النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١
باب ٧ / ح ٣٢٤٠ -٣٢٤٦
كتاب بدء الخلق
التِّرمِذي(١) من حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((إنَّ الرجل في الجنَّة لَيَشْتَهي الطَّرِ فيَخِرُ بين
يديه مَشويّاً))، وفيه الاحتمالات المذكورة، وفد ذكر نحو ذلك ابن القَيِّم في الباب الثَّاني
والأربعينَ من ((حادي الأرواح))، وزادَ في الطَّير: أو يُشوى خارجَ الجنَّة، أو بأسبابٍ
قُدِّرَت لإنضاجه ولا تَتَعيَّن النار، قال: وقريب من ذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ وَزْوَجُهُمْ فِى
◌ِلَالٍ﴾ [يس: ٥٦]، ﴿أُكُلُهَا دَابِعٌ وَظِلُهَا ﴾ [الرعد: ٣٥] وهي لا شمس فيها.
وقال القُرْطُبي: قد يقال: أيُّ حاجة لهم إلى المشط وهم مُرْد وشُعُورهم لا تَتَّسِخ؟!
وأيّ حاجة لهم إلى البَخُور وريحهم أطيَبُ من المِسك؟ قال: ويُجاب بأنَّ نعيم أهل الجنَّة ٣٢٥/٦
من أكل وشُرب وكِسوةٍ وطيبٍ ليس عن ألم جُوعٍ أو ظمٍ أو عُرْىٍ أو نَتْن، وإنَّما هي لَذّاتٌ
مُتَتَالية ونِعَم مُتَوالية، والحِكْمة في ذلك أنَّهم يُنَعَّمونَ بنوعٍ ما كانوا يَتَنَعَّمونَ به في الدُّنيا.
وقال النَّوَوي: مذهب أهل السُّنَّة أنَّ تَنَعُم أهل الجنَّة على هيئة تَنَعُّم أهل الدُّنيا إلَّا ما
بينهما من التَّفاضُل في اللَّذَّةِ، ودَلَّ الكتاب والسُّنَّة على أنَّ نعيمهم لا انقطاع له (٢).
قوله: ((ولِكلِّ واحد منهم زوجَتانٍ)) أي: من نساء الدُّنيا(٣)، فقد روى أحمد (١٠٩٣٢)
من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعاً في صفة أدنى أهل الجنَّة منزلة: ((وإنَّ له من الحُور
العين لاثنتين وسبعينَ زوجةً سوى أزواجه من الدُّنيا))، وفي سنده شَهْر بن حَوشَبٍ وفيه
مقال، ولأبي يعلى في حديث الصُّوْر الطّويل من وجه آخر عن أبي هريرة في حديث
(١) کذا قال الحافظ والعيني في «عمدة القاري)) ١٥٤/١٥، وهو ذهول منھما رحمهما الله، لأن الحديث ليس
عند الترمذي، ولم يعزه له المنذري في ((الترغيب والترعيب)) ٥٢٧/٤، ولا ابن كثير في ((تفسيره)) عند
تفسير قوله: ﴿وَخْرِ طَيْرٍ مِمَا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]، ومما يؤيد ذلك أن الحافظ نفسه قد ذكره في ((المطالب
العالية بزوائد المسانيد الثمانية)) (٤٦١٦) وعزاه الحافظُ للبزار (٢٠٣٢) وأبي يعلى والحسن بن عرفة،
قلنا: وهو أيضاً عند الشاشي في («مسنده)) (٨٥٨)، وأبي نعيم في ((صفة الجنة)) (٣٤١)، والبيهقي في
((البعث والنشور)) (٣١٨)، وغيرهم، وفي إسناده حميد بن عطاء الأعرج، وهو ضعيف.
(٢) من ذلك قوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَابِرٌ وَظِلُهَا﴾ [الرعد: ٣٥].
(٣) كذا قال الحافظ، وتبعه العيني رحمهما الله، مع أنه وقع تقييدهما عند البخاري نفسه برقم (٣٢٥٤)
و(٣٣٢٧) من وجهين آخرين عن أبي هريرة أنهما من الحور العين.
٦٠٢
باب ٧ / ح ٣٢٤٠ -٣٢٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
مرفوع (١): ((فيَدخُل الرجلُ على ثِنْتَين وسبعينَ زوجة ممَّا يُنشِئ الله وزوجَتَين من ولد آدم))،
وأخرجه التِّرمِذي (٢٥٦٢) من حديث أبي سعيد رفعه: ((إنَّ أدنى أهل الجنّة الذي له
ثمانونَ ألف خادم وثِنتان وسبعونَ زوجة))، وقال: غريب(٢)، ومِن حديث المقدام بن
مَعدي كَرِبَ عنده (١٦٦٣): ((للشَّهيد ستُّ خِصال)) الحديث، وفيه: ((ويَتَزَوَّجِ ثِنْتَين
وسبعينَ زوجةً من الحُور العين))(٣)، وفي حديث أبي أمامةَ عند ابن ماجَهْ (٤٣٣٧)
والدَّارمي رفعه: ((ما أحد يَدخُل الجنَّة إلَّا زَوَّجَه الله ثِنْتَين وسبعينَ من الحُور العين،
وسبعينَ وثِنتَين من أهل الدُّنيا))(٤)، وسنده ضعيف جدّاً، وأكثر ما وَقَفتُ عليه من ذلك ما
أخرج أبو الشَّيخ في ((العَظَمة)) والبيهقي في ((البعث)) (٣٧٣) من حديث عبد الله بن أبي
أَوفى رفعه: ((إنَّ الرجل من أهل الجنّة لَيُزُوَّج خمس مئة حَوْراء، وإنّه (٥) لَيُفضي إلى أربعة
آلاف بِكر وثمانية آلاف ثَيِّب)»، وفيه راوٍ لم يُسمَّ، وفي الطبراني من حديث ابن عبّاس(٦):
(إنَّ الرجل من أهل الجنَّة ليُفضي إلى مئة عَذْراء)). وقال ابن القَيِّم: ليس في الأحاديث
الصحيحة زيادة على زوجَتَين سوى ما في حديث أبي موسى: ((إنَّ في الجنَّة للمؤمنِ لخيمةً
من لُؤْلُؤة له فيها أهلُونَ يَطُوف عليهم)).
(١) وإسناده ضعيف، كما قال الحافظ في باب نفخ الصور من كتاب الرقاق، الباب رقم (٤٣).
(٢) وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (١١٧٢٣)، وإسناده ضعيف.
(٣) وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (١٧١٨٢)، وابن ماجه (٢٧٩٩).
(٤) كذا ساق الحافظ هذه الرواية بهذا اللفظ! مع أن الرواية عند ابن ماجه: ((إلا زوَّجه اللهُ ثنتين وسبعين
زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار»، وكذلك رواه أبو نعيم في ((صفة الجنة))
(٣٧٠) إلا أنه قال: ((من أهل الدنيا))، وكذا رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٣٦٧) إلا أنه قال: ((من
أهل الجنة))!
(٥) في (أ) و(س): أو أنه. وهو تحريف.
(٦) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو سبق قلم منه، فإنه أراد ذكر أبي هريرة، فسبق قلمه فذكر ابن عباس، لأن
الحديث الذي عند الطبراني في «الأوسط)) (٧١٨) إنما هو حديث أبي هريرة، وهو الذي صححه الضياء
كما سينقله الحافظ عنه، وكما نقله عنه ابن كثير في ((النهاية في الفتن والملاحم)) ٣٨٢/٢. ومنشأ الوهم أن
الحديث روي عن ابن عباس أيضاً عند أبي يعلى (٢٤٣٦) وغيره لكن إسناده ضعيف.
٦٠٣
باب ٧ / ح ٣٢٤٠ -٣٢٤٦
كتاب بدء الخلق
قلت: الحديث الأخير صحَّحه الضّياء، وفي حديث أبي سعيد عند مسلم (١٨٨) في
صفة أدنى أهل الجنَّة: ((ثُمَّ يَدخُل عليه زوجَتاه)، والذي يَظهَر أنَّ المراد أنَّ أقلّ ما لكلِّ واحد
منهم زوجَتان، وقد أجاب بعضهم باحتمال أن تكون التَّثنية تَنظيراً لقوله: جَنَتَانِ وعينان،
ونحو ذلك، أو المراد تَثنية التَّكثير والتَّعظيم نحو: لَبِّكَ وسعدَيكَ، ولا يخفى ما فيه.
