النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
باب ١ / ح ٣١٥٨
كتاب الجزية
لأنَّ عمر فَهِمَ من قوله: ((أهل الكتاب)) اختصاصَهم بذلك حتَّى حدَّثه عبد الرَّحمن بن
عوف بإلحاق المجُوس بهم، فرَ جَعَ إلیه.
ثانيهما: حديث عمرو بن عوف.
٣١٥٨- حدّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني عُروةُ بنُ الزُّبَير،
عن المِسوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّه أخبره أنَّ عَمَرَو بنَ عوفٍ الأنصاريَّ - وهو حَلِيفٌ لبني عامرِ بنِ
لُؤيٍّ، وكان شَهِدَ بَدراً - أخبَرَهُ: أَنَّ رسولَ الله وَ لَهَ بَعَثَ أبا عُبَيَدَةَ بنَ الجرّاح إلى البحرين يأتي
بجِزْيَتِها، وكان النبيُّ بَّرَ هو صالح أهلَ/ البحرَين وأمَّرَ عليهم العلاءَ بنَ الحَضْرَمِيِّ، فقَدِمَ ٢٥٨/٦
أبو عُبَيدةَ بمالٍ من البحرَينِ، فسمعَتِ الأنصارُ بقُدُومٍ أبي عُبَيدةَ فَوَافَتْ صلاةَ الصُّبْحِ مع النبيِّ
وَلَ﴾، فلمَّا صَلَّى بهم الفَجْرَ انصَرَفَ فتَعَرَّضوا له، فَتَسَّمَ رسولُ الله وَله حين رآهم وقال:
((أظنُّكم قد سمعتُم أنَّ أبا عُبَيدةَ قد جاءَ بشيءٍ!)) قالوا: أجَل يا رسولَ الله، قال: ((فأبشِروا
وأمِّلوا ما يَسُّكم، فوالله لا الفَقْرَ أخشَى عليكم، ولكن أخَشَى عليكم أن تُبْسَطَ عليكمُ الدُّنْيا
كما بُسِطَت على مَن كان قبلكم، فتَنَافَسُوها كما تَنافَسُوها، وتُهُلِكَكم كما أهلَكَتُهُم».
[طرفاه في: ٤٠١٥، ٦٤٢٥]
قوله: ((الأنصاري)) المعروف عند أهل المغازي أنَّه من المهاجرينَ، وهو موافق لقوله
هنا: وهو حَليفٌ لبني عامر بن لُؤيّ، لأنَّه يُشعِر بكَونِه من أهل مكَّة، ويحتمل أن يكون
وصَفَه بالأنصاري بالمعنى الأعمّ، ولا مانع أن يكون أصله من الأوس والخَزَرَج ونزل
مكَّة وحالَفَ بعض أهلها، فبهذا الاعتبار يكون أنصاريّاً مُهاجرّاً، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ لفظة
الأنصاري وَهمٌّ، وقد تَفرَّدَ بها شعيب عن الزُّهْريّ، ورواه أصحاب الزُّهْريّ كلُّهم عنه
بدونها في ((الصحيحَين)) وغيرهما(١)، وهو معدود في أهل بدر باتِّفاقهم، ووقع عند موسى
ابن عُقْبة في ((المغازي)) أنَّه عُمَير بن عوف بالتَّصغيرِ، وسيأتي في الرِّقاق (٦٤٢٥) من طريق
(١) سيأتي بدونها عند البخاري برقم (٤٠١٥) و(٦٤٢٥)، عند مسلم (٢٩٦١). لكن لم ينفرد بها شعيب بن
أبي حمزة فيما جزم به الحافظ رحمه الله، بل تابعه على ذكرها يونس بن يزيد الأيلي ومعمر بن راشد عند
الطبراني ١٧ / (٤٠) و(٤٢).

٤٨٢
باب ١ / ح ٣١٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
موسى بن عُقْبة عن الزُّهْريّ بغير تصغير، وكأنَّه كان يقال فيه بالوجهَينِ، وقد فَرَّقَ
العسكري بين عُمَير بن عوف وعمرو بن عوف، والصواب الوِحدة.
قوله: ((بَعَثَ أبا عبيدة بن الجرّاح إلى البحرين)) أي: البلد المشهور بالعراق(١)، وهي بين
البصرة وهَجَر.
وقوله: ((يأتي بحِزْيَتِها)) أي: بجِزِيَة أهلها، وكان غالب أهلها إذ ذاكَ المجُوس، ففيه
تقوية للحديث الذي قبله، ومِن ثَمَّ ترجم عليه النَّسائي (ك٨٧١٣): ((أخذ الجِزْية من
المجُوس))، وذكر ابن سعد (٣٥٩/٤ -٣٦٠) أنَّ النبي ◌َّهِ بعد قِسْمة الغنائم بالجِعْرَانة
أرسَلَ العلاء إلى المنذر بن ساوَى عامل الفُرسِ على البحرَين يَدعُوه إلى الإسلام فأسلَمَ،
وصالح مَجُوس تلك البلاد على الجِزْية(٢).
قوله: ((وكان النبي ◌َّ- هو صالح أهل البحرين)) كان ذلك في سنة الوُفُود سنة تسع من
الهجرة، والعلاء بن الحضرَمي صحابي شهير، واسم الحَضْرَمي عبد الله بن مالك بن
ربيعة، وكان من أهل حَضرَموت، فقَدِمَ مكَّة فحالَفَ بها بني ◌َخُزُوم، وقيل: كان اسم
الحَضرَمي في الجاهلية زهرمهر(٣)، وذكر عمر بنُ شَبَّة في ((كتاب مكَّة)) عن أبي غسَّان عن
عبد العزيز ابن عمران: أنَّ كِسرى لمَّا أغارَ بنو تميم وبنو شَيْبانَ على ماله أرسَلَ إليهم
عسكراً عليهم زهر مهر(٤)، فكانت وقعة ذي قارٍ، فقتلوا الفُرس وأسَروا أميرهم، فاشتَراه
صخر بن رَزِين الدِّيلي، فسَرَقَه منه رجل من حَضرَ مَوت، فتَبِعَه صخر حتَّى افتَدَاه منه
فَقَدِمَ به مكَّة، وكان صَنّاعاً فعَتَقَ وأقامَ بمكَّة ووُلِدَ له أولاد نُجَباء، وتَزَوَّجَ أبو سفيان
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله: إنها بالعراق وإنها بين البصرة وهجر، ولعل عبارة العيني أدقّ منها، حيث قال
في «عمدة القاري» ١٦١/٤: بين البصرة وعمان. وهو موافق لما جاء في «معجم البلدان) لیاقوت، حیث
قال: البحرين اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان.
(٢) هذا الأثر في إسناده متروکان.
(٣) تحرف في (أ) إلى: زهر، وفي (س) إلى: زهر مز.
(٤) تحرفت في (س) إلى: زهر مز.

٤٨٣
باب ١ / ح ٣١٥٨
كتاب الجزية
ابنتَه الصَّعبة فصارت دَعْواهم في آل حرب، ثمَّ تَزَوَّجَها عُبيد الله بن عثمان والد طلحة
أحد العشرة، فوَلَدَت له طلحة.
قال: وقال غيرُ عبد العزيز: إنَّ كُلُوم بن رَزِين أو أخاه الأسوَد خرج تاجراً، فرأى
بحَضرَ موتَ عبداً فارساً نَجّاراً يقال له: زهر مهر(١)، فقَدِمَ به مكَّة ثمَّ اشتَراه من مَولاه،
وكان حِمَرّاً يُكنى أبا رِفاعةَ، فأقامَ بمكَّة فصارَ يقال له: الحضرمي، حتَّى غَلَبَ على اسمه،
فجاوَرَ أبا سفيان وانقَطَعَ إليه، وكان آل رَزِين حُلَفاء لحربٍ بن أُمَيَّة، وأسلَمَ العلاء قديماً،
ومات الثلاثة المذكورونَ أبو عبيدة، والعلاء باليمن، وعمرو بن عوف، في خلافة عمر
رضي الله عنهم (٣).
قوله: ((فقَدِمَ أبو عُبِيدَة)) تقدَّم في كتاب الصلاة (٤٢١) بيان المال المذكور وقَدرُه، وقصّة
العبّاس في الأخذ منه، وهي التي ذُكِرَت هنا أيضاً.
قوله: ((فسمعَت الأنصار بقُدُوم أبي عُبِيدَة فَوَافَتْ صلاة الفجر)) يُؤخَذ منه أنَّهم كانوا لا
يجتمعونَ/ في التَّجميع في كلّ الصَّلَوات إلَّا لأمر يَطرأ، وكانوا يُصلّونَ في مساجدهم، إذ ٢٦٣/٦
كان لكلِّ قبيلة مسجد يجتمعونَ فيه، فِلأجل ذلك عَرَفَ النبي ◌ِّرِ أَّهم اجتَمَعوا لأمرٍ،
ودَلَّتِ القَرِينة على تعيين ذلك الأمر، وهو احتياجهم إلى المال للتَّوسِعة عليهم، فأبوا إلَّا أن
يكون للمُهاجرينَ مِثْلُ ذلك، وقد تقدَّم هناك من حديث أنس (٤٢١)، فلمَّا قَدِمَ المالُ رأوا
أنَّ لهم فيه حقّاً. ويحتمل أن يكون وعَدَهم بأن يُعطيهم منه إذا حَضَرَ، وقد وَعَدَ جابراً بعد
هذا أن يُعطيه من مال البحرین فوَلَّ له أبو بكر(٣).
قوله: ((فَتَعَرَّضوا له)) أي: سألُوه بالإشارة.
قوله: ((قالوا: أجَلْ يا رسول الله)) قال الأخفَش: ((أجَل)) في المعنى مِثل ((نعم)) لكنَّ((نَعَم))
يَحسُن أن تُقال في جواب الاستفهام، و((أجَل)) أحسن من ((نعم)) في التَّصديق.
(١) تحرفت في (أ) إلى: هرمز، وفي (س) إلى: زهر مز.
(٢) يعنى أن الثلاثة ماتوا في خلافة عمر، لا أن عبيدة توفي باليمن.
(٣) سلف عند البخاري برقم (٢٢٩٦).

٤٨٤
باب ١ / ح ٣١٥٩ - ٣١٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فأبشِرُوا)) أمر معناه الإخبار بحصول المقصود.
قوله: ((فَتَنَافَسُوها)) يأتي الكلام عليه في كتاب الرِّقاق (٦٤٢٥) إن شاء الله تعالى.
وفي هذا الحديث أنَّ طلب العطاء من الإمام لا غضاضة فيه. وفيه البُشرى من الإمام
لأتباعه، وتوسيع أمَلهم منه. وفيه من أعلام النبوَّة إخباره بَّهبما يُفْتَح عليهم. وفيه أنَّ
المنافسة في الدُّنیا قد تجرّ إلى هلاك الدّین. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص
عند مسلم (٢٩٦٢) مرفوعاً: ((تَتَنَافَسونَ، ثمَّ تَتَحاسَدونَ، ثمَّ تَتَدابَرونَ، ثمَّ تَتَبَاغَضونَ)) أو
نحو ذلك، وفيه إشارة إلى أنَّ كلّ خَصْلة من المذكورات مُسَبَّبة عن التي قبلها، وسيأتي
بقيَّة الكلام على ذلك في الرِّقاق (٦٤٢٥)، إن شاء الله تعالى.
ثالثها:
٣١٥٩- حدَّثنا الفَضْلُ بنُ يعقوبَ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ الرَّقِّيُّ، حدَّثنا المعتَمِرُ بنُ
سليمانَ، حدَّثنا سعيدُ بنُ عُبَيدِ الله الثَّقَفيُّ، حدَّثنا بَكْرُ بنُ عبدِ الله المُزَنيُّ وزيادُ بنُ مُبَير، عن
مُّبَيرِ بنِ حَيَّةَ، قال: بَعَثَ عمرُ الناسَ في أفناءِ الأمصار يقاتلونَ المشركينَ، فأسلَمَ الهُرْمُزانُ،
فقال: إنّ مُستَشِيرُكَ في مغازيَّ هذه، قال: نعم، مَثَلُها ومَثَلُ مَن فيها من الناسِ من عدوٌّ
المسلمينَ مَثَلُ طائرٍ له رأسٌ وله جَناحانِ وله رِجْلان، فإن كُسِرَ أحدُ الجناحَين نَهَضَتِ الرِّجْلان
بِجَناحٍ والرَّأسِ، فإن كُبِرَ الجناحُ الآخَرُ نَهَضَتِ الرِّجْلانِ والرَّأسُ، وإن شُدِخَ الرَّأْسُ ذَهَبَتِ
الرِّجْلانِ والجناحانِ والرَّأسُ، فالرَّأسُ كِسْرَى والجناحُ قَيصَرُ، والجناحُ الآخَرُ فارسُ، فمُرٍ
المسلمينَ فلْيَنِفِروا إلى کِسْرَى.
وقال بَكْرٌ وزيادٌ جميعاً، عن جُبَير بنِ حَيَّةَ، قال: فَتَدَبَنا عمرُ، واستَعْمَلَ علينا التُّعْمَانَ بنَ
مُقرٍِّ، حتَّى إذا كنَّا بأرضِ العدوِّ خَرَجَ علينا عاملُ كِسْرَى في أربعينَ ألفاً، فقامَ تَرْجُمانٌ فقال:
ليُكلِّمْني رجلٌ منكم، فقال المغيرةُ: سَل عَمَّ شِئتَ، فقال: ما أنتمْ؟ قال: نحنُ أُناسٌ من العربِ
كنَّا في شَقاءٍ شديدٍ وبَلاءٍ شديدٍ، نَمَصُّ الجلدَ والَّوَى من الجوعِ، وَلْبَسُ الوَبَرَ والشَّعَرَ، ونَعبُدُ
الشَّجَرَ والحجرَ، فبينا نحنُ كذلك إذ بَعَثَ رَبُّ السَّماوات وربُّ الأَرَضِینَ - تعالی ذِكْرُه وجَلَّت

٤٨٥
باب ١ / ح ٣١٥٨ -٣١٦٠
كتاب الجزية
عَظَمَتُه - إلينا نبيّاً من أنفُسِنا نَعْرِفُ أباه وأمَّه، فأمَرَنا نبيُّنا رسولُ ربِّنَا وَِّ أَنْ نُقاتلَكم حتَّى
تَعْبُدُوا الله وحدَه، أو تُؤْدُّوا الجِزْيَةَ، وأخبَرَنا نبيُّنَا وَِّ عن رسالةِ ربِّنا أنَّه مَن قُتِلَ منَّا صارَ إلى
الجنَّةِ فِي نَعِيمِ لم يَرَ مِثْلَهَا قَطَّ، ومَن بَقِيَ منَّا مَلَكَ رِقابَكم.
[طرفه في: ٧٥٣٠]
٣١٦٠- فقال التُّعْمَانُ: رُبَّمَا أَشهَدَكَ اللهُ مِثْلَها مع النبيِّ وَّه فلم يُندِّمْكَ ولم يُخْزِكَ، ولكنّي
شَهِدْتُ القتالَ مع رسولِ اللهِوَّه كان إذا لم يقاتلْ في أوَّلِ الَّهارِ انتَظَرَ حتَّى تَهُبَّ الأرواحُ،
وتَحَضُرَ الصَّلَواتُ.
قوله: ((حدَّثنا المعتَمِر بن سليمان)) كذا في جميع النُّسَخ بسكون العين المهمَلة وفتح المثنَّاة
وكسر الميم، وكذا وقع في ((مُستَخرَج الإسماعيلي)) وغيره في هذا الحديث، وزَعَمَ الدِّمياطي
أنَّ الصواب المعمَّر بفتح المهمَلة وتشديد الميم المفتوحة بغير مُثنَّة، قال: لأنَّ عبد الله بن
جعفر الرَّقِّي لا يروي عن المعتمِر البصري. وتُعقِّبَ بأنَّ ذلك ليس بكافٍ في رَدِّ الرِّوايات
الصحيحة، وهَبْ أنَّ أحدهما لم يَدخُل بلد الآخر، أما يجوز أن يكونا التَّقَيا مثلاً في الحجّ أو
في الغَزو؟ وما ذكره مُعارَض بمِثلِهِ، فإنَّ المعمَّر بن سليمان رَقِّي، وسعيد بن عُبيد الله
بصري، فمَهما استَبعدَ من لقاء الرَّيِّ البصريَّ، جاء مِثلُه في لقاء الرَّقّي للبصري، وأيضاً
فالذين جمعوا رجال البخاري لم يَذكُرُوا فيهم المعمَّر بن سليمان الرَّقّي، وأطبقوا على ذِكْر
المعتمِر بن سليمان التَّيْمي البصري.
وأغرَبَ الكِرْماني فحكى أنَّه قيل: الصواب في هذا مَعمَر بن راشد، يعني: شيخ
عبد الرزّاق. قلت: وهذا هو الخطأ بعينه، فليست لعبد الله بن جعفر الرَّقّي عن مَعمَر بن
راشد روايةٌ أصلاً، والله المستعان.
ثُمَّ رأيت سَلَفَ الدِّمياطي فيما جَزَمَ به، فقال ابن قُرقُولٍ في ((المطالع)): وقع في التَّوحيد
(٧٥٣٠) وفي الجِزْية (٣١٥٩) عن الفضل بن يعقوب عن عبد الله بن جعفر: عن مُعتَمِر بن
سليمان عن سعيد بن عُبيد الله، كذا للجميع في الموضعينِ، قالوا: وهو وهم، وإنَّما هو

