النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
باب ٢
كتاب بدء الخلق
٢ - باب ما جاء في سبع أَرضِین
وقولِ الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].
السَّقْفُ المرفوعُ: السَّماء.
﴿سَمَّكَهَا﴾ [النازعات: ٢٨]: بناءَها.
﴿اَلْحُبُّكِ﴾ [الذاريات: ٧]: استِواؤُها وحُسْنُها.
﴿وَأَذِنَتْ﴾ [الانشقاق: ٢]: سمعَت وأطاعَتْ.
﴿ وَأَلْقَتْ﴾ [الانشقاق: ٤]: أخرجَت ما فيها من الموتَى.
﴾ [الانشقاق: ٤] عنهم.
﴿وَتَخَلَّتْ﴾
﴿َجَهَا﴾ [الشمس: ٦]: دَخَاها.
﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]: وجه الأرضِ، كان فيها الحيوانُ نومُهم وسَهَرُهم.
قوله: «باب ما جاء في سبع أرضِینَ)) أو في بیان وضعها.
٢٩٣/٦
قوله: ((وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآيةَ))
قال الدَّاوودي: فيه دلالة على أنَّ الأرضِينَ بعضُها فوق بعض مِثل السَّماوات. ونُقِلَ عن
بعض المتكلِّمينَ أنَّ المثليّة في العَدَد خاصَّةً، وأنَّ السَّبع مُتَجاوِرة، وحكى ابن التِّين عن
بعضهم: أنَّ الأرض واحدة، قال: وهو مردود بالقرآن والسُّنَّة. قلت: لعلَّه القول بالتَّجاوُرِ،
وإلَّا فيصير صريحاً في المخالفة، ويدلّ للقول الظّاهر ما رواه ابن جَرِير (١٥٣/٢٨) من طريق
شُعْبة عن عَمْرو بن مُرَّة عن أبي الضُّحى عن ابن عبّاس في هذه الآية: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾
قال: في كلّ أرض مِثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخَلْق. هكذا أخرجه مختصراً،
وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٣) والبيهقي(١) من طريق عطاء بن السائب عن
أبي الضُّحى مُطوَّلاً، وأوَّله: أي: سبع أرضينَ، في کلّ أرض آدمُ کَآدمِکم، ونوحٌ گنوحِکم،
(١) في ((الأسماء والصفات)) (٨٣١).

٥٤٢
باب ٢
فتح الباري بشرح البخاري
وإبراهیمُ کإبراهیمِکم، وعیسی گعیسی، ونبيُّ گنبیِّكم. قال البيهقي: إسناده صحیح(١)،
إلَّا أَنَّه شاذٌ بِمَرَّة.
وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عبّاس قال: لو حَدَّتُكم بتفسير هذه
الآية لكفرتُم، وكفركم تكذيبكم بها. ومِن طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس نحوه،
وزادَ: وهنَّ مكتوبات(٢) - هكذا - بعضهنَّ على بعض.
وظاهر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يَرُدُّ أيضاً على أهل الهيئة قولهَم: أن لا مسافة
بين كلّ أرض وأرض وإن كانت فوقها، وأنَّ السّابعة صَمّاء لا جَوف لها، وفي وَسَطها
المَركَز، وهي نُقطة مُقدَّرة مُتَوَهَّمة، إلى غير ذلك من أقوالهم التي لا بُرهان عليها. وقد
روى أحمد (٨٨٢٨) والتِّرمِذي (٣٢٩٨) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إنَّ بين كلّ سماء
وسماء خمس مئة عام، وأنَّ سُمْك كلّ سماء كذلك، وأنَّ بين كلّ أرض وأرض خمس مئة
عام))، وأخرجه إسحاق بن راهويه والبَزّار (٤٠٧٥) من حديث أبي ذرِّ نحوه، ولأبي داود
(٤٧٢٣ و٤٧٢٤ و٤٧٢٥) والتِّرمِذي (٣٣٢٠) من حديث العبّاس بن عبد المطَّلِّب(٣)
مرفوعاً: ((بين كلِّ سماء وسماء إحدى أو اثنتان وسبعونَ سنةً))، وجُمعَ بين الحديثَين بأنَّ
اختلاف المسافة بينهما باعتبار بُطء السَّير وسُرعَته.
قوله: ((السقف المرفوع: السماء» هو تفسیر مجاهد، أخرجه عبد بن ◌ُمیدٍ وابن أبي حاتم
وغيرهما من طريق ابن أبي نَجِيح عنه، ومِن طريق قَتَادة نحوه، وسيأتي عن عليّ مثله في
(باب الملائكة))(٤)، ولابن أبي حاتم من طريق الرَّبيع بن أنس: السَّقف المرفوع: العرش،
(١) قال البيهقي ذلك بعد أن أورده أيضاً من طريق عمرو بن مرة عن أبي الضحى برقم (٨٣٢).
(٢) كذا جاء في الأصلين و(س): مكتوبات. وربما يكون معنى ذلك بالنظر إلى الأصل ((كتب)) الذي يدل
على جمع شيء إلى شيء، كما قال ابن فارس. وهذا الأثر أخرجه أيضاً أبو الشيخ في ((العظمة)) (٦٧)، وفي
(طبقات المحدثين بأصبهان)) له أيضاً ٤٢٩/١-٤٣٠ فقال فيه: سماء تحت أرض وأرض فوق سماء
مطویات بعضها فوق بعض.
(٣) وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (١٧٧٠) وإسناده وإسناد حديث أبي هريرة وحديث أبي ذر، كلها ضعيفة.
(٤) الباب رقم (٦)، عند شرح الحديث (٣٢٠٧).

٥٤٣
باب ٢
كتاب بدء الخلق
كذا قال، والأوَّل أكثر، وهو يقتضي الردّ على مَن قال: إنَّ السَّماء كُرِيَّة، لأنَّ السَّقف في
اللُّغة العربية لا يكون كُرِيّاً(١)!
قوله: ﴿سَمَّكَهَا﴾ بفتح المهمَلة وسكون الميم ((بناءَها)) بالمدِّ، يريد تفسير قوله تعالى: ﴿رَفَعَ ٢٩٤/٦
سَمّگها ﴾ أي: رَفَعَ بُنیانها، وهو تفسير ابن عبّاس، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي
طلحة عنه، ومن طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد مِثْلَه، وزادَ: بغير عَمَدٍ، ومن طريق قَتَادة مِثْلَه.
قوله: ((والحُبُّك: استِواؤُها وحُسْنها)) هو تفسير ابن عبّاس، أخرجه ابن أبي حاتم
(١٨٦٥٠) من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير عنه، وأخرج (٢) من طريق سعد
الإسكاف عن عِكْرمة عنه بلفظ ﴿ذَاتِ الْحُكِ﴾ أي: البَهاء والجمال، غير أنَّهَا كالبُرْدِ
المسَلسَل، ومِن طريق عليّ بن أبي طلحة عنه قال: ﴿ذَاتِ الْحُكِ﴾ أي: الخَلْق الحسَن.
والحُبُّك - بضمَّتَين -: جمع حَبِيكة، كطُرُق وطَرِيقة، وزناً ومعنَى، وقيل: واحدها:
حِبَاك، كَمِثَال ومُثُل، وقيل: الحُبُك: الطَّريق التي تُرى في السَّماء من آثار الغَيْم، وروى
الطََّري (٢٦/ ١٩٠) عن الضَّحّاك نحوه، وقيل: هي النُّجُوم، أخرجه الطَّبَري (١٨٩/٢٦
و١٩٠) بإسنادٍ حسنٍ عن الحسن، وروى الطَّبَري (١٩٠/٢٦-١٩١) عن عبد الله بن عَمْرو
أنَّ المراد بالسَّماءِ هنا السَّماء السابعة.
قوله: ((﴿وَأَذِنَتْ﴾: سمعَتْ وأطاعَتْ)) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ :
وَأَذِنَتْ لِرَتِهَا وَحُقَّتْ﴾ ومعنى سَمْعِها وإطاعَتِها قَبُولُها ما يُراد منها، وروى ابن أبي حاتم من
طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا﴾ أي: أطاعَت، ومِن طريق الضَّحّاك
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا﴾ أي: سمعَت، ومِن طريق سعيد بن جُبَير ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: حُقَّ لها أن تُطيع.
(١) ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأرض وسائر الأفلاك مستديرة كُرية الشكل (أي: كروية الشكل) كما
ذكر أبو الحسين بن المنادي وأبو محمد بن حزم وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم: أنه متفق عليه بين علماء
المسلمين، وأنه الذي جزم به علماء الهيئة المتقدمون منهم والمتأخرون. انظر ((مجموع الفتاوى)) ١٥٠/٥ -
١٥٢، و((جامع الرسائل)) ١٣٤/٤-١٣٧. قلنا: وقد ثبت في العلم الآن بما لا يدع مجالاً للشكٌّ أن
الأرض كرويّة الشكل، وأن السماء محيطة بها وبكل الأجرام والأفلاك الأخرى.
(٢) وعنه أبو الشيخ في ((العظمة)) (٥٤٥)، وسعد الإسكاف متروك.

