النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
باب ٤٧ / ح ٣٤٣٥
كتاب أحاديث الأنبياء
٤٧ - باب قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾
إلى: ﴿وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]
قال أبو عُبيدٍ: كَلِمتُهُ: كُنْ فكانَ.
وقال غيرُهُ: ﴿وَرُوٌ مِّنْهُ﴾: أَحْياهُ فَجَعَلَه رُوحاً ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَتَهُ﴾
٣٤٣٥- حدَّثْنَا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ، حدَّثنا الوليدُ، عن الأوزاعيِّ، قال: حدَّثني عُمَيرُ بنُ
هاني، قال: حدَّثني ◌ُنَادَةُ بنُ أبي أُميَّةَ، عن عُبَادَةَ ﴾، عن النبيِّ وََّ، قال: ((مَن شَهِدَ أن لا إلهَ
إلّ الله وحدَه لا شَرِيكَ له، وأنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُهُ، وَكَلِمتُهُ أَلقاها
إلى مريمَ ورُوحٌ منه، والجنَّةُ حَقٌّ، والنارُ حَقٍّ، أدخَلَه الله الجنَّةَ على ما كان مِن العملِ)).
قال الوليدُ: وحدَّثني ابنُ جابٍ، عن عُمَيرٍ، عن جُنَادَةَ وزادَ: ((مِن أبوابِ الجَنَّةِ الثَّانِيةِ أيّها
شاء)).
قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ﴾ إِلى ﴿وَكِيلًا﴾»
قال عياض: وَقَعَ في رواية الأَصِيلي: ﴿قُلْ يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ﴾، ولغيره بحذفِ ((قُل)) وهو
الصَّواب. قلت: هذا هو الصَّواب في هذه الآية التي هي من سورة النِّساء، لكن قد ثَبَتَ
(قُل)) في الآية الأُخرى في سورة المائدة ﴿قُلْ يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ غَيْرَ
اُلْحَقِّ﴾ الآية [المائدة: ٧٧]، ولكنّ مُرادَ المصنّف آية سورة النِّساء، بدليلِ إيراده لتفسير
بعض ما وَقَعَ فيها، فالاعتراض مُتَّجِه.
قوله: ((قال أبو عُبيد: كَلِمتُهُ: كُنْ فكان)) هكذا في جميع الأُصول، والمراد به أبو عُبيد
القاسم بن سَلّام، ووَقَعَ نَظِيره في كلام أبي عبيدة مَعمَر بن المثنَّى، وفي ((تفسير عبد الرَّزّاق))
(١/ ١٧٧) عن مَعمَر عن قَتَادة مِثلُه.
قوله: ((وقال غيره: ﴿وَرُوٌ مِّنْهُ﴾: أحياه فجعله روحاً» هو قول أبي عبيدة، قال في قوله
تعالى: ﴿وَكَلِمَنُّهُ: أَلْقَبِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ قوله: كُن فكان، ﴿وَرُوعُ مِنْهُ﴾: الله تَبَارَكَ وتعالى
أحياه فجعله روحاً، ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَهُ﴾: أي: لا تقولوا: هم ثلاثة.

٢٢٢
باب ٤٧ / ح ٣٤٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَثَةُ﴾ هو بقيَّة الآية التي فَسَّرَها أبو عُبيدة.
قوله: ((عن الأوزاعي)) في رواية الإسماعيلي من طريق عليّ بن المَدِيني عن الوليد: حدَّثنا
الأوزاعي.
قوله: ((عن عُبَادةَ)) هو ابن الصّامت، في رواية ابن المَدِيني المذكورة: حدَّثني عُبَادة، وفي
رواية مسلم (٤٦/٢٨) عن جُنَادة: حدَّثنا عُبَادةُ بن الصّامت.
قوله: ((وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه)) زاد ابن/ المَدِيني في روايته: ((وابن أمَته)). قال
٤٧٥/٦
القُرطُبي: مقصود هذا الحديث التَّنبيه على ما وَقَعَ للنَّصارى من الضَّلال في عيسى وأُمّه،
ويُستَفاد منه ما يُلقَّنه النَّصراني إذا أسلَمَ.
قال النَّوَوي: هذا حديث عظيم الموقع، وهو من أجَمَع الأحاديث المشتَمِلة على العقائد،
فإِنَّه جمع فيه ما يَخْرُج عنه جميع مِلَل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم.
وقال غيره: في ذِكْر عيسى تعريضٌ بالنَّصارى وإيذانٌ بأنَّ إيمانهم مع قولهم بالتَّليثِ
شِركٌ مَحَضٌّ، وكذا قوله: ((عَبْده))، وفي ذِكْر ((رسوله)) تعريض باليهودِ في إنكارهم رسالتَه
وقَذْفِه بما هو مُنَّه عنه وكذا أُمّه، وفي قوله: ((وابن أَمَته)) تشريف له، وكذا تسميته بالرُّوحِ
ووَصْفه بأنَّه ((منه)) كقوله تعالى: ﴿وَسَخََّ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:
١٣] فالمعنى: أنَّه كائن منه، كما أنَّ معنى الآية الأُخرى: أنَّه سَخَّرَ هذه الأشياء كائنةً منه،
أي: أنَّه مُكوِّن كلّ ذلك ومُوجِده بقُدرَتِه وحِكمته.
وقوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ إشارة إلى أنَّه حُجَّة الله على عباده أبدَعَه من غير أب، وأنطَقَه
في غير أوانه، وأحيا الموتى على يده، وقيل: سُمّي كلمة الله لأنَّه أوجَدَه بقوله: كُن، فلمَّا
كان بكلامه سُمّي به، كما يقال: سيف الله، وأسَد الله، وقيل: لمَا قال في صِغَرِه: إنّي
عبدُ الله.
وأمَّا تسميته بالرُّوح فلمَا كان أقدَرَه عليه من إحياء الموتى، وقيل: لكونه ذا روح وُجِدَ
من غير جُزء من ذي روح.

٢٢٣
باب ٤٧ / ح ٣٤٣٥
كتاب أحاديث الأنبياء
وقوله: ((أدخَلَه الله الجنَّة من أيِّ أبواب الجنَّة شاءَ))(١) يقتضي دخوله الجنَّة وتخييره في
الدُّخول من أبوابها، وهو بخلاف ظاهر حديث أبي هريرة الماضي في بدء الخلق(٢) فإنّه يقتضي
أنَّ لكلِّ داخلِ الجنَّة باباً مُعيَّناً يَدخُل منه، قال: ويُجمَع بينهما بأنَّه في الأصل ◌ُيَّر، لكنَّه
يَرى أنَّ الذي يَخْتَصّ به أفضلُ في حقّه، فيختاره فيَدخُله مُختاراً لا مجبوراً ولا ممنوعاً من
الدُّخول من غيره.
قلت: ويحتمل أن يكون فاعل ((شاءً)): هو الله، والمعنى: أنَّ الله يُوفِّقه لعملٍ يُدخِله
برحمة الله من الباب المعَدِّ لعاملٍ ذلك العمل.
قوله: «قال الوليد» هو ابن مسلم، وهو موصول بالإسناد المذكور، وقد أخرجه مسلم
(٢٨) عن داود بن رُشَيد عن الوليد بن مسلم عن ابن جابر وحدَه به، ولم يَذكُر الأوزاعي،
وأخرجه من وجه آخر عن الأوزاعي.
قوله: ((عن جُنَادةَ، وزادَ)) أي: عن جُنَادة عن عُبادة بالحديث المذکور وزاد في آخره،
وكذا أخرجه مسلم (٢٨/ ٤٦) بالزيادة، ولفظه: ((أدخَلَه الله من أيّ أبواب الجنَّة الثّانية شاءً)»،
وقد تقدَّمت الإشارة إليه في صفة الجنَّة من بَدْء الخلق (٣٢٥٧)، وقد تقدَّم الكلام على ما
يَتعلَّق بدخولٍ جميع الموحّدينَ الجنَّةَ في كتاب الإيمان (٢٢) بما أغنى عن إعادته.
ومعنى قوله: ((على ما كان من العمل)) أي: من صلاح أو فساد، لكنّ أهل التَّوحيد لا
بُدَّلهم من دخول الجنَّة، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((على ما كان من العمل)) أي: يَدخُل
أهلُ الجنَّة الجنَّةَ على حَسَب أعمال كلٌّ منهم في الدَّرَجات.
تنبيه: وَقَعَ في رواية الأوزاعي وحده: فقال في آخره: ((أدخَلَه الله الجنَّة على ما كان عليه
من العمل)) بدل قوله في رواية ابن جابر: ((من أبواب الجنَّة الثّانية أيّها شاءً))، وبيَّنه مسلم
(٤٦/٢٨) في روايته، وأخرج مسلم (٢٩) من هذا الحديث قِطعةً من طريق الصُّنابِحي عن
(١) هذا معنى رواية ابن جابر التي علَّقها البخاري بإثر رواية الأوزاعي.
(٢) بل في كتاب الصوم برقم (١٨٩٧).

