النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
باب ١٤ / ح ٣١٣٧
كتاب فرض الخمس
وظهَرَ بذلك جِهَةُ المال المذكورِ وأنَّه من الجِزْية، فأغنى ذلك عن قول ابن بَطَّال: يحتملُ أن
يكون من الخُمس أو من الفَيء.
قوله: ((أمَرَ أبو بكرٍ مُنادياً فنادى)) لم أقِفْ على اسمِه، ويحتملُ أن يكون بلالاً.
قوله: ((فحَثًا لي)) بالمهمَلة والمثلَّثة.
قوله: ((وقال مرَّةً)) القائلُ: هو سفيانُ بهذا السَّنَد، وقد تقدَّم الحديثُ في الهِبَة (٢٥٩٨)
بالسَّنَد الأوَّل بدون هذه الزّيادة إلى آخرها، وتقدَّمت الزِّيادةُ بهذا الإسناد في الكفالة
والحَوَالة (٢٢٩٦) إلى قوله: خذ مِثلَیها.
قوله: ((قال سفيان)) هو مُتَّصِلٌ بالسَّنَد المذكورِ، وعَمرٌو: هو ابن دينارٍ، ومحمَّدُ بنُ عليّ،
أي: ابن الحسين بن علي. وظَهَرَ من هذه الرِّواية المرادُ من قوله في رواية ابن المنكَدِرِ: فحَثًا
لي ثلاثاً. لكنَّ قوله: فحَثى لي حَثْيةً، مع قوله في الرِّواية التي قبلَها: وجَعَلَ سفيانُ تِحِثُو
بكَفَّيه، يقتضى أنَّ الحَنْيَةَ ما يُؤْخَذُ باليدين جميعاً، والذي قاله أهلُ اللُّغة: أنَّ الحَثْيَةَ: ما يَملَأُ
الكَفَّ، والحَفْنَةَ: ما يَملَأُ الكَفَّين. نعم ذكر أبو عُبيدِ الهَرَوي أنَّ الحَفْيَ والحَفْنَةَ بمعنّى،
وهذا الحديثُ شاهدٌ لذلك.
وقوله: ((حَثْةً)) من: حَثَى يَحِثِي، ويجوزُ ((حَْوةً)) من: حَثَا يَحِثُو، وهما لُغَتان.
وقوله «تبخَلُ عنِّي» أي: من چِھتي.
قوله: ((وقال يعني ابن المنكَدِر)) الذي قال: ((وقال)) هو سفيانُ، والذي قال: ((يعني)) هو
عليّبنُ المديني.
قوله: ((وأيُّ داءٍ أَدْوَى من البُخْل)) قال عياضٌ: كذا وقع (أَدوى))(١) غير مهموزٍ، من
دَوِيَ: إذا كان به مرضٌ في جَوفِه، والصوابُ: أدواُ، بالهمزِ، لأنَّه من الدَّاءِ، فيُحمَلُ على
أنَّهم سَهَّلوا الهمزةَ.
(١) كذا وقع للقاضي عياض والحافظ: أدوى، غير مهموز، مع أن الذي في الیونینیة دون خلاف بين روايات
البخاري: أدوا، بالهمز!

٤٤٢
باب ١٤ / ح ٣١٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
ووقع في رواية الحميدي في «مُسنَده)) (١٢٣٣) عن سفيانَ في هذا الحديث: وقال ابن
المنكَدِرِ في حديثه(١)، فظَهَرَ بذلك اتِّصالُه إلى أبي بكرٍ، بخِلاف رواية الأَصِيلي، فإنَّهَا تُشعِرُ
بأنَّ ذلك من كلام ابن المنكَدِرِ، وقد رُويَ حديثُ: ((أيُّ داءٍ أدوأُ من البخل))(٢)، وقد تقدَّم
في الكفالة (٢٢٩٦) توجيه وفاءِ أبي بكرٍ لعِدَات النبي ◌ِّ، وكذا في كتاب الهِبَة (٢٥٩٨)،
وأنَّ وعدَه ◌َِّ لا يجوزُ إخلافُه، فنُزِّلَ منزلةَ الضَّمانِ في الصِّحَّة، وقيل: إنَّما فعلَه أبو بكرٍ
على سبيل التطوُّع، ولم يكن يَلزَمُه قَضاءُ ذلك، وما تقدَّم في ((باب مَن أُمِرَ بإنجاز الوَعْد)»
من كتاب الشَّهادات (٢٦٨٣) أَولى، وأنَّ جابراً لم يَدَّع أنَّ له دَيناً في ذِمَّة النبي ◌َِّ، فلم
يُطالِبْه أبو بكرٍ بسيِّنةٍ، ووَفَّى ذلك له من بيتِ المال الموكول الأمرِ فيه إلى اجتهاد الإمام، وعلى
ذلك يَحُومُ(٣) المصنِّفُ وبه ترجمَ.
وإنَّمَا أَخَّرَ أبو بكرٍ إعطاءَ جابرٍ حتَّى قال له ما قال، إِمَّا لأمرِ أهمَّ من ذلك، أو خَشْيَ أن
يَحمِلَه ذلك على الحِرْصِ على الطَّلَبِ، أو لئلا يَكثُرَ الطالبونَ لِثْل ذلك، ولم يُرِدْ به المنعَ على
الإطلاق، ولهذا قال: ما من مرَّةٍ إلَّ وأنا أُريدُ أن أُعطيَك، وسيأتي في أوائل الجِزْية (٣١٥٨)
بيانُ الخِلاف في مَصرِفِها، وظاهرُ إيراد البخاري هذا الحديثَ هنا أنَّ مَصرِفَها عنده مَصِرِفُ
الخمس، والله أعلم.
٣١٣٨- حدّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا قُرّةُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا عمرُو بنُ دینارٍ، عن جابرِ
ابنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: بينما رسولُ اللهِوَ﴿ يَقْسِمُ غَنيمةٌ بِالْجِعْرانةِ، إذ قال له رجلٌ:
اعدِلْ، قال: ((لقد شَقِيتُ إن لم أَعدِلْ)).
الحديث السابع: قوله: ((حدَّثنا قُرَّة)) بضمِّ القاف وتشديد الرّاءِ ثمَّ هاءٍ، وفي الإسناد
(١) الذي في ((مسند الحميدي)): وزاد ابن المنكدر قال جابر: ثم أتيت أبا بكر ... وذكر فيه مقالة أبي بكر تلك،
وسيأتي في الرواية (٤٣٨٣) ما يدل على أن هذه المقالة من قول أبي بكر حيث جاء فيها: قال جابر:
فلقيت أبا بكر ...
(٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٩٦) من حديث جابر، وإسناده صحيح.
(٣) في (أ): جزم.

٤٤٣
باب ١٥ / ح ٣١٣٩
كتاب فرض الخمس
بصريَّانِ هو والراوي عنه، وحِجازيَّانِ شيخُه والضَّحّاك، وقد خالَفَ زيدُ بنُ الحُباب
مسلمَ بنَ إبراهيمَ فيه، فقال: عن قُرَّةَ عن أبي الزُّبير، بدلَ: عَمرِو بن دينارٍ، أخرجه مسلمٌ
(١٠٦٣/ ١٤٢)، وسياقُه أتمُّ، وروايةُ البخاري أرجَحُ،/ فقد وافَقَ شيخَه على ذلك عن ٢٤٣/٦
قُرَّةَ عثمانُ بنُ عُمر (١) عند الإسماعيلي، والنَّْرُ بنُ شُمَيلِ عند أبي نُعيم(٢)، فاتّفاقُ هؤلاءِ
الحُفّاظِ الثلاثة أرجَحُ من انفراد زيد بن الحباب عنهم، ويحتملُ أن يكون الحديثُ عند قُرَّةَ
عن شيخَين، بدليل أنَّ في رواية أبي الزُّبير زيادةً على ما في رواية هؤلاءِ كلِّهم عن قُرَّةً عن
عَمْرٍو (٣)، وسيأتي شرحُه مُستَوقَى في استتابة المرتدِّينَ عند الكلام على حديث أبي سعيد
(٦٩٣٣) في المعنى، وفي حديث أبي سعيد بيانُ تسمية القائل المذكور.
وقوله في هذه الرِّواية: ((لقد شَقِيتُ)) بضمِّ المثنَّة للأكثرِ، ومعناه ظاهرٌ ولا محذورَ فيه،
والشَّرطُ لا يستلزمُ الوقوعَ، لأَنَّه ليس ممَّن لا يَعدِلُ حتَّى يَحصُلَ له الشَّقاءُ، بل هو عادلٌ
فلا يَشقَى. وحكى عياضٌ فتحَها وَرَجَّحَه النَّوَوي، وحكاه الإسماعيلي عن رواية شيخِه
المَنِيعي(٤) من طريق عثمانَ بن عمر عن قُرَّةَ، والمعنى: لقد شقيت، أي: ضَلَلتَ أنتَ
أيّها التابعُ حيثُ تَقْتَدِي بمَن لا يَعدِلُ، أو حيثُ تَعتَقِّدُ في نبيِّك هذه القولَ الذي لا يَصدُرُ
عن مُؤمِنٍ.
١٥ - باب ما مَنَّ النبيُّ وَِّ على الأُسارى من غير أن يُخُمِّس
٣١٣٩- حذَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبرنا عبدُ الرزّاق، أخبرنا مَعمٌَّ، عن الزُّهْريِّ، عن
محمَّدٍ بنِ جُبَير، عن أبيه ﴾، أنَّ النبيَّ ◌َّه قال في أُسارَى بدرٍ: «لو كان المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حيّاً،
ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هُؤُلاءِ النَّْنَى لَتَرَكتُهم له)).
[طرفه في: ٤٠٢٤]
(١) تحرف في (س) إلى: عثمان بن عَمرو، وإنما هو عثمان بن عُمر بن فارس العبدي.
(٢) وكذلك قال أبو عامر العقدي عند أحمد (١٤٥٦١).
(٣) وبدليل أنه رواه أيضاً عن أبي الزبير يحيى بن سعيد الأنصاري عند مسلم (١٠٦٣).
(٤) هو أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي، وإنما نسبه الإسماعيلي منيعيّاً لجده أبي أمه أحمد بن منيع.
:

٤٤٤
باب ١٥ / ح ٣١٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب ما مَنَّ النبيُّ نَِّ على الأُسارى من غيرِ أن يُخْمِّسَ)) أراد بهذه التَّرجمة أنَّه كان
له ◌َّ أن يتصرّفَ في الغنيمة بما يراه مَصلَحةً، فيُنفِّل من رأسِ الغنيمة، وتارةً من الخمس،
واستُدِلَّ على الأوَّل بأنَّه كان يَمُنُّ على الأُسارى من رأسِ الغنيمة وتارةً من الخمس، فدَلَّ
على أنَّه كان له أن يُنقِّلَ من رأسِ الغنيمة، وقد تقدَّم بيانُ الاختلاف في ذلك(١).
وذكر فيه حديثَ جُبَير بن مُطعِمٍ: ((لو كان المطعِمُ حَيّاً وكَلَّمَني في هؤلاءِ النَّنَى
لَتَرَ کتهم له».
قال ابن بَطَّال: وجه الاحتجاج به أنَّه ◌َّه لا يجوزُ في حقُّه أن يُحُبِرَ عن شيءٍ لو وقع
لَفَعَلَه وهو غيرُ جائزٍ، فدَلَّ على أنَّ للإمام أن يَمُنَّ على الأُسارى بغير فِداءٍ، خلافاً لمن مَنَعَ
ذلك كما تقدَّم، واستُدِلَّ به على أنَّ الغنائمَ لا يَستقِرُّ مِلكُ الغانمينَ عليها إلَّ بعدَ القِسْمة،
وبه قال المالكيةُ والحنفية، وقال الشّافعي: يَملِكونَ بنفسِ الغنيمة، والجوابُ عن حديث
الباب أنَّه محمولٌ على أنَّه كان يستطيبُ أنفُسَ الغانمينَ، وليس في الحديث ما يمنعُ ذلك،
فلا يَصلُحُ للاحتجاج به. وللفريقين احتجاجاتٌ أُخرى وأجوبةٌ تَتَعلَّقُ بهذه المسألة لم أُطِلْ
بها هنا، لأنَّها لا تُؤخَذُ من حديث الباب لا نفياً ولا إثباتاً.
واستَبعَدَ ابن المنيِرِ الحَمْلَ المذكورَ، فقال: إنَّ طِيبَ قلوب الغانمينَ بذلك من العُقُودِ
الاختياريّة، فيحتملُ أن لا يُذِنَ بعضُهم، فكيف بَتَّ القولَ بأنَّه يُعطِيه إياهم مع أنَّ الأمرَ
موقوفٌ على اختيار مَن يُحتمَلُ أن لا يَسمَحَ؟ قلت: والذي يَظهَرُ أنَّ هذا کان باعتبار ما
تقدَّم في أوَّل الأمرِ: أنَّ الغنيمةَ كانت للنبي ◌َِّ يتصرَّفُ فيها حيثُ شاءَ، وفَرضُ الخُمس
إنَّما نزل بعدَ قِسْمة غنائم بدرٍ كما تَقرَّرَ، فلا حُجَّةَ إذاً في هذا الحديث لمَا ذکرنا.
وقد أنكَرَ الدَّاوودي دخولَ التَّخميسِ في أُسارى بدرٍ، فقال: لم يقع فيهم غيرُ أمرَين:
إمَّا المنُّ بغير فِداءٍ، وإمَّ الِفِداءُ بمالٍ، ومَن لم يكن له مالٌ عَلَّمَ أولادَ الأنصار الكتابةَ(٢)،
(١) في الباب السابق.
(٢) قصة فداء بعضهم بتعليم أولاد الأنصار الكتابة، أخرجها أحمد (٢٢١٦)، والحاكم ٢/ ١٤١، والبيهقي
٣٢٢/٦، وإسنادها صحيح.

٤٤٥
باب ١٦
كتاب فرض الخمس
وأطالَ في ذلك، ولم يأتِ بطائلٍ. ولا يَلْزَمُ من وقوع شيءٍ أو شيئَين ممّا خُيِّرَ فيه مَنْعُ
التَّخِيرِ، وقد قتَل النبيُّ وَّهِ منهم عُقْبةَ بنَ أبي مُعَيطٍ(١) وغيرَه، وادِّعاؤُه أنَّ قُريشاً لا
يَدخُلُونَ تحت الرِّقِّ يحتاجُ إلى دليلٍ خاصٍّ،/ وإلّا فأصلُ الخِلاف هل يُستَرَقُّ العربي أو لا، ٢٤٤/٦
ثابتٌ مشهورٌ، والله أعلم، وسيأتي بقيَّةٌ شرحِه في غزوة بدرٍ (٤٠٢٤) إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((النَّتْنَى)) بنونَين مفتوحتين بينهما مثنَّة ساكنةٌ مقصورٌ: جمعُ نَتِّنٍ أو نَتِينٍ، كَزَمِنٍ
وَزَمْنَى(٢)، أو جَرِيحِ وجَرْحِى، ورُويَ بمُهمَلةٍ فموحّدةٍ ساكنةٍ (٣)، وهو تصحيفٌ، وأبعَدَ
مَن جَعَلَه هو الصوابَ.
١٦ - بابٌ
ومِن الدَّليل على أنَّ الخُمُسَ للإمام، وأنَّه يُعْطِي بعضَ قَرابَتِهِ دونَ بعض
ما قَسَمَ النبيُّ ◌َّ لبني المطَّلِبِ وبني هاشم من مُس خَيْرَ.
قال عمرُ بنُ عبدِ العزيز: لم يَعُمَّهم بذلك ولم يَخُصَّ قريباً دونَ مَن أحوَجُ إليه، وإن كان
الذي أعطَى لمَا يَشْكُو إليه من الحاجةِ، ولمَا مَسَّهُم في جَنْبِهِ من قَومِهم وحُلَفائهم.
قوله: ((باب ومِن الدَّليلِ على أنَّ الخُمُسَ للإِمام)) تقدَّم توجيه ذلك قبلُ ببابٍ.
قوله: ((وقال(٤) عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: لم يَعُمَّهم)) أي: لم يَعُمَّ قريشاً.
وقوله: ((ولم يَخُصَّ قريباً دونَ مَن أحوَجُ إليه)) أي: دونَ مَن هو أحوَجُ إليه، قال ابن
مالكٍ: فيه حذفُ العائدِ على الموصول، وهو قليلٌ، ومنه قراءةُ يحيى بن يَعمَرَ: ((تَمَاماً على
الذي أَحسَنُ)) [الأنعام:١٥٤] بضمِّ النُّون، أي: الذي هو أحسنُ، قال: وإذا طالَ الكلامُ فلا
(١) أخرج قصة قتله عبد الرزاق (٩٣٩٤) من حديث ابن عباس. وانظر ((شرح مشكل الآثار)) (٤٥١٤).
(٢) في الأصلين: ((وزَمين))، وما أثبتناه من (س) هو المناسب لسياق الكلام، على أن ((زمين)) مستعمل أيضاً
عند العرب بمعنی زَمِن.
(٣) أي: السَّبْي.
(٤) كذا في الأصلین و(س): وقال، بإثبات الواو، مع أن الذي في روايات البخاري دون اختلاف كما في
الیونینیة بحذف الواو.

