النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ باب ١٥٣ / ح ٣٠١٩ كتاب الجهاد وثَبَتَ عنده ترجمة: ((إذا حَرَّقَ المشرك)) تِلوَ ترجمة: ((ولا يُعذَّب بعذاب الله))، وكأنَّه أشارَ بذلك إلى تخصيص النَّهي في قوله: ((لا يُعذَّب بعذاب الله)) بما إذا لم يكن ذلك على سبيل القصاص، وقد تقدَّمت الإشارة إلى ذلك. وقد أورد المصنف في الباب حديث أنس في قصَّة العُرَنِيِّينَ، وليس فيه التَّصريح بأنَّهم فعلوا ذلك بالرِّعاء، لكنَّه أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، وذلك فيما أخرجه مسلم (١٤/١٦٧١) من وجه آخر عن أنس قال: إنَّما سَمَلَ النبيِّهِ أَعيِّنَ العُرَنِينَ لأنَّهم سَمَلوا أعيُن الرِّعاء. قال ابن بَطَّال: ولو لم يَرِدْ ذلك لكان أخذُ ذلك من قصَّة العُرَنِيِّينَ بطريق الأَولى، لأنَّه جازَ سَملُ أعينهم، وهو تعذيب بالنار، ولو لم يفعلوا ذلك بالمسلمين، فجوازه إنْ فعلوه أولى. وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوقَى في كتاب الطَّهارة في ((باب أبوال الإبل))، وهو في أواخر أبواب الوضوء (٢٣٣) قُبَيل كتاب الغُسل. وقوله: ((حدَّثْنا مُعلّى)) بضمِّ الميم: وهو ابن أسَد، وثَبَتَ كذلك في رواية الأَصِيلي وآخرينَ. وقوله فيه: ((أبغِنا رِسْلاً) أي: أعِنّا على طلبه، والرِّسل - بكسر الرّاء -: الدَّرُّ من اللَّبَن. و(الذَّوْد)) بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مُهمَلة: الثلاث من الإبل إلى العشرة، و(الصَّريخ)) صوت المستغيث، و (تَرَجَّلَ)) بالجيم: أي: ارتَفَعَ. ١۵٣ - بابٌ ١٥٤/٦ ٣٠١٩- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيد بنِ المسيّب وأبي سَلَمةَ: أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَّه يقول: «قَرَصَت نَمْلةٌ نبيّاً مِن الأنبياءِ، فأمَرَ بقَرْيةِ الثَّمْلِ فَأَحْرِقَت، فأوحَى اللهُ إليه: أنْ قَرَصَتْكَ نَمْلةٌ أحرَقْتَ أمّةً مِن الأممِ تُسبِّح)). .. [طرفه في: ٣٣١٩] ٢٨٢ باب ١٥٤ / ح ٣٠٢٠ -٣٠٢١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب)) كذا لهم بغير ترجمة، وهو كالفَصْل من الباب قبله، والمناسَبة بينهما أن لا يَتَجاوَزَ بالتَّحريق حيثُ يجوز إلى مَن لم يَستَوجِب ذلك، فإنَّه أورَدَ فيه حديث أبي هريرة في تحريق قرية النَّمْل، وأشارَ بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه: ((إنَّ الله أوحى إليه: فهَلّا نملةٌ واحدة)، فإنَّ فيه إشارة إلى أنَّه لو حَرَّقَ التي قَرَصَته وحدها لَمَا عُوتِبَ، ولا يخفى أنَّ صِحَّة الاستدلال بذلك مُتوقُّفة على أنَّ شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ وسيأتي الكلام على شرحه مُستَوقَى في بَدْء الخلق (٣٣١٩) إن شاء الله تعالى. ١٥٤ - باب حرق الدُّور والنخيل ٣٠٢٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، قال: حدَّثني قيسُ بنُ أبي حازمٍ، قال: قال لي جَرِيرٌ: قال لي رسولُ الله وَّهِ: ((ألا تُرِ يحُني من ذي الخَلَصةِ؟)) وكان بيتاً في خَفْعَمَ يُسمَّى كَعْبَةَ الْيَمَانيَّةِ، قال: فانطَلَقْتُ في خمسينَ ومئةِ فارسٍ من أحَمَسَ، وكانوا أصحابَ خیلٍ، قال: وكنتُ لا أثْبُتُ على الخيلِ، فضَرَبَ في صَذْري حتَّى رأيتُ أثرَ أصابعِه في صَدْري، وقال: ((اللهمَّ ثَبِّتْه واجعَلْه هادياً مَهْدِيّاً) فانطلَقَ إليها فَكَسَرها وحَرَّقَها، ثمَّ بَعَثَ إلى رسولِ الله وَليقوم يخبرُه، فقال رسولُ جَرِيرٍ: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ، ما جِئْتُكَ حتَّى تَرَكْتُها كأنَّها جملٌ أجوَفُ، أو أجرَبُ. قال: فبارَكَ في خيلِ أحَمَسَ ورجالها خمسَ مَرَّاتٍ. [أطرافه في: ٣٠٣٦، ٣٠٧٦، ٣٨٢٣، ٤٣٥٥، ٤٣٥٦، ٤٣٥٧، ٦٠٨٩، ٦٣٣٣] ٣٠٢١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: حَرَّقَ النبيُّ ◌َلَ نَخْلَ بني النَّضِير. قوله: ((باب حَرْق الدُّور والنَّخيل)) أي: التي للمشركين. كذا وقع في جميع النُّسَخ: ((حَرْق)) وضَبَطُوه بفتح أوَّله وإسكان الرّاء، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لا يقال في المصدر: حَرْق، وإنّما يقال: تحريق وإحراق؛ لأنَّه رُباعي، فلعلَّه كان ((حَرَّقَ)) بتشديد الرّاء بلفظ الفعل الماضي، وهو المطابق للفظِ الحديث، والفاعل محذوف تقديره: النبي پڼ بفعله أو بإذنه، وقد ترجم ٢٨٣ باب ١٥٥ / ح ٣٠٢٢ كتاب الجهاد في التي قبلها: ((باب إذا حَرَّقَ))، وعلى هذا فقوله: ((الدُّور)) منصوب بالمفعولية، والنَّخيل كذلك نَسقاً علیه. ثمَّ ذکر فیه حدیثین ظاهرین فیما ترجم له: أحدهما: عن جَرِير في قصَّة ذي الخَلَصة، بفتح المعجمة واللّام والمهمَلة، وحُكي تسكين اللّام، وسيأتي شرحه في أواخر المغازي (٤٣٥٥). وقوله فيه: ((كَعْبة اليَمَانية)) أي: كعبة الجِهَة اليَمَانية على رأي البصريينَ. ثانيهما: حديث ابن عمر: ((حَرَّقَ رسول الله وَّ نخل بني النَّضير))، أورَدَه مختصراً هكذا، وسيأتي بتمامه في المغازي (٤٠٣١و ٤٠٣٢) مع شرحه إن شاء الله تعالى. وقد ذهب الجمهور إلى جواز التَّحريق والتَّخريب في بلاد العدوّ، وكَرِهَه الأوزاعي ١٥٥/٦ واللَّيث وأبو ثَوْر، واحتَجّوا بوَصيّة أبي بكر لجيوشِه أن لا يفعلوا شيئاً من ذلك، وأجاب الطَّبَري بأنَّ النَّهي محمولٌ على القَصْد لذلك، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في حال القتال كما وقع في نَصْب المَنجَنيق على الطائف، وهو نحو ما أجاب به في النَّهي عن قتل النِّساء والصِّبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ونحو ذلك