واستدلَّ أبو هريرة بهذا الحديث على أنَّ النِّساء في الجنَّة أكثرُ مِن الرِّجال، كما أخرجه
مسلم (١٤/٢٨٣٤) من طريق ابن سِيرِينَ عنه، وهو واضح لكن يعارضُه قوله {َل﴾ في
حديث الكُسُوف المتقدِّم (١٠٥٢): ((رأيتُكُنَّ أكثر أهل النار))، ويجاب بأنَّه لا يَلزَم من
أكثريّتِهِنَّ في النار نفيُ أكثريَّتِهِنَّ في الجنَّة، لكن يُشكِلُ على ذلك قوله ◌َّ في الحديث
الآخَرِ: ((الطَّلَعتُ في الجنَّة فرأيتُ أقلّ ساكنها النِّساء))(١)، ويحتمل أن يكون الراوي رواه
بالمعنى الذي فَهمَه من أنَّ كَونهنَّ أكثرَ ساكني النار، يَلزَم منه أن يكنَّ أقلَّ ساكني الجنَّة،
وليس ذلك بلازم لمَا قَدَّمتُه، ويحتمل أن يكون ذلك في أوَّل الأمر قبل خروج العُصاة من
النار بالشَّفاعة، والله أعلم.
تنبيه: قال النَّوَوي: كذا وقع ((زوجَتانِ)) بتاءِ التأنيث، وهي لغة تكرَّرَت في الحديث،
والأشهرُ (٢) خِلافُها، وبه جاء القرآن، وذكر أبو حاتم السِّجِستاني: أنَّ الأصمعي كان يُنكِرِ
زوجةً، ويقول: إنَّما هي زوج، قال: فأنشَدْناه قولَ الفَرَزدَق:
وإِنَّ الذي يَسعَى لِيُفْسِدَ زوجَتِي لَساعٍ(٣) إلى أُسْد الشَّرى يَسْتَبِيلُها(٤)
قال: فسَگتَ. ثمَّ ذکر له شواهدَ أُخرى.
(١) أخرجه أحمد (١٩٨٣٧)، ومسلم (٢٧٣٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٢٢٢)، بلفظ: ((إن أقل ساكني
الجنة النساء)) . .
(٢) في (س): والأكثر.
(٣) كذا جاء في الأصلين و(س)، والرواية: كساعٍ.
(٤) تصحفت في (س) إلى: يستنیلها.
٦٠٤
باب ٧ / ح ٣٢٤٠ -٣٢٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((مُخَّ سُوقهما من وراء اللَّحْم)) في الرِّواية الثَّالثة (٣٢٥٤): ((والعظم))، والمخَّ بضمِّ
الميم وتشديد المعجمة: ما في داخِل العظم، والمراد به وصفها بالصَّفاءِ البالغ، وأنَّ ما في
داخِل العظم لا يَستَتِرِ بالعظم واللَّحم والجلد.
ووقع عند التِّرمِذي (٢٥٣٣): «لَيُری بیاض ساقها من وراء سبعينَ حُلَّةً حتَّى يُرى
٣٢٦/٦
مُخُّها))، ونحوه لأحمد (١١٧١٥) من حديث أبي سعيد، وزادَ: «يَنظُر وجهَه في خَدِّها
أصفى من المرآة)).
قوله: ((قَلْب رجلٍ واحدٍ)) في رواية الأكثر بالإضافة، وللمُستَمْلِي بالتَّنوين: ((قلبٌ واحدٌ»،
وهو من التَّشبيه الذي حُذِفَت أداتُه، أي: كقلبٍ رجل واحد، وقد فسَّرَه بقوله: ((لا تَحَاسُدَ
بينهم ولا اختلاف)) أي: أنَّ قلوبهم طُهِّرَت عن مذموم الأخلاق.
قوله: ((يُسبِّحونَ اللهَ بُكْرة وعَشيًا) أي: قَدْرُهما، قال القُرْطُبي: هذا التَّسبيح ليس عن
تكليف وإلزام، وقد فسَّرَه جابر في حديثه عند مسلم (٢٨٣٥) بقوله: «يُلهَمونَ الَّسبيح
والتَّكبير كما يُلهَمون النَّفَس))، ووجه التَّشبيه أنَّ تَنفُّس الإنسان لا كلفة علیه فيه، ولا بُدّ له
منه، فجَعَلَ تَنفُسهم تسبيحاً، وسببه أنَّ قلوبهم تَنوَّرَت بمعرفة الرَّبِّ سبحانه وامتَلَأت
بحُبِّه، ومَن أحَبَّ شيئاً أكثرَ من ذِكْره.
وقد وقع في خبر ضعيف: ((إنَّ تحت العرش سِتارةً مُعلَّقةً فيه ثمَّ تُطوَى، فإذا نُشِرَت
كانت علامةَ البُكُور، وإذا طُويَت كانت علامةَ العَشِيّ)).
قوله في آخر الرّواية الثانية: ((قال مجاهد: الإبكار: أوَّل الفجر، والعَشيّ: مَيلُ الشمس إلى
أن - أُراه - تَغْرُبَ)) كذا في الأصل، وكأنَّ المصنِّف شكَّ في لفظ ((تَغْرُب)) فأدخَلَ قبلها: أُراه،
وهو بضمِّ الهمزة، أي: أظنّه، فهي مُملة مُعتَرِضة بين ((أن)) والفعل، وقد وَصَلَه عبد بن
حُميدٍ والطََّري (٢٦٢/٣) وغيره من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بلفظ: إلى أن تَغيب،
وهو بالمعنى الذي ظنَّه المصنّف، قال الطَّبَري: الإبكار: مصدر، تقول: أبكَرَ فلانٌ في
حاجته يُبْكِرِ إبكاراً، إذا خرج من بين طلوع الفجر إلى وقت الضُّحى، وأمَّا العَشي فمن
٦٠٥
باب ٧ / ح ٣٢٤٧ -٣٢٥٦
كتاب بدء الخلق
بعد الزَّوال، قال الشّاعر(١):
فلا الظُّلَّ من بَرْد الضُّحى تستطيعُهُ ولا الفَيءَ من بَرْد العَشِّ تَذُوقُ
قال: والفَيء يكون من عند زوال الشمس ويَتَنَاهى بمَغِيبِها.
٣٢٤٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرِ المُقدَّميُّ، حدَّثنا فُضَيلُ بنُ سليمانَ، عن أبي حازمِ، عن
سَهْلٍ بِنِ سعدٍ ﴾، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: (لَيَدخُلَنَّ من أمَّتِي سَبْعونَ ألفاً - أو سَبْعُ مئةِ ألفٍ - لا
يَدخُلُ أوَّهُم حَتَّى يَدخُلَ آخرُهم، وجوهُهم على صورةِ القمرِ ليلةَ البَدْر)).
[أطرافه في: ٦٥٤٣، ٦٥٥٤]
٣٢٤٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ الجُعْفيُّ، حدَّثنا يونسُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا شَيْبانُ، عن
قَتَادَةَ، حدَّثنا أنسٌ ﴾، قال: أُهْدِيَ للنبيِّ وَّ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وكان يَنْهَى عن الحريرِ، فَعَجِبَ
الناسُ منها، فقال: ((والذي نَفْسُ محمَّدٍ بيدِه، لمنادِيلُ سعدِ بنِ معاذٍ في الجنَّةِ أحسنُ من هذا».
٣٢٤٩- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: حدَّثني أبو إسحاقَ، قال:
سمعتُ البراءَ بنَ عازبٍ رضي الله عنهما قال: أَتِيَ رسولُ الله ◌ِِّ بثوبٍ من حريرٍ، فجعلوا
يَعْجَبونَ من حُسْنِهِ ولِينِهِ، فقال رسولُ الله ◌َِّ: (لَنَادِيلُ سعدِ بنِ معاذٍ في الجنَّةِ أفضلُ من هذا».
