النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
باب ١ / ح ٣٣٣٢-٣٣٣٥
كتاب أحاديث الأنبياء
قوله: ((إنَّ الله تعالى يقول لأهون أهل النار عذاباً) يقال: هو أبو طالب، وسيأتي شرحه
في أواخر كتاب الرِّقاق (٦٥٣٨) إن شاء الله تعالى، ومُناسَبته للتَّرجمة من قوله: ((وأنتَ في
صُلْب آدم))، فإنَّ فيه إشارةً إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ
ذرِّيَّاتِهِمْ (١) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴾ الآيةَ [الأعراف: ١٧٢].
الحديث العاشر: حديثُ عبد الله، وهو ابن مسعود: ((لا تُقتَل نفس ظُلماً إلّا كان على
ابنِ آدم الأوَّل كِفْلٌ من دمها»، وسيأتي شرحه في القِصاص (٦٨٦٧).
وأورَدَه هنا ليُلمِّح بقصَّة ابني آدم حيثُ قتل أحدُهما الآخرَ، ولم يَصِحَّ على شرطه شيء
من قِصَّتهما، وفيما قَصَّه الله علينا في القرآن من ذلك كفايةٌ عن غيره. واختُلِفَ في اسم
القاتل، فالمشهور قابيل بوَزنِ المقتول لكن أوَّله هاء، وقيل: اسم المقتول ((قَيْنٌ)) بلفظ
الحدّاد، وقيل: قايِنٌ، بزيادة ألف.
وذكر السُّدّي في ((تفسيره)) عن مشايخه بأسانيدِه: أنَّ سبب قَتْل قابيل لأخيه هابيل: أنَّ
آدم كان يُزُوِّج ذَكَر كلّ بطن من ولده بأُنثى الآخر، وأنَّ أُخت قابيل كانت أحسنَ من
أُخت هابيل، فأراد قابيل أن يَستأثِر بأُختِه فمَنَعَه آدم، فلمَّا أَلَعَّ عليه أمَرَهما أن يُقرِّبا قُرْباناً،
فَقَرَّبَ قابيل حُزْمة من زَرْع وكان صاحب زرع، وقَرَّبَ هابيل جَذَعةً سَمينة وكان
صاحب مَواشٍ، فنزلت نار فأكَلَت قُرْبان هابيل دون قابيل، وكان ذلك سَبَبَ الشرِّ بينهما،
وهذا هو المشهور.
ونَقَلَ الثَّعلَبي بسندٍ واهٍ عن جعفر الصّادِقِ: أنَّه أنكَرَ أن يكون آدم زَوَّجَ ابناً له بابنةٍ
له، وإنَّما زَوَّجَ قابيل جِنّة، وزَوَّجَ هابيل حُورية، فغَضِبَ قابيل فقال: يا بُنيَّ، ما فعلتُه إلّا
بأمرِ الله، فقَرِّبا قُرباناً. وهذا لا يَتْبُت عن جعفر (٢) ولا عن غيره، ويَلزَم منه أنَّ بني آدم من
ذُرّية إبليس، لأنَّه أبو الجِنّ كلِّهم، أو من ذُرّية الحُورِ العِین، وليس لذلك أصل ولا شاهد.
(١) كذا قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو بالألف وكسر التاء، وقرأ الباقون:
القراءات)) لابن زنجلة ص ٣٠١ - ٣٠٢.
(٢) تحرف في (س) إلى: جابر.
﴾، انظر ((حجة

٢٢
باب ٢ / ح ٣٣٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
٢ - بابٌ الأرواح جنودٌ مِنَّدةٌ
٣٣٣٦ - قال: وقال اللَّيثُ: عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها
قالت: سمعتُ النبيَّ وَّه يقول: ((الأَرواحُ جنودٌ مُجُنَّدَةٌ، فما تَعارَفَ منها اتْتَلَفَ، وما تَناكَرَ منها
اختلفَ)».
وقال يحيى بنُ أيوبَ: حذَّثني یحیی بنُ سعیدٍ، بهذا.
قوله: ((باب الأرواح جنود مُجُنَّدَة)) كذا ثَبَتَت هذه التَّرجمة في مُعظَم الرِّوايات، وهي
مُتعلِّقة بترجمة خَلْق آدَمَ وذُرّيتِهِ، للإشارة إلى أنَّهم رُكِبوا من الأجسام والأرواح.
قوله: ((وقال اللَّيث)) وَصَلَه المصنّف في ((الأدب المفرد)) (٩٠٠) عن عبد الله بن صالح
عنه.
قوله: ((الأرواح جنود مُجُنَّدَة ... )) إلى آخره، قال الخَطّابي: يحتمل أن يكون إشارةً إلى معنى
التَّشاكُل في الخير والشّ والصلاح والفساد، وأنَّ الخيِّرَ من الناس يَجِنّ إلى شَكْله، والشِّير
نَظِير ذلك يَميل إلى نَظِيره، فتَعارُف الأرواح یقع بحَسَبِ الطباع التي ◌ُبِلَت علیھا من خير
وشَرِّ، فإذا اتَّفَقَت تَعارَفَت، وإذا اختَلَفَت تَناكَرَت.
ويحتمل أن يُرادَ الإخبار عن بَدْء الخلق في حال الغيب على ما جاء أنَّ الأرواح خُلِقَت
قبل الأجسام، وكانت تَلتَقي فتَتشاءَم، فلمَّا حَلَّت بالأجسام تَعارَفَت بالأمرِ الأوَّل، فصارَ
تَعارُفُها وتَناكُرها على ما سَبَقَ من العَهْد المتقدِّم.
وقال غيره: المراد أنَّ الأرواح أوَّل ما خُلِقَت خُلِقَت على قِسمَينٍ، ومعنى تَقابُلها أنَّ
الأجساد التي فيها الأرواح إذا التَّقَت في الدُّنيا اتَلَفَت أو اختَلَفَت، على حَسَب ما خُلِقَت
عليه الأرواح في الدُّنيا إلى غير ذلك بالتَّعارُف.
٣٧٠/٦ قلت: ولا يُعِّر عليه/ أنَّ بعض المتنافرِين رُبَّما انتَلَفا، لأنَّه محمول على مَبدَأ التَّلاقي،
فإِنَّه يَتَعلَّق بأصلِ الِلْقة بغير سبب. وأمَّا في ثاني الحال فيكون مُكتَسَباً لتَجَدُّدِ وصفٍ يقتضي
الأُلفة بعد النُّفرة كإيمان الكافر وإحسان المسيء.

٢٣
باب ٣
كتاب أحاديث الأنبياء
وقوله: ((جنود مُجُنَّدة)) أي: أجناس مُجُنَّسة، أو مُوع مُجمَّعة.
قال ابن الجَوْزي: ويُستَفاد من هذا الحديث أنَّ الإنسان إذا وَجَدَ من نفسه نُفْرة ممَّن له
فضيلة أو صلاح، فينبغي أن يَبحَثَ عن المقتَضي لذلك ليسعى في إزالته، حتَّى يَتَخلَّص من
الوصْف المذموم، وكذلك القول في عَكْسه.
وقال القُرطبي: الأرواح وإن اتَّفَقَت في كَونها أرواحاً لكنَّها تَتَمايزُ بأمورٍ مُخْتَلِفة تتنوّع
بها، فتَتَشاكَل أشخاص النَّوع الواحد وتَتَنَاسَب بسَبَبٍ ما اجتَمَعَت فيه من المعنى الخاصّ
لذلك النَّوع للمُناسَبة، ولذلك نُشاهد أشخاص كلِّ نوع تألَفُ نوعها وتَنِفِر من مخالِفها،
ثُمَّ إِنّا نَجِدُ بعض أشخاص النَّوع الواحد يتآلف وبعضها يَتَنَافَرِ، وذلك بحَسَبِ الأُمور
التي يَحَصُل الاتِّفاق والانفراد بسَبَبها.
قوله: ((وقال يحيى بن أيوب)) هو المِصري ((حدَّثني يحيى بن سعيد بهذا)) يعني: مِثلَ الذي
قبله، وقد وَصَلَه الإسماعيلي من طریق سعید بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب به، ورُوّیناه
موصولاً في ((مُسنَد أبي يَعْلى)) (٤٣٨١) وفيه قصَّة في أوَّله عن عَمْرةَ بنت عبد الرحمن،
قالت: كانت امرأة مَزّاحة بمكَّة فنزلت على امرأة مِثْلها في المدينة، فبَلَغَ ذلك عائشةَ،
فقالت: صَدَقَ حِبّي، سمعت رسول الله ێ، فذكر مثله. ورُوّيناه في «فوائد أبي بكر بن
زُنبور)) من طريق اللَّيث أيضاً بسندِه الأوَّل بهذه القصَّة بمعناها.
قال الإسماعيلي: أبو صالح ليس من شرط هذا الكتاب ولا يحيى بن أيوب في
الأُصول، وإنَّما يُخرِّج له البخاري في الاستشهاد، فأورَدَ البخاري هذا الحديث من
الطَّريقَين بلا إسناد، فصارَ أقوى ممّا لو ساقَه بإسناده. انتهى، وكان سببُ ذلك أنَّ الناظر في
كتابه رُبَّما اعتَقَدَ أنَّ له عنده إسناداً آخر، ولا سيّما وقد ساقَه بصيغة الجَزْم، فيَعتَقِد أنَّه على شرطه،
وليس الأمر كذلك. قلت: وللمَتنِ شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم (٢٦٣٨).
٣- باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ ﴾ [هود:٢٥]
قال ابنُ عبَّاسِ: ﴿بَادِىَ الرَّأَيِ﴾ [هود: ٢٧]: ما ظَهَرَ لنا.

