النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٦ -٣٤٢٧ كتاب أحاديث الأنبياء قوله: ((فَجَعَلَ الفَراشُ)) بفتح الفاء والشِّين المعجمة، معروف ويُطلَق الفراشُ أيضاً على غَوْغاء الجراد الذي يَكثُر ويَتَرَاكَم. وقال في ((المحكم)): الفَراش: دَوابُّ مِثل البعوض واحدتها فَرَاشة، وقد شَبَّهَ الله تعالى الناس في المحشَر بالفراش المبثوث، أي: في الكَثْرة والانتشار والإسراع إلى الدّاعي. قوله: ((وهذه الدَّوابّ تقع في النار)) قلت: منها البَرَغَش والبعوض، ووَقَعَ في حديث جابر (١): ((فجَعَلَ الْجَنَابد والفراشُ)) والجَنابد جمع ◌ُنبُد، وهو على القلب، والمعروف: الجَنادِب، جمع جُندُب بفتح الدّال وضمّها، والجيم مضمومة وقد / تُكسَر، وهو على خِلقة ٤٦٤/٦ الجَرادة يَصِرّ في اللَّيل صَرّاً شديداً، وقيل: إنّ ذَكَر الجرادِ يُسَمّى أيضاً الجُندُب. قوله: (تَقَع في النار)) كذا فيه، وإنَّما هو في نُسخَة شعيب كما أخرجه أبو نُعَيم في (المستَخرَج)): ((وهذه الدَّوابِ التي تَقَعْنَ في النار يَقَعْنَ فيها))(٢)، قال النَّوَوي: مقصود الحديث أنَّهِ وَّهِ شَبَّهَ المخالِفِينَ له بالفَراش، وتَساقُطَهم في نار الآخرة بتَساقُطِ الفراش في نار الدُّنيا، مع حِرْصهم على الوقوع في ذلك ومَنعِه إياهم، والجامع بينهما اتِّباع الهوى وضعفُ التَّمييز وحِرْص كلٍّ من الطائفتين على هلاك نفسه. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا مَثلٌ كثير المعاني، والمقصود أنَّ الخلق لا يأتونَ ما يَجُرّهم إلى النار على قصد الهَلَكة، وإنَّما يأتونَه على قصد المنفَعة واتِباع الشَّهْوة، كما أنَّ الفَراش يَقتَحِم النار لا ليَهلك فيها، بل لمَا يُعجِبه من الضِّياء. وقد قيل: إنَّها لا تُبِصِر بحالٍ، وهو بعيد، وإنَّما قيل: إنَّها تكون في ظُلمة فإذا رأت الضّياءَ اعتَقَدَت أنَّهَا كُوَّة يَظهَر منها النّور، فتَقصِده لأجل ذلك فتحترِق وهي لا تَشعُر. وقيل: إنَّ ذلك لضعفٍ بَصَرِها، فتَظُنّ أنَّها في بيت مُظلِمٍ وأنَّ السِّراج مثلاً كوَّةٌ فترمي بنفسِها إليه، وهي من شِدَّة طَيَرانها تُجاوزه فتَقَع في الظُلمة فترجع إلى أن تحترق. (١) عند أحمد (١٤٨٨٧)، ومسلم (٢٢٨٥) وغيرهما، ووقع عندهم جميعاً: ((الجنادب)) بتقديم الدال على الأصل، ولم نقف على الرواية التي ذكرها الحافظ. (٢) فات الحافظَ هنا أنه سيأتي بهذا اللفظ من حديث شعيب أيضاً فيما سيأتي عند البخاري برقم (٦٤٨٣). ٢٠٢ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٦ -٣٤٢٧ فتح الباري بشرح البخاري وقيل: إنَّهَا تَتَضَرَّر بشِدَّة النّور فتَقصِد إطفاءَه، فلِشِدَّة جهلها تورِّط نفسها فيما لا قُدرة لها عليه، ذكر مُغَلْطاي أنَّه سمعَ بعض مشايخ الطِّبّ يقوله. وقال الغَزالي: التَّمثيل وَقَعَ على صورة الإکباب على الشَّهَوات من الإنسان بإکباب الفَراش على التَّهافُت في النار، ولكنّ جهل الآدمي أشدُّ من جهل الفَراش، لأنَّها باغترارها بظواهر الضَّوء إذا احتَرَقَت انتهى عذابها في الحال، والآدمي يبقى في النار مُدَّة طويلة أو أبداً، والله المستعان. قوله: ((وقال: كانت امرأتان» ليس في سياق البخاري تصريحٌ برفعِه، وهو مرفوع عنده عن أبي اليَمَان عن شعيب في أواخر كتاب الفرائض (٦٧٦٩) أورَدَه هناك، وكذا هو في نُسخَة شعيب عند الطبراني(١) وغيره، وفي رواية النَّسائي (٥٤٠٢) من طريق عليّ بن عيّاش عن شعيب: حدَّثني أبو الزِّناد ممّا حدَّثه عبد الرحمن الأعرَج، ممّا ذكر أنَّه سمعَ أبا هريرة يُحدِّث به عن رسول الله وَ ﴿ قال: ((بينما امر أتان)). قلت: ولم أقِفْ على اسم واحدة من هاتين المرأتين، ولا على اسم واحد من ابنَيهما في شيء من الطُرق. قوله: ((فتَحاكَ)) في رواية الكُشْمِيهني: ((فَتَحاكَمَتا))، وفي رواية شعيب: ((فاختَصَم))(٢). قوله: ((فقضی به للگُبْری ... )) إلى آخره، قيل: كان ذلك على سبيل الفُتْيا منهما لا الحُكم، ولذلك ساغَ لسليمان أن يَنقُضَه، وتَعقَّبَه القُرطُبي بأنَّ في لفظ الحديث أنَّه قضى بأنَّهما تَحاكما، وبأنَّ فُتيا النبي وحُكمه سواءً في وجوب تنفيذ ذلك. وقال الدَّاوودي: إنّما كان منهما على سبيل المشاوَرة، فَوَضَحَ لداود صِحَّةُ رأي سلیمان فأمضاه. وقال ابن الجَوْزي: استَوَيا عند داود في اليد، فقَدَّمَ الكبرى للسِّنّ. وتَعقَّبَه القُرطُبي وحَكَى أنَّه قيل: كان من شرع داود أن يَحِكُم للكُبرى، قال: وهو فاسد لأنَّ الكِبَرَ والصِّغَر (١) في ((مسند الشاميين)) (٣٣٢٠). (٢) رواية شعيب هذه عند النسائي (٥٤٠٤). ٢٠٣ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٦-٣٤٢٧ كتاب أحاديث الأنبياء وصفٌ طَرْدي كالطّولِ والقِصَر والسَّواد والبياض، ولا أثر لشيءٍ من ذلك في التَّرجيح، قال: وهذا ممّا يكاد يُقطَع بفسادِه. قال: والذي ينبغي أن يقال: إنَّ داود عليه السلام قضى به للكُبرى لسَبَبِ اقتَضى به عنده ترجيحَ قولها، إذ لا بَيِّنة لواحدة منهما، وكَونُه لم يُعيِّ في الحديث اختصاراً، لا يَلزَم منه عَدَمُ وقوعه، فيحتمل أن يقال: إنَّ الولد الباقي كان في يد الكبرى وعَجَزَت الأُخرى عن إقامة البيِّنة، قال: وهذا تأويلٌ حسنٌ جارٍ على القواعد الشَّرعية، وليس في السِّیاق ما يأباه ولا يَمنَعه، فإن قيل: فكيف ساغَ لسليمان نَقضُ حُكمه؟ فالجواب أنَّه لم يَعمَدْ إلى نَقْضِ الحُكم، وإنَّما احتالَ بحيلة لطيفة أظهَرَت ما في نفس الأمر، وذلك أنَّهما لمَّا أخبَرَتا سليمان بالقصَّة فدَعَا بالسّكّين ليشُقَّه بينهما، ولم يَعزِمْ على ذلك في الباطن، وإنَّما أراد استكشاف الأمر، فحَصَلَ مقصوده لذلك لجَزَع الصُّغرى الدّالِّ على عظيم الشَّفَقة، ولم يَلْتَفِتْ إلى إقرارها بقولها: هو ابن الكبرى، لأنَّه عَلِمَ أنَّهَا آثَرَت / حياته، فظَهَرَ له من قَرِينة ٤٦٥/٦ شَفَقة الصُّغرى وعَدَمِها في الكبرى - مع ما انضافَ إلى ذلك من القَرِينة الدّالَّة على صِدقها - ما هَجَمَ به على الحكم للصُّغرى. ويحتمل أن يكون سليمان عليه السلام ثمَّن يَسُوغ له أن يحكمَ بعِلمِه، أو تكون الکبری في تلك الحالة اعتَرَفَت بالحقِّ لمَّا رأت من سليمان الجِدَّ والعَزْم في ذلك. ونَظِير هذه القصّة ما لو حَكَمَ حاكم على مُدَّع مُنكِرٍ بيمين، فلمَّا مضى ليُحَلِّفه حَضَرَ مَن استَخرَجَ من المنكِرِ ما اقتَضى إقرارَه بما أراد أن يَحِلِف على جَحْده، فإنَّه - والحالة هذه - يحكُم عليه بإقراره، سواء كان ذلك قبل اليمين أو بعدها، ولا يكون ذلك من نَقضِ الحُكم الأوَّل، ولكن من باب تبدُّل الأحكام بتبدُّلِ الأسباب. وقال ابن الجَوْزي: استَنْبَطَ سليمانُ لمَّا رأى الأمر مُحْتَمَلاً فأجادَ، وكلاهما حَكَمَ بالاجتهاد، لأنَّه لو كان داودُ حَكَمَ بالنَّصِّ لمَا ساغَ لسليمان أن يحكمَ بخِلافه. ودَلَّت هذه القصَّة على أنَّ الفِطْنة والفَهْم مَوهِبة من الله لا تتعلَّق بكِبِرِ سِنّ ولا صِغَرِه. ٢٠٤ باب ٤١ فتح الباري بشرح البخاري وفيه أنَّ الحقّ في جِهَة واحدة، وأنَّ الأنبياء يَسُوغُ لهم الحكمُ بالاجتهاد، وإنْ كان وجود النَّصّ تُمكِنَاً لَدَيهم بالوحي، لكن في ذلك زيادة في أُجورهم، ولعِصمَتِهم من الخطأ في ذلك إذ لا يُقَرُّونَ - لِعِصمَتِهم - على الباطل. وقال النَّوَوي: إنَّ سليمان فعلَ ذلك ◌َيُّلاً على إظهار الحقّ، فكان كما لو اعتَرَفَ المحكوم له بعد الحُكم أنَّ الحقّ لخَصمِه. وفيه استعمال الحِيَل في الأحكام لاستخراج الحقوق، ولا يَتأنَّى ذلك إلّ بمَزِيد الفِطنة وتُمارَسة الأحوال. قوله: ((لا تَفْعَل يرحمك الله) وَقَعَ في رواية مسلم (١٧٢٠/ ٢٠) والإسماعيلي من طريق وَرْقاء عن أبي الزِّناد: ((لا، يرحُك الله)). قال القُرطُبي: ينبغي على هذه الرّواية أن يَقِفَ قليلاً بعد ((لا)) حتَّى يَتَبَيَّن للسامع أنَّ الذي بعده كلام مُستأنَف، لأنَّه إذا وَصَلَه بما بعده يَتَوهَّم السامعُ أنَّه دُعاءٌ علیه، وإنَّما هو دعاء له، ویَزُول الإبهام في مثل هذا بزيادة واو، كأن يقول: لا ویرحمك الله. وفيه حُجَّة لمن قال: إنَّ الأُمّ تَستَلحِقُ، والمشهور من مذهب مالك والشّافعي: أنَّه لا يَصِحُ، وقد تَعرَّضَ المصنّف لذلك في أواخر كتاب الفرائض (٦٧٦٩)، ويأتي البحث فيه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: «قال أبو هريرة» يعني: بالإسناد إليه وليس تعليقاً، وقد وَقَعَ کذلك في روایة الإسماعيلي من طريق وَزْقاء عن أبي الزناد. والمُدْية مثلَّئة الميم، قيل للسِّكّينِ ذلك، لأنَّها تَقطَع مَدَى حياة الحيوان، والسِّكّين تُذكَّر وتُؤُنَّث، قيل لها ذلك، لأنَّها تُسكِّن حركة الحيوان. ٤١ - باب قولِ الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَخُورٍ ﴾ [لقمان: ١٢ -١٨] ﴿وَلَا تُصَعِرْ﴾: الإعراضُ بالوَجْه. ٢٠٥ باب ٤١ / ح ٣٤٢٨ -٣٤٢٩ كتاب أحاديث الأنبياء ٣٤٢٨- حذَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله قال: لمَّا نزلت: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحابُ النبيِّ ◌َّهِ: أَيُّنا لم يَلْبِس إيمانَهَ بِظُلْم؟ فنزلتْ: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ٣٤٢٩- حدّثنا إسحاقُ، أخبرنا عيسى بنُ يونُسَ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله ﴾، قال: لمَّ نزلت ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ شَقَّ ذلك على المسلمينَ، فقالوا: يا رسولَ الله، أيُّنَا لا يَظلمُ نفسَه؟ قال: ((ليس ذلك، إنَّما هو الشِّرْكُ، ألم تَسْمَعوا ما قال لُقْمَانُ لابنِهِ وهو يَعِظُهُ: ﴿يَبُنَىَّلَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)). قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ اَلْحِكْمَةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَخُورٍ﴾)) اختُلِفَ في ٤٦٦/٦ لُقمان فقيل: كان حَبَشِيّاً، وقيل: كان نُوبياً. واختُلِفَ هل كان نبيّاً؟ قال السُّهَيلي: كان نوبيّاً من أهل أَيلة، واسم أبيه عنقا بن شيرون. وقال غيره: هو ابن باعور بن ناحر بن آزَرَ، فهو ابن أخي إبراهيم، وذكر وَهْب في ((المبتدَأ)»: أنَّه كان ابن أُخت أيوب، وقيل: ابن خالته. وروى الثَّوري في ((تفسيره) عن أشعَث عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: كان لُقمان عبداً حَبَشّاً نَجّاراً. وفي ((مُصنَّف ابن أبي شَيْبة)) (٢١٤/١٣) عن خالد بن ثابت(١) الرَّبَعي أحد التابعينَ مِثْلُه، وحَكَى أبو عُبيد البَكْري في ((شرح الأمالي)»: أنَّه كان مولى لقوم من الأزدِ، وروى الطََّري (٦٧/٢١) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيّب: كان لقمانُ من سودان مِصرَ ذو مَشافر، أعطاه الله الحكمة ومَنَعَه النبوّة. وفي «المستدرك» (٢/ ٤٢٢) بإسناد صحيح عن أنس قال: کان لقمان عند داود وهو يَسْرُد الدِّرع، فَجعل لقمان یَتَعَجَّب ویرید أن يسأله عن فائدته، فتَمنَعُه حِكمته أن يسأل. (١) كذا وقع في أصول ((الفتح))، وهو كذلك في ((مصنف ابن أبي شيبة)): ثابت، والصواب أنَّ اسمه خالد بن باب، بموحّدتین، هكذا سمّاه غير واحدٍ ممن ترجم له منهم