النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
باب ١٨٠ / ح ٣٠٥٩
كتاب الجهاد
أنَّهم لو مُنِعوا من الماء والكَلَأْ لهَلَكَت مواشيهم، فاحتاجَ إلى تعويضهم بصرفِ الذَّهب
والفِضَّة لهم لسَدِّ خُلَّتهم، ورُبَّما عارَضَ ذلك الاحتياجُ إلى النَّقْد في صَرْفه في مُهِمِّ آخر.
قوله: ((إِنَّهِم لَيُرَوْنَ)) بضمِّ التَّحتانية أوَّلَه بمعنى الظَّنّ، وبفتحها بمعنى الاعتقاد.
وقوله: ((أنّي قد ظلمتُهم)) قال ابن التِّين: يريد أربابَ المواشي الكثيرة. كذا قال، والذي
يَظْهَر لي أنَّه أراد أربابَ المواشي القليلة، لأنَّهم المعظَم والأكثر، وهم أهل تلك البلاد من
بوادي المدينة، ويدلَّ على ذلك قولُ عمر: ((إنَها لَبلادُهم)) وإنَّما ساغَ لعمر ذلك؛ لأنَّه كان
مَوَاتاً فحَماه لنَعَم الصَّدَقة لمصلحة عموم المسلمين. وقد أخرج ابن سعد في ((الطَّقات))
(٣٢٦/٣) عن مَعْن بن عيسى، عن مالك، عن زيد بن أسلَمَ، عن عامر بن عبد الله بن
الزُّبير، عن أبيه: أنَّ عمر أتاه رجلٌ من أهل البادية فقال: يا أمير المؤمنينَ، بلادنا قاتَلْنا
عليها في الجاهلية وأسلمْنا عليها في الإسلام، ثمَّ تُحمَى علينا؟ فجَعَلَ عمر يَنفُخ ويَفْتِل
شاربه، وأخرجه الدَّارَقُطني في ((غرائب مالك)) من طريق ابن وَهْب عن مالك بنحوِه،
وزادَ: فلمَّا رأى الرجل ذلك ألَعَّ عليه، فلمَّا أكثر عليه قال: المالُ مال الله، والعبادُ عباد
الله، ما أنا بفاعل.
وقال ابن المنيِر: لم يَدخُل ابنُ عَفّان ولا ابن عوف في قوله: ((قاتَلوا عليها في الجاهلية))،
فالكلام عائد على عموم أهل المدينة لا عليهما، والله أعلم.
وقال المهلَّب: إنَّما قال عمرُ ذلك لأنَّ أهل المدينة أسلموا عفواً، وكانت أموالهم لهم،
ولهذا ساوَمَ بني النَّجّار بمكانٍ مسجده، قال: فاتَّفَقَ العلماء على أنَّ مَن أسلَمَ من أهل
الصُّلح، فهو أحقُّ بأرضِه، ومَن أسلَمَ من أهل العَنْوة، فأرضه فَيْءٌ للمسلمين، لأنَّ أهل
العَنْوة غُلِبوا على بلادهم كما غُلِبوا على أموالهم، بخلاف أهل الصُّلح في ذلك. وفي نقل
الاتّفاق نظرٌ لمَا بَيَّنّا أوَّلَ الباب، وهو ومَن بعده حملوا الأرض على أرض أهل المدينة التي
أسلَمَ أهلُها عليها، وهي في مِلْكهم، وليس المراد ذلك هنا، وإنَّما حَى عمرُ بعض المَوَات
مَّا فيه نبات من غير مُعالجة أحد، وخَصَّ إبلَ الصَّدَقة وخيولَ المجاهدين، وأذِنَ لمن كان
مُقِلًا أن يَرعى فيه مواشيَه رِفقاً به، فلا حُجَّة فيه للمخالف.

٣٢٢
باب ١٨١ / ح ٣٠٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا قوله: ((يَرَونَ أنّ ظَلمتُهم)) فأشارَ به إلى أنَّهم يَدَّعونَ أنَّهم أَولى به، لا أنَّهم مُنِعوا
حقَّهم الواجب لهم.
قوله: («لولا المالُ الذي أَحِل عليه في سبيل الله)) أي: من الإبل التي كان يَحمِل عليها مَن
لا يَجِدُ ما يَرَكَب، وجاء عن مالك: أنَّ عدَّة ما كان في الحِمى في عَهْد عمر بَلَغَ أربعينَ ألفاً
من إبل وخیل وغيرها.
وفي الحديث ما كان فيه عمر من القُوَّة وجَوْدة النَّظَر والشَّفَقة على المسلمين. وهذا
الحديث ليس في ((الموطَّأ))(١)، قال الدَّارَقُطني في ((غرائب مالك)): هو حديث غريب صحيح.
١٨١ - باب كتابة الإمامِ الناسَ
٣٠٦٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن خُذَيفةَ
١٧٨/٦ ◌ُه قال: / قال النبيُّ وَّ: ((اكتُبُوا لي مَن تَلَفَّظَ بالإسلام مِن الناسِ)»، فكَتَبْنا له ألفاً وخمسَ مئةٍ
رجلٍ، فقلنا: نَخافُ ونحنُ ألفٌ وخمسُ مئةٍ؟! فلقد رأيتُنا ابتُلينا حتَّى إِنَّ الرجلَ لَيُصلِّي وحدَه
وهو خائفٌ.
حدَّثنا عَبْدَانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَش: فَوَجَدْناهم خمسَ مئةٍ.
قال أبو معاويةً: ما بينَ بِتُّ مئةٍ إلى سَبْعٍ مئٍ.
قوله: ((باب كتابة الإمام الناسَ)) أي: من المقاتِلة وغيرهم، والمراد ما هو أعمُّ من كتابَته
بنفسِه أو بأمره.
قوله: ((حدَّثْنا محمَّد بن يوسف)) هو الفِرْيابي، وسفيان: هو الثَّوْري.
قوله: ((اكتُبُوا لي مَن تَلَفَّظَ بالإسلام)» في رواية أبي معاوية عن الأعمَش عند مسلم:
(١٤٩): ((احصُوا)) بدل: ((اكتُبوا))، وهي أعمُّ من اكتُبُوا، وقد يُفسَّر احصُوا باكتُبُوا.
قوله: ((فقلنا: نَخافُ)) هو استفهام تَعجُّب وحُذِفَت منه أداة الاستفهام وهي مُقدَّرة،
(١) بل هو فيه ٢/ ١٠٠٣ في أول كتاب دعوة المظلوم: باب ما يُنَّقى من دعوة المظلوم.