٥٤٤
باب ٢ / ح ٣١٩٥ - ٣١٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((﴿ وَأَلْقَتْ﴾ أُخرجت ما فيها من الموتى ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ أي: عنهم)) يريد تفسير بقيَّة
الآيات، وهو عند ابن أبي حاتم من طريق مجاهد نحوه، ومِن طريق سعيد بن جُبَير: ألقَت
ما استَودَعَها اللهُ من عباده، وتَخلَّت عنهم إليه.
٠٫٠
قوله: ﴿لَهَا﴾: دحاها)) هو تفسیر مجاهد، أخرجه عبد بن ◌ُمیدٍ وغيره من طريقه،
والمعنى: بَسَطَها يميناً وشمالاً من كلِّ جانب، وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً من طريق ابن
عَبَّاس والسُّدّي وغير هما: دَحَاها، أي: بَسَطَها.
قوله: ((بالساهرةٍ: وَجْه الأرض كان فيها الحیوان نومهم وسَهَرهم» هو تفسیر عِكْرمة
أخرجه ابن أبي حاتم، أو المراد بالأرضِ: أرض القيامة، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق
مُصعَب بن ثابت عن أبي حازم عن سَهْل بن سعد في قوله: ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ قال: أرض
بيضاء عفراء كالخُبزَة، وسيأتي من وجه آخر عن أبي حازم مرفوعاً في الرِّقاق (٦٥٢١)، لكن
ليس فيه تفسير الساهرة.
٣١٩٥ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، أخبرنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن عليٍّ بنِ المبارَكِ، حدَّثنا يحيى بنُ أبي
كَثيرٍ، عن محمَّدٍ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، وكانت بينَه وبينَ أُناسِ
خُصُومةٌ في أرضٍ، فَدَخَلَ على عائشةَ فذكر لها ذاكَ، فقالت: يا أبا سَلَمَةَ، اجتَنِبِ الأرضَ، فإنَّ
رسولَ اللهَوَّه قال: ((مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِيْرِ طُوِّقَه من سَبْعِ أَرَضِينَ)).
٣١٩٦- حدَّثْنا بِشرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، عن موسى بنِ عُقْبَةَ، عن سالمٍ، عن أبيه،
قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((مَن أَخَذَ شيئاً من الأرضِ بغيرِ حقِّه خُسِفَ به يومَ القيامةِ إلى سَبْعِ
أَرَضِينَ».
٣١٩٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا أيوبُ، عن محمَّدٍ بنِ سِيرِينَ،
عن ابنِ أبِي بَكْرةَ، عن أبي بَكْرَةَ ﴾، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((إنَّ الزَّمانُ قد استَدَارَ كَهَيئَةِ يومَ خَلَقَ
اللهُ السَّماواتِ والأرضَ، السَّنةُ اثنا عَشَرَ شَهْراً، منها أربعةٌ حُمٌ: ثلاثةٌ مُتَوالياتٌ: ذُو القَعْدِةِ
وذُو الِحِجّةِ والمحرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ، الذي بينَ مُمادَى وَشَعْبانَ)).

٥٤٥
باب ٢ / ح ٣١٩٥ -٣١٩٨
كتاب بدء الخلق
٣١٩٨- حدَّثْنَا عُبَيَدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن سعيد بنِ
زيد بنِ عَمرِو بنِ نُقَيلٍ: أَنَّه خاصَمَتْه أَرَوَى في حقٍّ زَعَمَت أَنَّه انتَقَصَهُ لها إلى مروانَ، فقال
سعيدٌ: أنا أنتَقِصُ من حقِّها شيئاً؟! أشهَدُ لَسَمعتُ رسولَ الله ◌َّهِ يقول: ((مَن أَخَذَ شِبْراً من
الأرضِ ظُلْماً، فإِنَّه يُطَوَّقُه يومَ القِيامةِ من سَبْعِ أَرَضِينَ)).
وقال ابنُ أبي الزِّناد: عن هشام، عن أبيه، قال: قال لي سعيدُ بنُ زيدٍ: دخلتُ على النبيِّ ◌َله.
ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث:
أحدها: حديثُ عائشة: ((مَن ظَلَمَ قِيدَ شِبْر))، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب المظالم
(٢٤٥٣).
ثانيها: حديث ابن عمر في المعنى، وقد تقدَّم هناك أيضاً (٢٤٥٤).
وعبد الله في إسناده: هو ابن المبارك، والراوي عنه بشر بن محمَّد مَروَزيٌّ سمعَ من ابن
المبارَك بخُراسان، وهو يُؤيِّد البحث الذي قَدَّمتُه من أنَّه لا يَلزَم من كَوْن هذا الحديث
ليس في كتب ابن المبارك بخُراسان أن لا يكون حدَّث به هناك، ويحتمل أن يكون بِشرٌ
صَحِبَ ابن المبارك فسمعَه منه بالبصرة، فيَصِحُّ أنَّه لم يُحدِّث به إلّا بالبصرة، والله أعلم.
ثالثها: حديث أبي بكرة: ((إنَّ الَّمان قد استَدارَ كَهَيئة))، وسيأتي بأتمَّ من هذا السِّياق في
آخر المغازي (٤٤٠٦) في الكلام على حَجَّة الوَدَاع، ويأتي شرحه في تفسير براءَة (٤٦٦٢)،
ومضى شرح أكثره في العلم (٦٧ و١٠٥) وبعضه في الحجّ (١٧٤١).
قوله: ((عن محمَّد بن سِيرِينَ عن ابن أبي بَكْرة عن أبي بَكْرة)) اسم ابن أبي بكرة عبد
الزَّحمن کما تقدَّم في «باب رُبَّ مُبلَّغ أوعی من سامع» في کتاب العلم (٦٧) من وجه آخر
عن أيوب، وذكر أبو عليِّ الجَيَّاني أنَّه سقط من نسخة الأَصِيلي هنا: عن ابن أبي بكرة،
وثَبَتَ لسائرِ الرّواة عن الفِرَبْري.
قلت: وكذا ثَبَتَ في رواية النَّسَفي عن البخاري، قال الجَيَّاني: ووقع في رواية القابسي
هنا: أيوب عن محمَّد بن أبي بَكْرة، / وهو وهم فاحش. قلت: وافَقَ الأَصِيلي لكن صَخَّفَ ٢٩٥/٦