٢٢٤
باب ٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
عُبَادة: ((مَن شَهِدَ أن لا إله إلّا الله وأنَّ محمَّداً رسول الله، حَرَّمَ الله عليه النار))، وهو يُؤيِّد ما
سيأتي ذِكْره في الرِّقاق في شرح حديث أبي ذرِّ (٦٤٤٣ و٦٤٤٤) أنَّ بعض الرُّواة يَخْتَصِر الحديث،
وأنَّ المتعيِّن على مَن يتكلّم على الأحاديث أن يجمع طرقها ثمَّ يجمع ألفاظ المتون إذا صَحَّت
الطُّرق ويشرحها على أنَّه حديث واحد، فإنَّ الحديث أولى ما فُسِّرَ بالحديث.
قال البَيْضاوي: في قوله: ((على ما كان عليه من العمل)) دليل على المعتزلة من وجهَين:
٤٧٦/٦ دَعْواهم أنَّ العاصي يُخُلَّد/ في النار، وأنَّ مَن لم يَتُبْ يجب دخولُه في النار، لأنَّ قوله: ((على ما
كان من العمل)) حالٌ من قوله: ((أدخَلَه الله الجنَّة)) والعمل حينئذٍ غير حاصل، ولا يُتُصوَّر ذلك
في حَقِّ مَن ماتَ قبل الثَّوبة إلّا إذا أُدخِلَ الجنَّة قبل العُقوبة. وأمَّا ما ثَبَتَ من لازم أحاديث
الشَّفاعة أنَّ بعض العُصاة يُعذَّب ثمَّ يَخْرُج، فيُخَصّ به هذا العموم، وإلّا فالجميع تحت الرَّجاء،
كما أنَّهم تحت الخوف، وهذا معنى قول أهل السُّنَّة: إنَّهم في خَطَرِ المَشِيئة.
٤٨- باب قول الله:
﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِأَنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ [مريم: ١٦]
نَبَذْناه: أُلقَيْناه.
اعْتَزَلَت شَرْقِيّاً: ممّا يَلِي الشَّرْقَ.
فَأَجَاءَهَا﴾ [مريم: ٢٣]: أفعلْتُ من جِئْتُ، ويقال: الْجَأَها، اضْطَرَّها.
((تسَّاقَطْ)): تَسْقُطْ.
﴿قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢]: قاصياً.
﴿فَرِيًّا﴾ [ مريم:٢٧]: عظيماً.
قال ابنُ عبَّاسٍ: ((نِسْياً): لم أُكُن شيئاً. وقال غيرُه: النِّيُّ: الحقير.
وقال أبو وائلٍ: عَلِمَت مريمُ أنَّ التَّقْيَّ ذو نُهْيَةٍ حينَ قالت: ﴿إِن كُنتَ تَّقِيًّا﴾ [مريم: ١٨].
وقال وَكِيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿سَرِبًا﴾ [مريم: ٢٤]: نَهْرٌ صغيرٌ،
بالسُّرْيانيَّة.

٢٢٥
باب ٤٨
كتاب أحاديث الأنبياء
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ أَنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ الآية)) هذا
الباب معقود لأخبار عيسى عليه السلام، والأبواب التي قبله لأخبار أمّه مريم، وقد روى
الطَّبَري (٥٩/١٦) من طريق السُّدّي قال: أصاب مريمَ حيضٌ، فخَرَجَت من المسجد، فأقامَت
شَرقيَّ المحراب.
قوله: («نَبَذْناه: القَيْناه) وَصَلَه الطَّبَري من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله
تعالى: ﴿فَبَذْنَهُ﴾ قال: ألقَيناه. وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿إِذٍ أَنتَبَذَتْ﴾، أي: اعتَزَلَت
وتَنَخَّت.
قوله: ((اعْتَزَلَت شَرْقَيّاً: ممَّ يَليِ الشَّرْقَ)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿مَكَنَا شَرْقِيًّا﴾: (مَا يَلي
الشَرق، وهو عند العرب خير من الغَربيِّ الذي يَلي الغربَ.
قوله: ((﴿ فَأَجَاءَهَا﴾: أفَعَلْتُ من جِئْتُ، ويقال: ألْجَأَها اضْطَرَّها)) قال أبو عُبيدة في
قوله: ﴿ فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ﴾: مَجَازُه: أفعَلَها مِن جاءت، وأجاءها غيرُها إليه، يعني فهو من
مزید جاء، قال زُهیر:
وجارٍ سارَ(١) مُعتَمِداً إليكم أَجاءَتْه المخافةُ والرَّجـاءُ
والمعنى: أْجَأَته. وقال الزَّغَشَري: إنَّ أجاءَ منقول من جاءَ، إلّا أنَّ استعماله تَغيَّرَ بعد النَّقْل
إلى معنى الإجاء.
قوله: ((تَسَّاقَطْ: تَسْقُطْ)) هو قول أبي عُبيدة، وضُبِطَ تُسقِط بضمٍّ أوَّله من الرُّباعي(٢)،
والفاعل النَّخلةُ عند مَن قرأها بالمثنّة، أو الجِذعُ عند مَن قرأها بالتَّحتانية.
قوله: ((﴿قَصِيًّا﴾: قاصياً) هو تفسير مجاهد، أخرجه الطََّري (١٦/ ٦٣) عنه، وقال أبو
(١) تحرفت في الأصلین إلى: وجا وسار، وفي (س) إلى: وجاء وسار.
(٢) هذا معنى كلام أبي عبيدة في ((مجاز القرآن)) ٢/ ٥- ٦، حيث جعل صيغة ((تسَّاقط)) التي تفيد اللزوم في
موضع صيغة ((تُسقِط)) التي تفيد التعدية، واستشهد لجواز ذلك بشواهد من الشعر. والمثبت من أصل
الصحيح من اليونينية، ووجهُه بقاء الفعل ((تسّاقط)) على أصله في اللزوم، والله أعلم.

٢٢٦
باب ٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
عُبيدة في قوله: ﴿ مَكَانَا قَصِيًّا﴾، أي: بعيداً.
قوله: ((﴿فَرِيًّا﴾: عَظيماً)) هو تفسير مجاهد، وَصَلَه الطَّري (٧٦/١٦) من طريق ابن أبي
نَجِيح عنه، ومن طريق سعيد عن قَتَادة كذلك، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا
فَرِيًّا﴾، أي: عَجَباً فائقاً.
قوله: ((قال ابن عبّاس: نِسْياً: لم أُكُنْ شيئاً) وَصَلَه ابن جَرِير (٦٦/١٦) من طريق ابن
جُرَيج، أخبرني عطاء عن ابن عبّاس في قوله: ﴿يَلَيْتَنِ مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا﴾، أي:
لم أُخَلَق ولم أكُن شيئاً.
قوله: ((وقال غيره: النَّسْي: الحقير)) هو قول السُّدّي، وقيل: هو ما سقط في منازل
المرَِّلينَ من رُذَالة أمتِعَتهم، وروى الطَّبَري (٦٦/١٦) من طريق سعيد عن قَتَادة، قال في
قوله: ﴿وَكُنتُ نَسْيًا﴾: أي: شيئاً لا يُذكَر.
قوله: ((وقال أبو وائل: عَلِمَت مريم أنَّ الَّقيَّ ذو نُهْة حين قالت: ﴿إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾» وَصَلَه
عبد بن حُميدٍ من طريق عاصم قال: قرأ أبو وائل ﴿إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَفِيًّا﴾ قال:
لقد عَلِمَت مريم أنَّ التَّقي ذو نُهبية. وقوله: ((نُهية)) بضمِّ النُّون وسكون الهاء، أي: ذو عقل
وانتهاء عن فعل القبيح، وأغرَبَ مَن قال: إنَّه اسم رجل يقال له: تقيّ كان مشهوراً
بالفسادِ فاستعاذَت منه.
قوله: ((وقال وكيع عن إسرائيل ... )) إلى آخره، ذكر خَلَفٌ في ((الأطراف)) أنَّ البخاري
وَصَلَه عن يحيى عن وكيع، وأنَّ ذلك وَقَعَ في الَّفْسير، ولم نَقِفْ عليه في شيء من النُّسَخ،
فلعلّه في رواية حمّاد بن شاكِر عن البخاري.
قوله: ((﴿سَرِيًّا﴾: نهر صغير بالسُّرْيانية)) كذا ذَكَره موقوفاً من حديث البراء مُعلَّقاً، وأورَدَه
الحاكم في ((المستدرَك)) (٣٧٣/٢) وابن أبي حاتم من طريق الثَّوري، والطَّبَري (٦٩/١٦)
من طريق شُعْبة، كلاهما عن أبي إسحاق مِثله، وأخرجه ابن مَرْدويه من طريق آدم عن
إسرائيل به، لكن لم يَقُل: بالسُّريانية، وإنَّما قال البراء: السّرِي: الجَدوَل؛ وهو النَّهَرِ الصَّغير.