[أطرافه في: ٣٨٠٢، ٥٨٣٦، ٦٦٤٠]
٣٢٥٠- حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ
الساعدِيِّ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهَ: ((موضعُ سَوْطٍ في الجنَّةِ، خيرٌ من الدُّنْيا وما فيها».
٣٢٥١- حدَّثنا رَوْحُ بنُ عبدِ المؤمِنِ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ،
حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ ، عن النبيِّي ◌َّةِ، قال: ((إنَّ في الجنَّةِ لَشجرةَ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مئةَ
عامٍ لا يَقْطَعُها».
(١) هو حميد بن ثور الهلالي، انظر ((لسان العرب)) مادة (فياً). ووقع في (س): ((يستطيعه)) و ((یذوق)) بتذکیر
الضمير، وهو تصحيف، لأن الشاعر أراد به وصف سَرْحَةٍ، وهي شجرة معروفة، وهي مؤنثة.
٦٠٦
باب ٧ / ح ٣٢٤٧ -٣٢٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
٣٢٥٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدَّثنا فُلَيحُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا هلالُ بنُ عليٍّ، عن
عبدِ الرَّحمن بنِ أبي عَمْرةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((إنَّ في الجنَّةِ لَشجرةٌ يَسِيرُ
الرّاكِبُ في ظِلِّها مئةَ سنةٍ))، واقرؤُوا إِن شِئْتُمْ: ﴿وَظِلّ ◌َمْدُورٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].
[طرفه في: ٤٨٨١]
٣٢٥٣ - «ولَقابُ قوسِ أحدِكم في الجنَّةِ خيرٌ مَّا طَلَعَت عليه الشَّمسُ أو تَغْرُب)).
٣٢٥٤- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُلَيح، حدَّثنا أبي، عن هلالٍ، عن
عبدِ الرَّحمن بنِ أبي عَمْرةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَّهِ: ((أوَّلُ زُمْرةٍ تَدخُلُ الجنَّةَ على صورةٍ
القمرِ ليلةَ البَدْرِ، والذين على آثارهم كأحسنِ كوكبٍ دُرِّيٌّ في السَّماءِ إضاءةً، قلوبُهم على قَلْبٍ
رجلٍ واحدٍ، لا تَبَاغُضَ بينَهم ولا تَحَاسُدَ، لكلِّ امرِئٍ زوجَتانِ من الحُورِ العِينِ، يَرَى مُخَّ
سُوقِهِنَّ من وراءِ العَظْمِ واللَّحْم)).
٣٢٥٥- حدّثنا حَجّاجُ بنُ مِنهالٍ، حدثنا شُعْبةُ، قال: عَدِيُ بنُ ثابتٍ أخبرني، قال: سمعتُ
البراءَ﴾، عن النبيِّ وَِّ، قال: لمَّا مات إبراهيمُ، قال: ((إِنَّ له مُرْضِعاً في الجنَّة)).
٣٢٥٦- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن صَفْوانَ بنِ سُلَيم، عن
عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ ﴾، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((إنَّ أهلَ الجنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أهلَ
الغُرَفِ من فوقِهِم كما تَتَرَاءَون الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابرَ في الأُفُقِ من المشرِقِ أو المغربِ، لَتَفَاضُلِ
ما بينَهم)) قالوا: يا رسولَ الله، تلكَ منازلُ الأنبياءِ لا يَبلُغُها غيرُهم؟ قال: ((بَلَى والذي نفسي
بيدِه، رجالٌ آمنوا بالله وصَدَّقوا المرسَلِينَ».
[طرفه في: ٦٥٥٦]
الحديث الثامن: حديثُ سَهْل بن سعد في عَدَد مَن يَدخُل الجنَّة بغير حساب، وسيأتي
شرحه في الرِّقاق (٦٥٤٣) إن شاء الله تعالى.
الحديث التاسع: حديثُ أنس: أُهدي للنبي وَلِّ جُبَّة سُندُس، الحديث، وسيأتي شرحه
٦٠٧
باب ٧ / ح ٣٢٤٧ -٣٢٥٦
كتاب بدء الخلق
في كتاب اللِّباس(١)، ومضى مُعظَمه في كتاب الهِبة (٢٦١٥)، والغَرَض منه هنا ذِكْر مَنادیل
سعد بن معاذٍ في الجنَّة.
الحديث العاشر: حديثُ البراء بن عازب في ذلك، وذكره عَقِب حديث أنس، لأنَّ في
حديث أنس تَعجُّبُ الناس منها، وبيَّن ذلك في حديث البَراء حيثُ وقع فيه: ((فجعلوا
يَعجَبونَ من حُسنِه ولينِه))، وسيأتي شرحه أيضاً في اللِّباس (٥٨٣٦) إن شاء الله تعالى.
الحديث الحادي عشر: حديثُ سَهْل بن سعد: ((موضعُ سَوطٍ في الجنَّة خير من الدُّنيا
وما فيها))، وقد تقدَّم شرحه في أوَّل الجهاد (٢٧٩٦) من حديث أنس.
الحديث الثاني عشر: حديثُ أنس: ((إنَّ في الجنَّة لَشجرةً».
قوله: ((حدَّثنا رَوْح بن عبد المؤمِن)) هو بفتح الرّاء، وهو بصريٌّ مشهور، وكذا بقيَّة
رجال الإسناد، وسعید: هو ابن أبي عروبة، ولیس لروح بن عبد المؤمن في البخاري سوی
هذا الحديث الواحد، وقد أخرجه التِّرمِذي (٣٢٩٣) من طريق مَعمَر عن قَتَادة، وزادَ في
آخر الحديث: ((وإن شئتُم فاقرَؤوا ﴿وَظِلٍ تَمْدُورٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]).
الحديث الثالث عشر: حديثُ أبي هريرة في ذلك، وفيه الزِّيادة المشار إليها، وفيه: ((ولَقابُ
قوس))، وهذا الأخير تقدَّم في الجهاد (٢٧٩٣) مع الكلام عليه، والشجرة المذكورة قال ابن
الجَوزيّ(٢): يقال إنَّها: طُوبى.
قلت: وشاهد ذلك في حديث عُتْبةَ بن عبدِ السُّلَمي عند أحمد (١٧٦٤٢) والطبراني
(٣١٢/١٧) وابن حِبّان (٧٤١٤)، فهذا هو المعتمد، خلافاً لمن قال: إنَّما نُكْرَت للتَّنبيه على
اختلاف جِنسها بحَسَبِ شَهَوات أهل الجنَّة.
قوله: ((يسير الرّاكِب)) أي: أيُّ راكِب فُرِضَ، ومنهم مَن حَمَلَه على الوَسَط المعتَدِل.
(١) تحت باب ((مس الحرير من غير لُبس)) (٢٦).
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، وأما العيني في ((عمدة القاري)) ١٥٨/١٥، فنقل هذا الاحتمال عن الخطابي.
٦٠٨
باب ٧ / ح ٣٢٤٧ -٣٢٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((في ظِلّها)) أي: في نَعيمها وراحَتها، ومنه قولهم: عيشُ ظَليلٌ، وقيل: معنى
٣٢٧/٦ ((ظِلّها)» ناحيتها، وأشارَ بذلك إلى امتدادها،/ ومنه قولهم: أنا في ظِلّك، أي: ناحيتك، قال
القُرْطُبي: والمُحوِج إلى هذا التأويل أنَّ الظّ في عُرف أهل الدُّنيا ما يَقي من حَرّ الشمس
وأذاها، وليس في الجنَّة شمس ولا أذىً، وروى ابن أبي حاتم (١٨٧٨١) وابن أبي الدُّنيا
في ((صفة الجنَّة)) (٤٥) عن ابن عبّاس قال: الظِّلّ الممدود شجرة في الجنَّة على ساقٍ، قَدْر
ما يسير الرّاكِب المُجِدّ في ظِلّها مئة عام من كلّ نَواحِيها، فيَخرُج أهل الجنَّة يَتَحدَّثونَ في
ظِلّها، فيَشتَهي بعضُهم اللهوَ، فيُرسِل اللهُ ريحاً فيُحرِّك تلك الشجرة بكلِّ لهوٍ كان في الدُّنيا.
