النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
باب ١٤٠ / ح ٣٠٠٦
كتاب الجهاد
وقد حَمَلَ النَّضْرِ بن شُمَيلِ الأوتار في هذا الحديث على معنى الثَّأر فقال: معناه: لا
تَطلُبُوا بها ذُحُول الجاهلية، قال القُرْطُبي: وهو تأويل بعيد، وقال النووي(١): ضعيف. وإلى
نحو قول النَّصْرِ جَنَحَ وكيع فقال: المعنى: لا تَركَبوا الخيل في الفتن، فإنَّ مَن رَكِبَها لم يَسلَم
أن يَتَعلَّق به وَتْرٌ يُطلَب به. والدَّليل على أنَّ المراد بالأوتار جمع الوَتَر بالتَّحريكِ لا الوَتْر
بالإسكان، ما رواه أبو داود أيضاً (٣٦) من حديث رُوَيفع بن ثابت رَفَعَه: ((مَن عَقَّدَ لحِيتَه
أو تَقَلَّدَ وَتَراً، فإنَّ محمَّداً منه بريء»، فإنَّه عند الرُّواة أجمع بفتح المثنَّاة.
والجَرَس - بفتح الجيم والرّاء ثمَّ مُهمَلة - معروف، وحكى عياض إسكان الرّاء،
والتحقيق أنَّ الذي بالفتح اسم الآلة، وبالإسكانِ اسم الصَّوت. وروى مسلم (٢١١٤)
من حديث العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة رَفَعَه: ((الجرس مِزمارُ الشيطان))، وهو
دالٌّ على أنَّ الكراهية فيه لصوتِهِ، لأنَّ فيها شَبَهاً بصوتِ الناقُوس وشَكْله.
قال النَّوَوي وغيره: الجمهور على أنَّ النَّهي للكراهة وأنََّا كراهةُ تنزيه، وقيل:
للتَّحريم، وقيل: يُمنَع منه قبل الحاجة، ويجوز إذا وَقَعَت الحاجة، وعن مالك: تَخْتَصُّ
الكراهة من القَلائد بالوَتَر، ويجوز بغيرها إذا لم يُقصَد دفع العين. هذا كلّه في تعليق التَّائم
وغيرها مما ليس فيه قرآن ونحوه، فأمَّا ما فيه ذِكْر الله فلا نهيَ فيه، فإنَّه إنَّما يُجُعَل للتَّبُّكِ به
والتعوُّذ بأسمائه وذِكْره، وكذلك لا نهيَ عمَّا يُعلَّق لأجل الزِّينة ما لم يَبلُغ الخُيَلاء أو السَّرَف،
واختَلَفوا في تعليق الجرس أيضاً، ثالثها: يجوز بقَدْرِ الحاجة، ومنهم مَن أجازَ الصَّغير منها
دون الكبير، وأغرَبَ ابن حِبّان(٢) فَزَعَمَ أنَّ الملائكة لا تصحبُ الرُّفقة التي يكون فيها
الجرس إذا كان رسول الله ټ فيها.
١٤٠ - باب من اكتَتَبَ في جيش فخرجت امرأته حاجّةً
أو كان له عذرٌ: هل يُؤْذَن له؟
٣٠٠٦- حدّثنا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، عن أبي مَعبَدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ
(١) تحرف في (س) إلى: الثوري.
(٢) في ((صحيحه)) بإثر الحديث (٤٧٠٠).

٢٦٢
باب ١٤١ / ح ٣٠٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
١٤٣/٦ رضي الله عنهما،/ أنَّه سمعَ النبيَّ ◌ََّ يقول: ((لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ، ولا تُسافَرَنَّ امرأةٌ إلا
ومعها تَحرَمٌ)) فقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، اكتُتِبتُ في غَزْوةٍ كذا وكذا، وخَرَجَتِ امرأتي
حاجّةً! قال: ((اذهبْ فاحجُجْ مع امرأتِكَ)).
قوله: ((باب مَن اكتُتِبَ في جيش فخَرَجَت امرأته حاجَّةً أو كان له عُذْر: هل يُؤْذَن له؟))
ذكر فيه حديث ابن عبّاس في ذلك، وفيه قوله: ((اذهب فاحجُج مع امرأتك)) وقد سبق
الكلام عليه في أواخر أبواب المحصَر من الحجّ(١).
ويُستفاد منه أنَّ الحجّ في حقّ مثله أفضل من الجهاد؛ لأنَّه اجتمع له مع حجّ التطوُّع في
حقّه تحصيل حجّ الفَرْض لامرأتِه، وكان اجتماع ذلك له أفضل من مُجرَّد الجهاد الذي
يَحَصُل المقصود منه بغيره. وفيه مشروعية كتابة الجيش ونَظَرُ الإمام لرَعيتِه بالمصلحة.
١٤١ - باب الجاسوس
وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: ١].
التَّجَسُّسُ: التبخُّث.