٢٤
باب ٣ / ح ٣٣٣٧ -٣٣٤١
فتح الباري بشرح البخاري
﴿ أَقِّلِعِى﴾ [هود : ٤٤]: أَمسِكِي.
﴿وَفَارَ النَّتُّورُ﴾ [هود: ٤٠]: نَبَعَ الماءُ.
وقال عكرمةُ: وجهُ الأرض.
وقال مجاهدٌ: ﴿الْجُودِيّ﴾ [هود:٤٤]: جبلٌ بالجزيرة.
دَأْبٌ(١): حالٌ.
٣٣٣٧- حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، عن يونُسَ، عن الزُّهْريِّ، قال سالمٌ: وقال ابنُ
عمرَ رضي الله عنهما: قامَ رسولُ اللهَوَّهِ في الناسِ فَأَثْنَى على الله بما هو أهله، ثمَّ ذكر الدَّجّالَ
فقال: ((إنِّ لأَنْذِرُ كُمُوه، وما من نبيٍّ إلا أنذَرَه قومَه، لقد أنذَرَ نوحٌ قومَه، ولكنِّي أقولُ لكم فيه
قولاً لم يَقُلْه نبيٌّ لقومِه: تعلمونَ أنَّه أعوَرُ، وأنَّ اللهَ ليس بأَعوَرَ)).
٣٣٣٨- حدَّثْنا أبو نُعَيم، حدَّثْنَا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ: سمعتُ أبا هريرةَ ﴾
٣٧١/٦ قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((ألا أُحدِّثُكم حديثاً عن الدَّجّالِ ما حدَّثَ به نبيٌّ قومَه: إنَّه أعوَرُ،
وإنَّه ◌َجِيءُ معه بِمِثَال الجنَّةِ والنارِ، فالتي يقول: إنَّها الجنَّةُ، هي النارُ، وإنّ أَنْذِرُكم كما أنذَرَ به
نوح قومه)».
٣٣٣٩- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زیادٍ، حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي
صالحٍ، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((يَحِيءُ نوحٌ وَأُمَّتُه فيقولُ اللهُ تعالى: هل بَلَّغْتَ؟
فيقولُ: نَعَم أيْ ربِّ، فيقول لأُمَّتِه: هل بَلَّغَكم؟ فيقولون: لا، ما جاءَنا من نبيٍّ، فيقولُ لنوحٍ:
مَن يَشْهَدُ لكَ؟ فيقول: محمَّدٌ مَّهِ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُ أنَّه قد بَلَّغَ، وهو قولُه جلَّ ذِكرُه: ﴿ وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣])).
والوَسَطُ: العَدْلِ.
[طرفاه في: ٤٤٨٧، ٧٣٤٩]
(١) يعني في قوله تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوجِ﴾ [غافر: ٣١].

٢٥
باب ٣ / ح ٣٣٣٧-٣٣٤١
كتاب أحاديث الأنبياء
٣٣٤٠- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيدٍ، حدَّثنا أبو حَيّانَ، عن أبي زُرْعةَ،
عن أبي هريرةَ﴾ قال: كنَّا معَ النبيِّ وَّهِ فِي دُعْوةٍ، فُرُفِعَتْ إليه الذِّراعُ - وكانت تُعجِبُه -
فَنَهَسَ منها نَهْسةً وقال: «أنا سَيِّدُ الناسِ يومَ القيامةِ، هل تَذْرونَ بِمَن يَجِمَعُ اللهُ الأوَّلينَ
والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحدٍ، فيُصِرُهم الناظرُ، ويَسْمَعُهم الذَّاعي، وتَدْنُو منهم الشمسُ، فيقول
بعضُ الناس: أَلَا تَرَوْنَ إلى ما أنْتُم فيه، إلى ما بَلَغَكم؟ أَلَا تَنظُرُونَ إلى مَن يَشْفَعُ لكم إلى
ربّكم؟ فيقول بعضُ الناس: أبوكم آدمُ، فيأتونَه فيقولون: يا آدمُ، أنتَ أبو البشرِ، خَلَقَكَ اللهُ
بَيَدِه، ونَفَخَ فيكَ مِن رُوحِهِ، وأمَرَ الملائكةَ فسَجَدوا لكَ، وأسكَنَكَ الجنَّةَ، أَلَا تَشْفَعُ لنا إلى
ربِّكَ؟ أَلَّا تَرَى ما نحنُ فيه وما بَلَغَنا؟ فيقول: ربِّ غَضِبَ غَضَباً لم يَغْضَبْ قبلَه مِثْلَه، ولا
يَغْضَبُ بعدَه مِثْلَه، وَهاني عن الشَّجَرةِ فعَصَيتُ، نَفْسِي نَفْسي، اذهَبُوا إلى غيري، اذهَبُوا إلى
نوح، فيأتُّونَ نوحاً فيقولون: يا نوحُ، أنتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى أهلِ الأرضِ، وسَمّاكَ اللهُ عبداً
شَكُوراً، أمَا تَرَى إلى ما نحنُ فيه؟ ألَا تَرَى إلى ما بَلَغَنا؟ ألَّا تَشْفَعُ لنا إلى ربِّكَ؟ فيقول: ربِّ
غَضِبَ اليومَ غَضَباً لم يَغْضَبْ قبلَه مِثْلَه، ولا يَغْضَبُ بعدَه مِثْلَه، نَفْسِي نَفْسِي، اثْتُوا النبيَّ،
فيأْتُوني، فأسجُدُ تحتَ العَرْشِ، فيقال: يا محمَّدُ، ارفَعْ رأسَكَ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَة)).
قال محمّدُ بنُ عُبيدٍ: لا أحفَظُ سائرَه.
[طرفاه في: ٣٣٦١، ٤٧١٢]
٣٣٤١ - حدَّثْنا نَصْرُ بنُ عليٌّ بنِ نَصْرِ، أخبرنا أبو أحمدَ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاق، عن
الأسوَدِ بنِ يزيدَ، عن عبدِ الله﴾: أنَّ رسولَ اللهِّه قرأ: ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ﴾ [القمر: ١٥] مِثلَ
قراءةِ العامَّة.
[أطرافه في: ٣٣٤٥، ٣٣٧٦، ٤٨٦٩، ٤٨٧٠، ٤٨٧١، ٤٨٧٢، ٤٨٧٣، ٤٨٧٤]/
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، ويُؤيِّده ما وَقَعَ ٣٧٢/٦
في التَرجمة من شرح الكلمات اللّتي من هذه القصّة في سورة هود، وفي رواية الحقْصي:
﴿وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ تَبَأَ نُوجِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وللباقين: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ= أَنْ