٣٢٣
باب ١٨١ / ح ٣٠٦٠
كتاب الجهاد
وزادَ أبو معاوية في روايته: ((فقال: إنَّكم لا تدرونَ لعلَّكم أن تُبتَلَوا))، وكأنَّ ذلك وقع عند
تَرَّقُّب ما يُخاف منه، ولعلَّه كان عند خروجهم إلى أُحد أو غيرها. ثمَّ رأيت في شرح ابن
التِّين الجَزْمَ بأنَّ ذلك كان عند حَفْر الخندق. وحكى عن الدَّاوودي احتمال أنَّ ذلك وقع
لمَّا كانوا بالحُدَيبية؛ لأنَّه قد اختُلفَ في عددهم: هل كانوا ألفاً وخمس مئة، أو ألفاً وأربع
مئة، أو غير ذلك مما سيأتي في مكانه.
وأمَّا قول خُذَيفة: ((فلقد رأيتُنا ابتُلينا ... )) إلى آخره، فيُشبِه أن يكون أشارَ بذلك إلى ما
وقع في أواخر خلافة عثمان من ولاية بعض أُمَراء الكوفة كالوليد بن عُقْبة، حيثُ كان
يُؤخّر الصلاة، أو لا يقيمُها على وجهها، وكان بعض الوَرِعينَ يُصلِّ وحده سِرّاً ثمَّ يُصلّي
معه خَشْيةً من وقوع الفتنة، وقيل: كان ذلك حين أتمَّ عثمانُ الصلاة في السَّفَر، وكان
بعضهم يَقصُر سِرّاً وحده خَشْيَةَ الإنكار عليه، ووَهِمَ مَن قال: إن ذلك كان أيامَ قتل
عثمان؛ لأنَّ حُذَيفة لم يَحِضُر ذلك. وفي ذلك عَلَمٌ من أعلام النبوَّة من الإخبار بالشيءٍ قبل
وقوعه، وقد وقع أشدُّ من ذلك بعد حُذيفة في زمن الحجّاج وغيره.
قوله: ((حدَّثنا عَبْدان، عن أبي حمزة، عن الأعمَش: فوَجَدْناهم خمسَ مئة)) يعني: أنَّ أبا حمزة
خالَفَ الثَّوريَّ عن الأعمَش في هذا الحديث بهذا السَّنَد، فقال: خمس مئة، ولم يَذكُر الألف.
قوله: ((قال أبو معاوية: ما بين سِتّ مئة إلى سبع مئة)) أي: أنَّ أبا معاوية خالَفَ الثَّوريَّ
أيضاً عن الأعمَش بهذا الإسناد في العِدَّة، وطريق أبي معاوية هذه وَصَلَها مسلم (١٤٩)
وأحمد (٢٣٢٥٩) والنَّسائي (ك٨٨٢٤) وابن ماجَهْ (٤٠٢٩)، وكأنَّ رواية الثَّوْري
رَجَحَت عند البخاري، فلذلك اعتَمَدَها لكَونِه أحفظَهم مُطلَقاً وزادَ عليهم، وزيادة الثِّقة
الحافظ مُقدَّمة، وأبو معاوية وإن كان أحفظَ أصحاب الأعمَش بخصوصِه، ولذلك
اقتَصَرَ مسلم على روايته، لكنَّه لم يَجِزِمْ بالعدد، فقَدَّمَ البخاري رواية الثَّوْري لزيادِتِها
بالنّسبة لرواية الاثنين، والجزمِها بالنّسبة لرواية أبي معاوية، وأمَّا ما ذكره الإسماعيلي: أنَّ
يحيى بن سعيد الأُمَوي وأبا بكر بن عيَّاش وافَقا أبا حمزة في قوله: خمس مئة، فتَتَعارَض

٣٢٤
باب ١٨١ / ح ٣٠٦١
فتح الباري بشرح البخاري
الأكثريَّة والأحفظيَّة، فلا يخفى بعدَ ذلك التَّرجيحُ بالزّيادة، وبهذا يَظهَر رُجْحانُ نظر
البخاري على غيره.
وسَلَكَ الدَّاوودي الشّارح طريقَ الجمع فقال: لعلَّهم كُتِبوا مرَّاتٍ في مواطن. وجمع
بعضهم بأنَّ المراد بالألفِ وخمس مئة جميعُ مَن أسلَمَ من رجل وامرأة وعبد وصبي، وبما
١٧٩/٦ بين السّتِّ مئة إلى السَّبع مئة الرِّجالُ خاصَّة، وبالخمس مئة المقاتلةُ خاصَّة،/ وهو أحسن
من الجمع الأوَّل، وإن كان بعضهم أبطَلَه بقوله في الرِّواية الأُولى: ألف وخمس مئة رجل،
لإمكانٍ أن يكون الراوي أراد بقوله: ((رجل»: نفس، وجَمَعَ بعضهم بأنَّ المراد بالخمس مئة
المقاتلةُ من أهل المدينة خاصَّة، وبما بين السِّت مئة إلى السَّبع مئة هم ومَن ليس بمُقاتل،
وبالألفِ وخمس مئة هم ومَن حولهم من أهل القُرى والبَوادي.
قلت: ويَخِدِشُ في وجوه هذه الاحتمالات كلِّها اتّحادُ مَخَرَج الحديث، ومَدارُه على
الأعمَش بسندِهِ، واختلافُ أصحابه عليه في العدد المذكور، والله أعلم.
وفي الحديث مشروعيَّة كتابة دواوين الجيوش، وقد يَتَعَّن ذلك عند الاحتیاج إلى تمییز
مَن يَصلُح للمُقاتلة ممَّن لا يَصلُح، وفيه وقوع العقوبة على الإعجاب بالگثْرة، وهو نحو
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٢٥].
وقال ابن المنيِّر: موضع التَّرجمة من الفقه أن لا يُتَخَيَّل أنَّ كتابة الجيش وإحصاء عَدَده
يكون ذَريعةً لارتفاع البَرَكة، بل الكتابة المأمورُ بها لمصلحةٍ دينيّة، والمؤاخَذَة التي وَقَعَت
في حُنَين كانت من جِهَة الإعجاب.
٣٠٦١- حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيج، عن عَمرِو بنِ دینارٍ، عن أبي
مَعَبَدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ وَلَ فقال: يا رسولَ الله، إنّ
كُتُبْتُ في غَزْوةٍ كذا وكذا، وامرأتي حاجّةٌ! قال: ((ارجِعْ فحُجَّ مع امرأتِكَ)).
ثم ذكر المصنف حديث ابن عبّاس: ((قال رجل: يا رسول الله، إنّ اكتُثِبتُ في غزوة
کذا».

٣٢٥
باب ١٨٢ / ح ٣٠٦٢
كتاب الجهاد
وهو يُرجِّح الرِّوايةَ الأُولى بلفظ: ((اكتُبُوا))، لأنَّها مُشعِرة بأنَّه كان من عادتهم كتابةٌ مَن
يَتَعيَّن للخروج في المغازي، وقد تقدَّم شرح الحديث في الحجّ (١٨٦٢) مُستَوفَّى.
١٨٢ - باب إنّ الله يؤيّدُ الدِّينَ بالرجل الفاجر
٣٠٦٢- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريّ (ح) وحدَّثني محمودُ بنُ غَيْلانَ،
حدَّثنا عبدُ الرزّاقِ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن ابنِ المسيّب، عن أبي هريرةَ ﴾ قال:
شَهِدْنا مع رسولِ اللهِ وَّه، فقال لرجلٍ ثَمَّن يَدَّعي الإسلامَ: ((هذا مِن أهلِ النارِ))، فلمَّا حَضَرَ
القتالُ قاتَلَ الرجلُ قتالاً شديداً، فأصابتْه جِراحةٌ فقيل: يا رسولَ الله، الذي قلتَ: إنَّه من أهلِ
النار، فإنَّه قد قاتَلَ اليومَ قتالاً شديداً، وقد مات! فقال النبيُّ وَّهِ: ((إلى النارِ)) قال: فكادَ بعضُ
الناسِ أن يَرْتابَ، فبينما هم على ذلك إذ قيلَ: إِنَّه لم يَمُت، ولكنَّ به چِراحاً شديداً، فلمَّا كان
مِن اللَّيلِ لم يَصْبِرِ على الِرَاحِ فقتلَ نفسَه، فَأُخِرَ النبيُّنَّه بذلك فقال: ((اللهُ أكبرُ، أَشهَدُ أنّي
عبدُ الله ورسولُهُ))، ثمَّ أمَرَ بلالاً فنادَى بالناس: ((إنَّه لا يَدخُلُ الجنَّةَ إلا نفسٌ مُسلِمَةٌ، وإِنَّ الله
لَيُؤْيِّدُ هذا الدِّينَ بالرجل الفاجرِ)).
[أطرافه في: ٤٢٠٣، ٤٢٠٤، ٦٦٠٦]
قوله: ((باب إنَّ الله لَيُؤْيِّد الدّين بالرجل الفاجر)) ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصَّة
الرجل الذي قاتلَ، وقال النبي ◌َّ: ((إنَّه من أهل النار)) وظهَرَ بعد ذلك أنَّه قتل نفسَه،
وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في المغازي (٤٢٠٣)، وهو ظاهر فيها ترجمَ به، وساقه هنا على لفظ
مَعمَر، وهذا هو السَّبَب في عَطْفه لطريقِه على طريق شعيب.
وقال المهلَّب وغيره: لا يُعارِض هذا قوله وَّ: ((لا نَستَعين بمُشرِك))، لأنَّه إمَّا خاصٌّ
بذلك الوقت، وإمَّا أن يكون المرادُ به الفاجرَ غيرَ المشرك. قلت: الحديث أخرجه مسلم
(١٨١٧)، وأجاب عنه الشّافعي بالأوَّل، وحُجَّة النَّسخ شهود صفوان بن أُميَّة حُنَيناً مع
النبي وَّل وهو مُشرِك، وقصَّته مشهورة في المغازي.
وأجاب غيره في الجمع بينهما بأوجُهٍ غير هذه: منها: / أنَّه وَ ل ◌َ تَفرَّسَ في الذي قال له: ١٨٠/٦
((لا أستَعين بمُشِرِكٍ)) الرّغبةَ في الإسلام فَرَدَّه رَجَاءَ أن يُسلِمَ فصَدَقَ ظنُّه.