٢٢٧
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٦
كتاب أحاديث الأنبياء
وقد ذكر أبو عُبيدة أنَّ السَّري: النَّهر الصَّغير بالعربية أيضاً، وأنشَدَ للَبيد بن ربيعة:
فَرَمَى بها عُرضَ السَّرِيِّ فغادرا مَسجُورةً مُتَجاوِراً قُلَامُها
والعُرْض بالضَّمِّ: الناحية، وروى الطََّري (٦٩/١٦) من طريق حُصَينٍ عن عَمْرو بن ميمون
قال: السَّري: الجَدوَل، ومن طريق الحسن البصري قال: السَّري هو عيسى، وهذا شاذٌّ.
وقد روى ابن مَرْدويه في ((تفسيره)) من حديث ابن عمر / مرفوعاً: ((السَّري في هذه الآية ٤٧٩/٦
نهرٌ أخرجه الله لمريمَ لتشربَ منه)).
ثم ذكر المصنف في الباب عشرة أحاديث:
٣٤٣٦- حذَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازمٍ، عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عن أبي
هريرةَ، عن النبيِّ وَ ◌ّ ◌َ قال: ((لم يتكلَّمْ في المَهْدِ إلا ثلاثةٌ: عيسى، وكان في بني إسرائيلَ رجلٌ
يقال له: جُرَيٌ، كان يُصَلِّي فجاءَتْهُ أمُّه فَدَعَتْه، فقال: أُجِيبُها أو أُصَلِّ؟ فقالت: اللهمَّ لا تُمِتْه
حتَّى تُرِيَه وجوهَ المُومِسَاتِ، وكان جُرَيجٌ في صَومَعَتِهِ، فتَعرَّضَت له امرأةٌ وكَلَّمَتْه فأبَى،
فأتتْ راعياً فأمكَتَتْه من نفسِها، فوَلَدَت غلاماً، فقالت: مِن جُرَيج، فأَتَوْه فَكَسَرُوا صَومَعَته،
وأنزَلوه وسَبُّه، فتَوضَّأَ وصَلَّى، ثمَّ أتى الغلامَ فقال: مَن أبوكَ يا غلامُ؟ قال: الرّاعي، قالوا:
نَبْنِي صَومَعتَكَ من ذهبٍ؟ قال: لا، إلّا من طِينٍ، وكانتِ امرأةٌ تُرضِعُ ابناً لها من بني إسرائيلَ،
فمَرَّ بها رجلٌ راكِبٌ ذو شارَةٍ، فقالت: اللهمَّ اجْعَلِ ابني مِثْلَه، فَتَرَكَ ثَدْيَها، وأقبَلَ على
الرّاكِبِ، فقال: اللهمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَه، ثمَّ أقبَلَ على ثَدْبِهِا يَمَضُّه)) قال أبو هريرةَ: كأَنِّي أَنظُرُ إلى
النبيِّ ◌َّهِ يَمَصُّ إِصْبَعَه ((ثمَّ مُرَّ بَأَمَةٍ فقالت: اللهمَّ لا تَجْعَلِ ابني مِثلَ هذه، فَتَرَكَ ثَدْيَها فقال:
اللهمَّ اجْعَلْني مِثْلَها، فقالت: لمَ ذاكَ؟ فقال: الرّاكِبُ جَبّارٌ مِن الجبابرةِ، وهذه الأَمَةُ يقولون:
سَرَقْتٍ زَنَيتِ، ولم تَفْعَلْ)).
أولها: حديث أبي هريرة في قصَّة جُرَيج الرّاهب وغيره، والغرض منه ذِكْرِ الذينَ تَكلَّموا
في المهد، وأورَدَه في ترجمة عيسى لأنه أوَّلهم.
قوله: ((لم يتكلَّمْ في المَهْد إلّا ثلاثة)) قال القُرطُبي: في هذا الحَصْرِ نظرٌ، إلّا أن يُحمَل على

٢٢٨
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
أَنَّهِ وَّه قال ذلك قبل أن يعلم الزّيادةَ على ذلك، وفيه بُعْد، ويحتمل أن يكون كلام الثلاثة
المذكورينَ مُقيَّداً بالمهدِ، وكلام غيرهم من الأطفال بغير مَهْد، لكن يُعكِّر عليه أنَّ في رواية
ابن قُتَيبة: أنَّ الصَّبي الذي طَرَحَته أمُّه في الأُخدود کان ابن سبعة أشهُر، وصرَّحَ بالمهدِ في
حديث أبي هريرة، وفيه تَعقُّب على النَّوَوي في قوله: إن صاحب الأخدود لم يكن في المهد،
والسَّبَب في قوله هذا ما وَقَعَ في حديث ابن عبّاس عند أحمد (٢٨٢١)، والبزَّار (٥٠٦٧)،
وابن حِبّان (٢٩٠٤)، والحاكم (٢/ ٤٤٩): ((لم يتكلَّم في المهد إلّا أربعة)) فلم يَذكُر الثّالث
الذي هنا، وذكر شاهدَ يوسف والصَّبي الرَّضيع الذي قال لأُمِّه - وهي ماشطة بنت فرعون
لمَّا أراد فِر عَونُ إلقاء أمّه في النار -: ((اصبري يا أمَّهْ فإنّا على الحقّ)). وأخرج الحاكم (٢/ ٥٩٥)
نحوه من حديث أبي هريرة، فيَجتَمِع من هذا خمسة.
ووَقَعَ ذِكْر شاهد يوسف أيضاً في حديث عمران بن حُصَينٍ لكنَّه موقوف(١)، وروى
ابن أبي شَيْبة (١١/ ٥٤٥) من مُرسَل هلال بن بِسَاف مِثل حديث ابن عبّاس إلّا أنَّه لم يَذُر
ابن الماشطة.
وفي ((صحيح مسلم)) (٣٠٠٥/ ٧٣) من حديث صُهَيب في قصَّة أصحاب الأخدود:
((أنَّ امرأة جِيءَ بها لتُلقَى في النار أو لتَكفُر، ومعها صبي يَرَضَع، فَتَقاعَسَت، فقال لها: يا
أمّة، اصبري فإنَّك على الحقّ)).
وزَعَمَ الضَّحّاك في «تفسيره): أنَّ يحيى تَكلَّمَ في المهد، أخرجه الثَّعلَبي، فإن ثَبَتَ صاروا
سبعة. وذكر البَغَوي في ((تفسيره)): أنَّ إبراهيم الخليل تكلّم في المهد. وفي «سِير الواقدي)):
أنَّ النبي ◌َّهِ تَكلَّمَ أوائل ما وُلِدَ. وقد تَكلَّمَ في زمن النبيِ نَّهَ مُبارَكُ اليمامة، وقِصَّته في
(دلائل النبوَّة)) للبيهقي (٦ /٥٩ و٦٠) من حديث مُعرِّض (٢) بالضّادِ المعجَمة، والله أعلم.
(١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٤٩٨)، و((الكبير)) ١٨/ (٥٥٨) من طريق أبي حرب بن أبي الأسود
عن عمران بن حصين، وفي آخره: زعم أبو حرب أنه لم يتكلم في المهد إلّا ثلاثة عيسى ابن مريم وشاهد
یوسف وصاحب جریج.
(٢) هذه الأخبار المذكورة في هذه الفِقرة لا يصحُّ منها شيء.