٤٨٦
باب ١ / ح ٣١٥٨ - ٣١٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
المعمَّر بن سليمان الرَّقّي، وكذا كان في أصل الأَصِيلي فزادَ فيه التاء وأصلَحَه في الموضعينِ،
قال الأَصِيلي: المعتمِر هو الصحيح، وقال غيره: المعمَّر هو الصحيح، والرَّي لا يروي عن
المعتمِر، قال: ولم يَذكُر الحاكم ولا الباجيُّ في رجال البخاري المعمَّر بن سليمان، بل قال
الباجيُّ في ترجمة عبد الله بن جعفر: يروي عن المعتمِر. ولم يَذكُر له البخاري عنه رواية(١).
قوله: ((حدَّثْنا سعيد بن عُبيد الله الثَّقَفي)) هو ابن جُبَير بن حَيَّة المذکور بعدُ، وزیاد بن
جُبیر شیخه هو عمُّه(٢).
قوله: ((عن جُبَير بن حَيَّةٌ)) هو جَدّ زياد(٣)، وحَيَّة أبوه بمُهمَلة وتحتانية مُثقَّلة، وهو من
كِبار التابعينَ، واسم جدِّه مسعود بن مُعِّب بمُهمَلة ومُثَّة ثمَّ موخَّدة، ومنهم مَن عَدَّه في
الصحابة، وليس ذلك عندي ببعيدٍ، لأنَّ مَن شَهِدَ الفُتُوح في وسَط خلافة عمر يكون في
عَهد النبيِ وَّهِ تُميّزاً، وقد نَقَلَ ابن عبد البَرِّ أنَّه لم يبقَ في سنة حَجَّة الوداع من قريش
وثقيف أحدٌ إلَّا أسلَمَ وشَهِدَها، وهذا منهم، وهو من بيت كبير، فإنَّ عمَّه عُرْوة بن
٢٦٤/٦ مسعود كان رئيس ثقيف في زمانه، والمغيرة بن شُعْبة ابن عمّه. / ووقع في رواية الطَّبَري(٤)
من طريق مُبارَك بن فضالةً عن زياد بن ◌ُبیر: حدثني أبي. ولسعید حفيده رواية أُخرى في
الأشربة (٥٤٨٤) والتَّوحید (٧٥٣٠)، وعمّه زیاد بن ◌ُبیر تقدّمت له روایات أُخرى في
الصوم (١٩٩٤) والحجّ (١٧١٣). وذكر أبو الشَّيخ أنَّ جُبَير بن حَيَّة وليَ إمرة أصبهانَ
ومات في خلافة عبد الملك بن مروان.
(١) هذه العبارة نقلها الحافظ عن القاضي عياض، فاختصرها اختصاراً أوهم أن جملة ((ولم يذكر له البخاري
عنه رواية)) من قول الباجيّ، ولم يذكرها الباجي في ((التعديل والتجريح)) ٨١٤/٢، وإنما هي من قول
القاضي عياض في ((المشارق)) ٣٩٦/١ حيث قال: ولم يذكر البخاري في ((التاريخ)) لابن جعفر الرقي
رواية عن المعتمر.
(٢) في (س): ابن عمه، وهو خطأ.
(٣) هذا سبق قلم من الحافظ رحمه الله، لأن جبيراً أبو زياد، وليس جدَّه.
(٤) في ((تاريخه)) ١١٧/٤ - ١٢٠.

٤٨٧
باب ١ / ح ٣١٥٨ -٣١٦٠
كتاب الجزية
قوله: (بَعَثَ عُمَر الناس في أفناء الأمصار)) أي: في مجموع البلاد الكِبار، والأفناء بالفاءِ
والنّون ممدود: جمع فِنوٍ، بكسر الفاء وسكون النّون، ويقال: فلان من أفناءِ الناس: إذا لم
تُعيَّن قبیلتُه.
والمِصْر: المدينة العظيمة، ووقع عند الكِرْماني: الأنصار، بالنّون بدلَ الميم، وشَرَحَ
عليه، ثمَّ قال: وفي بعضها: الأمصار.
قوله: ((فأسلَمَ الهُرْمُزان)) في السِّياق اختصار كثير، لأنَّ إسلام الهُرُمُزانِ كان بعد قتال
كثير بينه وبين المسلمين بمدينة تُسْتَرَ، ثمَّ نزل على حُكم عمر فأسَرَه أبو موسى الأشعري
وأرسَلَ به إلى عمر مع أنس، فأسلَمَ فصارَ عمر يُقرِّبه ويستشيره، ثمَّ اتَّفَقَ أنَّ عُبيد الله
- بالتَّصغير - بنَ عمر بن الخطّاب النَّهَمَه بأنَّه واطاً أبا لُؤلُؤة على قتل عمر، فعَدًا على
الهُرُمُزانِ فقتله بعد قتل عمر، وستأتي قصَّة إسلام الهُرُمُزانِ بعد عشرة أبواب (١١). وهو
بضمِّ الهاء وسكون الرّاء وضمّ الميم بعدها زاي، وكان من عُظَماء الفُرس.
قوله: ((إنّ مُستَشيرك في مغازيَّ) بالتَّشديد، وهذه إشارة إلى ما في قَصْده، ووقع في رواية
ابن أبي شَيْبة (٨/١٣-١٢) من طريق مَعِقِل بن يسار: أنَّ عمر شاوَرَ الهُرُمُزان في فارس
وأصبَهَانَ وأذْرَبِيجان أي: بأيّها يَبدَأ، وهذا يُشعِر بأنَّ المراد أنَّه استشارَه في چِهات مخصوصة،
والهُرُمُزان كان من أهل تلك البلاد، وكان أعلمَ بأحوالها من غيره، وعلى هذا ففي قوله في
حديث الباب: فالرَّأس كِسرى، والجناح قَيَصَر، والجناح الآخر فارس. نظرٌ، لأنَّ كِسرى هو
رأس أهل فارس، وأمَّا قَيَصَر صاحب الرُّوم فلم يكن کِسرى رأساً لهم. وقد وقع عند
الطََّري (٤/ ١١٧ - ١٢٠) من طريق مُبارَك بن فَضَالة المذكورة قال: فإنَّ فارس اليوم رأسٌ
وجناحان، وهذا موافق لرواية ابن أبي شَيْبة (٨/١٣-١٢) وهو أولى، لأنَّ قَيَصَر كان بالشّام
ثمَّ ببلاد الشّمال، ولا تعلّق لهم بالعراق وفارس والمشرق، ولو أراد أن يجعل کِسری رأس
الملوك، وهو مَلِك المشرق، وقَصَر مَلِك الرُّوم دونه، ولذلك جَعَلَه جَناحاً، لكان المناسب
أن يجعل الجناح الثَّاني ما يُقابله من جِهَة اليمين: كملوكِ الهند والصِّين مثلاً، لكن دَلَّت

٤٨٨
باب ١ / ح ٣١٥٨ - ٣١٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
الرِّواية الأُخرى على أنَّه لم يُرِد إلَّا أهل بلاده التي هو عالمٌ بها، وكأنَّ الجيوش إذ ذاكَ كانت
بالبلاد الثلاثة، وأكثرها وأعظَمها بالبلدة التي فيها كِسرى، لأنَّه كان رأسَهم.
قوله: ((فمُرِ المسلمين فَلْيَتِفِروا إلى كِسْرى)) في رواية مُبارَك أنَّ الهُرُمُزان قال: فاقطَع
الجناحَين يَلِن لك الرَّأس. فأنكَرَ عليه عمر فقال: بل أَقطَعُ الرَّأس أوَّلاً، فيحتمل أنَّه لمَّا
أنگرَ علیه عادَ فأشارَ علیه بالصواب.
قوله: ((واستَعْمَلَ علينا النُّعْمان بن مُقرِّن)) بالقاف وتشديد الرّاء: وهو المُزَني، وكان من
أفاضل الصحابة، هاجَرَ هو وإخوة له سبعة، وقيل: عشرة، وقال ابن مسعود: إنَّ للإيمانِ
بيوتاً، وإنَّ بيت آل مُفرِّن من بيوت الإيمان، وكان النُّعمان قَدِمَ على عمر بفتح القادسية،
ففي رواية ابن أبي شَيْبة (٨/١٣-١٢) المذكورة: فدَخَلَ عمر المسجد فإذا هو بالنُّعمانِ يُصلّي
فَعَدَ، فلمَّا فَرَغَ قال: إنّي مُستَعمِلُك، قال: أَمَّا جابياً فلا، ولكن غازياً، قال: فإنَّك غازٍ،
فخَرَجَ معه الزُّبير وحُذَيفة وابن عمرُ والأشعَث وعَمرو بن معدي گَرِبَ، وفي رواية
الطَّبَري (٤/ ١١٧ - ١٢٠) المذكورة: فأراد عمر المسير بنفسِه، ثمَّ بَعَثَ النُّعمان ومعه ابن
عمر وجماعة، وكَتَبَ إلى أبي موسى أن يسير بأهل البصرة، وإلى حُذَيفة أن يسير بأهل
الكوفة، حتَّى يجتمعوا بنَهاوَند - وهي بفتح النّون والهاء والواو وسكون النون الثّانية -
قال: وإذا التَقَيْتُم فأميرُكم النُّعمان بن مُقرِّن.
قوله: ((حتَی إذا کنّا بأرضِ العدوّ)) وقد عُرِفَ من رواية الطَّبري أنَّها تهاوَند.
قوله: (خَرَجَ علينا عامل كِسْرى)) سمَّه مُبارَك بن فضالة في روايته: بُنداراً، وعند ابن
أبي شَيْبة (٨/١٣-١٢): أنَّه ذُو الحاجبَين(١)، فلعلَّ أحدهما لَقَبُه.
٢٦٥/٦
قوله: ((فقامَ تَرْجُمان)» في رواية الطَّبَري من الزّيادة: فلمَّ اجتَمَعوا أرسَلَ بُندارٌ إليهم: أن
أُرسِلوا إلينا رجلاً نكلِّمه، فأرسَلُوا إليه المغيرة، وفي رواية ابن أبي شَيْبة (٩/١٣ ١٢):
وكان بينهم نهر، فسَرَّحَ إليهم المغيرة، فعَبَرَ النَّهر، فشاوَرَ ذُو الحاجبَين(١) أصحابه: كيف
(١) تحرف في الأصلين و(س) في الموضعين إلى: الجناحين، والتصويب من النسخ المحققة من ((مصنف ابن =

٤٨٩
باب ١ / ح ٣١٥٨ - ٣١٦٠
كتاب الجزية
نَقعُد للرَّسولِ؟ فقالوا له: اقعُد في هيئة الملِك وبَهَجَته، فقَعَدَ على سَريره ووَضَعَ التاجَ على
رأسه، وقامَ أبناء الملوك حَولَ سِماطَينِ عليهم أساوِر الذَّهب والقِرَطة والدّيباج، قال: فأذِنَ
للمغيرة، فأخَذَ بضَبعَيه رجلان ومعه رُمحِه وسيفه، فجَعَلَ يَطعُن برُمِه في بُسُطهم ليتَطيَُّوا،
وفي رواية الطَّبَري: قال المغيرة: فمَضَيت ونَكَّست رأسي، فدُفِعْتُ، فقلت لهم: إنَّ الرُّسلَ
لا يُفعل بهم هذا.
قوله: ((ما أنتم)) هكذا خاطَبَه بصيغة مَن لا يَعقِل احتقاراً له، وفي رواية ابن أبي شَيْبة
(٩/١٣): فقال: إنَّكم مَعشَر العرب أصابكم جُوع وجَهْد فجئتُم، فإن شئتُم مِرناكم
- بكسر الميم وسكون الرّاء، أي: أعطَيناكم المِيرةَ، أي: الزّاد - ورَجَعتُم. وفي رواية
الطَّبَري: إنَّكم معشرَ العرب أطوَلُ الناس جوعاً، وأبعَدُ الناس من كلّ خير، وما مَنَعَني أن
آمُرَ هؤلاءِ الأساوِرة أن يَنتَظِمُوكم بالنُّشَّاب إلَّا تَنَجُّساً لِحِيَفِكم. قال: فحَمِدتُ الله وأثنيت
عليه، ثمَّ قلت: ما أخطأتَ شيئاً من صِفَتِنا، كذلك كُنّا، حتَّى بَعَثَ الله إلينا رسوله.
قوله: ((نَعْرِف أباه وأمّه)) زادَ في رواية ابن أبي شَيْبة: في شَرَف منَّا، أوسَطنا حَسَباً،
وأصدَقنا حديثاً.
قوله: ((فأمَرَنا نُبُّنا رسولُ ربِّنا أن نُقاتلَكم حتَّى تَعبدوا الله وحدَه، أو تُؤدّوا الجِزْية» هذا
القَدْر هو الذي يُحتاج إليه في هذا الباب، وفيه إخبار المغيرة أنَّ النبي ◌َّهِ أَمَرَ بقتال
المَجُوس حتَّى يُؤدّوا الجِزْية، ففيه دفع لقول مَن زَعَمَ أنَّ عبد الرَّحمن بن عوف تَفرَّدَ
بذلك، وزادَ في رواية الطَّبَري: وإنّا والله لا نَرجِعُ إلى ذلك الشَّقاء أبداً، حتَّى نَغلَِكم على
ما في أیدیکم.
قوله: ((فقال النُّعْمان)) هكذا وقع في هذه الرِّواية مختصراً، قال ابن بَطَّل: قول النُّعمان
للمغيرة: رُبَّمَا أَشْهَدَك الله مِثلها، أي: مِثل هذه الشِّدَّة.
= أبي شَيْبة))، وكذلك جاء عند ابن أبي عمر العدني كما في ((إتحاف الخيرة)) للبوصيري (٦٣٢٨)، والطبري
في («تاريخه)) ١٤٢/٤، والحاكم ٢٩٣/٣، وأبي نعيم في ((أخبار أصبهان)) ٢١/١. وسيأتي على الصواب
في (أ) عند ذكر وقوعه من على بغلته ومَصْرعه.

٤٩٠
باب ١ / ح ٣١٥٨ -٣١٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((فلم يُندِّمْك)) أي: ما لَقيتَ معه من الشِّدَّة ((ولم يُحِزِنْكَ)) أي: لو قُتِلت معه
العلمِك بما تصير إليه من النَّعيم وثواب الشَّهادة. قال(١): وقوله: ولكنّي شَهِدتُ ... إلى
آخره، کلام مُستأنف وابتداء قصّة أُخرى. انتهى.
وقد بيَّن مُبارَك بن فَضَالة في روايته عن زياد بن جُبَير ارتباط كلام النُّعمان بما قبله،
وبسياقه يَتَبَيَّن أنَّه ليس قصَّةً مُستأنَفةً، وحاصله أنَّ المغيرة أنكَرَ على النُّعمان تأخير القتال،
فاعتَذَرَ النُّعمان بما قاله. وما أوَّلَ به قولَه: فلم يُندِّمك ... إلى آخره، فيه أيضاً نظر، والذي
يَظهَر أنَّه أراد بقوله: فلم يُندِّمك، أي: على التأنّي والصَّبر حتَّى تَزُول الشمس، وقوله:
((ولم يُحِزِنك)) شرَحَه على أنَّه بالمهمَلة والنّون من الحُزن، وفي رواية المُستَمْلِي بالخاءِ
المعجمة بغير نون، وهو أوجَه لوِفاق ما قبله، وهو نَظِير ما تقدَّم في وفد عبد القيس: ((غير
خَزايا ولا نَدامی)»(٢).
ولفظ مُبارَك مُلخَّصاً: أنَّهم أرسَلوا إليهم: إمَّا أن تَعْبُرُوا إلينا النَّهر أو نَعبُر إليكم، قال
النُّعمان: اعبُرُوا إليهم، قال: فتَلاقَوا، وقد قَرَنَ بعضهم بعضاً، وألقَوا حَسَك الحديد
خَلفهم لئلا يَفِرُّوا، قال: فرأى المغيرة كَثرتهم، فقال: لم أرَ كاليوم فشَلاّ أنَّ عدوّنا يُترَكون
يَتْأهَّبونَ، أما والله لو كان الأمر إليَّ لقد أعجَلتُهم، وفي رواية ابن أبي شَيْبة (١٠/١٣):
فصافَفناهم، فرَشَقُونا حتَّى أسرَعوا فينا، فقال المغيرة للتُّعمانِ: إنَّه قد أُسرِعَ في الناس فلو
حَلتَ، فقال النُّعمان: إنَّك لَذُو مناقب، وقد شَهِدت مع رسول الله وَل﴿ مِثلها، وفي رواية
الطَّبَري (١١٩/٤): قد كان الله أشهَدَك أمثالها، وإنه والله ما مَنَعَني أن أُنَاجِزَهم إلَّ شيء
شَهِدتُه من رسول الله وَله.
قوله: ((حتَّى تَهُبَّ الأرواح)) جمع ريح، وأصله الواو، لكن لمَّ انكَسَرَ ما قبل الواو الساكنة
انقَلَبَت ياء، والجمع يَرُدّ الأشياء إلى أُصولها، وقد حكى ابن چِنّي جمع ربح على أرباح.
(١) القائل ابن بطال.
(٢) سلف عند البخاري برقم (٥٣).