٤٤٦
باب ١٦ / ح ٣١٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
ضَعْفَ، ومنه: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى فِ السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أي: وفي الأرض
هو إله.
قوله: ((وإن كان الذي أعْطى)) أي: أبعَدَ قَرابةً مَّن لم يُعْطِ، ووقع في هذا اختصارٌ اقتضى
توقُّفاً في فَهمِه، وقد مَنَّ اللهُ وله الحمدُ بتوجيهِه، وسياقُه عند عمرَ بن شَبَّةَ في ((أخبار
المدينة» (٢١٤/١) موصولاً مُطوَّلاً، فقال فيه: وقَسَمَ لهم قَسْماً لم يَعُمَّ عامَّتَهم ولم يَخُصَّ به
قريباً دونَ مَن أحوَجُ منه، ولقد كان يومَئذٍ فيمَن أعطى مَن هو أبعَدُ قَرابةً، أي: ثمّن لم يُعطَ.
وقوله: ((لِمَا يَشْكُو) تعليلٌ لعَطِيَّة الأبعَدِ قَرابَةً.
وقوله: «في جنیه» أي: جانبِه.
وقوله: ((من قومِهِم وحُلَفائهم)) أي: وحُلَفاءِ قومِهم بسبب الإسلام، وأشارَ بذلك إلى
ما لَقِيَ النبيُّ ◌َّهِ وأصحابُه بمكَّةَ من قريشٍ بسبب الإسلام، وسيأتي بسطُه في موضعِهِ(١)
إن شاء الله تعالى.
٣١٤٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهَاب، عن ابنِ
المسيّب، عن جُبَير بنِ مُطعِمٍ، قال: مَشَيتُ أنا وعثمانُ بنُ عَفّانَ إلى رسولِ الله ◌َِل﴿، فقلنا: يا
رسولَ الله، أعطَيتَ بني المطّلِبٍ وتَرَكْتَنا ونحنُ وهم منكَ بمَنْزِلةٍ واحدةٍ! فقال رسولُ الله
وَه: ((إنَّما بنو المطَّلِّبِ وبنو هاشمِ شيءٌ واحدٌ)).
وقال اللَّيثُ: حَدَّثني يونسُ. وزادَ: قال جُبَيرٌ: ولم يَقْسِمِ النبيُّ بِّهِ لَبَيِ عبدِ شَمْسٍ ولا
لِبَنِي نَوْفَلٍ.
وقال ابنُ إسحاقَ: عبدُ شَمْسٍ وهاشمٌ والمطَّلِبُ إخوةٌ لأمّ (٢)، وأقُّهم عاتكةُ بنتُ مُرّةَ،
وكان نَوْفَلٌ أخاهم لأبيهم.
[طرفاه في: ٣٥٠٢، ٤٢٢٩]
(١) في كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي ◌َله وأصحابه من المشركين بمكة، الأحاديث (٣٨٥٢-
٣٨٥٦).
(٢) يعني: إخوة أشقاء.

٤٤٧٠
باب ١٦ / ح ٣١٤٠
كتاب فرض الخمس
قوله: ((عن ابن المسيّب)» في رواية يونس عن ابن شهاب عند أبي داود (٢٩٧٨): أخبرني
سعيدُ بنُ المسيّب.
قوله: ((عن جُبَيَر بنِ مُطعِم)) في المغازي (٤٢٢٩) من رواية يونسَ عن ابن شهابٍ عن
سعيد بن المسيّب: أنَّ جُبَيرَ بنَ مُطعِم أخبَرَه.
قوله: ((مَشَيتُ أنا وعثمانُ بنُ عَفّانَ)) زادَ أبو داود (٢٩٧٨) والنَّسائي (٤١٣٦) من
طريق يونسَ عن ابن شِهابٍ: فيما قَسَمَ من الخمس بين بني هاشم وبني المطَّلِب، ولهما(١)
من رواية ابن إسحاقَ عن ابن شِهابٍ: وَضَعَ سهمَ ذوي القُربى في بني هاشم وبني
المطَّلِبِ، وتَرَكَ بني نَوفَلٍ وبني عبد شمسٍ. / وإنَّما اختَصَّ جُبَيْرٌ وعثمانُ بذلك، لأنَّ عثمانَ ٢٤٥/٦
من بني عبد شمسٍ، وجُبَيَرَ بنَ مُطعِم من بني نَوفَلٍ، وعبدُ شَمْسٍ ونَوفَلٌ وهاشمٌ
والمطَّلِبُ سواءٌ، الجميعُ بنو عبد مَنافٍ، فهذا معنى قولهما: ونحنُ وهم منك بمنزلةٍ
واحدةٍ، أي: في الانتساب إلى عبد منافٍ. ووقع في رواية أبي داود المذكورة (٢٩٧٨):
وقَرابَتُنا وقَرابَتُهم منك واحدةٌ، وله (٢٩٨٠) في رواية ابن إسحاقَ: فقلنا: يا رسولَ الله،
هؤلاءِ بنو هاشم لا نُنكِرُ فضلَهم للموضع الذي وَضَعَك الله به منهم، فما بالُ إخوانِنا بني
المطَّلِبِ أعطَيتَهم وتَرَكْتنا.
قوله: ((شيءٌ واحدٌ)) للأكثر بالشّين المعجمة المفتوحة والهمزة، وقال عياضٌ: رُويناه
هكذا في البخاري بغير خِلافٍ. انتهى، وقد وجدته في أصلي هنا من رواية الكُشْمِيهنيّ، وفي
المغازي (٤٢٢٩) من رواية المُستَمْلي، وفي مناقب قريشٍ (٣٥٠٢) من روايتِهِ ورواية
الحَمُّوِيّ: بكسر المهمَلة وتشديد التَّحتانية(٢)، وكذلك كان يرويه يحيى بن مَعِينٍ وحدَه، قال
الخطّابي: هو أجوَدُ في المعنى، وحكاها عياضٌ روايةً خارجَ ((الصحيح))، وقال: الصوابُ
روايةُ الكافَّة، لقوله فيه: وشَبَّكَ بين أصابعِه، وهذا دليلٌ على الاختلاط والامتزاج كالشيء
الواحد، لا على التَّمثيل والتَّنظير. وهذه الزِّيادةُ التي أشار إليها وَقَعَت في رواية ابن إسحاقَ
(١) عند أبي داود برقم (٢٩٨٠)، وعند النسائي (٤١٣٧).
(٢) أي: سِيُّ، ومعناه: سواء، أو مثل.

٤٤٨
باب ١٦ / ح ٣١٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
المذكورة، ولفظُه: فقال: إنّا وبنو المطَّلِبِ لم نَفتَرِقْ في جاهليةٍ ولا إسلام، وإنَّما نحنُ وهم
شيءٌ واحدٌ، وشَبَّكَ بين أصابعِه.
ووقع في رواية أبي زيدٍ المروَزي: ((شيءٌ أَحدٌ)) بغير واوٍ بهمز الألف، فقيل: هما بمعنّى،
وقيل: الأحد: الذي يَنْفَرِدُ بشيءٍ لا يشاركُه فيه غيرُه، والواحدُ: أوَّلُ العَدَدِ، وقيل: الأحدُ:
المنفَرِدُ بالمعنى، والواحدُ: المنفَرِدُ بالذّات، وقيل: الأحدُ لنفي ما يُذكَرُ معه من العَدَدِ، والواحدُ
اسمٌ لمفتاح العَدَد ومن جنسِه، وقيل: لا يقالُ: ((أحدٌ)) إلَّا لله تعالى. حكاه جمیعَه عياضٌ.
قوله: ((وقال اللَّيثُ: حدَّثني يونس)) أي: بهذا الإسناد، ((وزادَ: قال جُبَيرٌ: ولم يَقْسِم النبي
وَلَّه لبني عبدٍ شَمْسٍ ولا لبني نَوْفَلٍ)) هو عندي من رواية عبد الله بن يوسفَ أيضاً عن
اللَّيث، فهو مُتَّصِلٌ، ويحتملُ أن يكون مُعلَّقاً، وقد وَصَلَه المصنّفُ في المغازي (٤٢٢٩) عن
يحيى بن بُكيرٍ عن اللَّيث عن يونسَ بتمامه، وزادَ أبو داود (٢٩٧٨) في رواية يونسَ بهذا
الإسناد: وكان أبو بكرٍ يَقسِمُ الخمسَ نحوَ قَسْم رسول الله بَّهِ، غيرَ أنَّه لم يكن يُعطي قُربى
رسول الله ◌َّهُ [ما كان النبيُّ ◌َّهِ يُعطِيهم](١)، وكان عمرُ يُعطيهم منه وعثمانُ بعدَه، وهذه
الزِّيادةُ بَيَّن الذُّهْلي في ((جمْع حديث الزُّهْرِيّ)) أنَّهَا مُدرَجةٌ من كلام الزُّهْريّ، وأخرج ذلك
مُفصَّلاً من رواية اللَّيث عن يونسَ، وكأنَّ هذا هو السِّرُّ في حذفِ البخاري هذه الزّيادةَ مع
ذِكْره لرواية يونسَ. وروى مسلمٌ(٢) وأبو داود (٢٩٨٢) والنَّسائي (٤١٣٣) وغيرُهم(٣) من
طريق ابن شِهابٍ عن يزيد بن هُرمُزَ عن ابن عبّاسٍ في سهم ذي القُربى قال: هو لقُربى
رسول الله وَ﴿ فَسَمَه لهم النبي ◌ََّ، وقد كان عمرُ عَرَضَ علينا من ذلك شيئاً رأيناه دونَ
(١) ما بين معقوفين لم يَرِد في الأصلين عندنا ولا في (س)، والصواب إثباته لما في حذفه من فساد المعنى، لأنه
ينقلب نفياً عاماً، وإنما لم يعطهم أبو بكر كما كان رسول الله سير يعطيهم، أي: سواءً، وهو ثابت في
مصوَّرتنا من نسخة الحافظ لـ((سنن أبي داود)) التي بخطِّه.
(٢) لم يخرجه مسلم من طريق الزهري، وإنما أخرج أصل الحديث برقم (١٨١٢) من طرق عن يزيد بن
هرمز. وليس فيه قصة عمر.
(٣) منهم أحمد في «مسنده)) (٢٩٤١).