القتلُ بالتَّغريق، وقال غيره: إنَّما نَهى أبو بكر جيوشه عن ذلك؛ لأنَّه عَلِمَ أنَّ تلك البلاد ستُفتَحُ، فأراد إبقاءَها على المسلمين، والله أعلم. ١٥٥ - باب قتل النائم المشرك ٣٠٢٢- حدَّثنا عليُّ بنُ مسلمٍ، حدَّثنا يحيى بنُ زكريّا بنِ أبي زائدةً، قال: حدَّثني أَبي، عن أبي إسحاقَ، عن البَرَاءِ بنِ عازبٍ رضي الله عنهما قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ وَّهِ رَهْطاً مِن الأنصار إلى أبي رافع ليَقتُلوه، فانطَلَقَ رجلٌ منهم فدَخَلَ حِصْنَهم، قال: فدخلتُ في مَرْبَطٍ دَوابَّ لهم، قال: وأغلَقوا باب الحِصْنِ، ثمَّ إنَّهم فَقَدوا حماراً لهم فخَرَجوا يَطلُبونَه، فخرجتُ فيمَن خَرَجَ أُرِيهم أنَّني أطلُبُه معهم، فوجدوا الحمارَ، فدخلوا ودخلتُ، وأغلَقوا بابَ الِحِصْنِ ليلاً، فَوَضَعوا المفاتيحَ في كُوّةٍ حيثُ أراها، فلمَّا ناموا أخَذْتُ المفاتيحَ ففَتحتُ باب ٢٨٤ باب ١٥٥ / ح ٣٠٢٢ -٣٠٢٣ فتح الباري بشرح البخاري الحِصْنِ، ثمَّ دخلتُ عليه فقلتُ: يا أبا رافع، فأجابني، فتَعمَّدْتُ الصوتَ فضَرَبتُه، فصاحَ، فخرجتُ، ثمَّ جِئتُ ثمَّ رَجَعْتُ كأَتِي مُغِيثٌ، فقلتُ: يا أبا رافع، وغَيَّتُ صوتي، فقال: ما لكَ لأَمِّكَ الوَيلُ، قلتُ: ما شَأُكَ؟ قال: لا أدري مَن دَخَلَ عليَّ فضَرَبَني، قال: فَوَضَعْتُ سيفي في بَطْنِهِ، ثمَّ تَحَامَلْتُ عليه حتَّى قَرَعَ العَظْمَ، ثمَّ خرجتُ وأنا دَهِشٌ، فأتيتُ سُلَّاً لهم لأنزِلَ منه، فوَقَعْتُ فوُثِئَتِ رِجْلِي، فخرجتُ إلى أصحاب فقلتُ: ما أنا يبارحِ حتَّى أسمَعَ الناعيةَ، فما بَرِحْتُ حتَّى سمعتُ نَعَايا أبي رافعٍ تاجرِ أهلِ الحِجَاز، قال: فَقُمْتُ وما بِي قَلَبَةٌ، حتَّى أتينا النبيَّ ◌َّ فأخبَرْناه. [أطرافه في: ٣٠٢٣، ٤٠٣٨، ٤٠٣٩، ٤٠٤٠] ٣٠٢٣- حذَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثني يحيى بنُ آدمَ، حدَّثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن البَراءِ بنِ عازبٍ رضي الله عنهما قال: بَعَثَ رسولُ الله ◌َّهِ رَهْطاً مِن الأنصار إلى أبي رافعٍ، فَدَخَلَ عليه عبدُ الله بنُ عَتِيكٍ بيتَه ليلاً فقتله وهو نائمٌ. قوله: ((باب قتل المشرك النائم)) ذكر فيه قصّة قتل أبي رافع اليهودي من حديث البراء ابن عازب، أورَدَه من وجهَين مُطوَّلاً ومختصراً، وسيأتي شرحها في كتاب المغازي (٤٠٣٨) إن شاء الله تعالى، وهي ظاهرة فيها ترجم له، لأنَّ الصَّحابي طلبَ قتلَ أبي رافع وهو نائم، ١٥٦/٦ وإنَّما ناداه ليتَحقَّق أنَّه هو لئلّا يَقْتُلَ غيره ممَّن لا غَرَض له إذ ذاكَ في قتله،/ وبعد أن أجابه كان في حكم النائم، لأنَّه حينئذٍ استَمَرَّ على خَبَال نومه، بدليل أنَّه بعد أن ضَرَبَه لم یَفِرَّ من مكانه، ولا تَحوَّلَ من مضجعه حتَّى عاد إليه فقتله. وفيه جواز التَّجسيس على المشركينَ وطلب غِرَّتهم، وجواز اغتيال ذَوِي الأذيَّة البالغة منهم، وكان أبو رافع يُعادي رسولَ الله وَّهِ ويُؤلِّب عليه الناس. ويُؤخَذ منه جواز قتل المشرك بغير دعوة إن كان قد بَلَغَته الدَّعوةُ قبل ذلك، وأمَّا قتله إذا كان نائماً فمَحَلّه أن يُعلم أنَّه مُستمِرّ على كفره، وأنَّه قد يُئِسَ من فَلاحِه، وطريق العلم بذلك إمَّا بالوحي، وإمَّا بالقرائنِ الدَّالَّة على ذلك. ٢٨٥ باب ١٥٦ / ح ٣٠٢٤ -٣٠٢٦ كتاب الجهاد ١٥٦ - باب لا تمنّوْا لقاء العدوّ ٣٠٢٤ - حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى، حدَّثنا عاصمُ بنُ يوسفَ اليَرْبُوعِيُّ، حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، قال: حدَّثني سالمٌ أبو النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ الله؛ كنتُ كاتباً له، قال: كَتَبَ إليه عبدُ الله بنُ أبي أَوَى حين خَرَجَ إلى الحَرُورِيَّةِ فقرأتُه فإذا فيه: إنَّ رسولَ الله وَّ في بعضِ أيامِهِ التّي لَقِيَ فيها العدوَّ انْتَظَرَ حتَّى مالَتِ الشمس. ٣٠٢٥ - ثمَّ قامَ في الناسِ فقال: ((أيها الناس، لا تَمَنَّوْا لقاءَ العدوِّ، وسَلُوا اللهَ العافيةَ، فإذا لَقِيتُمُوهم فاصبِروا، واعلَمُوا أَنَّ الجنَّةَ تحتَ ظِلال السُّيوفِ)) ثمّ قال: ((اللهمَّ مُنزِلَ الكتاب، ومُجرِيَ السَّحاب، وهازمَ الأحزاب، اهزِمْهم وانصُرْنا عليهم)). وقال موسى بنُ عُقْبةَ: حَدَّثني سالمٌ أبو النَّضْرِ: كنتُ كاتباً لعمرَ بنِ عُبيدِ الله، فأتاه كتابُ عبدِ الله بنِ أبي أَوَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِّه قال: ((لا تَمَنَّوْا لقاءَ العَدُو)). ٣٠٢٦- وقال أبو عامرٍ: حدَّثْنا مُغِيرةُ بنُ عبدِ الرَّحمن، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ عَُّ، عن النبيِّنَّهقال: ((لا تَمَنَّوْا لقاءَ العدوِّ، فإذا لَقِيتُمُوهم فاصِرُوا)). قوله: ((باب لا تَمَنَّوْا لقاء العدوّ)) ذكر فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى في ذلك، وقد تقدَّم مُقَطَّعاً في أبواب، منها: ((الجنَّة تحت البارقة)) (٢٨١٨) اقتَصَرَ على قوله: ((واعلموا أنَّ الجنَّة تحت ظلال السُّيوف))، ومنها: ((الصَّبر عند القتال)) (٢٨٣٣)، واقتَصَرَ على قوله: ((وإذا لَقِيتُمُوهم فاصبِرُوا))، ومنها: ((الدُّعاء على المشركينَ بالهزيمة)) (٢٩٣٣)، واقتَصَرَ على الفَصْل المتعلِّق بالحديث منه، وقد تقدَّم الكلام فيه على شيء في إسناده في أوَّل ترجمة، وأورَدَه بتمامه في ((القتال بعد الزّوال)) (٢٩٦٦)، وتقدَّم الكلام فيما يتعلَّق بذلك فیه. قوله: ((لا تَمَنَّوْا لقاء العدوّ وسَلُوا الله العافية، فإذا لَقِيتُمُوهم فاصبِرُوا)) قال ابن