٤٩١
باب ١ / ح ٣١٥٨ - ٣١٦٠
كتاب الجزية
قوله: ((وَحَضُرَ الصَّلَوات)» في رواية ابن أبي شَيْبةٍ(١) (١٠/١٣-١١): وتَزُول الشمس،
وهو بالمعنى، وزادَ في رواية الطَّبَري (١١٩/٤): / ويَطِيب القتال، وفي رواية ابن أبي شَيْبة: ٢٦٦/٦
ويَنزِل النَّصر، وزادَ ((معاً)) واللَّفظ لمبارَكِ بن فضالة عن زياد بن جُبَير(٢): فقال النُّعمان:
اللهمَّ إنّي أسألك أن تُقِرَّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عِزّ الإسلام وذُلّ الكفر والشَّهادة لي،
ثمّ قال: إنّ هازّ اللِّاء فَتَيسَّروا للقتال، وفي رواية ابن أبي شَيْبة: فليقضِ الرجل حاجتَه
وليَتَوضَّأ، ثمَّ هازُّه الثَّانيةَ فتأهَّبُوا، وفي رواية ابن أبي شَيْبة: فليَنظُر الرجل إلى نفسه(٣)
ويَرُمَّ(٤) من سلاحه، ثمَّ هاّه الثَّالثةَ فاحِلُوا، ولا يَلْوِيَنَّ أحد على أحد ولو قُتِلتُ، فإن
قُتِلتُ فعلى الناس حُذَيفة. قال(٥): فحَمَلَ وحَلَ الناس، فوالله ما عَلِمت أنَّ أحداً يومَئذٍ
يريد أن يَرجِعَ إلى أهله حتَّى يُقتَل أو يَظْفَرِ، فَثَبَتوا لنا، ثمَّ انهَزَموا، فجَعَلَ الواحد يقع على
الآخر فيَقتُل سبعة، وجَعَلَ الحَسَك الذي جَعَلُوه خلفهم يعقِرهم، وفي رواية ابن أبي
شَيْبة: ووقع ذُو الحاجبين(٦) عن بغلة شَهْباء فانشَقَّ بطنُه، ففَتَحَ الله على المسلمين، وفي
رواية الطَّبَري: وجَعَلَ النُّعمان يَتقدَّم باللِّواءِ، فلمَّا تَحَقَّقَ الفتحُ جاءته نُشّابة في خاصرته
فصَرَعَته، فسَجّاه أخوه مَعقِل ثوباً وأخَذَ اللِّواء، ورَجَعَ الناس فنزلوا وبايعوا حُذَيفة،
فكَتَبَ بالفتح إلى عمر مع رجل من المسلمين. قلت: وسَّه سيفٌ في ((الفُتوح)) طَريف بن
سهم، وعند ابن أبي شيبة (١٣/ ١٢) من طريق عليّ بن زید بن جُدْعان عن أبي عثمان - هو
النَّهْدي - أنَّه ذهب بالبِشارة إلى عمر، فيُمكِن أن يكونا تَرافَقا، وذكر الطَّبَري أنَّ ذلك كان سنة
تسع عشرة، وقيل: سنة إحدى وعشرينَ.
(١) هذه الفقرة من الحديث أخرجها أبو داود (٢٦٥٥)، والترمذي (١٦١٣)، والنسائي في ((الكبرى))
(٨٥٨٣)، وفيها هذه الألفاظ التي ذكر الحافظ أنها في رواية ابن أبي شَيْبة.
(٢) يعني الرواية التي عند الطبري.
(٣) الذي في النسخ المحققة من ((مصنف ابن أبي شَيْبة)): إلى شِسْعِه، بدل: إلى نفسه.
(٤) تحرف في (س) إلى: ويرمي، ويَرُمُّ من رَمَّ الشيءَ يَرُمَّه رَمَّاً، أي: أصلَحَه.
(٥) هذا في رواية الطبري.
(٦) تحرف في (ع) و(س) إلى: الجناحين.

٤٩٢
باب ٢ / ح ٣١٦١
فتح الباري بشرح البخاري
وفي الحديث مَنقَبة للنُّعمان. ومعرفة المغيرة بالحربِ وقوَّة نفسه وشهامته وفَصاحَته
وبلاغَته، ولقد اشتَمَلَ كلامه هذا الوجيز على بيان أحوالهم الدُّنيَوية من المَطعَم والمَلَبَس
ونحوهما، وعلى أحوالهم الدِّينية أوَّلاً وثانياً، وعلى مُعتَقَدهم من التَّوحيد والرِّسالة
والإيمان بالمَعَاد، وعلى بيان مُعجِزات الرَّسول وَ له وإخباره بالمغيَّيات ووقوعها كما
أخبَرَ. وفيه فضل المشُورة، وأنَّ الكبير لا نَقصَ عليه في مُشاوَرة مَن هو دونه. وأنَّ
المفضول قد يكون أميراً على الأفضل، لأنَّ الزُّبير بن العَوّام كان في جيش عليه فيه النُّعمان
ابن مُقرِّن، والزُّبير أفضل منه اتّفاقاً، ومِثلُه تأمير عَمْرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر
وعمر كما سيأتي في أواخر المغازي (٤٣٥٨).
وفيه ضرب المثل، وجَوْدة تَصَوُّر الهُرْمُزان، ولذلك استَشارَه عمر، وتشبيهُ الغائبِ
المحسوس (١) بحاضرٍ محسوس لتقريبِه إلى الفَهْم، وفيه البِداءَة بقتال الأهمِّ فالأهمِّ، وبيان ما
كان العرب عليه في الجاهلية من الفقر وشَظَف العيش. والإرسال إلى الإمام بالبِشارة.
وفضل القتال بعد زوال الشمس على ما قبله، وقد تقدَّم ذلك في الجهاد (٢٩٦٥)، ولا
يعارضه ما تقدَّم: أنَّه وَ له كان يُغير صباحاً(٢)، لأنَّ هذا عند المصافَفة، وذاكَ عند الغارة.
٢- باب إذا وادع الإمام ملك القرية هل يكون ذلك لبقيّتهم؟
٣١٦١- حدَّثْنَا سَهْلُ بنُ بَكّارٍ، حذَّثنا وُهَيبٌ، عن عَمرِو بنِ يحيى، عن عبَّاسِ الساعدِيِّ،
عن أبي مُميدٍ الساعدِيِّ، قال: غَزَوْنا مع النبيِّ وََّ تَبُوكَ، وأهْدَى مَلِكُ أيلةَ للنبيِّ وَ بَغْلَةً
بيضاء، و کساه بُزْداً، و کَتَبَ له بنخرِهم.
قوله: ((باب إذا وادَعَ الإمام مَلِك القَرْيَة هل يكون ذلك لبقيّتِهم؟)) أي: لبقيّة أهل القرية.
أورد فيه طرفاً من حديث أبي حُميدٍ الساعدي: غَزَونا مع النبي ◌َّهِ تَبُوك فأهدى مَلِك أيلةَ
بَغلة، الحديث، وقد تقدَّم بتمامه في كتاب الزكاة (١٤٨١).
(١) في (س): لغائب المجوس.
(٢) كما سيأتي في حديث أنس في باب غزوة خيبر برقم (٤١٩٧): أن رسول الله وَّو إذا أتى قوماً بليل لم يُغِرْ
بهم حتى يصبح.