الحديث الرابع عشر: تقدَّم في السادس.
الحديث الخامس عشر: حديثُ البَراء: لمَّا مات إبراهيم - يعني ابنَ النبي ◌َّ - فقال
النبي ◌َّ: ((إنَّ له مُرضِعاً في الجنَّة))، وقد تقدَّم الكلام عليه في الجنائز (١٣٨٢).
الحديث السادس عشر: حديثُ أبي سعيد في تَفاضُل أهل الجنَّة.
قوله: ((عن صَفْوان بن سُلَّيم)) عند مسلم (٢٨٣١) في رواية ابن وَهْب عن مالك: أخبرني
صفوان(١)، وهذا من صحيح أحاديث مالك التي ليست في ((الموطَّ))، ووَهِمَ أيوب بن سُوَيدٍ
فرواه عن مالك عن زيد بن أسلَمَ بدل صفوان، ذكره الدَّارَ قُطْني في ((الغرائب))، وكأنَّه دَخَلَ
له إسنادُ حديثٍ في إسناد حديث، فإنَّ رواية مالك عن زيدٍ بدل صفوان بهذا (٣) السَّنَد
وقعت(٣) عليه في حديث آخر سيأتي في أواخر الرِّقاق (٦٥٤٩) وفي التَّوحيد (٧٥١٨).
قوله: ((عن أبي سعيد)) في رواية فُلَيح عن هلال بن عليّ عن عطاء بن يسار: عن أبي
هريرة، أخرجه التِّرمِذي (٢٥٥٦) وصحَّحه، وابنُ خُزَيمَةَ، ونَقَلَ الدَّارَ قُطني في ((الغرائب))
(١) الذي في مطبوع ((صحيح مسلم)) وفي أصلٍ خطي مُتَقَنٍ عندنا منه: أخبرني مالك بن أنس عن صفوان
ابن سليم.
(٢) تحرفت في (أ) و(س) إلى: فهذا.
(٣) تحرفت في (س) إلى: وقفت عليه.
٦٠٩
باب ٧ / ح ٣٢٤٧ -٣٢٥٦
كتاب بدء الخلق
عن الذُّهْلي أنَّه قال: لَست أدفَعُ حديثِ فُلَيح، يجوز أن يكون عطاء بن يسار حدَّث به عن
أبي سعيد وعن أبي هريرة. انتهى، وقد رواه أيوب بن سُوَيدٍ عن مالك، فقال: عن أبي
حازم عن سَهْل بن سعد، ذكره الدَّارَقُطني في ((الغرائب)) وقال: إنَّه وهمَ فيه أيضاً.
قلت: ولكن له أصلٌ من حديث سَهْل بن سعد عند مسلم (٢٨٣٠)، ويأتي أيضاً في
((باب صفة الجنّة والنار)) في الرِّقاق (٦٥٥٥) من حديث سَهْل أيضاً، لكنَّه مختصر عند
الشَّيخَين.
قوله: (تَتَراءَوْنَ)) في رواية لمسلم (٢٨٣١): (تَرَونَ))، والمعنى: أنَّ أهل الجنَّة تَتَفَاوَت
منازلهم بحَسَبِ دَرَجاتهم في الفضل، حتَّى إنَّ أهل الدَّرَجات العُلا لَيراهم مَن هو أسفَلَ
منهم كالنُّجُوم، وقد بيَّن ذلك في الحديث بقوله: (لِتَفَاضُلِ ما بينَهم)).
قوله: ((الدُّرّي)) هو النَّجم الشَّديد الإضاءة، وقال الفَرّاء: هو النَّجم العظيم المقدار،
وهو بضمِّ المهمَلة وكسر الرّاء المشدَّدة بعدها تحتانية ثقيلة، وقد تُسَكَّن، وبعدها همزة ومدّ،
وقد يُكسَر أوَّله على الحالَين، فتلك أربع لُغات، ثمَّ قيل: إنَّ المعنى مُخْتَلِفِ، فبالتَّشديد كأنَّه
منسوب إلى الدُّرّ لبَياضه وضيائه، وبالهمزِ كأنَّه مأخوذ من دَرَأَ، أي: دَفَعَ، لاندفاعه عند
طلوعه. ونَقَلَ ابن الجوزيّ عن الكِسائي تثليث الدَّال، قال: فبالضَّمِّ نِسبة إلى الدُّرّ،
وبالكسر الجاري، وبالفتح اللّامع.
قوله: ((الغابر)) كذا للأكثرِ، وفي رواية ((الموطَّأ)): ((الغاير)) بالتَّحتانية بدل الموحَّدة، قال
عياض: كأنَّه الدَّاخِل في الغُرُوب. وفي رواية التِّرمِذي (٢٥٥٦): ((الغارب))، وفي رواية الأَصِيلي
بالمهمَلة والزّاي، قال عياض: معناه: الذي يَبعُد للغُرُوب، وقيل: معناه الغائب، ولكن لا يَحسُن
هنا، لأنَّ المراد أنَّ بُعده عن الأرض كَبُعدِ غُرَف الجنَّة عن رَبَضِها في رأي العين.
والرِّواية الأُولى هي المشهورة، ومعنى الغابر هنا: الذّاهب، وقد فسَّرَه في الحديث
بقوله: ((من المشرق إلى (١) المغرب))، والمراد بالأَفْقِ السَّماء.
(١) كذا وقع في الأصلين و(س): ((من المشرق إلى المغرب))، مع أن الذي في اليونينية والقسطلاني دون
اختلاف في روايات البخاري: ((من المشرق أو المغرب)) بذكر ((أو)) بدل ((إلى)).
:
٦١٠
باب ٧ / ح ٣٢٤٧ -٣٢٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
وفي رواية مسلم (٢٨٣١): ((من الأُفُق من المشرِق أو المغرب))، قال القُرْطُبي: ((من))
الأُولى لابتداءِ الغاية، أو هي للظَّرفية، و(مِن)) الثَّانية مُبيِّنة لها، وقد قيل: إنَّهَا تَرِد لانتهاءِ
الغاية أيضاً، قال: وهو خروج عن أصلها، وليس معروفاً عند أكثر النَّحوبينَ، قال: ووقع
في نُسَخ البخاري: ((إلى المشرق))(١)، وهو أوضح.
٣٢٨/٦
ووقع في رواية سَهْل بن سعد(٢) عند مسلم (٢٨٣١): ((كما تَراءَونَ الكوكب الدُّي في
الأَفُقِ الشَّرقي أو الغَربي))، واستَشكَلَه ابن التِّين، وقال: إنَّما تَغُور الكَواكِب في المغرب
خاصَّةً، فكيف وقع ذِكرُ المشرِق؟ وهذا مُشكِل على رواية الغاير بالتَّحتانية، وأمَّا بالموحّدة
فالغابر يُطلَق على الماضي والباقي، فلا إشكال.
قوله: ((قال: بلى)) قال القُرْطُبي: ((بلى)) حَرفُ جواب وتصديق، والسِّياق يقتضي أن
يكون الجواب بالإضراب عن الأوَّل وإيجاب الثَّاني، فلعلَّها كانت بل فغُيِّرت بَبَلَى(٣).
و قوله: ((رجال) خبر مُبتَدأ محذوف تقديره: هم رجال، أي: تلك المنازل منازل رجال
آمَنُوا. قلت: حكى ابن التِّين أنَّ في رواية أبي ذرٍّ: ((بَل)) بدل: ((بلى)) ويُمكِن توجيه ((بلى)) بأنَّ
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، متابعاً في ذلك للقرطبي في ((المفهم)) ١٧٦/٧ حيث قال: وقد رواه البخاري:
((في المشرق)). قلنا: وهو سَبْق قلم، لأن رواية البخاري دون اختلاف في الروايات عنه كما في اليونينية
والقسطلاني: ((في الأفق من المشرق)). وقد سبق القرطبيَّ إلى نقل نحو هذه العبارة القاضي عياض في
((إكمال المعلم)) ٨/ ٣٦٢، فأتى بها على الصواب.
