النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب ٣٧ / ح ٣٤١٧ -٣٤١٩ كتاب أحاديث الأنبياء فِيَقْرأُ القرآنَ قبلَ أن تُسرَجَ دَوابُّه، ولا يأكلُ إلَّا من عملٍ يدِه)). رواه موسى بنُ عُقْبةَ، عن صَفْوانَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وََّ. ٣٤١٨- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّ سعيدَ بنَ المسيّبِ أخبَرَه وأبا سَلَمَةَ بنَ عبدِ الرحمن، أنَّ عبدَ الله بنَ عَمرِو رضي الله عنهما قال: أُخْبِرَ رسولُ اللهِ وَّهِ أَنّي أقولُ: والله لأصومَنَّ النَّهارَ، ولأقومَنَّ اللَّيلَ ما عِشْتُ، فقال له رسولُ الله وَلَّ: ((أنتَ الذي تقولُ: والله لأصومَنَّ النَّهارَ، ولأقومَنَّ اللَّيلَ ما عِشْتُ؟)) قلتُ: قد قلتُه، قال: ((إنَّكَ لا تستطيعُ ذلك، فصُمْ وأفطِرْ، وقُمْ ونَمْ، وصُم مِن الشَّهْرِ ثلاثةَ أيام، فإنَّ الحسنةَ بعَشْرِ أمثالِها، وذلك مِثلُ صيام الدَّهْرِ))، فقلتُ: إنّ أُطِيقُ أفضلَ من ذلك يا رسولَ الله، قال: ((فصُمْ يوماً، وأفطِرْ يومين))، قال: قلتُ: إنّ أُطِيقُ أفضلَ من ذلك، قال: «فصُمْ يوماً، وأفطِرْ يوماً، وذلك صيامُ داودَ، وهو أعْدَلُ الصِّيام)»، قلتُ: إِنِّي أُطِيقُ أفضلَ منه يا رسولَ الله، قال: ((لا أفضلَ من ذلك». ٣٤١٩ - حدَّثْنَا خَلّادُ بنُ يحيى، حدَّثْنا مِسعَرٌ، حدَّثنا حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، عن أبي العَّاسِ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو بنِ العاصِ، قال: قال لي رسولُ الله ◌َّةِ: ((ألم أُنْبَّأْ أَنَّكَ تقومُ اللَّيلَ وتصومُ النَّهارَ؟)) فقلتُ: نعم، فقال: ((فإِنَّكَ إذا فعلْتَ ذلك، هَجَمَتِ العينُ، ونَفِهَتِ النَّفْسُ، صُمْ من كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، فذلك صومُ الدَّهْرِ، أو كصومِ الدَّهْر)) قلتُ: إنّ أجِدُ بي - قال مِسعَرٌ: يعني: قوّةً - قال: «فصُمْ صومَ داودَ عليه السلام، وكان يصومُ يوماً، ويُفطِرُ يوماً، ولا يَفِرُّ إذا لاقَی)). قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾)» هو داود بن إيشا - بكسر الهمز ٤٥٤/٦ وسكون التَّحتانية بعدها مُعجّمة - بن عَوبَد - بوزنِ جعفر بمُهمَلة وموخَّدة - بن باعَرَ - بموحّدة ومُهمَلة مفتوحة - بن سلمون بن یارب - بتحتانية وآخره موحّدة - بن رامَ بن حضرون - بمُهمَلة ثمَّ مُعجَمة - بن فارص - بفاء وآخره مُهمَلة - بن يَهُوذا بن يعقوب. قوله: ((والزُّبُر: الكُتب، واحدها: زَبُور، زَبَرْتُ: كَتَبتُ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ١٨٢ باب ٣٧ / ح ٣٤١٧ -٣٤١٩ فتح الباري بشرح البخاري ﴿زُيُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، أي: كُتب الأوَّلينَ، واحدها: زَبُور، وقال الكِسائي: زَبور بمعنى مَزُبُور، تقول: زَبَرتُه فهو مزبور، مثل: كَتَبْتُه فهو مكتوب، وقُرِئَ بضمٌ أوَّله وهو جمع زَيْرِ. قلت: الضَّمّ قراءة حمزة. قوله: «﴿أَقِبِ مَعَهُ﴾ قال مجاهد: سَبِّحي معه)) وَصَلَه الفِرْیابي من طريق مجاهد مِثله، وعن الضَّحاك: هو بلسان الحبشة، وقال قتادة: معنى أوِّبي: سِيري. قوله: (﴿ أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَاتٍ﴾: الذُّروعَ)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿ أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَاتٍ﴾، أي: دُروعاً واسعةً طويلة. قوله: ((﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾: المساميرِ والحَلَق، ولا تُرِقَّ الِسْمَارَ فَيَسْلَسَ، ولا تُعظّمْ فَيَنْفَصِمَ)) كذا في رواية الكُشْمِيهني، ولغيره: ((لا تُدِقَّ)) بالدّال بدل الرّاء، وعندهم: ((فَيَتَسَلسَل)) وفي آخره: ((فيَقصِمَ)) بغير نون، ووافَقَه الأَصِيلي في قوله: ((فِيَسْلَس)) وهو بفتح اللّام ومعناه: فيَخرُج من الثَّقْب برفق، أو يصير مُتَحرِّكاً، فيَلِين عند الخروج، وأمَّا الرّواية الأُخرى: ((فيَتَسَلسَل)) أي: يصير كالسِّلسِلة في اللِّين، والأوَّل أوجَه، والفَصْم بالفاءِ: القطعُ من غير إبانة. وهذا التَّفْسير وَصَلَه الفِرْيابي من طريق مجاهد في قوله: ﴿وَقَّدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: قَدِّر المسامير والحَلَق، وروى إبراهيم الحَرْبي في ((غريب الحديث) من طريق مجاهد في قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾: لا تُرِقَّ المسامير فيَسْلَس، ولا تُغلِظْه فيَقصِمَها. وقال أبو عُبيدة: يقال: دِرع مُسرَّدة، أي: مُستَديرة الحَلَق، قال أبو ذُؤَيب: وعليهما مسرودَتانِ قَضاهُما داودُ أو صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ وهو مِثل مِسمار السَّفينة. قوله: ((﴿أَفْرِغْ﴾: أَنْزِلْ)) لم أعرف المراد من هذه الكلمة هنا، واستَقَرَيتُ قصَّة داود في المواضع التي ذُكِرَت فيها فلم أجِدْها، وهذه الكلمة والتي بعدها في رواية الكُشْمِيهني وحده. قوله: ﴿بَسْطَةٌ﴾ زيادةً وفَضْلاً)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِىِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، أي: زيادة وفضلاً وكَثْرة، وهذه الكلمة في قصّة طالوت وكأنَّه ذكرها لمَّا ١٨٣ باب ٣٧ / ح ٣٤١٧ - ٣٤١٩ كتاب أحاديث الأنبياء كان آخرها مُتعلِّقاً بداود، فلَمَّحَ بشيء من قصَّة طالوت، وقد قَصَّها الله في القرآن. ثم ذكر ثلاثة أحاديث: الأول: حديث همَّام عن أبي هريرة: ((خُفِّفَ على داود القرآن»، في رواية الكُشْمِيهني: ((القراءة». قيل: / المراد بالقرآن: القراءة، والأصل في هذه اللَّفظة ٤٥٥/٦ الجمعُ، وكلّ شيء جمعتَه فقد قرأتَه، وقيل: المراد الزَّبور، وقيل: التَّوراة، وقرآنُ(١) كلِّ نبي يُطلَق على كتابه الذي أوحي إليه، وإنَّما سَمّاه قرآناً للإشارة إلى وقوع المعجزة به كوقوع المعجزة بالقرآن، أشارَ إليه صاحب ((المصابيح))، والأوَّل