٤٩٣
باب ٣ / ح ٣١٦٢
كتاب الجزية
وقوله: ((وکَساه بُرْداً) كذا فيه بالواو، ولأبي ذرِّ بالفاءِ، وهو أولى، لأنَّ فاعل ((کَسا)» هو
النبيُّ ◌َلِ.
٢٦٧/٦
وقوله: ((بَحْرِهم)) أي: بقريَتِهم.
قال ابن المنيِر: لم يقع في لفظ الحديث عند البخاري صيغة الأمان، ولا صيغة الطََّب،
لكنَّه بَناه على العادة في أنَّ الملِك الذي أهدى إنَّما طلب إبقاء مُلكه، وإنَّما يَبقى مُلكه ببقاءِ
رَعيّته، فيُؤْخَذ من هذا أنَّ موادَعَته موادَعةٌ لرَعيْتِه.
قلت: وهذا القَدْر لا يَكفي في مطابقة الحديث للتَّرجمة، لأنَّ العادة بذلك معروفة من
غير الحديث، وإنَّما جَرى البخاري على عادته في الإشارة إلى بعض طرق الحديث الذي
يُورِده، وقد ذكر ذلك ابن إسحاق في ((السّيرة))(١) فقال: لمَّا انتهى النبي ◌َّهِ إلى تَبُوك أتاه
يُحَنَّة بن رُؤبة صاحب أيلةَ فصالحه وأعطاه الجِزْية، وكَتَبَ له رسول الله وَليل كتاباً فهو
عندهم: ((بسم الله الرَّحمن الرّحيم. هذه أمَنةٌ من الله ومحمَّدٍ النبي رسول الله ليُحَنَّة بن
رُؤية وأهل أَيْلةَ)) فذكره.
قال ابن بَطَّال: العلماء مُجُمِعونَ على أنَّ الإمام إذا صالَحَ مَلِك القرية، أنَّه يَدخُل في
ذلك الصُّلح بَقيتُهم، واختَلَفوا في عكس ذلك، وهو ما إذا استأمَنَ لطائفة مُعيَّنَة: هل
يَدخُل هو فيهم؟ فذهب الأكثر إلى أنَّه لا بدَّ من تعيينه لفظاً، وقال أصبَغُ وسَحْنون: لا
يحتاج إلى ذلك، بل يَكتَفي بالقَرِينة، لأنَّه لم يأخذ الأمان لغيره إلَّ وهو يَقصِد إدخال نفسه.
٣- باب الوَصاةِ بأهل ذمَّة رسول الله وَل
والذِّمَّةُ: العهدُ، والإُلُّ: القرابةُ.
٣١٦٢- حدثنا آدمُ بن أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا أبو جَمْرةَ، قال: سَمعتُ جُويريةَ
ابنَ قُدامةَ التَّميميَّ، قال: سَمعتُ عمرَ بنَ الخطّابِ ﴾، قلنا: أَوصِنا يا أميرَ المؤمنينَ، قال:
أُوصيكم بذِمَّة الله، فإِنَّه ذمَّةُ نبِكم، ورِزقُ عِيالِكم.
(١) انظر ((السيرة)) لابن هشام ٢/ ٥٢٥.

٤٩٤
باب ٣ / ح ٣١٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب الوَصاة بأهلِ ذِمَّة رسول الله وَِّ)) الوَصَاة - بفتح الواو والمهمَلة ◌ُخُفَّفاً -
بمعنى الوَصيَّة، تقول: وصَّيته وأَوصَيته تَوْصيةً، والاسم الوَصَاة والوَصيَّة. وقد تقدَّم
بسطه في أوَّل كتاب الوصايا(١).
قوله: ((والذِّمَّة: العَهْد، والإُلُّ: القَرابة)) هو تفسير الضَّحّاك في قوله تعالى: ﴿لَا يَقُبُونَ فِى
مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَةٌ ﴾ [التوبة: ١٠]، وهو كقول الشاعر:
وأشهَدُ أنَّ إِلَّكَ من قريشِ كإِلِّ السَّقْب من رَأْلِ النَّعامِ(٢)
وقال أبو عُبيدة في ((المجاز)): الإلُّ: العَهْدُ والميثاق واليمين، ومَجَاز الذِّمَّة: التَّذَمُّم،
والجمع: ذِمَم. وقال غيره: يُطلَق الإلُّ أيضاً على العَهْد وعلى الجِوَار. وعن مجاهد: الإلُّ:
الله، وأنگره علیه غيرُ واحد.
قوله: ((حدَّثنا أبو جَمْرة)) هو - بالجيم والرّاء - الضُّبَعي، صاحب ابن عبَّاس، وجُوَیریةٌ
ابن قُدامةَ - بالجيم مُصغّرٌ - ما له في البخاري سوى هذا الموضع، وهو مختصر من حديث
طويل في قصَّة مَقتَل عمر (٣٧٠٠)، وسأذكرُ ما فيه من فائدة زائدة في الكلام على حديث
عمر المذكور في مناقبه (٣٦٩٣). وقيل: إنَّ جُوَيريةَ هذا هو جارية بن قُدَامةَ الصَّحابي
المشهور، وقد بيَّنتُ في كتابي في الصحابة ما يُقوِّيه، فإن ثَبَتَ وإلَّا فهو من كبار التابعينَ.
قوله: ((أُوصيكم بذِمَّةِ الله، فإنَّ ذِمَّة نبيكم، ورِزْق عيالِكم)) في رواية عَمْرو بن ميمون
(٣٧٠٠): وأُوصيه بذِمَّة الله وذِمَّة رسوله أن يُوفي لهم بعَهدِهم، وأن يقاتل مِن ورائهم،
وأن لا يُكلَّفُوا إِلَّا طاقتَهم. قلت: ويُستَفاد من هذه الزّيادة أن لا يُؤخَذ من أهل الجِزْية إلَّا
قَدرُ ما يُطِيقُ المأخوذ منه.
وقوله في هذه الرِّواية: ((ورِزق عيالكم)) أي: ما يُؤخَذ منهم من الجِزْية والخَراج.
(١) قبل الحديث (٢٧٣٨).
(٢) البيت لحسان بن ثابت. وقوله: السَّقْب: ولد الناقة، ورأل النعام: ولدها، انظر ((اللسان)) (ألل)
و(سقب) وأراد أنه ضعيف النَّسب في قريش، وأن قرابته فيهم كقرابة ولد النعام بولد الناقة.

٤٩٥
باب ٤ / ح ٣١٦٣-٣١٦٥
كتاب الجزية
قال المهلَّب: في الحديث الحضُّ على الوفاء بالعَهْدِ، وحُسن النَّظَر في عَواقب الأُمور،
والإصلاح لمعاني المال وأُصول الاكتِساب.
٢٦٨/٦
٤- باب ما أَقْطَع النبيُّ وَ ◌ّر من البحرين، وما وَعَد من مال البحرَين والجِزْية،
ولمن يُقسَم الفي ءُ والجزية؟
٣١٦٣- حدّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا زهيرٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمعتُ أنساً ﴾
قال: دَعَا النبيُّ وَّهِ الأنصارَ ليَكتُبَ لهم بالبحرَين، فقالوا: لا والله حتَّى تَكْتُبَ لإخوانِنا من
قُرَيشٍ بِمِثلِها، فقال: ((ذاكَ لهم ما شاءَ اللهُ على ذلك)) يقولونَ له، قال: ((فإنَّكم سَتَرَونَ بعدي
أثَّرَةً، فاصبِروا حتَّى تَلْقَوني)).
٣١٦٤- حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرني رَوْحُ بنُ
القاسِمِ، عن محمَّدٍ بنِ المُنكَدِر، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: كان رسولُ الله ◌ِله
قال لي: (لو قد جاءَنا مالُ البحرَين قد أعطَتُكَ هكذا وهكذا وهكذا)). فلمَّا قُبِضَ رسولُ الله
﴿ وجاء مالُ البحرين، قال أبو بكرٍ: مَن كانت له عندَ رسولِ الله ◌َِّ عِدَةٌ فَلْيأتِني، فأتيتُه
فقلتُ: إنَّ رسولَ الله وَلِّ قد كان قال لي: «لو قد جاءَنا مالُ البحرين لأعطَيتُكَ هكذا وهكذا
وهكذا)) فقال لي: احتُهُ، فَحَثَوتُ حَتْيَةً، فقال لي: عُدَّها، فعَدَدْتُها، فَأَعطاني خمسَ مئةٍ، فأعطاني
ألفاً وخمس مئةٍ.
٣١٦٥- وقال إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيبٍ، عن أنسٍ: أَتي النبيُّ ◌َآلټ بمالٍ
من البحرَين، فقال: ((انتُرُوه في المسجدِ))، فكان أكثرَ مالٍ أَتْيَ به رسولُ اللهِ وَلَ، إذ جاءَه
العبَّاسُ، فقال: يا رسولَ الله، أَعطِنِي فإنّي فادَيتُ نفسي وفادَيتُ عَقِيلاً، فقال: ((خُذْ)) فحَثَا في
ثوبِهِ، ثمَّ ذهبَ يُقِلَّه فلم يَستَطِعْ، فقال: اؤْمُرْ بعضَهم يَرْفَعْه إليَّ، قال: ((لا)) قال: فارفَعْه أنتَ
عليَّ، قال: ((لا)) فَتَثَرَ منه، ثمَّ ذهب يُقِلَّه فلم يَسْتَطِع، فقال: اؤْمُرْ بعضَهم يَرْفَعْه عليَّ، قال: ((لا))
قال: فارفَعْه أنتَ عليَّ، قال: ((لا)) فتَثَرَ منه، ثمَّ احتَمَلَه على كاهِلِه ثمَّ انطَلَقَ، فما زالَ يُتِبِعُهُ بَصَرَه
حَتَّى خَفِيَ علينا، عَجَباً من حِرْصِه، فما قامَ رسولُ الله ◌َّهِ وَثَمَّ منها ◌ِرْهمٌ.