بَطَّال: حِكْمة النَّهي أنَّ المرء لا يعلمُ ما يَؤُول إليه الأمر، وهو نَظِير سؤال العافية من الفتن، وقد قال الصِّدّيق: لَأن أُعافَى فأشكُر، أحَبُّ إليَّ مِن أن أُبتَلى فأصبِرِ. وقال غيره: إنَّما نَهى عن تمنِّي لقاء العدوّ لمَا فيه من صورة الإعجاب والاتكال على ٢٨٦ باب ١٥٦ / ح ٣٠٢٤ -٣٠٢٦ فتح الباري بشرح البخاري النُّفُوس، والوُثُوق بالقُوَّة وقِلَّة الاهتمام بالعدوّ، وكلّ ذلك يُبابِن الاحتياط والأخذ بالحَزْم. وقيل: يُحمَل النَّهي على ما إذا وقع الشكُّ في المصلحة أو حصول الضَّرَر، وإلَّا فالقتال فضيلة وطاعة. ويُؤْيِّد الأوَّلَ تعقيب النَّهي بقوله: ((وسَلُوا الله العافيةَ))، وأخرج سعيد بن منصور (٢٥١٩) من طريق يحيى بن أبي كثير مُرسلاً: ((لا تَنَّوا لقاءَ العدوّ، فإنَّكم لا تدرونَ عسى أن تُبتَلُوا بهم)). ١٥٧ وقال ابن دَقِيق العيد: لمَّا كان لقاءُ الموت من أشَقّ الأشياء على النَّفْس، وكانت الأُمور الغائبةُ ليست كالأُمورِ المحقَّقة، لم يُؤمَن أن لا(١) تكونَ عند الوقوع كما ينبغي، فيُكرَه التمنِّي لذلك، ولمَا فيه - لو وَقَعَ - من احتمال أن يخالف الإنسانُ ما وَعَدَ من نفسه، ثمَّ أُمِر بالصَّيرِ عند وقوع الحقيقة. انتهى. واستُدِلَّ بهذا الحديث على مَنْع طلب المبارَزَة، وهو رأي الحسن البصري، وكان عليٌّ يقول: لا تَدعُ إلى المبارَزَة، فإذا دُعِيتَ فأجِبْ تُنصَر، لأنَّ الدَّاعي باغ. وقد تقدَّم قول عليّ في ذلك. قوله: ((ثمَّ قال: اللهمَّ مُنزِلَ الكتاب ... )) إلى آخره، أشارَ بهذا الدُّعاء إلى وجوه النَّصر عليهم، فبالكتاب إلى قوله تعالى: ﴿ قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، وبمُجري السَّحاب إلى القُدْرة الظّاهرة في تسخير السَّحاب حيثُ تُحرِّكه الرّيح بمشيئة الله تعالى، وحيثُ يَسْتَمِرّ في مكانه مع هُبُوب الرِّيح، وحيثُ تُطِر تارةً وأُخرى لا تُطِر، فأشارَ بحَرَكَتِه إلى إعانة المجاهدين في حَرَكَتهم في القتال، وبوقوفِه إلى إمساك أيدي الكفّار عنهم، وبإنزال المطر إلى غَنِيمة ما معهم حيثُ يَتَّفِقِ قتلُهم، وبعَدَمِه إلى هزيمتهم حيثُ لا يَصُل الظَّفَر بشيء منهم، وكلُّها أحوال صالحة للمسلمين، وأشارَ بهازم الأحزاب إلى التَّوَسُّل بالنِّعمة السابقة، وإلى تجريد التوكُّل، واعتقاد أنَّ الله هو المنفَرِدُ بالفعل. (١) لفظه ((لا)) سقطت من (س)، ولا بدَّ منها ليصحَّ المعنى. ٢٨٧ باب ١٥٧ / ح ٣٠٢٧ كتاب الجهاد وفيه التَّنبيه على عِظَم هذه النِّعَم الثلاث، فإنَّ بإنزال الكتاب حَصَلَت النِّعمة الأُخرَوية، وهي الإسلام، وبإجراءِ السَّحاب حَصَلَت النِّعمة الدُّنيَوية، وهي الرِّزق، وبهزيمة الأحزاب حَصَلَ حِفْظ النِّعمَتين، وكأنَّه قال: اللهمَّ كما أنعَمتَ بعظيم النِّعمَتَين الأُخرَوية والدُّنيَوية وحفظتهما، فأبقهما. وروى الإسماعيلي في هذا الحديث من وجه آخر أنَّه وَّهِدَعَا أيضاً فقال: ((اللهمَّ أنتَ رُّنا وربّهم، ونحنُ عَبيدك وهم عَبيدك، نَواصِینا ونَواصِیهم بیدِك، فاهزِمهم وانصُرنا عليهم))(١)، ولسعيد بن منصور (٢٥٢١) من طريق أبي عبد الرَّحمن الحُبُلي عن النبي ◌ِّ مُرسلاً نحوه، لكن بصيغة الأمر عَطفاً على قوله: ((وسَلُوا الله العافية: فإن بُلِيتُم بهم فقولوا: اللهمَّ)) فذكره، وزادَ: ((وغُضّوا أبصاركم، واحملوا عليهم على بَرَكة الله)). قوله: ((وقال موسى بن عُقْبة ... )) إلى آخره، هو معطوف على الإسناد الماضي، وكأنَّه يشير إلى أنَّه عنده بالإسناد الواحد على وجهَين مُطوَّلاً ومختصراً، وهذا ما في رواية أبي ذرٍّ، واقتَصَرَ غيره لهذا المتن المختصر على الإسناد المذكور ولم يَسُوقُوه مُطوَّلاً، والله أعلم. قوله: «وقال أبو عامر» هو العَقَدي، وقال الكِرْماني: لعلَّه عبد الله بن بَرّاد الأشعَري. كذا قال ولم يُصِبْ، فإنَّه ما لابن بَرّاد روايةٌ عن المغيرة، وقد وَصَلَه مسلم (١٧٤١) والنَّسائي (ك ٨٥٨٠) والإسماعيلي وغيرهم من طرق عن أبي عامر العَقَدي عن مغيرة به. وفي الحديث استحباب الدُّعاء عند اللِّقاء والاستنصار، ووَصيَّة المقاتلينَ بما فيه صلاحُ أمرهم، وتعليمهم بما يحتاجونَ إليه، وسؤال الله تعالى بصفاته الحُسْنى وبنِعَمِه السالفة، ومُراعاة نَشَاط النُّفوس لفعل الطاعة، والحثّ على سُلُوك الأدب، وغير ذلك. ١٥٧ - باب الحرب خَدْعٌ ٣٠٢٧- حدّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الرزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن همَّام، عن أبي (١) وذكره البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٩/ ١٥٢ بإثر حديث موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر، فقال: وقال أبو النضر: وبلغَنا أن النبي ◌َّ دعا في مثل ذلك فقال: ((أنت ربُّنا ... )) فذكره. ٢٨٨ باب ١٥٧ / ح ٣٠٢٧ - ٣٠٣٠ فتح الباري بشرح البخاري هريرةَ ◌َُ، عن النبيِّ ◌َِّ قال: هَلَكَ كِسْرَى، ثمَّ لا يكونُ كِسْرَى بعدَه، وقَيصَرُ لَیَهْلِكَنَّ، ثمَّ لا يكونُ قَيصَرُ بعدَه، ولَتُقْسَمَنَّ كُنوزُها في سبيلِ الله)). [أطرافه في: ٣١٢٠، ٣٦١٨، ٦٦٣٠] ٣٠٢٨ - وسَمَّى الحربَ خَذْعةً. [طرفه في: ٣٠٢٩] ١٥٨/٦ ٣٠٢٩- حذَّثنا أبو بكرِ بنُ أصرَمَ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن همَّام بنِ مُنيِّهِ، عن أبي هريرةَ عَ قال: سَمَّى النبيُّ ◌َِّ الحربَ خَذْعةً. ٣٠٣٠- حدَّثنا صَدَقةُ بنُ الفَضْل، أخبرنا ابنُ عُيَينَةَ، عن عَمْرٍو، سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((الحربُ خَدْعةٌ)). قوله: (باب الحرب خَذْعة)) أورده