٣٢٦
باب ١٨٣ / ح ٣٠٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
ومنها: أنَّ الأمر فيه إلى رأي الإمام. وفي كلٍّ منهما نظرٌ من جِهَة أنَّهَا نَكِرة في سياق
النَّفي، فیحتاج مُدَّعي التَّخصیص إلی دلیل.
وقال الطَّحَاوي: قصَّة صفوان لا تُعارِض قوله: ((لا أستَعينُ بمُشِرِكٍ))، لأنَّ صفوان
خرج مع النبي وَ له باختياره لا بأمرِ النبي ◌ِّ له بذلك. قلت: وهي تَفرِقة لا دليلَ عليها
ولا أثرَ لها، وبيان ذلك أنَّ المخالِفِ لا يقول به مع الإكراه، وأمَّا الأمر فالتَّقْرير يقوم مقامَه.
قال ابن المنيِّر: موضع التَّرجمة من الفقه أن لا يُتَخَيَّل في الإمام إذا حَى حَوْزة الإسلام
وكان غيرَ عادل، أنَّه يُطرَحِ النَّفْعُ [به] في الدِّين لفُجُوره فيجوز الخروجُ عليه، فأراد أنَّ هذا
التَّخَيُّل مُندَفِع بهذا النصّ، وأنَّ الله قد يُؤيِّد دینَه بالفاجر، وفجورُه على نفسه.
١٨٣ - باب من تأمّر في الحرب من غير إمرةٍ إذا خاف العدوَّ
٣٠٦٣- حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أيوبَ، عن مُميد بنِ هلالٍ، عن
أنسٍ بنِ مالكٍ ﴾ قال: خَطَبَ رسولُ اللهِ﴿ فقال: ((أخَذَ الرّايةَ زيدٌ فَأُصِيبَ، ثمَّ أَخَذَها
جعفرٌ فَأُصِيبَ، ثمَّ أَخَذَها عبدُ الله بنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثمَّ أَخَذَها خالدُ بنُ الوليدِ عن غيرِ إِمْرةٍ
فَفَتَحَ اللهُ عليه، وما يَسُرُّني - أو قال: ما يَسُرُّهم - أنَّهم عندَنا)). وقال: وإنَّ عينَه لَتَذْرِ فانٍ.
قوله: ((باب مَن تَأَمَّرَ في الحرب من غير إمْرة إذا خافَ العدوَّ) أي: جازَ ذلك، ذكر فيه
حديث أنس في قصَّة أخذ خالدٍ الرّايةَ في يوم مُؤْتة، وسيأتي شرحه في كتاب المغازي
(٤٢٦٢) إن شاء الله تعالى، وهو ظاهر فيها ترجمَ له به أيضاً.
قال ابن المنيِرِ: يُؤْخَذ من حديث الباب أنَّ مَن تعيَّن لولايةٍ وتعذَّرَت مُراجَعةُ الإمام،
أنَّ الولاية تَتْبُت لذلك المتعيِّن شرعاً، وتجب طاعتُه حُكماً. كذا قال، ولا يخفى أنَّ مَحَلّه ما
إذا اتَّفْقَ الحاضرونَ عليه. قال: ويُستَفاد منه صِحَّةُ مذهب مالك في أنَّ المرأة إذا لم يكن لها
وليٌّ إلَّا السُّلطان، فتعذَّرَ إذنُ السُّلطان، أن يُزُوِّجَها الآحادُ، وكذا إذا غابَ إمام الجمعة قَدَّمَ
الناسُ لأنفُسِهم.

٣٢٧
باب ١٨٤ -١٨٥ / ح ٣٠٦٤ -٣٠٦٥
كتاب الجهاد
١٨٤ - باب العَوْن بالمَدَد
٣٠٦٤- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَارِ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، وسَهْلُ بنُ يوسفَ، عن سعيدٍ، عن
قَتَادةَ، عن أنسٍ : أنَّ النبيَّ ◌َهِ أَتَاهُ رِعْلٌ وذَكْوانُ وعُصَيَّةُ وبنو لِحْيانَ، فَزَعَموا أنَّهم
أسلموا، واستَمدُّوه على قومِهم، فأمَدَّهم النبيُّ نَّهِ بسبعينَ مِن الأنصار، قال أنس: كنَّا
نُسَمِّيهم القُرَاءَ، تَحِطِبونَ بالنَّهار ويُصلُّونَ باللَّيلِ، فانطَلَقوا بهم حتَّى بَلَغوا بئرَ مَعُونَ غَدَرُوا
بهم وقَتلُوهم، فقَنَتَ شَهْراً يَدْعُو على رِعْلٍ وذَكْوانَ وبني لِحْيانَ.
قال قَتَادةُ: وحدَّثنا أنسٌ: أنَّهم قرؤُوا بهم قرآناً: ألَا بَلِّغوا عنَّا قومَنا، بأنّا قد لَقِينا ربَّنا،
فَرَضِيَ عنَّا وأَرضانا، ثمَّ رُفِعَ ذلك بعدُ.
قوله: ((باب العَوْن بالمَدَد)) بفتح الميم: ما يَمُدّ به الأمير بعضَ العسكر من الرِّجال.
ذكر فيه حديث أنس في قصَّة بئر مَعُونة، وسيأتي شرحه مُستَوّ في المغازي (٤٠٨٨)،
وهو ظاهرٌ فیما ترجمَ به أيضاً.
قال ابن المنيِّرِ: وفيه أنَّ الاجتهاد والعمل بالظّاهِرِ لا يَضُرُّ صاحبه أن يقع التخلَّفُ ممَّن ١٨١/٦
ظنَّ به الوَفاءَ.
تنبيه: قال الدِّمياطي: قوله في هذه الطَّريق: ((أتاه رِعِلٌ وذَكْوان وعُصَيَّة ولحيان)) وَهمٌ،
لأنَّ هؤلاءِ ليسوا أصحابَ بئر مَعُونة، وإنَّما هم أصحاب الرَّجيع. وهو كما قال، وسأُبُِّ
ذلك واضحاً في المغازي إن شاء الله تعالى.
١٨٥ - باب من غلب العدوّ، فأقام على عَرْصتِهم ثلاثاً
٣٠٦٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحيم، حدَّثْنَا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ قال:
ذكر لنا أنسُ بنُ مالكِ، عن أبي طَلْحةَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَِّ: أنَّه كان إذا ظَهَرَ على قومِ
أقامَ بالعَرْصِ ثلاثَ لَیالٍ.
تابَعَه معاذٌ وعبدُ الأعلى: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ، عن أبي طَلْحَةَ، عن النبيِّ وَّ.
[طرفه في: ٣٩٧٦]