٣٠٠٧- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثْنَا عَمْرُو بنُ دينارٍ، سمعتُهُ منه مرَّتينِ،
قال: أخبرني حسنُ بنُ محمَّدٍ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ أبي رافع، قال: سمعتُ عليّاً ﴾ يقول:
بَعَثَنِي رسولُ اللهِوَّهِ أَنا والزُّبَيرَ والِقْدادَ بنَ الأسوَدِ وقال: «انطَلِقوا حتَّى تَأْتُوا رَوْضةَ خاخٍ
فإنَّ بها ظَعِينَةً ومعها كتابٌ، فخُذُوه منها)) فانطَلَقْنَا تَعَادَى بنا خيلُنا، حتَّى انتَهَينا إلى الرَّوْضِةِ،
فإذا نحنُ بالظَّعِينةِ، فقلنا: أخرِجي الكتابَ، فقالت: ما معي من كتابٍ، فقلنا: لَتُخْرِجِنَّ
الكتابَ، أو لَنُلقِيَنَّ الِّيَابَ، فأخرجَتْه من عِقَاصِها، فَأَتَينا به رسولَ الله وَّ، فإذا فيه: من
حاطبٍ بنِ أبي بَلْتَعَةَ إلى أُناسٍ من المشركينَ من أهلِ مكَّةَ، يُخْبِرُهم ببعضِ أمرِ رسولِ الله ◌َِِّ،
فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((يا حاطبُ، ما هذا؟)) قال: يا رسولَ الله، لا تَعْجَلْ عليّ، إنّ كنتُ امْرَأً
(١) بل سلف في أواخر جزاء الصيد من كتاب الحج برقم (١٨٦٢).

٢٦٣
باب ١٤١ / ح ٣٠٠٧
كتاب الجهاد
مُلْصَقاً في قُرَيشٍ، ولم أكُن من أنفُسِها، وكان مَن معكَ مِن المهاجرِينَ لهم قَرَاباتٌ بمكَّةَ تَحِمُونَ
بها أهلِيهم وأموالهم، فأحبَبتُ إذْ فاتَني ذلك مِن النَّسَبِ فيهم أن أتَّخِذَ عِندَهم يَداً مَحِمُونَ بها
قَرَابَتِي، وما فعلْتُ كُفْراً ولا ارتِداداً ولا رِضاً بالكُفْرِ بعدَ الإسلام، فقال رسولُ الله ◌ِوَالت: «قد
صَدَقَكم)) قال عمرُ: يا رسولَ الله، دَعْني أضْرِبْ عُنُقَ هذا المنافقِ، قال: ((إنَّه قد شَهِدَ بَدْراً،
وما يُذْرِيكَ لعلَّ اللهَ أن يكونَ قد الطَّلَعَ على أهلِ بدرٍ فقال: اعمَلُوا ما شِئْتُم، فقد غَفَرتُ لكم)).
قال سفیانُ: وأيُّ إسنادٍ هذا!
[أطرافه في: ٣٠٨١، ٣٩٨٣، ٤٢٧٤، ٤٨٩٠، ٦٢٥٩، ٦٩٣٩]
قوله: ((باب الجاسوس)» بجيم ومُهمَلتَين، أي: حكمه إذا كان من جِهَة الكفّار، ومشروعيته
إذا كان من جِهَة المسلمین.
قوله: ((والنَّجَسُّس: التبخُّث)) هو تفسيرُ أبي عبيدةً.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ الآية»
مُناسَبة الآية إمَّا لمَا سيأتي في التفسير (٤٨٩٠) أنَّ القصَّة المذكورة في حديث الباب كانت
سبب نزولها، وإِمَّا لأنه يَنتَزِعِ منها حكم جاسوس الكفَّار، / فإذا اطَّلعَ عليه بعض المسلمين ١٤٤/٦
لا يَكْتُمُ أمَرَه، بل يرفعه إلى الإمام ليرى فيه رأيه. وقد اختَلَفَ العلماء في جواز قتل
جاسوس الكفّار، وسيأتي البحث فيه بعد أحد وثلاثينَ باباً(١).
ثم ذكر فيه حديث عليّ في قصَّة حاطب بن أبي بَلْتعةً، وسيأتي الكلام على شرحه في
تفسير سورة الممتَحَنة (٤٨٩٠) إن شاء الله تعالى، ونذكر فيه تسميةً(٢) المرأة وتسمية مَن
عُرِفَ مَّن كاتَبَه حاطبٌ من أهل مكَّة.
وقوله فيه: ((رَوْضة خاخ)) بمنقوطتَين من فوق، والظَّعينة بالظّاءِ المعجمة: المرأة.
وقوله في آخره: ((قال سفيان: وأيّ إسناد هذا!» أي: عَجَباً لجلالة رجاله، وصريح اتِّصاله.
(١) عند: باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان، تحت حديث (٣٠٥١).
(٢) قوله: تسمية، سقط من (س).

٢٦٤
باب ١٤٢ -١٤٣ / ح ٣٠٠٨ - ٣٠٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
١٤٢ - باب الكِسْوة للأُسارى
٣٠٠٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا ابنُ عُيَينةَ، عن عَمِرٍو، سمعَ جابَرَ بنَ عبدِ الله
رضي الله عنهما قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ أُتيّ بِأُسَارَى وَأُتيَ بالعبَّاسِ ولم يكن عليه ثوبٌ، فَظَرَ
النبيُّ ◌َِّ له قميصاً، فَوَجَدُوا قميصَ عبدِ الله بنِ أَبِّ يَقْدُرُ عليه، فكَساه النبيُّ ◌َّ إيّاه، فلذلك
نَزَعَ النبيُّ ◌َِّ قميصَه الذي ألبَسَه.