من طريق همَّام بن مُنَبِّه عن أبي هريرة مُطوَّلاً ومختصراً، ومِن حديث جابر مختصراً، وفي أوَّل المطوَّل ذِكرُ كِسرى وقَيصَر، وسيأتي الكلام على هذا في علامات النبوَّة (٣٦١٨). وقوله: ((خَدْعة)) بفتح المعجمة وبضمِّها مع سكون المهمَلة فيهما، ويضمِّ أوَّله وفتح ثانيه، قال النَّوَوي: اَنَّفَقوا على أنَّ الأُولى الأفصَح، حتَّى قال ثَعلَب: بَلَغَنا أنَّها لغة النبي وَّةِ، وبذلك جَزَمَ أبو ذرِّ الْهَرَوي والقَزّاز، والثَّانية ضُبِطَت كذلك في رواية الأَصِيلي. قال أبو بكر بن طلحة: أراد ثَعلَبُ أنَّ النبي ◌َ ◌ّه كان يَستَعمِل هذه البِنْية كثيراً لوجازَة لفظها، ولكَونها تُعطي معنى البِنيَتَين الأخيرتين، قال: ويُعطي معناها أيضاً الأمرَ باستعمال الحيلة مهما أمكنَ ولو مرَّةً، وإلَّا فقاتل، قال: فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى. ومعنى ((خَدْعة)) بالإسكانِ أنَّها تَخْدَع أهلها، من وَصْف الفاعل باسم المصدر، أو أنَّها وصفُ المفعول كما يقال: هذا الدِّرهَم ضربُ الأمير، أي: مضروبُه. وقال الخطّابي: معناه أنَّهَا مرَّة واحدة، أي: إذا خُدِعَ مرَّةً واحدة لم تُقَلْ عَثْرته. ٢٨٩ باب ١٥٨ / ح ٣٠٣١ كتاب الجهاد وقيل: الحِكْمة في الإتيان بالتاءِ للدّلالة على الوَحْدة، فإنَّ الخداع إن كان من المسلمين فكأنَّه حَضَّهم على ذلك ولو مرَّة واحدة، وإن كان من الكفّار فكأنَّه حَذَّرَهم من مَكْرهم ولو وقع مرَّة واحدة، فلا ينبغي التَّهاوُن بهم لمَا يَنشَأ عنهم من المَفْسَدة ولو قَلَّ. وفي اللُّغة الثَّالثة صيغة المبالَغة كهُمَزَة ولُمَزَة، وحكى المنذري لغةً رابعة بالفتح فيهما، قال: وهو جمع خادِعِ، أي: إنَّ أهلها بهذه الصِّفة، وكأنَّه قال: أهل الحرب خَدَعةٌ. قلت: وحكى مَكّي ومحمَّد بن عبد الواحد لغةً خامسة: كسر أوَّله مع الإسكان، قرأتُ ذلك بخَطِّ مُغَلْطاي، وأصل الخَدْع إظهار أمر وإضمار خلافه. وفيه التَّحريض على أخذ الحَذَر في الحرب، والنَّدب إلى خِداع الكفَّار، وأنَّ مَن لم يَتَقَّظ لذلك لم يأمَنْ أن ينعكس الأمر عليه، قال النَّوَوي: واتَّفَقوا على جواز خِداع الكفّار في الحرب كيفما أمكَنَ، إلَّا أن يكون فيه نَقضُ عهدٍ أو أمانٍ فلا يجوز، قال ابن العربي: الخِداع في الحرب يقع بالتَّعريض وبالكَمِين ونحو ذلك. وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرَّأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكَدُ من الشَّجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقوله: ((الحجّ عَرَفُةُ))(١)، قال ابن المنيِر: معنى ((الحرب خَدْعة)) أي: الحرب الجيّدة لصاحبِها، الكاملة في مقصودها، إنَّما هي المخادَعة لا المواجَهَة، وذلك لخَطَرِ المواجَهَة وحصول الظَّفَر مع المخادعة بغير خَطَر. تكميل: ذكر الواقدي أنَّ أوَّل ما قال النبي ◌َّ: ((الحرب خَدْعة)) في غزوة الخندق. ١٥٨ - باب الكذب في الحرب ٣٠٣١- حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو بنِ دینارٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، / أنَّ النبيَّ وَّمِ قال: ((مَن لكَعْبٍ بنِ الأشرَفِ، فإنَّه قد آذَى اللهَ ورسولَه؟» قال ١٥٩/٦ (١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (١٨٧٧٤)، وأبو داود (١٩٤٩)، وابن ماجه (٣٠١٥)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٣٠٤٤) من حديث عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلي. ٢٩٠ باب ١٥٨ / ح ٣٠٣١ فتح الباري بشرح البخاري محمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ: أُحِبُّ أن أقتلَه يا رسولَ الله؟ قال: ((نعم)) قال: فأتاه فقال: إنَّ هذا - يعني النبيَّ ◌ِلَ ـ قد عَنّانا وسألَنَا الصَّدَقَةَ، قال: وأيضاً والله، قال: فإِنّا اتَّبَعْناه فنَكْرَه أن نَدَعَه حتَّى نَنظُرُ إلى ما يَصِيرُ أمُرُه، قال: فلم يَزَلْ يُكلِّمُه حتَّى استَمْكَنَ منه فقَتَلَه. قوله: ((باب الكذب في الحرب)» ذكر فيه حديث جابر في قصَّة قتل كعب بن الأشرف، وسيأتي مُطوَّلاً مع شرحه في كتاب المغازي (٤٠٣٧). قال ابن المنيِّر: التَّرجمة غير مطابقة، لأنَّ الذي وقع منهم في قتل كعب بن الأشرَف يُمكِن أن يكون تعريضاً، لأنَّ قولهم: ((عَنّانا)) أي: كَلَّفَنا بالأوامرِ والنَّواهي، وقولهم: ((سألنا الصَّدَقة)) أي: طلبها منَّ ليضعَها مواضعَها، وقولهم: ((فنكرَه أن نَدَعه ... )) إلى آخره، معناه: نَكرَه فِراقَه، ولا شكَّ أنَّهم كانوا مُحِبّونَ الگون معه أبداً. انتھی. والذي يَظهَر أنَّه لم يقع منهم فيما قالوه شيءٌ من الكذِب أصلاً، وجميع ما صَدَرَ منهم تلويح كما سَبَقَ، لكن ترجم بذلك لقول محمَّد بن مَسلَمةَ للنبيِ وَ﴿ أُوَّلاً: «ائذَن لي أن أقول، قال: قُل)) فإنَّه يَدخُل فيه الإذنُ في الكذِب تصريحاً وتَلويحاً، وهذه الزّيادة وإن لم تُذكّر في سياق حديث الباب، فهي ثابتة فيه كما في الباب الذي بعده، على أنَّه لو لم يُرِدْ ذلك، لمَا كانت التَّرجمة مُنافرةً للحديث، لأنَّ معناها حينئذٍ: باب الكذب في الحرب هل يَسُوغ مُطلَقاً، أو يجوز منه الإيماءُ دون التَّصريح؟ وقد جاء من ذلك صريحاً ما أخرجه التِّرمِذي (١٩٣٩) من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعاً: ((لا يَحِلّ الكذِبُ إلَّا في ثلاث: تَحَدُّث الرجل امرأته ليُرُضِيَها، والكذِب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس))، وقد تقدَّم في كتاب الصُّلح (٢٦٩٢) ما في حديث أمّ كُلُوم بنت عُقْبة لهذا المعنى من ذلك، ونَقلُ الخلاف في جواز الكذِب مُطلَقاً أو تقييده بالتَّلويح. قال النَّوَوي: الظّاهر إباحة حقيقة الكذب في الأُمور الثلاثة، لكنَّ التَّعريض أَولى. وقال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنصِّ رِفقاً بالمسلمين لحاجتهم إليه، وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريمُ الكذب بالعقل ما انقَلَبَ حَلالاً. انتهى. ٢٩١ باب ١٥٨ / ح ٣٠٣١ كتاب الجهاد ويُقوِّيه ما أخرجه أحمد (١٢٤٠٩) وابن حِبّان (٤٥٣٠) من حديث أنس في قصَّة الحجّاج بن علاط الذي أخرجه النَّسائي (ك٨٥٩٢) وصحَّحه الحاكم (١) في استئذانه النبيَّ وَ* أن يقول عنه ما شاءَ لمصلَحَتِهِ في استخلاص ماله من أهل مگَّة، وأذِنَ له النبي وإخباره لأهل مكَّة أنَّ أهل خيبر هزموا المسلمين، وغير ذلك مما هو مشهور فيه، ولا يعارض ذلك ما أخرجه النَّسائي (٤٠٦٧) من طريق مُصعَب بن سعد عن أبيه في قصَّة عبد الله بن أبي سَرْحٍ، وقول الأنصاري للنبي وَ لُّ لمَّا كَفَّ عن بيعته: هَلّا أومأتَ إلينا بعينك! قال: ((ما ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين))(٢)، لأنَّ طريق الجمع بينهما أنَّ المأذون فيه بالخِدَاعِ والكذب في الحرب حالةُ الحرب خاصَّة، وأمَّا حال المبايعة فليست بحال حرب، كذا قال، وفيه نظر لأنَّ قِصَّة الحجّاج بن عِلاط أيضاً لم تكن في حال حرب. والجواب المستقيم أن تقول: المنع مُطلَقاً من خصائص النبي وَلّ، فلا يتعاطى شيئاً من ذلك وإن كان مُباحاً لغيره، ولا يعارضُ ذلك ما تقدَّم (٢٩٤٧) من أنَّه كان إذا أراد غزوةً وَرَّى بغيرها، فإنَّ المراد أنَّه [إذا] كان يريد أمراً فلا يُظهِرِهِ، كأن يرِيدَ أن يَغْزُوَ جهَةَ الشَّرق فيسأل عن أمر في جِهَة الغَربِ، ويَتَجَهَّز للسَّفَرِ، فَيَظُنّ مَن يراه ويسمعه أنَّه يريد جِهَة الغرب، وأمَّا أن يُصرِّح بإرادتِه الغربَ وإنَّما مُراده الشَّرق فلا، والله أعلم. وقال ابن بَطَّال: سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث فقال: / الكذبُ المباح في ١٦٠/٦ الحرب ما يكون من المعاريض لا النَّصريح بالتأمين مثلاً، قال: وقال المهلَّب: موضع الشّاهد للتَّرجمة من حديث الباب قول محمَّد بن مَسلَمَةَ: ((قد عَنَّانا، فإنَّه سألَنا الصَّدَقة)) لأنَّ هذا الكلام يحتمل أن يُفهَم أنَّ اتِّباعهم له إنَّما هو الدُّنيا، فيكون كذِباً محضاً، ويحتمل أن يريد أنَّهِ أتعَبنا بما يقع لنا من مُحارَبة العرب، فهو من مَعارِيض الكلام، وليس فيه شيء من الكذب (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مستدرك الحاكم))، ولم يعزه إليه الحافظ ابن حجر في ((إتحاف المهرة)) ٥٦٦/١-٥٦٧ في مسند أنس، ولا في مسند الحجاج بن علاط منه ٢٠٩/٤. (٢) وأخرجه أبو داود أيضاً برقم (٢٦٨٣)، وسنده حسن. ٢٩٢ باب ١٥٩-١٦٠ / ح ٣٠٣٢ - ٣٠٣٣ فتح الباري بشرح البخاري الحقيقي: الذي هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه. ثمَّ قال: ولا يجوز الكذِبُ الحقيقي في شيء من الدِّين أصلاً، قال: ومُحالٌ أن يأمر بالكذبِ مَن يقول: ((مَن كذَبَ عليَّ مُتَعمِّداً فليَتَبَّوَّأْ مَقعَدَه من النار))(١). انتهى، وقد تقدَّم جواب ذلك بما يُغني عن إعادته. ١٥٩ - باب الفَتْك بأهل الحرب ٣٠٣٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو، عن جابرٍ، عن النبيِّ ◌َِّ قال: ((مَن لَكَعْبٍ بنِ الأَشَفِ؟))، فقال محمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ: أَتُحِبُّ أن أقتلَه؟ قال: ((نعم)) قال: فَأْذَنْ لي فأقولَ، قال: ((قد فعلْتُ)). قوله: ((باب الفَتْك بأهل الحرب)) أي: جواز قتل الحربيِّ سِرّاً، وبين هذه التَّرجمة وبين التَّرجمة الماضية: وهي قتل المشرك النائم، عموم وخصوص وجهيٌّ. وذكر هنا طرفاً من حديث جابر في قصَّة قتل كعب بن الأشرف، وقد تقدَّم التَّنَبِيهُ عليه في الباب الذي قبله، وإنَّما فَتَكوا به لأنَّه نَقَضَ العَهْد، وأعانَ على حرب النبيِّه وهَجَاه، ولم يقع لأحد ممَّن تَوَجَّهَ إليه تأمين له بالتَّصريح، وإنَّما أو هَموه ذلك وآنَسُوه حتَّى تمگَّنوا من قتله. ١٦٠ - باب ما يجوز من الاحتيال، والحذر مع من يُخشى مَعرَّتُه ٣٠٣٣- قال اللَّيْثُ: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّه قال: انطَلَقَ رسولُ الله ◌ِّهِ ومعه أَيُّ بنُ كَعْبٍ قِبَلَ ابنِ صَيّادٍ فَحُدِّثَ به في نَخْلٍ - فلمَّا دَخَلَ عليه رسولُ اللهِ وَِّ النَّخْلَ، طَفِقَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وابنُ صَيّادٍ في قَطِيفةٍ له فيها رَمْرَمَةٌ، فَرَأتْ أُّ ابنِ صَيّادٍ رسولَ اللهِوَ لَفقالت: يا صافٍ، هذا محمَّدٌ، فوَثَبَ ابنُ صَيّادٍ، فقال رسولُ الله ◌َِّ: (لو تَرَكَتْه بيَّنَ)). قوله: ((باب ما يجوز من الاحتيال والحذَر مع مَن يُخشى مَعَرَّته)) بفتح الميم والمهمَلة وتشديد الراء، أي: شَّه وفساده. (١) سلف عند البخاري برقم (١٠٧). ٢٩٣ باب ١٦١ / ح ٣٠٣٤ كتاب الجهاد قوله: ((وقال اللَّيث ... )) إلى آخره، وَصَلَه الإسماعيلي من طريق يحيى بن بُكير وأبي صالح كلاهما عن اللَّيث، وقد عَلَّقَ المصنّ طرفاً منه في أواخر الجنائز (١٣٥٥) كما مضى، وسيأتي شرحه قريباً بعد ستّة عشر باباً (٣٠٥٦). ١٦١ - باب الرّجَز في الحرب، ورفع الصوت في حفر الخندق فيه سَهْلٌ وأنسٌُ عن النبيِّ وَّةِ، وفيه يزيدُ عن سَلَمَةَ. ٣٠٣٤- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو الأحوَصِ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن البَراءِ ظ﴾ قال: رأيتُ رسولَ الله وَله يومَ الختدَقِ وهو