٤٤٩
باب ١٦ / ح ٣١٤٠
كتاب فرض الخمس
حقِّنا، فرَدَدناه. وللنَّسائي (٤١٣٤) من وجهٍ آخرَ: وقد كان عمرُ دَعانا أن يُنكِحَ أيِّمَنا،
ويُخْدِمَ(١) عائلَنا، ويقضي عن غارمِنا، فأَبيْنا إلَّا أن يُسلِّمَه لنا، قال: فَتَرَكْناه.
قوله: ((وقال ابن إسحاقَ ... )) إلى آخره، وَصَلَه المصنِّفُ في ((التاريخ))(٢).
وقوله: ((عاتكَةُ بنتُ مُرَّةَ)» أي: ابن هلالٍ من بني سُلَیم.
وقوله: ((وكان نَوْفَلُ أخاهم لأبيهم)) لم يُسمِّ أمَّه، وهي واقدةٌ - بالقاف - بنتُ أبي عَدِيّ،
واسمُه نَوفَلُ بنُ عُبادةَ، من بني مازنٍ بن صَعصَعةً. وذكر الزُّبِيرُ بنُ بَكّارٍ في ((النَّسَبِ))(٣) أنَّه
كان يقالُ لهاشم والمطَّلِبِ: البَدْران، ولعبد شَمْسٍ ونَوفَلِ: الأبهَران، وهذا يدلُّ على أنَّ بين
هاشم والمطَّلِبِ ائتلافاً سَرَى في أولادهما من بعدِهما، ولهذا لمَّا كَتَبَت قريشُ الصَّحيفةَ
بينهم وبين بني هاشم وحَصَرُوهم في الشِّعبِ، دَخَلَ بنو المطَّلِبِ مع بني هاشم، ولم تَدخُل
بنونَوفَلٍ وبنو عبد شمسٍ، وستأتي الإشارةُ إلى ذلك في أوَّل المبعَثِ(٤) إن شاء الله تعالى.
وفي الحديث حُجَّةٌ للشّافعي ومَن وافَقَه أنَّ سهمَ ذَوِي القُربى لبني هاشم والمطَّلِبِ
خاصَّةً دونَ بقيَّة قَرابة النبيِ وَّ من قريشٍ، وعن عمر بن عبد العزيزِ: هم بنو هاشم
خاصَّةً، وبه قال زيدُ بنُ أرقَمَ وطائفةٌ من الكوفيينَ،/ وهذا الحديثُ يدلُّ لإلحاق بني المطَّلِبِ ٢٤٦/٦
بهم، وقيل: هم قريشٌ كلَّها، لكن يُعطِي الإمامُ منهم مَن يراه، وبهذا قال أصبَغ، وهذا
الحديثُ حُجَّةٌ عليه، وفيه تَوهينُ قول من قال: إنَّ النبي ◌َّ﴿ إِنَّما أعطاهم بعِلَّة الحاجة، إذ لو
أعطاهم بعِلَّة الحاجة لم يَخُصَّ قوماً دونَ قوم، والحديثُ ظاهرٌ في أنَّه أعطاهم بسبب النُّصرة
وما أصابهم بسبب الإسلام من بقيَّة قومِهم الذين لم يُسلِموا، والملخّصُ أنَّ الآيَةَ نصَّت
على استحقاق قُربَى النبيِ نَّهِ، وهي مُتحقَّقةٌ في بني عبد شَمْسٍ لأنَّه شقيقٌ، وفي بني نَوفَلٍ
إذا لم تُعتبَرَ قَرابةُ الأمِّ.
(١) في رواية النسائي التي بين أيدينا: يجذِي.
(٢) ((الأوسط)) ١/ ٦.
(٣) وعنه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (١٠٩).
(٤) بل في مناقب الأنصار، عند شرح الحديث (٣٨٨٢).

٤٥٠
باب ١٦ / ح ٣١٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
واختَلَفَ الشّافعيَّةُ في سبب إخراجهم، فقيل: العِلَّةُ القَرابةُ مع النُّصرة، فلذلك دَخَلَ
بنو هاشم وبنو المطَّلِبِ، ولم يَدخُل بنو عبد شمسٍ وبنو نَوفَلِ، لِفِقدانِ جُزءِ العِلَّة أو
شرطِها، وقيل: الاستحقاقُ بالقَرابة، ووُجِدَ ببني عبد شمسٍ ونَوفَلٍ مانعٌ لكونهم انحازوا
عن بني هاشم وحارَبُوهم. والثَّالثُ: أنَّ القُربَى عامّ مخصوصٌ بَيَّنته السُّنَّة.
قال ابن بَطَّال: وفيه رَدِّ لقول الشّافعي: إنَّ خُمُسَ الخمس يُقْسَمُ بين ذَوِي القُربى، لا
يُفضَّلُ غَنِيّ على فقيرٍ، وأنَّه يُقْسَمُ بينهم للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَين.
قلت: ولا حُجَّةَ فيه لمَا ذكر لا إثباتاً ولا نفياً، أمَّا الأوَّلُ: فليس في الحديث إلَّا أنَّه فَسَمَ
◌ُمسَ الخُمس بين بني هاشم والمطَّلِبِ، ولم يَتَعرَّض لتفضيلٍ ولا عَدَمِه، وإذا لم يَتَعرَّض
فالأصلُ في القِسْمة إذا أُطلِقَتِ التَّسويةُ والتَّعميم، فالحديثُ إذاً حُجَّةٌ للشّافعي لا عليه.
ويُمكِنُ التَّوَصُّلُ إلى التَّعميم بأن يأمرَ الإمامُ نائبَه في كلِّ إقليم بِضبطِ مَن فيه، ويجوزُ
النَّقُلُ من مكانٍ إلى مكانٍ للحاجة، وقيل: لا بل تختصُّ كُلُّ ناحيةٍ بمَن فيها. وأمَّا الثَّاني:
فليس فيه تَعرُّضٌ لكيفية القَسمِ، لكنَّ ظاهرَه التَّسويةُ، وبها قال المُزَني وطائفةٌ، فیحتاجُ
مَن جَعَلَ سبيلَه سبيلَ الميراثِ إلى دليلٍ، والله أعلم.
وذهب الأكثرُ إلى تَعميم ذَوِي القُربى في قِسْمة سهمِهم عليهم بخِلاف اليتامى،
فيختصُ الفقراءَ منهم عند الشّافعي وأحمدَ، وعن مالكِ: يَعُمُّهم في الإعطاءِ، وعن أبي
حنيفةَ: يَخُصُّ الفقراءَ من الصِّنفَينِ. وحُجَّةُ الشّافعي أنَهم لمَّا مُنِعوا (١) الزكاةَ عُمُّوا بالسَّهمِ،
ولأنَّهم أُعطوا بجِهَة القرابة إكراماً لهم، بخِلَاف اليتامى فإنَّهم أُعطوا لسَدِّ الْخُلَّة.
واستُدِلَّ به على جواز تأخير البيان عن وقتِ الخِطاب إلى وقتِ الحاجة، فإنَّ ذَوِي
القُربى لفظٌ عامٌّ خُصَّ ببني هاشم والمطَّلِبِ، قال ابن الحاجب: ولم يُنقَل اقترانٌ إجمالي مع
أَنَّ الأصلَ عَدَمُه.
(١) في (أ): ((وقيل: إنهم لما منعوا))، بدل: ((وحجة الشافعي أنهم لما منعوا)).