٢٢٩
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٦
كتاب أحاديث الأنبياء
على أنَّه اختُلِفَ في شاهد يوسف، فقيل: كان صغيراً، وهذا أخرجه ابن أبي حاتم عن
ابن عبّاس، وسنده ضعيف، وبه قال الحسن وسعيد بن جُبَير. وأخرج عن ابن عبّاس أيضاً
ومجاهد: أنَّه كان ذا لحية. وعن قَتَادة والحسن أيضاً: كان حكيماً من أهلها.
قوله: ((وكان في بني إسرائيل رجل يقال له: جُرَيجٌ)) بچِيمَين مُصغَّر، وقد روى حديثه
عن أبي هريرة محمَّدُ بن سِيرِين كما هنا، وتقدَّم في المظالم (٢٤٨٢) من طريقه بهذا الإسناد،
والأعرَجُ كما تقدَّم في أواخر الصلاة (١٢٠٦)، وأبو رافع وهو عند مسلم (٧/٢٥٥٠)
وأحمد (٨٩٩٤)، وأبو سَلَمةً وهو عند أحمد (٩٦٠٣)، ورواه عن النبي ◌َّ مع أبي هريرة
عِمرانُ بن حُصَينٍ(١)، وسأذكُرُ ما في رواية كلٌّ منهم من الفائدة.
وأوَّل حديث أبي سَلَمةَ: ((كان رجل في بني إسرائيل تاجِراً، وكان يَنقُص مرَّة ويزيد
أُخرى، فقال: ما في هذه التِّجارة خير، لَألْتَمِسَنَّ تجارةً هي خير من هذه، فبنى صَومَعةً
وتَرَهَّبَ فیها، وكان يقال له: ◌ُرَیج)) فذكر الحديث، ودَلَّ ذلك على أنّه كان بعد عيسى
ابن مريم، وأنَّه كان من أتباعه لأنَهم الذينَ ابتَدَعوا التََّقُّب وحَبْس النَّفس في الصَّوامع.
والصَّوْمعة بفتح المهمَلة وسكون الواو: هي البناء المرتَفِع المحدَّد أعلاه، ووزنها: فَوْعَلة،
من صَمَّعْتُ: إذا دَقَّقت، لأنَّها دقيقة الرَّاس.
قوله: ((جاءتْهَ أمّه)) في رواية الكُشْمِيهني: «فجاءته أمّه))، وفي رواية أبي رافع: ((كان
جُرَيجٌ يَتَعَبَّد في صَومَعَته، فأتته أمّه)) ولم أَقِفْ في شيء من الطّرق على اسمها. وفي حديث
عِمران بن حُصَينٍ: ((وكانت أمّه تأتيه فتُناديه فيُشرِف عليها فيُكلِّمها، فأتته يوماً وهو في
صلاته))، وفي رواية أبي رافع عند أحمد: ((فأتته أمّه ذات يوم فنادَته قالت: أيْ جُرَيجُ،
أشرِفْ عليَّ أُكلِّمْك، أنا أمّك))
قوله: ((فَدَعَتْه فقال: أُجيبُها أو أُصَلّ)) زاد المصنّف في المظالم (٢٤٨٢) بالإسناد الذي
ذكره هنا: «فأبى أن يُحِيبَها)) ومعنى قوله: أمّي وصلاتي، أي: اجتَمَعَ عليَّ إجابةُ أمّي وإتمام
(١) عند الطبراني في «الكبير)) ١٨/ (٥٥٨)، و ((الأوسط)) (٧٤٩٨).

٢٣٠
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
٤٨١/٦ صلاتي فوَفَّقني لأفضلِهما، وفي رواية أبي رافع: ((فصادَفَته يُصَلّي، فَوَضَعَت يدَها على
حاجبها فقالت: يا جُرَيج، فقال: يا ربّ أمّي وصلاقي، فاختارَ صلاته، فَرَجَعَت، ثمَّ أتته
فصادَفَته يُصَلّي، فقالت: يا جُرَيج أنا أمّك فكُلِّمني، فقال مِثْلَه)) فذكره. وفي حديث عمران
ابن حُصَينٍ: أنَّها جاءته ثلاث مرَّات تُناديه في كلّ مرَّة ثلاث مرّات، وفي رواية الأعرج عند
الإسماعيلي: ((فقال: أمّي وصلاقي لربّي، أُوثِر صلاقي على أمّي، ذكره ثلاثاً)، وكلُّ ذلك
محمول على أنَّه قاله في نفسه لا أنَّه نَطَقَ به، ويحتمل أن يكون نَطَقَ به على ظاهره، لأنَّ
الكلام كان مُباحاً عندهم، وكذلك كان في صَدْر الإسلام، وقد قَدَّمتُ في أواخر الصلاة(١)
ذِكْر حديث يزيد بن حَوشَبٍ عن أبيه رَفَعَه: «لو كان جُرَيج عالماً لَعَلِمَ أنَّ إجابة أمّه أَولِى
من صلاته)).
قوله: ((فقالت: اللهمَّ لا تُمِتْه حتَّى تُرِيَه وجوه المُومِسات)) في رواية الأعرَج: ((حتَّى
يَنظُر في وجوه المياميس))، ومثله في رواية أبي سَلَمةَ، وفي رواية أبي رافع: ((حتَّى تريه
المومِسة)) بالإفراد، وفي حديث عِمران بن حُصَينٍ: ((فَغَضِبَت فقالت: اللهمَّ لا يموتَن
جُرَيجُ حتَّى يَنظُر في وجوه المومِسات)). والمومِسات جمع مُومِسة، بضمِّ الميم وسكون الواو
وكسر الميم بعدها مُهمَلة: وهي الزّانية، وتُجمَع على مَواميس بالواو، وجُمعَ في الطَّريق
المذكورة بالتَّحتانية، وأنكَرَه ابن الخشَّاب أيضاً، ووَجَهَه غيره كما تقدَّم في أواخر الصلاة، وجَوَّزَ
صاحب ((المطالع)) فيه الهمزة بدل الياء، بل أثبتَها روايةً، ووَقَعَ في رواية الأعرَج: ((فقالت: أبيتَ
أن تُطلِعَ إليَّ وجهَك، لا أماتَك الله حتَّى تَنظُر في وجهك زَوَاني المدينة)).
قوله: «فتعرَّضت له امرأة فگلَّمَتْه فأبى، فأنت راعياً فأمكتته من نفسها» في رواية وَهْب
ابن جَرِير بن حازم عن أبيه عند أحمد (٨٠٧١): «فذكر بنو إسرائيل عبادة جُرَيج، فقالت
بَغِيٌّ منهم: إن شئتُم لَأَفِنَّه، قالوا: قد شِئنا. فأتته فَتَعرَّضَت له فلم يَلتَفِت إليها، فأمكَّنَت
نفسها من راعٍ كان يُؤوي غنمَه إلى أصل صَومَعة جُرَيج))، ولم أقِفْ على اسم هذه المرأة،
(١) أثناء شرح الحديث (١٢٠٦).