يَنْقُلُ التُّرابَ حتَّى وَارَى التُّرابُ شَعَرَ صَدْرِه - وكان رجلاً كثيرَ الشّعرِ - وهو یَرتَجِزُ برَجَزِ عبدِ الله: ١٦١/٦ ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّينا ((اللهمَّ لولا أنتَ ما اهْتَدَینا وثَبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقَيْنا فأنزِلَنْ سَکِینً علینا إنَّ العِدَا قد بَغَوْا علينا إذا أرادوا فِتْنَةً أَبَيْنا)) يَرْفَعُ بها صوتَه. قوله: ((باب الرَّجَز في الحرب ورَفْع الصوت في حَفْر الخندق)) الرَّجَز - بفتح الرّاء والجيم والزّاي - من بُحُورِ الشِّعر على الصحيح، وجَرَت عادة العرب باستعماله في الحرب ليزيدَ في النَّشاط ويَبعَث الهِمَم. وفيه جواز تَتَّل النبي ◌َِّ بِشِعْر غيره، وسيأتي بسطُ ذلك في أوائل المغازي(١) إن شاء الله تعالى. وفيه جواز رفع الصَّوت في عمل الطاعة لينشِّط نفسَه وغيرَه. قوله: ((فيه سَهْل وأنس عن النبي وَِّ، وفيه يزيد عن سَلَمة)) أمَّا حديث سَهْل - وهو ابن سعد - فَوَصَلَه في غزوة الخندق (٤٠٩٨) وفيه: «اللهمَّ لا عيش إلَّا عيش الآخره)) وسيأتي، وأمَّا حديث أنس فقد تقدَّم موصولاً في ((باب حَفْر الخندق)) في أوائل الجهاد (٢٨٣٥)، وفيه مِثْلُ ذلك أيضاً بزيادةٍ. (١) بل في مناقب الأنصار، عند حديث (٣٩٠٦). ٢٩٤ باب ١٦٢ / ح ٣٠٣٥ - ٣٠٣٦ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا حديث يزيد - وهو ابن أبي عُبيد - عن سَلَمة - وهو ابن الأكوع - فسيأتي في غزوة خيبر (٤١٩٦) وفيه: ((اللهمَّ لولا أنتَ ما اهتَدَينا)) وقصَّة عامر بن الأكوع، وسيأتي أيضاً بعد أربعة أبواب (٣٠٤١) ارتجازُ سَلَمة أيضاً بقوله: واليومُ يوم الرُّضَّعِ. وقوله هنا في حديث البراء: ((إنَّ العِدَا قد بَغَوْا علينا)) يأتي الكلام عليه في كتاب التمنِّي (٧٢٣٦) عَقِب كتاب الأحكام، وكأنَّ المصنِّف أشارَ في التَّرجمة بقوله: ((ورفع الصَّوت في حفر الخندق)) إلى أنَّ كراهة رفع الصَّوت في الحرب مُتَصَّة بحالة القتال، وذلك فيما أخرجه أبو داود (٢٦٥٦) من طريق قيس بن عُبَاد قال: كان أصحاب رسول الله وَ له يكرهونَ الصَّوتَ عند القتال. ١٦٢ - باب من لا یثبُتُ علی الخیل ٣٠٣٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ ثُمَير، حدَّثنا ابنُ إدرِيسَ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، عن جَرِيرٍ ◌ّه قال: ما حَجَبَتِي النبيُّ وَلَ مُنْذُ أسلَمْتُ، ولا رآني إلا تَبسَّمَ في وجهِه. [طرفاه في: ٣٨٢٢، ٦٠٩٠] ٣٠٣٦- ولقد شَكَوْتُ إليه أنّ لا أُثبُتُ على الخيلِ، فضَرَبَ بيدِه في صَدْري وقال: ((اللهمَّ ثَبِّتْه، واجعَلْه هادیاً مَهْدِيّا)). قوله: ((باب مَن لا يَتْبُت على الخيل)) أي: ينبغي لأهل الخير أن يَدعُوا له بالنَّبات، وفيه إشارة إلى فضيلة رُكُوب الخيل والثَّبات عليها. ذكر فيه حديث جَرِير: ((ما حَجَبني رسولُ اللهِ وَلِّ منذُ أسلمت)) وسيأتي الكلام عليه في المناقب (٣٠٢٨). وقوله: ((إلَّا تَبَسَّمَ في وجهِه)» فيه الْتِفات من التكلُّم إلى الغَيْبة، ووقع في رواية السَّرَخْسي والكُشْمِيهنيّ على الأصل بلفظ: ((في وجهي)). وقوله: ((ولقد شَكَوْتُ إليه أنّ لا أثبت على الخيل)) هو موضع التَّرجمة، وقد تقدَّم في («باب حَرْق الدُّور والنَّخيل)) (٣٠٢٠)، ويأتي شرحه في المغازي (٤٣٥٦) إن شاء الله تعالى. ٢٩٥ باب ١٦٣-١٦٤ / ح ٣٠٣٧ -٣٠٣٩ كتاب الجهاد وقوله: ((هادياً مُهْدياً)) زَعَمَ ابنِ بَطَّال أنَّ فيه تقديماً وتأخيراً، قال: لأنَّه لا يكون هادياً لغيره إلَّا بعد أن يَهتَديَ هو فيكون مُهدیّاً. انتهى، وليست هنا صيغة ترتیبٍ. ١٦٢/٦ ١٦٣ - باب دواء الجرح بإحراق الحصير، وغسل المرأة عن أبيها الدمَ عن وجهه، و حمل الماء في الثُرس ٣٠٣٧- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا أبو حازم، قال: سألوا سَهْلَ بنَ سعدِ الساعِدِيَّ ◌ُ: بأيِّ شيءٍ دُورِيَ جُرْحُ النبيِّ ◌ََّ؟ فقال: ما بَقِيَ أحدٌ مِن الناسِ أعلمُ به منّي، كان عليٌّ تَجِيءُ بالماءِ في تُرْسِه، وكانت - يعني: فاطمةَ - تَغْسِلُ الدَّمَ عن وجهِه، وأُخِذَ حصيرٌ فَأُحْرِقَ، ثمَّ حُشِيَ به جُرْحُ رسولِ الله ◌ِّ. قوله: «باب دواء الجَرْح بإحراق الحصير، وغَسْل المرأة عن أبيها الدَّمَ عن وجهه، وخَمْل الماء في التُّرس)) اشتَمَلَ هذا الباب على ثلاثة أحكام، وحديث الباب ظاهر فيها، وقد أفرَدَ الثَّاني منها في كتاب الطَّهارة (٢٤٣) وأورَدَ فيه هذا الحديث بعينِهِ، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في المغازي (٤٠٧٥) إن شاء الله تعالی. ١٦٤ - باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، وعقوبة مَن عصی إمامه وقال الله عزَّ وجلّ: ﴿وَلَا تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] يعني: الحرب. ٣٠٣٨ - حدَّثنا يحيى، حدَّثنا وكيعٌ، عن شُعْبةَ، عن سعيد بنِ أبي بُرْدةَ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ نَّهِ بَعَثَ معاذاً وأبا موسى إلى اليمنٍ، قال: ((يَسِّرا ولا تُعسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنفِّرا، وتَطاوَعا ولا تَخْتَلِفا)». ٣٠٣٩ - حدَّثنا عَمرُو بنُ خالدٍ، حدَّثنا زهيرٌ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ بنَ عازبٍ رضي الله عنهما يُحدِّثُ قال: جَعَلَ النبيُّ نَّهِ على الرَّجَّالةِ يومَ أُحدٍ - وكانوا خمسينَ رجلاً - عبدَ الله بنَ جُبَير فقال: ((إنْ رأيتُمونا تَخْطَفُنا الطَّيرُ، فلا تَبَرَحُوا مكانَكم هذا حتَّى أُرسِلَ إليكم، وإنْ رأيتُمونا هَزَمْنا القومَ وأوطَأْناهم، فلا تَبَرَحُوا حتَّى أُرسِلَ إليكم)) فهَزَمُوهم، قال: ٢٩٦ باب ١٦٤ / ح ٣٠٣٨-٣٠٣٩ فتح الباري بشرح البخاري فأنا والله رأيتُ النِّساءَ يَشتَدِدْنَ، قد بَدَتْ خَلاخِلُهنَّ وأسْوُقُهنَّ، رافعاتٍ ثِيابَهَنَّ، فقال أصحابُ ابنِ جُبَير: الغنيمةَ أيْ قومِ الغنيمةَ، ظَهَرَ أصحابُكم فما تنتظرونَ؟ فقال عبدُ الله بنُ جُبَير: أنَسِيتُم ما قال لكم رسولُ الله وَّةَ؟ قالوا: والله لَنأتيَنَّ الناسَ فلَنُصِيبَنَّ مِن الغنيمةِ، فلمَّا أَوْهم صُرِفَت وجوهُهم، فأقبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فذاكَ إِذْ يَدْعُوهم الرَّسولُ في أُخراهم، فلم يَبْقَ مع ١٦٣/٦ النبيِّ ◌ََّ/ غيرُ اثني عشرَ رجلاً، فأصابوا منَّا سبعينَ، وكان النبيُّ ◌َّهِ وأصحابُه أصاب مِن المشركينَ يومَ بدرٍ أربعينَ ومئةً وسبعينَ أسيراً وسبعينَ قتيلاً. فقال أبو سفيانَ: أفي القوم محمَّدٌ؟ ثلاثَ مرَّاتٍ، فنهاهم النبيُّ وَ ﴿ أَن يُحِبُوه، ثمَّ قال: أفي القومِ ابنُ أبي قُحافةَ؟ ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمّ قال: أفي القوم ابنُ الخطّاب؟ ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثمَّ رَجَعَ إلى أصحابه فقال: أمَّا هُؤُلاءِ فقد قُتِلُوا، فما مَلَكَ عمرُ نفسَه فقال: كَذَبْتَ والله يا عدوَّ الله، إنَّ الذين عَدَدْتَ لأحياءٌ كلَّهم، وقد بَقِيَ لكَ ما يَسُوؤُكَ، قال: يومٌ بيومٍ بدرٍ، والحربُ سِجَالٌ، إِنَّكم ستَجِدونَ في القومِ مُثْلَةً لم آمُرْ بها ولم تَسُؤْني، ثمَّ أخَذَ يَرَجِزُ: أُعلُ مُبَلْ، أُعلُ هُبَلْ، قال النبيُّ ◌َ: ((أَلَّا تُّجِبونَه))؟ قالوا: يا رسولَ الله، ما نقولُ؟ قال: «قولوا: اللهُ أعلَى وأجَلُّ))، قال: إنَّ لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((أَلَا تُجِيبونَه؟)) قال: قالوا: يا رسولَ الله، ما نقول؟ قال: «قولوا: اللّهُ مَوْلانا ولا مولَی لکم)». [أطرافه في: ٣٩٨٦، ٤٠٤٣، ٤٠٦٧، ٤٥٦١] قوله: ((باب ما يُكرَه من التَّازُع والاختلاف في الحرب)) أي: من المقاتلة في أحوال الحرب. قوله: ((وعقوبة مَن عصى إمامه)) أي: بالهزيمة وحِرْمان الغنيمة. قوله: ((وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا تَشَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَنَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ يعني: الحرب)) كذا لأبي ذرِّ، وقوله: ((يعني: الحرب)) للكُشْمِيهنيّ وحده، ووقع في رواية الأَصِيلي في هذا الموضع: ((قال قَتَادةُ: الرّيح: الحرب)» وهذا قد وَصَلَه عبد الرزَّاق في «تفسيره)) (٢٦٠/٢) عن مَعمَر عن قَتَادة بهذا نحوه، وهو تفسير مَجَازيُّ، فالمراد بالرّيحِ القُوَّةُ في الحرب، والفَشَل - بفتح الفاء والمعجمة -: الجُبن، يقال: فَشِلَ: إذا هابَ أن يُقدِمَ جُبناً. ٢٩٧ باب ١٦٥-١٦٦ / ح ٣٠٤٠-٣٠٤١ كتاب الجهاد وذَكَر في الباب حدیثین: أحدهما: حديث أبي موسى، وفيه: «ولا تَخْتَلِفا»، وسيأتي شرحه في مكانه من أواخر المغازي (٤٣٤١ و٤٣٤٢). ثانيهما: حديث البراء في قصَّة غَزَاة أُحد، والغَرَض منه أنَّ الهزيمة وَقَعَت بسبب مخالفة الزُّماة لقول النبي وَِّ: ((لا تَبرَحوا من مكانكم))، وسيأتي شرحه أيضاً مُستَوفَّى في الكلام على غزوة أُحد (٤٠٤٣) إن شاء الله تعالى. ١٦٥ - باب إذا فَزِعوا بالليل ٣٠٤٠- حدَّثنا قُتَيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حَمَّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسِ ◌َ﴾ه قال: كان رسولُ الله ﴿﴿ أحسنَ الناسِ، وأجوَدَ الناسِ، وأشجَعَ الناسِ، قال: وقد فَزِعَ أهلُ المدينةِ ليلةً، سَمِعوا صوتاً، قال: فَتَلَقّاهم النبيُّ وَِّ على فرسٍ لأبي طَلْحَةَ عُرْىٍ وهو مُتقلّدٌ سيفَه، فقال: ((لم تُرَاعُوا، لم تُرَاعُوا))، ثمّ قال رسولُ الله وَّةِ: ((وَجَدْتُه بَحْراً) يعني الفرسَ. قوله: ((باب إذا فَزِعُوا باللَّيل)) أي: ينبغي لأمير العسكر أن يَكشِفَ الخبر بنفسِه، أو بمَن يَنْدُبه لذلك. ذكر فيه حديث أنس في فرس أبي طلحة، وقد تقدَّم شرحه في أواخر الهِبة (٢٦٢٧)، وتقدَّم في كتاب الجهاد مِراراً (٢٨٢٠ و٢٨٥٧ و٢٨٦٢). ١٦٦ - باب من رأی العدوّ فنادی بأعلى صوته: یا صباحاْ، حتّی يُسمِع الناس ٣٠٤١- حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا يزيدُ بنُ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ أَنَّه أخبَرَه قال: خرجتُ مِن المدينةِ ذاهباً نحوَ الغابةِ، حتَّى إذا كنتُ بِثَنِيَّةِ الغابةِ لَقِيَني غُلامٌ لعبدِ الَّحمن ينِ عَوْفٍ، قلتُ: وَيُحَكَ، ما بكَ؟ قال: أُخِذَت لِقَاحُ النبيِّ ◌َِّ، قلتُ: مَن أَخَذَها؟ قال: غَطَفَانُ وفَزَارُ، فصَرَخْتُ ثلاثَ صَرَخاتٍ أسمَعْتُ ما بينَ لابَتَيَها: يا صَبَاحِاهْ، يا صَبَاحاهْ، ثمَّ اندَفَعْتُ حتَّى ألقاهم وقد أخَذُوها، فجَعَلْتُ أَرمِيهم وأقولُ: أنا ابنُ الأكْوَعِ، واليومُ يومُ ١٦٤/٦ ٢٩٨ باب ١٦٧ / ح ٣٠٤٢ فتح الباري بشرح البخاري الرُّضَّعِ، فاستَنْقَذْتُها منهم قبلَ أن يشربُوا، فأقبَلْتُ بها أَسُوقُها، فَلَقِيَتِي النبيُّ ◌َلّ فقلتُ: یا رسولَ الله، إنَّ القومَ عِطاشٌ، وإنّي أعجلتُهم أن يشربوا سِقْتهم، فابعَثْ في إثْرِهم، فقال: ((یا ابنَ الأكْوَعِ، مَلَكْتَ فَأَسجِحْ، إنَّ القومَ يُقرَوْنَ في قومهم». [طرفه في: ٤١٩٤] قوله: «باب من رأی العدوّ فنادی بأعلى صوته: یا صباحاهْ، حتَّی یُسمِع الناس)) ذکر فیه حديث سَلَمة بن الأكوع في قصَّة غَطَفانَ وفَزَارة، وسيأتي شرحه في غزوة ذي قَرَد من كتاب