٤٥١
باب ١٧
كتاب فرض الخمس
١٧ - باب من لم يُخُمِّس الأسلاب، ومن قتل قتیلاً فله سَلَبُه
من غير أن يُخُمِّس، وحُكمِ الإمام فيه
قوله: ((بابُ مَن لم يُخُمِّس الأسلابَ)) السَّلَبُ - بفتح المهمَلة واللّام بعدَها موخَّدةٌ ـ: هو ٢٤٧/٦
ما يُوجَدُ مع المحاربِ من مَلُبُوسٍ وغيره عند الجمهور، وعن أحمدَ: لا تَدخُلُ الدَّابَّة، وعن
الشّافعي: يَخْتَصُ بأدَاة الحرب.
قوله: ((ومَن قَتَلَ قتيلاً فله سَلَبُه من غيرِ أن يُخْمِّسَ، وحُكْمِ الإمام فيه» أمَّا قوله: ((ومَن
قتل قتيلاً فله سَلبُه)) فهو قِطعةٌ من حديث أبي قَتَادة ثاني حديثَي الباب، وقد أخرجه
المصنِّفُ بهذا القَدْرِ حَسبُ من حديث أنسٍ (١)، وأمَّا قوله: ((من غير أن يُحُمِّسَ)) فهو من
تَفَقُّهِه، وكأنَّه أشارَ بهذه التَّرجمة إلى الخِلاف في المسألة، وهو شهيرٌ، وإلى ما تَضمَّنَتَه التَّرجمةُ
ذهب الجمهور، وهو أنَّ القاتل يَستَحِقُّ السَّلَبَ، سواءٌ قال أميرُ الجيش قبلَ ذلك: مَن قتل
قتيلاً فله سَلَبُه، أو لم يقل ذلك، وهو ظاهرُ حديث أبي قَتَادة ثاني حديثَي الباب، وقالوا (٢):
إنَّه فتوى من النبي ◌ِّهِ وإخبارٌ عن الحُكم الشَّرعي.
وعن المالكية والحنفية: لا يَستَحِقُّه القاتلُ إلَّا إن شَرَطَ له الإمامُ ذلك. وعن مالكِ: يُيَّرُ
الإمامُ بين أن يُعطي القاتلَ السَّلَبَ أو يُجُمِّسَه، واختارَه إسماعيلُ القاضي، وعن إسحاقَ:
إذا كَثُرَتِ الأسلابُ خُمِّسَت، وعن مكحولٍ والثَّوري: يُحِمَّسُ مُطلَقاً، وقد حُكِي عن
الشّافعي أيضاً، وتَسَّكوا بعموم قوله: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ﴾
[الأنفال: ٤١] ولم يَستَئِنِ شيئاً.
واحتَجَّ الجمهورُ بقوله بَّهِ: ((مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه))، فإنَّه خَصَّصَ ذلك العمومَ.
وتُعقِّبَ بأَنَّه وَّه لم يقل: ((مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه)) إِلَّ يومَ حُنَين، قال مالكٌ: لم يَبلُغني ذلك
(١) كذا قال الحافظ، وهو ذهُول منه رحمه الله، فإن البخاري لم يخرجه من حديث أنس، وإنما أخرجه من
حديث أنس أحمدُ (١٢١٣١)، وأبو داود (٢٧١٨) من طريق حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن
أبي طلحة، عن أنس. وقد ذكره الحافظ نفسه في ((الدراية)) ٢/ ١٢٧ فلم ينسبه لغير أبي داود.
(٢) أي: الجمهور، وتحرف في (س) إلى: قال!

٤٥٢
باب ١٧
فتح الباري بشرح البخاري
في غير حُنَين. وأجاب الشّافعي وغيرُه بأنَّ ذلك حُفِظَ عن النبيِّهِ فِي عدَّة مواطنَ، منها
يومُ بدرٍ كما في أوَّل حديثَي الباب، ومنها حديثُ حاطبٍ بن أبي بَلْتَعَةَ: أَنَّه قتل رجلاً يومَ
٢٤٨/٦ أُحدٍ / فسَلَّمَ له رسولُ اللهِ لهِ سَلَبَه، أخرجه البيهقي (٣٠٨/٦)، ومنها (٦ /٣٠٩) حديثُ
جابرٍ: أنَّ عُقَيلَ بنَ أبي طالبٍ قتل يومَ مُؤْتَةَ رجلاً فَنَفَّلَه النبيُّ ◌َّ دِرعَه. ثمَّ كان ذلك
مُقرَّراً عند الصحابة كما روى مسلمٌ (١٧٥٣) من حديث عوفِ بن مالكٍ في قِصَّتِه مع
خالدٍ بن الوليد وإنكاره عليه أخذَه السَّلَبَ من القاتل ... الحديثَ بطوله، وكما روى
الحاكم (٧٦/٢ -٧٧) والبيهقي (٣٠٧/٦-٣٠٨) بإسنادٍ صحيحٍ عن سعد بن أبي وَقَّاصٍ:
أنَّ عبدَ الله بنَ جَحْشٍ قال يومَ أُحدٍ: تعالَ بنا نَدعُو، فدَعَا سعدٌ، فقال: اللهمَّ ارزُقْني رجلاً
شديداً بأسُه، فأُقاتِلُه ويقاتلُني، ثمَّ ارزُقني عليه الظَّفَرَ حتَّى أَقْتُلَه وآخُذَ سَلَبَه، الحديثَ،
وكما روى أحمدُ(١) بإسنادٍ قوي عن عبد الله بن الزُّبير قال: كانت صفيةُ في حِصنِ حسَّان بن
ثابتٍ يوم الخندق، فذكر الحديث في قصَّة قتلها اليهودي، وقولها حسّان: انزِل فاسلُبه،
فقال: ما لي بسَلَبِه حاجةٌ. وكما روى ابن إسحاقَ في ((المغازي))(٢) في قصَّة قتل عليٍّ بن أبي
طالبٍ عَمَرَو بنَ عبد ◌ُدِّ يومَ الخندقِ أيضاً، فقال له عمر: هَلّ استَلَبتَ دِرعَه، فإنَّه ليس
للعربِ خيرٌ منها، فقال: إنَّه اتَّقاني بسَواتِه.
وأيضاً فالنبي وَ إِنَّما قال ذلك يومَ حُنَين بعدَ أن نَرَغَ القتال، کما هو صريحٌ في ثاني
حديثَي الباب، حتَّى قال مالكٌ: يُكرَه للإمام أن يقول: مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه، لئلّا
تَضعُفَ نياتُ المجاهدين، ولم يقل النبي وَ ﴿ ذلك إلَّ بعدَ انقضاءِ الحرب، وعن الحنفية: لا
كراهةَ في ذلك، وإذا قاله قبلَ الحرب أو في أثنائها استَحقَّ القاتلُ.
١
(١) لم نجده في ((مسند أحمد)) وهو في ((سيرة ابن هشام)) ٢٢٨/٢ عن ابن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عباد
ابن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد، قال: كانت صفية بنت عبد المطلب ... فذكره مرسلاً. والذي في
((مسند أحمد)) (١٤٠٩): عن عبد الله بن الزبير، قال: لمّا كان يوم الخندق وكنت أنا وعمر بن أبي سلمة
في الأُطُم الذي فيه نساءُ رسول الله وَلي، أطم حسان ... ولم يذكر فيه صفية وقصتها.
(٢) ومن طريقه أخرجه البيهقي ٣٠٨/٦.

٤٥٣
باب ١٧ / ح ٣١٤١
كتاب فرض الخمس
ثم أخرج المصنف فيه حدیثین:
٣١٤١- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يوسفُ بنُ الماجِشُون، عن صالحِ بنِ إِبراهيمَ بنِ
عبدِ الرَّحمن بنِ عَوْفٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: بينا أنا واقفٌ في الصَّفِّ يومَ بدٍ، فَنَظَرتُ عن
يَمِيني وشِمالي، فإذا أنا بغُلامَين من الأنصار حديثةٍ أسنانُهما، تَمَّيْتُ أن أكونَ بينَ أَضْلُعٍ منهما،
فَغَمَّزَني أحدُهما، فقال: يا عمِّ، هل تَعرِفُ أبا جَهْلٍ؟ قلتُ: نعم، ما حاجَتُكَ إليه يا ابنَ أخي؟
قال: أُخبِرِتُ أَنَّه يَسُبُّ رسولَ الله ◌ِّهِ، والذي نفسي بيده، لَئِن رأيتُهُ لا يُفارقُ سَوادي سَوادَه
حتَّى يموتَ الأعجَلُ مِنَّ، فَتَعَجَّبتُ لذلك، فَغَمَزَني الآخَرُ، فقال لي مِثْلَها، فلم أنشَبْ أن نظرتُ
إلى أبي جَهْلٍ يَجُولُ في الناسِ، فقلتُ: ألا إنَّ هذا صاحبُكما الذي سألتُماني، فابتَدَراه بسيفَيهما
فضَرَباه حتَّى قَتَلَاهِ، ثُمَّ انصَرَفا إلى رسولِ اللهِ لَ فأخبَرَاه، فقال: ((أيُّكما قَتَلَه؟)) قال كلُّ واحدٍ
منهما: أنا قتلتُه، فقال: ((هل مَسَحْتُما سيفَيكما؟)) قالا: لا، فَنَظَرَ في السَّيفَين، فقال: ((كِلاكما قَتَلَه،
سَلَبُه لمعاذِ بنِ عَمِرِو بنِ الجَمُوحِ)، وكانا معاذَ ابنَ عَفْراءَ ومعاذَ بنَ عَمِرٍو بنِ الجَمُوحِ.
قال محمّدٌ: سَمِعَ يوسفُ صالحاً، وسمعَ إبراهيم أَبَاهُ عبدَ الرّحمن بنَ عوفٍ.
[طرفاه في: ٣٩٦٤، ٣٩٨٨]
أحدهما: حديثُ عبد الرَّحمن بن عوفٍ في قصَّة قتل أبي جَهْل.
والغَرَضُ منه هنا قوله في آخره: ((كِلاكما قتله، سَلَبُه لمعاذ بن عمرو بن الجَمُوح)»، فقد
احتَجَّ به مَن قال: إنَّ إعطاءَ القاتل السَّلَبَ مُفوَّضٌ إلى رأي الإمام، وقَرَّرَه الطَّحَاوي وغيرُه
بأنَّه لو كان يَجِبُ للقاتل، لكان السَّلَبُ مُستَحَقّاً بالقتل، ولکان جَعَلَه بینھما لاشتراکِھما في
قتله، فلمَّا خَصَّ به أحدَهما، دلَّ على أنَّه لا يُستَحقُّ بالقتل، وإنَّما يُستَحقُّ بتعيين الإمام.
وأجاب الجمهورُ بأنَّ في السِّياق دلالةً على أنَّ السَّلَبَ يَسْتَحِقُّه مَن أثخَنَ في القتل ولو
شارَكَه غيرُه في الضَّربِ أو الطَّعنِ.
قال المهلَّبُ: نظرُهُ وَّهِ فِي السَّيفَين واستلالُه لهما، هو ليرى ما بَلَغَ الدَّمُ من سيفَيهما

