النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ باب ٦ / ح ٣١٦٧-٣١٦٨ كتاب الجزية بعد فتح خيبر كما سيأتي بيان ذلك كلّه في المغازي (٤٢٣٤)، وقد أقرَّ النبي ◌َّ يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض كما تقدَّم (٢٣٣٨)، واستَمَرُّوا إلى أن أجلاهم عمر، ويحتمل والله أعلم أن يكون النبي وَّرِ بعد أن فتَحَ ما بقي من خيبر هَمَّ بإجلاءِ مَن بقي ثمّن صالح من اليهود، ثمّ سألُوه أن يُبقيَهم ليعملوا في الأرض فبقّاهم، أو كان قد بقي بالمدينة من اليهود المذكورينَ طائفةٌ اسْتَمَرّوا فيها، مُعتَمِدينَ على الرِّضا بإبقائهم للعمل في أرض خیبر، ثمَّ مَنَعَهم النبي وَلَّ من سُكْنى المدينة أصلاً، والله أعلم، بل سياق كلام القُرْطُبي في ((شرح مسلم)) يقتضي أنَّه فَهِمَ أنَّ المراد بذلك بنو النَّضير، ولكن لا يَصِحُّ ذلك لتقدُّمِه على مجيء أبي هريرة، وأبو هريرة يقول في هذا الحديث: إنَّه كان مع النبي ◌ِّ. و(بيت المِدْراس)) بكسر أوَّله: هو البيت الذي يُدرَس فيه كتابُهم، أو المراد بالمِدراس العالِم الذي يُدرِّس كتابهم، والأوَّل أرجَحُ، لأنَّ في الرِّواية الأُخرى: حتَّى أتى المدراس. وقوله: ((أسلِمُوا تَسْلَموا)) من الجِناس الحسن، لسُهُولة لفظه وعَدَم تكلُّفه، وقد تقدَّم نَظِيرُه في كتاب هِرَقل (٧): ((أسلِمْ تَسلَمْ)). وقوله: ((اعلَموا)) جُملة مُستأنَفة، كأنَّهم قالوا في جواب قوله: (أسلِموا تَسلَموا)): لمَ قلتَ هذا وكَرَّرتَه؟ فقال: اعلَموا أنّ أُريدُ أن أُجلِيَكم، فإن أسلمتُم سَلِمتُم من ذلك وممّاً هو أشُّ منه. وقولهم: ((قد بَلَّغْت))(١) كلمة مَكْرٍ ومُداجاة ليدافعُوه بما يُوهِمِه ظاهرُها، ولذلك قال وَلّ: ((ذلك أُريد)) أي: التَّبليغ. قوله: ((فَمَن يَجِد منكم بماله)) من الوِجْدان، أي: يَجِد مُشتَرياً، أو من الوَجْد، أي: المحبَّة، أي: يُحِبّه، والغَرَض أنَّ منهم مَن يَشُقّ عليه فِراق شيء من ماله ممَّا يَعسُر تحويله، فقد أذِنَ له في بیعه. (١) هذا الحرف من الحديث لم يرد في هذا الطريق، وإنما هو في الطريقين الآتيين برقم (٦٩٤٤) و(٧٣٤٨). ٥٠٢ باب ٧ / ح ٣١٦٩ فتح الباري بشرح البخاري ثانيهما: حديث ابن عبّاس فيما قال النبي وَّهِ عند وفاته، والغَرَض منه قوله: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب))، ووقع في رواية الجُرْجاني: ((أخرِجوا اليهود)»، والأوَّل أثبت. قوله: ((حدَّثنا محمَّد، حدَّثنا ابن عُبَينَ)) محمّد هذا: هو ابن سَلَام، وقد تقدَّم في كتاب الوضوء (٢٤٣) في حديث آخر: حدَّثنا محمَّد بن سَلَامِ حدَّثنا ابن عُيَينةَ، وسيأتي الكلام على شرح المتن في الوفاة آخرَ المغازي (٤٤٣١) إن شاء الله تعالى. ٢٧٢/٦ قال الطَّبَري: فيه أنَّ على الإمام إخراجَ كلِّ مَن دانَ بغير دين الإسلام من كلّ بلد غَلَبَ عليها المسلمون عَنْوةً إذا لم يكن بالمسلمين ضَرُورة إليهم، كَعمل الأرض ونحو ذلك، وعلى ذلك أقرَّ عمر مَن أقرَّ بالسَّواد والشّام(١)، وزَعَمَ أنَّ ذلك لا يَخْتَصُّ بجزيرة العرب، بل يَلتَحِق بها ما كان على حكمها. ٧- بابٌ إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يُعفَى عنهم؟ ٣١٦٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، قال: حدَّثني سعيدٌ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: لمَّا فُتِحَتِ خَيْبرُ أُهْدِيَت للنبيِّوََّ شاةٌ فيها سُمٌّ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((اجَمَعُوا لِي مَن كان هاهُنا من يهودَا فجُمِعوا له، فقال: ((إنّي سائلُكم عن شيءٍ، فهل أنتم صادقِيَّ عنه؟)) فقالوا: نعم، فقال لهم النبيُّ وَّةِ: ((مَن أبوكم؟)) قالوا: فلانٌ، قال: ((كَذَبتُم، بل أبوكم فلانٌ» قالوا: صَدَقْتَ، قال: ((فهل أنتم صادقِيَّ عن شيءٍ إن سألتُ عنه؟)) فقالوا: نعم يا أبا القاسِمِ، وإن كَذَبْنا عَرَفْتَ كَذِبَنا كما عَرَفْتَه في أبِينا، فقال لهم: ((مَن أهلُ النار؟)) قالوا: نكونُ فيها يَسِيراً، ثمَّ تَخْلُفُونَنَا فيها، فقال النبيُّ ◌َّ: ((اخسَؤُوا فيها، والله لا نخلُفُكم فيها أبداً) ثمَّ قال: ((هل أنتم صادقيَّ عن شيءٍ إن سألتُكم عنه؟)) قالوا: نعم يا أبا القاسِمِ، قال: ((هل جَعَلْتُم في هذه الشّاةِ سًُّ؟)) قالوا: نعم، قال: ((ما حَمَلَكم على ذلك؟)) قالوا: أرَدْنا إن كنتَ كاذباً نَسْتَرِيحُ، وإن كنتَ نبيّاً لم يَضُرَّكَ. [طرفاه في: ٤٢٤٩، ٥٢٧٧] (١) انظر قوله في ذلك فيما سلف برقم (٢٣٣٤). ٥٠٣ باب ٨-٩ / ح ٣١٧٠ -٣١٧١ كتاب الجزية قوله: ((باب إذا غَدَرَ المشركونَ بالمسلمين هل يُعْفى عنهم؟)» ذکر فیه حديث أبي هريرة في قصَّة اليهود في سمِّ الشّاة بعد فتح خيبر، وسيأتي الكلام عليه مُستَوفّى في المغازي (٤٢٤٩)، ولم يَجِزِم البخاري بالحُكم إشارة إلى ما وقع من الاختلاف في مُعاقَبة المرأة التي أهدَت السُّمَّ، وسيأتي بسطه هناك إن شاء الله تعالى. ٨- باب دعاء الإمام على مَن نَكَث عهداً ٣١٧٠- حدَّثنا أبو التُّعْمَان، حدَّثْنا ثابتُ بنُ يزيدَ، حدَّثنا عاصمٌ، قال: سألتُ أنساً ﴾ عن القُنُوتِ، قال: قبلَ الرُّكُوعِ، فقلتُ: إنَّ فلاناً يَزْعُمُ أنَّكَ قلتَ: بعدَ الرُّكُوعِ، فقال: كَذَبَ، ثمَّ حَدَّثَ عن النبيِّ وَِّ أَنَّ قَنَتَ شَهْراً بعدَ الُّكُوعِ يَدْعُو على أحياءٍ من بني سُلَيم، قال: بَعَثَ أربعينَ أو سبعينَ - يَشُكُّ فيه - من القُرَّاءِ إلى أُناسٍ من المشركينَ، فعَرَضَ لهم هؤُلاءِ فقَتَلُوهم، وكان بينهم وبينَ النبيِّ وَّهِعَهْدٌ، فما رأيتُهُ وَجَدَ على أحدٍ ما وَجَدَ عليهم. قوله: ((باب دعاء الإمام على مَن نَكَثَ عَهْداً)) ذكر فيه حديث أنس في القُنُوت. وقد سبق شرحه مُستَوفَّى في كتاب الوِتر (١٠٠١). وقوله: ((حدّثنا ثابت بن یزید)) أوَّله تحتانية، ووهِمَ مَن قال فيه: زید، بغیر یاء، وعاصم ٢٧٣/٦ شيخه: هو الأحوَل، والإسناد كلُّه بصرُّون. ٩ - باب أمان النِّساء وجِوارهنّ ٣١٧١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبَيَدِ الله، أنَّ أبا مُرّةَ مولى أُمّ هانئ ابنةِ أبي طالبٍ أنه أخبَرَه، أنَّه سمعَ أُمَّ هانئ بنتَ أبي طالبٍ تقولُ: ذهبتُ إلى رسولِ الله وََّ عامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُه يَغْتَسِلُ وفاطمةُ ابنتُهُ تَستُرُه، فسَلَّمْتُ عليه، فقال: ((مَن هذه؟)) فقلتُ: أنا أُمُّ هاني بنتُ أبي طالبٍ، فقال: ((مَرْحباً بأُمِّ هاني))، فلمَّا فَرَغَ من غُسْلِهِ قامَ فصَلَّى ثمانيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفاً في ثوبٍ واحدٍ، فقلتُ: يا رسولَ الله، زَعَمَ ابنُ أُمّي عليّ أنَّه قاتلٌ رجلاً قد أجَرْتُه: فلانَ بنَ هُبَيرةَ. فقال رسولُ الله ◌ِ: «قد أجَرْنا مَن أجَرْتِ يا أُمَّ هاني»، قالت ◌ُ هاني: وذلك ضُخّی. ٥٠٤ باب ١٠ / ح ٣١٧٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب أمان النِّساء وجِوارِهنَّ)) الجِوار - بكسر الجيم وضمّها -: المجاورة، والمراد به هنا الإجارة، تقول: جاوَرتُه ◌ُجاوِرُه ◌ُجَاوَرةً وجِواراً، وأجَرتُه أُجيرُه إجارةً وجِواراً. ذكر فيه حديث أُمّ هانئ، وقد تقدَّم في أوائل الصلاة (٣٥٧) ما يتعلَّق بالمراد بفلان ابن هُبَيرة وغير ذلك من فوائده. ووقع هنا للداوودي الشّارح وهمٌّ، فإنَّه قال: قوله: عام الحديبية، وهمٌ من عبد الله بن يوسف، والذي قاله غيره: يوم الفتح، وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّ الرِّوايات كلّها على خلاف ما قال الدَّاوودي، وليس فيها إلَّا يوم الفتح على الصواب. قال ابن المنذر: أجمعَ أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلَّا شيئاً ذكره عبد الملك - يعني: ابن الماحِشُون صاحب مالك - لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إنَّ أمر الأمان إلى الإمام، وتأوَّلَ ما وَرَدَ ممّا يخالف ذلك على قَضايا خاصَّة، قال ابن المنذر: وفي قول النبي ◌َّ. ((يَسعى بذِمَّتِهم أدناهم))(١) دلالة على إغفال هذا القائل. انتهى، وجاء عن سحنون مِثل قول ابن الماحِشُون، فقال: هو إلى الإمام، إن أجازَه جازَ، وإن رَدَّهُدَّ. ١٠ - باب ذمّة المسلمين وجوارهم واحدةٌ يسعى بها أَدناهم ٣١٧٢- حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا وكيعٌ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ الَّيْميِّ، عن أبيه، قال: خَطَبَنا عليٌّ فقال: ما عندنا كتابٌ نَقْرَؤُه إلَّا كتابَ الله وما في هذه الصَّحِيفةِ، فقال: فيها الجِراحاتُ وأسنانُ الإبلِ، والمدينةُ حَرَمٌ ما بين عَيرٍ إلى كذا، فمَن أحدَثَ فيها حَدَثاً أو آوى فيها مُحدِثاً فعليه لَعْنَةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، ومَن تَوَلَّى غيرَ مَوالِيهِ فعليه مِثلُ ذلك، وذِمّةُ المسلمينَ واحدةٌ، فمَن أخفَرَ مسلماً فعليه مِثلُ ذلك. قوله: ((باب ذِمَّة المسلمین وجِوارُهم واحدة یَسْعی بذِمَّتهم أدناهم» ذکر فیه حدیث عليّ في الصَّحيفة، ومحمّد شيخه: هو ابن سلام، نَسَبَه ابن السَّكَن، والغَرَض منه قوله فيه: ٢٧٤/٦ (١) سيأتي قريباً برقم (٣١٧٩). ٥٠٥ باب ١١ كتاب الجزية ((وذِمَّة المسلمين واحدة، فمَن أخفرَ مسلماً فعليه مِثلُ ذلك)) أي: مِثْلُ ما ذُكِرَ من الوعيد في حقّ مَن أحدَثَ في المدينة حَدَثاً، وهو ظاهر فيما يتعلَّق بصَدْرِ التَّرجمة. وأمَّا قوله: ((يَسعَى بذِمَّتِهِم أدناهم)) فأشارَ به إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، وقد تقدَّم بيانه في فضل المدينة في أواخر الحجّ (١٨٧٠)، ويأتي بهذا اللَّفظ بعد خمسة أبواب (٣١٧٩)، ودخل في قوله: ((أدناهم)» - أي: أقلُّهم - كلُّ وضيع بالنصِّ، وكلُّ شريف بالفَحْوى، فدَخَلَ في أدناهم المرأةُ والعبدُ والصبيُّ والمجنون، فأمَّا المرأة فتقدَّم في الباب الذي قبله. وأمَّا العبد فأجازَ الجمهور أمانَه قاتَلَ أو لم يقاتل، وقال أبو حنيفة: إن قاتَلَ جازَ أمانُه وإلَّا فلا، وقال سَحْنون: إذا أَذِنَ له سيِّده في القتال صَحَّ أمانه، وإلا فلا. وأمَّا الصبيُّ، فقال ابن المنذر: أجمعَ أهل العلم أنَّ أمان الصبي غيرُ جائز. قلت: وكلام غيره يُشعِر بالتَّفْرِقة بين المراهق وغيره، وكذلك المميِّز الذي يَعْقِل، والخِلافُ عن المالكية والحنابلة. وأمَّا المجنون، فلا يَصِحّ أمانه بلا خِلاف كالكافر. لكن قال الأوزاعي: إن غَزَا الذِّمّ مع المسلمين فأمَّنَ أحداً، فإن شاءَ الإمام أمضاه وإلَّا فليَرُدَّه إلى مأمَنه. وحكى ابن المنذر عن الثَّوْري أنَّه استَئنى من الرِّجال الأحرارِ الأسيرَ في أرض الحرب، فقال: لا يَنفُذ أمانه، وكذلك الأجير. وقد مضى كثير من فوائد هذا الحديث في فضل المدينة، وتأتي بقيّته في كتاب الفرائض (٦٧٥٥) إن شاء الله تعالی. ١١ - بابٌ إذا قالوا: صَبأَنا ولم يُحسِنوا: أسلَمْنا وقال ابنُ عمَرَ: فَجَعَلَ خالدٌ يَقْتُلُ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((أبَرَأُ إليكَ ممَّا صَنَعَ خالدٌ)). وقال عمرُ: إذا قال: مَثَّرْسْ فقد آمَنَه، إنَّ الله يعلمُ الألسِنَةَ كلَّها. وقال: تَكلَّمْ لا بأسَ. قوله: ((باب إذا قالوا)) أي: المشركون حين يقاتلونَ ((صَبَأْنا)) أي: وأرادوا الإخبار بأنَّهم أسلموا ((ولم يُحسِنوا: أسلَمْنا)) أي: جرياً منهم على لُغَتهم، هل يكون ذلك كافياً في رفع ٥٠٦ باب ١١ فتح الباري بشرح البخاري القتال عنهم أم لا؟ قال ابن المنيِّر: مقصود التَّرجمة أنَّ المقاصد تُعتبر بأدلتها كيفما كانت الأدلّة، لفظية أو غير لفظية، بأيِّ لغة كانت. قوله: ((وقال ابن عُمَر: فجَعَلَ خالد يَقتُل، فقال النبي ◌َِّ: أبَرَأُ إليك ممَّا صَنَعَ خالد)) هذا طرف من حديث طويل أخرجه المؤلّف في غزوة الفتح(١) من المغازي (٤٣٣٩)، ويأتي الكلام عليه مُستَوفَّى هناك، وحاصله: أنَّ خالد بن الوليد غَزا بأمرِ النبي ◌ِّل قوماً فقالوا: صَبَأنا، وأرادوا أسلمنا، فلم يقبل خالد ذلك منهم وقَتَلهم، بناءً على ظاهر اللَّفظ، فَبَلَغَ النبيَّ وَِّ ذلك فأنكَرَه، فدَلَّ على أنَّه يُكتَفى من كلّ قوم بما يُعرَف من لُغَتهم. وقد عَذَرَ النبي ټ خالد بن الوليد في اجتهاده، ولذلك لم يُقِد منه. وقال ابن بَطَّل: لا خِلاف أنَّ الحاكم إذا قضى بجَور أو بخلاف قول أهل العلم أنَّه مردود، لكن يُنظَر فإن كان على وجه الاجتهاد فإنَّ الإثم ساقط، وأمَّا الضَّمان فيَلزَم عند الأكثر. وقال الثَّوْري وأهل الرَّأي(٢) وأحمد وإسحاق: ما كان في قتل أو جِراح ففي بيت المال. وقال الأوزاعي والشّافعي وصاحبا أبي حنيفة: على العاقلة. وقال ابن الماحِشونِ: لا يَلزَم فيه ضَمان. وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الأحكام (٧١٨٩)، وهذا من المواضع التي يُتَمسَّك بها في أنَّ البخاري يُتَرجِم ببعض ما وَرَدَ في الحديث، وإن لم يُورِده في تلك التَّرجمة، فإنَّه ترجم بقوله: ((صَبَأنا)) ولم يُورِدها، واكتَفى بطرفِ الحديث الذي وَقَعَت هذه اللَّفظة فيه. قوله: ((وقال عُمَر: إذا قال: مَنَّرْس، فقد آمَنَه، إنَّ الله يَعْلم الألسِنة كلَّها)) وَصَلَه عبد الرزَّاق (٩٤٢٩) من طريق أبي وائل قال: جاءنا كتاب عمر ونحنُ نُحاصر قَصر فارس ٢٧٥/٦ فقال: إذا حاصَرتُم قَصراً / فلا تقولوا: انزِل على حُكم الله، فإنَّكم لا تدرونَ ما حكمُ الله، ولكن أنزِلُوهم على حُكمِكم، ثمَّ اقضوا فيهم، وإذا لقيَ الرجلُ الرجلَ فقال: لا تَخَف، فقد (١) بل في ((باب بعث النبي وَّ﴾ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة)). (٢) كذا قال الحافظ: وأهل الرأي! مع أن الذي قاله ابن بطّال: وأبو حنيفة. وهو الصحيح في العبارة، لافتراق أبي يوسف ومحمد صاحبيه عنه في هذه المسالة. ٥٠٧ باب ١١ كتاب الجزية آمَنَه، وإذا قال: مَتَّرس، فقد آمَنَه، إنَّ الله يعلم الألسِنة كلّها. وأوَّل هذا الأثر أخرجه مسلم (١٧٣١) من طريق بُرَیدةَ مرفوعاً في حديث طويل. و ((مَثَّرْسْ)) كلمة فارسية معناها: لا تخفْ، وهي بفتح الميم وتشديد المثنَّاة وإسكان الرّاء بعدها مُهمَلة، وقد تُخُفَّف التاء، وبه جَزَمَ بعض مَن لَقِيناه من العَجَمِ، وقيل: بإسكانِ المثَّة وفتح الرّاء، ووقع في ((الموطَّأ)) (٤٤٨/٢) رواية يحيى بن يحيى الأندَلُسي: مَطَّرس، بالطاءِ بدل المثنَّاة (١)، قال ابن قُرقُولٍ: هي كلمة أعجمية، والظّاهر أنَّ الراوي فخَّمَ المثنَّة فصارت تُشِهِ الطاء، كما يقع من كثير من الأندَلُسيينَ. قوله: ((وقال: تَكلَّمْ لا بأس)) فاعل ((قال)» هو عمر، وروى ابن أبي شَيْبة (٤٥٦/١٢- ٤٥٧ و٢٤/١٣-٢٥)، ويعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) من طرق بإسناد صحيح عن أنس ابن مالك، قال: حاصَرنا تُستَرَ، فنزل الهُرِمُزانُ على حُكم عمر، فلمَّا قَدِمَ به عليه استَعَجَمَ، فقال له عمر: تَكلَّمْ لا بأس عليك. وكان ذلك تأميناً من عمر. ورُويناه مُطوَّلاً في ((سنن سعيد بن منصور)) (٢٦٧٠) حدَّثنا هُشَيمٌ أخبرنا حُميدٌ، وفي ((نسخة إسماعيل بن جعفر)) من طريق ابن خُزَيمةَ عن عليّ بن حُجْر عنه عن محُميدٍ عن أنس قال: بَعَثَ معي أبو موسى بالهُرُمُزانِ إلى عمر، فجَعَلَ عمر يُكلِّمه فلا يتكلّم، فقال له: تَكلَّم، قال: أكلام حَيٍّ أم كلام ميِّت؟ قال: تَكلَّمْ لا بأس، فذكر القصَّة، قال: فأراد قتله، فقلتُ: لا سبيل إلى ذلك، قد قلتَ له: تَكلَّم لا بأس، فقال: مَن يَشْهَد لك؟ فشَهِدَ لي الزُّبير بِمِثْل ذلك، فَتَرَكَه فأسلَمَ، وفَرَضَ له في العطاء. قال ابن المنيِر: يُستَفاد منه أنَّ الحاكم إذا نَسِي حُكمَه فشَهِدَ عنده اثنانٍ به نَفَّذَه. وأنَّه إذا تُوقِّفَ في قَبُول شهادة الواحد فشَهِدَ الثَّاني بوَفِه انتَفَت الرِّيبة، ولا يكون ذلك قَدْحاً في شهادة الأوَّل. (١) وهي رواية سعيد بن منصور (٢٦٠٠)، وابن أبي شَيْبة ١٢ / ٤٥٧ من طريق أبي وائل، ورواية ابن أبي شَيْبة ١٢ / ٤٥٥ من طريق أبي عطية الوادعي. وقال أبو عبيد في ((الأموال)) بإثر (٥٢٢): العرب كل شيء تكلّمَه الفرُسُ بالتاء تجعله بالطاء، مثل حديث عمر: ((مطرس))، مثل ((تفليس)) جعله حبيب: طفليس. ٥٠٨ باب ١٢ / ح ٣١٧٣ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((إنَّ الله يعلم الألسِنة كلّها)) المراد اللُّغات، ويقال: إنَّهَا ثِنتان وسبعونَ لغة: ستَّة عشر في ولد سام، ومِثلُها في ولد حام، والبقيّة في ولد یافِثَ. ١٢ - باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، وإثم من لم يفِ بالعهد ﴿وَإِن جَنَعُواْ لِلسَّلِّمِ﴾ جَنَحُوا: طَلَبُوا السَّلْمَ ﴿فَأَجْنَحْ لَمَا ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦١]. ٣١٧٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشرٌ - هو ابنُ المفضَّلِ - حدَّثنا يحيى، عن بُشَيِرِ بنِ يَسارٍ، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ، قال: انطَلَقَ عبدُ الله بنُ سَهْلٍ ومُحيِّصةُ بنُ مسعودِ بنِ زيدٍ إلى خَيْبِرَ، وهي يومَئذٍ صُلْحٌ، فَتَفرَّقا، فأتى مُحيِّصةُ إلى عبدِ الله بنِ سَهْلٍ وهو يَتَشَخَّطُ في دَمٍ قتيلاً، فَدَفَتَه ثمَّ قَدِمَ المدينةَ، فانطَلَقَ عبدُ الرّحمن بنُ سَهْلٍ ومُحيِّصةُ وحُوَيِّصةُ ابنا مسعودٍ إلى النبيِّ وَلَّهِ، فذهب عبدُ الرَّحمن يتكلَّمُ، فقال: ((كَبِّرْ كَبِّرْ)) وهو أحدَثُ القوم فسَكَتَ، فتَكلَّما، فقال: ((أَحَلِفُونَ وتَستَحِقُونَ دمَ قاتِلِكم - أو صاحبِكم.؟)) قالوا: وكيفَ نَحلِفُ ولم نَشْهَد ولم تَرَ؟ قال: ((فُتُبِثُكم يهودُ بخمسينَ)) فقالوا: كيفَ نأخُذُ أيمانَ قومٍ كفَّارٍ؟ فعَقَلَه النبيُّ ◌َِله من عنده. قوله: ((باب الموادَعة والمصالحة مع المشركينَ بالمال وغيره)» أي: بالأسرى. قوله: ((﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلِيمِ﴾ جَنَحوا: طَلَبوا السَّلْمِ ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾)) أي: أنَّ هذه الآية دالَّة على مشروعية المصالحة مع المشركينَ، وتفسير ﴿جَنَحُواْ﴾ بطَلَبوا، هو للمصنِّف، وقال غيره: ٢٧٦/٦ معنى ﴿جَنَحُواْ﴾: مالُوا، وقال أبو عبيدة: السِّلْم والسَّلْم واحدٌ، وهو الصُّلح. / وقال أبو عمرو: والسَّلْم - أي: بالفتح -: الصُّلح، والسِّلم بالكسر: الإسلام. ومعنى الشَّرط في الآية أنَّ الأمر بالصُّلح مُقيَّد بما إذا كان الأحَظَّ للإسلام المصالحةُ، أمَّا إذا كان الإسلام ظاهراً على الكفر ولم تَظهَرِ المصلحةُ في المصالحة فلا. ذكر فيه حديث سَهْل بن أبي حَثْمة في قصَّة عبد الله بن سَهْل وقَتْله بخيبر. والغَرَض منه قوله: انطَلَقَ إلی خیبر وهي يومئذٍ صُلح. ٥٠٩ باب ١٢ / ح ٣١٧٣ كتاب الجزية وفَهِمَ المهلَّب من قوله في آخره: فعَقَلَه النبي ◌ُّ من عنده؛ أنَّه يوافق(١) قوله في التَّرجمة: والمصالحة مع المشركينَ بالمال، فقال: إنَّما وَدَاه من عنده استثلافاً لليهودِ، وطَمعاً في دخولهم في الإسلام. وهذا الذي قاله يَرُدّه ما في نفس الحديث من غير هذه الطَّريق (٦٨٩٨): فكَرِهَ النبي وَلِّ أن يُبطِلِ دَمَه، فإنَّه مُشعِر بأنَّ سبب إعطائه دِيَتَه من عنده كان تطييباً لقلوب أهله، ويحتمل أن يكون كلٍّ منهما سبباً لذلك. وبهذا تَتِمُّ التَّرجمة. وأمَّا أصل المسألة فاختُلِفَ فيه، فقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عن موادَعة إمام المسلمين أهلَ الحرب على مالٍ يُؤدِّيه إليهم، فقال: لا يَصلُح ذلك إلَّا عن ضَرُورة، كشَغْل المسلمين عن حربهم، قال: ولا بأس أن يصالحهم على غير (٢) شيء يُؤدُّونَه إليهم(٣)، كما وقع في الحديبية. وقال الشّافعي: إذا ضَعُفَ المسلمون عن قتال المشركينَ جازَت لهم مُّهادَنتُهم على غير شيء يُعطونَهم، لأنَّ القتل للمسلمين شهادة، وأنَّ الإسلام أعَزُّ من أن يُعطَى المشركون على أن يَكُفّوا عنهم، إلَّا في حالة تَخافة اصطِلام(٤) المسلمين لكَثْرة العدوّ، لأنَّ ذلك من معاني الضَّرُورات، وكذلك إذا أُسِرَ رجلٌ مسلم فلم يُطلَق إلَّا بفِديَة جازَ. وأمّا قول المصنِّف: «وإثم مَن لم يفٍ بالعَهْد» فليس في حديث الباب ما يُشعِر به، وسيأتي البحث فيه في كتاب القَسامة من كتاب الدِّيات (٦٨٩٨) إن شاء الله تعالى. تنبيه: قوله في نَسَب مُحيِّصةَ بن مسعود: ابن زيد، يقال: إنَّ الصواب: کعب، بدل زید. (١) في (أ): يوازن .. (٢) لفظة ((غير)) سقطت من الأصلين، وأثبتناها على الصواب من (س)، موافقة ما جاء في ((شرح ابن بطال)) ٣٥٦/٥، حيث جاء فيه نص كلام الأوزاعي: لا بأس أن يصالحهم الإمام على غير خراج يؤدُّونَه إليه ولا فدية إذا كان ذلك نَظَراً للمسلمين وإبقاءً عليهم، وقد صالح رسول الله وَّ قريشاً عام الحديبية على غير خراج أدته قريش إلى رسول الله ◌َ القر ولا فدية. (٣) يعني للمسلمين. (٤) الاصطلام: الاستئصال، والمراد: خشية أن يُبادُوا ويُسْتَأْصَلوا، انظر ((اللسان)) (صلم). ٥١٠ باب ١٣-١٤ / ح ٣١٧٤-٣١٧٥ فتح الباري بشرح البخاري ١٣ - باب فضل الوفاء بالعهد ٣١٧٤- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبَيْدِ الله ابنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، أنَّ عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ أخبره: أنَّ أبا سفيانَ بنَ أُمَيَّةَ أخبَرَهُ: أنَّ هِرَقْلَ أرسَلَ إليه في رَكْبٍ من قُرَيشٍ كانوا تجاراً بالشَّام في المدّةِ التي ماذَّ فيها رسولُ اللهِ وَلِّ أبا سفيانَ في كفَّار قُریشٍ. 13 . 6 قوله: ((باب فضل الوفاء بالعَهْد)) ذكر فيه طرفاً من حديث أبي سفيان في قصّة هِرَقل (٧). قال ابن بَطَّال: أشارَ البخاري بهذا إلى أنَّ الغَدْر عند كلّ أمّ قبيحٌ مذمومٌ، وليس هو من صفات الرُّسُل. ١٤ - بابٌ هل يُعفى عن الذِّمَيِّ إذا سَحَرَ؟ وقال ابنُ وَهْب: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، سُئِلٍ: أَعَلى مَن سَحَرَ من أهلِ العَهْدِ قَتْلٌ؟ قال: بَلَغَنا أنَّ رسولَ الله ◌َّه قد صُنِعَ له ذلك فلم يَقُل مَن صَنَعَه، وكان من أهلِ الكتابِ. ٣١٧٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا أبي، عن عائشةً: أنَّ النبيَّ ◌َّهُ سُحِرَ حتَّى كان يُخْيَّلُ إليه أنَّه صَنَعَ شيئاً ولم يَصْنَعْه. [أطرافه في: ٣٢٦٨، ٥٧٦٣، ٥٧٦٥، ٥٧٦٦، ٦٠٦٣، ٦٣٩١] ٢٧٧/٦ قوله: ((بابٌ هل يُعْفى عن الذِّمَي إذا سَحَرَ؟)) قال ابن بَطَّال: لا يُقتَل ساحرُ أهل العَهْد، لكن يُعاقَب، إلَّا إن قَتَل بسحره فيُقتَل، أو أحدَثَ حَدَثاً فيُؤخَذ به، وهو قول الجمهور، وقال مالك: إن أدخَلَ بسحره ضَرَراً على مسلم نَقَضَ عَهْدَه بذلك. وقال أيضاً: يُقتَل الساحرُ ولا يُستَتَاب، وبه قال أحمد وجماعة، وهو عندهم كالزِّنديق. وقوله ((وقال ابن وَهْب ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن وَهْب في («جامعه» هكذا. قوله: ((وكان من أهل الكتاب)) قال الكِرْماني: ترجم بلفظ ((الذِّمّي))، وسُئِلَ الزُّهْريّ بلفظ ((أهل العَهْد))، وأجاب بلفظ ((أهل الكتاب))، فالأوَّلان مُتَقاربان، وأمَّا أهل الكتاب فُمُراده مَن له منهم