٣٢٨
باب ١٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب مَن غَلَبَ العدوَّ فأقامَ على عَرْصَتهم ثلاثاً)) العَرْصة - بفتح المهملتين وسكون
الرّاء بينهما -: هي البُقْعة الواسعة بغير بناء من دار وغيرها.
قوله: (ذکر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة)) کذا رواه قَتَادة، ورواه ثابت عن أنس بغیر
ذِكْر أبي طلحة، وهذه الطَّريق عن رَوْح بن عُبادة عن سعيد - وهو ابن أبي عَرُوبة -
مختصرة، وقد أورَدَها المصنّف في المغازي (٣٩٧٦) في غزوة بدر عن شيخ آخرَ عن رَوْح
بأتمَّ من هذا السِّياق، ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: ((تابَعَه معاذ وعبد الأعلى عن قَتَادةَ ... )) إلى آخره، أمَّا مُتابعة معاذ - وهو ابن معاذ
العَنْبَرَي - فَوَصَلَها أصحاب ((السُّنَن)) الثلاثة(١) من طريقه، ولفظه: ((أحَبَّ أن يقيم
بالعَرْصة ثلاثاً)).
وأمَّا مُتَابَعة عبد الأعلى - وهو ابن عبد الأعلى السامِيّ، بالمهمَلة - فَوَصَلَها أبو بكر بن
أبي شَيْبة (٣٥٣/١٢) عنه، ومِن طريقه الإسماعيلي، وأخرجها مسلم (٢٨٧٥) عن يوسف
ابن حمّاد عنه.
قال المهلَّب: حِكْمة الإقامة لإراحة الظَّهْر والأنفُس، ولا يخفى أنَّ مَحَلَّه إذا كان في أمنٍ
من عدوٍّ طارق، والاقتصار على ثلاث يُؤخَذ منه أنَّ الأربعة إقامة.
وقال ابن الجَوْزيّ: إنَّما كان يقيم ليُظهِرَ تأثير الغَلَبة وتنفيذَ الأحكام وقِلَّة الاحتفال،
فكأنَّه يقول: مَن كانت فيه قُوَّة منکم فلیرجِعْ إلينا.
وقال ابن المنيِر: يحتمل أن يكون المراد أن تَقَعَ ضيافةُ الأرض التي وَقَعَت فيها المعاصي
بإيقاع الطاعة فيها بذِكْرِ الله، وإظهار شِعَار المسلمين، وإذا كان ذلك في حكم الضِّيافة
ناسَبَ أن يقيم عليها ثلاثاً، لأنَّ الضّيافة ثلاثة.
١٨٦ - باب من قسم الغنيمة في غَزْوه وسفره
وقال رافعٌ: كَّا مع النبيِّ وَِّ بذي الحُلَيفةِ فأَصَبْنا غنماً وإبلاً، فعَدَلَ عَشَرةً مِن الغنمِ ببعيرٍ.
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٩٥)، والترمذي (١٥٥١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٦٠٣).

٣٢٩
باب ١٨٦-١٨٧ / ح ٣٠٦٦ - ٣٠٦٩
كتاب الجهاد
٣٠٦٦- حدَّثْنَا هُذْبةُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا همَّامٌ، عن قَتَادةَ، أنَّ أنساً أخبَرَه قال: اعتَمَرَ النبيُّ
وَهُ مِن الْجِعْرانِ حيثُ قَسَمَ غَنائمَ حُنَينٍ.
قوله: ((باب مَن قَسَمَ الغنيمة في غَزْوه وسفره)) أشارَ بذلك إلى الردِّ على قول الكوفيين:
إنَّ الغنائم لا تُقْسَم في دار الحرب، واعتَلُّوا بأنَّ المِلكَ لا يَتِمُّ عليها إلَّا بالاستيلاء، ولا يَتِمُّ
الاستيلاءُ إلَّا بإحرازها في دار الإسلام، وقال الجمهور:/ هو راجع إلى نظرِ الإمام ١٨٢/٦
واجتهاده، وتمام الاستيلاء يَحَصُل بإحرازها بأيدي المسلمين، ويدلّ على ذلك أنَّ الكفَّار لو
أَعتقوا حينئذٍ رقيقاً لم يَنفُذْ عِتَقُهم، ولو أسلَمَ عبد الحربيِّ وَحِقَ بالمسلمين صار حُرّاً.
ثمَّ ذكر طرفاً من حديث رافع - وهو ابن خَدِيج - مُعلَّقاً، وسيأتي بتمامه موصولاً مع
شرحه في كتاب الذَّبائح (٥٥٠٣).
وحديث أنس: ((اعتَمَرَ النبي ◌ِِّ من الجِعْرانة حيثُ فَسَمَ غنائم ◌ُنَین))، وهو طرف
من حديثه المتقدِّم في الحجّ (١٧٨٠) بهذا الإسناد، وسيأتي في غزوة الحُدَيبية أيضاً (٤١٤٨)
بتمامه، و کِلا الحدیثین ظاهرٌ فیما ترجمَ له.
١٨٧ - باب إذا غَنِمَ المشركون مال المسلم ثمّ وجده المسلم
٣٠٦٧- وقال ابنُ نُمَير: حدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال:
ذهبَ فرسٌ له فأخَذَه العدوُّ، فظَهَرَ عليه المسلمونَ، فُرُدَّ عليه في زمنِ رسولِ الله وَّهِ، وَأَبَقَ
عَبْدٌ له فَلَحِقَ بالرُّومِ، فظَهَرَ عليهم المسلمونَ، فَرَدَّه عليه خالدُ بنُ الوليد بعدَ النبيِّ ◌ََّ.
[طرفاه في: ٣٠٦٨، ٣٠٦٩]
٣٠٦٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشّارٍ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: أخبرني نافعٌ: أنَّ عَبْداً
لابنِ عمرَ أَبَقَ فَلَحِقَ بالرُّومِ، فَظَهَرَ عليه خالدُ بنُ الوليد فَرَدَّه على عبدِ الله، وأنَّ فرساً لابنِ
عمرَ عارَ فَلَحِقَ بالرُّومِ، فظَهَرَ عليه فرَدُّوه على عبدِ الله.
قال أبو عبد الله: عارَ مُشتَقٌّ من العَيْرِ، وهو حمارُ وَحْشٍ، أي: هَرَب.

٣٣٠
باب ١٨٧ / ح ٣٠٦٧ - ٣٠٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
٣٠٦٩- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا زهيرٌ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ
رضي الله عنهما: أنَّه كان على فرسٍ يومَ لَقِيَ المسلمونَ، وأميرُ المسلمينَ يومَئذٍ خالدُ بنُ الوليدِ،
بَعَثَه أبو بكرٍ، فأخَذَه العدوُّ، فلمَّا هُزِمَ العدوُّ رَدَّ خالدٌ فرسَه.
قوله: ((باب إذا غَنِمَ المشركونَ مال المسلم ثمَّ وَجَدَه المسلم)) أي: هل يكون أحقَّ به، أو
يَدخُل الغنيمة؟ وهذا مََّ اختُلِفَ فيه، فقال الشّافعي وجماعة: لا يَملِك أهلُ الحرب
بالغَلَبة شيئاً من مال المسلمين، ولصاحبِه أخذُه قبل الغنيمة(١) وبعدها. وعن عليّ والزّهري
وعمرو بن دينار والحسن: لا يُرَدّ أصلاً، ويَخْتَصّ به أهلُ المغانم.
وقال عمر وسليمان بن ربيعة وعطاء واللَّيث ومالك وأحمد وآخرون، وهي رواية عن
الحسن أيضاً، ونَقَلَها ابن أبي الزِّناد عن أبيه عن الفقهاء السَّبعة: إن وَجَدَه صاحبُه قبل
القِسْمة فهو أحقُّ به، وإن وَجَدَه بعد القِسْمة فلا يأخذُه إلَّا بالقِسْمة، واحتَجّوا بحديث
عن ابن عبّاس مرفوعاً بهذا التَّفصيل أخرجه الدَّارَ قُطني (٤٢٠١)، وإسناده ضعيف جدّاً.
وعن أبي حنيفة كقول مالك إلَّا في الآبِقِ، فقال هو والثَّوْري: صاحبه أحقُ به مُطلَقاً.
قوله: ((وقال ابن نُمَير)) يعني: عبد الله، وطريقه هذه وَصَلَها أبو داود (٢٦٩٩) وابن
ماجه (٢٨٤٧).
قوله: (ذَهَبَ)) وقوله: «فَأَخَذَه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ذَهَبَت)) وقال: ((فَأَخَذَها)،
والفرس اسم جنس یُذكَّر ویُؤنَّث.
١٨٣/٦
قوله: ((في زَمَن رسول الله وَ﴿)) كذا وقع في رواية ابن نُمَير: أنَّ قصّة الفرس/ في زمن
النبي ◌َّه، وقصَّة العبد بعد النبي ◌َّهِ، وخالَفَه يحيى - وهو القطَّانُ - عن عُبيد الله - وهو
العُمَري - كما هي الرِّواية الثّانية في الباب فجَعَلَهما معاً بعد النبي ◌ََّ، وكذا وقع في رواية
موسى بن عُقْبة عن نافع، وهي الرِّواية الثَّالثة في الباب، فصَرَّحَ بأنَّ قصَّة الفرس كانت في
زمن أبي بكر، وقد وافَقَ ابنَ نُمَير إسماعيلُ بن زكريا، أخرجه الإسماعيلي من طريقه،
(١) في (س): القسمة.