٢٦
باب ٣ / ح ٣٣٣٧ -٣٣٤١
فتح الباري بشرح البخاري
أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إلى آخرِ السّورة، وقد ذُكِرَ بعضُ هذا الأخير في
رواية أبي ذرٍّ قبل الأحاديث المرفوعة.
ونوحٌ: هو ابن لَمْك، بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف، ابن مَتُّوشَلَخ بفتح الميم
وتشديد المثنّاة المضمومة بعدها واو ساكنة وفتح الشّين المعجمة واللّام بعدها مُعجَمة، ابن
خَنُوخ بفتح المعجَمة وضمّ النُّون الخفيفة بعدها واو ساكنة ثمَّ مُعجَمة: وهو إدريس فيما
يقال. وقد ذكر ابن جَرِير أنَّ مَولِدَ نوح كان بعد وفاة آدم بمئةٍ وسنّة وعشرينَ عاماً (١)، وأنَّه
بُعِثَ وهو ابن ثلاث مئةٍ وخمسين، وقيل غير ذلك، وأنَّه عاشَ بعد الطّوفان ثلاث مئة سنة
وخمسين، وقيل: إنَّ مُدَّة عُمُره ألف سنة إلّا خمسين عاماً قبل البعثة وبعدها وبعد الغَرَق، فالله
أعلم. وصَحَّحَ ابن حِبّان (٦١٩٠) من حديث أبي أمامةَ: ((أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله،
أنبيُّ كان آدم؟ قال: نعم. قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قُرون)).
قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿بَادِىَ الرَّأَيِ﴾: ما ظَهَرَ لنا)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق
عطاء عنه(٢)، أي: أوَّلَ النَّظَرِ قبل التَّأْمُّل.
قوله: ((﴿أَقْلِ﴾ أَمْسِكِي ﴿وَفَارَ الذَّنُورُ﴾ نَبَعَ الماءُ)) وَصَلَ ذلك ابنُ أبي حاتم أيضاً
(١٠٨٤٥) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس.
قوله: ((وقال عِكْرمة: وَجْه الأرض)) وَصَلَه ابن جَرِير (٣٨/١٢) من طريق أبي إسحاق
الشَّيباني عن عِكْرمة في قوله: ﴿وَفَارَ النَّنُورُ ﴾ قال: وجهُ الأرض.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿الْجُودِيّ﴾ جبلٌ بالجزيرة)) وَصَلَه ابن أبي حاتم (٢٠٣٧/٦) من
(١) أخرج ابن حبان في (صحيحه)) (٦١٩٠) وغيره بسند صحيح عن أبي أمامة: أنَّ رجلاً قال لرسول الله وكلته.
كم كان بين آدم ونوح؟ قال: ((عشرة قرون)). والقَرْن على الراجح من الأقوال: مئة سنة، فيكون بين آدم
ونوح عليهما السلام ألف سنة تقريباً، والله تعالى أعلم.
(٢) كذا قال الحافظ، وذكره في كتابه ((التغليق)) ٨/٤ عن ابن أبي حاتم بإسناده إلى عثمان بن عطاء عن أبيه عن
ابن عباس، والذي في ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٦/ ٢٠٢٢ بالإسناد نفسه لكن بإسقاط ابن عباس. وقد
أخرجه عن ابن عباسٍ الطبريُّ في «تفسيره)) ٢٨/١٢ من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عنه.

٢٧
باب ٣ / ح ٣٣٣٧ -٣٣٤١
كتاب أحاديث الأنبياء
طريق ابن أبي نَجِيح عنه، وزادَ: تَشامَخَت الجبالُ يوم الغَرَق، وتَواضَعَ هو لله، فلم يَغرَق
وأُرسيَت عليه سفينةُ نوحٍ.
قوله: ((دَأْبٌ: حالٌ)) وَصَلَه الفِرْيابي من طريق مجاهد أيضاً.
ثم ذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث:
الأول: حديثُ ابن عمر في ذِكْر الدَّجّال، وسيأتي شرحه في الفتن (٧١٢٣)، والغرض
منه قوله فيه: ((ولقد أنذَرَ نوحٌ قومَه))، وخَصَّ نوحاً بالذِّكرِ لأنَّه أوَّل مَن ذكره، وهو أوَّل
الرُّسُل المذكورينَ في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣].
الثاني: حديثُ أبي هريرة في المعنى كذلك.
الثالث: حديثُ أبي سعيد في شهادة أمَّة محمَّد ◌َّ لنوح بالتَّبليغ، وسيأتي شرحه في
تفسير سورة البقرة (٤٤٨٧)، ويأتي في تفسير سورة نوح (٤٩٢٠) بيانُ السَّبَب في عبادة
قوم نوحِ الأصنامَ.
الرابع: حديثُ أبي هريرة في الشَّفاعة.
قوله فيه: ((دُعْوَة)) بضمٌّ أوَّله(١): الوَليمة.
وقوله: ((فُرُفعَت إليه الذِّراع)) أي: ذِراعُ الشّاة، وسيأتي بيان ذلك في الأطعمة(٢).
قوله: ((فَھَسَ)) بنونٍ ومُهمَلة، أي: أخَذَ منها بأطراف أسنانه، ووقع في رواية أبي ذرِّ
بالمعجَمة وهو قريب من المهمَلة.
قوله: (أنا سَيِّد الناس يومَ القيامة)) خَصَّه بالذِّكرِ لظُهورِ ذلك له يومَئذٍ، حیثُ تكون
الأنبياء كلَّهم تحتَ لوائه، ويَبعَثه الله المقام المحمود كما سيأتي بيانه في الرِّقاق (٦٥٦٥) مع
تَتِمَّة شرح الحديث إن شاء الله تعالى.
والغرضُ منه هنا قوله: ((فيقولون: يا نوح، أنتَ أوَّل الرُّسُل إلى أهل الأرض، وسَّاك اللهُ
(١) ويفتح ويكسر أيضاً كما في القسطلاني.
(٢) انظر شرحه على حديث أنس بن مالك الآتي في الأطعمة برقم (٥٣٨٥).

٢٨
باب ٤
فتح الباري بشرح البخاري
عبداً شكوراً)، فأمَّا كَونُه أوَّلَ الرُّسُل فقد استُشكِلَ بأنَّ آدم كان نبيًّاً، وبالضّرورة تعلمُ أنَّه
كان على شريعة من العبادة، وأنَّ أولاده أخَذُوا ذلك عنه، فعلى هذا فهو رسول إليهم،
فيكون هو أوَّلَ رسول، فيحتمل أن تكون الأوَّلية في قول أهل الموقِف لنوحٍ مُقيّدة بقولهم:
إلى أهل الأرض؛ لأنَّه في زمن آدم لم يكن للأرضِ أهل، أو لأنَّ رسالة آدم إلى بَنِيهِ كانت
كالتَّربية للأولاد، ويحتمل أن يكون المراد أنَّه رسول أُرسِلَ إلى بَنِيهِ وغيرهم من الأُمَم
٣٧٣/٦ الذينَ أُرسِلَ إليهم مع تَفرُّقهم في عِدَّة بلاد، وآدم إنَّا أُرسِلَ / إلى بَنِيهِ فقط، وكانوا مُجْتَمِعِينَ
في بلدةٍ واحدة، واستَشكَلَه بعضهم بإدريس، ولا يَرِدُ؛ لأنَّه اختُلِفَ في كَونه جَدَّ نوح كما
تقدَّم، وقد تقدَّم شيء من هذا في أوَّل كتاب التيمُّم (٣٣٥) فيما يَتَعلَّق بِخَصُوصِيّة نبيِّنًا
بعموم البِعْثة عليه وعلى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام.
وأمَّا قولهم: ((وسَّك الله عبداً شَكُوراً) فإشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾
[الإسراء: ٣]، وروى عبد الرَّزّاق بسندٍ مقطوع: أنَّ نوحاً كان إذا ذهب إلى الغائط قال:
الحمدُ لله الذي رَزَقَنِي لَذَّتَه، وأبقى فيَّ قوَّتَه، وأَذهَب عنِّي أَذاه(١).
الخامس: حديثُ ابن مسعود في قراءة ﴿فَهَلْ مِن مُذَِّرٍ﴾، وسيأتي في تفسير ((اقتَرَبَت))
(٤٨٧٤).
٤- بابٌ
أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَّذَرُونَ
١٢٤
﴿ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَلَا نَفَّقُونَ
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
(١٢٦
أَحْسَنَ الْخَلِفِينَ ( اَللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ
إِلَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿ وَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ اْآَخِرِينَ﴾ قال ابنُ عبَّاسِ: يُذكَرُ بخيرٍ ﴿سَلَمُّ عَ إِلَ
يَاسِينَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ () إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣ -١٣٢].
يُذکرُ عن ابن مسعودٍ وابنِ عبّاسٍ : أنَّ إلیاسَ هو إدريسُ.
(١) لم نقف علیه عند عبد الرزاق، وهو عند ابن أبي شيبة في «مصنفه) ٢/١ و٤٥٤/١٠، وروي مثله عن
النبي ◌ُ ﴾ مرفوعاً من حديث ابن عمر عند ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٥)، وسنده ضعيف.

