣/١٥٥): ((ولَتَذْهَبَن
الشَّحناءُ والتَّبَاغُض والتَّحاسُد».
قوله: ((ويَضَع الحرب)) في رواية الكُشْمِيهني: ((الجِزية))، والمعنى: أنَّ الدّين يصير واحداً،
فلا يبقى أحد من أهل الذِّمَّة يُؤَدّي الجِزية، وقيل: معناه أنَّ المال يَكثُر حتَّى لا يبقى مَن
يُمكِن صَرفُ مالِ الجِزية له، فتُترَك الجِزية استغناءً عنها.
وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد بوضع الجِزية تقريرها على الكفّار من غير مُحاباة،
٤٩٢/٦ ويكون كَثْرة المال بسَبَبِ ذلك. وتَعقَّبَه/ النَّوَوي وقال: الصَّواب أنَّ عيسى لا يقبل إلا
الإسلام. قلت: ويُؤيِّده أنَّ عند أحمد (٩١٢١) من وجه آخر عن أبي هريرة: ((وتكون الدَّعوی
واحدة))(٢) قال النَّوَوي: ومعنى وضع عيسى الجِزية مع أنَّها مشروعة في هذه الشَّريعة أنَّ
مشروعيتها مُقيَّدة بنزولِ عيسى لِمَا دَلَّ عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحُكمِ الجِزية
بل نبيِّنَا وَّ هو المبيِّن للنَّسخِ بقوله هذا.
قال ابن بَطّال: وإنَّما قَبِلناها قبل نزول عيسى للحاجة إلى المال بخلاف زمن عيسى فإنَّه
لا يُحتاج فيه إلى المال، فإنَّ المال في زَمَنه یَكثُر حتَّى لا يقبله أحد.
ويحتمل أن يقال: إنَّ مشروعية قَبُولها من اليهود والنَّصارى لِمَا في أيديهم من شُبهَة
(١) وهو أيضاً عند البزار كما في ((الأحكام الكبرى)) لعبد الحق الإشبيلي ٤ /٥٨١، وعند أبي بكر الشافعي في
((الغيلانيات)» (٨٢٤) من طرق عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. لكنه عند أبي بكر
الشافعي غیر مرفوع إلى النبي ێژ، ومداره على عاصم بن بهدلة قد تفرد به.
(٢) وعند البزار أيضاً في من وجه آخر (٨٥٣٠)، بلفظ: ((وتصير القبلةُ واحدة)).

٢٥٧
باب ٤٩ / ح ٣٤٤٨ -٣٤٤٩
كتاب أحاديث الأنبياء
الكتاب، وتعلَّقهم بشرع قديم بزَعمِهم، فإذا نزلَ عيسى عليه السلام زالَت الشُّبهَة
بحصولِ مُعاينَتَه فيصيرونَ كَعَبَدة الأوثان في انقطاع حُجَّتهم وانكِشاف أمرهم، فناسَبَ
أن يُعامَلوا مُعامَلَتَهم في عَدَم قَبُول الجِزية منهم. هكذا ذكره بعض مشايخنا احتمالاً، والله
أعلم.
قوله: ((ويَفيض المال)) بفتح أوَّله وكسر الفاء وبالضّادِ المعجَمة، أي: يَكثُر، وفي رواية
عطاء بن مِيناء المذكورة: ((وَلَيَدعُوَنّ إلى المال فلا يقبله أحد)) وسَبَب كَثرته نزول البَرَكات
وتَوالي الخيرات بسَبَبِ العَدل وعَدَم الظُلم، وحينئذٍ تُخرِج الأرض كُنوزها وتَقِلّ الرَّغَبات
في اقتناء المال لعِلمِهم بقُربِ الساعة.