٤٩٦
باب ٤ / ح ٣١٦٣-٣١٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (باب ما أقطَعَ النبيُّ ◌َ لَّ من البحرين، وما وَعَدَ من مال البحرَين والجِزْية، ولمن
يُقْسَم الفَيءُ والجِزْية)) اشتَمَلَت هذه التَّرجمة على ثلاثة أحكام، وأحاديث الباب ثلاثة
مُوزَّعة عليها على التَّرتيب.
فأمَّا إقطاعه ◌َّهِ من البحرين فالحديث الأوَّل دالٍّ على أنَّه ◌ِوَجْ هَمَّ بذلك، وأشارَ على
الأنصار به مِراراً، فلمَّا لم يقبلوا تَرَكَه، فَتَزَّلَ المصنّف ما بالقُوَّة منزلة ما بالفعل، وهو في
حقّه وَله واضح، لأَنَّه لا يأمر إلَّا بما يجوز فعله، والمراد بالبحرين البلد المشهور بالعراق،
وقد تقدَّم في فرض الخمس(١): أنَّ النبي ◌َّ كان صالحهم وضَرَبَ عليهم الجِزْية، وتقدَّم في
كتاب الشِّرب (٢٣٧٦) في الكلام على هذا الحديث: أنَّ المراد بإقطاعها للأنصار تخصيصُهم
بما يَتَحصَّل من جِزِيَتها وخَراجها، لا تَليك رَقَبَتَها، لأنَّ أرض الصُّلح لا تُقْسَم ولا تُقْطَع.
وأمَّا ما وَعَدَ من مال البحرَين والجِزْية، فحديث جابر دالَّ علیه، وقد مضى في الخمس
(٣١٣٧) مشروحاً.
٢٦٩/٦
وأمَّا مَصِرِف الفَيء والجِزْية، فعَطفُ الجِزْية على الفَيء من عَطف الخاصّ على العامّ،
لأنَّها من ◌ُملة الفَيء، قال الشّافعي وغيره من العلماء: الفَيء: كلّ ما حَصَلَ للمسلمين ممَّا لم
يُوجِفوا عليه بخيلٍ ولا رِكاب، وحديث أنس المعلَّق يُشعِر بأنَّه راجع إلى نظر الإمام،
يُفضِّل مَن شاءَ بما شاءَ، وقد تقدَّم الحديث بهذا الإسناد المعلَّق بعينِه في المساجد من كتاب
الصلاة (٤٢١)، وذكرت هناك مَن وَصَلَه وبعضَ فوائده، وأعادَه في الجهاد وغيرِه بأخصَرَ
من هذا، وتقدَّم في الخمس (٣١٣٧): أنَّ المال الذي أُتيَ به من البحرين كان من الجِزْية،
وأنَّ مَصرِف الجِزْية مَصِرِف الفَيء، وتقدَّم بيان الاختلاف في مَصرِف الفَيء، وأنَّ المصنّف
يختار أنَّه إلى نظر الإمام، والله أعلم.
وروى عبد الرزَّاق (٩٧٧٢) في حديث عمر الطَّيل حين دَخَلَ عليه العبّاس وعليّ
يَخْتَصِمانٍ، قال: قرأ عمر: ﴿مََّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآيةَ [الحشر: ٧]، فقال(٢).
(١) بل في هذا الكتاب نفسه برقم (٣١٥٨).
(٢) تحرفت في (س) إلى: فقالوا.

٤٩٧
باب ٤ / ح ٣١٦٣ - ٣١٦٥
كتاب الجزية
استَوعَبَتْ هذه المسلمين، ورواه أبو عُبيد(١) من وجه آخر، وقال فيه: فاستَوعَبَت هذه الآية
الناسَ، فلم يَبقَ أحد إلَّا له فيها حقّ، إلَّا بعض مَن تَملِكونَ من أرِقّائكم، قال أبو عُبيد:
حُكم الفَيء والخراج والجِزْية واحد، ويَلْتَحِق به ما يُؤْخَذ من مال أهل الذِّمَّة مَن العُشر إذا
اتَّجَروا في بلاد الإسلام، وهو حقُّ المسلمين يُعَمُّ به الفقير والغني، وتُصرَف منه أُعطية
المقاتلة وأرزاق الذُّرّية وما يَنُوب الإمامَ من جميع ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.
واختَلَفَ الصحابة في قَسْم الفَيء: فذهب أبو بكر إلى التَّسوية، وهو قول عليٍّ وعطاء
واختيار الشّافعي، وذهب عمر وعثمان إلى التَّفضيل، وبه قال مالك، وذهب الكوفيونَ إلى
أنَّ ذلك إلى رأي الإمام: إن شاءَ فضَّلَ، وإن شاءَ سَوّى، قال ابن بَطَّال: أحاديث الباب
حُجَّة لمن قال بالتَّفضيل، كذا قال، والذي يَظهَر أنَّ مَن قال بالتَّفضيل يَشتَرِط التَّعميم،
بخِلاف مَن قال: إنَّه إلى نظر الإمام، وهو الذي تَدُلّ عليه أحاديث الباب، والله أعلم.
وروى أبو داود (٢٩٥٣) من حديث عوف بن مالك: كان النبي وَّ إذا جاءه فَيٌ قَسَمه
من يومه، فأعطى الآهِلَ حَظَّين، وأعطى العَزَب (٢) حَظّاً واحداً.
وقال ابن المنذر: انفرَدَ الشّافعي بقوله: إنَّ في الفَيء الخمسَ كَخُمس الغنيمة، ولا
يُحِفَظُ ذلك عن أحد من الصحابة ولا مَن بعدَهم، لأنَّ الآيات التاليات لآية الفَيء
معطوفات على آية الفَيء من قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] إلى آخرها، فهي مُفسِّرةٌ
لمَا تقدَّم من قوله: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧]، والشّافعي حَمَلَ الآية
الأُولى على أنَّ الِقِسْمة إِنَّمَا وَقَعَت لمن ذُكِرَ فيها فقط، ثمَّ لمَّا رأى الإجماعَ على أنَّ أُعطيةَ
المقاتِلة وأرزاق الذُّرّية وغير ذلك من مال الفَيء، تأوَّلَ أنَّ الذي ذُكِرَ في الآية هو الخمس،
فجَعَلَ خُمس الفَيء واجباً لهم، وخالَفَه عامَّة أهل العلم اتِّباعاً لعمرَ، والله أعلم.
(١) في ((الأموال)) (٤١). وفات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من النسائي (٤١٤٨)، فإنه فيه بالإسناد نفسه.
(٢) وقع في الأصلين و(س): الأعزب، والمثبت من الأصل الخطي الذي بخط الحافظ لـ ((سنن أبي داود)»،
وهو الأفصح في لغة العرب.