٢٩
كتاب أحاديث الأنبياء
قوله: ((باب ﴿ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَلَا نَتَّقُونَ﴾ إِلى ﴿ وَتَرَكْنَا
عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ﴾)) سقط لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرٍّ، وكأنَّ المصنّف رَجَحَ عنده كَونُ
إدريس ليس من أجداد نوح، فلهذا ذكره بعده، وسأذكُرُ ما في ذلك في الباب الذي يَلیهِ.
وإلياس بهمزة قطع، وهو اسم عِبْراني. وأمَّا قوله تعالى: ﴿سَلَمُّ عَلَىَ إِلَ يَاسِينَ﴾ فقرأه
الأكثر بصورة الاسم المذكور وزيادة ياء ونون في آخره، وقرأ أهل المدينة: ((آل ياسين))
بفصل آل من ياسين، وكان بعضهم يَتأوَّل أنَّ المراد سلامٌ على آل محمَّد ◌َلِّ، وهو بعيد،
ويُؤْيِّد الأوَّلَ أنَّ الله تعالى إنَّما أخبر في كلّ موضع ذكر فيه نبيّاً من الأنبياء في هذه السُّورة،
بأنَّ السَّلام عليه، فكذلك السَّلامُ في هذا الموضع على إلياس المُبدَأ بذِكْره، وإنَّما زِيدَت فيه
الياء والنُّون كما قالوا في إدريس: إدراسينَ، والله أعلم.
قوله: ((قال ابن عبّاس)) وَصَلَه ابن جَرِير (٦٨/٢٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن
عبَّاس في قوله تعالى: ﴿سَلَمُّ عَ إِلَّ يَاسِينَ﴾(١): يُذكَر بخيرٍ.
قوله: ((ويُذكَر عن ابن مسعود وابن عبَّاس: أنَّ إلياس هو إدريس)) أمَّا قول ابن مسعود
فوصَلَه عبد بن ◌ُمیدٍ وابن أبي حاتم (١٣٣٦/٤) باسنادٍ حسنٍ عنه قال: إلیاس هو إدريس،
ويعقوب هو إسرائيل. وأمَّا قول ابن عبّاس فوَصَلَه جُوَيِبٍ في ((تفسيره)) عن الضَّحّاك عنه،
وإسناده ضعيف، ولهذا لم يجزم به البخاري.
وقد أخَذَ أبو بكر بن العربي من هذا أنَّ إدريس لم يكن جَدّاً لنوحٍ، وإنَّما هو من بني
إسرائيل، لأنَّ إلياس قد وَرَدَ أنَّه من بني إسرائيل، واستُدِلَّ على ذلك بقوله عليه السلام
للنبي قال: ((مَرحَباً بالنبي الصالح والأخ الصالح)»(٢)، ولو كان من أجداده لقال له كما قال
له آدم وإبراهيم: ((والابن الصالح))، وهو استدلال جيّد، إلّا أنَّه قد يُجاب عنه بأنَّه قال
ذلك على سبيل التَّواضُع والتَّطُّف، فليس ذلك نَصّاً فيما زَعَمَ.
(١) هذا ذهولٌ من الحافظ، والصواب: في قوله تعالى: ﴿وَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ اَلْآَخِرِينَ﴾.
(٢) سلف ضمن حديث الإسراء والمعراج الطويل برقم (٣٤٩).

٣٠
باب ٥ / ح ٣٣٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقد قال ابن إسحاق في أوَّل ((السِّيرة النَّبوية)) لمَّا ساقَ النَّسَب الكريم، فلمَّا بَلَغَ إلى
نوح قال: ابن لَمْك بن مَتُّوشَلَخ بن خَنُوخ: وهو إدريس النبي فيما يَزْعُمونَ، وأشارَ بذلك
إلى أنَّ هذا القول مأخوذ عن أهل الكتاب. واختُلِفَ في ضبطه، فالأكثر: خَنُوخِ بمُعجَمَتَين
بعد الأولى نون بوزنِ ثَمُود، وقيل: بزيادة ألف في أوَّله وسكون المعجمة الأولى، وقیل غیر
ذلك، لكن بحذفِ الواو، وقيل كذلك لكن بدل الخاء الأولى هاء، وقيل: كالثّاني لكن بدل
المعجَمة مُهمَلة.
واختُلِفَ في لفظ إدريس، فقيل: هو عربي واشتِقاقُه من الدّراسة، وقيل له ذلك لكَثْرة
دَرْسه الصُّحُف، وقيل: بل هو سُرْياني، وفي حديث أبي ذرِّ الطَّويل الذي صَخَّحَه ابن حِبّان
٣٧٤/٦ (٣٦١) أنَّه كان سُريانيّاً(١)، ولكن لا يَمنَعُ/ ذلك كونَ لفظ إدريس عربيّاً إذا ثَبَتَ بأنَّ له
اسمین.
٥- باب ذِكْرِ إدريس عليه السَّلام
وقولِ الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]
٣٣٤٢- قال عَبْدانُ: أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريّ (ح) حدَّثنا أحمدُ بنُ
صالح، حدَّثنا عَنْبَسةُ، حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: قال أنسُ بنُ مالكِ: كان أبو ذرِّ ﴾
يُحدِّثُ أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((فُرِجَ عن سَقْفِ بيتي وأنا بمَّةَ، فنزلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْري،
ثمَّ غَسَلَه بماءٍ زَمْزَمَ، ثُمَّ جاءَ بطَسْتٍ من ذهبٍ ثُمتَلِئٍ حِكْمةً وإيماناً فأفرَغَها في صَدْري، ثمَّ
أطبَقَه، ثمَّ أَخَذَ بيَدِي فَعَرَجَ بي إلى السماءِ، فلمَّا جاءَ إلى السماءِ الدُّنْيا قال جِبْرِيلُ لخازنِ السماء:
افتَحْ، قال: مَن هذا؟ قال: هذا جِبْرِيلُ، قال: مَعَكَ أحدٌ؟ قال: معي محمَّدٌ، قال: أُرسِلَ إليه؟
قال: نعم، فافتَحْ، فلمَّا عَلَوْنا السماءَ إذا رجلٌ عن بَمِينِهِ أَسوِدةٌ وعن يساره أسوِدةٌ، فإذا نظرَ
قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذا نظرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَكَى، فقال: مَرْحباً بالنبيِّ الصالحِ، والابنِ الصالحِ،
قلتُ: مَن هذا يا جِبْرِيلُ؟ قال: هذا آدمُ، وهذه الأَسودةُ عن يَمِينِهِ وعن شِمالِهِ نَسَمُ بَنِهِ، فأهلُ
(١) وإسناده ضعيف جدّاً.

