النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ باب ١٨ / ح ٣١٤٥ كتاب فرض الخمس تنبيه: اتَّفَقَت الرِّوايات كلُّها على أنَّ قوله: ((ورواه مَعمَر)) بفتح الميمَين بينهما مُهمَلة ساكنة، وحكى بعض الشُّاح أنَّه بضمِّ الميم وبعد العين مُثنَّة مفتوحة ثمَّ ميم مكسورة، وهو تصحیف. قوله: ((قال نافع: ولم يَعتَمِرْ رسولُ اللهِ وَ لَّه من الجِعرانةِ، ولو اعتَمَرَ لم يَخْفَ على عبد الله)) هكذا رواه أبو النَّعمان شيخ البخاري مُرسَلاً، ووَصَلَه مسلم (٢٨/١٦٥٦) وابن خُزَيمةَ (٢٢٢٨) جميعاً عن أحمد بن عَبْدة عن حماد بن زيد، فقال في روايته عن نافع: ذُكِرَ عند ابن عمر عمرةُ رسول الله وَّ من الجِعْرانة، فقال: لم يَعتَمِر منها. وقد ذكرت في أبواب العمرة الأحاديث الواردة في اعتماره من الجِعْرانة (١٧٧٨)، وتقدَّم في أواخر الجهاد في ((باب مَن قَسَمَ الغنيمة في غَزْوِه)) (٣٠٦٦) أيضاً حديث أنس في ذلك، وذكرت في أبواب العمرة (١٧٧٥) سبب خفاء عمرة النبي ◌ّلټ من الجعرانة علی کثیر من أصحابه، فليُراجَع منه، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ على مَن لم يَحَفَظ. قال ابن القِّين: ليس كلُّ ما عَلِمَه ابنُ عمر حدَّث به نافعاً، ولا كلُّ ما حدَّث به نافعاً حَفِظَه. قلت: وهذا يَرُدُّه رواية مسلم التي ذكرتُها. فإنَّ حاصله أنَّ ابن عمر كان يعرفها ولم يُحدِّث بها نافعاً، ودَلَّت رواية مسلم على أنَّ ابن عمر كان ينفيها. قال: وليس كلُّ ما عَلِمَه ابن عمر لم يَدخُل عليه فيه نِسيان. انتهى، وهذا أيضاً يقتضي أنَّه كان عَرَفَ بها ونسيَها، وليس كذلك بل لم يعرف بها لا هو ولا عَدَدٌ كثيرٌ من الصحابة. ٣١٤٥- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حذَّثنا جَرِيرُ بنُ حازمٍ، حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثني عَمُرُو بنُ تَغْلِبَ ﴾، قال: أعطَى رسولُ الله وَّهَ قوماً ومَنَعَ آخَرِينَ، فكأنَّهِم عَتَبوا عليه، فقال: (إنّ أُعْطي قوماً أخافُ ظَلَعَهم وجَزَعَهم، وأَكِلُ أقواماً إلى ما جَعَلَ اللهُ في قلوبهم من الخيرِ والغَنَاءِ، منهم عَمرُو بنُ تَغْلِبَ)) فقال عمرُو بنُ تَغْلِبَ: ما أُحِبُّ أنَّ لي بكلمةِ رسولِ الله ◌ِمَله حُمْرَ النَّعَمِ. زادَ أبو عاصمٍ عن جَرِيرٍ، قال: سمعتُ الحسنَ يقول: حدَّثنا عَمرُو بنُ تَغْلِبَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهُ أَتِيَ بمالٍ - أو بسَبْي - فقَسَمَه ... بهذا. ٤٦٢ باب ١٨ / ح ٣١٤٦-٣١٤٨ فتح الباري بشرح البخاري ثالثها: حديث عَمْرو بن تَغْلِبَ - بفتح المثنَّاة وسكون المعجمة وكسر اللّام بعدها موحّدة - وهو النَّمَري، بفتح النّون والميم. قوله: ((أخافَ ظَلَعَهم)) بفتح الظّاء المعجمة المُشَالة واللّام وبالمهمَلة، أي: اعوِ جاجهم ((وجَزَعهم)) بالجيم والزّاي بوزنِه، وأصل الظَّلَع: المَيْل، وأُطلِقَ هنا على مرض القلبِ وضَعْف اليقين. قوله: ((والغَنَاء)) بفتح المعجمة ثمَّ النّون ومدٍّ: وهو الكفاية، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ بالكسر والقَصْر بلفظِ ضِدِّ الفقر. وقوله: ((بكلمةِ رسول الله وَ ل8)) أي: التي قالها في حقّه، وهي إدخاله إياه في أهل الخير والغَناء، وقيل: المراد الكلمة التي قالها في حقّ غيره، فالمعنى: لا أُحِبُّ أن يكون لي محُمر النَّعَم بَدَلاً من الكلمة المذكورة التي لي، أو يكون لي ذلك وتُقَالُ تلك الكلمة في حقّي. ٢٥٤/٦ قوله: ((زادَ أبو عاصم عن جَرِير)) هو ابن حازم، وقد تقدَّم موصولاً في أواخر الجمعة (٩٢٣) عن محمّد بن مَعمَر عن أبي عاصم، وهو من المواضع التي تَسَّكَ بها مَن زَعَمَ أنَّ البخاري قد يُعلِّقُ عن بعض شيوخه ما بينه وبينهم فيه واسطة مِثل هذا، فإنَّ أبا عاصم شيخه، وقد عَلَّقَ عنه هذا هنا، ولمَّا ساقه موصولاً أدخَلَ بينه وبين أبي عاصم واسطة. قوله: ((أو بسَبْي)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: بشيءٍ. وهو أشمَل. ٣١٤٦- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((إنّ أُعْطي قُرَيشاً أتألَّفُهم، لأنَّهم حديثُ عَهْدٍ بجاهليَّةٍ)). ٢٥١/٦ [أطرافه في ٣١٤٧، ٣٥٢٨، ٣٧٧٨، ٣٧٩٣، ٤٣٣١، ٤٣٣٢، ٤٣٣٣، ٤٣٣٤، ٤٣٣٧، ٥٨٦٠، ٦٧٦٢، ٧٤٤١] ٣١٤٧- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا الزُّهْرِيُّ، قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكٍ: أنَّ ناساً من الأنصار قالوا لرسولِ الله وَلِّ حين أفاءَ الله على رسولِهِ بَّهِ من أموال هَوَازِنَ ما أفاءَ، فَطَفِقَ يُعْطي رجالاً من قُرَيشِ المئةَ من الإبلِ، فقالوا: يَغْفِرُ الله لرسولِ الله، يُعْطِي قُرَيشاً ويَدَعُنا، وسيوفُنا تَقْطُرُّ من دمائهم، قال أنس: فَحُدِّثَ رسولُ الله ◌َّهِ بِمَقَالتِهم، فأرسَلَ إلى ٤٦٣ باب ١٨ / ح ٣١٤٦-٣١٤٨ كتاب فرض الخمس الأنصار فجَمعَهم في قُبَّةٍ من أَدَم، ولم يَدْعُ معهم أحداً غيرَهم، فلمَّا اجتَمَعوا جاءهم رسولُ اللهِ وَِّ فقال: ((ما كان حديثٌ بَلَغَني عنكم؟)) قال له فُقَهاؤُهم: أمَّا ذَوُو آرائنا يا رسولَ الله فلم يقولوا شيئاً، وأمَّا أُناسٌّ منَّا حديثةٌ أسنانُهم فقالوا: يَغْفِرُ الله لرسولِ الله، يُعْطي قُرَيشاً ويَتْرُكُ الأنصارَ، وسيوفُنَا تَقْطُرُ من دمائهم! فقال رسولُ الله ◌َيِ: ((إنّي لأُعطي رجالاً حَدِيثِي عهدٍ بِكُفْرٍ، أما تَرْضَوْنَ أن يذهبَ الناسُ بالأموال، وتَرجِعوا إلى رِ حالكم برسولِ الله؟ فوالله ما تَنْقَلِبونَ به خيرٌ مَّا يَنْقَلِبونَ به)) قالوا: بلى يا رسولَ الله، قد رَضِينا، فقال لهم: ((إنَّكم سَتَرَوْنَ بعدي أَثَرَةً شديدةً، فاصبروا حتَّى تَلْقُوا اللهَ ورسولَه ◌َِّ على الحوضِ». قال أنسُ: فلم نَصْبِرْ. ٣١٤٨- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الأُوَيسِيُّ، حدَّثنا إبراهيمُ، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عمرُ بنُ محمَّدٍ بنِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، أنَّ محمَّدَ بنَ جُبَيرٍ، قال: أخبرني جُبَيْرُ ابنُّ مُطعِمٍ: أَنَّ بَيْنا هو مع رسولِ اللهِوَ لَه ومعه الناسُ مَقْفَلَه من حُنَيْنٍ، عَلِقَت رسولَ الله وَّ الأعرابُ يسألونَه، حتَّى اضْطَرُّوه إلى سَمُرةٍ، فخَطِفَتِ رِداءَه، فَوَقَفَ رسولُ اللهِوَِّ، ثم قال: ((أعطُوني رِدائي، فلو كان عَدَدُ هذه العِضَاهِ نَعَماَ لَقَسَمْتُهُ بينكم، ثمَّ لا تَجِدونَني بخيلاً ولا كَذُوباً ولا جَباناً)). رابعها: حديث أنس في عَطيَّة المؤلّفِينَ يوم حُنَينٍ، ذكره مُطوَّلاً ومختصراً، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في غزوة حُنَين (٤٣٣١-٤٣٣٤)، فقد ذكره هناك من أربعة أو جُه عن أنس. خامسها: حديث جُبَير بن مُطعِم. وإبراهيمُ في إسناده: هو ابن سعد، وصالح: هو ابن كَيْسانَ، وعمر بن محمَّد بن جُبَیر تقدَّم ذِكرُه في أوائل الجهاد في ((باب الشَّجاعة في الحرب)) (٢٨٢١) مع الكلام على بعض شرح المتن. وقوله: ((مَقْفَلَه من ◌ُنینٍ)) أي: مَرچِعَه، كذا للگُشْمِهنيّ، ووقع لغيره هنا: مُقبِلاً، وهو منصوب على الحال. ٤٦٤ باب ١٨ / ح ٣١٤٩- ٣١٥٢ فتح الباري بشرح البخاري و(السَّمُرة)) بفتح المهمَلة وضمّ الميم: شجرة طويلة مُتَفرِّقة الرَّأس، قليلة الظُّلّ، صغيرة الوَرَق والشَّوك، صُلْبة الخَشَب، قاله ابن التِّين، وقال القَزّاز: والعِضاه: شجر الشَّوك كالطَّلْح والعَوسَج والسِّدر، وقال الدَّاوودي: السَّمُرةُ هي العِضاه، وقال الخطّابي: ورق السَّمُرة أثبَت وظِلّها أكثَف، ويقال: هي شجرة الطَّلح. واختُلِفَ في واحد العِضاه، فقيل: عَضَةٌ بفتحتين، مِثْل: شَفَة وشِفاه، والأصل: عَضَهَة وشَفَهَة، فخُذِفَت الهاء، وقيل: واحدها عِضاهَة. قوله: «فخَطِفَت رِداءَه)) في مُرسَل عَمْرو بن سعيد عند عمر بن شَبَّة في «كتاب مكَّةٍ)): حتَّى عَدَلوا بناقَتِهِ عن الطَّريق، فمَرَّ بسَمُراتٍ فانتَهَسْنَ ظَهْره، وانتَزَعنَ رِداءَه، فقال: ((ناوِلوني رِدائي)) فذكر نحو حديث جُبَير بن مُطعِم، وفيه: فنزل ونزل الناس معه، فأقبَلَتْ هَوَازِنُ فقالوا: جِئْنا نَستَشِفِع بالمؤمنينَ إليك، ونَستَشفِع بك إلى المؤمنينَ، فذكر القصّة. وفيه ذَمُّ الخِصال المذكورة: وهي البخل والكذِب والجُبن، وأنَّ إمام المسلمين لا يَصلُح أن يكون فيه خَصْلة منها. وفيه ما كان في النبي بَّه من الحِلم وحُسْن الخُلُق وسَعَة الْجُود والصَّبر على جُفاة الأعراب. وفيه جواز وصف المرء نفسه بالخِصال الحميدة عند الحاجة، کخوفٍ ظنِّ أهل الجهل به خِلاف ذلك، ولا يكون ذلك من الفَخر المذمُوم. وفيه رِضا السائل للحقِّ بالوعدِ إذا تَحقَّقَ من الواعد التّنجیز. وفيه أنَّ الإمام مُخُيَّرَ في قَسْم الغنيمة: إن شاءَ بعد فراغ الحرب، وإن شاءَ بعد ذلك، وقد تقدَّم البحث فيه(١). ٣١٤٩- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، قال: كنتُ أمشي مع النبيِّ وَّهِ وعليه بُرْدٌ نَجْرانٌّ غَلِيظُ الحاشيةِ، فأدرَكَه أعرابٌّ فجَذَبَه جَذْبةً شديدةً، حتَّى نظرتُ إلى صَفْحِةِ عائقِ النبيِّ وَ ﴿ قد أثّرَت به حاشيةُ الرِّداءِ من شِدّةِ جَذْبَتِهِ، ثمّ قال: مُرْ لي من مال الله الذي عندَكَ، فالتَفَتَ إليه فضَحِكَ، ثمَّ أُمَرَ له بعطاءٍ. [طرفاه في: ٥٨٠٩، ٦٠٨٨] (١) في باب ((من قسم الغنيمة في غزوه وسفره)) من كتاب الجهاد والسير، عند شرح الحديث (٣٠٦٦). ٤٦٥ باب ١٨ / ح ٣١٤٩-٣١٥٢ كتاب فرض الخمس ٣١٥٠- حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله ، قال: لمَّا كان يومُ حُنَيْنٍ آثَرَ النبيُّ ◌َّهِ أَنَاساً في القِسْمة: فأعطَى الأقرَعَ بنَ حابسٍ مئةً من الإبلِ، وأعطَى عُيَينَةَ مِثلَ ذلك، وأعطَى أَنَاساً من أشرافِ العربِ فَآثَّرَهم يومَئذٍ في القِسْمَةِ، قال رجلٌ: والله إنَّ هذه القِسْمةَ ما عُدِلَ فيها، وما أُرِيدَ بها وَجْهُ الله! فقلتُ: والله لأخبِرَنَّ النبيَّ وَّهِ، فأتيتُهُ فأخبَرَتُه، فقال: ((فَمَن يَعْدِلُ إذا لم يَعْدِلِ اللهُ ورسولُه! رَحِمَ الله موسى، قد أُوذِيَ بأكثرَ من هذا فصَبَرَ )). [أطرافه في: ٣٤٠٥، ٤٣٣٥، ٤٣٣٦، ٦٠٥٩، ٦١٠٠، ٦٢٩١، ٦٣٣٦] ٣١٥١- حدَّثْنا محمودُ بنُ غَيْلانَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حذَّثنا هشامٌ، قال: أخبرني أبي، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ رضي الله عنهما، قالت: كنتُ أنقُلُ النَّوَى من أرضِ الزُّبَير التي أقطَعَه رسولُ اللهَوَّه على رأسي، وهي منِّي على ثُلُثَي فَرْسَخِ. وقال أبو ضَمْرةَ: عن هشام، عن أبيه: أنَّ النبيَّ ◌َلِّ أَقْطَعَ الزُّبَيرَ أرضاً من أموال بني النَّضِير. [طرفه في: ٥٢٢٤] ٣١٥٢- حدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدام، حدَّثنا الفُضَيلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ عمرَ بنَ الخطّاب أجلَى اليهود والنَّصارَى من أرضِ الحِجاز، وكان رسولُ اللهِوَّ لِمَّا ظَهَرَ على أهلِ خَيْبرَ أرادَ أن يُخِرِجَ اليهودَ منها، وكانت الأرضُ - لمَّا ظَهَرَ عليها - لليهودِ وللرَّسولِ وللمسلمينَ، فسأل اليهودُ رسولَ الله وَّةِ أَنْ يَتْرُكَهم على أن يَكْفُوا العملَ ولهم نِصْفُ الثَّمَرِ، فقال رسولُ الله وَّةِ: ((نَترُكُكم على ذلك ما شِئْنا)) فأُفِرُوا، حتَّى أجْلَاهم عمرُ في إمارَتِهِ إلى تَيْماءَ وأَرِيحا. سادسها: حديث أنس في قصَّة الأعرابي الذي جَبَذَ رِداءَ النبي ◌َّ، وهو في معنى الذي قبله. ونَجْران - بنون وجيم - وزن شَعْبان: بلدة مشهورة، وسيأتي شرحه في الأدب (٦٠٨٨)، والغَرَض منه قوله: ثمَّ أمَرَ له بعطاءٍ. ٤٦٦ باب ١٨ / ح ٣١٤٩-٣١٥٢ فتح الباري بشرح البخاري سابعها: حديث ابن مسعود قال: لمَّا كان يومُ حُنَينٍ آثَرَ النبيُّ وَ أُنَاساً في القِسْمة، الحديث، وسيأتي شرحه في غزوة حُنَين (٤٣٣٥) إن شاء الله تعالى. وعُيَينةُ - بمُهمَلةٍ وتحتانية مُصغَّراً -: هو ابن حِصْن الفَزَاري. ثامنها: حديث أسماء بنت أبي بكر: كنت أنقُل النَّوى من أرض الزُبير الحديث، وسيأتي في كتاب النِّكاح (٥٢٢٤) بأتمَّ من هذا السِّياق، ويأتي شرحه هناك. وقوله: ((وقال أبو ضَمْرة)) هو أنس بن عياض، وهشام: هو ابن عُروة بن الزُّبير، والغَرَض بهذا التَّعليق بيان فائدتَين: إحداهما: أنَّ أبا ضَمْرة خالَفَ أبا أُسامة في وصله، فأرسَلَه. ثانيتهما: أنَّ في رواية أبي ضَمْرة تعيين الأرض المذكورة، وأنَّها كانت ممَّا أفاء الله على رسوله من أموال بني النَّضير فأقطَعَ الزُّبير منها، وبذلك يَرتَفِع استشكال الخطّابِي حيثُ قال: لا أدري كيف أقطَعَ النبي ◌ِّهِ أرض المدينة وأَهلُها قد أسلموا راغبين في الدِّين، إلَّا أن يكون المراد ما وقع من الأنصار أنَّهم جعلوا للنبي ◌َّ ما لا يَبلُغه الماءُ (١) من أرضهم، فأقطَعَ النبيُّ وَ لّهِ مَن شاءَ منه. تاسعها: حديث ابن عمر في معاملة أهل خيبر، وفيه قصَّة إجلاء عمر لهم باختصار، وقد مَرَّ شرحه في كتاب المزارَعة (٢٣٢٨)، وقوله فيه: ((نَترُككم)) من التَّرك، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((يُقِرّكم)) من الَّقرير. وقوله هنا: «وكانت الأرض لمَّا ظَهَرَ عليها لليهودِ وللرَّسُولِ وَّهِ وللمسلمينَ)) كذا ٢٥٥/٦ للأكثرِ، وفي رواية ابن السَّكَن(٢): لمَّا ظَهَرَ عليها لله وللرَّسول وللمسلمين، فقد قيل: إنَّ هذا هو الصواب. (١) تحرفت في (س) إلى: المَأْمَن! (٢) وهي أيضاً رواية أبي الوقت وابن عساكر كما في اليونينية والقسطلاني. ٤٦٧ باب ١٩ كتاب فرض الخمس وقال ابن أبي صُفْرة: والذي في الأصل صحيح أيضاً، قال: والمراد بقوله: لمَّا ظَهَرَ عليها، أي: لمَّا ظَهَرَ على فتح أكثرها قبل أن يسأله اليهودُ أن يصالحوه فكانت لليهود، فلمَّا صالحهم على أن يُسلِمُوا له الأرض كانت لله ولرسوله، ويحتمل أن يكون على حذف مُضَاف، أي: ثَمَرة الأرض، ويحتمل أن يكون المراد بالأرض ما هو أعمُّ من المفتتَحة وغير المفتتَحة، والمراد بظهوره عليها غَلَبتُه لهم، فكان حينئذٍ بعضُ الأرض لليهودِ وبعضها للرَّسول وللمسلمين. وقال ابن المنيِر: أحاديث الباب مطابقة للتَّرجمة إلَّ هذا الأخير، فليس فيه للعطاءِ ذِكْرٌ، ولكن فيه ذِكْر جِهَات مطابقة للتَّرجمة، قد عُلِمَ من مكان آخر أنَّها كانت جِهاتِ عطاء، فبهذه الطَّريق يَدخُل تحت التَّرجمة، والله أعلم. ١٩ - باب ما يصيبُ من الطّعام في أرض الحرب قوله: ((باب ما يصيب)) أي: المجاهد ((من الطَّعام في أرض الحرب)) أي: هل يَجِب تخميسه في الغانمِينَ، أو يُباح أكله للمُقاتلينَ؟ وهي مسألة خلاف، والجمهور على جواز أخذ الغانمينَ من القُوت وما يصلح به وكُلّ طعام يُعتاد أكلُه عموماً، وكذلك عَلَف الدَّوابّ، سواء كان قبل القِسْمة أو بعدها، بإذنِ الإمام وبغير إذنه. والمعنى فيه: أنَّ الطَّعام يَعِزّ في دار الحرب فأُبِيحَ الضَّرُورة. والجمهور أيضاً على جواز الأخذ ولو لم تكن الضَّرُورة ناجزة. واتّفقوا على جواز ◌ُگُوب دَواتهم، ولُبس ثيابهم، واستعمال سلاحهم في حال الحرب، ورَدِّ ذلك بعد انقضاء الحرب،/ وشَرَطَ الأوزاعي فيه إذن الإمام، وعليه أن يَرُدَّه كلَّما ٢٥٦/٦ فَرَغَت حاجته، ولا يَستَعمِله في غير الحرب، ولا يَنتَظِرِ بَرَدِّه انقضاء الحرب لئلّا يُعرِّضَه للهَلاكِ، وحُجَّتُه حديث رُوَفِع بن ثابت مرفوعاً: ((مَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابَّةً من المغنَم فيَرَكَبها حتَّى إذا أعجَفَها رَدَّها إلى المغانم)) وذكر في الثَّوب كذلك، وهو حديث حسن، أخرجه أبو داود (٢٧٠٨) والطَّحاوي (٣/ ٢٥١)، ونُقِلَ عن أبي یوسف أنّه حمله على ما إذا كان الآخِذُ غیرَ محتاج، يُبقي به دابته أو ثوبه، بخلاف مَن لیس له ثوب ولا دابّة. ٤٦٨ باب ١٩ / ح ٣١٥٣ فتح الباري بشرح البخاري وقال الزُّهْريّ: لا يأخذ شيئاً من الطَّعام ولا غيره إلَّا بإذنِ الإمام، وقال سليمان بن موسى: يأخذ إلَّا إن نَهى الإمام. وقال ابن المنذر: قد وَرَدَت الأحاديث الصحيحة في التَّشديد في الغُلُول، واتَّفَقَ علماء الأمصار على جواز أكل الطَّعام، وجاء الحديث بنحوِ ذلك فليُقتَصَر عليه، وأمَّا العَلَف فهو في معناه. وقال مالك: يُباح ذبحُ الأنعام للأكل كما يجوز أخذ الطَّعام، وقَيَّدَه الشّافعي بالضَّرُورة إلى الأكل حيثُ لا طعام، وقد تقدَّم في ((باب ما يُكرَه من ذبح الإبل)) في أواخر الجهاد (٣٠٧٥) شيء من ذلك. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: ٣١٥٣- حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مُميد بنِ هلالٍ، عن عبدِ الله بنِ مُغفَّلٍ قال: كنّا مُحاصِرِينَ قَصْرَ خَيْرَ، فَرَمَى إنسانٌ بِرَابٍ فيه شَحْمٌ، فَزَوْتُ لآخُذَه، فالتَّفَتُّ فإذا النبيُّ ێ، فاستحييتُ منه. [طرفاه في: ٤٢١٤، ٥٥٠٨] أحدها: قوله: ((عن عبد الله بن مُغفَّل)) بالمعجمة والفاء وزن محمَّد، وفي رواية بَهْزِ بن أسد عن شُعْبة عند مسلم (١٧٧٢ / ٧٣): سمعت عبد الله بن مُغفّل، وفي رواية سليمان بن المغيرة عن حُميد بن هلال: حدَّثني عبد الله بن مُغفَّل(١)، والإسناد كلُّه بصريُّون. قوله: ((فَرَمَى إنسان)) لم أقِفْ على اسمه، ولأبي داود (٢٧٠٢) (٢) من طريق سليمان بن المغيرة: دُلِّيَ بجِرَاب يوم خيبر فالتَزَمتُه. قوله: ((بچِرَاب)) بكسر الجيم. (١) رواية سليمان بن المغيرة عند مسلم برقم (١٧٧٢) (٧٢)، لكن لم يقع فيها تصريح حميد بن هلال بالتحديث من عبد الله بن مغفل، فلعل الحافظ أراد عزوها لأحمد (١٦٧٩١) والنسائي (٤٤٣٥) فقد وقع عندهما تصريحه بالتحديث، والله أعلم. (٢) وهو أيضاً عند النسائي (٤٤٣٥). ٤٦٩ باب ١٩ / ح ٣١٥٤ كتاب فرض الخمس قوله: ((فَزَوْت)» بالنّون والزّاي، أي: وثَبتُ مُسرِعاً، ووقع في رواية سليمان بن المغيرة(١): فالتَزَمته فقلت: لا أُعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً، وقد أخرج ابن وَهْب(٢) بسندٍ مُعضَل: أنَّ صاحب المغانم كعب بن عَمْرو بن زيد الأنصاري أخَذَ منه الجِراب، فقال النبي ((خَلِّ بينه وبين جِرابه)) وبهذا يَتبيَّنُ معنى قوله: فاستَحيَيَت من رسول الله وَلَه. ولعلَّه استَحيا من فعله ذلك ومِن قوله معاً، وموضع الحُجَّة منه عَدَم إنكار النبي ◌ِّ، بل في رواية مسلم (١٧٧٢ / ٧٢) ما يدلّ على رِضاه فإنَّه قال فيه: فإذا رسولُ الله وَّهِ مُتبسِّماً، وزادَ أبو داود الطَّيالسي (٩٥٩) في آخره: فقال: ((هو لك))، وكأنَّه عَرَفَ شِدَّة حاجته إليه، فسَوَّغَ له الاستئثار به. وفي قوله: ((فاستَخْيَيت)) إشارة إلى ما كانوا عليه من توقير النبي وََّ، ومِن مُعاناة التنزُّه عن خَوَارمِ المُرُوءَة. وفيه جواز أكل الشُّحُوم التي تُوجَد عند اليهود، وكانت مُحُرَّمة على اليهود، وكَرهَها مالك، وعنه وعن أحمد تحريمها، وسيأتي ذلك في باب مُفرَد في كتاب الذَّبائح(٣)، إن شاء الله تعالى. ٣١٥٤- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، أن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كنَّا نُصِيبُ في مَغازِينا العَسَلَ والعِنَبَ، فتأكُلُهُ ولا نَرْفَعُه. ثانيها: حديث ابن عمر: كنَّا نُصيبُ في مغازينا العَسَل والعِنَب فنأكُلُه ولا نَرفَعُه. رواه يونس بن محمَّد عند أبي نُعيم، وأحمد بن إبراهيم عند الإسماعيلي(٤)، كلاهما عن حمّاد بن زيد، فزادَ فيه: والفواكِهِ، ورواه الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن حمّاد بن زيد بلفظ كنّا نُصيب العَسَل والسَّمْن في المغازي فنأكُله، ومِن طريق جَرِير بن حازم عن أيوب بلفظ: (١) عند أحمد (١٦٧٩١)، ومسلم (١٧٧٢) (٧٢)، وأبي داود (٢٧٠٢)، والنسائي (٤٤٣٥). (٢) هو في ((المدونة)) ٣٧/٢. (٣) ورقم الباب فیه (٢٢)، وأول حديث فيه (٥٥٠٨). (٤) ومن طريقه أخرجه البيهقي ٩ / ٥٩. ٤٧٠ باب ١٩ / ح ٣١٥٥ فتح الباري بشرح البخاري أَصَبنا طعاماً وأغناماً يوم اليرموك فلم يُقسَم. وهذا الموقوفُ لا يُغاير الأوَّل لاختلاف السِّياق، وللأوَّل حُكم المرفوع للتَّصريح بكَونِه في زمن رسول الله وَّهِ، وأمَّا يوم اليرموك فكان بعده، فهو موقوف يوافق المرفوع. قوله: ((ولا نَرْفَعه)) أي: ولا نَحمِله على سبيل الادِّخار، ويحتمل أن يريد: ولا نَرفَعه إلى مُتَوَلّ أمر الغنيمة، أو إلى النبي وَّ، ولا نَستأذِنه في أكله اكتفاءً بما سبق فيه من الإذن. ٣١٥٥- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الشَّيبانيُّ، قال: سمعتُ ابنَ أبي أوَ رضي الله عنهما يقول: أصابتْنا مَجاعةٌ لَيَالِيَ خَيْبِرَ، فلمَّا كان يومُ خَيْبِرَ وَقَعْنا في الحُمُرِ الأهلِيَّةِ فانتَحَرْناها، فلمَّا غَلَتِ القُدُورُ نادَى مُنادي رسولِ اللهِِّ: أَكَفَؤُوا القُدُورَ فلا تَطْعَموا من لحومِ الحُمُرِ شيئاً. قال عبدُ الله: فقلنا: إنََّا نَهَى النبيُّ ◌َِّ لأنَّها لم تُحَمَّسْ. قال: وقال آخَرونَ: حَرَّمَها البَنَّةَ. وسألتُ سعيدَ بنَ جُبَير فقال: حَرَّمَها البَنَّةَ. [أطرافه في: ٤٢٢٠، ٤٢٢٢، ٤٢٢٤، ٥٥٢٦] ثالثها: حديث عبد الله بن أبي أَوفى في ذبحهم الحُمُرَ الأهلية يوم خيبر، وفيه الأمر بإراقَتِها، وفيه اختلافهم في سبب النَّهي: هل هو لكونها لم تُخُمَّس، أو لتحريم الحُمُر الأهلية؟ وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الذَّبائح(١). والغَرَض منه هنا: أنَّه يُشعِر بأنَّ عادتهم جَرَت بالإسراع إلى المأكولات وانطلاق الأيدي فيها، ولولا ذلك ما أَقْدَموا ٢٥٧/٦ بحَضرة النبي ◌َّه على ذلك، وقد ظَهَرَ أنَّه لم يأمرهم بإراقة لحوم الحُمُر إلَّا لأنَّها لم تُخُمَّس، وأمَّا حديث ثَعْلبة بن الحكم قال: أصَبنا يوم خيبر غنماً، فذكر الأمر بإكفائها، وفيه: ((فإنَّا لا تَحِلّ النُّهبة))(٢)، قال ابن المنذر: إنَّما كان ذلك لأجل ما وقع من النُّهبة، لأنَّ أكل نَعَم أهل الحرب غير جائز. ومِن أحاديث الباب حديث عبد الله بن أبي أَوفى أيضاً: أصَبْنا طعاماً يوم (١) عند شرح حديث الحكم بن عمرو الغفاري وابن عباس الآتي برقم (٥٥٢٩). (٢) أخرجه ابن ماجه (٣٩٣٨). ٤٧١ باب ١٩ / ح ٣١٥٥ كتاب فرض الخمس خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مِقدار ما يَكْفيه ثمَّ يَنصَرِف. أخرجه أبو داود (٢٧٠٤) والحاكم (١٢٦/٢) والطَّحاوي (٢٥٢/٣) ولفظه: فيأخذ منه حاجته. قوله: ((قال عبد الله)) هو ابن أبي أوفى راوي الحديث، وبيَّن ذلك في المغازي (٤٢٢٠) من وجه آخر عن الشَّيباني بلفظ: قال ابن أبي أَوفى: فَتَحدَّثنا، فذكر نحوه، ولمسلم (٢٦/١٩٣٧) من طريق عليّ بن مُسهِر عن الشَّيباني قال: فَتَحدَّثنا بينَنا، أي: الصحابة. وقوله: ((وقال آخَرونَ)) أي: من الصحابة. والحاصل أنَّ الصحابة اختَلَفوا في عِلَّة النَّهي عن لحم الحُمُر: هل هو لذاتها أو لعارضٍ؟ وسيأتي في المغازي (٤٢٢٠) في هذا الحديث قولُ مَن قال: لأنَّها كانت تأكُل العَذِرة. قوله: ((وسألت سعيد بن جُبَير)) قائل ذلك هو الشَّيباني، ورواية الشَّيباني عن سعيد بن جُبَير لغير هذا الحديث عند النَّسائي (٥٢٨٩). ٤٧٣ باب ١ كتاب الجزية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الجِزْيَة ٢٥٧/٦ ١ - باب الجزية والموادَعة مع أهل الذِّمَّةِ والحرب وقولِ الله عز وجَلَّ: ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] يعني: أذِلَّاءُ، والمَسْكَنةِ مَصْدَرُ المِسْكين، فُلانٌ أسْكَنُ من فُلانٍ، أي: أحوجُ منه. ولم يذهب إلى السُّكون. وما جاء في أخذِ الْجِزْبةِ من اليهودِ والنَّصارَى والمَجُوسِ والعَجَم. وقال ابنُ عُيَينَةَ: عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، قلتُ لمجاهدٍ: ما شأنُ أهلِ الشَّامِ عليهم أربعةُ دَنانيرَ، وأهلُ اليمنِ عليهم دينارٌ؟ قال: جُعِلَ ذلك من قِبَلِ اليَسار. قوله: ((باب الجِزْية)) كذا للأكثرِ، ووقع عند ابن بَطَّال وأبي نُعيم: كتاب الجِزْية، ووقع لجمیعِهم البسملة أوَّلَه سوی أبي ذرٍّ. قوله: ((الجِزْية والموادَعة مع أهل الذِّمَّة والحرب)) فيه لَفُّ ونَشْرٌ مُرتَبٌ، لأنَّ الجِزْية مع ٢٥٩/٦ أهل الذِّمَّة، والموادَعة مع أهل الحرب. والجِزْية: من جَزَأْتُ الشيءَ: إذا قَسمتَه، ثمَّ سُهِّلَت الهمزة، وقيل: من الجزاءِ، أي: لأنَّها جزاء تَركِهم ببلاد الإسلام، أو من الإجزاء، لأنَّها تکفي مَن ◌ُوضَع علیه في عِضْمة دمه. والموادَعة: المتارَكة، والمراد بها مُتارَكة أهل الحرب مُدَّة مُعيَّنة لمصلحةٍ، قال ابن المنيِّر: وليس في أحاديث الباب ما يوافقها إلَّ الحديث الأخير في تأخير النُّعمان بن مُقرِّن القتال وانتظارِهِ زوال الشمس. قلت: وليست هذه الموادَعة المعروفة، والذي يَظهَر أنَّ الصواب ما وقع عند أبي نُعيم من إثبات لفظ ((كتاب)) في صَدْر هذه التَّرجمة، ويكون الكتاب معقوداً للجِزيَة والمهادنة، والأبواب المذكورة بعد ذلك مُفرَّعة عنه، والله أعلم. ٤٧٤ باب ١ فتح الباري بشرح البخاري قال العلماء: الحِكْمة في وضع الجِزْية أنَّ الذُّلّ الذي يَلحَقهم يَحمِلهم(١) على الدُّخول في الإسلام مع ما في مخالَطة المسلمين من الاطّلاع على محاسن الإسلام. واختُلِفَ في سنة مشروعيتها، فقيل: في سنة ثمان، وقيل: في سنة تسع. قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿قَائِلُوا﴾)) إلى آخره، هذه الآية هي الأصل في مشروعية الجِزْية، ودَلَّ مَنطُوق الآية على مشروعيتها مع أهل الكتاب، ومفهومها أنَّ غيرهم لا یشار کھم فیھا. قوله: ((يعني: أذِلَاء)) هو تفسير ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ قال أبو عبيدةَ في ((المجاز)): الصَّاغِر: ٩ الذَّليل الحقير. قال: وقوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن طِيب نفس، وكلَّ مَن أطاعَ لقاهرٍ وأعطاه عن [غير] (٢) طيب نفس من يده فقد أعطاه عن يدِه، وقيل: معنى قوله: ﴿عَن يَدٍ﴾ أي: نِعْمة منكم عليهم، وقيل: يُعطيها مِن يده ولا يَبعَثُ بها. وعن الشّافعي: المراد بالصَّغار هنا: التزام حُكم الإسلام، وهو يَرجِع إلى التفسير اللُّغَوي، لأنَّ الحُكم على الشَّخص بما لا يعتقده ويُضطَرُّ إلى احتماله يستلزم الذُّلّ. قوله: ((والمَسْكَنة مَصْدَر المِسْكين، فلان أسكنُ من فلان: أحوَج منه، ولم يذهب إلى السُّكون)) هذا الكلام ثَبَتَ في كلام أبي عُبيدة في ((المجاز))، والقائل: ولم يذهب إلى السُّكون، قيل: هو الفِرَبْري الراوي عن البخاري، أراد أن يُنَبِّهَ على أنَّ قول البخاري: ((أسكن)) من المسكنة لا من السُّكون، وإن كان أصل المادة واحداً، ووجه ذِكْر المسكنة هنا أنَّه لمَّا فسَّر الصَّغَارَ بِالذِّلّة، وجاء في وصف أهل الكتاب أنَّهم ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ وَاُلْمَسْكَنَةُ ﴾ [البقرة: ٦١] ناسَبَ ذِكرَ المسكنة عند ذِكْرِ الذِّلَّة. قوله: ((وما جاء في أخذ الجِزْية من اليهود والنَّصارى والمَجُوس والعَجَم)) هذه بقيَّة التَّرجمة، قيل: وعَطفُ العَجَم على مَن تقدَّم ذِكْره من عَطفِ الخاصِّ على العامِّ، وفيه نظر، (١) في (س): يلحقهم ويحملهم، بواو العطف بينهما، وهي مقحمة لا يستقيم المعنى بها. (٢) لفظة ((غير)) سقطت من الأصلين و(س)، وأثبتناه من ((المجاز) لأبي عبيدة، وبإثباتها يستقيم المعنى. ٤٧٥ باب ١ كتاب الجزية والظّاهر أنَّ بينهما خصوصاً وعموماً وجهياً، فأمَّا اليهود والنَّصارى فهم المراد بأهل الكتاب بالاتّفاق، وأمَّا المجُوس فقد ذُكِرَ مُستنَدُه في الباب. وفَرَّقَ الحنفية، فقالوا: تُؤْخَذ من مَجُوس العَجَم دون مَجُوس العرب، وحكى الطَّحَاوي عنهم: تُقُبَل الجِزْية من أهل الكتاب ومِن جميع كفَّار العَجَم، ولا يُقبَل من مُشِرِكي العرب إِلَّا الإسلامُ أو السَّيفُ. وعن مالك: تُقْبَل من جميع الكفّار إلَّا مَن ارتَدَّ، وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشّام، وحكى ابنُ القاسم عنه: لا تُقبَل من قريش، وحكى ابن عبد البَرِّ الاتّفاقَ على قَبُولها من المجُوس، لكن حكى ابن التِّين عن عبد الملك: أنَّها لا تُقبَل إلَّا من اليهود والنَّصارى فقط، ونَقَلَ أيضاً الاتّفاق على أنَّه لا يَحِلّ نِكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم، لكن حكى غيره عن أبي ثَور حِلَّ ذلك، قال ابن قدامةَ: هذا خِلافُ إجماع مَن تقدَّمه. قلت: وفيه نظر، فقد حكى ابن عبد البَرِّ عن سعيد بن المسيّب: أنَّه لم يكن يرى بذبيحة المجُوسي بأساً إذا أمَرَه المسلم بذَبحِها، وروى ابن أبي شيبة (١٧٨/٤ و١٧٩) عنه وعن عطاء وطاووس وعمرو بن دينار: أنَّهم لم يكونوا يَرَونَ بأساً بالتَّسَرّي بالمجُوسية. وقال الشّافعي: تُقْبَل من أهل الكتاب عَرَباً كانوا أو عَجَماً، ويَلتَحِقُ بهم المجُوسُ فِي ذلك، واحتَجَّ بالآية المذكورة، فإنَّ مفهومها أنَّها لا تُقبَل من غير أهل الكتاب، وقد أخَذَها النبي ◌َّم من المجُوس، فدَلَّ على إلحاقهم بهم واقتَصَرَ عليه. / وقال أبو عُبيد: ثبتت الجِزْية ٢٦٠/٦ على اليهود والنَّصارى بالكتاب، وعلى المجُوس بالسُّنَّة. واحتَجَّ غيره بعموم قوله في حديث بُرَيدةَ وغيره: ((فإذا لَقِيتَ عدوَّك من المشركينَ فادعُهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلَّا فالجِزْية))(١)، واحتَجّوا أيضاً بأنَّ أخذها من المجُوس يدلّ على ترك مفهوم الآية، فلمَّا انتَفى تخصيصُ أهل الكتاب بذلك دلَّ على أن لا مفهوم لقوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ [البقرة: ١٠٩]. (١) أخرجه أحمد (٢٢٩٧٨)، ومسلم (١٧٣١)، وأبو داود (٢٦١٢)، وابن ماجه (٢٨٥٨)، والترمذي (١٦١٧). ٤٧٦ باب ١ فتح الباري بشرح البخاري وأُجِيبَ بأنَّ المجُوس كان لهم كتاب ثمَّ رُفِعَ، وروى الشّافعي (٢٥٤/٤) وغيره(١) في ذلك حديثاً عن عليٍّ، وسيأتي في هذا الباب ذِكْره. وتُعقِّبَ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِنَبُ عَ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وأُجيبَ بأنَّ المراد ممّ اطَّلَعَ عليه القائلونَ وهم قريش، لأنَّهم لم يَشتَهِر عندهم من جميع الطَّوائف مَن له كتاب إلَّا اليهود والنَّصارى، وليس في ذلك نفيُ بقيّة الكتب المُنزَلة كالزَّبُورِ وصُحُف إبراهيم وغير ذلك. قوله: ((وقال ابن عُنَينَةَ ... )) إلى آخره، وَصَلَه عبد الرزَّاق (١٠٠٩٤) عنه به، وزادَ بعد قوله: أهل الشّام: من أهل الكتاب تُؤْخَذ منهم في الجِزِية ... إلى آخره، وأشارَ بهذا الأثر إلى جواز التَّفَاؤُت في الجِزْية، وأقلُ الجِزْية عند الجمهور دينار لكلِّ سنة، وخَصَّه الحنفية بالفقيرِ، وأمَّ المتوسّط فعليه ديناران، وعلى الغني أربعة، وهو موافق لأثرِ مجاهد كما دلَّ عليه حديث عمر (٢)، وعند الشّافعية: أنَّ للإمام أن يُاكِس حتَّى يأخذها منهم، وبه قال أحمد، وروى أبو