٤٥٤
باب ١٧ / ح ٣١٤١
فتح الباري بشرح البخاري
ومِقدارَ عُمِقِ دخولهما في جِسم المقتول، ليحكمَ بالسَّلَبِ لمن كان في ذلك أبلَغ، ولذلك
سألهما أوَّلاً: هل مَسَحتُما سيفَيكما أم لا؟ لأنَّهما لو مَسَحاهما لمَا تَبَيَّن المرادُ من ذلك، وإنّما
قال: ((كِلاكما قتله)) وإن كان أحدُهما هو الذي أثخَنَه، ليطيِّبَ نفسَ الآخر.
وقال الإسماعيلي: أقولُ: إنَّ الأنصاريَّينِ ضَرَباه فأثخَناه وبَلَغا به المَبلَغَ الذي يُعلَمُ معه
أنَّه لا يجوزُ بَقاؤُه على تلك الحال إلَّا قَدرَ ما يَطفأ، وقد دلَّ قوله: ((كِلاكما قتله)) على أنَّ كلَّا
منهما وصَلَ إلى قَطع الحِشوة وإِيانَتِها، أو بما يُعلَمُ أنَّ عملَ كلٍّ من سيفَيهما كَعمل الآخرِ،
غيرَ أنَّ أحدَهما سبق بالضَّربِ فصارَ في حُكم المثبِتِ لِراحه حتَّى وَقَعَت به ضربةُ الثَّاني،
فاشتَرَكا في القتل، إلّا أنَّ أحدَهما قتله وهو مُمتَنِعٌّ، والآخرُ قتله وهو مُثبَتٌ، فلذلك قضى
بالسَّلَب للسابقِ إلى إنخانِهِ، وسيأتي تتمَّةُ شرحِه في غزوة بدرٍ (٣٩٨٨) مع قول ابن مسعودٍ:
إنَّه قتله، وتأتي كيفيةُ الجمع هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: ((حديثةٍ)) بالجرِّ صفةٌ للغُلامَين، و((أسنانُهما)) بالرفع.
قوله: ((بين أَضْلُع منهما)) كذا للأكثر بفتح أوَّلِهِ وسكون المعجمة وضمِّ اللّام فجمعُ
ضِلَعٍ، ورُوي بضمِّ اللّام(١) وفتح العين من الضَّلاعة: وهي القُوَّة، ووقع في رواية الحقُّوِيّ
وحدَه: بين أصلحَ منهما، بالصَّاد والحاءِ المهمَلتَين، ونَسَبَه ابن بَطَّال لمُسدَّدٍ شيخِ البخاري،
وقال: خالَفَه إبراهيمُ بنُ حمزةَ عند الطَّحَاوي (٢٢٧/٣-٢٢٨)، وموسى بن إسماعيلَ عند
ابن سَنْجَرٍ (٢)، وعَفّانُ عند ابن أبي شَيْبةٍ(٣)، كلُّهم عن يوسفَ شيخ البخاري فيه، فقالوا:
(أضلع)) بالضّاد المعجمة والعين، قال: واجتماعُ ثلاثةٍ من الحُفّاظِ أَولى من انفراد واحدٍ.
انتهى، وقد ظَهَرَ أنَّ الخِلافَ على الرُّواة عن الفِرَبْري، فلا يليقُ الجَزْمُ بأنَّ مُسدَّداً نَطَقَ به
(١) كذا وقع في الأصلين و(س): بضم اللام، وهو سَبْق قلم، لأن قول الحافظ بعده: من الضلاعة، وهي
القوة، يدل على أنه أراد أنه بفتح اللام والعين، يعني: على وزن أفعل التفضيل، ويؤيده قول القاضي
عیاض وابن الأثير في «النهاية» بأنه معناه: بین رجلین أقوى منهما وأشد.
(٢) هو الحافظ محمد بن عبد الله بن سَنْجرَ الجُرجاني، صنف مسنداً. انظر ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) ٥٧٩/٢.
(٣) وكذلك أخرجه من طريق عفان أبو عوانة (٦٦٣٧).

٤٥٥
باب ١٧ / ح ٣١٤٢
كتاب فرض الخمس
هكذا(١)، وقد رواه أحمدُ في «مُسنَده)) (١٦٧٣)، وأبو يعلى (٨٦٦) عن عُبيد الله القواريري
وبشرِ بن الوليد وغيرهما (٢)، كلَّهم عن يوسفَ كالجماعة، وكذلك أخرجه الإسماعيلي من
طريق عثمانَ بن أبي شَيْبةَ عن عَفّانَ كذلك.
٢٤٩/٦
قوله: ((لا يُفارِقُ سَوَادِي سَوادَه)) بفتح السِّين: وهو الشَّخْص.
قوله: ((حتَّى يموتَ الأعْجَلُ منَّ)) أي: الأقرَبُ أجَلاً، وقيل: إنَّ لفظَ ((الأعجَلِ)) تحريفٌ،
وإنَّما هو الأعجَز، وهو الذي يقعُ في كلام العربِ كثيراً، والصوابُ ما وقع في الرِّواية
لوضوح معناه.
قوله: ((قال محمَّدٌ)) هو المصنِّفُ (سمعَ يوسفُ)) يعني ابنَ الماجِشُون ((صالحاً)) يعني ابن
إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفِ المذكورَ في الإسناد «وسمعَ إبراهیمُ أباه عبدَ الَّحمن بنَ
عوفٍ)) وهذه الزِّيادةُ لأبي ذرٍّ وأبي الوَقْت هنا، وتقدَّم في الوكالة (٢٣٠١) في حديثٍ آخرَ
بهذا الإسناد مِثْلُه، وبيَّنت هناك سماعَ إبراهيمَ من أبيه، وأمَّا سماعُ يوسفَ من صالحٍ فوقع
في رواية عَفّانَ عند الإسماعيلي، ولعلَّ البخاري أشارَ إلى أنَّ الذي أدخَلَ بين يوسفَ
وصالحٍ في هذا الحديث رجلاً لم يَضبِطْ، وذلك فيما أخرجه البَزّار (١٠١٣)، والرجلُ هو
عبدُ الواحد بنُ أبي عَونٍ، ويحتملُ أن يكون يوسفُ سمعَه من صالح وثبَّتَه فيه عبدُ الواحد،
والله أعلم.
٣١٤٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن ابنِ أَفَلَحَ، عن أبي
محمَّدٍ مولى أبي قَتَادةَ، عن أبي قَتَادَةَ ﴾، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللهَ وَ ◌ّلِ عامَ حُنَينٍ، فلمَّا التَّقَينا
كانت للمسلمينَ جَوْلٌ، فرأيتُ رجلاً من المشركينَ عَلَا رجلاً من المسلمينَ، فاستَذْبَرتُ حتَّى
أتيتُهُ من ورائه حتَّى ضَرَبتُه بالسَّيفِ على حَبْلِ عاِقِه، فأقبَلَ عليَّ فضمَّني ضمّةً وَجَدْتُ منها
(١) على أنه رواه يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي عند ابن المنذر في ((الأوسط)) ١٢٤/١١، ومعاذ بن المثنى عند
الحاكم ٤٢٥/٣، كلاهما عن مسدّد، فقالا: بين أضلع، بالضاد المعجمة والعين. كالجماعة.
(٢) رواه مسلم كذلك (١٧٥٢) عن يحيى بن يحيى التميمي، عن يوسف بن الماجشون. كالجماعة.