٣١
باب ٥ / ح ٣٣٤٢
كتاب أحاديث الأنبياء
اليَمِين منهم أهلُ الجنَّةِ، والأَسوِدةُ التي عن شِمالِه أهلُ النارِ، فإذا نظرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذا
نظرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَكَى، ثمَّ عَرَجَ بي جِبْرِيلُ حتَّى أَتَى السماءَ الثّانيةَ فقال لخازنها: افتَحْ، فقال له
خازنُها مِثلَ ما قال الأوَّلُ، ففَتَحَ)).
قال أنسٌ: فَذَكَر أنَّه وَجَدَ في السَّماواتِ إدريسَ وموسى وعيسى وإبراهيمَ، ولم يُثبِتْ لي
كيفَ منازلُهم، غيرَ أنَّه قد ذَكَرِ أَنَّه وَجَدَ آدمَ في السماءِ الدُّنْيا وإبراهيمَ في السادسةِ، وقال أنسُّ:
((فلمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بإدريسَ قال: مَرْحباً بالنبيِّ الصالحِ والأخِ الصالحِ، فقلتُ: مَن هذا؟ قال:
هذا إدريسُ، ثمَّ مَرَرتُ بموسى فقال: مَرْحباً بالنبيِّ الصالحِ والأخِ الصالحِ، وقلتُ: مَن هذا؟
قال: هذا موسى، ثمَّ مَرَرتُ بعيسى فقال: مَرْحباً بالنبيِّ الصالحِ والأخِ الصالحِ، قلتُ: مَن
هذا؟ قال: عيسى، ثمَّ مَرَرتُ بإبراهيمَ فقال: مَرْحباً بالنبيِّ الصالحِ والابنِ الصالحِ، قلتُ: مَنْ
هذا؟ قال: هذا إبراهيمٌ)).
قال: وأخبرني ابنُ حَزْمٍ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ وأبا حَيَّةَ الأنصاريَّ كانا يقولانٍ: قال النبيُّ وَل:
(ثُمَّ عُرِجَ بِي حتَّى ظَهَرتُ لمُستَوّى أسمَعُ صَرِيفَ الأقلامِ)).
قال ابنُ حَزْمٍ وأنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنهما: قال النبيُّ وَّةِ: «ففَرَضَ اللهُ عليَّ خمسينَ
صلاةٌ، فَرَجَعْتُ بذلكَ حتَّى أمُرَّ بموسى، فقال موسى: ما الذي فُرِضَ على أمَّتِكَ؟ قلتُ:
فَرَضَ عليهم خمسينَ صلاةً، قال: / فراجِعْ ربَّكَ، فإنَّ أَمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلك، فَرَجَعْتُ فراجَعْتُ ٣٧٥/٦
ربِّ فَوَضَعَ شَطْرَها، فَرَجَعْتُ إلى موسى، فقال: راجِعْ ربَّكَ، فذكرَ مِثلَه، فَوَضَعَ شَطْرَها،
فَرَجَعْتُ إلى موسى فأخبَرَتُه فقال: راجِعْ ربَّكَ، فإنَّ أَمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلك، فَرَجَعْتُ فراجَعْتُ
ربِّ فقال: هي خمسِّ وهي خمسونَ، لا يُبدَّلُ القولُ لديَّ، فَرَجَعْتُ إلى موسى فقال: راجِعْ
رَبَّكَ، فقلتُ: قدِ اسْتَحْبَيَتُ من ربِّ، ثمَّ انطَلَقَ حتَّى أَتَى السِّدْرةَ المنتَهَى، فَغَشِيَها ألوانٌ لا
أدري ما هي، ثمَّ أُدخِلْتُ الجنَّةَ فإذا فيها جَناءِذُ اللُّؤْلُقٍ، وإذا ترابُها المِسْكُ)).
قوله: (باب ذِكْر إدريس)) سقط لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرٍّ، وزاد في رواية الحَفْصي:
((وهو جَدّ أبي نوح، وقيل: جَدّ نوح)).

٣٢
باب ٥ / ح ٣٣٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: الأوَّل أَولى من الثّاني كما تقدَّم، ولعلَّ الثّاني أطلقَ ذلك مجازاً لأنَّ جَدَّ الأب جَدٌّ،
ونَقَّلَ بعضهم الإجماعَ على أنَّه جدٌّ لنوح، وفيه نظر، لأنَّه إن ثَبَتَ ما قال ابن عبّاس: أنَّ
إلياس هو إدريس، لَزِمَ أن يكون إدريس من ذُرّية نوح، لا أنَّ نوحاً من ذُرّيته، لقوله تعالى
في سورة الأنعام [٨٤-٨٥]: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى أن
قال: ﴿وَعِيسَى وَإِلَيَاسَ﴾، فدَلَّ على أنَّ إلياسَ من ذُرّية نوح، سواء قلنا: إنَّ الضَّمير في
قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِيَّتِهِ﴾ لنوح أو لإبراهيم، لأنَّ إبراهيم من ذُرّية نوح، فمَن كان من ذُرّية
إبراهيم فهو من ذُرّية نوح لا محالةَ.
وذكر ابن إسحاق في ((المبتَدَأ)): أنَّ إلياس هو ابن نُسَّ بن فِنحاص بن العَيْزار بن
هارون أخي موسى بن عمران، فالله أعلم. وذكر وهبٌ في ((المبتَدَأ): أنَّ إلياس عُمِّر كما
عُمِّرَ الخَضِر (١)، وأنَّه يبقى إلى آخر الدُّنيا في قصَّة طويلة، وأخرج الحاكم في ((المستدرَك))
(٦١٦/٢) من حديث أنس: أنَّ إلياس اجتَمَعَ بالنبي وَله وأكَلا جميعاً، وأنَّ طوله ثلاث مئة
ذِراع، وأنَّه قال: إنَّه لا يأكل في السَّنة إلّا مَرَّة واحدة، أورَدَه الذَّهَبي(٢) في ترجمة يزيد بن
يزيد البلوي، وقال: إنَّه خبر باطل.
قوله: ((وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنَا عَلِيًّا﴾)) ثمَّ ساقَ حديث الإسراء من رواية أبي ذرٍّ،
وقد تقدَّم شرحه في أوائل الصلاة (٣٤٩) وكأنَّه أشارَ بالتَّرجمة إلى ما وَقَعَ فيه أنَّه وَجَدَه في
السماء الرّابعة، وهو مكانٌ عليٌّ بغيرِ شَكّ.
واستَشكَلَ بعضهم ذلك بأنَّ غيره من الأنبياء أرفَعُ مكاناً منه، ثمَّ أجابَ بأنَّ المراد أنَّه
لم يُرفَع إلى السماء مَن هو حَيُّ غيره، وفيه نظر، لأنَّ عيسى أيضاً قد رُفِعَ وهو حَيٌّ على
الصَّحيح، وكَونُ إدريس رُفِعَ وهو حيّ لم يَثْبُت من طريق مرفوعة قوية، وقد روى الطَّبَري
(٩٦/١٦): أنَّ كعباً قال لابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنَّا عَلِيًّا﴾ أنَّ إدريس سأل
(١) سلف التعليق على حياة الخضر عند آخر شرح الحديث (٦٠١).
(٢) في ((ميزان الاعتدال)) ٤/ ٤٤١.