قال ابنُ عُيَينَةَ: كانت له عندَ النبيِّ وَلِّيَّدٌ، فَأَحَبَّ أن يُكافئَه.
قوله: ((باب الكِسْوة للأسارى)) أي: بما يُواري عَوْراتهم، إذ لا يجوز النَّظَر إليها.
قوله: ((عن عَمْرو» هو ابن دینار.
قوله: ((لمَّا كان يوم بدر أُتي بأُسارى)) من المشركينَ.
قوله: ((وأُتي بالعبَّاس)) أي: ابن عبد المطَّلِب.
قوله: ((يَقْدُر عليه)) بضمِّ الدَّال، وإنَّما كان ذلك، لأنَّ العبَّاس كان بيِّنَ الطُّول، وكذلك
کان عبد الله بن أُبيّ.
قوله: ((فلذلك نَزَعَ النبيِ وَ ل﴿ قَميصه الذي ألبسه)) أي: لعبد الله بن أبيّ عند دفنه، وقد
تقدَّم شرح ذلك في أواخر الجنائز (١٣٥٠) وما يحتمل في ذلك من الإدراج.
وقوله في آخر هذا الحديث: ((قال ابن عُيَينَةَ: كانت له)) أي: لعبد الله بن أُبيّ.
وقوله: ((يدٌ)) أي: نِعمة، وهو مُحُصَّل ما سبق من قوله في الجنائز: ((كانوا يَرَونَ ... )) إلى آخره.
١٤٣- باب فضل من أسلم علی یدیہ رجلٌ
٣٠٠٩- حدّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ الله بنِ
عبدٍ القارِيُّ، عن أبي حازم، قال: أخبرني سَهْلٌ ﴾ - يعني: ابنَ سعدٍ - قال: قال النبيُّ ◌َله يومَ
خَيْرَ: (لأُعطِيَنَّ الزّايةَ غداً رجلاً يُفتَحُ على يديه، يُحِبُّ اللهَ ورسولَه، وتُحِبُّه الله ورسولُه))، فباتَ
الناسُ ليلتَهم أيُّهم يُعْطَى، فَغَدَوْا كلُّهم يَرْجُوه، فقال: ((أينَ عليٌّ؟)) فقيل: يَشْتَكِي عِينَيْهِ، فبَصَقَ

٢٦٥
باب ١٤٤ / ح ٣٠١٠
كتاب الجهاد
في عينَيَهِ ودَعَا له، فبَرَأَ كأن لم يكن به وَجَعٌ، فأعطاه، فقال: أُقاتلُهم حتَّى يكونوا مِثلَنا؟ فقال:
(انفُذْ على رِسْلِكَ حتَّى تَنزِلَ بساحَتِهم، ثمَّ ادْعُهم إلى الإسلام، وأخبِرْهم بما تَجِبُ عليهم،
فوالله لأن يَهدِيَ اللهُ بكَ رجلاً، خيرٌ لكَ من أن يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَم)).
قوله: ((باب فضل مَن أسلَمَ على يديه رجل)) ذكر فيه حديث سَهْل بن سعد في قصَّة عليّ
يوم خيبر، والمراد منه/ قوله وَ له: ((لَأَن يَهَديَ اللهُ بك رجلاً واحداً، خيرٌ لك من حُمْرِ النَّعَم))، ١٤٥/٦
وهو ظاهر فيما ترجم له، وسيأتي شرح الحديث في المغازي (٤٢١٠) إن شاء الله تعالى.
١٤٤ - باب الأُسارى في السّلاسل
٣٠١٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُّ بِشَّارِ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدٍ بنِ زيادٍ، عن أبي
هريرةَ ◌َُ، عن النبيِّ ◌َ ◌ّه قال: ((عَجِبَ اللهُ من قومٍ يَدخُلونَ الجنَّةَ فِي السَّلَاسِل)).
[طرفه في: ٤٥٥٧]
قوله: ((باب الأسارى في السَّلَاسِل)) ذكر فيه حديث أبي هريرة: «عَجِبَ الله من قوم
يَدخُلونَ الجنَّة في السَّلاسل)). وقد أخرجه أبو داود (٢٦٧٧) من طريق حمّاد بن سَلَمة عن
محمَّد بن زياد بلفظ: ((يُقادُونَ إلى الجنَّة بالسَّلاسل))، وقد تقدَّم توجيه العَجَب في حقّ الله
في أوائل الجهاد (٢٨٢٦)، وأنَّ معناه الرِّضا ونحو ذلك.
قال ابن المنيِّر: إن كان المراد حقيقة وضع السَّلاسل في الأعناق، فالتَّرجمة مطابقة، وإن
كان المراد المجاز عن الإكراه، فليست مطابقة.
قلت: المراد بكَونِ السَّلاسل في أعناقهم مُقيَّد بحالة الدُّنيا، فلا مانعَ من حَملِه على
حقيقته، والتقدير: يَدخُلونَ الجنَّة، وكانوا قبل أن يُسلِموا في السَّلاسل، وسيأتي في
تفسير آل عمران (٤٥٥٧) من وجه آخر عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خيرَ الناس للناس، تأتونَ بهم في السَّلاسل في أعناقهم حتَّى
يَدخُلوا في الإسلام.