٤٩٨
باب ٥ / ح ٣١٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
وفي قصَّة العبَّاس دلالة على أنَّ سهم ذَوِي القُربى من الفَيء لا يَخْتَصّ بفقيرهم، لأنَّ
العبَّاس كان من الأغنياء، قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد في قول عمر: ما على
الأرض مسلم إلَّا وله في هذا الفَيء حقٌّ إلَّا ما مَلَكَت أيمانكم؛ قال: يقول: الفَيء للغَني
وللفقير، وكذا قال إسحاق بن راهويه.
٥- باب إثم من قتل مُعاھَداً بغیر ◌ُرْم
٣١٦٦- حدَّثنا قيسُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الحسنُ بنُ عَمرو، حدَّثنا
مجاهدٌ، عن عبدِ الله بنِ عَمٍو رضي الله عنهما، عن النبيِّ نَّه قال: ((مَن قَلَ مُعاهَداً لم يَرَحْ
رائحةَ الجنَّةِ، وإنَّ رِيحَها تُوجَدُ من مَسِيرةٍ أربعينَ عامً».
[طرفه في: ٦٩١٤]
٢٧٠/٦
قوله: ((باب إِثْم مَن قتلَ مُعاهَداً بغيرِ جُزْم)) كذا قَيَّدَه في التَّرجمة، وليس التَّقييد في الخبر،
لكنَّه مُستَفاد من قواعد الشَّرع، ووقع منصوصاً في رواية أبي معاوية الآتي ذِكرُها(١) بلفظ
((بغير حقّ))، وفيما أخرجه النَّسائي (٤٧٤٨) وأبو داود (٢٧٦٠) من حديث أبي بكرة بلفظ:
((مَن قتل نفساً مُعاهَدةً بغيرِ حِلُّها، حَرَّمَ الله عليه الجنَّة))، وسيأتي الكلام على المتن في
الدّيات (٦٩١٤)، فإنَّه ذكره فيه بهذا الإسناد بعينه. وعبد الواحد شيخ شيخه: هو ابن
زياد، والحسن بنُ عَمْرو: هو الفُقَيمي، بالفاءِ والقاف مُصغَّراً، كوفي ثقة، ما له في البخاري
سوی هذا الحدیث، وآخرَ في الأدب (٥٩٩١).
قوله: ((مجاهد عن عبد الله بن عَمْرو)) أي: ابن العاص، كذا قال عبد الواحد عن الحسن
ابن عَمْرو، وتابَعَه أبو معاوية عند ابن ماجَهْ (٢٦٨٦)، وعمرو بن عبد الغَفّار الفُقَيمي عند
الإسماعيلي، فهؤلاءِ ثلاثة رَوَوه هكذا(٢)، وخالَفَهم مروان بن معاوية فرواه عن الحسن بن
(١) هي عند ابن أبي شَيْبة في ((المصنف)) ٤٢٦/٩، والبيهقي ١٣٣/٨. وأخرجه ابن ماجه أيضاً من طريق أبي
معاوية، لكنه لم يَقُل في روايته: ((بغير حق)).
(٢) وكذلك رواه عبد الرحمن بن مغراء عن الحسن بن عمرو عند البزار (٢٣٧٣).

٤٩٩
باب ٦ / ح ٣١٦٧ -٣١٦٨
كتاب الجزية
عَمْرو فزادَ فيه رجلاً بين مجاهد وعبد الله بن عَمْرو: وهو جُنادةٌ بن أبي أُميَّة، أخرجه من
طريقه النَّسائي (٤٧٥٠)(١)، ورَجَّحَ الدَّارَقُطني رواية مروان لأجل هذه الزّيادة، لكنَّ سماع
مجاهد من عبد الله بن عَمْرو ثابت، وليس هو بمُدِّس، فيحتمل أن يكون مجاهدٌ سمعَه
أوَّلاً من جُنادَةَ ثُمَّ لَقي عبد الله بن عَمْرو، أو سمعاه معاً وثَبَّتَه فيه جُنادةٌ فحدَّث به عن
عبد الله بن عَمْرو تارةً، وحدَّث به عن جُنادةَ أُخرى، ولعلَّ السِّ في ذلك ما وقع بينهما من
زيادة أو اختلاف لفظ، فإنَّ لفظ النَّسائي (٤٧٥٠) من طريقه: ((مَن قتل قتيلاً من أهل
الذِّمَّة لم يَجِدْ ريح الجنَّة))، فقال: ((من أهل الذِّمَّة)) ولم يقل: ((مُعاهَدًا)) وهو بالمعنى، ووقع في
رواية أبي معاوية: ((بغير حقّ)) كما تقدَّم، ووقع في رواية الجميع: ((أربعينَ عامً)) إلَّا عَمْرو
ابن عبد الغَفّار، فقال: ((سبعينَ))، ووقع مِثله في حديث أبي هريرة عند التِّرمِذي (١٤٠٣).
تنبيهان:
أحدهما: أنَّفَقَت النُّسَخِ على أنَّ الحديث من مُسنَد عبد الله بن عَمْرو بن العاص، إلَّا ما
رواه الأَصِيلي عن الجُرْجاني عن الفِرَبري فقال: عبد الله بن عمر، بضمِّ العين بغير واو،
وهو تصحيف نبّه عليه الجيّاني.
ثانيهما: قوله: (لم يَرَح)) بفتح الياء والرّاء، وأصله: يَراح، أي: وَجَدَ الرَّيح، وحكى ابن
التِّين ضمَّ أوَّله وكسر الرّاء، قال: والأوَّل أجود، وعليه الأكثر، وحكى ابن الجَوْزيّ ثالثةً:
وهو فتح أوَّله وكسر ثانيه، من: راحَ يَريح، والله أعلم.
٦ - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب
وقال عمرُ عن النبيِّ وََّ: «أُفِرُّكم ما أقرَّكُمُ الله)).
٣١٦٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، قال: حدَّثني سعيدٌ المَقْبُيُّ، عن أبيه،
عن أبي هريرةَ ﴾، قال: بينما نحنُ في المسجدِ خَرَجَ النبيُّ وَّهِ، فقال: ((انطَلِقوا إلى يهودَ))
فخَرَجْنا حتَّى جِئْنا بيتَ الِدْراسِ، فقال: ((أَسلِمُوا تَسْلَموا، واعلموا أنَّ الأرضَ لله ورسوله،
(١) وهو أيضاً في («مسند أحمد» (٦٧٤٥).

٥٠٠
باب ٦ / ح ٣١٦٧ -٣١٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
وإنّ أُرِيدُ أن أُجْليَكم من هذه الأرضِ، فمَن يَجِدُ منكم بمالِه شيئاً فلْيَبِعْه، وإلا فاعلَمُوا أنَّ
الأرض لله ورسوله».
[طرفاه في: ٧٣٤٨،٦٩٤٤]
٣١٦٨- حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا ابنُ عُيَينَةَ، عن سليمانَ بن أبي مُسلم، سمعَ سعيدَ بنَ جُبَيْرِ،
سمعَ ابنَ عَّاسٍ رضي الله عنهما يقول: يومُ الخميسِ وما يومُ الخميسِ! ثمَّ بَكَى حتَّى بَلَّ دَمْعُه
الحصى، قلتُ: يا أبا عبَّاسٍ، ما يومُ الخميسِ؟ قال: اشْتَّ برسولِ الله وَ ◌ّهَ وَجَعُه فقال: ((ائْتوني
بكَتِفٍ أكتُبْ لكم كتاباً لا تَضِلُّوا بعده أبداً) فتَنَازَعُوا، ولا ينبغي عندَ نبيِّ تَنازٌُ، فقالوا: ما له،
أهَجَرَ؟ استفْهِمُوه، فقال: ((ذَرُوني فالذي أنا فيه خيرٌ مَّ تَدْعونني إليه)) فأمَرَهم بثلاثٍ، فقال:
((أَخرِجوا المشركينَ من جَزِيرةِ العربِ، وأَجِيزوا الوَفْدَ بنحوِ ما كنتُ أُجِيزُهم)). والنَّالثةُ إِمَّا أن
سَكَتَ عنها، وإِمَّا أن قالها فنَسِيتُها. قال سفيانُ: هذا من قولِ سلیمانَ.
٢٧١/٦
قوله: ((باب إخراج اليهود من جزيرة العرب» تقدَّم الكلام على جزيرة العرب في («باب
هل يُستَشفَع إلى أهل الذِّمَّة)) من كتاب الجهاد (٣٠٥٣)، وتقدّم فیه حديث ابن عبّاس ثاني
حديثَي الباب، ولفظه: ((أخرِجوا المشركينَ))، وكأنَّ المصنّف اقتَصَرَ على ذِكْر اليهود لأنَّهم
يُؤَخِّدونَ الله تعالى إلَّا القليل منهم، ومع ذلك أمَرَ بإخراجهم، فيكون إخراج غيرهم من
الكفّار بطريق الأَولى.
قوله: ((وقال عُمَر عن النبي ◌ََّ: أَقِرُّكم ما أقَرَّكم الله)) هو طرف من قصَّة أهل خيبر،
وقد تقدَّم موصولاً في المزارعة (٢٣٣٨) مع الكلام عليه.
ثم ذکر فیه حدیثین:
أحدهما: حديث أبي هريرة في قوله ◌َّهِ لليهودِ: ((أسلِمُوا تَسلَموا))، وسيأتي بأتمَّ من
هذا السِّياق في كتاب الإكراه (٦٩٤٤) وفي الاعتصام (٧٣٤٨)، ولم أرَ مَن صَرَّحَ بَنَسَبٍ
اليهود المذكورينَ، والظّاهر أنَّهم بقايا من اليهود تأخّروا بالمدينة بعد إجلاء بني قَينُفَاع
وقُرَيظة والنَّضير والفَراغ من أمرهم، لأنَّه كان قبل إسلام أبي هريرة، وإنَّما جاء أبو هريرة