٣٣١
باب ١٨٨ / ح ٣٠٧٠
كتاب الجهاد
وأخرجه من طريق ابن المبارَك عن عُبيد الله فلم يُعيِّ الزّمان، لكن قال في روايته: ((إنَّه
افتَدى الغلامَ برُومِيّين))، وكأنَّ هذا الاختلاف هو السَّبَب في ترك المصنّف الجَزْمَ في التَّرجمة
بالحكم لتَرَدُّدِ الزُّواة في رفعه ووقفه، لكن للقائل به أن يحتَجَّ بوقوع ذلك في زمن أبي بكر
الصِّدّيقِ والصحابةُ مُتَوافرونَ من غير نكيرٍ منهم.
وقوله في رواية موسى بن عُقْبة: ((يومَ لَقيَ المسلمونَ)) كذا هنا بحذفِ المفعول، وبيَّنه
الإسماعيلي في روايته عن محمَّد بن عثمان بن أبي شَيْبة، وأبو نُعيم من طريق أحمد بن يحيى
الحُلْواني، كلاهما عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه، فقال فيه: ((يوم لقي المسلمون
طَيِّئاً وأسَداً))، وزادَ فيه سببَ أخذ العدوّ لفرسِ ابن عمر ففيه: ((فاقتَحَمَ الفرسُ بعبد الله
ابن عمر جُرفاً فصَرَعَه وسقط ابن عمر فعارَ الفرس))، والباقي مثله.
وروى عبد الرزَّاق (٩٣٥٣) أنَّ العبد الذي أبَقَ لابن عمر كان يوم اليرموك، أخرجه
عن معمر عن أيوب عن نافع عنه.
قوله: ((قال أبو عبد الله: عارَ)) بمُهمَلٍ وراءٍ ((مُشتَقّ من العَيْرِ: وهو حمارُ وحشٍ، أي:
هَرَبَ)) قال ابن التِّين: أراد أنَّه فعلَ فعلَه في النِّفار. وقال الخليل: يقال: عارَ الفرسُ
والكلبُ عِياراً، أي: أفلَتَ وذَهَبَ. وقال الطَّبَري: يقال ذلك للفرسِ إذا فعلَه مرَّةً بعد
مرَّةٍ، ومنه قيل للبَطَّال من الرِّجال الذي لا يَثُبُت على طريقة: عَيَّار، ومنه: سهمٌ عايِر: إذا
کان لا يُدرَی من أينَ أَتی.
١٨٨ - باب من تكلّم بالفارسيّة والرِّطَّانة
وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَنَّكُمْ﴾ [الروم:٢٢]، وقال: ﴿أَرْسَلْنَا مِن
زَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤].
٣٠٧٠- حدَّثنا عَمرُو بنُّ عليٍّ، حدَّثنا أبو عاصمِ، أخبرنا حَنظَلةُ بنُ أبي سفيانَ، أخبرنا
سعيدُ بنُ مِينا، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: قلتُ: يا رسولَ الله، ذَبَحْنا

٣٣٢
باب ١٨٨ / ح ٣٠٧٠-٣٠٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
بُهَيمَةً لنا وطَحَنْتُ صاعاً من شعيرٍ، فتَعالَ أنتَ ونَفَرٌ، فصاحَ النبيُّ ◌َلَه فقال: ((يا أهلَ الخندَقِ،
إِنَّ جابراً قد صَنَعَ سُوراً، فخَيَّ هَلاً بكم)).
[طرفاه في: ٤١٠١، ٤١٠٢]
٣٠٧١- حدَّثْنا حِبّانُ بنُ موسى، أخبرنا عبدُ الله، عن خالدِ بنِ سعيدٍ، عن أبيه، عن أمّ
خالدٍ بنت خالدِ بنِ سعيدٍ قالت: أتيتُ رسولَ الله وَّرَ مع أَبي وعليَّ قميصٌ أصفَرُ، قال
رسولُ الله ◌َّ: ((سَنَهْ سَنَة» - قال عبدُ الله: وهي بالحبَشِيَّة: حَسَنَةٌ - قالت: فذهبتُ العَبُ بخاتَمِ
النبوّةِ فَزَبَرَني أَبِي، قال رسولُ اللهِوَّةِ: ((دَعْها))، ثمّ قال رسولُ الله ◌ََّ: ((أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثمَّ أَبْلِي
وأَخْلِقِي، ثمَّ أَبْلِي وأَخلِقِي)).
قال عبدُ الله: فبَقِيَت حتَّى ذَكَرَ.
[أطرافه في: ٣٨٧٤، ٥٨٢٣، ٥٨٤٥، ٥٩٩٣]
٣٠٧٢- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدٍ بنِ زيادٍ، عن أبي
هريرةَ هُ: أنَّ الحسنَ بنَ عليٍّ أخَذَ تَمْرةً من تَمْرِ الصَّدَقِةِ فَجَعَلَها في فِيهِ، فقال النبيُّ نَهـ
بالفارسِيَّة: ((كِخْ كِخْ، أما تَعرِفُ أنّا لا نأكُلُ الصَّدَقةَ؟!)).
١٨٤/٦
قوله: ((باب مَن تَكلَّمَ بالفارسية)) أي: بلسان الفُرس، قيل: إنَّهم يَنْتَسِبونَ إلى فارس بن
كومرت، واختُلِفَ في كومرت، قيل: إنَّه من ذُرّية سام بن نوح، وقيل: من ذُرّية يافث بن
نوح، وقيل: إنَّه ولد آدم لصُلِه، وقيل: إنَّه آدم نفسه، وقيل لهم: الفُرس؛ لأنَّ جَدّهم
الأعلى وُلِدَ له سبعةَ عشرَ ولداً، كان كلٌّ منهم شُجاعاً فارساً فسُمُّوا الفُرس، وفيه نظرٌ،
لأَنَّ الاشتقاق يَخْتَصّ باللِّسانِ العربي، والمشهور أنَّ إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أوَّل
مَن ذُلِّلَت له الخيل، والفُرُوسية تَرجِعُ إلى الفَرَس من الخيل، وأمَّة الفُرس كانت موجودة.
قوله: ((والرِّطَانة)) بكسر الرّاء ويجوز فتحها، هو كلامُ غير العربيّ، قالوا: فِقْهُ هذا الباب
يَظهَر في تأمين المسلمين لأهل الحرب بألسِنَتِهِم، وسيأتي مَزيدٌ لذلك في أواخر الجِزْية في
((باب إذا قالوا: صَبَأنا، ولم يقولوا: أسلمنا».

٣٣٣
باب ١٨٨ / ح ٣٠٧٠-٣٠٧٢
كتاب الجهاد
وقال الكِرْماني: الحديث الأوَّل كان في غزوة الخندق، والآخرانِ بالتَّبعيّة. كذا قال،
ولا يخفى بُعدُه، والذي أشرتُ إليه أقربُ.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيِّكُمْ﴾ وقال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ،﴾)) كأنَّه أشارَ إلى أنَّ النبي ◌َِّ كان يَعرف الألسِنة، لأنَّه أُرسِلَ
إلى الأُمَم كلِّها على اختلاف ألسِنَتَهم، فجميع الأُمَم قومه بالنِّسبة إلى عموم رسالَته،
فاقتَضى أن يعرف ألسِنَتَهم ليَفْهَمَ عنهم ويفهموا عنه، ويحتمل أن يقال: لا يستلزم ذلك
نُطْقه بجميع الألسِنة، لإمكانِ التُّرجُمان الموثوق به عندهم.
ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها: طرف من حديث جابر في قصَّة بَرَكة الطَّعام الذي صَنَعَه بالخندق، وسيأتي
بتمامه بهذا الإسناد مع شرحه في المغازي (٤١٠١) إن شاء الله تعالى، والغَرَض منه قوله:
((إنَّ جابراً قد صَنَعَ سُوراً)) وهو بضمِّ المهمَلة وسكون الواو، قال الطَّبَري: السُّور بغير همز:
الصَّنيع من الطَّعام الذي يُدعَى إليه، وقيل: الطَّعام مُطلَقاً، وهو بالفارسيّة، وقيل:
بالحبشيّة، وبالهمز: بقيَّة الشيء، والأوَّل هو المراد هنا.
قال الإسماعيلي: السُّور: كلُّه(١) بالفارسية، قيل له: أليس هو الفَضْلة؟ قال: لم يكن هناك
شيء فَضَلَ ذلك منه، إنَّما هو بالفارسيّة مَن أتى دعوة.
وأشارَ المصنّف إلى ضَعْف ما وَرَدَ من الأحاديث الواردة في كراهة الكلام بالفارسيّة
كحديث: ((كلام أهل النار بالفارسية))، وكحديث: ((مَن تَكلَّمَ بالفارسية زادت في خُبِه،
ونَقَصَت من مُرُوءَته)) أخرجه الحاكم في ((مُستدرَكه)) (٨٨/٤) وسنده واهٍ، وأخرج فيه
أيضاً (٨٧/٤) عن عمر رفعه: ((مَن أحسنَ العربيةَ فلا يتكلَّمنَّ بالفارسية، فإنَّه يُورِث
النِّفاقَ)) الحديث، وسنده واهٍ أيضاً.
ثانيها: حدیث أمّ خالد بنت خالد، وسيأتي بهذا الإسناد في كتاب الأدب (٥٩٩٣)، ويأتي
(١) تحرف في (س) إلى: كلمة. والمراد أن السُّورَ كُلُّ الطعام.

٣٣٤
باب ١٨٨ / ح ٣٠٧٠ -٣٠٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
شرحه في اللِّباس (٥٨٢٣)، والغَرَض منه قوله: ((سَنَهْ سَنَهْ))، وهو بفتح النُّون وسكون
الهاء، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((سَناه)) بزيادة ألف والهاء فيهما للسّكْت، وقد تُحذَف، قال ابن
قُرقُولٍ: هو بفتح النّون الخفيفة عند أبي ذرِّ، وشَدَّدَها الباقون، وهي بفتح أوَّله للجميع إلَّا
القابِسيَّ فكسره.
قوله في آخره: ((قال عبد الله: فبَقِيَتُ حتَّى ذَكَر)) أي: ذَكَر الراوي من بقائها أمَداً طويلاً،
وفي نسخة الصَّغَاني وغيرها: ((حتَّى ذكرتْ))، ولبعضِهم: ((حتَّى دَكِنَ)) بمُهمَلة وآخره نون،
أي: اتَّسَخَ، وسيأتي في كتاب الأدب (٥٩٩٣).
ووقع في نسخة الصَّغاني هنا من الزّيادة في آخر الباب: قال أبو عبد الله - هو المصنّف -:
لم تَعِش امرأة مِثلَ ما عاشَتْ هذه، يعني: أمّ خالد. قلت: وإدراك موسى بن عُقْبة لها دالٌّ على
طُول عمرها، لأنَّه لم يَلقَ من الصحابة غيرَها.
١٨٥/٦ تنبيه: خالد بن سعيد المذكور في السَّنَد شيخ عبد الله - وهو ابن المبارك -: هو خالد/
ابن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العاص أخو إسحاق بن سعيد، وليس له في البخاري
سوی هذا الحدیث الواحد، وقد گَرَّرَه عنه کما نبّهتُ علیه، وفي طَبَقَته خالد بن سعيد بن
أبي مريم المدني، لكن لم يُخُرِّج له البخاري ولا لابن المبارك عنه رواية، وأوهَمَ الكِرْمانيُّ أنَّ
شيخ ابن المبارَك هنا هو خالد بن الزُّبير بن العَوّام، ولا أدري من أينَ له ذلك! بل لم أرَ
لخالدٍ بن الزُّبير رواية في شيءٍ من الكتب السِّئَّة.
ثمَّ راجَعتُ كلامه فعلِمتُ مُراده، فإنَّه قال: لفظ («خالد» مذکور هنا ثلاث مِرار،
والثَّاني غير الأوَّل: وهو خالد بن الزُّبير بن العَوّام، والثَّالث غير الثّاني: وهو خالد بن
سعيد بن العاص؛ فقوله: ((والثَّاني)) يُوهِمُ أنَّ المراد خالد بن سعيد، وإنَّما مُرادُه خالد
المذكور في كُنْية أمّ خالد، وكان يُغْني عن هذا التطويل أن يقول: إنَّ أمّ خالد سَمَّت ولدها
باسم والدها، وكان الزُّبير بن العَوّام تزوَّجها فوَلَدَت له خالد بن الزُبير، فهذا يُوضح المراد
مع مَزيدِ الفائدة، والذي نبَّه عليه ليس تحته كبيرُ أمرٍ، فإنَّ خالد بن سعيد الراوي عن أمّ

٣٣٥
باب ١٨٩ / ح ٣٠٧٣
كتاب الجهاد
خالد لا يَظُنّ أَحدٌ أنَّه أبوها إلَّا مَن يَقِفُ مع مُجرَّد التَّجويز العقلي، فإنَّ من المقطوع به عند
المحدِّثينَ أنَّ عبد الله بن المبارك ما أدرَكَها فضلاً عن أن يرويَ عن أبيها، وأبوها استُشهِدَ في
خلافة أبي بكر أو عمر، فانحَصَرَت الفائدة في التَّنبیه على سبب ◌ُنْية أمّ خالد.
ثالثها: حديث أبي هريرة: ((أنَّ الحسن بن عليّ أخَذَ تمرةً من تمر الصَّدَقة)) الحديث،
والغَرَض منه قوله: ((کِخ کِخ))، وهي كلمة زَجْر للصَّبي عمّا یرید فعله، وقد تقدَّم شرحه في
أواخر كتاب الزكاة (١٤٨٥).
وقد نازَعَ الكِرْمانيُّ في كَونِ الألفاظ الثلاثة عَجميّةً، لأنَّ الأوَّل يجوز أن يكون من
تَوَافُق اللُّغَتين، والثَّاني يجوز أن يكون أصله ((حَسَنه)) فحَذَفَ أوَّله إيجازاً، والثَّالث من
أسماء الأصوات.
وقد أجاب عن الأخير ابن المنيِّرِ فقال: وجه مُناسَبَته أنَّه وَ لِ خاطَبَه بما يفهمه ممَّا لا
يتكلّم به الرجل مع الرجل، فهو كمخاطَبة العَجمي بما يفهمه من لُغَته. قلت: وبهذا ◌ُجاب
عن الباقي، ويُزاد بأنَّ تجويزه حذفَ أوَّل حرف من الكلمة لا يُعرَف، وتشبيهه بقوله:
(كَفى بالسَّيف شا))(١) لا يَتَّجَه، لأنَّ حذف الأخير معهود في التَّرخيم، والله أعلم.
١٨٩ - باب الغُلول
وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلٌ يَأْتِ بِمَا عَلَّ ﴾ [آل عمران: ١٦١]
٣٠٧٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن أبي حَيّانَ، قال: حدَّثني أبو زُرْعةَ، قال: حدَّثني
أبو هريرةَ عَ﴾ قال: قامَ فينا النبيُّ نََّ فذكر الغُلُولَ فعَظَّمَه وعَظَّمَ أمرَه، قال: ((لا أُلْفِيَنَّ أحدكم
يومَ القيامةِ على رَقَبْتِهِ شاةٌ لها ثُغَاءٌ، على رقبتِه فرسٌ له حَمْحَمةٌ، يقول: يا رسولَ الله، أغِثْنِي،
(١) أي: شاهداً. وهو باللفظ الذي ذكره الحافظ عند عبد الرزاق (١٧٩١٨) عن الحسن البصري في الرجل
يجد مع امرأته رجلاً، قال: قال رسول الله وَّ: ((كفى بالسيف شا) يريد أن يقول: شاهداً فلم يتمَّ كلامه
حتى قال: ((إذاً يتابع فيه السكران والغيران)) وهذا مُرسَل لكن رجاله ثقات، وقد روي موصولاً عند
أبي داود (٤٤١٧) وابن ماجه (٢٦٠٦) بلفظ «كفى بالسيف شاهداً))، وسنده ضعيف.