٥٤٦
باب ٣
فتح الباري بشرح البخاري
((عن)) فصارت ((ابن)) فلذلك وَصَفَه بفُحْشِ الوَهْم، وسيأتي هذا الحديث بالسَّنَد المذكور
هنا في ((باب حَجَّة الوَدَاع)) من كتاب المغازي (٤٤٠٦) على الصواب للجماعة أيضاً حتَّى
الأَصِيلي، واستَمَرَّ القابسي على وهمه فقال هناك أيضاً: عن محمَّد بن أبي بكرة.
رابعها: حديث سعيد بن زيد في قصته مع أروى بنت أُنيس في مخاصمتها له في الأرض،
وقد تقدمت مباحثه مستوفاةً في كتاب المظالم (٢٤٥٢).
قوله: ((كَهَيئةٍ)) الكاف صفة مصدرٍ محذوفٍ تقديره: استَدارَ استدارةً مِثل صِفَته يوم
خَلَقَ السَّماء. والزّمان: اسم لقليل الوقت وكثيره، وزَعَمَ يوسف بن عبد الملك في كتابه
((تفضيل الأزمنة)) أنَّ هذه المقالة صَدَرَت من النبي ◌َّ في شهر مارس، وهو آذار، وهو
بَرْمَهات بالقِبطية(١)، وفيه يستوي اللَّيل والنَّهار عند حُلُولِ الشمس بُرِجَ الْحَمَل.
قوله: «وقال ابن أبي الزناد عن هشام» أي: ابن ◌ُزْوة «عن أبيه، قال لی سعید بن زيد))
أراد المصنِّف بهذا التَّعليق بيان لقاء عُرْوة سعيداً، وقد لَفيَ عُرْوةُ مَن هو أقدمُ وفاةً من
سعيد كوالدِه الزُّبير وعليّ وغيرهما.
٣- باب في النُّجوم
وقال قَتَادةُ: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَةَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ﴾ [الملك: ٥]: خَلَقَ هذه النُّجُومَ لثلاثٍ:
جَعَلَها زِينَةً للسَّماءِ، ورُجُوماً للشَّياطينِ، وعلاماتٍ يُهتَدَى بها، فمَن تَأوَّلَ فيها بغيرِ ذلك أخطأ
وأضاعَ نَصِيبَه، وتَكلَّفَ ما لا عِلْمَ له به.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: هَشِيماً مُتغيّاً.
والأَبُّ: ما يأكُلُ الأنعامُ، والأنامُ: الخلق. بَرزَخ: حاجبٌ.
وقال مجاهدٌ: ﴿اَلْغَافًا﴾ [النبأ: ١٦]: مُلْتَفّةً، والغُلْبُ: الملتَفّة.
﴿فِرَشًا﴾ [البقرة: ٢٢]: مِهاداً كقوله: ﴿وَلَكْ فِىِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرَّ﴾ [البقرة: ٣٦].
﴿نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]: قليلاً.
(١) والسنة القبطية تبدأ عندهم من بداية الخريف، وهو يقابل عند غيرهم شهر أيلول. انظر ((الخطط المقريزية))
٢٦٣/١ وما بعدها.

٥٤٧
باب ٣
كتاب بدء الخلق
قوله: ((باب في النُّجُومِ. وقال قَتَادةُ ... )) إلى آخره، وَصَلَه عبد بن حُيدٍ من طريق شَيْبانَ
عنه به، وزادَ في آخره: وإنَّ ناساً جَهَلةً بأمرِ الله قد أحدثوا في هذه النُّجُومِ كهانةً: مَن غَرَسَ
بنَجم كذا كان كذا، ومَن سافرَ بنَجْم كذا كان كذا، ولَعَمري ما من النُّجُومِ نجم إلَّا ويُولَد
به الطّويل والقصير، والأحمر والأبيض، والحسَن والدَّميم، وما عِلْمُ هذه النُّجُوم وهذه
الدَّابَّة وهذا الطائر بشيءٍ مِن هذا الغيب؟! انتهى، وبهذه الزِّيادة تَظهَر مُناسَبة إيراد
المصنِّف ما أورَدَه من تفسير الأشياء التي ذكرها من القرآن، وإن كان ذِكرُ بعضها وقع
استطراداً، والله أعلم.
قال الدَّاوودي: قول قَتَادة في النُّجُوم حسن، إلَّا قوله: أخطَأ وأضاعَ نصيبه (١). فإنَّه
قَصَّرَ في ذلك، بل قائل ذلك كافر. انتهى، ولم يَتَعيَّنِ الكفرُ في حقّ مَن قال ذلك، وإنَّما يَكفُر
مَن نَسَبَ الاختراع إليها، وأمَّا مَن جَعَلَها علامةً على حدوث أمر في الأرض فلا، وقد
تقدَّم تقرير ذلك وتفصيله في الكلام على حديث زيد بن خالد فيمَن قال: «مُطِرْنا بنَوءِ
كذا)) في («باب الاستسقاء» (١٠٣٨).
وقال أبو عليّ الفارسيّ في قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾: الضَّمير للسَّماءِ، أي:
وجعلنا ◌ُهُبَها رُجُوماً على حذف مُضافٍ، فصارَ الضَّمیر للمُضاف إلیه. وذكر ابن دِخْية
في ((التَّنوير)) من طريق أبي عثمان النَّهْدي عن سَلْمان الفارسي قال: النُّجُومِ كلّها مُعلَّقة
كالقناديل من السَّماء الدُّنيا كَتعليقِ القَناديل في المساجد.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: هَشِيماً مُتغيِراً)) لم أرَه عنه من طريق موصولة(٣)، لكن ذكره
(١) تحرف في (س) إلى: نفسه.
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى، ظناً منه أن ابنَ عباس قال ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ
اَلرَّحُ﴾ [الكهف: ٤٥]، وتبعه العيني، وإنما قال ابن عباس ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَآءَ أَحْوَ﴾
[الأعلى: ٥]، فقال: هَشِيماً متغيِّراً. أخرجه عنه ابن جرير الطبري في تفسيره)) ٣٠/ ١٥٣. وإسماعيل بن
أبي زياد هذا الذي ذكره الحافظ هو الشامي ذكره في ((اللسان)) ونقل تضعيفه عن الدار قطني والخليلي، بل
قال الدار قطني: متروك الحديث.