٢٣١
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٦
كتاب أحاديث الأنبياء
لكن في حديث عمران بن حُصَينٍ: أنَّها كانت بنت مَلِك القرية، وفي رواية الأعرَج:
((وكانت تأوي إلى صومَعَته راعيةٌ تَرعى الغنم))، ونحوه في رواية أبي رافع عند أحمد
(٨٩٩٤)، وفي رواية أبي سَلَمةَ: ((وكان عند صومَعَته راعي ضَأْن وراعية مِعزَى))، ويُمكِن
الجمع بين هذه الرِّوايات بأنَّهَا خَرَجَت من دار أبيها بغير عِلم أهلها مُتنكِّرة، وكانت تَعمَل
الفساد إلى أن ادَّعَت أنَّها تستطيع أن تَفْتِن جُرَيجاً، فاحتالَت بأن خَرَجَت في صورة راعية
ليُمكِّنَها أن تأوي إلى ظِلّ صَوْمعته لتَتَوصَّل بذلك إلی فِتْنته.
قوله: ((فَوَلَدَت غلاماً) فيه حذف تقديره: فحَمَلَت حتَّى انقَضَت أيامُها فَوَلَدَت، وكذا
قوله: ((فقالت: مِن جُرَيج)) فيه حذف تقديره: فسُئِلَت مَّن هذا؟ فقالت: من جُرَيج، وفي
رواية أبي رافع التَّصريحُ بذلك، ولفظه: ((فقيل لها: ممَّن هذا؟ فقالت: هو من صاحب
الدَّير))، وزاد في رواية أحمد: ((فأُخِذَت، وكان مَن زنى منهم قُتِلَ، فقيل لها: ممَّن هذا؟
قالت: هو من صاحب الصَّومَعة))، زاد الأعرَج: ((نزلَ إليَّ من صَوْمعته))، وفي رواية الأعرَج:
((فقيل لها: مَن صاحبك؟ قالت: جُرَيجُ الرّاهب، نزلَ إليَّ فأصابني))، زاد أبو سَلَمَةَ في
روايته(١): «فذهبوا إلى الملك فأخبروه، قال: أدركوه فأتوني به)).
قوله: «فأتوه فكَسَروا صَوْمعتَه وأنزَلوه))، وفي رواية أبي رافع: «فأقبَلوا بقُؤُوسِهم
ومَساحِيهم إلى الدَّير، فنادَوه فلم يُكلِّمهم، فأقبلوا يَهدِمونَ دَيْره)، وفي حديث عمران:
((فما شَعَرَ حتَّى سمعَ بالفُؤوسِ في أصل صَوْمعته، فجَعَلَ يسألهم: ويلكم ما لكم؟ فلم
يُجِيبوه، فلمَّا رأى ذلك أخَذَ الحبل فتَدَلّى)).
قوله: ((وسَبُّوه)) زاد أحمد (٨٠٧١) عن وَهْب بن جَرِير: ((وضَرَبوه، فقال: ما شأنكم؟
قالوا: إنَّك زنيتَ بهذه))، وفي رواية أبي رافع عنده: ((فقالوا: أيْ جُرَيجُ، انزِل، فأبى إلّا(٣)
يُقبِل على صلاته، فأخَذوا في هَدْمِ صَوْمعته، فلمَّا رأى ذلك نزلَ، فجَعَلوا في عُنُقُه وعُنُقُها
(١) سبق أن عزا الحافظ رواية أبي سلمة إلى ((مسند أحمد)) (٩٦٠٣)، وروايته مختصرة، وما سيذكره الحافظ من روايته
أثناء نقله للفروق هي عند العقيلي في ((الضعفاء) ١٦٤/٣-١٦٥، ولم ينبِّ على ذلك.
(٢) لفظ ((إلّا)) من (ع) وحدها، ولفظ رواية أبي رافع عند أحمد (٨٩٩٤): ((فأبى وأقبل على صلاته يصلِّ)).

٢٣٢
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
حَبلاً، وجَعَلوا يَطُوفونَ بهما في الناس))، وفي رواية أبي سَلَمةَ: ((فقال له الملك: ويحك يا
٤٨٢/٦ جُرَيج، كنَّا نَراك خيرً/ الناس فأحبَلتَ هذه، اذهبوا به فاصلُبوه)»، وفي حديث عمران:
((فجَعَلوا يَضرِبونَه ويقولون: مُراءٍ تُخادِعِ الناس بعملِك)»، وفي رواية الأعرَج: «فلمَّا مُرُّوا
به نحو بيت الَّواني، خَرَجنَ يَنظُرُنَ فَتَبَسَّمَ، فقالوا: لم يَضحَكْ حتَّى مرَّ بالزّواني».
قوله: «فتوضَّأ وصلى» وفي رواية وهب بن جَرِير: ((فقام وصلّی ودعا»، وفي حديث
عمران: ((قال: فتَوَلَّوا عنِّي، فَتَوَلَّوا عنه فصلى ركعتين)).
قوله: «ثمَّ أتى الغلامَ فقال: مَن أبوك يا غلام؟ فقال: الرّاعي)) زاد في رواية وَهْب بن
جَرِير: ((فَطَعَنَه بإصبَعِه فقال: بالله يا غلام مَن أبوك؟ فقال: أنا ابن الرّاعي))، وفي مُرسَل
الحسن عند ابن المبارك في ((البِرّ والصِّلة))(١): أنَّه سألهم أن يُنظِروه فأنظَروه، فرأى في المنام
مَن أمَرَه أن يَطعُن في بطن المرأة فيقول: أيَّتُها السَّخلة مَن أبوك؟ ففَعَلَ، فقال: راعي الغنم،
وفي رواية أبي رافع(٢): ((ثمَّ مَسَحَ رأس الصَّبي فقال: مَن أبوك؟ قال: راعي الضَّأن))، وفي
روايته عند أحمد (٨٩٩٤): ((فَوَضَعَ إصبَعه على بطنها))، وفي رواية أبي سَلَمةَ: ((فأُتي بالمرأة
والصَّبي وفَمُه في تَدْيها، فقال له جُرَيج: يا غلام مَن أبوك؟ فنَزَعَ الغلام فاه من الثَّدي،
وقال: أبي راعي الضَّأن))، وفي رواية الأعرَج: ((فلمَّا أُدخِلَ على مَلِكهم قال جُرَيج: أين
الصَّبي الذي ولدَتْه؟ فأُتي به، فقال: مَن أبوك؟ قال: فلان، سَمّى أباه)).
قلت: ولم أقِفْ على اسم الرّاعي، ويقال: إنَّ اسمه صُهَيب، وأمَّا الابن فتقدَّم في أواخر
الصلاة (١٢٠٦) بلفظ: ((فقال: يا بابُوسُ))، وتقدَّم شرحه أواخر الصلاة وأنَّه ليس اسمَه
كما زَعَمَ الدّاوودي، وإنَّما المراد به الصَّغير، وفي حديث عِمران: ((ثُمَّ انتهى إلى شجرة فأخَذَ
منها غُصناً، ثمَّ أتى الغلام وهو في مَهْده فضَرَبَه بذلك الغُصن، فقال: مَن أبوك؟))، ووَقَعَ
في ((التَّنبيه)) لأبي اللَّيثِ السَّمَر قَندي بغير إسناد: ((أَنَّه قال للمرأة: أين أصَبتُكِ؟ قالت: تحت
(١) هو فيه برقم (٥٣)، لكن من زيادات راوية ابن المبارك: الحسين بن الحسن المروزي، وليس من رواية ابن.
المبارك، ثم إن الحسن البصري لم يأتُره عن النبي ◌ِّله.
(٢) عند مسلم (٢٥٥٠)، وأحمد (٩٦٠٢).