٢٦٦
باب ١٤٥ / ح ٣٠١١
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن الجَوْزيّ: معناه أنَّهم أُسِروا وقُيِّدُوا، فلمَّا عَرَفوا صِحَّة الإسلام دخلوا طَوعاً
فدخلوا الجنَّة، فكان الإكراه على الأسر والتَّقييد هو السَّببَ الأوَّل، وكأنَّه أطلقَ على
الإكراه التَّسَلسُلَ، ولمَّا كان هو السَّببَ في دخول الجنَّة أقامَ المسَبِّب مقامَ السَّبَب.
وقال الطِّيبي: ويحتمل أن يكون المراد بالسَّلسَلة الجَذْب الذي يجذِبه الحقُّ مَن خَلَّصَ
مِن (١) عباده من الضَّلالة إلى الهدى، ومِن الهبوط في مَهاوِي الطَّبيعة إلى العُرُوج للدَّرَجات
العُلَى (٢). لكنَّ الحديث في تفسير آل عمران (٤٥٥٧) يدلّ على أنَّه على الحقيقة، ونحوه ما
أخرجه الطبراني(٣) من طريق أبي الطُّفَيَلِ رَفَعَه: «رأيت ناساً من أمَّتي يُساقونَ إلى الجنَّة في
السَّلاسل كُرهاً) قلت: يا رسول الله، مَن هم؟ قال: ((قوم من العَجَم يَسْبيهم المهاجرونَ
فُيُدخِلونَهم في الإسلامِ مُكرَهينَ».
وأمَّا إبراهيم الحربي فمَنَعَ حَمله على حقيقة التَّقييد وقال: المعنى: يُقادونَ إلى الإسلام
مُكرَهينَ، فيكون ذلك سبب دخولهم الجنَّة، وليس المراد أنَّ ثَمَّ سِلسِلة. وقال غيره: يحتمل
أن يكون المراد المسلمين المأسورينَ عند أهل الكفر، يموتونَ على ذلك أو يُقتَلونَ
فيُحشَرونَ كذلك، وعَبَّرَ عن الحَشر بدخول الجنَّة لثبوتِ دخولهم عَقِبه، والله أعلم.
١٤٥ - باب فضل من أسلم من أهل الكتابَين
٣٠١١- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينَةَ، حدَّثنا صالحُ بنُ حَيٍّ أبو حسنٍ،
قال: سمعتُ الشَّعْبيَّ يقول: حدَّثني أبو بُرْدةَ، أَنَّه سمعَ أباه، عن النبيِّ نَّه قال: «ثلاثةٌ يُؤْتَوْنَ
أجرَهم مَّتينٍ: الرجلُ تكونُ له الأَمَّةُ فِيُعلِّمُها فيُحْسِنُ تعليمَها، ويُؤدِّبها فيُحْسِنُ أدبَها، ثم
يُعْتِقُها فيَتَزَوَّجُها فله أجْراٍ، ومُؤمِنُ أهلِ الكتاب الذي كان مُؤْمِناً ثُمَّ آمَنَ بالنبيِّ ◌َِّ، فله
أجْرانٍ، والعبدُ الذي يُؤدِّي حقَّ الله ويَنْصَحُ لسيِِّه)).
(١) لفظ ((مِن)) سقط من (أ) و(س)، واستدركناها من (ع).
(٢) لفظ ((العُلى)) سقط من (س).
(٣) قوله: الطبراني، سقط من (س)، وعزاه له الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٣٣٣/٥ وزاد نسبته إلى البزار،
وهو في «مسنده)) برقم (٢٧٨٠)، وفي سنده مقالٌّ.

٢٦٧
باب ١٤٦ / ح ٣٠١٢-٣٠١٣
كتاب الجهاد
ثُمَّ قال الشَّعْبِيُّ: وأعطَيتُكَها بغيرِ شيءٍ، وقد كان الرجلُ يَرْحَلُ في أهوَنَ منها إلى المدينة.
قوله: ((باب فضل مَن أسلَمَ مِن أهل الكتابين)) ذكر فيه حديث أبي بُرْدة وأنَّه سمعَ أباه ١٤٦/٦
يقول: ((ثلاثة يُؤْتَونَ أجرهم مرَّتين)) الحديث، وقد تقدَّم الكلام عليه في العِتق (٢٥٤٤).
قال المهلَّب: جاء النصُّ في هؤلاءِ الثلاثة ليُنبِّه به على سائر مَن أحسن في معنيينٍ في أيّ فعل
کان من أفعال البِرّ.
وقد تقدَّمت مباحث هذا الحديث في كتاب العلم (٩٧)، ويأتي الكلام على ما يَتعلَّق
بمن يُعتِقِ الأمةَ ثُمَّ يَتزوَّجها في كتاب النِّكاح (٥٠٨٣) إن شاء الله تعالى.
قال ابن المنيِر: مؤمن أهل الكتاب لا بدَّ أن يكون مؤمناً بنبينا وَّهِ لمَا أخَذَ اللهُ عليهم
من العَهْد والميثاق، فإذا بُعِثَ فإيمانه مُستمِرّ، فكيف يَتعَدَّد إيمانه حتَّى يَتْعَدَّدَ أجره؟ ثمَّ
أجاب بأنَّ إيمانه الأوَّل بأنَّ الموصوف بكذا رسولٌ، والثَّاني بأنَّ محمَّداً هو الموصوف، فظَهَرَ
التَّغايُرِ فِثَبَتَ التَعدُّد. انتهى، ويحتمل أن يكون تعدُّد أجره لكَونِه لم يُعانِدْ كما عانَدَ غيره ثمّن
أضَلَّه الله على علم، فحَصَلَ له الأجر الثَّاني بمُجاهَدَتِه نفسَه على مخالَفة أنظاره.