٣٣
باب ٦
كتاب أحاديث الأنبياء
صديقاً له من الملائكة، فحَمَلَه بين جناحَيهِ ثمَّ صَعِدَ به، فلمَّا كان في السماء الرّابعة تَلَقّاه
مَلَكُ الموت فقال له: أُريد أن تُعلِمَني كم بقي من أجَلِ إدريس؟ قال: وأين إدريس؟ قال:
هو مَعي، فقال: إنَّ هذا لَشيءٌ عَجيبٌ، أُمِرتُ بأن أقبِضَ روحه في السماء الرّابعة، فقلت:
كيف ذلك وهو في الأرض؟ فقَبَضَ روحَه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، وهذا
من الإسرائيليات، والله أعلمُ بصِحَّة ذلك. وذكر ابن قُتَيبة: أنَّ إدريس رُفِعَ وهو ابن
ثلاث مئة وخمسين سنة.
وفي حديث أبي ذرِّ الطّويل الذي صَخَّحَه ابن حِبّان (٣٦١)(١): أنَّ إدريس كان نبيًّاً
رسولاً، وأنَّه أوَّلُ مَن خَطَّ بالقَلَم، وذكر ابن إسحاق له أوَّلياتٍ كثيرةً، منها أنَّه أوَّل مَن
خاطَ الثّياب.
تنبيه: وَقَعَ في أكثر الرِّوايات: ((وقال عَبْدان))، وفي روايتنا من طريق أبي ذرٍّ: ((حدَّثنا
عبدان)) ووَصَلَه أيضاً الجوزَقي من طريق محمَّد بن اللَّيث عن عبد الله بن عثمان - وهو
عبدان - به.
٦ - باب قول الله تعالى:
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]
وقوله: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢١-٢٥].
فيه عن عطاءٍ وسليمانَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ◌َلّ.
وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ﴾ شديدةٍ ﴿عَلِيَةٍ﴾ قال ابنُ عُبَينَةَ:
عَنَت على الخُزّان ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةً أَيَّامٍ حُسُومًا ﴾ مُتابعةً ﴿فَتَرَ الْقَوْمَ فِيهَا
صَرْعَىْ كَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ أُصولُها ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ -٨]: بَقِيَّةٍ.
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ﴾)» هو هود بن عبد الله بن رباح بن ٣٧٦/٦
جاوَرَ بن عاد بن عَوْص بن إرَم بن سام بن نوح. وسَمّاه أخاً لهم لكونِه من قبيلَتِهم لا من
(١) بل إسناده ضعيف جدّاً.

٣٤
باب ٦
فتح الباري بشرح البخاري
جِهَة أُخوَّة الدّين، هذا هو الرّاجِح في نَسَبه. وأمَّا ابن هشام فقال: اسمه عابر بن أرفَخشَذ
ابن سام بن نوح.
قوله: ((﴿إِذْ أَنَذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾)) الأحقاف:
جمع حِقْف بكسر المهمَلة، وهو المعوَجُ من الرَّمل، والمراد به هنا مساكنُ عاد، وروى عبد
٣٧٧/٦ ابن / حُميدٍ من طريق قَتَادة: أنَّهم كانوا يَنزِلونَ الرَّمْلِ بأرضِ الشِّحْرِ وما والاها، وذكر ابن
قُتَيبة: أنَهم كانوا ثلاثَ عشرةَ قبيلة يَنْزِلُونَ الرَّمل بالدَّوِّ والدَّهناء وعالِج ووَبَار وعُمان إلى
حَضْرَموتَ، وكانت ديارهم أخصبَ البلاد وأكثرها جِناناً، فلمَّا سَخِطَ الله جلَّ وعَلا
علیهم جعلها مفاوِز.
قوله: ((فيه عطاء وسليمان عن عائشة عن النبي وَله)) أمَّا رواية عطاء - وهو ابن أبي رَباح -
فَوَصَلَها المؤلِّف في ((باب ذِكْر الرّيح)) من بَدْء الخلق (٣٢٠٦)، وأوَّله: ((كان إذا رأى مَخِيلةٌ
أقبَلَ وأدبَرَ))، وفي آخره: ((وما أدري لعلَّه كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ
أَوْدِيَئِهِمْ﴾» الآيةَ [الأحقاف: ٢٤]، وأمَّا رواية سليمان - وهو ابن يسار - فَوَصَلَها المؤلِّف في
تفسير سورة الأحقاف (٤٨٢٨ ٤٨٢٩)، ويأتي بقيّة الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَمَّا عَادٌ فَأُفَلِكُواْ بِرِيجٍ صَرْصَرٍ﴾ شديدةٍ ﴿عَتِيَةٍ﴾ قال
ابن عُيَينَةَ: عَتَت على الخُزّان)) أمَّا تفسير الصَّرصَر بالشَّديدة، فهو قول أبي عبيدة في ((المجاز)).
وأمَّا تفسير ابن عُيَينةَ فُرُوّيناه في ((تفسيره)) رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه،
عن غير واحد في قوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ قال: عَتَت على الخُزّان، وما خَرَجَ منها إلّا مِقدارُ الخاتَم.
وقد وَقَعَ هذا مُتَّصِلاً بحديث ابن عبّاس الذي في هذا الباب عند الطبراني (١٢٤١٦) من
طريق مسلم الأعوَر عن مجاهد عن ابن عبّاس، وأخرجه ابن مَرْدويه من وجه آخر عن
مسلم الأعوَر فبيَّن أنَّ الزّيادة مُدرَجة عن مجاهد، وجاء نحوها عن عليّ موقوفاً، أخرجه
ابن أبي حاتم من طريقه قال: (لم يُنزِل الله شيئاً من الرّيح إلّ بَوَزنٍ على يَدَي مَلَك، إلّا يومَ
عادٍ، فإنَّه أذِنَ لها دون الخُزّان فَعَتَتْ على الخُزّان))، ومن طريق قَبِيصَة بن ذُؤَيب أحد كِبار

٣٥
باب ٦ / ح ٣٣٤٣ -٣٣٤٥
كتاب أحاديث الأنبياء
التابعينَ نحوه بإسنادٍ صحيحٍ.
قوله: (﴿حُسُومًا﴾: مُتَتابعة)) هو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي:
أدامَها ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾: وِلاءَ مُتَتابعةً. وقال الخليل: هو من الحَسْم،
بمعنى: القَطْع.
قوله: (﴿أَعْجَازُ غَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾: أُصولها ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِبَةٍ﴾: بقيّة)) هو تفسير أبي
عُبيدة أيضاً قال: قوله: ﴿خَارِيَةٍ﴾ أي: أُصولها، وهي على رأي مَن أَنَّثَ النَّخل، وشَبَّهَهم
بأعجاز النَّخل إشارة إلى عِظَم أجسامهم، قال وَهْب بن مُنبِّه: كان رأس أحدهم مِثل القُبَّةِ،
وقيل: كان طوله اثني عشر ذِراعاً، وقيل: كان أكثر من عشرة، وروى ابن الكَلْبي قال: كان
طولُ أقصَرِهم ستّينَ ذِراعاً وأطوَلِهم مئة، والكَلْبِي تالفٌ(١). وفي قوله: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ
بَاقِيَةٍ﴾ أي: من بقيّة، وفي التَّفسير: أنَّ الرّيح كانت تَحمِل الرَّجل فتَرَفَعه في الهواء ثمَّ تُلقيه
فَتَشدَخُ رأسه فيبقى جُثَّة بلا رأس، فذلك قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَارِبَةٍ﴾، وأعجاز
النَّخل هي التي لا رؤوس لها.
ثَّ ذكر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث:
٣٣٤٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عبّاسٍ
رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّ﴿ قال: ((نُصِرتُ بالصَّبَا، وَأُهْلِكَت عادٌ بالدَّبُورِ)).
٣٣٤٤- قال: وقال ابنُ كَثير: عن سفيانَ، عن أبيه، عن ابنِ أبي نُعْمٍ، عن أبي سعيدٍ ﴾
قال: بَعَثَ عليٌّ﴾ إلى النبيِّ ◌َّهُ بِذُّهَيِيةٍ، فَقَسَمَها بينَ الأربعةِ: الأقرَعِ بنِ حابسٍ الحَنْظَلِيِّ ثُمَّ
المُجَاشِعِيِّ، وعُيَينَةَ بنِ بَدْرِ الفَزَاريِّ، وزيدِ الطائيِّ ثُمَّ أحدٍ بني نَبْهَانَ، وعَلْقمةَ بنِ عُلَاثَةَ
العامِرِيِّ أحدٍ بني كِلابٍ، فَغَضِبَت قريشٌ والأنصارُ قالوا: يُعْطِي صَنادِيدَ أهلِ نَجْدٍ ويَدَهُنا!
قال: ((إنَّا أَتَلَّفُهم))، فأقبَلَ رجلٌ غائرُ العينَينِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَين، ناتئُ الجَبِين، حَتُّ اللِّحْيةِ
محلوقٌ، فقال: اتَّقِ اللهَ يا محمَّدُ، فقال: ((مَن يُطِعِ اللّهَ إذا عَصَيتُ؟ أيأُمَنُني اللهُ على أهلِ الأرضِ
(١) تصحفت في (س) إلى: بألف.