٣٣٦
باب ١٨٩ / ح ٣٠٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئاً، قد أبلغتُكَ. وعلى رقبته بعيرٌ له رُغَاءٌ، يقول: يا رسولَ الله، أغِثْني،
فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئاً، قد أبلغتُكَ، وعلى رقبتِه صامتٌ، فيقول: يا رسولَ الله، أغِثْني،
فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئاً، قد أبلغتُكَ، أو على رقبتِهِ رِقائٌ تَخْفِقُ، فيقول: يا رسولَ الله، أغِثْنِي،
فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئاً، قد أبلَغْتُكَ)).
وقال أيوبُ، عن أبي حَيّانَ: ((فرسٌ له حَمْحَمةٌ)).
قوله: ((باب الغُلُول)» بضَمِّ المعجمة واللام، أي: الخيانة في المغنَم، قال ابن قُتَيبة: سُمِّي
بذلك لأن آخِذَه يَغُلُّه في متاعه، أي: يُخْفيه فيه. ونَقَلَ النَّووي الإجماعَ على أنَّه من الكبائر.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ﴾)) أورَدَ فيه حديث
أبي هريرة: ((قامَ فينا النبي ◌ِّهِ فَذَكَر الغُلُول فعَظَّمَه)) الحديث. ويحيى: هو القطَّان، وأبو
حَيّان: هو يحيى بن سعيد التَّيْمي.
١٨٦/٦
قوله: ((لا أُلِفِيَنَّ)) بضمٍّ أوَّله وبالفاء، أي: لا أجِدُ، هكذا الرّوايةُ للأكثر بلفظ النَّفي
المؤكَّد، والمراد به النَّهي، وبالفاءِ وكذا عند الحَقُّوِيّ والمُستَمْلي، لكن رُويَ بفتح الهمزة
وبالقاف من اللِّقاء، وكذا لبعض رُوَاة مسلم، والمعنى قريب. ومنهم مَن حَذَفَ الألف على
أنَّ اللّام للقَسَم، وفي توجيهه تكلُّف، والمعروف أنَّه بلفظ النَّفي المراد به النَّهي، وهو وإن
كان من نهي المرءِ نفسَه، فليس المرادُ ظاهرَه، وإنَّما المراد نَهيُ مَن يخاطبه عن ذلك، وهو أبلغُ.
قوله: ((أحدكم يومَ القيامة على رقبته)) في رواية مسلم (١٨٣١): ((يجيء يومَ القيامة وعلى
رقبته)) وهو حالٌ من الضَّمير في ((يَجِيء))، و((شاةٌ)) فاعل الظَّرف لاعتماده، أي: هي حالة
شَنِيعة ولا ينبغي لكم أن أراكم عليها يوم القيامة. وفي حديث عُبادةَ بن الصَّامت في
((السُّنَن)): ((إياكم والغُلُولَ، فإِنَّه عارٌ على أهله يوم القيامة))(١).
قوله: ((على رَقَيتِه شاة لها ثُغاء)) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف المعجمة وبالمدِّ: صوت الشّاة، يقال:
ثَغَت تَثغُو.
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٨٥٠)، وأحمد في ((مسنده)) (٢٢٧١٤)، والحديث حسنٌ.

٣٣٧
باب ١٨٩ / ح ٣٠٧٣
كتاب الجهاد
وقوله: ((فرس له حَمحَمة)) يأتي في آخر الحديث.
قوله: ((لا أملِك لك شيئاً) أي: من المغفِرة، لأنَّ الشَّفاعة أمرُها إلى الله.
وقوله: ((قد بَلَّغُك)) أي: فليس لك عُذر بعد الإبلاغ، وكأنَّه ◌َلَّهِ أَبَرَزَ هذا الوعيد في
مقام الزَّجْر والتَّغليظ، وإلّ فهو في القيامة صاحب الشَّفاعة في مُذْنِي الأمَّة.
قوله: ((بعير له رُغَاء)) بضمِّ الرّاء وتخفيف المعجمة وبالمدِّ: صوت البعير.
قوله: ((صامِت)) أي: الذَّهب والفِضَّة، وقيل: ما لا رُوحَ فيه من أصناف المال.
وقوله: ((رِقائٌ تَخْفِقِ)) أي: تَنْقَعقَعِ وتَضطَرِب إذا حَرَّكَتها الرّياح، وقيل: معناه: تَلمَع،
والمراد بها الثِّياب، قاله ابن الجَوْزيّ، وقال الحميدي: المراد بها ما عليه من الحقوق المكتوبة
في الرِّقاع؛ واستَبعَدَه ابن الجَوْزيّ، لأنَّ الحديث سِيقَ لِذِكْرِ الغُلُول الِحِسّي، فحَملُه على
الثّاب أنسَب. وزادَ في رواية مسلم (١٨٣١): ((نفسٌ لها صِياح)) وكأنَّه أراد بالنَّفْسِ ما يَغُلّه
من الرَّقيق من امرأة أو صبي.
قال المهلَّب: هذا الحديث وعيدٌ لمن أنفَذَه الله عليه من أهل المعاصي، ويحتمل أن يكون
الحملُ المذكور لا بدَّ منه عقوبة له بذلك ليُفتَضَح على رُؤُوس الأشهاد، وأمَّا بعد ذلك فإلى
الله الأمرُ في تعذيبه أو العفو عنه.
وقال غيره: هذا الحديث يُفسِّر قوله عزَّ وجلّ: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران:
١٦١] أي: يأتِ به حاملاً له على رقبته، ولا يقال: إنَّ بعضَ ما يُسرَق من النَّقد أخَفُّ من
البعير مثلاً، والبعير أرخَصُ ثمناً، فكيف يُعاقَب الأخَفّ جِنايةً بالأثقَل، وعكسُه؟ لأنَّ
الجواب: أنَّ المراد بالعقوبة بذلك فضيحةُ الحامل على رُؤُوس الأشهاد في ذلك الموقِف
العظيم، لا بالفِّقَل والخِفَّة.
قال ابن المنيِر: أظنّ الأَمَراء فهموا تجريسَ السارق ونحوه من هذا الحديث. وقد تقدَّم
شرح بعض هذا الحديث في أوائل الزكاة (١٤٠٢).
تكميل: قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ على الغالِّ أن يُعيدَ ما غَلَّ قبل القِسْمة، وأمَّا