٥٤٨
باب ٣
فتح الباري بشرح البخاري
إسماعيل بن أبي زياد في ((تفسيره)) عن ابن عبّاس. وقال أبو عبيدة: قوله: ﴿هَشِيمًا﴾ أي:
يابساً مُتَفَتَّاً ﴿نَذْرُوهُ الْرَّحُ﴾ أي: تُفرِّقه.
قوله: ((والأَبُّ ما يَأْكُل الأنعام)) هو تفسير ابن عبّاس أيضاً، وَصَلَه ابن أبي حاتم من
٢٩٦/٦ طريق عاصم بن كُلَيب عن أبيه عنه(١) قال: الأبّ: / ما أنبَتَت الأرض ممَّا تأكُله الدَّوابُّ ولا
يأكُله الناس، ومِن طريق ابن عبّاس قال: الأبُّ: الحشيش، ومِن طريق عطاء والضَّحّاك:
الأبُّ: هو كلّ شيءٍ يَنْبُت على وجه الأرض، زادَ الضَّحّاك: إلَّا الفاكِهَة.
وروى ابن جَرِير من طريق إبراهيم التَّيْمي: أنَّ أبا بكر الصِّدّيق سُئِلَ عن الأبِّ،
فقال: أيُّ سماءٍ تُظِلّني، وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا قلتُ في كتاب الله بغير علم؟! وهذا
مُنْقَطِع (٢)، وعن عمر (٥٩/٣٠) أنَّه قال: عَرَفنا الفاكِهَةَ فما الأَبُّ؟ ثمّ قال: إنَّ هذا لهو
التكلَّف. فهو صحيح عنه، أخرجه عبد بن محُيدٍ من طرق صحيحة عن أنس عن عمر،
وسيأتي بيان ذلك في كتاب الاعتصام (٧٢٩٣) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((والأنام: الخلق)) هو تفسير ابن عبّاس أيضاً، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عليّ
ابن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: ﴿وَاُلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الزَّحمن: ١٠] قال: للخَلْقِ،
والمراد بالخلقِ المخلوق، ومِن طريق سماك عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: الأنام: الناس،
وهذا أخصُّ من الذي قبله. ومِن طريق الحسن قال: الجِنّ والإنس. وعن الشَّعْبي قال: هو
کلُّ ذي رُوح.
قوله: ((بَرْزَخ: حاجب)) في رواية المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ: حاجز بالزّائِ، وهذا تفسير
ابن عبّاس أيضاً، وَصَلَه ابن أبي حاتم من الوجه المذكور أولاً.
(١) ووَصَلَه الطبري أيضاً في («تفسيره)) ٣٠/ ٦٠، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢١٧٤) من طريق سعيد بن
جبير، عن ابن عباس.
(٢) لم نقف على هذا الأثر عن أبي بكر عند ابن جرير، ولم ينسبه إليه السيوطي في ((الدر المنثور))، وإنما نسبه لأبي
عبيد في ((فضائل القرآن)) ولعبد بن حميد. وهو عند أبي عُبيد ص ٣٧٥. لكن أخرج الطبري منه قول أبي
بكر دون ذكر الأبّ ١/ ٣٥ من طريقين عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبرة عن أبي بكر، وهو منقطع أيضاً.

٥٤٩
باب ٤
كتاب بدء الخلق
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿أَلْفَافًا﴾ مُلتَفَّة، والغُلْب: الملتَفَّة)) وَصَلَهما عبد بن حُميدٍ من طريق
ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: ﴿وَجَتَّتٍ أَلْفَافًا﴾ قال: مُلتَفَّة، ومِن طريقه قال: ﴿ وَحَدَابِقَ غُلَ﴾
[عبس: ٣٠] أي: مُلتَفَّة، وروى ابن أبي حاتم من طريق عاصم بن كُلَيب عن أبيه عن ابن عبّاس:
الحدائق: ما التَّقَّتْ، والغُلْب: ما غَلُظَ. ومِن طريق عِكْرمة عنه: الغُلْب: شجر بالجبل(١) لا
يَحْمِل يُستَظَلّ به. ومِن طريق ابن أبي طلحة عنه قال: ﴿وَجَنَّتٍ أَلْغَافًا﴾ أي: مُجْتَمِعة.
وقال أهل اللُّغة: الألفاف جمع لِفِّ أو لَفيف. وعن الكِسائي: هو جمع الجمع. وقال
الطََّري: اللفّاء: هي الغليظة(٢)، وليس الالتفاف من الغِلَظ في شيء إلّا أن يُرادَ أنَّه غَلُظَ
بالالتفاف.
قوله: ((﴿فِرَشًا﴾: مِهاداً كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْنَقَرٌّ﴾)) هو قول قَتَادة والرَّبيع بن
أنس، وَصَلَه الطََّري (١٦٢/١) عنهما، ومِن طريق السُّدّي بأسانيدِهِ: ﴿فِرَشًا﴾: هي
فِراش يُمشَى عليها، وهي المِهاد والقَرار.
قوله: ﴿نَكِدًا﴾: قليلاً)) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٦٢٠) من طريق السُّدّي قال: ﴿لَا
يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] قال: النَّكِد: الشيءُ القليلُ الذي لا يَنفَع، و(٨٦١٩) مِن
طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: هذا مَثَل ضُرِبَ للكافر كالبلدِ السَّبِخة المالحة
التي لا تَخْرُج منها البَرَكة.
٤- باب صفةٍ ﴿الشَمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ [الرحمن:٥]
قال مجاهدٌ: كحُسْبانِ الرَّحَى. وقال غیرُه: بحِسابٍ ومنازلَ لا يَعْدُوانِها، حُسْبانٌ: جماعةٌ
الحساب، مِثلُ شِهابٍ وشُهْبانٍ.
(١) كذا في (أ) و(س): بالجبل، وسقطت العبارة برمتها من (ع)، والذي في ((تفسير الطبري)) ٥٨/٣٠ من
هذا الطريق أيضاً: في الجنة، وهو الذي في ((الدر المنثور)) للسيوطي نقلاً عن عبد بن حميد وابن المنذر!
(٢) اختلفت الأصول في ضبط نص الطبري، فالذي في (أ): اللفاء، جمع لفيفة، وهي الغليظة، والذي في (ع):
اللف جمع لفيف وهي الغليظة، وفي (س): اللفاف جمع لفيفة وهي الغليظة، والمثبت من النسخ المحققة
من ((تفسير الطبري)). والظاهر أن ما عدا ذلك مما جاء في الأصلين و(س) مقحم، والله أعلم.

٥٥٠
باب ٤
فتح الباري بشرح البخاري
ضُحَاها: ضَوْؤُها. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]: لا يَسْتُرُ ضَوْءُ أحدِهما ضَوْءَ الآخَرِ، ولا
ينبغي لهما ذلك، ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾: يَتَطَالَبَانِ حَدِيقَيْن، ﴿نَسْلَمُ﴾ [يس: ٣٧]: نُخرِجُ أحدَهما من
الآخَرِ، ونُجْري كلَّ واحدٍ منهما. ﴿وَهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] وَهْيُها: تَشَقَّقُها، ﴿أَرْجَبِهَا﴾: ما لم
يَنْشَقَّ منها فَهُمْ على حافَتَيْها، كقولكَ: على أرجاءِ البِثْرِ. ﴿ وَأَغْطَشَ﴾ [النازعات: ٢٩] و﴿جَنَّ﴾
[الأنعام: ٧٦]: أَظْلَمَ. وقال الحسنُ: ﴿كُوَّرَتْ﴾ [التكوير: ١]: تُكَوَّرُ حتَّى يذهبَ ضَوْؤُها.
﴿ وَأَلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧] أي: ◌َعَ من دابّةٍ، ﴿اَتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٨]: استَوَى.
﴿بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦]: منازلَ الشمسِ والقمر. فالحَرُورُ: بالنَّهار مع الشمس، وقال ابنُ
عبَّاسٍ ورُؤْبةُ: الحَرُورُ باللَّيلِ، والسَّمُومُ بالنَّهار.
يقالُ: ﴿يُولِجُ﴾ [الحج: ٦١]: يُكَوِّر، ﴿وَلِيجَةٌ﴾ [التوبة: ١٦]: كلَّ شيءٍ أدخَلْتَه في شيءٍ.
قوله: ((باب صِفَة ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾)» أي: تفسير ذلك.
٢٩٨/٦
وقوله: ((قال مجاهد: كحُسْبانِ الرَّحِى)) وَصَلَه الفِرْيابي في ((تفسيره)) من طريق ابن أبي
نَجِيح عن مجاهد، ومُراده أنَّهما يجريانٍ على حَسَب الحركة الرَّحَوية الدَّورية وعلى وضعها.
وقوله: ((وقال غيره: بحِسابٍ ومنازلَ لا يَعدُوانِها)) ووقع في نسخة الصَّغاني: هو ابن
عبّاس، وقد وَصَلَه عبد بن مُميدٍ من طريق أبي مالك - وهو الغفاريّ -مثله، وروى الحربيّ
والطََّري (١١٥/٢٧) عن ابن عبّاس نحوه بإسنادٍ صحيحٍ، وبه جَزَمَ الفَرّاء.
قوله: ((حُسْبان: جماعة الحِساب)) يعني: أنَّ حُسبان جمعُ حِساب(١) كشُهْبان جمع شِهاب،
وهذا قول أبي عُبيدة في ((المجاز))، وقال الإسماعيلي: مَن جَعَلَه من الحِساب احتَمَلَ الجمعَ
واحتَمَلَ المصدر، تقول: حَسَبتُ حُسباناً، ثمَّ هو من الحِساب بالفتح، ومِن الظَّنّ بالكسر؛
أي: في الماضي.
قوله: ((ضُحاها: ضَوْؤُها)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال:
(١) في (س): جماعة الحساب.