قوله: ((حتَّى تكون السَّجْدة الواحدة خيراً(١) من الدُّنْيا وما فيها)) أي: أنَّهم حينئذٍ لا
يَتَقَرَّبونَ إلى الله إلّا بالعبادة، لا بالتَّصَدُّقِ بالمال، وقيل: معناه أنَّ الناس يَرغَبونَ عن الدُّنيا
حتَّى تكون السَّجدة الواحدة أحَبّ إليهم من الدُّنيا وما فيها. وقد روى ابن مَرْدويه من
طريق محمَّد بن أبي حفصة عن الزُّهْري بهذا الإسناد في هذا الحديث: ((حتَّى تكون السَّجدة
واحدةً لله ربّ العالمينَ))(٢).
قوله: ((ثُمَّ يقول أبو هريرة: واقرَؤوا إن شئتُم ﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ
مَوْتِهِ،﴾ الآية)) هو موصول بالإسناد المذكور، قال ابن الجوزي: إنَّما تَلا أبو هريرة هذه
الآية للإشارة إلى مُناسَبتها لقوله: ((حتَّى تكون السَّجدة الواحدة خيراً من الدُّنيا وما فيها))
فإنَّه يشير بذلك إلى صلاح الناس وشِدَّة إيمانهم وإقبالهم على الخير، فهم لذلك يُؤْثِرونَ
الرَّكعة الواحدة على جميع الذُّنيا. والسَّجدة تُطلَق ويُراد بها الرَّكعة.
قال القُرطُبي: معنى الحديث أنَّ الصلاة حينئذٍ تكون أفضلَ من الصَّدَقة، لكَثْرة المال
(١) جاء في اليونينية والأصلين عندنا: ((خير)) بالرفع، وهو كذلك في رواية غير أبي ذر والأصيلي، حيث جاء في
روايتهما بالنصب على الجادّة كما أثبتناه، وهو كذلك في (س)، والرفع موجه على أنَّ اسم ((كان) هو ضمير
الشأن المضمر، ويكون ما بعدها مرفوعاً بالابتداء والخبر. انظر ((المقتضب)) للمبرد ٩٩/٤- ١٠٠.
(٢) وهو أيضاً بهذا اللفظ عند أبي بكر الشافعي في ((الغيلانيات)) (٨٢٤)، والطبراني في ((الأوسط)) (١٣٤٢).

٢٥٨
باب ٤٩ / ح ٣٤٤٨ -٣٤٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
إذ ذاكَ وعَدَم الانتفاع به حتَّى لا يقبله أحد. وقوله في الآية: ﴿ وَإِن﴾ بمعنى ما، أي: لا
يبقى أحد من أهل الكتاب وهم اليهود والنَّصارى إذا نزلَ عيسى إلّا آمَنَ به، وهذا مَصير
من أبي هريرة إلى أنَّ الضَّمير في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ وكذلك في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ،﴾
يعود على عيسى، أي: إلّا لَيُؤْمِنَنّ بعيسى قبل موت عيسى، وبهذا جَزَمَ ابن عبّاس فيما رواه
ابن جَرِیر (١٨/٦) من طريق سعيد بن جُبَير عنه، بإسنادٍ صحيح، ومن طريق أبي رَجَاء
عن الحسن قال: قبل موت عيسى، والله إنَّه الآن لخَيّ ولكن إذا نزلَ آمَنوا به أجمَعونَ.
ونَقَلَه عن أكثر أهل العلم ورَجَّحَه ابن جَرِیر وغيره.
ونَقَلَ أهل التَّفسير في ذلك أقوالاً أُخَر، وأنَّ الضَّمير في قوله: ((به)) يعود لله أو لمحمّد،
وفي ((موته)) يعود على الكتابي على القولَينِ، وقيل: على عيسى.
وروى ابن جَرِير من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس: لا يموت يهودي ولا نصراني حتَّى
يُؤمِن بعيسى، فقال له عِكْرمة: أرأيت إن خَرَّ من بيت، أو احتَرَقَ أو أكَلَه السَّبُع؟ قال: لا
يموت حتَّى يُحُرِّكُ شَفَتَيَه بالإيمان بعيسى، وفي إسناده خُصَيفٌ، وفيه ضعف(١).
ورَجَّحَ جماعةٌ هذا المذهب بقراءة أبيّ بن كعب: ((إلّا لَيُؤْمِنَنّ به قبل موتهم)) أي: أهل
الکتاب.