٤٥٦
باب ١٧ / ح ٣١٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
رِيحَ الموتِ، ثمَّ أدرَكَه الموتُ فأرسَلَني، فلَحِقْتُ عمرَ بنَ الخطّابِ، فقلتُ: ما بالُ الناسِ؟ قال:
أمرُ الله، ثمَّ إنَّ الناسَ رَجَعُوا، وجَلَسَ النبيُّ نَّهِ، فقال: ((مَن قَتَلَ قتيلاً له عليه بَيَِّةٌ فله سَلَبُه))
فَقُمْتُ فقلتُ: مَن يَشْهَدُ لِي؟ ثمَّ جَلَستُ، ثمَّ قال: ((مَن قَتَلَ قتيلاً له عليه بَيَِّةٌ فله سَلَبِه)) فقُمْتُ
فقلتُ: مَن يَشْهَدُ لي؟ ثمَّ جلستُ، ثمَّ قال الثَّالثةَ مِثْلَه(١)، فقال رجلٌ: صَدَقَ يا رسولَ الله،
وسَلَبُه عندي، فَأَرْضِه عنِّي، فقال أبو بكرِ الصِّدِّيقُ ﴾: لا ها اللَّهِ إذاً، لا يَعْمِدُ إلى أسَدٍ من
أُسدِ الله يقاتِلُ عن الله ورسولِهِ، يُعْطِيكَ سَلَبَه، فقال النبيُّ نَّ: ((صَدَقَ)) فأعطاه، فابتَعْتُ به
مَخْرَفاً في بني سَلِمَةَ، فإنَّه لَأوَّلُ مالٍ تَأَّتُه في الإسلام.
الحديث الثاني: حديثُ أبي قَتَادة، وسيأتي شرحُه مُستَوفَّى في المغازي (٤٣٢١)، وقوله
فيه: عن ابن أفلَحَ، نَسَبَه إلى جدِّه، وهو عمرُ بنُ كثير بن أفلَحَ، وفي الإسناد ثلاثةٌ من
التابعينَ في نَسَقٍ، وكلُّهم مَدَنيّونَ إلَّ الراوي عن مالك، وقد نزلها.
وقوله ((فاستَدبَرْت)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهني: ((فاستَدَرْت)) بغير موحّدةٍ.
قوله: ((فقال رجلٌ: صَدَقَ يا رسولَ الله، وسَلَيُّه عندي)) لم أقِفْ على اسمِه. واستُدلَّ به
على دخول مَن لا يُسهَمُ له في عموم قوله: ((مَن قتل قتيلاً))، وعن الشّافعي في قولٍ، وبه
قال مالكٌ: لا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إِلَّ مَن استَحقَّ السَّهمَ، لأنَّه قال: إذا لم يَسْتَحِقَّ السَّهمَ، فلا
يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بطريق الأَولى، وعُورِضَ بأنَّ السَّهمَ عُلِّق على المَظِنَّةِ، والسَّلَبُ يُستَحَقُّ
بالفعل فهو أولى، وهذا هو الأصح.
(١) زاد بعده في ((إرشاد الساري)): فقمتُ، فقال رسول الله وَّه: ((ما لك يا أبا قتادة؟)) فاقتصصتُ عليه القصة،
وهذه الزيادة لم ترد في النسخ الخطية التي عندنا من ((صحيح البخاري)) كما لم ترد في النسخة اليونينية، فقد
قال مُصحح الطبعة السلطانية ما نصه: ثابتة في المطبوع السابق، ولم نجدها في نسخة خطية يوثق بها من
النسخ التي عندنا. قلنا: وهي ثابتة في رواية أبي داود في ((السنن)) (٢٧١٧) عن عبد الله بن مسلمة القعنبي
شيخ البخاري في هذا الحديث، وهي كذلك ثابتة في رواية غيره للموطأ، فقد ذكرها يحيى الليثي في روايته
٢/ ٤٥٤، وأبو مصعب الزهري (٩٤٠)، والشافعي في ((الأم)) ٢٣٩/٧، وعبد الله بن يوسف عند المصنّف
فيما سيأتي برقم (٤٣٢١)، وعبد الله بن وهب عند الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٤٧٨٥).

٤٥٧
باب ١٧ / ح ٣١٤٢
كتاب فرض الخمس
واستُدِلَّ به على أنَّ السَّلَبَ للقاتل في كلِّ حالٍ، حتَّى قال أبو ثَوْر وابن المنذر: يَسْتَحِقُّه
ولو كان المقتولُ مُنهَزِماً، وقال أحمدُ: لا يَسْتَحِقُّه إلَّا بالمبارَزَة، وعن الأوزاعي: إذا التَّقى
الَّحفانِ فلا سَلَبَ.
واستُدِلَّ به على أنَّه مُستَحَقٌّ للقاتل الذي أثخَنَه بالقتل، دونَ مَن ذَفَّف(١) عليه، كما
سيأتي في قصَّة ابن مسعودٍ مع أبي جَهْل في غزوة بدرٍ (٣٩٦٢).
واستُدِلَّ به على أنَّ السَّلَبَ يَسْتَحِقُّه القاتلُ من كلِّ مقتولٍ، حتَّى لو كان المقتولُ امرأةً،
وبه قال أبو ثَوْر وابن المنذِرِ، وقال الجمهورُ: شرطُه أن يكون المقتولُ من المقاتِلة.
واتَّفَقوا على أنَّه لا يُقبَلُ قولُ مَن ادَّعى السَّلَبَ إِلَّ بيّنةٍ تَشْهَدُ له بأنَّه قتله، والحُجَّةُ فيه
قوله في هذا الحديث: ((له عليه بيِّةٌ)) فمفهومُه أنَّه إذا لم تكن له بيَِّةٌ لا يُقبَل، وسياقُ أبي
قَتَادَة يَشْهَدُ لذلك، وعن الأوزاعي: يُقبَلُ قوله بغير بيَِّةٍ، لأنَّ النبي ◌َّر أعطاه لأبي قَتَادة
بغير بيِّنَةٍ. وفيه نظرٌ، لأنَّه وقع في ((مغازي الواقدي)): أنَّ أوسَ بنَ خَوْلِيٍّ شَهِدَ لأبي
قَتَادة (٢)، وعلى تقدير أن لا يَصِحَّ فَيُحمَلُ على أنَّ النبي ◌َّ عَلِمَ أنَّه القاتلُ بطريقٍ من
الطُّرِقِ، وأبعَدَ مَن قال من المالكية: إنَّ المرادَ بالبيِّنة هنا الذي أقرَّ له أنَّ السَّلَبَ عنده فهو
شاهدٌ، والشّاهدُ الثَّاني وجودُ السَّلَبِ، فإنَّه بمنزلة الشّاهدِ على أنَّه قتله، ولذلك جُعِلَ
لَوْثاً(٣) في باب القَسامة، وقيل: إنَّما استَحقّه أبو قَتَادة بإقرار الذي هو بيدِه، وهو ضعيفٌ،
لأنَّ الإقرارَ إنَّما يفيدُ إذا كان المالُ منسوباً لمن هو بيدِه فيُؤاخَذُ بإقراره، والمالُ هنا منسوبٌ
لجميع الجيش. ونَقَلَ ابن عَطيَّةَ عن أكثر الفقهاءِ أنَّ البَيِّنَةَ هنا شاهدٌ واحدٌ يُكتَفی به.
(١) تحرف في (س) إلى: ذهب. يقال: ذَقَّف على الجريح ودَفَّف، بالدال المهملة، أي: أَجهزَ عليه. انظر
((النهاية)) لابن الأثير، مادتي (ذفف) و(دفف).
(٢) الذي في ((مغازي الواقدي)) ٩٠٨/٣ أن الذي شهد لأبي قتادة اثنان هما: عبد الله بن أُنيس، والأسود بن
الخزاعي. والله أعلم.
(٣) اللَّوث: أن يشهد شاهد واحدٌ على إقرار المقتول قبل أن يموت أن فلاناً قتلني، أو يشهد شاهدان على
عداوةٍ بينهما، أو تهديد منه له أو نحو ذلك، وهو من التلوّث: التلطُّخ. يقال: لائه في التراب ولوّثَه.
قاله في «النهاية».