٣٦
باب ٦ / ح ٣٣٤٣ -٣٣٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
ولا تَأْمَنُوني؟!)) فسأله رجلٌ قَتْلَه - أحسبُهُ خالدَ بنَ الوليد - فمَنَعَه، فلمَّا وَلَّى قال: ((إنَّ من
ضِعْضِئٍ هذا - أو في عَقِبٍ هذا - قومٌ يَقْرَؤُونَ القرآنَ لا يُحاوِزُ حَناجِرَهم، يَمْرُقونَ مِن الدِّین
مُرُوقَ السَّهْمِ مِن الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أهلَ الإسلامِ ويَدَعُونَ أهلَ الأوْثانِ، لِئِنْ أنا أدرَكْتُهم
لأقتُلنَّهم قَتْلَ عاٍ».
[أطرافه في: ٣٦١٠، ٤٣٥١، ٤٦٦٧، ٥٠٥٨، ٦١٦٣، ٦٩٣١، ٦٩٣٣، ٧٤٣٢، ٧٥٦٢]
٣٣٤٥- حدَّثنا خالدُ بنُ يزيدَ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسوَدِ، قال: سمعتُ
عبدَ الله قال: سمعتُ النبيَّ وَلِ يَقْرَأُ: ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ [القمر:١٥].
أحدها: حديثُ ابن عبّاس وفيه: ((وأُهلِكَت عادٌ بالدَّبور))، ووَرَدَ في صفة إهلاكهم
بالرّيح ما أخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٦٩/١٠) من حديث ابن عمر، والطبراني (١٢٤١٦)
من حديث ابن عبَّاس رَفَعاه: ((ما فَتَحَ الله على عادٍ من الرّيح إلّا موضعَ الخاتم، فمَرَّت
بأهلِ البادية فحَمَلَتهم ومَواشَهم وأموالهم بين السماء والأرض، فرآهم الحاضرةُ فقالوا:
هذا عارضٌ مُمُطِرُنا، فألقَتهم عليهم فهَلَكوا جميعاً)(١).
ثانيها: حديث أبي سعيد الخُذْري في ذِكْر الخوارج.
قوله: ((وقال ابن كثير: عن سُفْيان)) كذا وَقَعَ هنا، وأورَدَه في تفسير براءَة (٤٦٦٧) قائلاً:
((حدَّثنا محمّد بن كثير)) فوَصَلَه لكنَّه لم يَسُقه بتمامه، وإنَّما اقتَصَرَ على طَرَف من أوَّله، وسيأتي
الكلام عليه مُستَوقَى في المغازي (٤٣٥١) إن شاء الله تعالى.
والغرض منه هنا قوله: ((لَئِن أنا أدرَكتُهم لَأَقْتُلنَّهم قتلَ عاد» أي: قتلاً لا يُبقي منهم
أحداً، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَةٍ﴾، ولم يُرِدْ أنَّه يَقتُلهم بالآلة التي قُتِلَت
بها عادٌّ بعينها، ويحتمل أن يكون من الإضافة إلى الفاعل ويُراد به القتل الشَّديد القويُّ، إشارة
إلى أنَهم موصوفونَ بالشِّدَّة والقوّة، ويُؤْيِّده أنَّه وَقَعَ في طريق أُخرى (٤٣٥١): ((قتل ثَمُود)).
(١) وحديث ابن عمر أخرجه الطبراني أيضاً (١٣٥٥٣)، وفي کلا الحدیثین - حديث ابن عمر وحديث ابن
عباس - مسلم بن كيسان الملائي، وهو ضعيف منكر الحديث.

٣٧
باب ١٧
كتاب أحاديث الأنبياء
ثالثها: حديثُ عبد الله: ((سمعت النبي (وَلـ/ يقرأ: ﴿فَهَلْ مِن مُذَكِرٍ﴾))، وسيأتي في ٣٧٨/٦
التَّفسير إن شاء الله تعالى (٤٨٧٢)(١).
١٧ - باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣]
وقوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ اَلِجْرِ﴾ [الحجر: ٨٠] الحِجْرُ: موضعُ ثَمُودَ.
وأمَّا((حَرْثٌ حِجْرٌ)): حَرامٌ، وكلَّ ممنوع فهو حِجْرٌ ومنه: حِجْرٌ محجورٌ(٢).
والِبْرُ: كلُّ بناءٍ بَنَيْتَه، وما حَجَرْتَ عليه من الأرضِ فهو حِجْرٌ، ومنه سُمِّيَ خَطِيمُ
البيتِ حِجْراً، كأنَّه مُستَقٌّ من محطومٍ، مِثْلُ: قَتِيلٍ من مقتولٍ، ويقال للأُنثَى مِن الخيل: حِجْرِ،
ويقال للعَقْلِ: حِجْرُ وحِجَّى. وأمَّا حَجْرُ اليَمَامَة: فهو المَنزِل.
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ وقوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ اَلِجْرِ﴾)) ٣٧٩/٦
هو صالح بن عُبيد بن أسيف(٣) بن ناسخ(٤) بن عُبيد بن حاجز بن ثَمُود بن عابر بن إرَم بن
سام بن نوح، وكانت منازلهم بالحِجْر، وهو بين تَبُوك والحجاز.
قوله: ((الحِجْر: موضع ثَمُود، وأمَّا حَرْثٌ حِجْرٌ: حَرامٌ)) هو تفسير أبي عُبيدة، قال في قوله
تعالى: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَمُ وَحَْتُ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]، أي: حَرَام.
قوله: ((وكلُّ ممنوع فهو حِجْر، ومنه: حِجْر محجور)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ
حِجْرَ تَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] أي: حَراماً مُحرَّمَاً.
(١) تنبيه: قدَّم الحافظ ابن حجر الباب التالي (وهو الباب ١٧ من كتاب الأنبياء) فوضعه هنا (قبل الباب
السابع) ليكون الكلام على نبي الله صالح عليه السلام وقومه من ثمودَ بعد الكلام على نبي الله هود
وقومه من عاد، فاقتضى ذلك أن تكون الأحاديث المرقمة في ((صحيح البخاري)) من رقم (٣٣٧١) إلى
(٣٣٨١) متقدمة عن ترتيبها المتسلسل، فنحن في ترتيب طبع الشرح راعينا ترتيب الشارح، وفي ترقيم
أحاديث ((صحيح البخاري) راعينا ترتيب هذه الأحاديث في النسخ المتداولة من ((الصحيح)).
(٢) يعني في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢].
(٣) ((بن أسيف)) ليس في (أ) و(ع)، وأثبتناه من (س).
(٤) في (س): ماشخ.

٣٨
باب ١٧ / ح ٣٣٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((والحِجْر: كلّ بناء بَنَيته، وما حَجَرْتَ عليه من الأرض فهو حِجْر، ومنه سُمّي
خَطِيم البيت حِجْراً)) قال أبو عُبيدة: ومن الحرام سُمّي حِجْر الكعبة، وقال غيره: سُمّي
حَطيماً لأنَّه أُخرِجَ من البيت وتُرِكَ هو مَحَطوماً، وقيل: الحطيم: ما بين الرُّكن والباب،
سُمّي حَطیاً لازدحام الناس فيه.
قوله: ((كأنَّه مُشتَقّ من محطوم)) أي: الخَطيم ((مثل: قتيل، من مقتول)) وهذا على رأي
الأكثر، وقيل: سُمّي حَطيماً لأنَّ العرب كانت تَطَرَح فيه ثيابها التي تطوف فيها، وتَترُكها
حتَّى تَتَحَطَّم وتَفسُد بطولِ الزّمان، وسيأتي هذا فيما بعدُ عن ابن عبّاس، فعلى هذا هو فَعِيل
بمعنى فاعل، وقيل: سُمّي حَطيماً لأنَّه كان من جُملة الكعبة فأُخرِجَ عنها، وكأنَّه كُسِرَ منها،
فيَصِحُّ لهم فعيل بمعنى مفعول. وقوله: ((مُشتَقّ)) ليس هو محمولاً على الاشتقاق الذي
حَدَثَ اصطِلامُه.
قوله: ((ويقال للأُنثى من الخيل: حِجْر، ويقال للعَقْلِ: حِجْر وحِجَى)) هو قول أبي عبيدة
قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِى حِجْرٍ﴾ [الفجر:٥]، أي: عَقْل، قال: ويقال للأُنثى من الخيل: حِجْر.
قوله: ((وأمَّا حَجْر اليمامة: فهو المنزِلُ)) ذكره استطراداً، وإلّا فهذا بفتح أوَّله: هي قَصَبةُ
اليَمامة، البلد المشهور بين الحِجاز واليمن(١).
ثم ذكر المصنف في الباب حديثَ عبد الله بن زَمْعة في ذِكْر عاقر الناقة.
٣٣٧٧- حدَّثْنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عبدِ الله
ابنِ زَمْعةَ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َِّه ـ وذكر الذي عَقَرَ الناقةَ - قال: «انتَدَبَ لها رجلٌ ذو عِزّ
ومَنَعَةٍ فِي قَومِهِ، كَأَبِي زَمْعَةَ».
[أطرافه في: ٤٩٤٢، ٥٢٠٤، ٦٠٤٢]
قوله: ((ومَنَعة) بفتح الميم والنُّون والمهمَلة.
(١) قال الأستاذ حمد الجاسر - رحمه الله - في تعليقه على كتاب ((الأماكن)) للحازمي ٣٢٤/١: حَجْر اليمامة:
هو قاعدة اليمامة التي قامت مدينة الرياض على أنقاضها.