١٤٦ - باب أهل الدَّارِ يُبَّتون، فيصاب الولْدان والذَّرَاريّ
﴿بَيَتًا ﴾ [الأعراف:٤ و٩٧، ویونس: ٥٠]: ليلاً.
٣٠١٢- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن عُبيدِ الله، عن ابنِ
عبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ بنِ جَثّامَةَ رضي الله عنهم قال: مَرَّ بِيَ النبيُّ ◌َّ بِالأَبواءِ - أو بوَدّانَ - فسُئلَ
عن أهلِ الدَّارِ يُبْيَّتَونَ مِن المشركينَ فيُصابُ من نِسَائِهِم وذَرَارِيِّهم، قال: ((هُمْ مِنْهُم)).
وسمعته يقول: ((لا حِمی إلا لله ولرسوله)) ◌َّ}.
٣٠١٣- وعن الزُّهْريِّ، أنَّه سمعَ عُبيدَ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ: حدَّثنا الصَّعْبُ في الذَّرَارِيِّ.
كان عَمرُو يُحدِّثُنا عن ابنِ شِهابٍ، عن النبيِّ وَّهِ، فسمِعْناه مِن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني
عُبيدُ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ قال: ((هُم منهم))، ولم يقل كما قال عَمرُو: ((هم من آبائهم)).

٢٦٨
باب ١٤٦ / ح ٣٠١٢ - ٣٠١٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب أهل الدَّار يُبَيَّتونَ فِيُصاب الولْدان والذَّرَاريّ» أي: هل يجوز ذلك أم لا؟
ويُبَيَّتَونَ مَبنِيٌّ للمفعول، وفُهِمَ من تقييده بإصابة مَن ذكر قَصْر الخلاف عليه، وجواز
البَيَات إذا عَرِيَ عن ذلك، قال أحمد: لا بأسَ بالبَيات، ولا أعلم أحداً گَرِهَه.
قوله: (بَياناً: ليلاً)) كذا في جميع النُّسَخ بالموخَّدة ثمَّ التَّحتانية الخفيفة وبعد الألف مُثنَّاة،
وهذه عادة المصنّف إذا وقع في الخبر لفظة توافقُ ما وقع في القرآن أورَدَ تفسير اللَّفظ
الواقع في القرآن، جمعاً بين المصلحتين وتَبرُّكاً بالأمرَين. ووقع عند غير أبي ذرٍّ من الزِّيادة
هنا: ((﴿لَنُبِيِّتَنَّهُ﴾ [النمل:٤٩]: ليلاً، بَيَّت: ليلاً))، وهذا جميع ما وقع في القرآن من هذه
المادَّة، وهذه الأخيرة ((بَيَّتَ)) يريد قوله: ﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]
١٤٧/٦ وهي في السَّبعة. قال أبو عُبيدة: كلّ شيءٍ قُدِّرَ بليلِ يُبَّت، قال الشّاعر(١):
هَبَّت لتعذُلَني بليلٍ أسمَعِ سَفَهَاً تَيُُّكِ الملامةَ فاهجَعي
وأغرَبَ ابن المنيِر فصَخَّفَ (بَياتا)) فجَعَلَها نياماً بنون وميم من النَّوم، فصارت
هكذا: ((فيُصاب الولدان والذَّراري نياماً ليلاً)) ثمَّ تَعقَّبَه فقال: العَجَب من زيادته في
التَرجمة نياماً وما هو في الحديث إلَّا ضِمناً، إلَّ أنَّ الغالب أنَّهم إذا وقع بهم ليلاً كان
أكثرهم نياماً، لكن ما الحاجة إلى الثَّقييد بالنَّوم والحكمُ سواءٌ، نياماً كانوا أو أيقاظاً؟ إلَّا
أن يقال: إنّ قتلهم نياماً أدخَلُ في الاغتيال من كونهم أيقاظاً، فنبَّه على جواز مِثل ذلك.
انتهى، وقد صَخَّفَ ثمَّ تَكلَّفَ. ومعنى البَيَات المراد في الحديث أن يُغارَ على الكفَّار
باللَيل بحيثُ لا يُميَّز بين أفرادهم.
قوله: ((عن عُبيد الله)) هو ابن عبد الله بن عُتْبةَ، ووقع في رواية الحميدي في ((مُسنَده))
(٧٨٢) عن سفيان عن الزُّهْريّ: أخبرني عبيد الله.
قوله: ((فسُئِلَ)) لم أَقِفْ على اسم السائل، ثمَّ وجدت في ((صحيح ابن حِبّان)) (١٣٧) من
(١) هو للنَّمِر بن تَولَب من قصيدة يصف نفسه فيها بالكرم ويعاتب زوجته على لومها فیه، وهذا البيت أول
بيت فيها. انظر ((خزانة الأدب)) للبغدادي ١/ ٣١٧.

٢٦٩
باب ١٤٦ / ح ٣٠١٢ - ٣٠١٣
كتاب الجهاد
طريق محمَّد بن عَمْرو عن الزُّهْريّ بسندِه عن الصَّعْب قال: سألتُ رسول الله وَلِ عن
أولاد المشركين: أنَقتُلُهم معهم؟ قال: ((نعم)) فظَهَرَ أنَّ الراوي هو السائل.