٤٥٨
باب ١٨ / ح ٣١٤٣-٣١٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
١٨ - باب ما كان رسول الله وَ الله يعطي المؤلِّفةَ قلوبُهم وغيرَهم
من الخُمُس ونحوه
رواه عبدُ الله بنُ زيدٍ عن النبيِّ وَلَ.
٢٥٢/٦ قوله: ((باب ما كان رسول ◌َ ل﴿ يُعْطي المؤلَّفةَ قلوبُهم)) سيأتي بياتُهم، وأنَّهم مَن أسلَمَ ونيتُه
ضعيفٌ، أو كان يُتَوقَّع بإعطائه إسلامُ نُظَرائه، في تفسير براءَة (٤٦٦٧).
قوله: ((وغيرهم)) أي: غير المؤلَّفة ممَّن تَظهَر له المصلحة في إعطائه.
قوله: ((من الخُمس ونحوه)) أي: من مال الخَرَاج والجِزْية والفَيء، قال إسماعيل القاضي:
في إعطاء النبي ◌َّ للمُؤْلَّفة من الخمس دلالة على أنَّ الخمس إلى الإمام، يفعلُ فيه ما يرى
من المصلحة. وقال الطََّري: استدلَّ بهذه الأحاديث مَن زَعَمَ أنَّ النبي ◌َِّ كان يُعطي مِن
أصل الغنيمة لغير المقاتلينَ، قال: وهو قول مردود بدليل القرآن والآثار الثَّابتة. واختُلِفَ
بعد ذلك من أينَ كان يُعطي المؤلَّفة؟ فقال مالك وجماعة: من الخمس، وقال الشّافعي
وجماعة: من خُمُس الخمس، قيل: وليس في أحاديث الباب شيء صريح بالإعطاءِ من نفس
الخمس.
قوله: ((رواه عبدُ الله بن زيد عن النبي (وَ)) يشير إلى حديثه الطّويل في قصَّة حُنَين،
وسيأتي هناك (٤٣٣٠) موصولاً مع الكلام عليه، والغَرَض منه هنا قوله: لمَّا أفاءَ الله على
رسوله يوم حُنَين قَسَمَ في الناس في المؤلّفة قلوبهم، الحديث.
ثمَّ أورد في الباب تسعة أحادیث:
٣١٤٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيد بنِ المسيّب
وعُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزام ﴾ قال: سألتُ رسولَ الله ◌ِِّ فأعطاني، ثمَّ سألتُهُ
فأعطاني، ثمَّ قال لي: ((يا حَكِيمُ، إنَّ هذا المالَ خَضِرٌ حُلْوٌّ، فمَن أخَذَه بسَخاوةِ نفسٍ بُورِكَ له فيه،
ومَن أخَذَه بإِشْراف نفسٍ لم يُبارَك له فيه، وكان كالذي يأكُلُ ولا يَشْبَعُ، واليَدُ العُلْيا خيرٌ من
اليد السُّفْلَى)) قال حَكِيمٌ: فقلتُ: يا رسولَ الله، والذي بَعَثَكَ بالحقِّ لا أرزَأُ أحداً بعدَكَ شيئاً

٤٥٩
باب ١٨ / ح ٣١٤٣ -٣١٤٤
كتاب فرض الخمس
حتَّى أُفارقَ الدُّنْيا، فكان أبو بكرٍ يَدْعُو حَكِيماً لِيُعْطِيَه العطاءَ فِيَأْبِى أن يقبلَ منه شيئاً، ثمَّ إنَّ عمرَ
دَعاه ليُعْطِيَه فأبى أن يقبلَ، فقال: يا مَعْشَرَ المسلمينَ، إنّي أَعرِضُ عليه حقَّه الذي قَسَمَ الله له من
هذا الفَيءٍ فِيَأْبِى أن يأخذَه، فلم يَرْزَأْ حَكِيمٌ أحداً من الناسِ بعدَ النبيِّ ◌َّهَ حَتَّى تُوفِّيَ.
٣١٤٤- حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا حَادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافع، أنَّ عمرَ بنَ الخطّاب ٢٥٠/٦
قال: يا رسولَ الله، إنَّه كان عليَّ اعتِكافُ يومٍ في الجاهليَّةِ، فأمْرَه أن يَفِيَ به، قال: وأصاب
عمرُ جَارِيَتَين من سَبْيٍ حُنَينٍ فَوَضَعَهما في بعضِ بيوتٍ مِكَّةَ، قال: فَمَنَّ رسولُ اللهِ وَلِ على
سَبٍْ حُنَينٍ، فجعلوا يَسْعَوْنَ في السِّكَكِ، فقال عمرُ: يا عبدَ الله، انظُرُ ما هذا، قال: مَنَّ
رسولُ اللهِوَ﴿ على السَّبٍْ، قال: اذهبْ فأرسِلِ الجاريَتَين.
قال نافعٌ: ولم يَعتَمِرْ رسولُ الله ◌َِّ مِن الْجِعْرانِةِ، ولو اعتَمَرَ لم يَخْفَ على عبدِ الله.
وزادَ جَرِيرُ بنُ حازمٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، وقال: من الخُمس.
ورواه مَعمَرٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ في النَّذْرِ، ولم يقل: يوم.
أحدهما: حديث حكيم بن حِزام: سألتُ رسول الله و سير فأعطاني ... الحديث بطوله،
وفيه قصَّته مع عمر، وقد تقدَّم الكلام على ذلك مُستَوفّ في كتاب الزكاة (١٤٧٢).
ثانيها: حديث ابن عمر في نَذر عمر في الجاهلية، وفيه: وأصاب عمر جاريتين من سَبي
حُنَين. وهو موضع التَّرجمة.
قوله: ((عن نافع أنَّ عُمَر قال: يا رسول الله، إنَّه كان عليَّ اعتِكافُ يوم)) كذا رواه حَمَّاد بن
زيد عن أيوب عن نافع مُرسلاً، ليس فيه ابن عمر، وسيأتي في المغازي (٤٣٢٠) أنَّ البخاري
نَقَلَ أنَّ بعضهم رواه عن حمّاد بن زيد موصولاً، وهو عند مسلم (٢٨/١٦٥٦) وابن خُزيمةَ
(٢٢٢٨) لكن في القصَّة الثّالثة المتعلّقة بعمرة الجِعرانة لا في جميع الحديث(١)، وذكر هنا أنَّ
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، مع أن الظاهر من سياق الرواية عند مسلم وابن خزيمة أن ذكر نذر عمر جاء معطوفاً
على قول ابن عمر بأنه وَلي لم يعتمر من الجِعْرانة، حيث جاء عندهما: قال: لم يعتمر منها، وقال: وكان عمر
نذر ... وسيذكر الحافظ في المغازي أن الإسماعيلي أخرجه في ((مستخرجه)) من طريق أحمد بن عبدة الضبي شيخ
مسلم وابن خزيمة في هذا الحدیث، مصر حاً فیه بوصل قصة نذر عمر من رواية ابن عمر، مخالف ما قاله هنا.

٤٦٠
باب ١٨ / ح ٣١٤٣-٣١٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
٢٥٣/٦ مَعمَراً وَصَلَه أيضاً عن أيوب،/ ورواية مَعمَر وَصَلَها في المغازي (٤٣٢٠) وهو في قصَّة
النَّذر فقط، وذكر في المغازي أيضاً أنَّ حَمَّاد بن سَلَمة رواه موصولاً، وسيأتي بيان ذلك
واضحاً أيضاً هناك، وأنَّه أيضاً في النَّذر فقط، ويأتي الكلام على ما يَتعلَّق منه بالنَّذْرِ في
كتاب الأيمان والنُّدور (٦٦٩٧).
والذي قَدَّمتُه انَّفَقَ عليه جميع رُوَاة البخاري إلَّ الْجُرْجاني فقال: عن نافع عن ابن
عمر. وهو وهمٌ منه، ويَظهَر ذلك من تصرُّف البخاري هنا، وهو في المغازي، وبذلك جَزَمَ
أبو عليٍّ الجيّاني، وقال الدَّارقطني: حدیث حمّاد بن زید مُرسل، وحديث جَرِیر بن حازم
موصول، وحَمَّاد أثبَتُ في أيوب من جَرِير، فأمَّا رواية مَعمَر الموصولة فهي في قصَّة النَّذر
فقط دون قصَّة الجاريتَينِ، قال: وقد روى سفيان بن عُيَينةَ عن أيوب حديث الجاريتين
فَوَصَلَه عنه قوم وأرسَلَه آخرون.
قوله: ((فأمَرَه)» في رواية جَرِير بن حازم عند مسلم (٢٨/١٦٥٦) أنَّ سؤاله لذلك وقع
وهو بالجِعرانة بعدَ أن رَجَعَ إلى الطائف.
قوله: ((وأصاب عُمَر جاريتين من سَبْي حُنَينٍ)) أي: من هَوَازِن، لم أرَ مَن سَّهما، وفي
رواية ابن عُيَينةَ عند الإسماعيلي موصولاً: أنَّ عمر قال، فذكر حديث النَّذر، قال: فأمَرَني
أن أعتكِفَ فلم أعتكِفْ حتَّى كان بعدَ حُنَين، وكان النبيُّ ◌َّ أعطاني جارية، فبينا أنا
مُعتکِفٌ إذ سمعت تكبیراً، الحديث.
قوله: ((قال: مَنَّ رسول الله وَ ﴿ على السَّبي)) ستأتي صفة ذلك في المغازي(١) (٤٣١٨)، وفي
هذا السِّياق حذفٌ تقديره: فنَظَرَ أو سأل عن سبب سَعْيهم في السِّكَك، فقيل له، فقال
لعمرَ، وفي رواية ابن عُيَينةَ المذكورة: فقلت: ما هذا؟ فقالوا: السَّبْي أسلموا، فأرسَلهم النبي
وَّة، فقلت: والجارية فأَرسِلُوها.
قوله: ((قال: اذهب فأرسل الجاريتين)) يُستَفاد منه الأخذ بخبرِ الواحد.
(١) وقد سلفت قصة سبي حُنين أيضاً في هذا الكتاب، برقم (٣١٣١).