عَهْد، وكأنَّ الأمر في نفس الأمر كذلك. ٥١١ باب ١٥ / ح ٣١٧٦ كتاب الجزية قال ابن بَطَّال: لا حُجَّة لابن شِهاب في قصَّة الذي سَحَرَ النبيَّ ◌َِّ، لأنَّه كان لا يَنْتَقِم لنفسِه، ولأنَّ السِّحر لم يَضُرَّه في شيء من أُمور الوحي ولا في بَدَنه، وإنَّما كان اعتَراه شيء من التَّخَيُّل، وهذا كما تقدَّم أنَّ عِفريتاً تَفَلَّتَ علیه ليقطع صلاته فلم یتمكَّن من ذلك(١)، وإنَّما نالَه من ضَرَر السِّحر ما يَنال المريضَ من ضَرَر الْحُمّى. قلت: ولهذا الاحتمال لم يجزِم المصنِّ بالحُكم. ثم ذكر طرفاً من حديث عائشة: أنَّ النبي ◌َّ سُحِرَ، وأشارَ بالتَّرجمة إلى ما وقع في بقيّة القصّة: أنَّ النبي ◌َّه لمَّا عُوفِيَ أمَرَ بالبِئِرِ فُرُدِمَت، وقال: كَرِهتُ أن أُثيرَ على الناس شَرّاً، وسيأتي الكلام على شرحه مستوفّى حيثُ ذكره المصنّف تامّاً في كتاب الطِّبّ (٥٧٦٣) إن شاء الله تعالى. ١٥ - باب ما يُحذّر من الغَذْر وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَهُوَكَ فَإِنتَ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ الآية [الأنفال: ٦٢]. ٣١٧٦- حدَّثْنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ العلاءِ بنِ زَبْرِ، قال: سمعتُ بُشْرَ بنَ عُبَيدِ اللهِ، أَنَّه سمعَ أبا إدرِيسَ قال: سمعتُ عوفَ بنَ مالكٍ قال: أتيتُ النبيَّ ◌َ ◌ّ فِي غَزْوةٍ تَبُّوكَ - وهو في قُبَّةٍ من أدَم - فقال: ((اعدُد ◌ِسِتّاً بينَ يَدَىِ السّاعة: مَوْتي، ثمَّ فَتْحُ بيتِ المقدِسِ، ثمَّ مُؤْتَانٌ يأخذُ فيكم كفُعَاصِ الغنمِ، ثمَّ اسِتِفاضةُ المالِ حتَّى يُعْطَى الرجلُ مئةَ دينارٍ فَيَظَلُّ ساخِطاً، ثمَّ فِتْنٌ لا يَبْقَى بيتٌ من العربِ إِلا دَخَلَتْه، ثمَّ هُدْنةٌ تكونُ بينكم وبينَ بني الأصفَرِ فَيَغِرونَ، فيأتُونكم تحتَ ثمانينَ غايةً، تحتَ كلِّ غايةٍ اثنا عَشَرَ ألفاً)). قوله: ((باب ما يُحِذَر)) بضمِّ أوَّله ◌ُخُفَّفاً ومُثقَّلاً ((من الغَدْرِ)). قوله: ((وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِتَ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ الآيةَ)) هو بالجرِّ عَطفاً على لفظ الغَدر، و((حَسْبُ)) بإسكان المهمَلة، أي: كافٍ. وفي هذه الآية إشارة (١) سلف برقم (٤٦١). ٥١٢ باب ١٥ / ح ٣١٧٦ فتح الباري بشرح البخاري إلى أنَّ احتمالَ طلب العَدُوّ للصُّلح خديعةً لا يمنع من الإجابة إذا ظَهَرَت للمسلمين، بل يَعزِم ويَتَوَگَّل على الله سبحانه. قوله: ((سمعت بُشْر بن عُبيد الله)) بضمِّ الموخَّدة وسكون المهمَلة، والإسناد كلّه شاميونَ إلَّا شيخ البخاري، وفي تصريح عبد الله بن العلاء بالسَّماع له من بُسر دلالة على أنَّ الذي وقع في رواية الطبراني (١٨ / ٧٠) من طريق دُخَيم عن الوليد عن عبد الله بن العلاء عن زيد بن واقد عن بُسر بن عُبيد الله، فزاد في الإسناد زيدَ بن واقد، فهو من المَزِيد في مُتَّصِل الأسانيد. وقد أخرجه أبو داود (٥٠٠٠) وابن ماجه (٤٠٤٢ و ٤٠٩٥) والإسماعيلي وغيرهم من طرق ليس فيها زید بن واقد. قوله: ((أتيتُ النبي ◌َِّ فِي غَزْوة تَبُوك وهو في قُبَّة من أدَم)) زادَ في رواية المؤمَّل بن الفضل عن الوليد عند أبي داود (٥٠٠٠): فسَلَّمت فَرَدَ، فقال: ((ادخُل)) فقلت: أُكُلّي يا رسول الله؟ قال: ((كلُّك)) فدخلتُ. فقال الوليد: قال عثمان بن أبي العاتكة: إنَّما قال ذلك من صِغَر القُبَّة. قوله: ((سِتّاً) أي: ستّ علامات لقيام الساعة، أو لظهورِ أشراطها المقتَّرِبة منها. ٢٧٨/٦ قوله: ((ثمَّ مُؤْتان)) بضمِّ الميم وسكون الواو، قال القَزّاز: هو الموت. وقال غيره: الموت الكثير الوقوع، ويقال: بالضَّمِّ لغة تميم، وغيرهم يَفتَحونَها، ويقال للبليد: مَوْتان القلب، بفتح الميم والسُّكون، وقال ابن الجَوْزيّ: يَغلَط بعض المحدِّثينَ فيقول: مَوَتان، بفتح الميم والواو، وإنَّما ذاكَ اسم الأرض التي لم تُحَيَ بالَّرع والإصلاح. تنبيه: في رواية ابن السَّكَن: ((ثمَّ مَوتَتان)) بلفظ التَّثنية، وحينئذٍ فهو بفتح الميم. قوله: ((كعُقَاص الغنم)) بضمِّ العين المهمَلة وتخفيف القاف(١) وآخره مُهمَلة: هو داء يأخذ الذَّوابَ فيسيل من أُنوفها شيء فتموت فُجاءةً. قال أبو عُبيد: ومنه أُخِذَ الإقعاصُ، وهو (١) كذا ضبطه الحافظ بتقديم العين على القاف، وهو سهوٌ منه رحمه الله تعالى، فالداء المذكور إنما هو بتقديم القاف على العين، كما جاء في كتب اللغة، وقد جاء على الصواب في اليونينية وفروعها، وكذلك في ((عمدة القاري)) للعيني ١٥/ ١٠٠، وفي ((إرشاد الساري)) للقسطلانيّ ٢٤١/٥. ٥١٣ باب ١٥ / ح ٣١٧٦ كتاب الجزية القتل مكانَه. وقال ابن فارس: العُقاص(١) داء يأخذ في الصَّدر كأنَّه يَكسِرِ العُنُق. ويقال: إنَّ هذه الآية ظَهَرَت في طاعون عَمَواسٍ في خلافة عمر، وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس. قوله: ((ثُمَّ استِفاضة المال)) أي: كَثرته، وظهَرَت في خلافة عثمان عند تلك الفُتوح العظيمة، والفتنة المشار إليها افتِحَت بقتل عثمانَ، واستَمَرَّت الفتن بعده، والسادسة لم تَجِئْ بعدُ. قوله: (هُدْنة)) بضمِّ الهاء وسكون المهمَلة بعدها نون: هي الصُّلح على ترك القتال بعد التحرُّك فیه. قوله: ((بني الأصفر)) هم الرُّوم. قوله: ((غاية)) أي: راية، وسُمّيت بذلك لأنَّها غاية المَّبِع إذا وَقَفْت وَقَفَ. ووقع في حديث ذي مِخْبَر - بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحّدة - عند أبي داود في نحو هذا الحديث، بلفظ: ((رايةً)) بدل: ((غاية))(٢)، وفي أوَّله: ((سَتُصالحونَ الرُّوم صُلحاً آمِناً، ثمَّ تَغْزُونَ أنتم وهم عدوّاً فتُنصَرونَ، ثمَّ تَنزِلونَ مَرْجاً فيرفع رجلٌ من أهل الصَّليب الصَّليبَ، فيقول: غَلَبَ الصَّليبُ، فيَغضَب رجلٌ من المسلمين فيقوم إليه فيَدفَعه، فعند ذلك تَغدِرُ الرُّومِ، ويجتمعونَ للمَلحَمة فيأتونَ» فذكره. ولابن ماجه (٤٠٩٠) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا وَقَعَتِ الملاحمُ بَعَثَ الله بَعْثاً من الموالي يُؤيِّد الله بهم الدِّين))، وله (٤٠٩٢) من حديث معاذ بن جبل مرفوعاً: ((المَلحمة الكُبرى وفَتح القُسطَنطينيّةِ وخروجُ الدَّجّال في سبعة أشهُر))، وله (٤٠٩٣) من حديث (١) كذا مشى الحافظ على ضبطه أولاً سهواً، فنسب إلى ابن فارس أنه فسَّر العقاص بتقديم العين على القاف بأنه الداء الذي يأخذ في الصدر، وإنما قال ابن فارس ذلك في ((معجم مقاييس اللغة)) في مادة (قعص) فقال: القاف والعين والصاد أصل صحيح يدل على داء يدعوا إلى الموت ... ثم ذكر ذلك. (٢) الحديث عند أبي داود بالأرقام (٢٧٦٧) و(٤٢٩٢) و(٤٢٩٣) لكن لم يقع في شيء من هذه الروايات ذكر إتيانهم تحت ثمانين راية، ولم نقف عليها من حديث ذي مخبر إلا في ((الآحاد والمثاني)) لابن أبي عاصم (٢٦٦٢). وهي كذلك عند الطبراني في «الكبير)) ١٨/ (٩٨)، والحاكم في ((المستدرك)) ٣/ ٥٤٧ من وجه آخر عن عوف بن مالك الأشجعي. ٥١٤ باب ١٥ / ح ٣١٧٦ فتح الباري بشرح البخاري عبد الله بن بُسْرِ رَفَعَه: ((بين المَلحَمة وفَتْح المدينة ستُّ سنينَ، ويَخرُج الدَّجّالُ في السابعة))(١)، وإسناده اصُ من إسناد حديث معاذ. قال ابن الجَوْزيّ: رواه بعضهم: ((غابةً)) بموحَّدة بدل التَّحتانية، والغابة: الأَجَمَة، كأنَّه شَبَّهَ كَثْرة الرّماح بالأَجَمة. وقال الخطّابي: الغابة: الغَيْضة، فاستُغيرَت للرّايات تُرفَع لُرُؤساء الجيش لمَا يُشرَع معها من الرِّماح، وجملة العَدَد المشار إليه تسع مئة ألفٍ وستّونَ ألفاً، ولعلَّ أصلَه ألفُ ألفٍ فأُلغيت كُسورُه. ووقع مِثُه في رواية ابن ماجة (٤٠٨٩ م) من حديث ذي مِخبَرَ، ولفظه: ((فيجتمعونَ للمَلْحَمة، فيأتونَ تحت ثمانينَ غابةً(٢)، تحت كلّ غابة اثنا عشرَ ألفاً)). ووقع عند الإسماعيلي من وجه آخر عن الوليد بن مسلم، قال: تَذاكَرنا هذا الحديث وشَيخاً من شيوخ المدينة، فقال: أخبرني سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، أنَّه کان یقول في هذا الحديث مكان: ((فتح بيت المقدس)): ((عمران بيت المقدس)). قال المهلَّب: فيه أنَّ الغَدْر من أشراط الساعة. وفيه أشياءُ من علامات النبوَّة قد ظَهَرَ أكثرُها. وقال ابن المنيِّر: أمَّا قصَّة الرُّوم فلم تجتمع إلى الآن، ولا بَلَغَنا أنَّهم غَزَوا في البَرّ في هذا العَدَد، فهي من الأُمور التي لم تَقَعْ بعدُ. وفيه بِشارةٌ ونِذارة، وذلك أنَّه دلَّ على أنَّ العاقبة للمؤمنينَ مع كثرة ذلك الجيش، وفيه إشارة ٢٧٩/٦ إلى أنَّ عَدَد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه. / ووقع في رواية للحاكم (٤/ ٤٢٣) من طريق الشَّعْبي عن عوف بن مالك في هذا الحديث: أنَّ عوف بن مالك قال لمعاذ في طاعون عَمَواسٍ: إنَّ رسول اللهَوَ لَه قال لي: ((اعدُدْ ستاً بين يَدَي الساعة)) فقد وقع منهنَّ ثلاث، يعني: موته ◌َّ﴾، وفتحَ بيت المقدس، والطاعون، قال: وبقي ثلاث، فقال له معاذ: إنَّ لهذا أهلاً(٣). (١) هذه الأحاديث الثلاثة التي ساقها الحافظ ضعيفة الأسانيد. (٢) كذا وقع للحافظ في رواية ابن ماجه، مع أن الذي في أصول ابن ماجه التي اعتمدناها في طبعتنا: غاية، بالياء بدل الباء. (٣) الذي في المطبوع من ((المستدرك))، وكذا في الأصل الخطي الذي عندنا منه: إنَّ لهذا مدَّة. ٥١٥ باب ١٦-١٧ / ح ٣١٧٧ - ٣١٨٠ كتاب الجزية تنبيه: ووقع في (الفتن)) لنُعيم بن حمَّادِ (١٣٢٤) أنَّ هذه القصّة تكون في زمن المهدي على يد مَلِك من آل هِرَقل. ١٦ - بابٌ كيف يُنبَذ إلى أهل العهد وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٥٨]. ٣١٧٧- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني مُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمن، أنَّ أبا هريرةَ قال: بَعَثَني أبو بكرٍ ﴾ فيمَن يُؤْذِّنُ يومَ النَّحْرِ بِمِنَّى: لا يَحُجُّ بعدَ العام مشركٌ، ولا يَطُوفُ بِالبيتِ عُزْيانٌ، وَيَوْمُ الحجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ، وإنَّما قيل: الأكبرُ، من أجلِ قولِ الناسِ: الحجُّ الأصغرُ. فَتَبَذَ أبو بكرٍ إلى الناسِ في ذلك العام، فلم يَحُجَّ عامَ حَجّةِ الوَدَاعِ الذي حَجَّ فيه النبيُّ ◌َل﴿ مشركٌ. قوله: ((بابٌ كيف يُنبذ إلى أهل العَهْد، وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَائِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾)) أي: اطرَحْ إليهم عَهدَهم، وذلك بأن يُرسِل إليهم مَن يُعلِمُهم بأنَّ العَهْد انتَقَضَ (١)، قال ابن عبّاس: أي: على مِثل، وقيل: على عَدْل، وقيل: أعلِمْهم أنَّك قد حارَبتَهم حتَّى يصيروا مِثْلَك في العلم بذلك. وقال الأزهري: المعنى: إذا عاهَدتَ قوماً فخَشِيتَ منهم النَّقْضَ، فلا تُوقِعْ بهم بمُجرَّد ذلك حتَّى تُعلِمَهم. ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة: بَعَثَني أبو بكر فيمَن يُؤذِّن يوم النَّحر بمِنَّى، الحديث، وقد تقدَّم في الحجّ (١٦٢٢) أنَّه سيُشرَحُ في تفسير براءَة (٤٦٥٥). قال المهلَّب: خَشِيَ رسولُ اللهِوَ لَ غَدْرَ المشركينَ، فلذلك بَعَثَ مَن يُنادي بذلك. ١٧ - باب إِثْم من عاهَد ثمّ غَدَر وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِينَ عَهَدَتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنَقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ﴾ الآية [الأنفال: ٥٦]. (١) في الأصلين: انقضى، والمثبت من (س) أدق في المعنى. ٥١٦ باب ١٧ / ح ٣١٧٨ -٣١٨٠ فتح الباري بشرح البخاري ٣١٧٨- حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثْنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن عبدِ الله بنِ مُرّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ الله بنِ عَمرٍو رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أربعُ خِلالٍ مَن كُنَّ فيه كان مُنافقاً خالصاً: مَن إذا حدَّث كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أخلَفَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ، ومَن كانت فيه خَصْلٌ منهنَّ كانت فيه خَصْلٌ من النِّفاق حتَّى يَدَعَها)». ٣١٧٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن عليٍّ ﴾، قال: ما كَتَبنا عن النبيِّ وَله إلا القرآنَ وما في هذه الصَّحِيفَةِ، قال النبيُّ ◌َّ: ((المدينةُ حَرَامٌ ما بينَ عائرٍ إلى كذا، فمَن أحدَثَ حَدَثاً أو آوى مُحدِثاً، فعليه لَعْنَةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لا يُقبَلُ منه عَدْلٌ ولا صَرْفٌ، وذِمَةُ المسلمينَ واحدةٌ يَسْعَى بها أَدْناهُم، فمَن أخفرَ مسلماً فعَلَيهِ لَعْنَةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، ومَن والَى قوماً بغيرِ إِذْنٍ مَوالِهِ فَعَلَيهِ لَعْنَةُ الله والملائكة والناسِ أجمعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌّ)). ٢٨٠/٦ ٣١٨٠- قال: وقال أبو موسى: حدَّثنا هاشمُ بنُ القاسِمِ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: كيفَ أنتم إذا لم تَجَتَبُوا ديناراً ولا دِرْهماً؟ فقيلَ له: وكيفَ تَرَى ذلك كائناً يا أبا هريرةَ؟ قال: إي والذي نفسُ أبي هريرةَ بيدِه، عن قولِ الصَّادِقِ المصدوقِ، قالوا: عمَّ ذاكَ؟ قال: تُنْتَهَكُ ذِمَةُ الله وذِمَةُ رسولِه ◌ِ، فَيَشُدُّ الله عزَّ وجلَّ قلوبَ أهلِ الذِّمّةِ فَيَمْنَعُونَ ما في أيدِيهم. قوله: (باب إِثْم مَن عاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ)) الغَدْرِ حَرَام باتِّفَاقٍ، سواءً كان في حقّ المسلم أو الدِّي. قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِينَ عَهَدتَّ مِنْهُمْ ﴾)) ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث عبد الله بن عَمْرو في علامات المنافق، وهو ظاهرٌ فيما تَرجَم له، وقد مضی شرحه في كتاب الإيمان (٣٤). ثانيها: حديث علي: ما كَتَبنا عن النبي ◌َّ إلَّا القرآن ... الحديث، وقد تقدَّم التَّنبيه عليه قريباً (٣١٧٢)، والمراد منه قوله: ((مَن أخفرَ مسلماً)) وهو بالخاء المعجمة والفاء، أي: نَقَضَ عَهدَه. ٥١٧ باب ١٧ / ح ٣١٧٨ -٣١٨٠ كتاب الجزية ثالثها: حديث أبي هريرة. قوله: ((وقال أبو موسى)) هو محمَّد بن المثنَّى شيخُ البخاري، وقد تكرَّرَ نَقلُ الخِلاف في هذه الصِّيغة هل تقوم مقامَ العَنعَنة فتُحمَل على السَّماع، أو لا تُحمَل على السَّماع، إلَّا مَمَّن جَرَت عادتُه أن يَستَعمِلها فيه؟ وبهذا الأخير جَزَمَ الخطيب. وهذا الحديث قد وَصَلَه أبو نُعيم في ((المستَخرَج))(١) من طريق موسى بن العبّاس عن أبي موسى مثله، ووقع في بعض نُسَخ البخاري: حدَّثنا أبو موسى، والأوَّل هو الصحيح، وبه جَزَمَ الإسماعيلي وأبو نُعيم وغيرهما. و((إسحاق بن سعيد)) أي: ابن عَمْرو بن سعيد بن العاص، وقد وافَقَه أخوه خالد بنُ سعید، أخرجه الإسماعيلي من طريقه بنحوِه. قوله: ((إذا لم تَجَتَبُوا)) من الجِباية - بالجيم والموخَّدة وبعد الألِف تحتانية - أي: لم تأخُذُوا من الجِزْية والخَرَاج شيئاً. قوله: (تُنْتَهَك)) بضمِّ أوَّلِهِ، أي: تُتَنَاوَل ممّا لا يَحِلّ من الجَوْر والظُّلم. قوله: (فيَمْنَعونَ ما في أيديهم)) أي: يمتنعونَ من أداء الجِزْية. قال الحميدي: أخرج مسلم (٢٨٩٦) معنى هذا الحديث من وجه آخر عن سُهَيل عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: ((مَنَعَت العراق دِرِهَمَها وقَفِيزَها)) وساقَ الحديث بلفظ الفعل الماضي، والمراد به ما يُستَقبَل مُبالَغةً في الإشارة إلى تَحَقُّق وقوعه، ولمسلم عن جابر أيضاً (٢٩١٣) مرفوعاً (٢): يُوشِك أهل العراق أن لا يُحِبَى إليهم قَفِيزٌ(٣) ولا دِرهَم)) قالوا: ممَّ ذلك؟ قال: من قِبَل العَجَم، يمنعونَ ذلك. وفيه عَلَمٌ من أعلام النبوَّة، والتَّوصية بالوفاءِ لأهل الذِّمَّة لمَا في الجِزْية التي تُؤْخَذ (١) ووصله أيضاً أحمد (٨٣٨٦) عن أبي النضر هاشم بن القاسم، به. (٢) المعروف في رواية هذا الحديث أن هذا من قول جابر، لم يرفعْه، وهو في حكم الرفع. (٣) تحرفت في الأصلين و(س) إلى: بعیر. ٥١٨ باب ١٨ / ح ٣١٨١ - ٣١٨٣ فتح الباري بشرح البخاري منهم من نَفْع المسلمين، وفيه التَّحذير من ظُلمهم، وأنَّه متى وقع ذلك نَقَضوا العَهْدَ، فلم يَجِتَبِ المسلمون منهم شيئاً فتَضيقَ أحوالهم. وذكر ابن حَزم أنَّ بعض المالكية احتَجَّ بقوله في حديث أبي هريرة: ((مَنَعَت العراق دِرْهَمَها)) الحديث، على أنَّ الأرض المغنومة لا تُقْسَم ولا تُباع، وأنَّ المراد بالمنع مَنعُ الخَراج. ورَدَّه بأنَّ الحديث وَرَدَ في الإنذار بما يكون من سُوء العاقبة، وأنَّ المسلمين سيُمنَعونَ حقوقَهم في آخر الأمر، وكذلك وَقَعَ. ٢٨١/٦ ١٨ - بابٌّ ٣١٨١- حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا أبو حمزةَ، قال: سمعتُ الأعمَشَ قال: سألتُ أبا وائلٍ: شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قال: نعم، فسمعتُ سَهْلَ بنَ حُنَيف يقول: اَّهِمُوا رأيُكم، رأيتُني يومَ أبي جَنْدَلٍ فَلَوْ أستطيعُ أن أَرُدَّ أمرَ النبيِّ وَ لَرَدَدْتُه، وما وَضَعْنا أسيافَنا على عَواتِقِنا لأمرٍ يُفْظِعُنا إلا أسهَلْنَ بنا إلى أمرٍ نَعْرِفُه غيرِ أمرِنا هذا. [أطرافه في: ٣١٨٢، ٤١٨٩، ٧٣٠٨،٤٨٤٤] ٣١٨٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، حدَّثنا يزيدُ بنُ عبدِ العزيزِ، عن أبيه، حدَّثنا حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، قال: حدَّثني أبو وائلٍ، قال: كنَّا بصِفِينَ، فقامَ سَهْلُ بنُ حُنَيف فقال: أيُّها الناسُ، الشَّهِمُوا أنفُسَكم، فإنّا كنَّا مع النبيِّ وَّهِ يومَ الحُدَيْبِيَةِ ولو نَرَى قتالاً لَقَاتَلْنا، فجاء عمرُ بنُ الخطّاب، فقال: يا رسولَ الله، ألسْنا على الحقِّ وهم على الباطلِ؟ فقال: ((بَلَى)) فقال: أليسَ قَتْلانا في الجنَّة وقَتْلاهم في النار؟! قال: (بَلَى)) قال: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنا؟ أنَرجِعُ ولم يَحْكمِ اللهُ بيننا وبينَهم؟ فقال: ((يا ابنَ الخطّاب، إنّي رسولُ الله، ولن يُضيِّعَني اللهُ أبداً)، فانطَلَقَ عمرُ إلى أبي بكرٍ، فقال له مِثلَ ما قال للنبيِّ وَّةِ، فقال: إنَّه رسولُ الله، ولن يُضيِّعَه اللهُ أبداً، فنزلت سورةُ الفَتْح، فقرأَها رسولُ الله ◌َلټ على عمرَ إلى آخرِها، قال عمرُ: يا رسولَ الله، أوَفَتْحُ هو؟ قال: ((نَعَم)). ٥١٩ باب ١٨ / ح ٣١٨١ -٣١٨٣ كتاب الجزية ٣١٨٣- حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن أسماء بنتِ أبي بكرٍ رضي الله عنهما، قالت: قَدِمَتْ عليَّ أُمّي وهي مشركةٌ في عَهْدِ قُرَيشٍ، إذ عاهَدوا رسولَ الله ◌َّهِ وَمُدَّتِهِم مع أبِيها، فاستَفْتَتْ رسولَ الله وَّهَ، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ أُمّي قَدِمَت عليَّ وهي راغِيةٌ، فأصِلُها؟ قال: ((نعم، صِلِيها)). قوله: ((بابٌ)) كذا هو بلا ترجمة عند الجميع، وهو كالفَصْل من الباب الذي قبله، وذکر فيه حدیثین: أحدهما: عن سَهْل بن حُنَيف في قصَّة الحُدَيبية، وذكَره من وجهَينٍ، والطَّريق الأُولى منهما مختصرة، وقد ساقه منها بتمامه في الاعتصام (٧٣٠٨)، وقد تقدَّمت الإشارة إلى فوائده في الكلام على حديث المِسوَر في كتاب الشُّروط (٢٧١١ و٢٧١٢)، وسيأتي ما يَتعلَّق منه بصِفِّينَ في كتاب الفتن(١) إن شاء الله تعالى. والثَّاني: حديث أسماء بنت أبي بكر في وُفُود أمّها. ووجه تعلُّق الأوَّل من جِهَة ما آلَ إليه أمر قريش في نَقضِها العَهْدَ من الغَلَبة عليهم وقَهرهم بفتح مكَّة، فإِنَّه يُوضِحُ أنَّ مَآل الغَدْر مذموم ومُقابِل ذلك تَمدُوح. ومِن هنا يَتَبِيَّن تعلُّق الحديث الثَّاني، ووَجهُه أنَّ عَدَم الغَدْر اقتضى جواز صِلَة القریب ولو كان على غیر دين الواصل، وقد تقدَّم حديثُ أسماء في الهِبة (٢٦٢٠) مشروحاً. وقول سَهْل بن حُنَيف: ((يوم أبي جَنْدَل)) أراد به يوم الحُدَيبية، وإنَّما نَسَبَه لأبي جَندَل، لأنَّه لم يكن فيه على المسلمین أشدُّ من قِصَّته كما تقدَّم بيانه. وعبد العزيز بن سِيَاه في إسناده: بالمهمَلة المكسورة بعدها تحتانية خفيفة وبالهاءِ وصلاً ٢٨٢/٦ ووقفاً، وهو مصروف مع أنَّه أعجمي، وكأنّه ليس بعَلَم عندهم. وإنَّما قال سَهْل بن حُنَيف لأهل صِفّينَ ما قال، لمَّا ظَهَرَ من أصحاب عليّ كَراهةٌ التَّحكيم، فأعلمَهم بما جَرَى يوم الحُدَيبية من كراهة أكثر الناس للصُّلح، ومع ذلك (١) بین یدي الحديث (٧١٢١). ٥٢٠ باب ١٩ - ٢٠ / ح ٣١٨٤ فتح الباري بشرح البخاري فأعقَبَ خيراً كثيراً، وظهَرَ أنَّ رَأيَ النبيِّ وَّهِ فِي الصُّلح أتمُّ وأحمدُ من رأيهم في المناجَزَة، وستأتي بقيَّة فوائده في كتاب التفسير (٤٨٤٤) والاعتصام (٧٣٠٨) إن شاء الله تعالى. ١٩ - باب المصالحة على ثلاثة أيام، أو وقتٍ معلومٍ ٣١٨٤- حدَّثنا أحمدُ بنُ عثمانَ بنِ حَكِيمٍ، حدَّثني شُرَيحُ بنُ مَسلَمَةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسفَ بنِ أبي إسحاقَ، قال: حدَّثني أبي، عن أبي إسحاقَ، قال: حدَّثني البَرَاءُ ﴾: أنَّ النبيَّ وَلَّ لِمَّا أرادَ أن يَعْتَمِرَ أرسَلَ إلى أهلِ مِكََّ يَسْتَأذِنُهُم لِيَدخُلَ مَكَّةَ، فاشْتَرَطوا عليه أن لا يُقِيمَ بها إلا ثلاثَ لَيَالٍ، ولا يَدخُلَها إلا بِجُلْبَانِ السِّلاحِ، ولا يَدْعُوَ منهم أحداً، قال: فأخَذَ يَكُتُبُ الشَّرْطَ بينهم عليٌّ بنُ أبي طالبٍ، فَكَتَبَ: هذا ما قاضَى عليه محمَّدٌ رسولُ الله، فقالوا: لو عَلِمْنا أَنَّكَ رسولُ الله لم تَمْتَعْكَ ولَبَايَعْناكَ، ولكنِ اكتُب: هذا ما قاضَى عليه محمَّدُ بنُ عبدِ الله، فقال: ((أنا والله محمَّدُ بنُ عبدِ الله، وأنا والله رسولُ الله)) - قال: وكان لا يَكتُبُ - قال: فقال لعليٍّ: (امحُ رسولَ الله)) فقال عليٌّ: والله لا أَنْحاهُ أبداً، قال: ((فَأَرِنِيه)) قال: فَأَراه إيّاهُ فمَحَاه النبيُّ ◌َمه بيدِه، فلمَّا دَخَلَ ومَضَى الأيامُ أَتَوْا عليّاً، فقالوا: مُرْ صاحبَكَ فَلْيَرْتَِّلْ، فذكرَ ذلك عليٌّ ﴾ لرسولِ الله وَلِّ، فقال: ((نعم)» فارتَحَلَ. قوله: ((باب المصالحة على ثلاثة أيام، أو وَقْت معلوم)) أي: يُستَفاد من وقوع المصالحة على ثلاثة أيام جوازُها في وقت معلوم ولو لم تكن ثلاثةً، وأورد فيه حديثَ البَراء في العمرة، وقد تقدَّم في الصُّلح (٢٦٩٨)، وسيأتي شرح ما يَتعلَّق بكتابة الصُّلح منه في كتاب المغازي (٤٢٥١) إن شاء الله تعالى. ٢٠ - باب الموادَعة من غير وقتٍ وقولِ النبيّ ◌َيِ: ((أُقِرُّكم على ما أَقرَّكم الله)) قوله: ((باب الموادَعة من غير وقتٍ، وقول النبي ◌َّ: أَقِرُّكم على ما أقرَّكم الله)) هو طرف من حديث مُعامَلة أهل خيبر، وقد تقدَّم شرحه في المزارعة (٢٣٢٩ و٢٣٣٠) وبيان الاختلاف في أصل المسألة، وأمَّا ما يتعلَّق بالجهاد فالموادَعة فيه لا حَدَّ لها معلومٌ لا يجوز غيره، بل ذلك راجع إلى رأي الإمام بحَسَبٍ ما يراه الأحَظَّ والأحوَطَ للمسلمين.