عُبيد(٣) من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مُضرِّب عن عمر: أنَّه بَعَثَ عثمان بن حُنَيَف بوضع الجِزْية على أهل السَّواد ثمانيةً وأربعينَ وأربعةً وعشرين واثني عشر، وهذا على حِساب الدّينار باثني عشر، وعن مالك: لا يُزاد على الأربعينَ، ويُنقَصُ منها عمَّن لا يُطيق. وهذا مُحْتَمَل أن يكون جَعَلَه على حِساب الدّينار بعشرةٍ، والقَدر الذي لا بُدَّ منه دينار، وفيه حديث مسروق عن معاذ: أنَّ النبي ◌َّهِ حين بَعَثَه إلى اليمن قال: ((خُذْ من كلِّ حالم ديناراً)، أخرجه أصحاب السُّنَن(٤) وصحَّحه التِّرمِذي (٦٢٣) والحاكم (٣٩٨/١). واختَلَفَ السَّلَف في أخذها من الصبي: فالجمهور: لا، على مفهوم حديث معاذ، وكذا لا تُؤْخَذ من شيخ فانٍ، ولا زَمِن، ولا امرأة، ولا مجنون، ولا عاجز عن الكَسب، ولا أجير، ولا من أصحاب الصَّوامع والدّيارات في قولٍ، والأصحُ عند الشّافعية الوجوب على مَن ذُكِرَ آخراً. (١) وأخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٠٠٢٩)، والبيهقي ١٨٨/٩. (٢) سيأتي ذكره. (٣) في ((الأموال)) (١٠٣). (٤) أخرجه أبوداود (١٥٧٧)، والنسائي (٢٤٥٠). ٤٧٧ باب ١ / خ ٣١٥٦-٣١٥٧ كتاب الجزية ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث، يشتمل الأخير على حدیثین: ٣١٥٦- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ عَمْراً قال: كنتُ جالساً مع جابرِ بنِ زيدٍ وعَمرِو بنِ أوسٍ فحدَّثهما بَجَالٌ سنةَ سبعينَ - عامَ حَجَّ مُصعَبُ بنُ الزُّبَير بأهلِ البَصْرةِ - عندَ دَرَجِ زَمْزَمَ، قال: كنتُ كاتباً لِجَزْءِ بنِ معاويةَ عمِّ الأحتَفِ، فأتانا كتابُ عمرَ بنِ الخطّابِ قبلَ موتِه بسنةٍ: فَرِّقوا بينَ كلِّ ذي ◌َحرَمٍ من المَجُوسِ، ولم يكن عمرُ أَخَذَ الجِزْيَةَ من المَجُوس. ٣١٥٧- حتَّى شَهِدَ عبدُ الرَّحمن بنُ عوفٍ أَنَّ رسولَ اللهِوَ لَ أَخَذَها من مَجُوسِ هَجَرَ. أحدها: حديث عبد الرَّحمن بن عوف. قوله: «سمعت عَمْراً)) هو ابن دینار. قوله: ((كنت جالساً مع جابر بن زيد)» هو أبو الشَّعثاء البصري ((وعَمْرو بن أوس)) هو الثَّقَفي المتقدِّم ذِكْر روايته عن عبد الرَّحمن بن أبي بكر في الحجّ (١٧٨٤)، وعن عبد الله بن عَمْرو في التهجُّد (١١٣١)، وليست له هنا رواية، بل ذكره عَمْرو بن دينار ليبيِّنَ أنَّ بَجَالَةَ لم يَقصِدْه بالتحدُّثِ، وإنَّما حدَّث غيرَه فسمعَه هو، وهذا وجه من وجوه التَّحَمُّل بالاتّفاق، وإِنَّما اختَلَفوا هل يَسُوغُ أن يقول: حدَّثنا؟ والجمهور على الجواز، ومَنَعَ منه النَّسائي وطائفة قليلة، وقال البَرْقاني: يقول: سمعت فلاناً. قوله: ((فحدَّثهما بَجَالة)) هو بفتح الموحَّدة والجيم الخفيفة، تابعي شهير كبير تميمي بصري، وهو ابن عَبَدة: بفتح المهملة والموخَّدة، ويقال فيه: عَبْد، بالسُّكون بلا هاء، وما له في البخاري سوى هذا الموضع. قوله: ((عام حَجَّ مُصعَب بن الزُّبَير بأهلِ البَصْرة)) أي: وحَجَّ حينئذٍ بَجَالٌ معه، وبذلك صَرَّحَ أحمد (١٦٥٧) في روايته عن سفيان، وكان مُصعَب أميراً على البصرة من قِبَل أخيه عبد الله بن الزُّبير، وقُتِلَ مُصعَب بعد ذلك بسنةٍ أو سنتين. ٤٧٨ باب ١ / ح ٣١٥٦ -٣١٥٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((كنت كاتباً لِجَزْء)) بفتح الجيم وسكون الزّاي بعدها همزة، هكذا يقوله المحدِّثون، وضَبَطَه أهل النَّسَب بكسر الزّاي بعدها تحتانية ساكنة ثمَّ همزة، ومَن قاله بلفظ التَّصغير فقد صَحَّفَ، وهو ابن معاوية بن حُصَين(١) بن عُبادةَ التَّميمي السَّعْدي، عمُّ الأحتَف بن قيس، وهو معدود في الصحابة، وكان عامل عمر على الأهواز. ووقع في رواية ٢٦١/٦ التِّرمِذي: أنَّه كان على مَناذِر(٢)./ قلت: هي من قرى الأهواز. وذكر البَلاذُري أنَّه عاشَ إلى خلافة معاوية، وولي لزیاد بعض عمله. قوله: ((قبل موته بسنةٍ)) كان ذلك سنة اثنتين وعشرينَ، لأنَّ عمر قُتِلَ سنة ثلاث. قوله: ((فرِّقوا بين كلّ ذي تَحرَم من المَجُوس)) زادَ مُسدَّد وأبو يعلى (٨٦٠) في روايتهما: اقْتُلُوا كلَّ ساحر (٣). قال: فقَتَلْنا في يومِ ثلاث سَواحر، وفَرَّقنا بين المحارم منهم، وصَنَعَ طعاماً فدعاهم وعَرَضَ السَّيف على فَخِذَيه، فأكَلوا بغير زَمزَمة، قال الخطّابي: أراد عمر بالتَّفْرِقة بين المحارم من المجُوس منعَهم من إظهار ذلك وإفشاء عُقُودهم به، وهو كما شَرَطَ على النَّصارى أن لا يُظهِروا صَليبَهم. قلت: قد روى سعيد بن منصور (٢١٨١) من وجه آخر عن بَجَالةَ ما يُبيِّن سبب ذلك، ولفظه: أن فرِّقوا بين المجُوس وبين تَحَارِمهم كيما نُلحِقهم بأهل الكتاب. فهذا يدلّ على أنَّ ذلك عند عمر شرط في قَبُول الجِزْية منهم، وأمَّا الأمر بقتل الساحر فهو من مسائل الخِلاف، وقد وقع في رواية سعيد بن منصور المذكورة من الزِّيادة: واقتُلوا كلَّ ساحر وكاهن، وسيأتي الكلام على حُكم الساحر في ((باب هل يُعفى عن الذِّمّي إذا سَحَرَ)) (٣١٧٥). قوله: ((ولم يكن عُمَر أخَذَ الجِزْبة من المَجُوس حتَّى شَهِدَ عبد الرّحمن بن عوف)» قلت: (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: حصن، وهو خطأ صوبناه من ((عمدة القاري)) للعيني ٧٩/١٥ حيث ضبطه بالحروف، فقال: بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة، وانظر ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص٢١٧. وذكره الحافظ في ((التقريب)) في ترجمة الأحنف على الصواب. (٢) تحرفت في (س) إلى: تنادر، وانظر ((معجم ما استعجم)) ١٢٦٣/٤. (٣) وفي الرواية أيضاً زيادة: وانهوهم عن الزمزمة. ٤٧٩ باب ١ / ح ٣١٥٦-٣١٥٧ كتاب الجزية إن كان هذا من ◌ُملة كتاب عمر فهو مُتَّصِل، وتكون فيه رواية عمر عن عبد الرَّحمن بن عوف، وبذلك وقع التَّصريح في رواية التِّرمِذي (١٥٨٦) ولفظه: فجاءنا كتاب عمر: انظُر مَجُوسَ مَن قِبَلك، فخُذ منهم الجِزْية، فإنَّ عبد الرّحمن بنَ عوف أخبرني، فذكره، لكنَّ أصحاب الأطراف ذكروا هذا الحديث في ترجمة بَجَالة بن عبدة عن عبد الرَّحمن بن عوف، وليس بجيِّدٍ، وقد أخرج أبو داود (٣٠٤٤) من طريق قُشَير بن عَمْرو عن بَجَالة عن ابن عبَّاس قال: جاء رجل من مَجُوسِ هَجَرَ إلى النبي ◌ََّ، فلمَّا خرج قلت له: ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: شَّ، الإسلام أو القتل. قال: وقال عبد الرّحمن بن عوف: قَبِلَ منهم الجِزْية. قال ابن عبّاس: فأخَذَ الناس بقول عبد الرّحمن وتَرَكوا ما سمعتُ. وعلى هذا فَبَجَالُ يرويه عن ابن عبّاس سماعاً، وعن عمر كتابةً، كلاهما عن عبد الرَّحمن بن عوف، وروى أبو عُبيد(١) بإسنادٍ صحيح عن حُذَيفة: لولا أنّ رأيتُ أصحابي أخَذوا الجِزْية من المجُوس ما أخَذتُها. وفي ((الموطَّأ)) (١/ ٢٧٨) عن جعفر بن محمَّد عن أبيه: أنَّ عمر قال: لا أدري ما أصنعُ بالمجُوسِ؟ فقال عبد الرَّحمن بن عوف: أشهَدُ لَسمعتُ رسولَ اللهِ وَله يقول: ((سُنّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب))، وهذا مُنقَطِع مع ثقة رجاله. ورواه ابن المنذر(٢) والدَّارَقُطني في ((الغرائب))(٣) من طريق أبي عليّ الحنفي عن مالك فزادَ فيه: عن جَدّه، وهو مُنقَطِع أيضاً، لأنَّ جَدّه عليّ بن الحسين لم يَلحَق عبد الرَّحمن بن عوف ولا عمر، فإن كان الضَّمير في قوله: عن جَدّه يعود على محمّد بن عليّ، فيكون مُتَّصِلاً، لأنَّ جَدّه الحسين بن عليّ سمعَ من عمر بن الخطّاب ومِن عبد الرّحمن بن عوف، (١) الذي في ((الأموال)) لأبي عبيد (٨٩) أن هذا من قول أبي موسى الأشعري، وكذلك هو عند حميد بن زنجويه في «الأموال)» (١٣٨)، لكن رواه الدار قطني (٢١٤٥) فجعله من رواية أبي موسى الأشعري، عن حذيفة بن اليمان قوله. فلعل الحافظ عَنَى هذا، والله أعلم. (٢) كذا نسب الحافظُ الحديثَ هنا لابن المنذر، وقد خرجه في ((الدراية)) ٢/ ١٣٤، فنسبه إلى البزار، بدل ابن المنذر، وكذلك صنع صاحب ((نصب الراية))، وهو عند البزار برقم (١٠٥٦). (٣) ومن طريقه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١١٥/٢. ٤٨٠ باب ١ / ح ٣١٥٦ -٣١٥٧ فتح الباري بشرح البخاري وله شاهد من حديث مسلم بن العلاء بن الحضرمي، أخرجه الطبراني (١٠٥٩/١٩) في آخر حديث بلفظ: ((سُنّوا بالمجُوسِ سُنَّة أهل الكتاب)». قال أبو عمر: هذا من الكلام العامّ الذي أُريدَ به الخاصّ، لأنَّ المراد سُنَّة أهل الكتاب في أخذ الجِزْية فقط. قلت: وقع في آخر رواية أبي عليِّ الحنفي: قال مالك: في الجِزْية. واستُدِلَّ بقوله: ((سُنَّة أهل الكتاب)) على أنَّهم ليسوا أهل كتاب. لكن روى الشّافعي (٢٥٤/٤) وعبد الرزَّاق (١٠٠٢٩) وغيرهما بإسنادٍ حسن(١) عن عليّ: كان المجُوس أهل كتاب يقرؤونَه وعلم يَدْرُسونَه، فشَرِبَ أميرُهم الخمر فوقع على أُخته، فلمَّا أصبَحَ دَعَا أهل الطَّمَع فأعطاهم، وقال: إنَّ آدم كان يُنكِحِ أولادَه بناتِه، فأطاعُوه وقتل مَن خالَفَه فأُسرِي على كتابهم، وعلى ما في قلوبهم منه، فلم يَبقَ عندهم منه شيء، وروى عبْد بن حُميدٍ (٢) في تفسير سورة البُرُوجِ بإسنادٍ صحيح عن ابن أَبزَى: لمَّا هَزَمَ المسلمون أهل فارسَ قال عمر: اجتَمِعُوا. فقال: إنَّ المجُوس ليسوا أهل كتاب فنَضَع عليهم، ولا من عَبَدة الأوثان ٢٦٢/٦ فنُجري عليهم أحكامهم،/ فقال علي: بل هم أهل كتاب، فذكر نحوه، لكن قال: وقع على ابنته، وقال في آخره: فَوَضَعَ الأُخُدُود لمن خالَفَه. فهذا حُجَّة لمن قال: كان لهم كتاب. وأمَّا قول ابن بَطَّال: لو كان لهم كتاب ورُفِعَ لَرُفِعَ حُكمه، ولمَا استُثِنِي حِلَّ ذبائحهم ونكاح نسائهم، فالجواب أنَّ الاستثناء وقع تَبَعاً للأثرِ الوارد في ذلك، لأنَّ في ذلك شُبهَة تقتضي حَقن الدَّم، بخلاف النِّكاح فإنَّه ممّا يُحتاط له. وقال ابن المنذر: ليس تحريم نسائهم وذبائحهم مُتَّفَقاً عليه، ولكنَّ الأكثر من أهل العلم علیه. وفي الحديث قَبُول خبر الواحد، وأنَّ الصَّحابي الجليل قد يَغيب عنه علمُ ما الطَّلَعَ عليه غيرُه من أقوال النبي ◌َِّ وأحكامه، وأنَّه لا نقص عليه في ذلك. وفيه التمسُّك بالمفهومِ، (١) كذا قال الحافظ، مع أن في إسناده أبا سعد البقال، وهو ضعيف الحديث! (٢) وهو عند حميد بن زنجويه في ((الأموال)) (١٣٩). والطبري في «تفسيره)) ١٣٢/٣٠.