البخاري في «التاريخ الكبير)» ١٤١/٣، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل» ٣٢٢/٣ وقال: ترك أبو زرعة حديثه. ٢٠٦ باب ٤١ / ح ٣٤٢٨ -٣٤٢٩ فتح الباري بشرح البخاري وهذا صريح في أنَّه عاصَرَ داود عليه السلام، وقد ذكره ابن الجَوْزي في ((التَّلقيح)) بعد إبراهیم قبل إسماعيل وإسحاق، والصّحیح أنَّه کان في زمن داود. وقد أخرج الطََّري (٦٧/٢١) وغيره عن مجاهد: أنَّه كان قاضياً على بني إسرائيل زمنَ داود عليه السلام، وقيل: إنَّه عاشَ ألف سنة، نُقِلَ عن ابن إسحاق وهو غَلَطُ مَمَّنْ قالَه، وكأنَّه اختَلَطَ عليه بلُقمان بن عاد، وقيل: إنَّه كان يُفتي قبل بَعْث داود، وأغرَبَ الواقدي فَزَعَمَ: أنَّه كان بين عيسى ونبيًِّا عليهما الصلاة والسَّلام، وشُبْهته ما حكاه أبو عُبيد البَكْري: أنَّه كان عبداً لبني الحَسْحاس بن الأزدِ. والأكثر أنَّه كان صالحاً. قال شُعْبة عن الحكم عن مجاهد: كان صالحاً ولم يكن نبياً، وقيل: كان نبيّاً، أخرجه ابن أبي حاتم وابن جَرِير من طريق إسرائيل عن جابر عن عِكْرمة. قلت: وجابر هو الجُعْفي ضعيف، ويقال: إنَّ ◌ِكْرمة تفرَّد بقوله: كان نبيّاً، وقيل: كان لرجل من بني إسرائيل فأعتَقَه وأعطاه مالاً يَنَّجِرُ فيه. وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن بشير عن قَتَادة: أنَّ لُقمان خُيِّرَ بين الحكمة والنبوَّة فاختارَ الحكمة، فسُئِلَ عن ذلك فقال: خِفتُ أن أضعُفَ عن حمل أعباء النبوّة. وفي سعید بن بشير ضعف. وقد روى سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانِيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ ﴾ قال: التفقُّه في الدِّين، ولم يكن نبيّاً، وقد تقدَّم تفسير المراد بالحكمة في أوائل كتاب العلم (٧٥) في شرح حديث ابن عبّاس: ((اللهمَّ عَلِّمه الحكمة)). وقيل: كان خَيّاطاً، وقيل: كان نَجّاراً. وقوله: ((﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ،﴾)) قال السُّهَيلي: اسم ابنه بارانَ، بموحّدة وراء مُهمَلة، وقيل فيه بالدّال في أوَّله، وقيل: اسمه أنعَمُ، وقيل: شَكُور، وقيل: ماثان(١). (١) تحرف في (أ) و(ع) إلى: ماثلي. وفي (س) إلى: بابلي، وانظر (عمدة القاري)) للعيني ١١٢/١٩، واروح المعاني)) للألوسي ٨٤/٢١. ٢٠٧ باب ٤٢ كتاب أحاديث الأنبياء قوله: ((﴿وَلَا تُصَعِرْ﴾: الإِعْراض بالوَجْه)) هو تفسير لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وهو تفسير عِكْرمة، أورَدَه عنه الطََّري (٢١/ ٧٥)، وأورَدَ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾: لا تَتَكَبَّر عليهم. قال الطَّبَري: أصل الصَّعَر - يعني: بالمهمَلتَين -: داء يأخذ الإبل في أعناقها حتَّى يُلْفِتَ أعناقها عن رؤوسها، فيُشَبَّه به الرجلُ المتكبِّر المعرض عن الناس، انتهى. وقوله: (﴿ُّصَعِّرْ﴾)) هي قراءة عاصم وابن كثير وأبي جعفر، وقال أبو عُبيد في ((القراءات)) له: حدَّثنا هُشَيم عن يونس عن الحسن: أنَّه قرأها كذلك، وقرأها الباقونَ (تُصاعِرْ))، قال أبو عُبيد: والأوَّل أحَبُّ إليَّ لمَا في الثّانية من المفاعَلة، والغالب أنَّه من اثنينٍ، وتكون الأولى أشمَلَ في اجتناب ذلك. وقال الطَّبري: القراءتان مشهورتان ومعناهما صحيح، والله أعلم. ثم ذكر المصنف حديثَ ابن مسعود في نزول قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَّأْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾، وسيأتي شرحه في تفسير الأنعام (٤٦٢٩)، أورَدَه من وجهَينٍ، وإسحاق شيخه في الطَّريق الثّانية هو ابن راهويه، وبذلك جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)). ٤٢ - باب ﴿وَأَضْرِبْ لَمُمْ مَّثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْبَةِ ﴾ الآيةَ [يس: ١٣] ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ [يس: ١٤]: قال مجاهدٌ: شَدَّدْنا. وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿طَيِرَّكُمْ﴾ [يس: ١٩]: مَصائبُكم. قوله: ((باب ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْبَةِ﴾ الآية، ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ قال مجاهد: شَدَّدْنا، وقال ٤٦٧/٦ ابن عبّاس: ﴿طَيِّكُمْ﴾: مَصائبكم)) أمَّا قول مجاهد، فوَصَلَه الفِرْيابي من طريق ابن أبي نَجِيح عنه بهذا، وأمَّا قول ابن عبّاس فوَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه به. والقرية المراد بها: أنطاكِيَةُ فيما ذكر ابن إسحاق ووَهْب في ((المبتَدَأ)»، ولعلَّها كانت مدينةً بالقُربِ من هذه الموجودة، لأنَّ الله أخبر أنَّه أهلَكَ أهلها، وليس لذلك أثرٌ في هذه المدينة الموجودة الآن، ولم يَذكُر المصنِّ في ذلك حديثاً مرفوعاً. ٢٠٨ باب ٤٣ فتح الباري بشرح البخاري وقد روى الطبراني (١١١٥٢) من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: ((السُّبَّق ثلاثة: يُوشَعُ إلى موسى، وصاحبُ يسَ إلى عيسى، وعليٌّ إلى محمَّد وَلّ)) وفي إسناده حُسين بن حسن(١) الأشقَر، وهو ضعيف، فإن ثَبَتَ دَلَّ على أنَّ القصَّة كانت في زمن عيسى أو بعده، وصَنيع المصنِّف یقتضي أنّها قبل عيسى. وروى ابن إسحاق في ((المبتدَأ)) عن أبي طُوَالة عن كعب الأحبار: أنَّ اسم صاحب يسّ حبيبٌ النَّجّار، وروى الثَّوري في ((تفسيره)) عن عاصم عن أبي مِجْلَز قال: كان اسمه حبيب بن مُرّي، وعن شبيب بن بشر عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: هو حبيب النَّجّار، وعن السُّدّي: كان قَصّاراً، وقيل: كان إسكافاً. قال ابن إسحاق: واسم الرُّسُل الثلاثة: صادق وصدوق وشلوم، وقال ابن جُرَيج عن وَهْب بن سليمان عن شعيب الجَبَتي - بالجيم والموحّدة والهمز بلا مَدّ ـ: كان اسم الرَّسولَين شَمعون ويُوحَنا، واسم الثّالث بولِص، وعن قَتَادة: كانوا رُسُلاً من قِبَل المسيح، والله أعلم. ٤٣- باب قول الله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿لَمْ تَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٢-٧] قال ابنُ عبَّاسٍ: مِثْلاً. يقال: ﴿رَضِيًّا﴾ مَرْضِياً. ﴿عِّيًّا﴾ [مريم:٨]: عَصِيّاً، عَنَا يَعْتُو. قوله: ﴿ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًا﴾ [مريم: ٨-١٠] ويقال: صَحِيحاً. ﴿َرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْبُّكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، ﴿فَأَوْحَىّ﴾: فأشارَ. ﴿بَيَحْيِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّقِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٢ -١٥]. (١) تحرف في (س) إلى: حُسين بن حُسين. وحُسين هذا منكر الحديث وبعضهم اتهمه بالكذب. ٢٠٩ باب ٤٣ / ح ٣٤٣٠ كتاب أحاديث الأنبياء حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]: لَطِيفاً. ﴿عَاقِرًا﴾ [مريم:٥]: الذَّكَرُ والأُنثَى سواءٌ. ٣٤٣٠- حدَّثنا هُذْبةُ بنُ خالدٍ، حدَّثْنَا هَمَّامُ بنُ يحيى، حدَّنا قَتَادةُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صَعْصَعةَ: أَنَّ نبيَّ اللهَوَ حدَّثهم عن ليلةَ أُسْرِيَ به: ((ثُمَّ صَعِدَ حتَّى أَتى السماءَ الثّانيةَ، فاستَفْتَحَ، قيل: مَن هذا؟ قال: جِبْرِيلُ، قيل: ومَن مَعَكَ؟ قال: محمَّدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم. فلمَّا خَلَصْتُ فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالةٍ، قال: هذا يحيى وعيسى، فسَلِّمْ عليهما، فسَلَّمْتُ فَرَذَّا، ثمَّ قالا: مَرْحباً بالأخِ الصالحِ، والنبيِّ الصالحِ)). قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ, ٤٦٨/٦ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾)) في زكريّا أربع لغات: المدّ والقصر، وحذف الألف مع تخفيف الياء، وفيه تشديدها أيضاً وحذفها، وقال الجَوْهري: لا يُصرَف مع المدّ والقصر. قوله: ((قال ابن عبّاس: مِثلاً)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ، سَمِيًّا﴾ يقول: هل تعلم له مِثلاً أو شِبْهاً، ومن طريق سِماك بن حَرْب عن عِكْرمة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿لَمْ تَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال: لم يُسَمَّ يحيى قبلَه غيرُه، وأخرجه الحاكم في ((المستدرَك)) (٢/ ٣٧٢). قوله: ((يقال: ﴿رَضِيًّا﴾: مَرْضيّاً)) حكاه الطَّبَري قال: مَرضيّاً: ترضاه أنتَ وعِبادُك. قوله: ((﴿عِيًّا﴾: عَصِيّاً، عَتَا يَعتُو)) كذا فيه بالصّادِ المهمَلة والصَّواب بالسِّين، وروى الطَّبَري (٥١/١٦) بإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس قال: ما أدري أكان رسول الله،وَل يقرأ عِتّاً أو عِسِيّاً. وقال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِيًّا﴾: كلّ مُبالِغٍ من كِبَر أو كفر أو فسادٍ فقد عَتا يَعتُو عِتِيّاً. قوله: (﴿ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًا﴾ ويقال: صحيحاً)) هو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلمَ أخرجه ابن أبي حاتم عنه، قال في قوله: ﴿ثَثَ لَيَالٍ سَوِبًا﴾: وأنتَ صحيح، فحُِسَ لسانه فكان لا ٢١٠ باب ٤٣ / ح ٣٤٣٠ فتح الباري بشرح البخاري يستطيع أن يتكلّم وهو يقرأ التّوراة ویُسبِّح، ولا يستطيع أن يُكلِّم الناس، أخرجه ابن أبي حاتم من طريقه، وأخرج من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: اعتَقَلَ لسانُه من غير مرض. قوله: ((﴿فَأَوْحَىَ﴾: فأشارَ)) هو قول محمَّد بن كعب ومجاهد وغير واحد، أخرجه ابن أبي حاتم عنهم. قوله: (﴿حَفِيًّا﴾: لطيفاً) هو قول ابن عبّاس، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه. وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا﴾، أي: مُتَفياً، يقال: تَحَقَّيْتُ بفلان. قوله: (﴿عَاقِرًا ﴾ الذَّكَرُ والأُنثى سواءٌ)) قال أبو عبيدة: العاقر: التي لا تَلِدُ، والعاقر: الذي لا يَلِد، قال عامر بن الطُّفَيل: لَبِئْسَ الفتى إن كنتُ أعوَرَ عاقراً جَباناً فما عُذْرِي لَدَى كلِّ مَحَضَرٍ وقال أيضاً: لفظ الذَّكَر فيه مِثل لفظ الأُنثى. قال الثَّعلَبي: وُلِد يحيى وعُمْرُ زكريًّا مئة وعشرونَ سنة، وقيل: تسعينَ، وقيل: اثنين وتسعينَ، وقيل: مئة إلّا ستَين، وقيل: إلّا سنة. ثم أورَدَ المصنِّ طَرَفاً من حديث الإسراء من رواية أنس عن مالك بن صَعصَعة، والغرض منه ذِكْر يحيى بن زكريًّا، وقال فيه وفي عيسى ابن مريم: إنَّهما ابنا خالةٍ، وزكريًّا: هو ابن أدن، ويقال: ابن: بشوى، ويقال: ابن بارخيا، ويقال: ابن أَخي(١) ابن بارخيا، ومريم بنت عمران بن ناشي، وهما من ذُرّية سليمان بن داود عليهما السَّلام، واسم أمّ مريم حَنَّة، بمُهمَلة ونون، بنت فاقود، واسم أُختها والدة يحيى إيشاع، قال ابن إسحاق في ((المبتَدَأ): كانت حَنَّة عند عِمران، وأُختها عند زكريًّا، وكانت حَنَّةً أُمسِكَ عنها الولد، ثمَّ حَت بمريم فماتَ عِمرانُ وهي حامل. وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن القاسم: سمعت مالك بن أنس يقول: بَلَغَني أنَّ عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريّا كان حَلُهما جميعاً، فبَلَغَني أنَّ أمّ يحيى قالت (١) في (س): ابن أبي. . ٢١١ باب ٤٤ / ح ٣٤٣١ كتاب أحاديث الأنبياء لمريم: إنّي أرى ما في بطني يَسجُد لمَا في بطنك، قال مالك: أراه لفضلٍ عيسى على يحيى. وقال الثَّعلَبي: وُلِد يحيى قبل عيسى بستَّة أشهُر. واختُلِفَ في قوله: ﴿وَءَايَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾ [مريم: ١٢] فقيل: نُبِّئ وهو ابن سبع سنين، وقيل: أقلّ من ذلك، والمراد بالحُكْمِ الفَهْم في الدِّين. قال ابن إسحاق: كان زكريًّا وابنُهُ آخرَ مَن بُعِثَ من بني إسرائيل قبل عيسى، وقال أيضاً: أراد بنو إسرائيل قتل زكريّا ففَرَّ منهم، فمرَّ بشجرة فانفَلَقَت له فدَخَلَ فيها فالْتَأْمَت عليه، فأخَذَ الشيطان بهُدْبة ثوبه، فرأَوها فوَضَعوا المِنشار على الشَّجَرة، فنَشَروها حتَّى قَطَعوه من وسطه في جَوْفها. وأمَّا يحيى فقُتِلَ بسَبَبِ امرأة أراد مَلِكُهم أن/ يَتزوَّجها، فقال له يحيى: إنَّها لا تَحِلّ لك ٤٦٩/٦ لكَونِها كانت بنت امرأته، فتَوَصَّلَت إلى الملك حتَّى قتل يحيى، قال ابن إسحاق: كان ذلك قبل أن يُرفَع عيسى. وروى أصل هذه القصَّة الحاكم في ((المستدرَك)) (٥٥٥/٣) من حديث عبد الله بن الزُّبَيرِ، وروى أيضاً (٢/ ٥٩١ -٥٩٢) من حديث ابن عبّاس: أنَّ دمَ يحيى كان يَفُور حتَّى قتل عليه بُختُنَصَّر من بني إسرائيل سبعينَ ألفاً فسَكَنَ. ٤٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِى الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِ اَنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [ مريم: ١٦] ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَتَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٥] ﴿ إِنَّ اللَّهُ أَصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْزَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿يَزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٣-٣٧]، قال ابنُ عبَّاسِ: وآلُ عِمْرانَ: المؤمنونَ من آلِ إبراهيمَ، وآلٍ عِمْرانَ، وآلٍ ياسِينَ، وآلٍ محمَّدٍ وَلّهِ، يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨]: وهم المؤمنونَ. ويقال: أَلُ يعقوبَ: أهلُ يعقوبَ، فإذا صَفَّروا ((آلَ)) ثمَّ رَدُّوه إلى الأصلِ، قالوا: أُهَيلٌ. ٣٤٣١- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُّ المسيّبِ، ٢١٢ باب ٤٤ / ح ٣٤٣١ فتح الباري بشرح البخاري قال: قال أبو هريرةَ﴾: سمعتُ رسولَ اللهِ وَل يقول: «ما مِن بني آدمَ مَوْلودٌ إلا يَمَسُّه الشيطانُ حينَ يُولَدُ، فيَسْتَهِلُّ صارخاً من مَسِّ الشيطانِ، غيرَ مريمَ وابنِها))، ثمَّ يقول أبو هريرةَ: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِي الْكِنَبِ مَرْيَ إِذٍ أَنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرِقِيًّا﴾. وقوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتِكَةُ يَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَ ءَدَمَ وَنُوحًا﴾)» هذه التَّرجمة معقودة لأخبار مريم عليها السَّلام، وقد قَدَّمتُ شيئاً من شأنها في الباب الذي قبله. ومريم بالسُّريانية: الخادِمِ، وسُمّيت به والدة عيسى فامتَنَعَ الصَّرفُ للتَّأنيثِ والعَلَمْيَّة، ويقال: إنَّ مريم بلسان العرب مَن تُكثِرِ من زيارة الرِّجال من النِّساء، كالزّير: وهو من يُكثِرِ زيارة النِّساء، واستَشهَدَ مَن زَعَمَ هذا بقولِ رُؤبة: قلتُ لِزِيرٍ لم تَصِلْه مَريَمُهْ حكاه أبو حَيّان في تفسير سورة البقرة، وفيه نظرٌ. قوله: ((قال ابن عبَّاس: ﴿وَءَالَ عِمْرَنَ﴾: المؤمنونَ من آلِ إبراهيم وآلِ عِمْران وآلٍ یاسین وآلٍ محمَّد ◌َّةٍ، يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِزَهِيمَ لَلَّذِينَ آَتَّبَعُوهُ ﴾ وهم المؤمنون)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، وحاصله أنَّ المراد بالاصطِفاءِ بعضُ آلٍ عِمران، وإن كان اللَّفظ عامّاً فالمراد به الخُصوص. قوله: ((ويقال: ألُ يعقوب: أهل يعقوب، إذا صَغَّروا آلَ رَدُّوه إلى الأصل، قالوا: أُهَيْل)) اختُلِفَ في ((آلَ)) فقيل: أصله: أهلٌ، فقُلِبَت الهاء همزة، بدليل ظُهور ذلك في التَّصغير، وهو يَرُدّ الأشياء إلى أصلها، وهذا قول سيبويه والجمهور، وقيل: أصله: أوَلٌ، من آلَ يؤولُ: إذا رَجَعَ، لأنَّ الإنسان يَرجِع إلى آلِهِ، فَتَحرَّكَت الواو وانفَتَحَ ما قبلها فَقُلِبَت ألِفاً، وتصغيره على أُویل. قوله: ((عن الزُّهْري، قال: حدَّثني سعيد بن المسيّب)) كذا قال أكثر أصحاب الزّهْري، وقال الزُّبَيدي: عن الزُّهْري عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة، أخرجه الطَّبَري (٢٤٠/٣). ٢١٣ باب ٤٤ / ح ٣٤٣١ كتاب أحاديث الأنبياء قوله: ((ما مِن بني آدم مولود إلّا يَمَسُّه الشيطان حين يولد» في رواية/ سعيد بن المسيّب ٤٧٠/٦ عن أبي هريرة(١) الماضية في ((باب صفة إبليس)) (٣٢٨٦) بيانُ المسّ المذكور ولفظه: ((كلّ بني آدم يَطِعُن الشيطانُ في جنبَيَه بإصبَعِه حين يولد، غير عيسى ابن مريم ذهب يَطعُن فطَعَنَ في الحِجاب)) أي: في المَشِيمة التي فيها الولد. قال القُرطُبي: هذا الطَّعن من الشيطان هو ابتداء التَّسليط، فحَفِظَ الله مريمَ وابنها منه ببَرَكَة دَعْوة أمّها حيثُ قالت: ﴿وَإِنْ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولم يكن لمريم ذُرّية غير عيسى. ووَقَعَ في رواية