٥٥١
باب ٤
كتاب بدء الخلق
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنِهَا﴾ قال: ضَوؤُها. قال الإسماعيلي: يريد أنَّ الضُّحى يقع في صَدْر النّهار وعنده
تَشتَدّ إضاءَة الشمس، وروى ابن أبي حاتم من طريق قتادة والضحاك قال: ضُحاها: النهار.
قوله: ((﴿أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾: لا يَستُرْ ضَوءُ أحدهما ضَوءَ الآخر.)) إلى آخره، وَصَلَه الفِرْيابي
في «تفسیرہ)) من طريق ابن أبي نچیح عن مجاهد بتمامه.
قوله: (﴿نَسْلَخُ﴾: نُخرِج ... )) إلى آخره، وَصَلَه الفِرْيابي من طريقه أيضاً، بلفظ: يَخْرُج
أحدُهما من الآخر، ويجري كلٌّ منهما في فَلَكِ.
قوله: ((﴿وَهِيَةٌ﴾: وَهْيُها تَشَقُّقها)) هو قول الفَرّاء، وروى الطَّبَري (٥٧/٢٩) عن ابن
عبَّاس في قوله: ﴿وَاهِيَةٌ﴾، قال: مُتَمَزِّقة ضعيفة.
قوله: ﴿أَرْجَبِهَا﴾: ما لم يَنْشَقَّ منها فَهُم على حافَتَيها)) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَكُ عَلَى
أَرْجَابِهَا﴾ [الحاقة: ١٧]، ووقع في رواية الكُشْمِيهنيّ(١): فهو على حافتيها(٢)، وكأنّه أُفرد باعتبار
لفظ الملَك، وجُمعَ باعتبار الجِنس، وروى عبد بن حُميدٍ من طريق قَتَادة في قوله: ﴿ وَالْمَلَكُ عَلَى
أَرْجَآئِهَا﴾ أي: على حافَات السَّماء، وروى الطَّبَري (٥٨/٢٩) عن سعيد بن المسيّب مِثله،
وعن سعيد ابن جُبَيرِ(٣): على حافات الدُّنيا، وصوَّبَ الأوَّلَ، وأخرج (٢٩/ ٥٧) عن ابن
عبَّاس قال: والمَلَكُ على حافَاتِ السَّماء حين تَشَقَّقُ، والأرجاء بالمدِّ: جمع رَجاً بالقَصْرِ،
والمراد النَّواحي.
(١) جاء في (أ): في رواية غير الكُشميهني. وكذلك جاء في ((عمدة القاري)) ١١٧/١٥، وما أثبتناه من (س)
هو الصواب، لموافقته ما جاء في اليونينية وشرح القسطلاني: بأن ذلك في رواية الكشميهني.
(٢) تحرفت في (س) إلى: حافتها.
(٣) كذا عزا الحافظُ رحمه الله هذا التفسير لسعيد بن جبير وليس هو في ((تفسير الطبري))، بل ولا في شيء من
التفاسير المسندة التي بأيدينا، ولم يذكره السيوطيُّ في ((الدر المنثور)). ولم نقف على ذلك من تفسير سعيد
ابن جبير إلا في التفاسير غير المسندة مثل ((النكت والعيون)) للماوردي، ((وزاد المسير)» لابن الجوزي،
وغيرهما، والذي وقفنا عليه عن ابن جبير أنه فسَّرها كتفسير قتادة وسعيد بن المسيب، وذلك عند الطبري
٥٨/٢٩ من طريقين عنه. ولم يذكر الطبري خلافاً في تفسير هذه الآية.

٥٥٢
باب ٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((﴿ وَأَغْطَشَ﴾ و﴿جَنَّ﴾: أَظْلَمَ)) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ وتفسير
قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ﴾، أي: أظلَمَ، في الموضعينِ، والأوَّل تفسير قَتَادة أخرجه عبد
بن حُميدٍ من طريقه، قال: قوله: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أي: أظلَمَ ليلَها، وقد تَوقَّف فيه
الإسماعيلي، فقال: معنى ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ جَعَلَه مُظلِماً، وأمَّا أغطَشَ غير مُتعدٍّ فإن ساغَ فَهُوَ
صحيح المعنى، ولكنَّ المعروف أظلَمَ الوقتُ: جاءت ظُلمَته، وأظلَمْنا: وقَعنا في ظُلمة.
قلت: لم يُرِد البخاري القاصرَ، لأنَّه في نفس الآية مُتعدٍّ، وإنَّما أراد تفسير قوله: ((أغطَشَ))
فقط. وأمّا الثَّاني فهو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اَلَيْلُ ﴾، أي:
غَطّى عليه وأظلَمَ.
قوله: ((وقال الحسن: ﴿كُوِّرَتْ﴾: تُكَوَّرُ حتَّى يذهب ضَوْؤُها)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من
طريق أبي رَجَاءٍ عنه، وكأنَّ هذا كان يقوله قبل أن يَسمَع حديث أبي سَلَمة عن أبي هريرة
الآتي ذِكْره في هذا الباب (٣٢٠٠)، وإلَّ فمعنى التَّكوير اللَّفّ، تقول: كَوَّرتُ العِمامة
تكويراً: إذا لَفَفتَها، والتَّكوير أيضاً الجمعُ، تقول: كَوَّرتُه: إذا جَمَعَتَه، وقد أخرج الطَّري
(٦٤/٣٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ يقول: أظلَمَت،
ومِن طريق الرَّبيع بن خُثَيم قال: ﴿ كُوَّرَتْ﴾ أي: رُمي بها، ومِن طريق أبي يحيى عن مجاهد
﴿كُوْرَتْ﴾ قال: اضمَحَلَّت. قال الطَّبَري: التَّكوير في الأصل الجمع، وعلى هذا فالمراد أنَّها
تُلَفّ ویُرمَی بها فيذهب ضَوؤُها.
قوله: ((﴿ وَأَلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾، أي: جَمَعَ من دابَّة)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريق مُبارَك
بن فَضَالة عن الحسن نحوه.
٢٩٩/٦
قوله: (﴿أَشََّقَ﴾: استوى))/ وَصَلَه عبد بن حُميدٍ أيضاً من طريق منصور عنه(١) في قوله:
﴿وَاَلْقَمَرِ إِذَا آتََّقَ﴾ قال: استوى.
قوله: (﴿بُرُوجًا﴾: منازل الشمس والقمر)) وَصَلَه ابن حُميدٍ، وروى الطََّري (٢٩/١٩)
(١) يعني عن الحسن البصري أيضاً.