٣٩
باب ١٧ / ح ٣٣٧٨-٣٣٨١
كتاب أحاديث الأنبياء
قوله: ((في قومه)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهني والسَّرَخْسي: «في قوّة».
قوله: ((كأبي زَمْعة)) هو الأسوَد بن عبد المطَّلِب بن أسد بن عبد العُزّى، وسيأتي بيان
ذلك في التَّفسير حيثُ ساقَه المصنِّف مُطوَّلاً (٤٩٤٢)، وليس لعبد الله بن زَمعة في البخاري
غير هذا الحديث، وهو يَشتَمِل على ثلاثة أحاديث، وقد فرَّقَها في النكاح (٥٢٠٤) وغيره
(٦٠٤٢).
وعاقرُ الناقة: اسمه قُدار بن سالف، قيل: کان أحمر أزرق أصھَب. وذكر ابن إسحاق
في ((المبتدَأ)» وغير واحد: أنَّ سبب عَقْرهم الناقةَ أنَهم كانوا اقتَرَحوها على صالح عليه
السلام، فأجابَهم إلى ذلك بعد أن تَعَنَّتوا في وصفها، فأخرج الله له ناقةً من صخرة بالصّفة
المطلوبة، فآمَنَ بعضٌ وكفرَ بعضٌ، واتَّفَقوا على أن يَترُكوا الناقة ترعى حيثُ شاءَت، وتَرِدُ
الماء يوماً بعد يوم، وكانت إذا وَرَدَت تشرب ماءَ البئر كلَّه، وكانوا يَرفَعونَ حاجتهم من
الماء في يومهم للغَدِ، ثمَّ ضاقَ بهم الأمر في ذلك، فانتَدَبَ تِسعةُ رَهْطٍ، منهم قُدار المذكور،
فباشَرَ عَقرَها، فلمَّا بَلَغَ ذلك صالحاً عليه السلام أعلمَهم بأنَّ العذاب سيقعُ بهم بعد ثلاثة
أیام، فوقَعَ کذلك کما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه.
وأخرج أحمد (١٤١٦٠) وابن أبي حاتم (١٥١٦/٥) من حديث جابر رَفَعَه: ((إنَّ الناقة
كانت تَرِدُ يومَها فتشربُ جميع / الماء، ويَحَتَلِبونَ منها مِثل الذي كانت تشرب))، وفي سنده ٣٨٠/٦
إسماعيل بن عيّاش، وفي روايته عن غير الشّاميينَ ضعف، وهذا منها(١).
ثم ذکر المصنف حديث ابن عمر في بئر ثَمُود.
٣٣٧٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مِسْكِينٍ أبو الحسنِ، حدَّثنا يحيى بنُ حسَّانَ بنِ حَيّانَ أبو زكريّا،
حدَّثنا سليمانُ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِِّ لِمَّا نزلَ
(١) إسماعيل بن عياش في أحد أسانيد ابن أبي حاتم في ((تفسيره))، وخلا منه إسناد أحمد، والحديث قويٌّ،
واللفظ الذي ساقه الحافظ هو بنحوه عند ابن أبي الدنيا في ((العقوبات)) (١٤٨)، والفاكهي في ((أخبار
مكة)) (١٤٥٥)، والطبراني في ((الأوسط)) (٩٠٦٩).

٤٠
باب ١٧ / ح ٣٣٧٨ -٣٣٨١
فتح الباري بشرح البخاري
الِحِجْرَ في غَزْوةٍ تَبُوكَ، أمَرَهم أن لا يَشْرَبوا من بِثْرِها، ولا يَسْتَقُوا منها، فقالوا: قد عَجَنَّاً منها
واسْتَقَينا، فأمَرَهم أن يَطَرَحُوا ذلك العَجِينَ، ويُهَرِيقُوا ذلك الماءَ.
ويُروَى عن سَبْرَةَ بنِ مَعْبَدٍ وأبي الشَّمُوسِ: أنَّ النبيَّ وَ أَمْرَ بِإِلْقَاءِ الطَّعام.
وقال أبو ذرِّ، عن النبيِّ وَّرِ: ((مَنِ اعْتَجَنَ بائِه)).
[طرفه في: ٣٣٧٩]
٣٣٧٩- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِر، حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ: أنَّ
عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما أخبَرَه: أنَّ الناسَ نَزَلوا معَ رسولِ اللهِ وَهُمْ أَرْضَ ثَمُودَ؛ الحِجْرَ،
فاستَقَوْا من بثْرِها، واعْتَجَنوا به، فأمَرَهم رسولُ اللهِ وَّهِ أن يُتَرِيقوا ما استَقَوْا من بِثِها، وأن
يَعْلِفُوا الإبلَ العَجِينَ، وأمرَهم أن يَسْتَقُوا مِن الِثْرِ التي كان تَرِدُها الناقة.
تابَعَه أُسامةُ عن نافعٍ.
٣٣٨٠- حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا عبدُ الله، عن مَعمَر، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالم بنُ
عبدِ الله، عن أبيه﴾: أنَّ النبيَّنَل ◌ِ لمَّا مَرَّ بالحِجْرِ قال: ((لا تَدخُلُوا مَساكنَ الذينَ ظَلَمُوا، إلا
أن تكونوا باكِينَ، أن يُصِيبَكم ما أَصابَهم، ثمَّ تَقنَّعَ برِدَائِه وهو على الرَّحْل.
٣٣٨١- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثْنَا وَهْبٌ، حدَّثنا أَبي، سمعتُ يونُسَ، عن الزُّهْريِّ،
عن سالمٍ: أنَّ ابنَ عمرَ قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((لا تَدخُلوا مَساكِنَ الذينَ ظَلَموا أنفُسَهم، إلا
أن تکونوا باکِینَ، أن يُصِیبکم مثلُ ما أصابهم)».
قوله: «حدّثنا سلیمان» هو ابن بلال.
قوله: «فأمَرَهم أن يَطْرَحوا ذلك العجينَ ويُهَرِيقوا ذلك الماء)» بيَّن في رواية نافع عَقِب
هذا عن ابن عمر أنَّه أمَرَهم أن يُهريقوا ما استَقَوا من بئرها وأن يَعلِفوا الإبل العَجين.
قوله: ((ويُرْوى عن سَبْرة بن مَعْبَد وأبي الشَّموس: أنَّ النبي ◌ِّهِ أُمَرَ بإلْقاءِ الطَّعام)) أمَّا
حديث سَبْرة بن مَعبَد فَوَصَلَه أحمد(١) والطبراني (٦٥٥٠ -٦٥٥٢) من طريق عبد العزيز
(١) لم يخرجه أحمد في ((مسنده))، ولم يذكره الحافظ نفسه في أحاديث سبرة في كتابه ((أطراف المسند»، ولا في =