٢٣٣
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٦
كتاب أحاديث الأنبياء
شجرة، فأتى تلكَ الشَّجَرة فقال: يا شجرةُ، أسألكِ بالذي خَلَقَك مَن زنى بهذه المرأة؟
فقال كلُّ غصن منها: راعي الغنم)).
ويُجمَع بين هذا الاختلاف بوقوع جميع ما ذُكِرَ، بأنَّه مَسَحَ رأس الصَّبي، ووَضَعَ
إصبعَه على بطن أمّه، وطَعَنَه بإصبَعِه، وضَرَبَه بطَرَفِ العصا التي كانت معه. وأبعَدَ مَن
جَمَعَ بينها بتعدُّدِ القصَّةِ، وأَنَّه استَنطَقَه وهو في بطنها مرَّة قبل أن تَلِد، ثمَّ اسْتَنطَقَه بعد أن
وُلِدَ.
زاد في رواية وَهْب بن جَرِير: ((فَوَثَبوا إلى جُرَيج فَجَعَلوا يُقْبِّلونَه)»، وزاد الأعرج في
روايته: ((فأبرأَ اللهُ جُرَيجاً، وأعظَمَ الناسُ أمر جُرَيج)»، وفي رواية أبي سَلَمَةَ: ((فِسَبَّحَ الناس
وعچِبوا)).
قوله: ((قالوا: نَبْني صَوْمعتَك من ذهب؟ قال: لا إلّا من طين)) وفي رواية وَهْب بن جَرِیر:
(ابنوها من طين كما كانت))، وفي رواية أبي رافع: «فقالوا: نَبني ما هَدَمنا من دَيْرِكْ بالذَّهَب
والفِضَّة؟ قال: لا، ولكن أعيدوه كما كان، ففَعَلوا))، وفي نقل أبي اللَّيث: ((فقال له الملك:
نبنيها من ذهب؟ قال: لا، قال: من فِضَّة؟ قال: لا، إلّا من طين))، زاد في رواية أبي سَلَمةً:
((فرَدُّوها فَرَجَعَ في صَوْمعته، فقالوا له: بالله مِمَّ ضَحِكت؟ فقال: ما ضَحِكت إلّا من دَعْوة
دَعَتها عليّ أمّي)).
وفي الحديث إيثارُ إجابة الأُمّ على صلاة التطوُّع، لأنَّ الاستمرار فيها نافلة، وإجابة
الأُمَ وِيِّها واجب، قال النَّوَوي وغيره: إنَّما دَعَت عليه فأُجيبَت، لأنَّه كان يُمكِنه أن يُقِّف
ويُجيبها، لكن لعلَّه خَشِيَ أن تَدعوَه إلى مُفارَقة صَوْمعته والعَوْد إلى الدُّنيا وتعلُّقاتها؛ كذا
قال النَّوَوي، وفيه نظر لما تقدَّم من أنَّها كانت تأتيه فيُكلِّمها، والظّاهر أنَّها كانت تَشتاقُ
إليه فتزوره وتَقْتَنِعِ بُرُؤيَتِه وتكليمه، وكأنَّه إنَّما لم يُحُفِّف ثمَّ يُحِبها، لأنَّه خشِيَ أن يَنقَطِعَ
خشوعُه. وقد تقدَّم في أواخر الصلاة(١) من حديث يزيد بن حَوشَبٍ عن أبيه: أنَّ النبي ◌ِّ
(١) أثناء شرح حديث (١٢٠٦).

٢٣٤
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
قال: «لو كان جُرَيج فقيهاً لعَلِمَ أنَّ إجابة أمّه أَولى من عبادة ربّه))، أخرجه الحسن بن
سفيان، وهذا إذا ◌ُلَ على إطلاقه، استُفيدَ منه جوازُ قطع الصلاة مُطلَقاً لإجابة نِداء الأُمّ
نَفلاً کانت أو فرضاً، وهو وجه في مذهب الشّافعي حکاه الرُّویاني.
٤٨٣/٦
وقد قال النَّوَوي تَبَعاً لغيره: هذا محمولٌ على أنَّه/ كان مُباحاً في شرعهم، وفيه نظر
قَدَّمتُه في أواخر الصلاة، والأصحُّ عند الشّافعية: أنَّ الصلاة إن كانت نَفلاً وعَلِمَ تأَذِّي
الوالد بالثَركِ، وَجَبَت الإجابةُ وإلّا فلا، وإن كانت فرضاً وضاقَ الوقت لم تجب الإجابة،
وإن لم يَضِْ وجَبَت عند إمام الحَرَمَين، وخالَفَه غيره لأنَّها تَلزَم بالشُّروع، وعند المالكية:
أنَّ إجابة الوالد في النافلة أفضل من التَّمادي فيها، وحَكَى القاضي أبو الوليد أنَّ ذلك
يَخْتَصُّ بالأُمِّ دون الأب، وعند ابن أبي شَيْبة (٢/ ٤٣١) من مُرسَل محمَّد بن المنكَدِر ما
يَشْهَد له، وقال به مكحول، وقيل: إنَّه لم يَقُل به من السَّلَف غيره.
وفي الحديث أيضاً عِظَم بِرّ الوالدين وإجابة دعائهما ولو كان الولد معذوراً، لكن
يختلف الحال في ذلك بحَسَبِ المقاصد. وفيه الرِّفق بالتابع إذا جَرَى منه ما يقتضي التَّديب،
لأنَّ أمّ جُرَيج مع غَضَبها منه لم تَدْعُ عليه إلّ بما دَعَت به خاصَّة، ولولا طلبها الرِّفَقَ به
لَدَعَت عليه بوقوع الفاحشة أو القتل. وفيه أنَّ صاحب الصِّدق مع الله لا تَضُرّه الفتن.
وفيه قوَّة يقين جُرَيج المذكور وصِحَّة رَجَائه، لأنَّه استَنْطَقَ المولود مع كَون العادةِ أَنَّه
لا يَنطِق، ولولا صِحَّة رجائه بنُطِقِه ما استَنطَقَه. وفيه أنَّ الأمرَين إذا تَعارَضا بُدِيَ بأهمِّهما،
وأنَّ الله يجعل لأوليائه عند ابتلائهم تَخَارجَ، وإنَّما يَتأخّر ذلك عن بعضهم في بعض
الأوقات تهذيباً وزيادة لهم في الثَّواب. وفيه إثبات كرامات الأولياء، ووقوع الكَرَامة لهم
باختیارهم وطلبهم.
وقال ابن بَطّال: يحتمل أن يكون جُرَيجٌ كان نبيّاً فتكون مُعجِزةً. كذا قال، وهذا
الاحتمال لا يَتأتّى في حَقّ المرأة التي كَلَّمَها ولدُها المرضَعُ كما في بقيَّة الحديث.
وفيه جواز الأخذ بالأشدِّ في العبادة لمن عَلِمَ من نفسه قوَّة على ذلك.

٢٣٥
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٦
كتاب أحاديث الأنبياء
واستَدَلَّ به بعضهم على أنَّ بني إسرائيل كان من شرعهم أنَّ المرأة تُصدَّقُ فيما
تَدَّعيه على الرِّجال من الوَطْء ويَلحَقُ به الولد، وأنَّه لا يَنفَعه جَحْدُ ذلك إلّا بحُجَّة
تَدفَع قولها.
وفيه أنَّ مُرتَكِب الفاحشة لا تبقى له حُرْمة، وأنَّ المفزَع في الأُمور المهمّة إلى الله يكون
بالتَّوَجُّه إليه في الصلاة.
واستَدَلَّ بعض المالكية بقولِ جُرَيج: ((مَن أبوك يا غلام؟)) بأنَّ مَن زنى بامرأة فَوَلَدَت
بنتاً لا يَحِلُّ له التزوُّج بتلكَ البنت خلافاً للشّافعية ولابن الماحِشُون من المالكية. ووجه
الدَّلالة أنَّ جُرَيجاً نَسَبَ ابن الزِّنى للزّاني، وصَدَّقَ الله نِسبتَه بما خَرَقَ له من العادة في نُطْق
المولود بشهادتِه له بذلك وقولِه: أبي فلان الرّاعي، فكانت تلكَ النِّسبة صحيحة، فيلزم أن
تجريَ بينهما أحكام الأَبْوَّة والبُنوّة، خَرَجَ التَّوارُث والوَلاءُ بدليل، فبقي ما عَدَا ذلك على
حُكمه.
وفيه أنَّ الوُضوء لا يَخْتَصّ بهذه الأُمَّ خِلافاً لمن زَعَمَ ذلك، وإنَّما الذي يَخْتَصّ بها الغُرَّة
والتَّحجيل في الآخرة، وقد تقدَّم في قصَّة إبراهيم أيضاً مِثلُ ذلك في خبر سارة مع
الجبّار(١)، والله أعلم.
قوله: ((وكانت امرأةٌ)) بالرفع، ولم أقِفْ على اسمها ولا على اسم ابنها، ولا على اسم
أحد ممَّن ذُكِرَ في القصّة المذكورة.
قوله: ((إذ مرَّ بها راكِب)) وفي رواية خِلَاس عن أبي هريرة عند أحمد (٩١٣٥): ((فارس
مُتَکَبِّر)).
قوله: ((ذو شارة)) بالشّين المعجمة، أي: صاحب حُسْن، وقيل: صاحب هيئة ومَنظَر
ومَلَبَس حسن، يُتعجَّب منه ويُشار إليه، وفي رواية خِلَاس: ((ذو شارة حسنة))(٢).
(١) انظر الرواية رقم (٢٢١٧).
(٢) عند أحمد (٩١٣٥) لكن بلفظ: ((عليه شارة حسنة)).