(٢) کذا قال الحافظ، وهو ذهول منه رحمه الله، لأن الحدیث حديث أبي سعيد الخدري، لا حدیث سهل،
ومنشأ الوهم أن أبا حازم سلمة بن دينار روى هذا الحديث عن سهل دون هذا اللفظ الذي أشار إليه
الحافظ، ثم قال أبو حازم: فحدثت النعمان بن أبي عياش، فقال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول ....
فذكر هذا اللفظ. على أن حديث أبي سعيد الخدري مخرج في البخاري (٦٥٥٥) وذهل عنه الحافظ أيضاً.
(٣) العبارة في ((المفهم)) ٧/ ١٧٦: فكأنه تُسُومح فيها، فُوُضعت ((بلى) موضع ((بل)). وهذه العبارة أوضح، لأن
العبارة التي نقلها الحافظ تحتمل أن یکون حصل فيها تحریف، على أن استعمال ((بلى)) هنا قد یکون هو
الأنسب إذا جُعلت العبارة جملتين، جملة خبرية أقرَّهم النبي وَ﴿ عليها، وهي قولهم: تلك مَنازل الأنبياء،
وجملة استفهامية وهي قولهم: لا يبلغها غيرهم؟ وهي التي وقع الجواب عنها بـ((بلى))، والله أعلم، وبذلك
تكون الدرجة مشتركة بين الأنبياء وأولئك الرجال. وسيذكر الحافظ نحو هذا التوجيه قريباً.
٦١١
باب ٧ / ح ٣٢٤٧ -٣٢٥٦
كتاب بدء الخلق
التقدير: نعم هي منازل الأنبياء بإيجاب الله تعالى لهم ذلك، ولكن قد يَتَفَضَّل الله تعالى على
غيرهم بالوصول إلى تلك المنازل.
وقال ابن التِّين: يحتمل أن تكون ((بلى)) جواب النَّفي في قولهم: ((لا يَبلُغها غيرهم)»،
وکأنَّه قال: بلى يَبلُغُها رجال غيرهم.
قوله: ((وصَدَّقوا المرسَلينَ)) أي: حقَّ تصديقهم، وإلَّا لكان كلُّ مَن آمَنَ بالله وصَدَّقَ
رُسُلَه وَصَلَ إلى تلك الدَّرَجة، وليس كذلك، ويحتمل أن يكون التَّنكير في قوله: ((رجال))
يشير إلى ناس مخصوصينَ موصوفينَ بالصِّفة المذكورة، ولا يَلزَم أن يكون كلُّ مَن وُصِفَ
بها كذلك، لاحتمال أن يكون لمن بَلَغَ تلك المنازل صفةٌ أُخرى، وكأنَّه سَكَتَ عن الصِّفة
التي اقتَضَت لهم ذلك، والسِّرّ فيه أنَّه قد يَبلُغها مَن له عمل مخصوص، ومَن لا عمل له
كان بُلوغُها إنَّما هو برحمة الله تعالى.
وقد وقع في رواية التِّرمِذي (٣٦٥٨) من وجهٍ آخر عن أبي سعيد: ((وإنَّ أبا بكر وعمر
لمنهم وأنعَمًا)). وروى التِّرمِذي (٢٥٢٧) أيضاً عن عليّ مرفوعاً: ((إنَّ في الجنَّة لَغُرَفاً تُرى
ظهورها من بُطونها، وبُطوئُها من ظهورها)). فقال أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال:
((هي لمن ألانَ الكلام، وأدامَ الصيام، وصَلّى باللَّيل والناس نيام)).
وقال ابن التِّين: قيل: إنَّ المعنى أنَّهم يَبلُغونَ دَرَجات الأنبياء.
وقال الدَّاوودي: يعني أنَّهم يَبلُغونَ هذه المنازل التي وَصَفَ، وأمَّا منازل الأنبياء فإنّها
فوق ذلك. قلت: وقع في حديث أبي هريرة عند أحمد (٨٤٢٣) والتِّرمِذي (٢٥٥٦): قال:
((بلى والذي نفسي بيده، وأقوامٌ آمنوا بالله ورسوله)) هكذا فيه بزيادة الواو العاطفة، ففَسَدَ
تأويل الدَّاوودي، والله المستعان.
ويحتمل أن يقال: إنَّ الغُرَف المذكورة لهذه الأمَّة، وأمَّا مَن دونهم فهم الموحِّدونَ مِن
غيرهم، أو أصحاب الغُرَف الذين دخلوا الجنَّة من أوَّل وهْلةٍ، ومَن دونهم مَن دَخَلَ
بالشَّفاعة. ويُؤيِّد الذي قبله قوله في صِفَتهم: ((هم الذين آمنوا بالله وصَدَّقوا المرسَلِينَ»،
٦١٢
باب ٨ / ح ٣٢٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
وتصديق جميع المرسَلينَ إِنَّمَا يَتَحقَّق لأمَّة محمَّد نَّ بِخِلاف مَن قبلَهم من الأُمَم، فإنَّهم وإن
كان فيهم مَن صَدَّقَ بمَن سَيَجيءُ من بعده من الرُّسُل، فهو بطريق التَّوقُّع لا بطريق
الواقع، والله أعلم.
٨- باب صفة أَبواب الجنَّة
وقال النبيُّ وََّ: (مَن أَنْفَقَ زوجَينِ دُعِيَ من باب الجنَّةِ)).
فيه عُبادةٌ عن النبيِّ ◌ِلَّد.
٣٢٥٧- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حدَّثني أبو حازمٍ، عن
سَهْلٍ بنِ سعدٍ ﴾، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((في الجنَّةِ ثمانيةُ أبوابٍ، فيها باب يُسمَّى الرَّانَ، لا
يَدخُلُه إلا الصَّائِمُونَ)).
قوله: ((باب صِفَة أبواب الجنَّة)» هكذا ترجم بالصِّفة، ولعلَّه أراد بالصِّفة العَدَد أو
التَّسمية، فإنَّه أورَدَ فيه حديث سَهْل بن سعد مرفوعاً: ((في الجنَّة ثمانية أبواب)) الحديث،
٣٢٩/٦ وقال فيه: قال النبي ◌َّ: ((مَنْ أَنفَقَ زوجَين في / سبيل الله دُعي من باب الجنَّة))، وأشارَ بهذا
إلى حديث أسندَه في الصيام (١٨٩٧) وفي الجهاد (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة، وفيه:
((فمَن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومَن كان مِن أهل الصلاة دُعي من باب
الصلاة)) الحديث(١)، وقد سبق شرح حديث سَهْل بن سعد في الصيام (١٨٩٦)، وحديث
أبي هريرة فيه وفي الجهاد، ويأتي بقيَّةٌ شرحه في فضل أبي بكر (٣٦٦٦) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فيه عُبادة)) كأنَّه يشير إلى ما وَصَلَه هو في ذِكْر عيسى من أحاديث الأنبياء
(٣٤٣٥) من طريق جُنادَةَ بن أبي أُميَّة عن عُبادةَ بن الصَّامت عن النبيِ ◌ِّ قال: ((مَن شَهِدَ
أن لا إله إلَّ الله)) الحديث، وفيه: ((أدخَلَه الله من أبواب الجنَّة الثّانية أيَّهَا شاءَ))، وقد وَرَدَت
هذه العِدَّة لأبواب الجنَّة في عدَّة أحاديث: منها، حديث أبي هريرة المعلَّق في الباب(٣)،
(١) وهذا اللفظ عنده في الصوم (١٨٩٧).
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، مع أنه لم يرد في شيء من طرق حديث أبي هريرة هذا ذكر لعدد أبواب الجنة،
إلا في رواية عند ابن عبد البر ٧/ ١٩١ بإسناد فيه رجلان متهمان بوضع الحديث كما قال ابن عبد البر.
٦١٣
باب ٩
كتاب بدء الخلق
ومنها: حديث عُبادةَ المعلَّق فيه أيضاً، وعن عمر عند أحمد (١٢١) وأصحاب السُّنَن(١)،
وعن عُتْبَةَ بن عبدٍ عند التِّمِذي(٢) وابن ماجَهْ (١٦٠٤).