مَعمَر عن الزّهْري عند مسلم (١٤٦/٢٣٦٦): ((إلّا نَخَسَه الشَّيطان)) بنون وخاء مُعجَمة ثمَّ مُهمَلة. قوله: ((فيَسْتَهِلّ صارخاً من مَسّ الشيطان)) في رواية مَعمَر المذكورة: ((من نَخْسة الشيطان)) أي: سبب صُراخ الصَّبي أوَّلَ ما يولد الألمُ من نخس الشيطان إياه، والاستهلال: الصِّياح. قوله: ((غيرَ مريم وابنها)» تقدَّم في ((باب إبليس)) بذِكْر عيسى خاصَّة، فيحتمل أن يكون هذا بالنّسبة إلى المسّ، وذاكَ بالنّسبة إلى الطَّعن في الجنب، ويحتمل أن يكون ذاكَ قبل الإعلام بما زادَ، وفيه بُعْد، لأنَّه حديث واحد، وقد رواه خِلَاس عن أبي هريرة بلفظ: ((كلّ بني آدم قد طَعَنَ الشيطانُ فيه حين وُلِدَ، غير عيسى وأُمّه، جَعَلَ الله دون الطَّعنة حجاباً، فأصاب الحِجابَ ولم يُصِبهم)(٢)، والذي يَظهَر أنَّ بعض الرُّواة حَفِظَ ما لم يَحَفَظ الآخر، والزّيادة من الحافظ مقبولة، وأمَّا قول بعضهم: يحتمل أن يكون من العَطْف التَّفسيري، والمقصود الابن، كقولك: أعجبني زید وكَرَمُه، فهو تَعَسُّف شدید. قوله: ((ثمَّ يقول أبو هريرة: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ﴾ ... )) إلى آخره، فيه بيانٌ، لأنَّ في رواية أبي صالح عن أبي هريرة إدراجاً (٣)، وأنَّ تِلاوة الآية موقوفة على أبي هريرة. (١) بل من رواية الأعرج، عن أبي هريرة ... فذكره بلفظه. (٢) لم نقف على رواية خلاس هذه فيما بين أيدينا من مصادر! (٣) أخرجه الطبري في ((تفسيره)) ٢٣٩/٣ -٢٤٠. ٢١٤ باب ٤٥ / ح ٣٤٣٢ فتح الباري بشرح البخاري ٤٥ - بابٌ ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَكِ ﴾ الآية إلى قوله: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ [آل عمران: ٤٢-٤٤] يقال: ﴿يَكْفُلُ﴾ يَضُمّ. كَفَلَها: ضَمَّها، مُقَّةً، ليس من كَفالةِ الدُّيون وشِبْهِها. ٣٤٣٢- حدَّثْني أحمدُ بنُ أبي رَجَاءٍ، حدَّثنا النَّضْرُ، عن هشام، قال: أخبرني أَبي، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ جعفرٍ، قال: سمعتُ عليّاً ﴾، يقول: سمعتُ النبيَّ ◌َل، يقول: ((خيرُ نسائها مریمُ ابنُ عِمْرانَ، وخيرُ نسائِها خَدِيجُ)). [طرفه في: ٣٨١٥] قوله: ((﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَكِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، يقال: يَكْفُل: يَضُمّ، كَفَلَها: ضَمَّها، مُحُفَّفةً، ليس من كَفَالة الدُّيون وشِبْهها)) أشارَ بقوله: ((مُحَفَّفة)) إلى قراءة الجمهور، وقرأها الكوفيُّونَ (كَفَّلها)) بالتَّشديد، أي: كَفَّلها الله زكريًّا، وفي قراءتهم ((زكريّا)) بالقَصْر إلّا أنَّ أبا بكر بن عيّاش قرأه بالمدِّ، فاحتاج إلى أن يقرأ: ((زكريَّاء)) بفتح الهمزة، وقال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَا﴾ يقال: كَفَلها، بفتح الفاء وكسرها، أي: ضَمَّها، وفي قوله: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أي: يَضُمّ. انتهى، وكسر الفاء هو في قراءة بعض التابعينَ. واستُدِلَّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَئِكِ﴾ على أنَّها كانت نبيَّة، وليس بصريح في ذلك، ٤٧١/٦ وأُيِّدَ بذِكْرها مع الأنبياء في سورة/ مريم، ولا يَمنَعُ وصفُها بأنَها صِدّيقة، فقد وُصِفَ يوسف بذلك. وقد نُقِلَ عن الأشعَري: أنَّ في النِّساءِ عِدَّة نبيّات، وحَصَرَهُنَّ ابن حَزْم في ستُّ: حَوّاء وسارة وهاجَر وأُمّ موسى وآسية ومريم. ولم يذكر القُرطُبي سارةَ وهاجَر، ونَقَلَه في ((التَّمهيد)) عن أكثر الفقهاء، وقال القُرطُبي: الصَّحيح أنَّ مريم نبيَّة، وقال عياض: الجمهور على خِلافه. وذكر النَّوَوي في ((الأذكار)) أنَّ الإمام(١) نَقَلَ الإجماع على أنَّ مريم ليست نبيَّة، ونسبه في ((شرح المهذب)) لجماعة، وجاء عن الحسن: ليس في النِّساء نبيَّة (١) يعني إمام الحرمين الجُويني كما يأتي بعدُ في الباب التالي. ٢١٥ باب ٤٥ / ح ٣٤٣٢ كتاب أحاديث الأنبياء ولا في الجِنّ. وقال السُّبكي الكبير: اختلف في هذه المسألة ولم يَصِحَّ عندي في ذلك شيء، ونَقَلَه السُّهَيلي في آخر ((الرَّوض)) عن أكثر الفقهاء(١). قوله: ((حدَّثنا النَّضْرِ)) هو ابن شُمَيلِ، وهشام: هو ابن عُرْوة بن الزُّبَير، وعبد الله بن جعفر، أي: ابن أبي طالب. قال الدّارَ قُطْني: رواه أصحاب هشام بن عُرْوة عنه هكذا، وخالَفَهم ابن جُرَيج وابن إسحاق، فَرَوَياه عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن الزُّبَير عن عبد الله بن جعفر، زاد في الإسناد عبدَ الله بن الزُّبَير، والصَّواب إسقاطه، والله أعلم. قوله: ((خيرُ نسائها مريمٌ)) أي: نساء أهل الدُّنيا في زمانها، وليس المراد أنَّ مريم خير نسائها، لأنَّه يصير كقولهم: زيد أفضلُ إخوانه، وقد صَرَّحوا بمنعِه، فهو كما لو قيل: فلان أفضل الدُّنيا. وقد رواه النَّسائي (٨٢٩٧) من حديث ابن عبّاس بلفظ: «أفضل نساء أهل الجنَّة))، فعلى هذا فالمعنى: خير نساء أهل الجنَّة مريم، وفي رواية: ((خير نساء العالَمينَ))(٢)، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَأَصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ﴾، وظاهره أنَّ مريم أفضل من جميع النِّساء، وهذا لا يَمتَنِعِ عند مَن يقول: إنَّها نبيّة، وأمَّا مَن قال: ليست بنبيّة، فيَحمِله على عالَمِي زمانها، وبالأوَّل جَزَمَ الزَّجّاج وجماعة، واختارَه القُرطُبي، ويحتمل أيضاً أن يُرادَ نساء بني إسرائيل، أو نساء تلكَ الأُمَّة، أو ((مِن)) فيه مُضمَرة، والمعنى: أنَّها من جُملة النِّساء