٢٣٦
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال أبو هريرة: كأنّ أنظُر)) هو موصول بالإسناد المذكور، وفيه المبالَغة في إيضاح
الخبر بتمثيله بالفعل.
قوله: ((ثمَّ مَُّّ) بضمِّ الميم على البناء للمجهول.
قوله: ((بأَمة)) زاد أحمد (٨٠٧١) عن وَهْب بن جَرِير: «تُضرَبُ))، وفي رواية الأعرج عن
أبي هريرة الآتية في ذِكْر بني إسرائيل (٣٤٦٦): ((تُجرَّر ويُلعَب بها)) وهي بجيم مفتوحة
بعدها راء ثقيلة ثمّ راء أُخرى.
قوله: ((فقالت له ذلك)) أي: سألت الأمُّ ابنها عن سبب كلامه.
قوله: ((قال: الرّاكِب جَبّار)) في رواية أحمد: ((فقال: يا أُمَّتاه، أمَّا الرّاكبُ ذو الشّارة فجَبّار
من الجبابرة))، وفي رواية الأعرَج: ((فإنَّه كافر)).
٤٨٤/٦
قوله: ((يقولون: سَرَقْتِ، زَنَيتِ)) بكسر المثنّاة فيهما على المخاطَبة، وبسكونها على الخبر.
قوله: ((ولم تَفْعَل)) في رواية أحمد: / ((يقولون: سَرَقتْ ولم تَسِرِق، زَنَتْ ولم تَزنٍ، وهي
تقول: حسبيَ الله))، وفي رواية الأعرَج: ((يقولون لها: تَزني، وتقول: حسبيَ الله، ويقولون
لها: تَسِرِق، وتقول: حسبيَ الله))، ووَقَعَ في رواية خِلَاس المذكورة(١): أنَّها كانت حَبَشية أو
زِنْجية، وأنَّها ماتت فجَرُّوها حتَّى ألقَوها، وهذا معنى قوله في رواية الأعرَج: ((تُجرَّر)».
وفي الحديث أنَّ نفوس أهل الدُّنيا تَقِفُ مع الخيال الظّاهر فتخاف سوء الحال،
بخِلاف أهل التَّحقيق فوقوفهم مع الحقيقة الباطنة، فلا يُبالُونَ بذلك مع حُسن السَّريرة
كما قال تعالى حكايةً عن أصحاب قارون حيثُ خَرَجَ عليهم: ﴿يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوْنِى
قَرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ ) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ نَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص:
٧٩ - ٨٠].
وفيه أنَّ البشر طُبِعوا على إيثار الأولاد على الأنفُس بالخير، لطلبِ المرأة الخيرَ لابنِها
ودفع الشّ عنه ولم تذكر نفسها.
(١) عند أحمد (٩١٣٥).

٢٣٧
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٧
كتاب أحاديث الأنبياء
٣٤٣٧- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن مَعمَر (ح) وحدَّثني محمودٌ، حدَّثنا
عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُّ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ ﴾
قال: قال رسولُ اللهِ وَ ﴿ ليلةَ أُسْرِيَ به: ((لَقِيتُ موسى - قال: فنَعَتَه - فإذا رجلٌ - حَسِبتُهُ
قال : - مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأسِ، كأنَّه من رجالٍ شَنُوءَةَ» قال: ((وَقِيتُ عيسى)) فَنَعَتَه النبيُّ ◌ِله
فقال: ((رَبْعةٌ أحمرُ، كأنَّما خَرَجَ من دِيماسٍ - يعني: الحمّامَ - ورأيتُ إبراهيمَ وأنا أشبَهُ ولِه به،
قال: وأُتِيتُ بإناءَينِ أحدُهما لَبَنٌّ، والآخَرُ فيه خمرٌّ، فقيلَ لي: خُذْ أَهما شئتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فِشَرِبتُه،
فقيلَ لي: هُدِيتَ الفِطْرَةَ - أو أصَبْتَ الفِطْرَةَ - أُمَا إِنَّكَ لو أخَذْتَ الخمرَ، غَوَتْ أمَّئُكَ)).
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة في ذِكْر موسى وعيسى، وقد تقدَّم في قصَّة موسى
(٣٣٩٤) من هذا الوجه، لكن زاد هنا إسناداً آخر فقال: ((حدَّثنا محمود - وهو ابن غَيْلان -
عن عبد الرَّزّاق))، وساقَه على لفظه، وكان ساقَه هناك على لفظ هشام بن يوسف، وقوله
في هذه الرّواية: «فإذا رجل، حَسِبتُه قال: مُضطَرِب)) القائل: ((حَسِبته)) هو عبد الرَّزّاق،
والمضطَرِب: الطّويل غير الشَّديد، وقيل: الخفيف اللَّحم، وتقدَّم في رواية هشام بلفظ:
((ضَرْبٌ)) وفُشِّرَ بالنَّحيفِ، ولا مُنافاً بينهما.
وقال ابن التِّن: هذا الوصف مُغاير لقوله بعد هذا: ((إنَّه جَسيم)) يعني في الرِّواية
(٣٤٣٨) التي بعد هذه، وقال: والذي وَقَعَ نَعتُه بأنَّه جَسيم إنَّما هو الدَّجّال.
وقال عياض: رواية مَن قال: ((ضَرْب)) أصحّ من رواية مَن قال: ((مُضطَرِب)) لمَا فيها
من الشكّ، قال: وقد وَقَعَ في الرِّواية الأُخرى: ((جَسِيم)) وهو ضِدّ الضَّرْب، إلّا أن يُراد
بالجَسيمِ الزّيادة في الطّول.
وقال التَّيْمي: لعلَّ بعض لفظ هذا الحديث دَخَلَ في بعض، لأنَّ الْجَسيم إنَّا وَرَدَ في
صفة الدَّجّال، لا في صفة موسى. انتهى، والذي يَتَعيَّن المصيرُ إليه ما جَوَّزَه عياض أنَّ
المراد بالجَسيمِ في صفة موسى الزّيادةُ في الطّول، ويُؤْيِّده قوله في الرِّواية التي بعد هذه:
((كأنَّه من رجال الُّطّ)) وهم طِوالٌ غير غِلاظ، ووَقَعَ في حديث الإسراء وهو في بَدْء الخلق

٢٣٨
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
(٣٢٣٩): ((رأيت موسى جَعداً طُوَالاً)) واستَنْكَرَه الدّاوودي، فقال: لا أُراه محفوظاً، لأنَّ
الطَّويل لا يُوصَف بالجَعْدِ، وتُعقِّبَ بأنَّهما لا يَتَنَافَان، وقال النَّوَوي: الجُعودة في صفة
موسى جُعودة الجسم، وهو اكتِنازُه واجتماعه، لا جُعودة الشَّعر، لأنَّه جاء أنَّه كان رَجِلَ
الشَّعر.
قوله في صِفَة عيسى: ((رَبْعة)) هو بفتح الرّاء وسكون الموحّدة، ويجوز فتحها: وهو
المربوع، والمراد: أنَّه ليس بطويل جدّاً، ولا قصير جدّاً، بل وَسَطٌ.
وقوله: ((من دِيماس)) هو بكسر المهمَلة وسكون التَّحتانية وآخره مُهمَلة.
قوله: ((يعني الحتّام)) هو تفسير عبد الرَّزاق، ولم يقع ذلك في رواية هشام، والدِیماس في
اللُّغة: السَّرَب، ويُطلَق أيضاً على الكِنّ، والحّام من ◌ُلة الكِنّ. والمراد من ذلك وصفه
بصَفاءِ اللَّون ونَضَارة الجسم وكَثْرة ماء الوجه، حتَّى كأنَّه كان في موضع كِنَّ فخَرَجَ منه
وهو عَزْقان، وسيأتي في رواية ابن عمر (٣٤٤١) بعد هذا: ((يَنطِف رأسه ماءً)) وهو محُتَمَل
لأن يُراد الحقيقة، وأنَّه عَرِقَ حتَّى قَطَرَ الماء من رأسه، ويحتمل أن يكون كِناية عن مَزِيد
نَضارة وجهه، ويُؤيِّده أنَّ في رواية عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة عند أحمد (٩٢٧٠
و٩٦٣٢) وأبي داود (٤٣٢٤): ((يَقطُر رأسه ماء وإن لم يُصِبْه بَلَل)).
قوله: ((وُتّيتُ بإناءَين)) يأتي الكلام عليه في الكلام على الإسراء في السِّيرة النَّبوية (٣٢٣٩)
إن شاء الله تعالى.
الحديث الثالث:
٣٤٣٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا إسرائيلُ، أخبرنا عُثْمَانُ بنُ المغيرةِ، عن مجاهدٍ، عن
ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((رأيتُ عيسى وموسى وإِبراهيمَ، فأمَّا عيسى
فأحمرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وأمَّا موسى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبِطٌ، كأنَّه من رجال الزُّطِّ)).
قوله: ((أخبَرَنا عُثْمان بن المغيرة)) هو الثَّقَفي مولاهم الكوفي، ويقال له: عثمان بن أبي زُرْعة،
وهو ثقة من صِغار التابعينَ، وليس له في البخاري غير هذا الحديث الواحد.