وورَدَ في صفة أبواب الجنَّة أنَّ ما بين المصراعين مسيرة أربعينَ سنة، مِن حديث أبي سعيد
(١١٢٣٩) ومعاوية بن حَيْدة (٢٠٠٢٥) ولَقِيط بن عامر(٣)، وأحاديث الثلاثة عند أحمد، وهي
مرفوعة، ولها شاهد عند مسلم (٢٩٦٧) من حديث عُتْبةَ بن غَزْوانَ، لكنَّه موقوف.
تنبيه: وقع حديثُ سَهْل المسنَد مُقدَّماً على الحديثَين المعلَّقَين في رواية أبي ذرٍّ، ووقع لغيره
تأخير المسنَد عن المعلَّقَين.
٩ - باب صفة النار وأنها مخلوقةٌ
﴿وَغَسَاقًا﴾ [النبأ:٢٥] يقالُ: غَسَقَتْ عينُهُ، وَيَغْسِقُ الجُرْحُ، وكأنَّ الغَسَّاقَ والغَسِيقِ واحدٌ.
﴿غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦]: كلَّ شيءٍ غَسَلْتَه فخَرَجَ منه شيءٌ فهو غِسْلِينٌ، فِعْلِين من الغَسْلِ،
من الجُرْحِ والدَّبَرِ.
وقال عِكْرمةُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: حَطَبُ بالحَبَشِيَّة.
وقال غيره: ﴿حَاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨]: الرِّيحُ العاصفُ، والحاصبُ: ما تَرْمي به الرِّيحُ،
ومنه: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: يُرْمَى به في جهنَّمَ، هم حَصَبُها، ويقالُ: حَصَبَ في الأرض: ذَهَبَ،
والحَصَبُ مُشتَقٌّ من حَصْباءِ الحِجارة.
﴿صَدِيدٍ﴾ [إبرهيم: ١٦]: قَيِحٌ ودَمٌّ.
﴿خَبَتْ﴾ [الإسراء: ٩٧]: طَفِئَتْ.
(١) أخرجه أبوداود (١٦٩)، وابن ماجه (٤٧٠)، والترمذي (٥٥)، والنسائي (١٤٨)، وذهل الحافظ رحمه
الله عن وجود الحديث عند مسلم، وهو فيه برقم (٢٣٤).
(٢) لم نقف عليه عند الترمذي وهو في ((مسند أحمد)) (١٧٦٣٩).
(٣) حديث لقيط من زيادات عبد الله بن أحمد في ((المسند)) (١٦٢٠٦)، ولفظه: ((وإن للجنة ثمانية أبواب، ما
منهما بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاماً)). وإسناده ضعيف مسلسل بالمجاهيل.
٦١٤
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
﴿تُوُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]: تَسْتَخْرِجونَ، أَورَيتُ: أو قَدْت. ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]: للمسافِرِينَ،
والقِيُّ: القَفْر.
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿صِرَّطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]: ﴿سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]
ووَسَطُ الجحيم. ﴿لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ﴾ [الصافات: ٦٧]: يُخْلَطُ طعامُهم، ويُساطُ بالحَمِيم.
﴿زَفِيِرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٦]: صوتٌ شديدٌ، وصوتٌ ضَعِيفٌ.
﴿وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]: عِطاشاً. ﴿غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]: خُسْراناً.
وقال مجاهدٌ: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢]: تُوقَدُ لهم النار.
﴿وَتُحَاسِّ﴾ [الرَّحمن: ٣٥]: الصُّفْرُ يُصَبُّ على رُؤُوسِهم.
يقالُ: ﴿ذُوقُواْ﴾ [آل عمران: ١٨١]: باشِروا وجَرِّبُوا، وليسَ هذا من ذَوْقِ الفَم.
﴿ مَّارِجِ﴾ [الرَّحمن: ١٥]: خالصٍ من النار، مَرَجَ الأميرُ رَعِيَّتَه إذا خَلَّهم يَعْدُو بعضُهم على
بعضٍ، ﴿فَهُمْ فِيَّ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق:٥]: أَمْرٍ مُلْتَبِس، مَرَجَ أمرُ الناس: اختَلَطَ، ﴿ مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ﴾
[الرَّحمن: ١٩]: مَرَجْتَ دابَّتَكَ: تَرَكْتَها.
قوله: («باب صِفَة النار وأنّها مخلوقة)) القول فيه كالقول في ((باب صفة الجنَّة)) سواءٌ.
٣٣١/٦
قوله: ((غَسّاقاً، يقال: غَسَقَتْ عينُهُ، ويَغْسِق الجُزْعُ)) وهذا مأخوذ من كلام أبي عبيدة،
فإنَّه قال في قوله تعالى: ﴿إِلَّا حَيمًا وَغَسَّاقًا﴾: الحميم: الماء الحارّ، والغَسّاق: ما هَمَى
وسالَ، يقال: غَسَقتْ من العين ومِن الْجُرْح، ويقال: عينُهُ تَغِق، أي: تَسِيل، والمراد
في الآية ما سالَ من أهل النار من الصَّديد، رواه الطََّري (١٣/٣٠) من قول قَتَادة ومِن
قول إبراهيم وعَطيَّة بن سعد وغيرهم، وقيل: من دُمُوعهم، أخرجه أيضاً من قول
عِكْرمة وغيره.
وقيل: الغَسّاق: البارد الذي يُحِق ببَرْدِهِ، رواه أيضاً (١٤/٣٠) من قول ابن عبّاس
ومجاهد وأبي العالية، قال أبو عُبيد الهَرَوي: مَن قرأه بالتَّشديد أراد السائل، ومَن قرأه
٦١٥
باب ٩
كتاب بدء الخلق
بالتَّخفيف أراد البارد(١). وقيل: الغَسّاق: المنتِن، رواه الطَّبَري عن عبد الله بن بُرَيدةَ، وقال:
إِنَّهَا بالطُّخَارِيَّة (٢)، وله شاهد من حديث أبي سعيد أخرجه التِّرمِذي (٢٥٨٤م) والحاكم
(٤/ ٦٠١ -٦٠٢) مرفوعاً: (لو أنَّ دَلواً من غَسّاق يُهراقُ إلى الدُّنيا لَأنْتَنَ أهلُ الدُّنيا))(٣)،
وأخرج الطَّبَري (١٤/٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو (٤) موقوفاً: الغَسّاق القَيْح الغليظ،
لو أنَّ قَطْرة منه تُهُراقُ بالمغربِ لَأنتَنَ أهلُ المشِرِق.
قوله: ((وكأنَّ الغَسّاق والغَسِيقَ واحد)» كذا لأبي ذرٍّ، والغسيقُ بوزن فعيل، ولغيره:
والغَسَق، بفتحتينٍ، قال الطَّبَري في قوله تعالى: ﴿ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾ [الفلق: ٣]
الغاسق: اللَّيل إذا لَبِسَ الأشياءَ وغَطّاها، وإنَّما أُريدَ بذلك هُجُومُه على الأشياء هُجُومَ
السَّيل، وكأنَّ المراد بالآية السائلُ من الصَّديد الجامع بين شِدَّة البَرد وشِدَّة النَّتْن، وبهذا
تجتمع الأقوال، والله أعلم.
قوله: ((﴿غِسّلِينٍ﴾: كلَّ شيءٍ غَسَلْتَه فخَرَجَ منه شيءٌ فهو غِسْلين، فِعْلِين من الغُسْل، من
الجُرْحِ والدَّبَر)) هو كلام أبي عُبيدة في ((المجاز))، وقد روى الطَّبَري (٦٥/٢٩) من طريق
عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: الغِسلينُ: صَديدُ أهل النار، والدَّبَر - بفتح المهمَلة
والموحّدة ـ: هو ما يصيب الإبل من الجِراحات.
تنبيه: قوله تعالى في هذه الآية: ﴿ وَلَا طَعَامُّ إِلَّا مِنْ غِسْلِینٍ ﴾ يعارضه ظاهر قوله تعالى في
الآية الأُخرى: ﴿لَيْسَ لَمْ طَعَامُّ إِلَّا مِن ضَرِيحٍ﴾ [الغاشية: ٦]، وجُمِعَ بينهما بأنَّ الضَّريع من
الغِسْلِين، وهذا يَرُدّه ما سيأتي في التفسير أنَّ الضَّريع نبات، وقيل: الاختلاف بحَسَبٍ مَن
(١) قال ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ٩/٩: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ((غَسَاقاً)) بالتخفيف،
وقرأ حمزة والكسائي والمفضل وحفص عن عاصم بالتشديد.