الفاضلات، ويَدفَعُ ذلك حديث أبي موسى المتقدِّم (٣٤١١) بصيغة الحَصْر: أنَّه لم يَكمُل من النِّساء غيرها وغير آسية. قوله: ((وخيرُ نسائها خديجة)) أي: نساء هذه الأُمَّة، قال القاضي أبو بكر بن العربي: خديجة أفضل نساء الأُمَّة مُطلَقاً لهذا الحديث. وقد تقدَّم في آخر قصَّة موسی حديث أبي موسى (٣٤١١) في ذِكْر مريم وآسية، وهو يقتضي فضلَهما على غيرهما من النِّساء، ودَلَّ هذا الحديث على أنَّ مريم أفضل من آسية، وأنَّ خديجة أفضل نساء هذه الأُمّة، وكأنَّه لم (١) يعني كونَ مريم نبيّة، انظر ((الروض الأنف)) ٢٦٨/٤. (٢) أخرجها ابن حبان (٦٩٥١). ٢١٦ باب ٤٦ فتح الباري بشرح البخاري يَتعرَّض في الحديث الأوَّل لنساءِ هذه الأُمَّة، حيثُ قال: ((ولم يَكمُّل من النِّساء)) أي: من نساء الأمم الماضية، إلّا إن حملْنا الكمال على النبوّة فيكون على إطلاقه. وعند النَّسائي (ك٨٢٩٧) بإسناد صحيح عن ابن عبّاس: ((أفضل نساء أهل الجنَّة خديجة وفاطمة ومريم وآسية))، وعند التِّرمِذي (٣٨٧٨) بإسنادٍ صحيح عن أنس: ((حَسبُك من نساء العالمينَ)) فذكرهنَّ، وللحاكمِ (١٥١/٣) من حديث حُذَيفة: ((أنَّ رسول الله ◌َّهِ أتاه مَلَك فَبَشَّرَه أنَّ فاطمة سَيِّدة نساء أهل الجنَّة))، وسيأتي مَزِيدٌ لذلك في ترجمة خديجة من مناقب الصَّحابة (٣٨١٥). ٤٦ - باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرَيَمَ ﴾ [آل عمران: ٤٥-٤٧] ﴿يُبَشِرُكِ﴾ ويَبْشُرُكِ: واحدٌ ﴿وَجِيهًا﴾ [آل عمران: ٤٥]: شَرِيفاً. وقال إبراهيمُ: المَسِيحُ: الصِّدِّيق. وقال مجاهدٌ: الكَهْلُ: الحَلِيمُ، والأكمَه: مَن يُصِرُ بالنَّهار ولا يُبْصِرُ باللَّيل. وقال غيرُه: مَن يُولَّدُ أعمَی. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ ٤٧٢/٦ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾)) وَقَعَ في رواية أبي ذرِّ بزيادة واو في أوَّل هذه الآية، وهو غلطٌّ، وإنَّما وَقَعَت الواو في أوَّل الآية التي قبلها، وأمَّا هذه فبغير واو. قوله: (﴿يُبَشِّرُكِ﴾ ويَبْشُرُكِ واحدٌ)) يعني: بفتح أوَّله وسكون الموحَّدة وضمّ المعجَمة، وبضمٍّ أوَّله وفتح الموحّدة وتشديد المعجَمة، والأولى - وهي بالتَّخفيفِ - قراءة يحيى بن وثّاب وحمزة والكِسائي، والبشير: هو الذي يُبِرِ المرءَ بما يَسُرّه من خير، وقد يُطلَق في الشّ مجازاً. قوله: ((﴿وَجِيهًا﴾ أي: شريفاً) قال أبو عبيدة: الوَجيه: الذي يَشرُف وتوجِّهُه الملوك، ٢١٧ باب ٤٦ كتاب أحاديث الأنبياء أي: تُشرِّفه، وانتَصَبَ قوله: ((وجيهاً)) على الحال. قوله: ((وقال إبراهيم: المَسِيح: الصِّدّيق)) وَصَلَه سفيان الثَّوري في ((تفسيره)) رواية أبي حُذَيفة موسى بن مسعود عنه عن منصور عن إبراهيم: هو النَّخَعي، قال: المسيح: الصِّدّيق. قال الطَّبَري: مُرادُ إبراهيم بذلك أنَّ الله مَسَحَه فطَهَّرَه من الذُّنوب، فهو فَعِيل بمعنى مفعول. قلت: وهذا بخلاف تسمية الدَّجّال المسيح فإنَّ فَعيل بمعنى فاعل، يقال: إنَّه سُمّي بذلك لكَونِهِ يَمسَح الأرض، وقيل: سُمّي بذلك لأنَّه ممسوح العين، فهو بمعنى مفعول، قيل في المسيح عيسى أيضاً: إنَّه مُشتَقٌّ من مَسْح الأرض، لأنَّه لم يكن يَستَقِرّ في مكان، ويقال: سُمّ بذلك لأنَّه كان لا يَمسَح ذا عاهَة إلّا بَرِئَ، وقيل: لأنَّه مُسِحَ بدُهنِ البَرَكة، مَسَحَه زكريًّا، وقيل: يحيى، وقيل: لأنَّه كان ممسوح الأخْمَصَينِ، وقيل: لأنّه كان جميلاً يقال: مَسَحَه الله، أي: خَلَقَه خلقاً حسناً، ومنه قولهم: به مَسْحة من جَال. وأغرَبَ الدَّاوودي فقال: لأنَّه كان يَلبَس المُسُوح(١). قوله: ((وقال مجاهد: الكَهْل: الحليم)) وَصَلَه الفِرْيابي من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَكَهْلًا وَمِنَ الصَِّحِينَ﴾ قال: الكَهْل: الحليم. انتهى، وقد قال أبو جعفر النَّحّاسِ: إِنَّ هذا لا يُعرَف في اللُّغة، وإنَّما الكَهلُ عندهم: مَن ناهَزَ الأربعينَ أو قارَبَها، وقيل: مَن جاوَزَ الثلاثينَ، وقيل: ابن ثلاث وثلاثين. انتهى، والذي يَظهَر أنَّ مجاهداً فَسَّرَه بلازمِه الغالب، لأنَّ الكَهل غالباً يكون فيه وَقارٌ وسَکِینة. وقد اختَلَفَ أهل العربية في قوله: ﴿وَكَهْلَا﴾ [آل عمران: ٤٦] هل هو معطوف على قوله: ﴿ وچیھًا ﴾ أو هو حال من الضَّمیر في «یُگلِّم))، أي: يُكلِّمهم صغيراً وگھلاً، وعلى الأوَّل یتَّجه تفسیر مجاهد. قوله: «الأكمَه: مَن يُبصِر بالنَّهار ولا يُبصِر باللَّيلِ، وقال غيره: مَن يولد أعْمى)) أمَّا قول مجاهد فوَصَلَه الفِرْيابي أيضاً، وهو قول شاذٍّ تفرَّد به مجاهد، والمعروف أنَّ ذلك هو (١) جمع مِسْح: وهو ثوب غليظ يُصنَع من الشَّعر. ٢١٨ باب ٤٦ / ح ٣٤٣٣ - ٣٤٣٤ فتح الباري بشرح البخاري الأعشى. ٤٧٣/٦ وأمَّا قول غيره فهو قول الجمهور، وبه جَزَمَ أبو عبيدة، وأخرجه الطَّبَري/ (٢٧٦/٣) عن ابن عبّاس، وروى عبد بن حُميدٍ من طريق سعيد عن قَتَادة: كنَّا نَتَحَدَّث أنَّ الأكمَه: الذي يولد وهو مضموم العين. ومن طريق عِكْرمة: الأكمَه: الأعمى. وكذا رواه الطََّري (٣/ ٢٧٧) عن السُّدّي، وعن ابن عبَّاس أيضاً، وعن الحسن ونحوهم. قال الطََّري: الأشبه بتفسير الآية قول قَتَادة، لأنَّ عِلاجَ مِثل ذلك لا يَدَّعيه أحد، والآية سِيقَت لبيان مُعجِزة عيسى عليه السلام، فالأشبَه أن يُحمَل المرادُ عليها، ويكون أبلَغَ في إثبات المعجزة، والله أعلم. ٣٤٣٣- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ، قال: سمعتُ مُرّةَ الهَمْدَانيَّ يُحدِّثُ، عن أبي موسى الأشعَرِيِّ ﴾، قال: قال النبيُّ وَّهِ: «فَضْلُ عائشةَ على النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ على سائرِ الطَّعامِ، كَمَلَ مِن الرِّجال كَثِيرٌ، ولم يَكمُّلْ مِن النِّساءِ إلا مريمُ بنتُ عِمْرَانَ، وآسِبَةُ امرأةٌ فِرْعَونَ)). ٣٤٣٤ - وقال ابنُ وَهْب: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ المسيّبِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ يقول: ((نساءُ قريشٍ خيرُ نساءٍ رَكِينَ الإبلَ: أَحْناهُ على طِفْلٍ، وأَزْعاهُ على زوجٍ في ذاتِ يدِ)). يقول أبو هريرةَ على إِثْرِ ذلكَ: ولم تَركَبْ مريمُ بنتُ عِمْرانَ بَعِيراً قَطُ. تَابَعَه ابنُ أخي الزُّهْريِّ وإسحاقُ الكَلْبِيُّ، عن الزُّهْريّ. [طرفاه في: ٥٠٨٢، ٥٣٦٥] ثم ذكر المصنف حدیثین: أحدهما: حديث أبي موسى الأشعري في فضل مريم وآسية، وقد تقدَّم شرحه في آخر قصَّة موسى عليه السلام (٣٤١١). ثانيهما: حديث أبي هريرة في فضل نساء قريش. ٢١٩ باب ٤٦ / ح ٣٤٣٣ -٣٤٣٤ كتاب أحاديث الأنبياء قوله: ((وقال ابن وَهْب ... )) إلى آخره، وَصَلَه مسلم (٢٠١/٢٥٢٧) عن حَرمَلة عن ابن وَهْب، وكذلك أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن حَرمَلة، وسيأتي للمصنّف موصولاً من وجه آخر عن ابن وَهْب في النِّكاح(١). قال القُرطُبي: هذا تفضيل لنساءِ قريش على نساء العرب خاصَّة، لأنَّهم أصحاب الإبل غالباً، وسيأتي بقيّة شرحه في كتاب النكاح (٥٠٨٢) إن شاء الله تعالى. قوله: ((أحْناه)) أشفَقُه، حَتَى يَحنُو ويَحني من الثُّلاثي، وأحنى يُحني من الرُّباعي: أشفَقَ عليه وعَطَفَ، والحانيَةُ: التي تقوم بوَلَدِها بعد موت الأب، قال: وحَنَت المرأة على ولدها: إذا لم تَتزوَّج بعد موت الأب. قال ابن التِّين: فإن تزوَّجَت فليست بحانية. قال الحسن في الحانية: التي لها ولد ولا تَتزوَّج. وفي بعض الكتب: أحنَّى بتشديد النُّون والتَّنوين، حكاه ابن التِّين، وقال: لعلَّه مأخوذ من الحنان، بفتح المهملة وتخفيف النون: وهو الرَّحمة، وحَنَّت المرأة على ولدها وإلى زوجها سواء كان بصوت أم لا، ومن الذي بالصَّوتِ حَنين الجِذْعِ، وأصله ترجيعُ صوت الناقة على أثر ولدها، وكان القياس: أحناهُنَّ، لكن جَرَى لسان العرب بالإفراد. وقوله: ((ولم تَركَب مريمُ بعيراً قَطّ)) إشارة إلى أنَّ مريم لم تَدخُل في هذا التّفضيل، بل هو خاصٌّ بمَن يَركَب الإبل، والفضل الوارد في خديجة وفاطمة وعائشة هو بالنِّسبة إلى جميع النِّساء إلّا مَن قيل: إنَّها نبيّة، فإن ثَبَتَ في حَقّ امرأة أنَّها نبيّة فهي خارجة بالشَّرع، لأنَّ دَرَجة النبوّة لا شيء بعدها، وإن لم يَتْبُت فيحتاج مَن يُرِجُهنَّ إلى دليل خاصّ لكلٍّ منهنَّ، فأشارَ أبو هريرة إلى أنَّ مريم لم تَدخُل في هذا العموم، لأنَّه قَيَّدَ أصل الفضل بمَن يَركَب الإبل، ومريم لم تَركَب بعيراً قَطُ. وقد اعتَرَضَ بعضهم فقال: كأنَّ أبا هريرة ظنَّ أنَّ البعیر لا یکون إلّا من الإبل، ولیس كما ظنَّ، بل يُطلَق البعير على الحِمار، وقال ابن خالويه: لم يكن إخوة يوسف رُكباناً إلّا على (١) ما سيأتي في النكاح (٥٠٨٢) هو عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. ٢٢٠ باب ٤٦ / ح ٣٤٣٣ -٣٤٣٤ فتح الباري بشرح البخاري أحمرة، ولم يكن عندهم إبل، وإنَّما كانت تَحمِلهم في أسفارهم وغيرها الأحمِرة، وكذا قال مجاهد هنا: البعير: الحِمار، وهي لغة حكاها الكَوَاشي(١). واستُدِلَّ بقوله: ﴿ وَأَصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ اَلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] على أنَّها كانت نبيَّة، ويُؤيِّدِه ذِكْرِها في سورة مريم بمثل ما ذُكِرَ به الأنبياء، ولا يَمنَع وصفها بأنَّهَا صِدّيقة، فإنَّ يوسف وُصِفَ بذلك مع كَونه نبيّاً، وقد نُقِلَ عن الأشعَري: أنَّ في النِّساء نبيّات، وجَزَمَ ابن حَزْم بستٌّ: حَوّاء وسارة وهاجَر وأُمّ موسى وآسية ومريم، ولم يَذْكُرُ القُرطُبي سارة ولا هاجر، ونَقَلَه السُّهَيلي في آخر («الرَّوض)) عن أكثر الفقهاء. وقال القُرطُبي: الصَّحيح أنَّ مريم نبيّة، وقال عياض: الجمهور على خِلافه. وذَكَر النَّوَوي في ((الأذكار)) عن إمام الحَرَمَين: أنَّه نَقَلَ الإجماع على أنَّ مريم ليست نبيَّة، ونَسَبَه ٤٧٣/٦ في ((شرح المهَذَّب)) لجماعة، وجاء عن الحسن البصري: ليس في النِّساء نبيَّة ولا/ في الجِنّ، وقال السُّبكي: اختُلِفَ في هذه المسألة ولم يصحّ عندي في ذلك شيءٍ. قوله: ((يقول أبو هريرة على إِثْر ذلك: ولم تركَبْ مريمُ بنت عِمْران بعيراً قَطّ)» في رواية لأحمد (١٠٩١) وأبي يَعْلى (٦٦٧٣): ((وقد عَلِمَ رسول اللهِ وَله أنَّ مريم لم تَركَب بعيراً قَطُّ)) أراد أبو هريرة بذلك أنَّ مريم لم تَدخُل في النِّساء المذكورات بالخيرية، لأنَّه قَيَّدَهنَّ برُكوب الإبل، ومريم لم تكن ممَّن يَركَب الإبل، وكأنَّه كان يرى أنَّها أفضل النِّساء مُطلَقاً. قوله: («تابَعَه ابن أخي الزُّهْري وإسحاقُ الكَلْبي عن الزُّهْرِي)» أمَّا مُتابعة ابن أخي الزُّهْري: وهو محمّد بن عبد الله بن مسلم، فوَصَلها أبو أحمد بن عَديٍّ في ((الكامل)) من طريق الدَّراوَرْدي عنه، وأمَّا مُتَابَعة إسحاق الكَلْبِي فَوَصَلها الذُّهْلي في (الزُّهْريات)) عن یحیی بن صالح عنه. (١) هاتان الفِقرتان تقدَّمتا في أول الباب الذي قبل هذا، قال مصحح طبعة بولاق: والنسخ التي بأيدينا متفقة على إثباته في المحلين مع تفاوت يسير جدّاً، وإنما أعادها هنا لمناسبة المقام لها.