٣٣٨
باب ١٩٠ / ح ٣٠٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
بعدها فقال الثَّوْري والأوزاعي واللَّيث ومالك: يَدِفَع إلى الإمام ◌ُسَه، ويَتَصَدَّق بالباقي،
وكان الشّافعي لا يرى بذلك ويقول: إن كان مَلَكه فليس عليه أن يَتَصَدَّق به، وإن كان لم
يَملِكه فليس له الصَّدَقة بمال غيره، قال: والواجب أن يَدفعَه إلى الإمام كالأموال الضَّائعة.
قوله: ((وقال أيوب، عن أبي حَيّان: فرس له خَمْحَمة)) كذا للأكثر في الموضعين: ((فرس له
حَمحَمة) بمُهملتین مفتوحتین بینھما میم ساکنة ثمَّ میم قبل الهاء، وهو صوت الفرس عند
العَلْف، وهو دون الصَّهيل، ووقع في رواية الكُشْمِيهنيّ في الرِّواية الأُولى: ((على رقبته له
حَمحَمة)) بحذفِ لفظ فرس، وكذا هو في رواية النَّسَفي وأبي عليّ بن شَبّويه، فعلى هذا
تکون فائدة ذِكْر طریق أيوب الشَّنصیص على ذِكْر الفرس.
ولمسلم (١٨٣١) من طريق ابن عُليَّة عن أبي حيّان بالإسناد الأول: ((فرس له حمحة))
وهو الموجود في الروايات كلها، وطريق أيوب وَصَلَها مسلم (٢٥/٨٣١) من طريق حمّاد
ومِن طريق عبد الوارث، جميعاً عن أيوب عن أبي حَيّان عن أبي زُرْعة عن أبي هريرة، ولم
١٨٧/٦ يَسُقْ لفظها،/ وقد رُويناها في ((كتاب الزكاة)) ليوسف القاضي بالحديث بتمامه، وفيه:
((ويَجِيء رجل على عُنُقه فرس له حَمَحَمة))، ورأيت في بعض النُّسَخِ في الرِّواية الأُولى:
((فرس له حَمحةٌ)) بميم واحدة، ولا معنى له، فإن كان مضبوطاً فكأنَّه نبّه بهذه الرِّواية
المعلّقة على وجه الصواب.
١٩٠ - باب القليل من الغُلول
ولم يَذْكُرُ عبدُ الله بن عمرٍو عن النبيّ ◌ََّ أَنَّهِ حَرَّقَ مَتاعَه، وهذا أصُّ.
٣٠٧٤- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، عن سالم بنِ أبي الجَعْدِ، عن
عبدِ الله بنِ عَمرٍو قال: كان على ثَقَلِ النبيِّ ◌َ رجلٌ يقالُ له: كِرْكِرَةُ، فمات، فقال رسولُ الله
وَلّ: ((هوَ في النارِ)) فَذَهَبوا يَنظُرُونَ إليه فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قد غَلَّها.
قال أبو عبد الله: قال ابنُ سَلام: كَرْكَرةُ، يعني بفتح الكاف، وهو مضبوطٌ كذا.
قوله: ((باب القليل من الغُلُول)) أي: هل يَلْتَحِقُ بالكثير في الحكم أم لا؟

٣٣٩
باب ١٩٠ / ح ٣٠٧٤
كتاب الجهاد
قوله: ((ولم يَذْكُرُ عبدُ الله بن عَمْرو عن النبيِ وَ﴿ أَنَّه حَرَّقَ مَتاعَه)) يعني: في حديثه الذي
ساقه في الباب في قصَّة الذي غَلَّ العَباءَة.
وقوله: ((وهذا أصحُّ)) أشارَ إلى تضعيف ما رُوِيَ عن عبد الله بن عَمْرو في الأمر بحَرْق
رَحْل الغالّ، والإشارة بقوله: ((هذا)) إلى الحديث الذي ساقه، والأمر بحرق رَحْل الغالِّ
أخرجه أبو داود (٢٧١٣) من طريق صالح بن محمَّد بن زائدة اللَّيثي المدني أحد الضُّعَفاء،
قال: دخلتُ مع مَسلَمَةَ بن عبد الملك أرض الزُّوم فأُتيَ برجلٍ قد غَلَّ، فسأل سالماً - أي:
ابن عبد الله بن عمر - عنه فقال: سمعت أبي يُحدِّث عن عمر عن النبي وَلَّه قال: ((إذا
وجدتُم الرجل قد غَلَّ، فأحرِقوا مَتاعَه))، ثمَّ ساقه من وجه آخر عن سالم موقوفاً (٢٧١٤)،
قال أبو داود: هذا أصحّ. وقال البخاري في ((التاريخ)»: يَحَتَجّونَ بهذا الحديث في إحراق
رَحْل الغالّ، وهو باطل ليس له أصل، وراويه لا يُعتَمَد عليه. وروى التِّرمِذي (١٤٦١)
عنه أيضاً أنَّه قال: صالحٌ مُنكَر الحديث، وقد جاء في غير حديثٍ ذِكرُ الغالّ، وليس فيه
الأمر بحَرْق مَتاعه. قلت: وجاء من غير طريق صالح بن محمَّد، أخرجه أبو داود أيضاً
(٢٧١٥) من طريق زهير بن محمَّد عن عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدّه، ثمَّ أخرجه من
وجه آخر عن زهير عن عَمْرو بن شعيب موقوفاً عليه، وهو الرّاجح، وقد أخَذَ بظاهر هذا
الحديث أحمد في رواية، وهو قول مكحول والأوزاعي، وعن الحسن: يُحرَق متاعُه كلُّه إلَّا
الحيوان والمصحَّف، وقال الطَّحَاوي: لو صَحَّ الحديث لاحتَمَلَ أن يكون حين كانت
العقوبة بالمال.
تنبيه: حكى بعض الشُّاح عن رواية الأَصِيلي أنَّه وقع فيها هنا: ((ويُذكَر عن عبد الله
ابن عَمْرو ... )) إلى آخره، بدل قوله: ((ولم يَذكُر عبد الله بن عَمْرو))، فإن كان كما ذكر فقد
عُرِفَ المراد بذلك، ويكون قوله: ((هذا أصحّ)) إشارةً إلى أنَّ حديث الباب الذي لم يَذكُر فيه
التَّحريق، أصحُ من الرِّواية التي ذَكَرها بصيغة التَّمريض، وهي التي أشرتُ إليها من
نسخة عمرو بن شعيب.

٣٤٠
باب ١٩١ / ح ٣٠٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن دينار، وكذا هو عند ابن ماجَهْ (٢٨٤٩) عن هشام بن عمَّر
عن سفيان.
قوله: ((على ثَقَل)) بمُثَلَّةٍ وقاف مفتوحتين: العِيال وما يَنقُل حَملُه من الأمتِعة.
قوله: ((كِرْكِرة)) ذكر الواقدي أنَّه كان أسودَ يُمسِك دابَّة رسول الله وَّه في القتال،
وروى أبو سعيد النَّيسابُوري في ((شَرَف المصطَفى)): أنَّه كان نُوِيّاً أهداه له هَوْذةُ بن عليّ
الحنفي صاحب اليمامة فأعتَقَه، وذكر البَلاذُرُّ أنَّه مات في الرِّقّ.
١٨٨/٦
واختُلِفَ في ضَبْطه، فذَكَر عياض أنَّه يقال بفتح الكافَين وبكسرهما، وقال النَّوَوي:
إنَّما اختُلِفَ في كافه الأُولى، وأمَّا الثّانية فمكسورة انِّفاقاً، وقد أشارَ البخاري إلى الخلاف في
ذلك بقوله في آخر الحديث: ((قال ابن سَلَامٍ: كَركَرة))، وأراد بذلك أنَّ شيخه محمّد بن
سَلَام رواه عن ابن عُيَينةَ بهذا الإسناد بفتح الكاف، وصَرَّحَ بذلك الأَصِيلي في روايته
فقال: يعني بفتح الكاف، والله أعلم. قال عياض: هو للأكثر بالفتح في رواية عليٍّ،
وبالكسر في رواية ابن سَلَام، وعند الأَصِيلي بالكسر في الأوَّل، وقال القابسي: لم يكن عند
المروَزي فيه ضبطٌ، إلَّا أنّ أعلمُ أنَّ الأوَّل خلاف الثَّاني.
وفي الحديث تحريمُ قليل الغُلُول وكثيرِهِ.
وقوله: ((هو في النار)) أي: يُعذّب على معصيته، أو المراد: هو في النار إن لم يَعفُ اللهُ عنه.
١٩١ - باب ما يُكرَه من ذبح الإبل والغنم في المغانم
٣٠٧٥- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن سعيد بنِ مسروقٍ، عن عَبَايَةَ
ابنِ رِفاعةَ، عن جدِّه رافع قال: كَّا مع النبيِّ ◌َّهَ بذي الخُلَيفةِ فأصاب الناسَ جوعٌ، وأَصَبْنا
إيلاً وغنماً - وكان النبيُّ ◌َ في أُخرَيَات الناسِ - فعَجِلُوا فتَصَبوا القُدُورَ، فأمُرَ بالقُدُورِ فَأُكْفِئَت
ثمَّ قَسَمَ، فَعَدَلَ عَشَرَةً مِن الغنمِ ببعيرٍ فَتَدَّ منها بعيرٌ، وفي القومِ خيلٌ بسيرةٌ، فطَلَبُوه فأَعیاهم،
فأهوَى إليه رجلٌ بسَهْم فحَبَسَه اللهُ، فقال: ((هذه البهائمُ هَا أَوَابِدُ كأوابدِ الوَحْشِ، فما نَّ عليكم
فاصنعوا به هكذا)).