أقرَب، وإنَّما تَرَدَّدوا بين الزَّبور والتَّوراة، لأنَّ الزَّبور كلّه مواعظ، وكانوا يَتَلَقَّونَ الأحكام من الثَّوراة. قال قَتَادة: كنَّا نَتَحَدَّث أنَّ الزَّبور مئة وخمسونَ سورة، كلُّها مواعظُ وثَناء، ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود، بل كان اعتماده على النَّوراة، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره. وفي الحديث: أنَّ البَرَكة قد تقعُ في الزَّمَن اليسير حتَّى يقعَ فيه العمل الكثير، قال النَّوَوي: أكثر ما بَلَغَنا من ذلك من كان يقرأ أربع خَتَمات باللَّيلِ وأربعاً بالنَّهار، وقد بالَغَ بعض الصّوفية في ذلك فاذَّعى شيئاً مُفرِطاً، والعلم عند الله. قوله: ((بدَوابِّه)) في رواية موسى بن عُقْبة الآتية: ((بدايَّتِه)) بالإفراد، وكذا هو في التَّفْسير (٤٧١٣)، ويُحمَل الإفراد على الجِنس، أو المراد بها ما يَخْتَصّ بُرُكوبه، وبالجمع ما يُضاف إليها ممّا يَركَبه أتباعه. قوله: ((فَقْرأ القرآن قبل أن تُسرَج)) في رواية موسى: ((فلا تُسرَج حتَّى يقرأ القرآن)). قوله: «ولا يأكل إلّا من عمل يده» تقدَّم شرحه في أوائل البيوع (٢٠٧٣)، وأنَّ فیه دليلاً على أنَّه أفضل المكاسب، وقد استُدِلَّ به على مشروعية الإجارة من جِهَة أنَّ عمل اليد أعمُّ من أن يكون للغير أو للنَّفْسِ، والذي يَظهَر أنَّ الذي كان يعمله داودُ بيدِه هو نَسْج الدُّروع، وألانَ الله له الحديدَ، فكان يَنسِجِ الدُّروع ويبيعها ولا يأكل إلّا من ثَمَن ذلك مع (١) تحرف في (س) إلى: وقراءة. ١٨٤ باب ٣٨ / ح ٣٤٢٠ فتح الباري بشرح البخاري كَونِه كان من كِبار الملوك، قال الله تعالى: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: ٢٠]، وفي حديث الباب أيضاً ما يدلّ على ذلك، وأنَّه مع سَعَته بحيثُ إنَّه كان له دَوابُ تُسرَج إذا أراد أن يَركَب، ويَتَولّى خِدمتَها غيرُه، ومع ذلك كان يَتَورَّع ولا يأكل إلّا ممّا يعمل بيدِه. قوله: ((رواه موسى بن عُقْبة، عن صَفْوان بن سُلَيم ... )) إلى آخره، وَصَلَه المصنِّف في كتاب ((خلق أفعال العباد)) (٥٩٩) عن أحمد بن أبي عَمْرو عن أبيه - وهو حفص بن عبد الله - عن إبراهيم بن طَهْمان عن موسى بن عُقْبة. الحديث الثاني والثالث: حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص في مُراجَعة النبي ێ له في قيام اللّيل وصيام النَّهار، أورَدَه من طريقَينِ، وقد تقدَّم في صلاة اللّيل (١١٣١)، والغرض منه قوله: ((صیام داود)). ٣٨- بابُ أحبُّ الصَّلاة إلی الله صلاةُ داود، وأحبُّ الصِّيام إلى الله صیامُ داود: كان ينامُ نصفَ الليل، ويقومُ ثُلُثَه، وینامُ سُدُسَه، ويصومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً قال عليٌّ: وهو قولُ عائشةَ: ما أَلْفَاهُ السَّخَرُ عندي إلَّ نائماً. ٣٤٢٠- حدَّثْنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عن عَمْرِو بنِ أوْسٍ النََّفِيِّ، سمعَ عبدَ الله بنَ عَمرو، قال: قال لي رسولُ اللهِ وَله: ((أَحَبُّ الصِّيامِ إلى الله صيامُ داودَ، كان يصومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً، وأحَبُّ الصَّلاةِ إلى الله صلاةُ داودَ، كان يَنامُ نِصْفَ اللَّيلِ، ويقومُ ثُلُثَه، ويَنامُ سُدُسَه)). قوله: «بابٌ أحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود ... )) إلى آخره، يشير إلى الحديث المذكور قبله. قوله: ((قال علي: هو قول عائشة: ما ألفاه السَّحَرُ عندي إلّا نائماً)» هكذا وَقَعَ في رواية المُستَمْلِي والكُشْمِيهني، وأمَّا غيرهما فذَكَر الطَّريق الثّالثة مضمومة إلى ما قبله دون ٤٥٦/٦ الباب، ودون قول علي، ولم أرَه منسوباً، وأظنُّه عليّ بن المَدِيني شيخ البخاري، وأراد/ بذلك بيانَ المراد بقوله: ((ويَنامِ سُدُسه)) أي: السُّدُس الأخير، وكأنَّه قال: يوافق ذلك ١٨٥ باب ٣٩ / ح ٣٤٢١ -٣٤٢٢ كتاب أحاديث الأنبياء حديث عائشة: ((ما أَلفاه)) بالفاءِ، أي: وَجَدَه، والضَّمير للنبيِ وَّهِ، والسَّحَر الفاعل، أي: لم يجئِ السَّحَرُ والنبيِّهِ عندي إلّا وَجَدَه نائماً، كما تقدَّم بيان ذلك في قيام اللّيل (١١٣١). ٣٩- باب ﴿وَأَذَكُرْ عَبْدَنَا دَاوُرَدَ ذَا الْأَبْدِّإِنَّهُ أَوَّابُ ﴾ إلى قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ، وَءَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال مجاهدٌ: الفَهْمُ في القضاء. ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢]: لا تُشْرِفْ. ﴿ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَآءِ الْصِرَطِ ﴿ إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَنَسْعُونَ نَعْجَهُ﴾ يقال للمرأةِ: نَعْجَةٌ، ويقال لها أيضاً: شاةٌ ﴿ وَلِيَ تَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِهَا﴾ [ص: ٢٣] مِثْلُ: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٧]: ضَمَّها. ﴿وَعَزَّبِ﴾: غَلَبَنِي، صارَ أعَزَّ منّي، أعزَزْتُه: جَعَلْتُهُ عَزِيزاً ﴿فِ الْخِطَابِ﴾ يقال: المحاوَرة. قَالَ لَقَدْ ظَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْمَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَبْغِيِ﴾ إلى قوله: ﴿أَنَّمَا فَنَّهُ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ: اختَبَرناه. وقرأَ عمرُ: ((فَتَنَّاهُ)): بتشديدِ التاءِ. ﴿فَأَسْتَغْفَرَرَبَّهُ، وَخَرَّرَاكِعًا وَأَنَابَ﴾. ٣٤٢١- حدَّثْنا محمَّدٌ، حدَّثنا سَهْلُ بنُ يوسفَ، قال: سمعتُ العَوّامَ، عن مجاهدٍ قال: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: أنسْجُدُ في ((صّ))؟ فقراً: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ ﴾ حتَّى أَتَى ﴿فَبِهُدَ لُهُمُ أَقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فقال ابن عباس : نبِيُّكُم ◌ََّ مَمَّنْ أَمِرَ أن يَقْتَدِيَ بهم. [أطرافه في: ٤٦٣٢، ٤٨٠٦، ٤٨٠٧] ٣٤٢٢- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا أيوبُ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: ليس ((صَّ)) من عَزائِمِ السُّجودِ، ورأيتُ النبيَّ ◌َالِ يَسجُدُ فيها. قوله: ((باب ﴿وَأَذَكُرْ عَبْدَنَا دَاوُرَدَ ذَا الْأَبْدِّ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ إلى قوله: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ، وَءَابَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص:١٧- ٢٠])) الأَيْد: القوَّة، وكان داود موصوفاً بفَرْطِ الشَّجاعة، والأوّاب ١٨٦ باب ٣٩ / ح ٣٤٢١-٣٤٢٢ فتح الباري بشرح البخاري يأتي تفسيره قريباً. قوله: «قال مجاهد: الفهم في القضاء» أي: المراد بفصل الخطاب، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي بِشر عن مجاهد، قال: الحكمة: الصَّواب. ومن طريق ليث عن مجاهد: فصل الخِطاب: إصابة القضاء وفهمه، ومن طريق ابن جُرَيج عن مجاهد، قال: فصل الخِطاب: العَدْل في الحُكم وما قال من شيء أنفَذَه. وقال الشَّعبي: فصل الخِطاب: قوله: أمَّا بعد، وفي ذلك حديث مُسنَد من طريق بلال بن أبي بُرْدة عن أبيه عن جَدّه، قال: ((أوَّل مَن قال: أمَّا بعدُ: داودُ النبيُّ وَّةِ، وهو فَصْل الخِطاب))، أخرجه ابن أبي حاتم(١)، وذكر ابن جَرِير (١٤٠/٢٣) بإسناد صحيح(٢) عن الشَّعبي مِثله، وروى ابن أبي حاتم من طريق شُرَيح قال: فصل الخطاب: الشُّهود والأيمان، ومن طريق أبي عبد الرحمن السُّلَمي نحوه. قوله: ((﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: لا تُسِرِفْ)) كذا وَقَعَ هنا، وقال الفَرّاء: معناه لا تَجُرْ، وروى ابن جَرِير (١٤٢/٢٣) من طريق قَتَادة في قوله: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ أي: لا تَمِلْ، ومن طريق السُّدّي قال: لا تَحِفْ. قوله: ((يقال للمرأةِ: نَعْجة، ويقال لها أيضاً: شاة)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَلِيَ نَّعْجَةٌ وَحِدَةٌ﴾ أي: امرأة، قال الأعشى: فَرَمَيتُ غَفْلِةَ عينِه عن شاته فأصَبتُ حَبَّة قلبها وطِحالِها قوله: ((﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيَهَا﴾، مِثْلِ ﴿ وَكَفَّلَهَا زَگِيًّا ﴾: ضَمَّها)» قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ٤٥٧/٦ ﴿أَكْفِلْنِيَهَا وَعَزَّنِ فِى الْخِطَابِ﴾ هو / كقوله: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا ﴾، أي: ضَمَّها إليه، وتقول: كَفَلْتُ بالنَّفْسِ أو بالمال: ضَمِنته. قوله: ((﴿ وَعَزَّنِ﴾: غَلَبني صارَ أعَزّ مِنِّي، أعْزَزْتُه: جَعَلْته عَزيزاً، ﴿فِ الْخِطَابِ﴾ يقال: (١) في (تفسیرہ)) - كما في ((تفسیر ابن کثیر)) ٧/ ٥١، لكن إسناده إلى بلال ضعيف جداً، فيه عبد العزيز بن أبي ثابت، وهو متروك الحديث. (٢) بل ضعيف، فيه جابر بن نوح، والحافظ ابن حجر نفسه ضعَّفه في ((تقريب التهذيب)). ١٨٧ باب ٤٠ كتاب أحاديث الأنبياء المحاورة)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَعَزَّنِ فِ الْخِطَابِ﴾: أي: صارَ أعزَّ منِّي فيه. وروى الطََّري (١٤٤/٢٣) من طريق العَوْفي عن ابن عبَّاس، قال: إن دَعا ودَعَوتُ كان أكثر منِّي، وإن بَطَشْتُ وبَطَشَ كان أشدَّ مِنِّي. ومن طريق قَتَادة قال: معناه: قَهَرَني وظَلَمَني. وأمَّا قوله: ((يقال: المحاورة)) فمُراده تفسير الخِطاب بالمحاوَرة، وهي بالحاءِ المهمَلة، أي: المراجَعة بين الخَصْمَينِ، وهذا تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَزَّبِىِ فِ الْخِطَابِ﴾. قوله: ((الخُلَطاء: الشُّرَکاء)» حكاه ابن جَرِير أيضاً. قوله: (﴿فَثَنَّهُ﴾ قال ابن عبّاس: اختَبَرَناهُ، وقرأ عمر: فَتَّنَّاهُ، بتشديد التاء)) أمَّا قول ابن عبَّاس فوَصَلَه ابن جَرِير (١٤٦/٢٣) وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، وأمَّا قراءة عمر فمذكورة في الشَّوادّ(١)، ولم يَذكُرها أبو عُبيد في القراءات المشهورة، ونُقِلَ التَّشديد أيضاً عن أبي رَجَاء العُطاردي والحسن البصري. ثم ذكر حديث ابن عبّاس في السُّجود في ((صَّ)) أورَدَه من وجهَينٍ، ومحمّد شيخه في الطَّريق الأولى: هو ابن سَلَام، والعَوّام: هو ابن حَوشَبٍ، بمُهمَلة ثمَّ مُعجَمة. قوله: ((أنسجُد)) بنون، وللكُشْمِيهنيّ والمُستَمْلي: ((أأسجُد))، وسيأتي شرح الحديث في التَّفسير (٤٨٠٦) إن شاء الله تعالى . ٤٠- قولُ الله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَّابُ﴾ [ص: ٣٠]: الرّاجِعُ المُنِيب وقولُهُ: ﴿وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَتْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ﴾ [ص:٣٥]، وقوله: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الْرِّيحَ غُدُوُهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ، عَيْنَ اُلْقِطْرِ﴾: أَذَبْنا له عينَ الحديدِ (١) والتشديد فيها على سبيل المبالَغة، وانظر ((المحتسب)) لابن جنِّي ٢/ ٢٣٢. ١٨٨ باب ٤٠ فتح الباري بشرح البخاري ﴿﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ إلى قولِه: ﴿مِن ◌َّحَرِيبَ﴾ قال مجاهدٌ: بُنْيانٌ ما دونَ القُصور ﴿وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَ لْجَوَابٍ﴾ [سبأ: ١٢ - ١٣]: كالحِيَاض للإبل، وقال ابنُ عبَّاسٍ: كالجَوْبةِ مِن الأرض ﴿ وَقُّدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ إلى قولِهِ: ﴿الشَّكُرُ ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ﴾: الأرْضَة ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾: عَصَاه ﴿ فَلَمَّا خَرَّ﴾ إلى قولِهِ: ﴿اَلْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٢ -١٤]. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى﴾، ﴿فَطَفِقَ مَسْتَخْا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٢-٣٣]: يَمْسَحُ أعرافَ الخيلِ وعَرَاقِبَها. ﴿اَلْأَصْفَادِ ﴾ [ص: ٣٨]: الوثاق. قال مجاهدٌ: ﴿الصَّفِنَتُ﴾ [ص:٣١]: صَفَنَ الفَرَسُ: رَفَعَ إحدَى رِجْلَيه حتَّى تكونَ على طَرَفِ الحافر. ﴿اَلْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١]: السِّراع. ﴿جَسَدًا﴾ [ص٣٤]: شيطاناً. ﴿ُغَةَ﴾: طيِّةً ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص٣٦]: حيثُ شاءَ. ﴿ فَعْنُنْ﴾: أَعطِ ﴿ِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٩]: بغيرِ حَرَجٍ. قوله: ((قولُ الله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَ﴾)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((باب قول الله)). قوله: ((﴿نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوَّابُ﴾ الرّاجِعُ المنيب)) هو تفسير الأوّاب. وقد أخرج ابن جَرِير(١) من طريق مجاهد قال: الأوّاب: الرَّجّاع عن الذُّنوب، ومن طريق قَتَادة قال: المطيع، ومن طريق السُّدّي قال: هو المسبِّح. قوله: (﴿مِن تَحَرِيبَ﴾ قال مجاهد: بُنْيانٌ ما دون القُصور)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ عنه كذلك. وقال أبو عُبيدة: المحاريب جمع محِراب، وهو مُقدَّم كلِّ بيت، وهو أيضاً المسجد والمصَلَّى. (١) تحرف في (س) إلى: جريج. وهذا الأثر عند ابن جرير الطبري في («تفسيره)) ١٣٦/٢٣. ١٨٩ باب ٤٠ كتاب أحاديث الأنبياء قوله: ((﴿وَحِفَانٍ كَلْجَوَابِ﴾ كالحِياض للإبلِ، وقال ابن عبّاس: كالجَوْبةِ من الأرض)) أمَّا قول مجاهد فوَصَلَه عبد بن حُميدٍ عنه، وأمَّا قول ابن عبّاس فوَصَلَه ابن أبي حاتم عنه، وقال أبو عُبيدة: الجوابي جمع جابيَةٍ، وهو الحوض الذي يُحِبَى فيه الماء. قوله: (﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ الأَرَضَة)). قوله: ((مِنْسأته: عَصَاه)) هو قول ابن عبّاس، وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، قال أبو عُبيدة: المنسأة: العصا. ثمَّ ذكر تصريفها، وهي مِفْعلة من نَسأتُ: إذا زَجَرتَ/ الإبلَ، أي: ضَرَبتَها بالمنسأة. ٤٥٩/٦ قوله: ((﴿ فَطَفِقَ مَسْخًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾: يَمْسَح أعْرافَ الخيل وعَراقيبها)) هو قول ابن عبّاس، أخرجه ابن جَرِير (١٥٦/٢٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، وزاد في آخره: ((حُبّاً لها)، وروى من طريق الحسن قال: كَشَفَ عَراقيبَها وضَرَبَ أعناقها، وقال: لا تَشغَليني عن عبادة ربّ مرّة أُخرى. قال أبو عُبيدة: ومنه قوله: مَسَحَ عِلاوَتَه: إذا ضَرَبَ عُنُقه. قال ابن جَرِير: وقول ابن عبَّاس أقرَبُ إلى الصَّواب. قوله: ((﴿اَلْأَصْفَادِ﴾: الوَثَاق)) روى ابن جَرِير (١٦٢/٢٣) من طريق السُّدّي قال: ﴿ُقَرَّفِينَ فِ اَلْأَصْفَادِ﴾ أن تجمعَ اليدين إلى العُنُق بالأغلال. وقال أبو عبيدة: الأصفاد: الأغلال، واحدها صَفَدٌ، ويقال للغِطاءِ أيضاً: صَفَد. قوله: ((قال مجاهد: ﴿الصَّفِنَكُ﴾، صَفَنَ الفَرَسُ: رَفَعَ إحدی رِجْلَیه حتَّی تکون على طَرَف الحافر)) وَصَلَه الفِرْيابي من طريقه، قال: صَفَنَ الفَرَس ... إلى آخره، لكن قال: ((يَدَیه))، ووَقَعَ في أصل البخاري: ((رِجِلَيه))، وصَوَّبَ عياض ما عند الفِرْيابي. وقال أبو عُبيدة: الصّافن: الذي يجمع بين يَدَيه، ويثني مُقَدَّم حافر إحدى رِ جلَيه. قوله: ((﴿اَلِيَادُ﴾: السِّرَاع)) وَصَلَه الفِرْیابي من طریق مجاهد أيضاً. وروى ابن جَرِير (١٥٤/٢٣) من طريق إبراهيم التَّيْمي: أنَّها كانت عشرينَ فرساً ذوات أجنحة. ١٩٠ باب ٤٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (﴿جَسَدًا﴾: شيطاناً)) قال الفِرْيابي: حدَّثنا ورقاءُ عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًا﴾ قال: شيطاناً يقال له: آصف، قال له سليمان: كيف تَفْتِن الناس؟ قال: أرِنِي خاتَك أُخبِرْك، فأعطاه، فَتَبَذَه آصف في البحر فساخَ، فذهب مُلك سليمان، وَقَعَدَ آصف على كُرسِّه، ومَنَعَه الله نساء سلیمان فلم يَقرَبْهنَّ، فأنكَرَته أمّ سلیمان، وكان سليمان يَستَطعِم ويُعرِّفهم بنفسِه، فيُكذِّبونَه، حتَّى أعطَته امرأة حوتاً فطَيِّبَ بطنه، فَوَجَدَ خاتَمه في بطنه فرَدَّ الله إليه مُلكَه، وفَرَّ آصف فدَخَلَ البحر(١). وروى ابن جَرِير (١٥٧/٢٣) من وجه آخر (٢) عن مجاهد: أنَّ اسمه آصر، آخره راء، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: أنَّ اسم الجِنّي صخر، ومن طريق السُّدّي كذلك(٣)، وأخرج القصَّة من طريقه مُطوَّلة، والمشهور أنَّ آصف اسم الرجل الذي كان عنده عِلمٌ من الكتاب، والله أعلم. قوله: (﴿رُنَّةَ﴾: طيِّية)) في رواية الكُشْمِيهني: ((طَيِّب))، رواه الفِرْيابي من الوجه المذكور في قوله: ﴿رُغَّةَ﴾ قال: طيِّبة. قوله: (﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيثُ شاءً)) وَصَلَه الفِرْیابي كذلك. قوله: ((﴿فَأَمْنُنْ﴾: أعطِ ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغیر خَرَج() وَصَلَه الفِرْیابي من طريق مجاهد كذلك، وقال أبو عبيدة في قوله: ((بغير حساب)) أي: بغير ثواب ولا جزاء، أو بغير مِنَّة ولا قِلَّة. ثم أورد المصنف أربعة أحاديث: أولها: حديث أبي هريرة في تَفَلُّت العِفريت على النبي ◌َّ. (١) لم يصح في هذا شيءٌ عن النبي وََّ، وإنما هو منقولٌ عن ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة وغيرهم، والظاهر أنَّه مما تُلُقي من الأخبار عن بني إسرائيل، فإن في کثیرٍ منها نكارةً شديدةً، كما قال ابن کثیر رحمه الله. وانظر بسط ذلك في ((البداية والنهاية)) لابن كثير ٢٤/٢، و((التفسير)) له ٥٧/٧-٥٩، و((البحر المحيط)) لأبي حيان ٧/ ٣٩٧، و((عمدة القاري)) للعيني ١٤/٣٦، و((روح المعاني)) للألوسي ١٩٩/٢٣. (٢) بل