٥٥٣
باب ٤ / ح ٣١٩٩ - ٣٢٠٤
كتاب بدء الخلق
من طريق مجاهد، قال: البُرُوجُ: الكَواكِب، ومِن طريق أبي صالح (٢٩/١٩)، قال: هي
النُّجُومِ الكِبار، وقيل: هي قُصورٌ في السَّماء، رواه عبد بن محُميدٍ من طريق يحيى بن رافع،
ومِن طريق قَتَادة، قال: هي قُصُور على أبواب السَّماء فيها الحَرَس.
وعند أهل الهيئة أنَّ البُرُوجَ غير المنازل، فالبُرُوجِ اثنا عشرَ، والمنازل ثمانية وعشرونَ،
وكُلّ بُرج عبارة عن منزلتَين وثلث منها.
قوله: ((فالحَرُور بالنَّهارِ مع الشمس)) وَصَلَه إبراهيم الحربي عن الأثرَم عن أبي عبيدة،
قال: الحَرُور بالنَّهار مع الشمس، وقال الفَرّاء: الحَرُور: الحرّ الدَّائم ليلاً كان أو نهاراً،
والسَّمُوم بالنَّهار خاصَّة.
قوله: ((وقال ابن عبّاس ورُؤْبة: الحَرُور باللَّيلِ والسَّمُوم بالنَّهار)) أمَّا قول ابن عبّاس فلم
أرَه موصولاً عنه بعدُ، وأمَّا قول رُؤْبة - وهو ابن العَجّاجِ التَّمِيميُّ الرّاجز المشهور - فذكره
أبو عُبيدة عنه في ((المجاز))، وقال السُّدّي: المراد بالظُّلِّ والحَرُور في الآية: الجنَّة والنار،
أخرجه ابن أبي حاتم عنه.
قوله: ((یقال: ﴿يُولِجُ﴾: يُكَوِّر)) كذا في رواية أبي ذرِّ، ورأيت في رواية ابن شبّویه یكوِّن
بنونٍ، وهو أشبه، وقال أبو عُبيدة: يُولِج، أي: يَنقُصُ من اللَّيل فيزيد في النَّهار، وكذلك
النَّهار، وروى عبد بن محُميدٍ من طريق مجاهد، قال: ما نَقَصَ من أحدهما دَخَلَ في الآخر
يَتَقاصّانِ ذلك في الساعات. ومِن طريق قَتَادة نحوه، قال: يُولِج ليل الصَّيف في نهاره،
أي: يُدخِل، ويُدخِل نهار الشِّتاء في ليله.
قوله: (﴿وَلِيجَةٌ﴾ كلّ شيءٍ أدخَلْتَه في شيء)) هو قول أبي عبيدة، قال: قوله: ﴿مِن دُنِ
اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾: كلَّ شيء أدخلتَه في شيءٍ ليس منه فهو وليجٌ،
والمعنى: لا تَتَّخِذوا أولياءَ ليسوا من المسلمين.
٣١٩٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن ٢٩٧/٦
أبيه، عن أبي ذرِّ ﴾، قال: قال النبيُّ وََّ لأبي ذرٍّ حين غَرَبَتِ الشمسُ: أتدري أينَ تذهبُ؟»

٥٥٤
باب ٤ / ح ٣١٩٩ -٣٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
قلتُ: الله ورسولُه أعلمُ، قال: ((فإنَّها تذهبُ حتَّى تَسجُدَ تحتَ العَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ فِيُؤْذَنُ لها،
ويُوشِكُ أن تَسجُدَ فلا يُقبَلَ منها، وتَسْتَأْذِنَ فلا يُؤْذَنَ لها، فيقَالُ لها: ارجِعِي من حيثُ جِئتِ،
فَتَطلُعُ من مَغْرِبِها، فذلك قوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ
اَلْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨])).
[أطرافه في: ٤٨٠٢، ٤٨٠٣، ٧٤٢٤، ٧٤٣٣]
٣٢٠٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختار، حدَّثنا عبدُ الله الدَّاناجُ، قال: حدَّثني
أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هريرةَ﴾، عن النبيِّ وَّهَ، قال: ((الشمسُ والقمرُ مُكوَّرانِ
يومَ القيامة)).
٣٢٠١- حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: أخبرني عَمْرٌو، أنَّ
عبد الرّحمن بنَ القاسِمِ حدَّثه، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّه كان يُخْبِرُ عن
النبيِّ وَ ﴿ قال: ((إنَّ الشمسَ والقمرَ لا يَخْسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، ولكنَّهما آیةٌ من آیاتِ الله،
فإذا رأیتُمُوه فصَلُّوا)).
٣٢٠٢- حدّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن زيد بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن
عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّ الشمس والقمر آيتانِ من آياتٍ
الله، لا يَخِسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ، فإذا رأيتُم ذلك فاذكُرُوا اللهَ)).
٣٢٠٣- حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّنا اللَّيِثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
عُرْوةُ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها أخبَرَتْه: أنَّ رسولَ اللهِ وَلهيومَ خَسَفَتِ الشمسُ قامَ فكبَّر وقراً
قراءةً طويلةً، ثمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طويلاً، ثمَّ رَفَعَ رأسَه، فقال: ((سمعَ الله لمن ◌َِدَه))، وقامَ كما هو
فقراً قراءةً طويلةً، وهي أدنَى من القراءةِ الأُولى، ثمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طويلاً، وهي أدنَى من الرَّكْعِةِ
الأُولى، ثمَّ سَجَدَ سجوداً طويلاً، ثمَّ فعلَ في الرَّكْعةِ الآخرةِ مِثْلَ ذلك، ثمَّ سَلَّمَ، وقد تَجَلَّتِ
الشمسُ، فخَطَبَ الناسَ فقال في كُسُوفِ الشمسِ والقمرِ: ((إنَّهما آيتانِ من آياتِ الله، لا يخِفانِ
لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ، فإذا رأيتُمُوهما فافزَعُوا إلى الصَّلاة)).

٥٥٥
باب ٤ / ح ٣١٩٩ -٣٢٠٤
كتاب بدء الخلق
٣٢٠٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، قال: حدَّثني قيسٌ، عن أبي
مسعودٍ ﴾، عن النبيِّ وَّه قال: ((الشمسُ والقمرُ لا يَنْكَسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحیاتِه، ولكنَّهما
آيتانِ من آياتِ الله، فإذا رأيتُمُوهما فصَلُّوا)).
ثم ذكر المصنف في الباب ستة أحاديث:
أولها: حديث حديث أبي ذرٍّ في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾،
وسيأتي شرحه مُستَوقَى في تفسير سورة يسَ (٤٨٠٢)، والغَرَض منه هنا بيان سَيْر الشمس
في كلّ يوم وليلة، وظاهره مُغاير لقول أهل الهيئة: إنَّ الشمس مُرصَّعة في الفَلَك، فإِنَّه
يقتضي أنَّ الذي يسير هو الفَلَك، وظاهر الحديث أنَّها هي التي تسير وتجري، ومِثله قوله
تعالى في الآية الأُخرى: ﴿كُلِّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، أي: يَدُورونَ.
قال ابن العربي: أنكَرَ قوم سجودها، وهو صحيح تُمكِنٌ، وتأوَّلَه قوم على ما هي عليه
من التَّسخير الدَّائم، ولا مانع أن تَّخْرُجَ عن ◌َجَراها فَتَسجُدَ ثمَّ تَرجِعَ. قلت: إن أراد
بالخروجِ الوقوفَ فواضح، وإلّا فلا دليل على الخروج، ويحتمل أن يكون المراد بالسُّجُودِ
سجودَ مَن هو مُوكَّل بها من الملائكة، أو تَسجُد بصورة الحال فيكون عبارة عن الزيادة في
الانقياد والخُضُوع في ذلك الحين.
ثانيها: حديث أبي هريرة.
قوله: ((عن عبد الله الدَّانَاج)) بِتخفيف النّون وآخره جيم، هو لَقَبُه، ومعناه: العالِم بلغة
الفُرس، وهو في الأصل: داناه، فعُرِّبَ، وعبد الله المذكور تابعيٌّ صغير، واسم أبيه فَيُرُوز،
وذكر البَزّار أنَّه لم يَروِ عن أبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن غيرَ هذا الحديث، ووقع في روايته
(٨٦٩٦) من طريق يونس بن محمَّد عن عبد العزيز بن المختار عنه: سمعت أبا سَلَمة يُحدِّث
في زمن خالد القَسْريّ في هذا المسجد، وجاء الحسن - أي: البصري - فجَلَسَ إليه، فقال أبو
سَلَمة: حدَّثنا أبو هريرة ... فذكره، ومِثله أخرجه الإسماعيلي، وقال: في مسجد البصرة، ولم