قال النَّوَوي: معنى الآية على هذا: ليس من أهل الكتاب أحد تَحَضُرِه الموت إلّا آمَنَ
عند المعاينة قبل خروج روحه بعيسى، وأنَّه عبد الله وابن أمته، ولكن لا يَنفَعه هذا الإیمان
في تلكَ الحالة كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَّى إِذَا
٤٩٣/٦ حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِ تُبْتُ أَلْتَنَ﴾ [النساء: ١٨] قال: وهذا المذهب أظهَر،/ لأنَّ
الأوَّل یخُصّ الكتابي الذي يُدرِك نزول عيسى، وظاهر القرآن عمومه في کلّ کتابي في زمن
نزول عیسی وقبله.
(١) إنما أخرج الطبري في ((تفسيره)) ٢١/٦ نحو هذا اللفظ الذي ساقه الحافظ بتمامه، لكن من طريق السُّدِّي
عن ابن عباس، وليس فيه خصيف، ولا عكرمة، ومنشأ هذا الوهم أنَّ الطبري أخرج بعض هذا ٦/ ٢٠
لکن عن خصیف عن عكرمة، دون ذکر ابن عباس.

٢٥٩
باب ٤٩ / ح ٣٤٤٨ -٣٤٤٩
كتاب أحاديث الأنبياء
قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء الردّ على اليهود في زَعمهم
أنَّهم قَتَلُوه، فبيّن الله تعالى كذِبهم وأنَّه الذي يَقتُلهم، أو نزوله لدُنِّ أجَله ليُدفَن في الأرض،
إذ ليس لمخلوقٍ من التُراب أن يموت في غيرها. وقيل: إنَّه دَعَا الله لمَّا رأى صفة محمَّد
وأُمَّته أن يجعله منهم، فاستَجابَ الله دعاءَه وأبقاه حتَّى يَنزِل في آخر الزّمان مُجَدِّداً لأمر
الإسلام، فيوافق خروجَ الدَّجّال، فيقتُله. والأوَّل أو جَه.
وروى مسلم (٢٩٤٠) من حديث ابن عمرو في مُدَّة إقامة عيسى بالأرضِ بعد نزوله
أنَّهَا سبعُ سنين، وروى نُعَيم بن حَمَّد في ((كتاب الفتن)) من حديث ابن عبّاس(١): أنَّ عيسى
إذ ذاكَ يَتزوَّج في الأرض ويُقيم بها تسعَ عشرةَ سنة. وبإسناد فيه مُبهَم (١٦٢٢) عن أبي
هريرة: يُقيم بها أربعينَ سنة، وروى أحمد (٩٢٧٠) وأبو داود (٤٣٢٤) بإسناد صحيح من
طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة مِثله مرفوعاً (٢). وفي هذا الحديث: ((يَنزِل عيسى
عليه ثوبان مُمَصَّران فيَدُقّ الصَّليب، ويَقتُل الخنزير، ويَضَع الجِزية، ويَدعُو الناس إلى
الإسلام، ويُهلِكُ اللهُ في زمانه الِلَل كلَّها إلّ الإسلام، وتَفَع الأمَنة في الأرض حتَّى تَرتَع
الأُسود مع الإبل وتَلعَب الصِّبيان بالحيّات - وقال في آخره -: ثمَّ يُتَوقّى ويُصَلّي عليه
المسلمونَ». وروى أحمد (٧٢٧٣) ومسلم (١٢٥٢) من طريق حَنظَلة بن عليّ الأسلمي عن
أبي هريرة: (لَيُهِلَّن ابن مريم بفَجِّ الرَّوحاء بالحجِّ والعمرة))(٣) الحديث، وفي رواية لأحمد
(٧٩٠٣) من هذا الوجه: ((يَنزِل عيسى فيَقتُل الخنزير، ويَمحَى الصَّليبَ، وتُجمَع له
الصلاة، ويُعطي المالَ حتَّى لا يُقْبَل، ويَضَعِ الْخَرَاجِ، ويَنزِل الزَّوحاء، فيَحُجّ منها أو يَعتَمِر
أو يجمعهما)) وَلَا أبو هريرة ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ الآية، قال حَنظَلة: قال
أبو هريرة: يُؤمِن به قبل موت عیسی.