قوله: ((عن أهل الدَّار)) أي: المنزل، هكذا في البخاري وغيره، ووقع في بعض النُّسَخ من
مسلم (٢٦/١٧٤٥ و٢٧): ((سُئِلَ عن الذَّراري)) قال عياض: الأوَّل هو الصواب. ووَجَّهَ
النَّوَوي الثَّاني، وهو واضح.
قوله: ((هم منهم)) أي: في الحكم تلك الحالةَ، وليس المراد إباحةً قتلهم بطريق القَصْد
إليهم، بل المراد إذا لم يُمكِن الوصول إلى الآباء إلَّا بوَطءِ الذُّرّية، فإذا أُصيبوا لاختلاطهم
بهم، جازَ قتلُهم.
قوله: ((وسمعته يقول)» كذا للأكثر، ولأبي ذرٍّ: ((فسمعته)) بالفاء، والأوَّل أوضح، وقوله:
((لا حِى إِلَّا لله ولرسوله)) تقدَّم الكلام عليه في الشِّرب (٢٣٧٠).
وقوله: ((وعن الزُّهْري)) هو موصول بالإسناد الأوَّل، وكان ابن عُيَينَ يُحدِّث بهذا الحديث
مرَّتين: مرَّة مُجرَّداً هكذا، ومرَّة يَذكُر فيه سماعه إياه أوَّلاً من عَمْرو بن دينار عن الزّهْريّ
عن النبي ◌َّه، ثمَّ يَذكُر سماعه إياه من الزُّهْريّ.
ونُنبّه على نُكْتة في المتن: وهي أنَّ في رواية عَمْرو بن دينار قال: ((هم من آبائهم))، وفي
روایة الُّهْريّ قال: «هم منهم))، وقد أوضح ذلك الإسماعيلي في روایته عن جعفر الفِرْیابي
عن عليّ ابن المَدِيني، وهو شيخ البخاري فيه، فذَكَر الحديث وقال: قال علي: رَدَّدَه
سفیان في هذا المجلس مرَّتین.
وقوله في سياق هذا الباب: ((عن الزُّهْريّ عن النبي ◌َّ﴾) يُوهم أنَّ روایة عَمْرو بن دينار
عن الزّهْريّ هكذا بطريق الإرسال، وبذلك جَزَمَ بعض الشُّراح، وليس كذلك، فقد أخرجه
الإسماعيلي من طريق العبّاس بن يزيد، حدَّثنا سفيان قال: كان عَمْرو يُحدِّثنا قبل أن يَقدَم
المدينةَ الزُّهْريّ عن الزُّهْريُّ، عن عُبيد الله، عن ابن عبّاس، عن الصَّعب، قال سفيان: فقَدِمَ
علینا الزُّهْريّ فسمعتُه يُعيده ويُبدِیه ... فذَکَر الحديث، وزادَ الإسماعيلي في طريق جعفر

٢٧٠
باب ١٤٦ / ح ٣٠١٢ -٣٠١٣
فتح الباري بشرح البخاري
الفِرْيابي عن عليّ عن سفيان: وكان الزُّهْريّ إذا حدَّث بهذا الحديث قال: وأخبرني ابن كعب
ابن مالك عن عمّه: أنَّ رسول الله وَّهِ لمَّا بَعَثَ إلى ابن أبي الحُقيق نَهى عن قتل النِّساء
والصبيان. انتهى، وهذا الحديث أخرجه أبو داود (٢٦٧٢) بمعناه من وجه آخر عن
الزُّهْريّ(١)، وكأنَّ الزّهْريّ أشارَ بذلك إلى نَسْخ حديث الصَّعب، وقال مالك والأوزاعي:
لا يجوز قتل النِّساء والصِّبيان بحالٍ حتَّى لو تَتَرَّسَ أهل الحرب بالنِّساءِ والصِّبيان، أو
تَحَصَّنوا بحِصْن أو سفينة وجعلوا معهم النِّساء والصِّبيان، لم يَجُزْ رَمُيهم ولا تحريقهم.
وقد أخرج ابن حِبّان (١٣٧) في حديث الصَّعب زيادة في آخره: ثمَّ نَهى عنهم يوم
حُنَين، وهي مُدرَجة في حديث الصَّعب، وذلك بَيِّن في ((سُنَن أبي داود)) (٢٦٧٢) فإنَّه قال
في آخره: قال سفيان: قال الزّهْريّ: ثمَّ نَهى رسول الله وَله بعد ذلك عن قتل النِّساء
والصِّبیان. ويُؤيِّد کونَ النَّهي في غزوة ◌ُنین ما سيأتي في حديث رِیاح بن الرَّبيع الآتي:
١٤٨/٦ فقال لأحدِهم: ((الحَقْ خالداً فقُل له: لا تَقتُل ذُرّية ولا عَسيفاً)، والعَسِيف/ - بمُهمَلتَين
وفاء ـ: الأجير وزناً ومعنّى، وخالد أوَّل مشاهده مع النبي ◌َّ غزوة الفتح، وفي ذلك
العام كانت غزوة حُنين.
وأخرج الطبراني في «الأوسَط)) (٦٧٣) من حديث ابن عمر قال: لمَّا دَخَلَ النبي ◌ِليه
مكَّة أُتي بامرأةٍ مقتولة فقال: ((ما كانت هذه تُقاتل)) ونَهى ... فذَكَر الحديث، وأخرج أبو
داود في ((المراسيل)) (٣٣٣) عن عِكْرمة: ((أنَّ النبي ◌َِّ رأى امرأةً مقتولةً بالطائفِ فقال:
((ألم أنه عن قتل النِّساء، مَن صاحبها؟)) فقال رجل: أنا يا رسول الله، أردفتُها فأرادت أن
تَصرَ عني فتَقتُلني فقتلتها، فأمَرَ بها أن تُوارَى.
ويحتمل في هذه التعدُّد، والذي جَنَحَ إليه غيرهم الجمعُ بين الحديثَين كما تقدَّمت
الإشارة إليه، وهو قول الشّافعي والكوفيينَ، وقالوا: إذا قاتَلَت المرأة جازَ قتلُها. وقال
(١) هو فيه من طريق سفيان عن الزهري، وفيه بإثره: قال الزهري: ثم نهى رسول الله وَلقر بعد ذلك عن قتل
النساء والولدان.

٢٧١
باب ١٤٧ / ح ٣٠١٤
كتاب الجهاد
ابن حَبيب من المالكية: لا يجوز القصدُ إلى قتلها إذا قاتلت، إلّا إن باشَرَت القتلَ أو
قَصَدَت إليه، قال: وكذلك الصبي المراهق.
ويُؤيِّد قولَ الجمهور ما أخرجه أبو داود (٢٦٦٩) والنَّسائي (ك٨٥٧١و ٨٥٧٢) وابن
حِبّان (٤٧٨٩) من حديث رِياح بن الرَّبيع - وهو بكسر الرّاء والتَّحتانية (١) - التَّميمي قال:
كنَّا مع رسول الله وَّه في غزوة، فرأى الناس مُجْتَمعينَ، فرأى امرأةً مقتولةً فقال: ((ما كانت
هذه لِتُقاتل))، فإنَّ مفهومه أنَّها لو قاتَلَت لقُتِلَت، واتَّفَقَ الجميع كما نَقَل ابن بَطَّال وغيره
على مَنْعِ القَصْد إلى قتل النِّساء والولدان، أمّا النِّساء فلضَعِفِهِنَّ، وأمَّا الولدان فلقُصُورهم
عن فعل الكفر، ولمَا في استبقائهم جميعاً من الانتفاع بهم إمَّا بالرِّقّ، أو بالفِداءِ فيمَن يجوز
أن يُفادَى به، وحكى الحازمي قولاً بجواز قتل النِّساء والصِّبيان على ظاهر حديث
الصَّعب، وزَعَمَ أنَّه ناسخ لأحاديث النَّهي، وهو غريب، وسيأتي الكلام على قتل المرأة
المرتَدَّة في كتاب القِصاص(٢).
وفي الحديث دليل على جواز العمل بالعامّ حتَّى يَرِدَ الخاصُّ، لأنَّ الصحابة تَسَّكوا
بالعمومات الدَّالَّة على قتل أهل الشِّرك، ثمَّ نَهى النبي ◌َّه عن قتل النِّساء والصِّبيان
فخَصَّ ذلك العمومَ، ويحتمل أن يُستَدلّ به على جواز تأخير البيان عن وقت الخِطاب إلى
وقت الحاجة.
ويُستَنْبَط منه الردّ على مَن يَتَخلَّى عن النِّساء وغيرهنَّ من أصناف الأموال زُهداً، لأنَّهم
وإن كان قد يَحَصُل منهم الضَّرَر في الدِّين، لكن يُتَوقَّف تَجِنُّبهم على حصول ذلك الضَّرَر،
فمتى حَصَلَ اجتُنِبَت وإلَّا فِليتناول من ذلك بِقَدْرِ الحاجة.
١٤٧ - باب قتل الصِّبيان في الحرب
٣٠١٤- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، أخبرنا اللَّيثُ، عن نافع، أنَّ عبدَ الله عَه أخبَرَهُ: أنَّ امرأةً
(١) ويقال: رَبَاح، بفتح الراء والباء الموحَّدة.
(٢) بل في كتاب استتابة المرتدين: ٢ - باب حكم المرتد والمرتدة.

٢٧٢
باب ١٤٨-١٤٩ / ح ٣٠١٥-٣٠١٦
فتح الباري بشرح البخاري
وُجِدَت في بعضِ مَغَازي النبيِّ وَّ مقتولةً، فأنكَرَ رسولُ الله ◌ََّ قتلَ النِّساءِ والصِّبْيانِ.
[طرفه في: ٣٠١٥]
قوله: ((باب قتل الصِّبْيان في الحرب)) أورَدَ فیه حديث ابن عمر من طريق ليث - وهو
١٤٩/٦ ابن سعد - بلفظ: ((فأنكَرَ)). / ثمّ قال: ((باب قتل النِّساء في الحرب)) وأورَدَ الحديث المذكور
من طريق عُبيد الله - وهو ابن عمر - بلفظ: ((فنَهی)).
١٤٨ - باب قتل النّساء في الحرب
٣٠١٥- حدّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: قلتُ لأبي أسامةَ: حدَّثكم عُبيدُ الله، عن نافعٍ،
عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: وُجِدَتِ امرأةٌ مقتولةٌ في بعضٍ مَغَازي رسولِ اللهَِّهِ، فَنَّهَى
رسولُ الله ◌ِ ◌ِّ عن قتلِ النِّساءِ والصِّبْيان.