٢٣٩
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٨
كتاب أحاديث الأنبياء
قوله: ((عن ابن عمر)) كذا وَقَعَ في جميع الرِّوايات التي وَقَعَت لنا من نُسَخ البخاري،
وقد تَعقَّبَه أبو ذرٍّ في روايته، فقال: كذا وَقَعَ في جميع الرِّوايات المسموعة عن الفِرَبْي:
(مجاهد، عن ابن عمر))، قال: ولا أدري/ أهكذا حدَّث به البخاري أو غَلِطَ فيه الفِرَبري؟ ٤٨٥/٦
لأنّي رأيته في جميع الطّرق عن محمّد بن كثير وغيره: عن مجاهد عن ابن عبَّاس، ثمَّ ساقَه بإسنادِه
إلى حَنبَل بن إسحاق قال: حدَّثنا محمّد بن كثير، وقال فيه: ابن عبّاس. قال: وكذا رواه
عثمان بن سعيد الدَّارِمي، عن محمَّد بن كثير، قال: وتابَعَه نَصْر بن عليّ عن أبي أحمد الزُّبَيري
عن إسرائیل، وكذا رواه یحیی بن زکریًّا بن أبي زائدة عن إسرائیل. انتهى.
وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) عن الطبراني(١) عن أحمد بن محمد الخُزَاعي عن محمَّد
ابن كثير، وقال: رواه البخاري عن محمَّد بن كثير، فقال: مجاهد عن ابن عمر، ثمَّ ساقَه من
طريق نَصْر بن عليّ عن أبي أحمد الزُّبَيري عن إسرائيل، فقال: ابن عبَّاس. انتهى.
وأخرجه ابن مَندَهْ في ((كتاب الإيمان)) (٧٢٦) من طريق محمَّد بن أيوب بن الضُّريس
وموسى بن سعيد الدَّنداني كلاهما عن محمّد بن كثير، فقال فيه: ابن عبَّاس، ثمّ قال: قال
البخاري: عن محمَّد بن كثير ... عن ابن عمر، والصَّواب: عن ابن عبّاس.
وقال أبو مسعود في «الأطراف»: إنّما رواه الناس عن محمّد بن کثیر، فقال: مجاهد عن
ابن عبّاس، ووَقَعَ في البخاري في سائر النُّسَخ: مجاهد عن ابن عمر، وهو غَلَط، قال: وقد
رواه أصحاب إسرائيل منهم: يحيى بن أبي زائدة وإسحاق بن منصور والنَّضر بن شُمَيلِ
وآدم بن أبي إياس وغيرهم عن إسرائيل، فقالوا: ابن عبّاس. قال: وكذلك رواه ابن عَوْن
عن مجاهد عن ابن عباس. انتھی.
ورواية ابن عَوْن تقدَّمت في ترجمة إبراهيم عليه السلام (٣٣٥٥)، ولكن لا ذِكرَ لعيسى
عليه السلام فيها، وأخرجها مسلم (١٦٦/ ٢٧٠) عن شيخ البخاري فيها، وليس فيها
لعیسی ذِكْر، إنّما فيها ذِكْر إبراهيم وموسى حَسْبُ.
(١) وهو عند الطبراني في ((معجمه الكبير) (١١٠٥٧).

٢٤٠
باب ٤٨ / ح ٣٤٣٩ -٣٤٤١
فتح الباري بشرح البخاري
وقال محمَّد بن إسماعيل التَّيْمي: ويقع في خاطري أنَّ الوَهم فيه من غير البخاري، فإنّ
الإسماعيلي أخرجه من طريق نَصْر بن عليّ عن أبي أحمد، وقال فيه: عن ابن عبّاس، ولم يُنَبِّه
على أنَّ البخاري قال فيه: عن ابن عمر، فلو كان وَقَعَ له كذلك لَنَّه عليه كعادَتِهِ، والذي
يُرجِّعُ أنَّ الحديث لابن عبَّاس لا لابن عمر ما سيأتي (٣٤٤١) من إنكار ابن عمر على مَن
قال: إنّ عيسى أحمر، وحَلِفِه على ذلك، وفي رواية مجاهد هذه: ((فأمَّا عيسى فأحمرُ جَعْد))،
فهذا يُؤيِّد أنَّ الحديث لمجاهد عن ابن عبّاس، لا عن ابن عمر، والله أعلم.
قوله:((سَبِط)) بفتح المهمَلة وكسر الموحّدة(١)، أي: ليس بجَعدٍ، وهذا نعتٌ لشَعرِ رأسه.
قوله: ((كأنَّه من رجال الزُّطّ)) بضمّ الزّاي وتشديد المهمَلة: جِنس من السُّودان، وقيل:
هم نوع من الهُنود، وهم طٍوالُ الأجسام مع نَحافة فيها، وقد زَعَمَ التيمي(٢) أنَّ قوله في
صفة موسى: ((جَسِيم))، مخالف لقوله في الرّواية الأُخرى في ترجمته (٣٣٩٤): ((ضَرْبٌ من
الرِّجال)) أي: خفيف اللَّحم، قال: فلعلَّ راوي الحديث دَخَلَ له بعضُ لفظه في بعض، لأنَّ
الجَسيم وَرَدَ في صفة الدَّجّال. وأُجيبَ بأنَّه لا مانع أن يكون مع كَونِه خفيفَ اللَّحم جَسيماً
بالنِّسبة لطولِه، فلو كان غير طويل لاجتَمَعَ لحمُّه وكان جَسيماً.
٣٤٣٩- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، حدَّثنا موسى، عن نافعٍ، عن عبدِ الله:
ذَكَرَ النبيُّ ◌ِ لِهِ يوماً بِينَ ظَهْرَى الناسِ المسيحَ الدَّجّالَ، فقال: ((إنَّ اللهَ ليس بأعوَرَ، أَلَّا إنَّ المسيحَ
الدَّجّالَ أعوَرُ عَيْنِهِ اليُمنَى، كأنَّ عينَه عِنَةٌ طافيَةٌ)).
٣٤٤٠- ((وَأَرَاني اللّيلةَ عندَ الكَعْبةِ في المنامِ، فإذا رجلٌ آدَمُ كأَحسنِ ما يُرَى من أُدْمِ
الرِّجال، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بينَ مَنْكِبَهِ، رَجِلُ الشَّعَرِ، يَقْطُ رأسه ماءً، واضعاً يَدَيهِ على مَنْكِبَيْ
رجلَينٍ، يَطُوفُ بالبيتِ، فقلتُ: مَن هذا؟ فقالوا: هذا المسيحُ ابنُ مريمَ، ثمَّ رأيتُ رجلاً وراءَه
جَعْداً قَطِطاً، أعوَرَ عينِ الْيُمْنَى، كأشبَهِ مَن رأيتُ بابنٍ قَطَنٍ، واضعاً يَدَيهِ على مَنكِيْ رجلٍ
(١) قال القسطلاني في ((شرحه)) ٤١٤/٥: بفتح السين وسكون الموحدة وكسرها وفتحها.
(٢) في (س): ابن التين، وهو خطأ، والتصويب من (ع)، ومن ((عمدة القاري)) ٣٢/١٦.