(٢) هذه النسبة إلى طُخارِسْتان، وهي اليوم في أفغانستان، قاعدتها بَلْخ.
(٣) وله شاهد أيضاً بهذا اللفظ الذي ذكره الحافظ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند ابن المبارك
في «مسنده)» (١٤٧). وإسناده حسن في المتابعات.
(٤) تحرف في (س) إلى: عُمر.
٦١٦
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
يَطعَم من أهل النار، فمَن اتَّصَفَ بالصِّفة الأُولى، فطعامه من غِسلين، ومَنِ اتَّصَفَ بالثّانية
فطعامه من ضَرِيع، والله أعلم.
قوله: ((وقال عِكْرمة: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: حَطَب بالَحَبَشية، وقال غيره: ﴿حَاصِبًا﴾:
٣٣٢/٦ الرّيح العاصف، والحاصب: ما تَرمي / به الرّيحُ ومنه: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: يُرمی به في جهنّم،
هم حَصَبُها)) أمَّا قول ◌ِكْرمة فوَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عبد الملك بن أبجَر، سمعت
عِكْرمة بهذا، وروى الطَّبَري (٩٤/١٧) عن مجاهد مِثله، لكن لم يقل: بالحَبَشية. وروى
الفَرّاء عن عليٍّ وعائشة: أنَّهما قَرآها: ((حَطَب)) بالطاءِ، وروى الطَّبَري عن ابن عبّاس: أنَّه
قرأها بالضّاد المعجمة(١)، قال: وكأنَّه أراد أنَّهم الذين تُسجَر بهم النار، لأنَّ كلَّ شيء هُيِّجَت
به النارُ فهو حَضَبٌ لها.
وأمَّا قول غيره، فقال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: أي ريحاً
عاصفاً تَحصِب.
وفي قوله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: كلّ شيء ألقَيتَه في النار فقد حَصَبتَها به، وروى الطَّبَري
عن الضَّحّاك قال في قوله: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال: تُحصَب بهم جهنّم، وهو الرَّمْي،
يقول: يُرمی بهم فيها.
قوله: ((ويقال: حَصَبَ في الأرض: ذَهَبَ، والحَصَب مُشتَقٌّ من خَصْباء الحجارة» روی
الطَّبَري (١٢٣/١٥) عن ابن جُرَيج في قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ قال: مَطَر الحِجارة.
قوله: (﴿صَدِيدٍ﴾: قَيْح ودم)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّآءِ صَدِيدٍ﴾
قال: الصَّديد: القَيح والدَّم.
قوله: (﴿خَبَتْ﴾: طَفِئَتْ)) أخرج الطَّبَري من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد (٢) في قوله
(١) وكلا القراءتين معدود في القراءات الشاذة.
(٢) لم يسُق الطبريُّ لفظ تفسير مجاهد، وإنما أحال على لفظ تفسير ابن عباس قبله، ونصه: كلما أحرقتهم
تسعَّر بهم حَطباً، فإذا أحرقتهم فلم تُبِقِ منهم شيئاً صارت جَراً يتوهج، فذلك خُبُوُّها. وهو بلفظ
((طفئت)) عند ابن أبي الدنيا في ((صفة النار)) (١٠٦).
٦١٧
باب ٩
كتاب بدء الخلق
تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ قال: طَفِئَت، ومِن طريق عليّ بن أبي طلحة (١٦٨/١٥) عن ابن
عبَّاس: سَكَنَت، ومِثله قال أبو عُبيدة، ورُجِّحَ لأنَّهم يقولونَ للنار إذا سَكَنَ هُبُّها وعَلا
الجَمْرَ رَمادٌ: خَبَت، فإن طَفِىءَ مُعظَم الجَمْر قالوا: خَدَت، فإن طُفِىءَ كلُّه قالوا: هَمَدَت،
ولا شكَّ أنَّ نار جهنّم لا تَطفَا.
قوله: ((﴿ ثُورُونَ﴾: تَستَخْرِ جونَ، أَوَرَيتُ: أوقَدْت)) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَرََّيْتُمُ
النَّارَ الَّتِى تُورُونَ﴾ وهو قول أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿تُرُونَ﴾ أي: تَستَخرِ جونَ، من
أَورَيتُ، قال: وأكثر ما يقال: وَرَّيتُ.
قوله: (﴿لِلْمُقْوِينَ﴾: للمسافرينَ، والقِيُّ: القَفْرِ)) روى الطَّبَري (٢٠١/٢٧) من طريق عليّ
ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ للمسافرينَ، ومِن طريق قَتَادة والضَّحّاك ◌ِمِثله،
ومِن طريق مجاهد قال: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ أي: المستَمتِعِينَ المسافر والحاضر، وقال الفَرّاء: قوله
تعالى: ﴿وَمَتَعًّا لِلْمُقْوِينَ﴾ أي: مَنفَعَةً للمسافرينَ إذا نزلوا بالأرضِ، والأرض القِيُّ - يعني:
بكسر القاف والتَّشديد -: القَفْر الذي لا شيء فيه، ورَجَّحَ هذا الطَّبَرِيُّ، واستَشهَدَ على ذلك.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿صِرَّطِ الْجَحِيمِ﴾ ﴿سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ ووَسَطُ الجحيم)) روى
الطَّبَري (٢٣/ ٦٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿فَطَّلَعَ فَرَاهُ
فِى سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] قال: في وَسَط الجحيم، ومِن طريق قَتَادة والحسن مِثله.
قوله: ((﴿لَشَوْبًا مِنْ خَيٍ﴾: يُخْلَط طعامُهم ويُسَاط بالحميم)) روى الطََّري (٦٥/٢٣)
من طريق السُّدّي قال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ الشَّوب: الخُلْط،
وهو المَزْج، وقال أبو عبيدة: تقول العرب: كلّ شيءٍ خَلَطتَه بغيره فهو مَشُوب.
قوله: (﴿زَفِيْرٌ وَشَهِينٌ﴾: صوت شديد وصوت ضعيف)) هو تفسير ابن عبّاس، أخرجه
الطَّبَري (١١٦/١٢) وابن أبي حاتم (١١٢٢٤) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، ومِن
طريق أبي العالية(١) قال: الزّفير في الحَلْق، والشَّهيق في الصَّدر، ومِن طريق قَتَادة (٢) قال: هو
(١) هو عند الطبري ١٢ / ١١٦.
(٢) هو عند الطبري ١٢/ ١١٧.
٦١٨
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
كصوتِ الحمار أوَّله زَفِير وآخره شهيق، وقال الدَّاوودي: الشَّهيق هو الذي يَبقى بعد
الصَّوت الشَّديد من الحمار.
قوله: ((﴿وِرْدًا﴾: عِطاشا)) روى ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن
عبّاس في قوله: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قال: عِطاشاً، ومِن طريق مجاهد قال:
مُنقَطِعة أعناقهم من الظَّمأ، وقوله: ﴿وِرْدًا﴾ هو مصدر وَرَدتْ، والتقدير: ذَوِي وِرْد،
وهذا يُنافي العَطَش، لكن لا يَلَم من الوُرُود على الماء الوصول إلى تَناوُله، فسيأتي في
حديث الشَّفاعة (٧٤٣٩): ((أَّهم يَشْكُونَ العَطَشَ فَتُرفَع لهم جهنَّمُ سَرابَ ماءِ، فيقال: ألا
تَرِدُونَ؟ فَرِدُونها فيَتَساقطونَ فيها».
قوله: ((﴿غَيًّا﴾: خُسْرانا)) أخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ
يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: خُسراناً، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود
٣٣٣/٦ عن أبيه/ في هذه الآية، قال: وادٍ في جهنّم بعيد القَعْرِ خبيثِ الطَّعم.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿يُسْجَرُونَ﴾: تُوقَد لهم النار)) كذا في رواية أبي ذرٍّ، ولغيره:
((بهم))، وهو أوضح، وكذا أخرجه عبد بن حُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد، به.