٥٥٦
باب ٤ / ح ٣١٩٩-٣٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
يقل: خالد القَسْري، وأخرجه الخطّابي(١) من طريق يونس، بهذا الإسناد، فقال: في زمن
خالد بن عبد الله بن أَسِيدٍ - أي: بفتح الهمزة - وهو أصحُ، فإنَّ خالداً هذا كان قد وَلِيَ
البصرة لعبد الملك قبل الحجّاج بخِلاف خالدٍ القَسْري.
قوله: ((مُكوَّران)) زادَ في رواية البَزّار ومَن ذُكِر معه: ((في النار))، فقال الحسن: وما
٣٠٠/٦ ذَنْبُهما؟ فقال أبو سَلَمة: / أُحَدِّثك عن رسول الله وَّه وتقول: وما ذَنْبُهما؟ قال البَزّار: لا
يُروى عن أبي هريرة إلَّا من هذا الوجه. انتهى، ووقع في رواية ابن أبي شَيْبةَ عن يونسَ
بسنده: إنّما أُحدِّثك عن رسول الله وَّ، فسكتَ الحَسَن(٢).
وأخرج أبو يعلى معناه من حديث أنس، وفيه: ((ليراهما مَن عَبَدَهما))(٣) كما قال تعالى:
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وأخرجه الطَّيالسي
(٢٢١٧) من هذا الوجه مختصراً. وأخرج ابن وَهْب(٤) في كتاب ((الأهوال)) عن عطاء بن
يَسار في قوله تعالى: ﴿ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾ [القيامة: ٩] قال: يُجمَعانِ يوم القيامة ثمَّ يُقْذَفانِ في
النار، ولابن أبي حاتم عن ابن عبّاس نحوه موقوفاً أيضاً.
قال الخطابي: ليس المراد بكَونِهما في النار تعذيبَهما بذلك، ولكنَّه تَبكيتُ لمن كان
يَعْبُدُهما في الدُّنيا ليعلَموا أنَّ عبادتهم لهما كانت باطلاً. وقيل: إنَّهما خُلِقا من النار فأُعيدا
فيها. وقال الإسماعيلي: لا يَلزَم من جَعلهما في النار تعذيبُهما، فإنَّ لله في النار ملائكةً
(١) في ((أعلام الحديث)) وهو شرحُه على البخاري ٢/ ١٤٧٥ - ١٤٧٦، لكن لم نقف في النسخة المطبوعة منه
على ما ذكره الحافظ من أن خالداً هو ابن عبد الله بن أَسِيد، لا خالد القسْريُّ، وقد وقع ذلك عند
الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (١٨٣).
(٢) من قوله: ((ووقع في رواية ابن أبي شَيْبة)) إلى هنا، سقط من (س). وقد وقع ذلك أيضاً في رواية الطحاوي.
(٣) أخرجه أبو يعلى في (مسنده)) رواية ابن حمدان (٤١١٦)، ولفظه: ((الشمس والقمر ثوران عقيران في
النار))، والزيادة المذكورة ليست في هذه الرواية، وليست أيضاً في ((مسنده الكبير)) الذي برواية ابن
المقرىء إذ لم يرد ذكرها في روايته التي ذكرها الحافظ في ((المطالب العالية)) (٤٥٥٣)، ولم يُشر الحافظ
هناك إلى أي زيادةً عند من خرّج الحدیث غيره.
(٤) ومن طريقه الطبري في «تفسيره)) ٢٩/ ١٨٠.

٥٥٧
باب ٥
كتاب بدء الخلق
وحِجارةً وغيرها، لتكونَ لأهل النار عذاباً وآلة من آلات العذاب وما شاءَ الله من ذلك،
فلا تكون هي مُعذَّبةً.
وقال أبو موسى المديني في ((غريب الحديث)): لمّا وُصِفا بأنَّهما يَسبَحانِ في قوله: ﴿كُلّ
فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وأنَّ كلّ مَن عُبِدَ من دون الله إلَّا مَن سَبَقَت له الحُسنى يكون في النار
وكانا في النار، يُعذَّب بهما أهلُها بحيثُ لا يَبرَحانِ منها، فصارا كأنَّهما زَمِنان عقیران.
ثالثها: بقية الأحاديث عن عبد الله بن عمر ومَن بعده في ذكر الكسوف، وقد تقدمت
كلُّها مشروحةً في كتاب الكسوف(١).
وقوله في الحديث الأخير: ((عن أبي مسعود)) كذا في الأُصول بأداة الكُنْية، وهو أبو مسعود
البَدْري، ووقع في بعض النُّسَخ: عن ابن مسعود، بالموخَّدة والنّون، وهو تصحيف.
٥- باب ما جاء في قوله: ((وهوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ نُشُرَاً بينَ يَدَيْ رَحِمْتِه)(٢)
﴿ قَاصِفًا﴾ [الإسراء: ٢٩]: تَقْصِفُ كلَّ شيءٍ.
﴿لَوَقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]: مَلَاقِحَ مُلْقِحةً.
﴿ إِعْصَارٌ ﴾ [البقرة: ٢٦٦]: رِيحٌ عاصفٌ تَهُبُّ من الأرضِ إلى السَّماءِ کعَمُودٍ فیه نارٌ.
﴿صِرُّ﴾ [آل عمران:١٧٧]: بَرْدٌ.
نُشُراً: مُتَفرِّقةً.
قوله: ((باب ما جاء في قوله تعالى: وهو الذي أرسَلَ الرّياحَ نُثُراً بين يَدَي رحمتِه)) نُشُراً،
بضمِّ النّون والمعجمة، وسيأتي تفسيره في الباب.
(١) حديث عبد الله بن عمر سلف برقم (١٠٤٢)، وحديث عبد الله بن عباس سلف برقم (١٠٥٢)،
وحديث عائشة سلف برقم (١٠٤٤)، وحديث ابن مسعود سلف برقم (١٠٤١).
(٢) كذلك قرأها أبو عمرو وابن كثير ونافع: ((نُشُراً)) بضم النون والشين، وكذلك قرأها ابن عامر لكنه
أسكن الشين، وقرأها حمزة والكسائي وخلف والمفضّل عن عاصم: بفتح النون وسكون الشين، وقرأها
عاصم في غير رواية المفضّل عنه: بالباء المضمومة وسكون الشين. انظر ((زاد المسير)) عند تفسير الآية
(٥٧) من سورة الأعراف.