(١) الذي في ((الفتن)) لنعيم (١٦١٦) عن يحيى بن سعيد العطار، عن سليمان بن عيسى قال: بلغني. ليس فيه
ذکر ابن عباس.
(٢) وثبت ذلك أيضاً عن عائشة عند أحمد (٢٤٤٦٧).
(٣) كذا ساق الحافظ الرواية، وإنما الرواية: ((حاجاً أو معتمراً أو ليُثنينهما)).

٢٦٠
باب ٤٩ / ح ٣٤٤٨ -٣٤٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقد اختُلِفَ في موت عيسى عليه السلام قبل رفعه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنّ
مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] فقيل: على ظاهره، وعلى هذا فإذا نزلَ إلى الأرض
ومَضَت المدَّة المقدَّرة له يموت ثانياً. وقيل: معنى قوله: ﴿مُتَوَفِيكَ﴾ من الأرض، فعلى
هذا لا يموت إلّا في آخر الزمان (١). واختُلِفَ في عُمُرُه حين رُفِعَ فقيل: ابن ثلاث وثلاثينَ،
وقيل: مئة وعشرينَ.
الحديث العاشر: قوله: ((عن نافع مَوْلى أبي قَتَادةَ الأنصاري» هو أبو محمَّد بن عبّاس
الأقرَع، قال ابن حِبّان: هو مولى امرأة من غِفار، وقيل له: مولى أبي قَتَادة، لملازمَتِهِ له(٢).
قلت: وليس له عن أبي هريرة في ((الصَّحیح)) سوى هذا الحديث الواحد.
قوله: «کیف أنتم إذا نزلَ ابن مريم فيكم وإمامكم مِنْكم، سقط قوله: ((فیکم» من رواية
أبي ذرِّ(٣).
قوله: ((تابَعَه عُقَيل والأوزاعي)) يعني: تابعا يونس عن ابن شهاب في هذا الحديث، فأمَّا
مُتَابَعة عُقَيل فَوَصَلها ابن مَندَهْ في ((كتاب الإيمان)) (٤١٦) من طريق اللَّيث عنه، ولفظه
مِثل سياق أبي ذرِّ(٤) سواء، وأمَّا مُتَابَعة الأوزاعي فوَصَلها ابن مَندَهْ أيضاً (٤١٣) وابن
(١) وهو الصحيح المتعين، قال الإمام الطبري: وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك:
إني قابضك من الأرض ورافعك، لتواتر الأخبار عن رسول الله ﴾ ﴾ أنه قال: «ينزل عيسى ابن مريم،
فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدةً)) - ذكرها، اختلفت الرواية في مبلغها - ((ثم يموت فيصلي
عليه المسلمون ويدفنونه)، ثم قال: ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله عز وجل، لم يكن بالذي يُميته ميتةً
أخرى، فيجمع عليه ميتين، لأنَّ الله عز وجل إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يُميتهم ثم يُحييهم، كما قال
جل ثناؤه: ﴿اللّهُ الَّذِ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآَيِكُمْ مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ
شَىْءٍ﴾ فتأويل الآية إذاً: قال الله لعيسى: يا عيسى، إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ، ومطهّرك من
الذين كفروا فجحدوا نبوّتك.
(٢) الذي في ((الثقات)) لابن حبان ٤٦٨/٥: مولى عقيلة بنت طلق الغفارية، وهو الذي يقال له: نافع بن أبي
نافع مولى أبي قتادة، نُسب إليه ولم یکن مولاه.
(٣) كذا قال الحافظ رحمه الله وتبعه العيني، مع أنه ليس في اليونينية أية إشارة إلى سقوط هذا الحرف عند أحدٍ
من رواة الصحيح، فالله أعلم.
(٤) يعني أبا ذر الهروي.