قوله: (﴿وَتُحَاسِ﴾: الصُّفْرِ يُصَبّ على رُؤُوسهم)) أخرجه عبد بن حُميدٍ من طريق منصور
عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ قال: قِطعة من نار حَمراء ﴿وَتُحَاسِّ﴾
قال: يُذَابِ الصُّفْرِ فِيُصَبّ على رؤوسهم.
قوله: ((يقال: ﴿ذُوقُواْ﴾: باشِروا وجَرِّبوا، وليس هذا من ذَوْق الفَم)) لم أرَ هذا لغير
المصنِّف، وهو كما قال، والذَّوق يُطلَق ويُراد به حقيقتُه: وهو ذَوْق الفم، ويُطلَق ويُراد به
الذَّوق المعنَوي: وهو الإدراك، وهو المراد في قوله: ﴿ذُوقُواْ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٥]،
وقوله: ﴿ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ [الأنفال: ١٤]، وقوله: ﴿ ذُقْ إِنََّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾
[الدخان: ٤٩]، وكذلك في قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْنَ﴾ [الدخان: ٥٦]، وبَلَغَني عن
بعض علماء العصر أنَّه فسَّرَه هنا بمعنى التَّخَيُّل، وجَعَلَ الاستثناءَ مُتَّصِلاً، وهو دقیق، وروى
٦١٩
باب ٩
كتاب بدء الخلق
ابن أبي حاتم من طريق أبي بَرْزة الأسلمي مرفوعاً، والطََّري (٣٠/ ١٧) من حديث عبد الله
ابن عَمْرو موقوفاً: لم يَنزِل على أهل النار آيةٌ أشدُّ من هذه الآية: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا
عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠].
قوله: (﴿ مَّارِجَ﴾: خالصٍ من النار)) روى الطَّبَري (١٢٦/٢٧) من طريق عليّ بن أبي طلحة
عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ قال: من خالص النار، ومِن
طريق الضَّحّاك عن ابن عبّاس قال: خُلِقَت الجِنُّ من مارج، وهو لسان النار الذي یکون في
طَرَفها إذا التَهَبَت. وسيأتي قول مجاهد في ذلك في تفسير سورة الرَّحمن إن شاء الله تعالى.
وقال الفَرّاء: المارج: نارٌ دون الحِجاب، ويُرَى جِلْدُ(١) السَّماء منها، ومنها هذه الصَّواعق.
قوله: ((مَرَجَ الأميرُ رَعيَّتَه: إذا خَلّاهم يَعدُو بعضهم على بعض، ﴿فَهُمْ فِّ أَمْرٍ مَّرِيج﴾ أمرٍ
مُلْتَبِس، ومَرجَ أمرُ الناس: اختَلَطَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أمر مُنتَشِر)) وهو تصحيف، قال
أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِىّ أَمْرٍ مَّرِيج﴾ أي: مُخْتَلِطٍ، يقال: مَرِجَ أمر الناس، أي:
اخْتَلَطَ وأُهمِلَ، وروى الطَّبَري (٢٦/ ١٥٠) عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِ أَمْرٍ
مَّرِيج﴾ قال: مختلف(٢)، ومِن طريق سعيد بن جُبَير ومجاهد قال: مُلتَبِس، ومِن طريق قَتَادة
قال: مَن تَرَكَ الحَّ مَرِجَ عليه رأيُه، والتَبَسَ عليه دِينُه.
قوله: ((﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْنَفِيَانِ﴾: مَرَجْتَ دابَّتَك: تَرَكْتَها)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى:
﴿َرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْيَقِيَانِ بَيْنَهُمَا﴾ هو كقولك: مَرَجْتَ دابَّتَك: خَلَّيْتَ عنها وتَرَكتَها. وقال
الفَرّاء: قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرِيْنِ يَلْنَفِيَانِ﴾ قال: أرسَلَهما ثمَّ يَلتَقیانِ بعدُ.
وروى الطََّري من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس(٣) قال: المراد بالبحرَين هنا
(١) تحرف في (أ) إلى: ويروى جلو، وفي (ع) و(س) إلى: ويروى خلق. والتصويب من ((معاني القرآن)) للفراء
١١٥/٣، ونقله عنه على الصواب الأزهري في ((تهذيب اللغة)) ٥١/١١.
(٢) في (س): مختلط، والمثبت من الأصلين، موافقاً لما جاء في الطبعات المحققة من ((تفسير الطبري)).
(٣) كذا قال الحافظ رحمه الله، وإنما هو عند الطبري ١٢٨/٢٧ من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، وليس
من طريق علي بن أبي طلحة عنه!
٦٢٠
باب ٩ / ح ٣٢٥٨-٣٢٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
بحرُ السَّماء والأرض، يَلَقيانِ كلَّ عام، ومِن طريق سعيد بن جُبَير وابن أَبَزَى مثله، ومِن
طريق قَتَادة والحسن قال: هما بحرا فارس والرُّوم، قال الطَّبَري: والأوَّل أَولى، لأنَّه
سبحانه وتعالى قال بعد ذلك: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُّؤْلُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرَّحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُج اللُّؤْلُؤْ
من أصداف بحر الأرض عن قَطْرِ السَّماء. قلت: وفي هذا دفْعٌ لمن جَزَمَ بأنَّ المراد بهما البحر
الحُلْو والبحر المِلْحِ، وجَعَلَ قوله: ﴿مِنْهُمَا﴾ من ◌َجَازِ التَّغليب.
٣٢٥٨- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مُهاجرٍ أبي الحسنِ، قال: سمعتُ زيدَ بنَ
وَهْب، يقول: سمعتُ أبا ذرِّ ﴾ يقول: كان النبيُّ وَّهَ في سفرٍ فقال: ((أبرِدْ)) ثمَّ قال: ((أبِدْ))
حتَّى فاءَ الفَيءُ - يعني للتُّلُولِ - ثمّ قال: ((أَبِدُوا بالصَّلاةِ، فإنَّ شِدّةَ الحُرِّ من فَيْحِ جهنّمَ)).
٣٢٥٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن ذَكْوانَ، عن أبي سعيدٍ
به، قال: قال النبيُّ وَّ: ((أَبْرِدُوا بالصَّلاةِ، فإنَّ شِدّةَ الحُرِّ مِن فَيْحِ جهنَّمَ)).
٣٢٦٠- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثنا أبو سَلَمَةَ بنُ
عبدِ الرَّحمن، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ ﴾ يقول: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اشْتَكَتِ النارُ إلى ربِّها،
فقالت: ربِّ أكَلَ بعضي بعضاً، فَأَذِنَ لها بنَفَسَين: نَفَسٍ في الشِّتَاءِ، ونَفَسٍ في الصَّيفِ، فأشَدُّما
تَجِدونَ من الحُرِّ، وأشَدُّ ما تَجِدونَ من الزَّمْهَرِيرِ)).
٣٢٦١- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو عامٍ - هو العَقَدِيّ - حدَّثنا همَّامٌ، عن أبي
جَمْرَةَ الضُّبَعيِّ، قال: كنتُ أُجالسُ ابنَ عِبَّاسٍ بِمِكَّةَ، فَأَخَذَتْني الحُمَّى، فقال: ابرُدْها عنكَ
بماءٍ زَمْزَمَ، فإنَّ رسولَ الله وَ ◌ّ قال: «الحُمَّى من فَيْح جهنَّمَ، فابرُدُوها بالماءِ - أو قال: بماءٍ
زَمْزَمَ)» شكَّ هَّامٌ.
٣٢٦٢- حدَّثْنَا عَمُرُو بنُ عِبَّاسٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمن، حدَّثنا سفيانُ، عن أبيه، عن عَبَايةَ
ابنِ رِفَاعَةَ، قال: أخبرني رافعُ بنُ خَدِيج، قال: سمعتُ النبيَّ وَّهِ يقول: «الحُمَّى من فَوْرِ
جهنَّمَ، فابرُدُوها عنكم بالماءِ)).
[طرفه في: ٥٧٢٦]