المغازي (٤١٩٤). وقوله: ((يا صَبَاحاهْ)) هو مُنادى مُستَغاث، والألف للاستغاثة والهاء للسَّكت، وكأنَّه نادى الناس استغاثةً بهم في وقت الصَّباح. وقال ابن المنيِر: الهاء للنُّدبة ورُبَّما سقطت في الوَصْل، وقد ثبتت في الرِّواية فيُوقَف عليها بالسُّكون، وكانت عادتهم يُغِيرونَ في وقت الصَّباح، فكأنَّه قال: تأهَّبوا لمَا دَهَمَكم صباحاً. وقوله: ((الرُّضَّع)) بتشديد المعجمة بصيغة الجمع، والمراد بهم اللُّئام، أي: اليومُ يومُ هَلاك اللِّام. وقوله: ((فأَسجِحْ)) بهمزة قطع، أي: أحسِن أو ارفُقْ. وقوله: (يُقرَوْنَ)) بضمٍّ أوَّله والتَّخفيف من القِرَى، والرّاء مفتوحة ومضمومة، وقيل: معنى الضَّمّ: يجمعونَ الماء واللَّبَن، وقيل: يَغْزُونَ، بغَينٍ مُعجَمة وزاي، وهو تصحيف. قال ابن المنيِر: موضع هذه التَّرجمة أنَّ هذه الدَّعوة ليست من دعوى الجاهلية المنهيّ عنها، لأنَّهَا استغاثة على الكفّار. ١٦٧ - باب من قال: خُذْها وأنا ابن فلانٍ وقال سَلَمةُ: خُذْها وأنا ابنُ الأَكْوَع. ٣٠٤٢- حدَّثنا عُبيدُ الله، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، قال: سأل رجلٌ البراءَ ﴾ه فقال: يا أبا عمارةَ، أَوَلَّيْتُمْ يومَ حُنَينٍ؟ قال البَراءُ وأنا أسمَعُ: أمَّا رسولُ الله ◌َّلم يُوَلِّ يومَئذٍ، كان أبو ٢٩٩ باب ١٦٨ / ح ٣٠٤٣ كتاب الجهاد :٠ سفيانَ بنُ الحارثِ آخِذاً بعِنانِ بغلِهِ، فلمَّا غَشِيَه المشركونَ نزل فجَعَلَ يقول: (أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المطَّلِبْ)) قال: فما رُئِيَ مِن الناسِ يومَئذٍ أَشَدُّ منه. قوله: ((باب مَن قال: خُذْها وأنا ابن فلان)) هي كلمة تُقال عند التَّمدُّح، قال ابن المنيِر: مَوقِعها من الأحكام أنَّها خارجة عن الافتِخار المنهيِّ عنه، لاقتضاءِ الحال ذلك. قلت: وهو قريب من جواز الاختيال - بالخاء المعجمة - في الحرب دون غيرها. قوله: ((وقال سَلَمةُ: خُذْها وأنا ابن الأْوَع)) هذا طرف من حديثه المذكور في الباب ١٦٥/٦ الذي قبله لكنَّه بمعناه، وقد أخرجه مسلم (١٣٢/١٨٠٧) بلفظه من طريق أُخرى عن سَلَمة بن الأكوع وقال فيه: «فخرجتُ في آثار القوم وأَخُ رجلاً منهم فاصُگُّه سهماً في رجله حتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهم من كَتِفِه، قال: قلت: خُذها وأنا ابن الأكوَعِ، واليوم يوم الرُّضَّعِ)) الحديث. ثم ذكر المصنف حديث البراء بن عازب في ثبات النبي وَّ يوم حُنَين وقوله: ((أنا النبي لا كذِب، أنا ابن عبد المطَّلِب)»، وسيأتي شرحه في غزوة حُنَين (٤٣١٥) إن شاء الله تعالى. ١٦٨ - باب إذا نزل العدوّ على حكم رجلٍ ٣٠٤٣- حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبي أمامةَ - هو ابنُ سَهْلٍ بنِ خُنَيَف - عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ﴾ قال: لمَّا نزلت بنو قُرَيظةَ على حُكْمٍ سعدٍ . هو ابنُ معاذٍ - بَعَثَ رسولُ اللهِوَّ﴾، وكان قريباً منه، فجاء على حمارٍ، فلمَّا دَنَا قال رسولُ الله وَلَه: (قُومُوا إلى سَيِّدِكم))، فجاء فجَلَسَ إلى رسولِ الله وَّهِ، فقال له: ((إنَّ هؤلاءِ نَزَلُوا على حُكْمِكَ)) قال: فإني أحكُمُ أن تُقْتَلَ المقاتِلةُ، وأن نُسبَى الذُّرِّيَّةُ. قال: ((لقد حَكَمتَ فيهم بِحُكْمِ الملِكِ)). [أطرافه في: ٣٨٠٤، ٤١٢١، ٦٢٦٢] قوله: ((باب إذا نزل العدوّ على حُكْم رجل)) أي: فأجازَه الإمامُ نَفَذَ. ٣٠٠ باب ١٦٩- ١٧٠ / ح ٣٠٤٤ -٣٠٤٥ فتح الباري بشرح البخاري ذكر فيه حديث أبي سعيد في نزول بني قُرَيظة على حكم سعد بن مُعاذٍ، وسيأتي شرحه في غزوة بني قريظة (٤١٢١) إن شاء الله تعالى. قال ابن المنيِّر: يُستَفاد من الحديث لزومُ حكم المحَكَّم برِضا الخَصمَين. ١٦٩ - باب قتل الأسير، وقتل الصّبْر ٣٠٤٤- حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ : أَنَّ رسولَ اللهَوَ ﴿ِ دَخَلَ عامَ الفَتْح وعلى رأسِه المِغْفَرُ، فلمَّا نَزَعَه جاء رجلٌ فقال: إنَّ ابنَ خَطَلِ مُتعلِّقٌ بأستارِ الكَعْبةِ، فقال: «اقتُلوه)). قوله: ((باب قتل الأسير وقتل الصَّبْر)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((قتل الأسير صَبراً)) وهي أخصر. أورَدَ فيه حديث أنس في قتل ابن خَطَلِ، وقد تقدَّم شرحه في أواخر الحجّ (١٨٤٦)، وقد تقدَّم أنَّ الإمام يَتَخَيَّر - مُتَّبِعاً ما هو الأحَظَّ للإسلام والمسلمين - بين قتل الأسير، أو المنِّ عليه بفِداءٍ أو بغير فداءٍ، أو استِرِقاقِه. ١٧٠ - باب هل يستأسِرُ الرجل؟ ومن لم يستأسر، ومن ركع ركعتين عند القتل ٣٠٤٥- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عمرُو بنُ أبي سفيانَ بنِ أَسِيد بنِ جاريةَ النَّقَفيُّ - وهو حَلِيفٌ لبني زُهْرةَ، وكان من أصحاب أبي هريرةَ - أنَّ ١٦٦/٦ أبا هريرةَ ﴾ قال: / بَعَثَ رسولُ الله ◌ِّلْ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عيناً، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابتٍ الأنصاريَّ - جَدَّ عاصمِ بنِ عمرَ بن الخطَّب - فانطَلَقُوا، حتَّى إذا كانوا بالهَدَأَةِ - وهو بينَ عُسْفانَ ومِكَّةَ - ذُكِروا لحيٍّ من هُذَيلِ يقالُ لهم: بنو لِحْيانَ، فنَفَروا لهم قريباً من مئتي رجلٍ كلُّهم رام، فاقتَصُّوا آثارَهم حتَّى وَجَدوا مَأْكَلَهِم تَمْراً تَزَوَّدُوه مِن المدينةِ، فقالوا: هذا تَمْرُ يَشْرِبَ، فاقتَضُّوا آثارَهم، فلمَّا رآهم عاصمٌ وأصحابُه لجؤُوا إلى فَدْفَدٍ، وأحاطَ بهم القومُ، فقالوا لهم: انزِلُوا وَأَعطُونا بأيدِيكم، ولكمُ العَهْدُ والميثاقُ ولا نَقْتُلُ منكم أحداً.