من نفس طريق ورقاء. (٣) الذي في طريق السُّدي اسمه: حبقيق، وليس آصر. ١٩١ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٣ كتاب أحاديث الأنبياء ٣٤٢٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشّار، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ: ((إنَّ عِفْرِيتاً مِن الجِنِّ تَفَلَّتَ البارِحَةَ لِيَقْطَعَ عليَّ صَلَاني، فأمكَنَنَي اللهُ منه، فأخَذْتُهُ، فأرَدْتُ أن أربُطَه على ساريةٍ من سَوَاري المسجدِ حتَّى تَنظُرُوا إليه كلُّكم، فَذَكَرتُ دَعْوةَ أخي سليمانَ: ربِّ هَبْ لى مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ مِن بَعْدي، فَرَدَدْتُه خاسِئاً». عِفْرِيتُ: مُتَمَّرِّدٌ من إنسٍ أو جانٌّ، مِثلُ زِبْنِيَةٍ: جماعَتُها الزََّانِيَةُ. قوله: ((تَفَلَّتَ عليّ) بتشديد اللّام، أي: تَعرَّضَ لي فَلْتَةً، أي: بَغتَةً. قوله: ((البارِحةَ)) أي: اللَّيلة الخالية الزائلة، والبارح: الزّائل، ويقال: من بعد الَّوال إلى آخر النَّهار البارحةُ. قوله: ((فَذَكَرْتُ دَعْوة أخي سليمان)) أي: قوله: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىّ﴾ وفي هذا إشارة إلى أنه ◌َّ كان يقدر على ذلك إلّا (١) أنَّه تَرَكَه رعاية لسليمان عليه السلام، ويحتمل أن تكون خَصُوصَّة سليمان استخدامَ الجِنّ في جميع ما يريده لا في هذا القَدْر فقط، واستَدَلَّ الخَطّابي بهذا الحديث على أنَّ أصحاب سليمان كانوا يَرَونَ الجِنّ في أشكالهم وهيئتهم حال تصرُّفهم، قال: وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَُّ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ، مِنْ حَيْثُ لَا ذَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] فالمراد الأكثر الأغلَب من أحوال بني آدم، وتُعقِّبَ بأنَّ نفي رُؤية الإنس للجِنِّ على هيئتهم ليس بقاطع من الآية بل ظاهرُها أنَّه مُمكِن، فإنَّ نفي رُؤيَتنا إياهم مُقيّد بحال رُؤيَتهم لنا، ولا يَنفي إمكان رُؤيتنا لهم في غير تلكَ الحالة. ويحتمل العموم، وهذا الذي فَهِمَه أكثر العلماء، حتَّى قال الشّافعي: مَن زَعَمَ أنَّه يَرى الجِنّ أبطَلْنا شهادته، واستَدَلَّ بهذه الآية، والله أعلم. قوله: ((عِفْريت: مُتَمرِّدٌ من إنس أو جانٌّ، مِثْل: زِبْنِيَة، جماعَتُه: زَبَانِيَة)) الزَّبانية في الأصل اسم أصحاب الشُّرطة، مُستَقّ من الزَّبْن: وهو الدَّفع، وأُطلِقَ على الملائكة، ذلك لأنَّهم يَدِفَعونَ الكفّار في النار، وواحد / الزَّبانية زِيْنِيَة، وقيل: زِبْنيّ، وقيل: زابن، وقيل: زَبَانيّ، ٤٦٠/٦ (١) قوله: ((أنه ﴿ كان يقدر على ذلك إلّا)) سقط من (س). ١٩٢ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٤ فتح الباري بشرح البخاري وقال قوم: لا واحد له من لفظه، وقيل: واحده زِبْنِيتُ وزن ◌ِفريت، ويقال: عِفْريَة لغة مُستَقِلَّة ليست مأخوذةً من عِفريت، ومُراد المصنّف بقوله: ((مِثل زِبْنية)) أي: أنَّه قيل في ◌ِفريت: عِفْرية، وهي قراءة رُويَت في الشَّواذّ عن أبي بكر الصِّدِّيق، وعن أبي رَجَاء العُطاردي وأبي السَّال، بالمهمَلة واللّام، وقال ذو الرُّمَّة: كأنَّه كوكبٌ في إثر عِفْرِيَةٍ مُصوَّبٌ فِي ظَلامِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ(١) وقد تقدَّم كثير من بيان أحوال الجِنّ في ((باب صفة إبليس وجنوده)) من بَدْء الخلق(٣). قال ابن عبد البَرّ: الجِنُّ على مراتب، فالأصل جِنّي، فإن خالَطَ الإنس قيل: عامر، ومَن تعرَّضَ منهم للصِّبیان قیل: أرواح، ومن زاد في الخُبث قیل: شيطان، فإن زاد على ذلك قيل: مارِدٌ، فإن زاد على ذلك قيل: عِفْريت. وقال الرّاغِب: العِفريت من الجِنّ هو العارِم الخبيث، وإذا بُولِغَ فيه قيل: عِفْريت نِفْريت. وقال ابن قُتَيبة: العِفْريت: المُوثَق الخَلْقِ، وأصله من العِفْر: وهو التُراب، ورجلٌ عِفِرٌّ، بكسر أوَّله وثانيه وتثقيل ثالثه: إذا بُولِغَ فيه أيضاً. ٣٤٢٤- حدَّثنا خالدُ بنُ تَحَلَدٍ، حدَّثنا مُغِيرةُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ قال: ((قال سليمانُ بنُ داودَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيلةَ على سبعينَ امرأةً، تَحمِلُ كلُّ امرأةٍ فارساً يجاهدُ في سبيلِ الله، فقال له صاحبُهُ: إنْ شاءَ الله، فلم يَقُلْ، ولم تَحمِلْ شيئاً إِلََّ واحداً ساقطاً أَحدُ شِقَّيِهِ)) فقال النبيُّ وَّ: ((لو قالها لَجَاهَدوا في سبيلِ الله)). قال شعيبٌ وابنُ أبي الزِّنادِ: ((تسعينَ))، وهو أُصُ. قوله: ((حدَّثْنا مُغيرة بن عبد الرحمن)) هو الحِزَامي وليس بالمخزومي، واسم جَدّ الحِزامي عبد الله بن خالد بن حِزام، واسم جَدّ المخزومي الحارث بن عبد الله. قوله: ((قال سليمان بن داود: لَأَطوفَنَّ اللَّيلةَ)) في رواية الحَمُّوِيّ والمُستَمْلي: ((لأُطِيفَن)) (١) في الأصلين و(س): منتصب، والمثبت من ((ديوان ذي الرمّة)) ص١١١، وهو الصواب، ومعناه: مُنقَضٍّ. (٢) ورقم الباب فيه (١١). ١٩٣ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٤ كتاب أحاديث الأنبياء وهما لُغَتان. طافَ بالشيءٍ، وأطاف به: إذا دارَ حوله، وتَگَرَّرَ علیه، وهو هنا کِناية عن الجِماع، واللّم جواب القَسَم وهو محذوف، أي: والله لَأطوفَنَّ، ويُؤْيِّده قوله في آخره: (لم يَجِنَث)) لأَنَّ الِحِنْث لا يكون إلّا عن قَسَم، والقَسَم لا بدَّله من مُقْسَمِ به. قوله: ((على سبعينَ امرأة)) كذا هنا من رواية مُغِيرة، وفي رواية شعیب كما سيأتي في الأيمان والتُّدور (٦٦٣٩): ((فقال: تسعينَ))، وقد ذَكَر المصنّف ذلك عَقِب هذا الحديث، ورَجَّحَ تسعينَ بتقديم المثنّاة على سبعين، وذَكَر أنَّ ابن أبي الزِّناد رواه كذلك. قلت: وقد رواه سفيان بن عُيَينةَ عن أبي الزِّناد فقال: ((تسعينَ)) وسيأتي في كفَّارة الأيمان (٦٧٢٠) من طريقه، ولكن رواه مسلم (٢٣/١٦٥٤) عن ابن أبي عمر عن سفيان فقال: ((سبعينَ)) بتقديم السِّين، وكذا هو في «مُسنَد الحميدي)) (١١٧٤) عن سفيان، وكذا أخرجه مسلم (١٦٥٤/ ٢٥) من رواية وَرْقاء عن أبي الزِّناد(١). وأخرجه الإسماعيلي والنَّسائي (ك٨٩٨٣) وابن حِبّان (٤٣٣٧) من طريق هشام بن عُزْوة عن أبي الزِّناد، قال: ((مئة امرأة))، وكذا قال طاووس عن أبي هريرة كما سيأتي في الأيمان والتُّذُور (٢) من رواية مَعمَر، وكذا قال أحمد عن عبد الرَّزّاق، [و ]ِمِن(٣) رواية هشام ابن حُجَير عن طاووس: ((تسعينَ))، وستأتي في كفَّارة الأيمان (٦٧٢٠). ورواه مسلم (٢٤/١٦٥٤) عن عبد بن حُميدٍ عن عبد الرَّزاق فقال: «سبعینَ»، وسيأتي في التَّوحيد (٧٤٦٩) من رواية أيوب عن ابن سِيرِين عن أبي هريرة: ((كان لسليمان ستّونَ امرأة)). ورواه أحمد (٧١٣٧) وأبو عَوَانة (٥٩٩٤) من طريق هشام عن ابن سِيرِين فقال: ((مئة امرأة))، وكذا قال عِمران بن خالد عن ابن سِيرِين عند ابن مَرْدويه، وتقدَّم في الجهاد (١) الذي في المطبوع من ((صحيح مسلم)) من رواية ورقاء بلفظ: تسعين. (٢) بل في كتاب النكاح برقم (٥٢٤٢). (٣) الواو زيادة منّا يقتضيها السِّياق، فإنَّ رواية أحمد عن عبد الرزاق إنما هي عن معمر بلفظ: ((مئة امرأة))، وهي في ((مسنده) برقم (٧٧١٥)، ولم يخرِّج رواية هشام بن حجير التي أشار إليها الحافظ، حتى الحافظ نفسه لم يذكرها له في كتابه «أطراف المسند))، والله تعالى أعلم. ١٩٤ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٤ فتح الباري بشرح البخاري (٢٨١٩) من طريق جعفر بن ربيعة عن الأعرج فقال: ((مئة امرأة أو تسع وتسعين)) على الشكّ. فمُحصَّل الرِّوايات ستّونَ وسبعونَ وتسعونَ وتسع وتسعونَ ومئة، والجمع بينها أنَّ السِّينَ كُنَّ حرائرَ وما زاد عليهِنَّ كُنَّ سَرَاريَّ أو بالعكس، وأمَّا السَّبعونَ فللمُبالَغة، وأمَّا التِّسعونَ والمئة فكُنَّ دون المئة وفوقَ التِّسعينَ، فمَن قال: تسعونَ، ألغى الكسر، ومن قال: مئة، جَبَرَه، ومن ثَمَّ وَقَعَ التردد في رواية جعفر. وأمَّا قول بعض الشُّاح: ليس في ذِكْر القليل نفيُ الكثير، وهو من مفهوم العَدَد، وليس بحُجَّة عند الجمهور، فليس بكافٍ في هذا المقام، وذلك أنَّ مفهوم العَدَد مُعتبَر عند کثیرینَ، والله أعلم. وقد حَكَى وَهْب بن مُنبِّه في ((المبتدَأ)): أنَّه كان لسليمان ألف امرأة: ثلاث مئة مَهِيرة، ٤٦١/٦ وسبع مئة سُرّيَّة، ونحوه / ممّا أخرج الحاكم في ((المستدرَك)) (٥٨٩/٢) من طريق أبي مَعشَر عن محمَّد بن كعب قال: بَلَغَنا أَنَّه كان لسليمان ألفُ بيت من قواريرَ على الخشب فيها ثلاث مئة صَريحة وسبع مئة سُرِّيّة. قوله: (تَحمِل كلّ امرأة فارساً يُجاهد في سبيل الله)) هذا قاله على سبيل التَّمَنّي للخيرِ، وإنّما جَزَمَ به لأَنَّ غَلَبَ عليه الرَّجَاءُ، لكَونِهِ قَصَدَ به الخير وأمرَ الآخرة، لا لغَرَضِ الدُّنيا. قال بعض السَّلَف: نَبَّهَ بَّله في هذا الحديث على آفة الثَّمَنّي والإعراض عن التَّفويض، قال: ولذلك نسي الاستثناءَ لیمضى فيه القدرُ. قوله: ((فقال له صاحبه: إن شاء الله)) في رواية مَعمَر عن طاووسِ الآتية (٥٢٤٢): ((فقال له الملَك»، وفي رواية هشام بن حُجَير (٦٧٢٠): ((فقال له صاحبه، قال سفيان: يعني الملَك))، وفي هذا إشعار بأنَّ تفسير صاحبه بالملَكِ ليس بمرفوع، لكن في ((مُسنَد الحميدي)) (١١٧٤) عن سفيان: ((فقال له صاحبه أو الملَك)) بالشكِّ، ومثلها لمسلم (١٦٥٤/ ٢٣)، وفي الجملة ففيه رَدّ على مَن فَسَّرَ صاحبه بأنَّه الذي عنده علم من الكتاب، وهو اصِف - بالمدِّ وكسر ١٩٥ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٤ كتاب أحاديث الأنبياء المهمَلة(١) بعدها فاء - بن بَرْخِيا، بفتح الموحّدة وسكون الرّاء وكسر المعجَمة بعدها تحتانية. وقال القُرطُبي في قوله: ((فقال له صاحبه أو الملك))، إن كان «صاحبُه)) فيعني به وزيرَه من الإنس والجِنّ، وإن كان الملَك فهو الذي كان يأتيه بالوحي، وقال: وقد أبعَدَ مَن قال: المراد به خاطره. وقال النَّوَوي: قيل: المراد بصاحبِه الملَك، وهو الظّاهر من لفظه، وقيل: القَرِين، وقيل: صاحبٌ له آدميّ. قلت: ليس بين قوله: صاحبه والملَك مُنافاة، إلّا أنَّ لفظة: ((صاحبه)) أعمُّ، فمِن ثَمَّ نَشَأ لهم الاحتمال، ولكنّ الشكَّ لا يُؤَثِّر في الجزم، فمَن جَزَمَ بأنَّه الملَك حُجَّة على مَن لم يَجِم. قوله: ((فلم يَقُلْ)) قال عياض: بُيِّنَ في الطَّريق الأُخرى بقوله: ((فَسِيَ)). قلت: هي رواية ابن عُبَينَةَ عن شيخه (٦٧٢٠)، وفي رواية مَعمَر (٥٢٤٢) قال: ((ونسيَ أن يقول: إن شاء الله)). ومعنى قوله: ((فلم يَقُل)) أي: بلسانه، لا أنَّه أَبى أن يُفوِّض إلى الله، بل كان ذلك ثابتاً في قلبه، لكنَّه اكتَفى بذلك أوَّلاً ونسي أن يُجريَه على لسانه لمَّا قيل له، لشيءٍ عَرَضَ له. قوله: ((فطافَ بهنَّ)) في رواية ابن عُبَينة: ((فأطافَ بهنَّ))(٢) وقد تقدَّم توجيهه. قوله: ((إلّا واحداً ساقطاً أحدُ شِقَّيه)) في رواية شعيب (٦٦٣٩): «فلم يَحمِل منهنَّ إلَّا امرأةٌ واحدة جاءت بشِقٌّ رجل))، وفي رواية أيوب عن ابن سِيرِين (٧٤٦٩): ((ولدَت شِقَّ غلام)، وفي رواية هشام عنه(٣): ((نصف إنسان))، وهي رواية مَعمَر(٤)، حَكَى النَّقّاش في ((تفسيره): أنَّ الشِّقّ المذكور هو الجسد الذي أُلقيَ على كرسيّه؛ وقد تقدَّم قولُ غير واحد من المفسّرِينَ: أنَّ المراد بالجسدِ المذكور شيطان، وهو المعتمَد، والنَّقّاش صاحب مناكير. قوله: (لو قالها لَجاهَدوا في سبيل الله)) في رواية شعيب: ((لو قال: إن شاء الله)) وزاد في (١) کذا قال، والذي في ((القاموس»: آصَفُ کهاجرَ: کاتب سلیمان. (٢) هذه اللفظة عند المصنف من رواية معمر (٥٢٤٢)، أما رواية ابن عيينة التي عند البخاري (٦٧٢٠) فبلفظ: «فطاف بهن)). (٣) أخرجها أحمد في ((المسند» (١٠٥٨٠). (٤) ستأتي برقم (٥٢٤٢). ١٩٦ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٤ فتح الباري بشرح البخاري آخره: ((فُرساناً أجمَعونَ))، وفي رواية ابن سِيرِين: «لو استَثنى لَمَلَت كلُّ امرأة منهنَّ فَوَلَدَت فارساً يقاتل في سبيل الله))، وفي رواية طاووس: ((لو قال: إن شاء الله، لم يَنَث، وكان دَرَكاً لحاجته)). كذا عند المصنِّف (٦٧٢٠) من رواية هشام بن حُجَير، وعند أحمد (٧٧١٥) ومسلم (٢٤/١٦٥٤) مِثله من رواية مَعمَر، وعند المصنِّف (٥٢٤٢) من طريق معمر: ((وكان أرجى لحاجته)). وقوله: ((دَرَكاً)) بفتحَتَين من الإدراك، وهو كقوله تعالى: ﴿لَّا تَّخَفُ دَرَّكًا﴾ [طه: ٧٧]، أي: لَاقاً، والمراد أنَّه كان يَحَصُل له ما طلبَ، ولا يَلزَمُ من إخباره څ بذلك في حقٍّ سلیمان في هذه القصّة أن يقع ذلك لكلِّ من استثنى في أُمنيّته، بل في الاستثناء رَجُ الوقوع، وفي ترك الاستثناء خشیةُ عَدَم الوقوع، وبهذا ◌ُجاب عن قول موسى للخَضِرِ: ﴿سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اَللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] مع قول الخَضِر له آخِراً: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَالَمْ تَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]، والله أعلم. وفي الحديث فضلُ فعل الخير وتَعاطي أسبابه، وأن كثيراً من / المباح والمَلاذِّ يصير مُستَحَبّاً بالنّية والقصد. وفيه استحبابُ الاستثناء لمن قال: سأفعلُ كذا، وأنَّ إتباع المشيئةِ اليمينَ يَرفَعِ حُكمَها، وهو مُتَّفَق عليه بشرطِ الاتّصال، وسيأتي بيان ذلك في الأيمان والنُّذور (٦٦٣٩) مع بَسطٍ فيه. ٤٦٢/٦ وقد استَدَلَّ بهذا الحديث مَن قال: الاستثناء إذا أعقبَ اليمين ولو تَخْلَّلَ بينهما شيء يسير لا يَضُرّ، فإنَّ الحديث دلَّ على أنَّ سليمان لو قال: إن شاء الله، عَقِبَ قول الملَك له قُل: إن شاء الله، لَأفادَ مع التَّخَلَّل بين كلامَيهِ بمقدار كلام الملَك، وأجابَ القُرطُبي باحتمال أن یکون الملك قال ذلك في أثناء کلام سلیمان، وهو احتمال مُمکِن يَسقُط به الاستدلال المذكور. وفيه أنَّ الاستثناء لا يكون إلّا باللَّفظِ، ولا يكفي فيه النِّية. وهو اتِّفاق إلّا ما حُكيَ عن بعض المالكية. وفيه ما خُصَّ به الأنبياء من القوَّة على الجماع الدّالِّ ذلك على صِحَّة البُنية وقوَّة الفُحوليّة وكمال الرُّجوليّة مع ما هم فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم، وقد وَقَعَ للنبي وَل﴾ من ذلك أبلَغُ المعجزة، لأنَّه مع اشتغاله بعبادة ربّه وعلومه ومعالجة الخلق، كان ١٩٧ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٤ كتاب أحاديث الأنبياء مُتُقلِّلاً من المآكِل والمشارب المقتَضية لضعفِ البَدَن على كَثْرة الجِماع، ومع ذلك فكان يَطُوف على نسائه في ليلة بغُسلِ واحد وهُنَّ إحدى عشرة امرأة، وقد تقدَّم في كتاب الغُسل (٢٦٨)، ويقال: إنَّ كلّ مَن كان أتقى لله فشَهوَته أشدُّ، لأنَّ الذي لا يَتََّي يَتَفَرَّج بالنَّظَرِ ونحوه. وفيه جواز الإخبار عن الشيء ووقوعه في المستَقبَل بناء على غَلَبة الظَّنّ، فإنَّ سليمان عليه السلام جَزَمَ بما قال، ولم يكن ذلك عن وحي وإلّا لَوَقَعَ، كذا قيلَ، وقال القُرطُبي: لا يظنُّ بسليمان عليه السلام أنَّه قَطَعَ بذلك على ربِّه إلّا مَن جَهِلَ حال الأنبياء وآدابهم مع الله تعالى. وقال ابن الجَوْزي: فإن قيل: من أين لسليمان أن يُحْلَق من مائه هذا العَدَد في ليلة؟ لا جائزٌ أن يكون بوَحْي، لأَنَّه ما وَقَعَ، ولا جائزٌ أن يكون الأمر في ذلك إليه، لأنَّ الإرادة لله. والجواب: أنَّه من جِنس التَّمَنّي على الله، والسُّؤال له أن يَفعلَ، والقَسَم عليه كقولِ أنس ابن النَّضر: ((والله لا تُكسَر سِنُّها))(١)، ويحتمل أن يكون لمَّا أجابَ الله دعوتَه أن يهبَ له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده، كان هذا عنده من جُملة ذلك فجَزَمَ به. وأقرَبُ الاحتمالات ما ذكرتُه أوَّلاً، وبالله التّوفيق. قلت: ويحتمل أن يكون أُوحِي إليه بذلك مُقِيَّداً بشرطِ الاستثناء، فَيَ الاستثناء فلم يقع ذلك لِفِقْدان الشَّرط، ومن ثَمَّ ساغَ له أوَّلاً أن يَحِلِف. وأبعَدَ مَن استَدَلَّ به على جواز الحَلِفِ على غَلَبةِ الظَّنّ. وفيه جواز السَّهو على الأنبياء، وأنَّ ذلك لا يَقدَحُ في عُلوِّ مَنصِبهم. وفيه جواز الإخبار عن الشيء أنَّه سيقعُ، ومُستنَدُ المخبِرِ الظَّنُّ مع وجود القَرِينة المقوِّية لذلك. وفيه جواز إضمار المقسَم به في اليمين لقوله: ((لَأطوفَنَّ)) مع قوله عليه السلام: (لم يَحْنَث))، فدَلَّ على أنَّ اسم الله فيه مُقدَّر، فإن قال أحدٌ بجواز ذلك، فالحديث حُجَّة له بناءً على أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، إذا وَرَدَ تقريره على لسان الشّارعِ، وإن وَقَعَ الاتِّفاق على عَدَم الجواز، فيُحتاج إلى تأويله كأن يقال: لعلَّ التلفّظ باسم الله وَقَعَ في الأصل وإن لم يقع (١) سيأتي هذا عند البخاري برقم (٤٦١١) في حديث أنس بن مالك. ١٩٨ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٥ فتح الباري بشرح البخاري في الحكاية، وذلك ليس بمُمتَنِعٍ، فإنَّ مَن قال: ((والله لَأَطوفَنَّ) يَصدُق أنَّه قال: ((لَأَطوفَن))، فإنَّ اللّافظ بالمركَّبِ لافظُّ بالمفرَدِ، وفيه حُجَّة لمن قال: لا يُشتَرَط التَّصريح بمُقْسَم به مُعيَّن، فمَن قال: أحلِفُ أو أشهَدُ ونحو ذلك، فهو يمين، وهو قول الحنفية، وقَّدَه المالكية بالنِّيّة، وقال بعض الشّافعية: ليست بيمين مُطلَقاً. وفيه جواز استعمال لو ولولا، وسيأتي الكلام عليه في باب مُفرَد عَقَدَه له المصنّف في أواخر الكتاب. وفيه استعمال الكِناية في اللَّفظ الذي يُستَقْبَح ذِكْره لقوله: (لَأطوفَنَّ)) بدل قوله: لَأُجامعَنَّ. الحديث الثالث: ٣٤٢٥ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّنا الأعمَشُ، حدَّثنا إبراهيمُ التَّيْمِيُّ، عن أبيه، عن أبي ذرّ ﴾ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ مسجدٍ وُضِعَ أوَّلُ؟ قال: ((المسجدُ الحرامُ)). قلتُ: ثمّ أيُّ؟ قال: ((ثمَّ المسجدُ الأقصَى)) قلتُ: كم كان بينَهما؟ قال: ((أربعونَ) ثمّ قال: ((حيثُما أدرَكَتْكَ الصَّلاةُ فصَلٍّ، والأرضُ لكَ مسجدٌ». قوله: ((حدَّثنا إبراهيم الَّيْمي عن أبيه)» هو يزيد بن شَرِيك. قوله: ((أيُّ مسجد وُضِعَ أوَّلُ)) تقدَّم التَّنبيه عليه في أثناء قصَّة إبراهيم عليه السلام (٣٣٦٦). وقوله: ((أدرَكَتك الصلاة)) أي: وقتُ الصلاة، وفيه إشارة إلى المحافظة على الصلاة في ٤٦٣/٦ أوَّل وقتها، ويَتَضَمَّن ذلك / النَّدبَ إلى معرفة الأوقات. وفيه إشارة إلى أنَّ المكان الأفضل للعبادة إذا لم يَحصُل، لا يُتْرَكُ المأمور به لفَوَاتِه، بل يفعلُ المأمور في المفضول، لأنَّه وَّلِ كأَنَّه فَهِمَ عن أبي ذرً من تخصيصه السُّؤال عن أوَّل مسجد وُضِعَ، أنَّه یرید تخصیصَ صلاته فيه، فنبّه على أنَّ إيقاع الصلاة إذا حَضَرَت لا يَتَوقَّف على المكان الأفضل. وفيه فضيلة الأُمَّة المحمَّدية لمَا ذُكِرَ أنَّ الأُمَم قبلهم كانوا لا يُصَلُّونَ إلّا في مكان مخصوص، وقد تقدَّم التَّنبيه عليه في كتاب التيمُّم (٣٣٥). وفيه الزّيادة على السُّؤال في الجواب لا سيما إذا كان للسائلِ في ذلك مَزِيدُ فائدة. ١٩٩ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٦-٣٤٢٧ كتاب أحاديث الأنبياء الحديث الرابع: ٣٤٢٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن عبد الرحمن حدَّثُه: أنَّه سمعَ أبا هريرةَ ، أنَّه سمعَ رسولَ الله ◌َّه يقول: ((مَثَلِي ومَثَلُ الناسِ، كَمَثَلِ رجلٍ اسْتَوْقَدَ ناراً، فجَعَلَ الفَراشُ وهذه الذَّوابُ تَقَعُ في النارِ)». ٣٤٢٧ - وقال: ((كانتِ امرأتانِ معهما ابناهُما، جاء الذِّئْبُ فذهبَ بابنِ إحداهما، فقالت صاحبتُها: إنَّما ذهبَ بابنِكِ، وقالت الأُخرَى: إنَّما ذهبَ بابنِكِ، فَتَحاكَها إلى داودَ، فقَضَى به للكُبْرِى، فخَرَجَتا على سليمانَ بنِ داودَ فأخبَرَتاه، فقال: انْتُوني بالسِّكِّن أشْقُّه بينَهما، فقالت الصُّغْرَى: لا تَفْعَلْ يَرْحُكَ الله، هو ابنُها، فقَضَى به للصُّغْرَى)). قال أبو هريرةَ: والله إنْ سمعتُ بالسِّكِّين إلّا يومَئذٍ، وما كنَّا نقولُ إلّ المُذْيَةَ. [طرفه في: ٦٧٦٩] قوله في الإسناد: ((عن عبد الرحمن)) هو الأعرَج، وهو كذلك في نُسخَة شعيب عن أبي الزِّناد عند الطبراني(١). قوله: ((أنَّه سمعَ رسولَ اللهَِلِّ يقول: مَثَلَي ومَثَلُ الناس كمَثَلِ رجل استَوَقَدَ ناراً، فجَعَلَ الفَراشُ وهذه الدَّوابُّ تقعُ في النار. وقال: كانت امرأتان معهما ابناهما)» هكذا أورَدَه، ومُراده الحديثُ الثّاني؛ فإنَّه هو الذي يَدخُل في ترجمة سليمان، وكأنَّه ذكر ما قبله - وهو طَرَفُ من حديث طويل - لكَونِه سمعَ نُسخَة شعيب عن أبي الزِّناد، وهذا الحديث مُقدَّم على الآخر، وسمعَ الإسناد في السابق دون الذي يَلِيه، فاحتاجَ أن يَذكُر شيئاً من لفظ الحديث الأوَّل لأجلِ الإسناد، وقد تقدَّم في الطَّهارة للمصنَّف مِثلُ هذا الصَّنيع، فذكر من هذه النُّسخَة بعينِها حديث: ((لا يَبولَنَّ أحدكم في الماء الدّائم)» (٢٣٩) وذكر قبله طَرَفاً من حديث: (نحنُ الآخرونَ السابقونَ)) أيضاً، ولمَّا ذكر في الجمعة (٨٧٦) حديث: «نحنُ الآخرونَ (١) في ((مسند الشاميين) وبداية النسخة عنده برقم (٣٢٣١)، أما حديث ((مثلي ومثل الناس)) فعنده برقم (٣٣٤٨)، وأما حديث ((كانت امرأتان)» فعنده برقم (٣٣٢٠). ٢٠٠ باب ٤٠ / ح ٣٤٢٦ -٣٤٢٧ فتح الباري بشرح البخاري السابقونَ)) لم يَضُمَّ معه شيئاً، وذكر في الجهاد (٢٩٥٧) حديث: ((مَن أَطاعَني فقد أطاعَ الله)) الحديث، فقال قبله: ((نحنُ الآخرونَ السابقونَ)) أيضاً، وذكر في الدِّيات (٦٨٨٨) حديث: ((لو اطَّلَعَ عليك رجل)) وقَدَّمَ ذلك قبله أيضاً، لكنَّه أورَدَ حديث المرأتين في الفرائض (٦٧٦٩)، ولم يَضُمَّ معه في أوَّله شيئاً من الحديث الآخر، وكذا في بقيّة هذه النُّسخَة، فلم يَطَّرِد للمصنّف في ذلك عمل، وكأنَّه حيثُ ضَمَّ إليه شيئاً أراد الاحتياط، وحيثُ لم يَضُمَّ نَّه على الجواز، والله أعلم. وأمَّا مسلم فإنَّه في نُسخَة همَّام عن أبي هريرة، يُنْبِّه على أنَّه لم يَسمَع الإسناد في كلّ حديث منها، فإنَّه يَسُوق الإسناد إلى أبي هريرة، ثمَّ يقول: فذكر أحاديث منها كذا وكذا. وصَنِيعه في ذلك حسن جدّاً، والله أعلم. تنبيه: لم أرَ الحديث الأوَّل تامّاً في ((صحيح البخاري))، وقد أورده الحميدي في ((الجمع)) من طريق شعيب هذه، وساقَ المتن بتمامه وقال: إنَّه لفظ البخاري وإنَّ مسلماً أخرجه (١٧/٢٢٨٤) من رواية مُغِيرة وسفيان عن أبي الزِّناد به، ومن طريق همَّام عن أبي هريرة، وكذلك أطلقَ المِّي أنَّ البخاري أخرجه في أحاديث الأنبياء، فإنْ كان عَنَى هذا الموضع، فليس هو فيه بتمامه، وإن كان عَنى موضعاً آخر، فلم أرَه فيه. ثمَّ وجدتُه في ((باب الانتهاء عن المعاصي)) من كتاب الرِّقاق (٦٤٨٣)، ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: ((مَثَلي)) أي: في دُعائي الناسَ إلى الإسلام المنقِذ لهم من النار ((ومَثَلُ)) ما تُزيِّن لهم أنفسُهم من التَّمادي على الباطل ((كمَثَلِ رجل ... )) إلى آخره، والمراد تمثيلُ الجملة بالجملة، لا تمثیلَ فردٍ بفرد. قوله: ((استَوْقَدَ)) أي: أوقَدَ، وزيادة السّين والتاء للإشارة إلى أنَّه عالَجَ إيقادها وسَعَى في تحصيل آلاتها. ووَقَعَ في حديث جابر عند مسلم (٢٢٨٥): ((مَثَلِي ومَثَلكم كمَثَلِ رجل أو قَدَ ناراً»، زاد أحمد (٨١١٧) ومسلم (١٨/٢٢٨٤) من رواية همَّام عن أبي هريرة: «فلّا أضاءت ما حولَه))(١). (١) وهذه الزيادة أيضاً في رواية شعيب عن أبي الزناد لكن فيما سيأتي عند البخاري برقم (٦٤٨٣).