٥٥٨
باب ٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (﴿قَاصِفًا﴾: تَقْصِف كلّ شيء)) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَيُرُسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ
اُلْرِّيجِ﴾، قال أبو عُبيدة: هي التي تَقصِف كلَّ شيء، أي: تَحطِمُ، وروى الطََّري (١٢٥/١٥)
من طريق ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبّاس: القاصف التي تُغْرِق(١). هكذا ذكره مُنقَطِعاً.
قوله: (﴿لَوَقِحَ﴾: مَلاقحَ مُلِحةً)) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا اُلْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾،/
٣٠١/٦
وأنَّ أصل لَواقِحَ مَلاقحُ، وواحدها: مُلقِحة، وهو قول أبي عبيدة وِفاقاً لابن أبي إسحاق،
وأنكَرَه غير هما، قالوا: لواقح جمع لاقحةٍ ولاقحٍ.
وقال الفَرّاء: فإن قيل: الرّيح مُلقِحة، لأنَّها تُلقِح الشَّجَر، فكيف قيل لها: لَواقِح؟
فالجواب علی وجھین:
أحدهما: أن تُجُعَل الرّيح هي التي تُلقِح بمرُورها على التُراب والماء، فيكون فيها اللِّقاح،
فيقال: ريح لاقحٌ، كما يقال: ماءً لاقح، ويُؤيِّده وصف ريح العذاب بأنَّهَا عَقیم.
ثانيهما: أنَّ وصفها باللَّفْحِ لكَونِ اللَّفْح يقع فيها كما تقول: ليلٌ نائم.
وقال الطَّبَري: الصواب أنَّها لاقحة من وجه، مُلْقِحة من وجهٍ، لأنَّ لَقْحها حَملُها الماءَ،
وإلقاحها عملُها في السَّحاب. ثمَّ أخرج (١٤ / ٢٠) من طريقٍ قويٌّ عن ابن مسعود قال:
يُرسِل الله الرّياحِ فَتَحمِل الماء فتُلقِحِ السَّحاب، وتَمُرّ به فَيَدِرُّ كما تَدِرُّ اللَّفْحَةُ، ثمَّ تُطِرٍ.
وقال الأزهَرِي: جَعَلَ الرّيح لاقحاً لأنَّها تُقِلّ السَّحابَ وتَصِرِفه، ثمَّ تَمُرّ به فتَستَدِرُّه،
والعرب تقول للرّيح الجَنُوب: لاقح وحامل، وللشَّمال: حائل وعَقيم.
قوله: ((﴿إِعْصَارٌ﴾: ربح عاصف تَهُبّ من الأرض إلى السّماء كعَمُود فیه نار) يريد تفسیر
قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَآَ إِعْصَارٌ﴾ وهو تفسير أبي عبيدة بلفظه، وروى الطَّبري (٧٥/٣) عن
السُّدّي، قال: الإعصار: الرِّيح، والنار السَّمُوم، وعن الضَّحّاك قال: الإعصار ريحٌ فيها بَردٌ
شديد. والأوَّل أظهَر لقوله تعالى: ﴿فِيهِ نَارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦].
(١) في (س) تفرّق. من التفريق.

٥٥٩
باب ٥ / ح ٣٢٠٥-٣٢٠٦
كتاب بدء الخلق
قوله: ﴿صِرُّ﴾: بَرْد) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿رِيج فِيهَا صِرُّ﴾ قال أبو عبيدة: الصِّ شِدَّة
البَرْد. وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق مَعمَر، قال: كان الحسن يقول: ﴿فَأَصَابَهَآ
إِعْصَارٌ﴾ يقول: صِرٍّ: بَرْدٌ. كذا قال.
قوله: ((نُشُرَأَ: مُتَفرِّقة)) هو مُقتَضى كلام أبي عُبيدة، فإنَّه قال: قوله: (نُشُرا))، أي: من كلّ
مَهَبّ وجانب وناحية.
٣٢٠٥ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما،
عن النبيِّ بَّه قال: ((نُصِرتُ بالصَّبَا، وأُهْلِكَت عادٌ بالذَّبُورِ)).
٣٢٠٦- حدَّثْنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ جُرَيج، عن عطاءٍ، عن عائشةَ رضي الله
عنها، قالت: كان النبيُّ ◌َ ﴿ إذا رأى نَخِيلةً في السَّماءِ أقبَلَ وأدبَرَ ودخلَ وخَرَجَ وتغيَّر وجهُه،
فإذا أمطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عنه، فعَرَّفَتْه عائشةُ ذلك، فقال النبيُّ نَِّ: ((وما أَدري لعلَّه كما قالَ
قومٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ﴾ الآيةَ [الأحقاف: ٢٤]).
[طرفه في: ٤٨٢٩]
ثمَّ ذکر المصنّف في الباب حدیثین:
أحدهما: حديث ابن عباس.
قوله: ((عن الحكم)) هو ابن عُتَيبة، بالمثنَّة والموحّدة، مُصغَّر.
قوله: ((نُصِرْت بالصَّبَا)) بفتح المهمَلة وتخفيف الموحَّدة، مقصور: هي الرِّيح الشَّرقية،
والدَّبُور بفتح أوَّله وتخفيف الموخَّدة المضمومة، مُقابِلُها، يشير وَّه إلى قوله تعالى في قصَّة
الأحزاب: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيْحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، وروى الشّافعي (١/ ٢٩١)
بإسنادٍ فيه انقطاع: أنَّ النبي ◌َّه قال: «نُصِرِتُ بالصَّبا، وكانت عذاباً على مَن كان قبلنا».
وقيل: إنَّ الصَّبا هي التي ◌َلَت ريح قميص يوسف إلى يعقوب قبل أن يَصِل إليه.
قال ابن بَطَّال: في هذا الحديث تفضيل بعض المخلوقات على بعضٍ. وفيه إخبار المرء

٥٦٠
باب ٥ / ح ٣٢٠٥ -٣٢٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
عن نفسه بما فضَّلَه الله به على سبيل التحدُّث بالنِّعمة لا على الفَخر. وفيه الإخبار عن
الأُمَم الماضية وإهلاكها.
ثانيهما: حديثُ عائشة، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الاستسقاء (١٠٣٢).
وقوله فيه: ((مَخِيلة)) بفتح الميم وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة: هي السَّحابة التي
يُخَالُ فيها المطر.
قوله: «فإذا أمطَرَتِ السَّماءُ سُرّي عنه)» فيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّه لا يقال: أمطَرَت، إلَّا في
العذاب، وأمَّا الرَّحمة فيقال: مَطَرَت.
و قوله: «سُرّي عنه)) بضمِّ المهملة وتشدید الرّاء بلفظ المجهول، أي: گُشِفَ عنه.
وفي الحديث تَذَكُّر ما يَذْهَل المرءُ عنه ممَّا وقع للأُمَم الخالية، والتَّحذير من السَّير في
سبيلهم خَشْيةً من وقوع مثل ما أصابهم. وفيه شَفَقَتُه وَ ◌َّ على أمَّته ورأْفَتُه بهم كما وصَفَه
الله تعالى.
قال ابن العربي: فإن قيل: كيف يَخْشى النبيُّ ◌َ ◌ّهِ أن يُعذّب القومُ وهو فيهم، مع قوله
تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]؟! والجواب أنَّ الآية نزلت
بعد هذه القصّة، ويَتَعيَّن الْحَمْل على ذلك، لأنَّ الآية دَلَّت على كَرامةٍ له ◌ََّ ورِفعَةٍ، فلا
يُتَخَيَّل انحطاطُ دَرَجَته أصلاً.
قلت: ويُعكِّر عليه أنَّ آية الأنفال كانت في المشركينَ من أهل بدرٍ، وفي حديث عائشة
إشعارٌ بأنَّه كان يُواظِب على ذلك من صَنيعه: كان إذا رأى فعلَ كذا. والأَولى في الجواب
أن يقال: إنَّ في آية الأنفال احتمالَ التَّخصيص بالمذكورِينَ، أو بوقتٍ دون وقت، أو مقام
الخوف يقتضي غَلَبَةَ عَدَم الأمن من مكر الله. وأولى من الجميع أن يقال: خَشِيَ على مَن
ليس هو فيهم أن يقع بهم العذاب، أمَّ المؤمن فشفقةً عليه لإيمانِهِ، وأمَّا الكافر فلِرَ جَاءِ
إسلامه، وهو بُعِثَ رحمةً للعالمينَ.