وإسحاق بن إبراهيم شيخه فيه: هو ابن راهويه، هكذا أورَدَه في ((مُسنَده)) بهذا السِّياق،
وزادَ في آخره: ((فأقرَّ به أبو أُسامة وقال: نعم)) وعلى هذا فلا حُجَّة فيه لمن قال فيه: إنّ مَن
قال لشيخِه: حدَّثكم فلان، فسَكَتَ، جازَ ذلك مع القَرِينة؛ لأنَّه تَبيَّنَ من هذه الطَّريق
الأُخرى أنَّه لم يَسكُت.
وقد تقدَّمت أحكامه في الباب الذي قبله. ورواه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٢٣٩) من
حديث أبي سعيد قال: نَهى رسول الله وَ له عن قتل النِّساء والصِّبيان وقال: ((هما لمن غَلَبَ)).
١٤٩ - باب لا يُعذّبُ بعذاب الله
٣٠١٦- حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن بُكَير، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن أبي
هريرةَ ﴿ أَنَّه قال: بَعَثَنا رسولُ اللهِ وَّهِ فِي بَعْثٍ، فقال: ((إنْ وَجَدتُم فلاناً وفلاناً فَأَحرِ قُوهما
بالنار))، ثُمَّ قال رسولُ اللهَوَلَه حين أُرَدْنا الخروجَ: ((إنّ أمرتُكم أن تُحرِقوا فلاناً وفلاناً، وإنَّ
النارَ لا يُعذّبُ بها إلا الله، فإنْ وَجَدْتُوهما فاقتُلوهما)).
قوله: ((باب لا يُعَذَّب بعذاب الله)) هكذا بَتَّ الحكم في هذه المسألة لوضوح دليلها
عنده، ومَحَلُّه إذا لم يَتَعيَّن التَّحريقُ طريقاً إلى الغَلَبة على الكفَّار حالَ الحرب.

٢٧٣
باب ١٤٩ / ح ٣٠١٦
كتاب الجهاد
قوله: (عن بُكَير)) بموخَّدة وكافٍ مُصغَّر، ولأحمد (٨٠٦٨) عن هشام بن القاسم، عن
اللَّيث: ((حدَّثني بُكَير بن عبد الله بن الأشَجّ)) فأفادَ نِسبتَه وتصريحه بالتَّحديث.
قوله: ((عن أبي هريرة)) كذا في جميع الطّرق عن اللَّيث ليس بين سليمان بن يسار وأبي
هريرة فيه أحدٌ، وكذلك أخرجه النَّسائي (ك٨٥٥٩ ,٨٧٥٣و٨٧٨١) من طريق عَمْرو بن
الحارث وغيره عن بُكَير، ومضى قبل أبواب مُعلَّقاً، وخالَفَهم محمَّد بن إسحاق فرواه في
((السِّيرة))(١) عن يزيد بن أبي حَبيب عن بُكَير، فأدخَلَ بين سليمان وأبي هريرة رجلاً: وهو
أبو إسحاق الدَّوْسي، وأخرجه الدَّارمي (٢٤٦١) وابن السَّكَّن وابن حِبّان في ((صحيحه))
(٥٦١١) من طريق ابن إسحاق(٢)، وأشارَ الِّرمِذي إلى هذه الرِّواية، ونَقَلَ عن البخاري أنَّ
رواية اللَّث أصحّ، وسليمان قد صَحَّ سماعه من أبي هريرة، يعني: وهو غير مُدلِّس، فتكون
رواية ابن إسحاق من المَزِيد في مُتَّصِل الأسانید.
قوله: ((بَعَثَنا رسول الله وَّهِفِي بَعْث فقال: إن وَجَدْتُم فلاناً وفلاناً)) زادَ التِّرمِذي (١٥٧١)
عن قُتَيبة بهذا الإسناد: رجلين من قريش، وفي رواية ابن إسحاق: بَعَثَ رسول الله وَل
سريةً أنا فيها. قلت: وكان أمير السَّرية المذكورة حمزة بن عَمْرو الأسلمي، أخرجه أبو داود
(٢٦٧٣) من طريقه بإسنادٍ صحيحٍ، لكن قال في روايته: ((إن وجدتُم فلاناً فأحرِقُوه بالنار))
هكذا بالإفراد، وكذلك رُويناه في ((فوائد)» عليّ بن حرب عن ابن عُيَينَةَ عن ابن أبي نَجِيح
مُرسلاً وسمَّه هَبّار بن الأسوَد، ووقع في رواية ابن إسحاق: ((إن وجدتُم هَبّار بن الأسوَد
والرجل الذي سبق منه إلى / زينب ما سَبَقَ، فحَرِّقُوهما بالنار)) يعني: زينب بنت رسول الله ١٥٠/٦
وَالثّة، وكان زوجُها أبو العاص بن الرَّبيع لمَّا أسَرَه الصحابة ثمَّ أطلقَه النبي ◌َّ من المدينة،
(١) انظر ((سيرة ابن هشام)) ١ / ٦٥٧.
(٢) لم يروه ابن حبان من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، بل من طريق زيد بن أبي أنيسة عن
يزيدعن أبي إسحاق الدوسي بإسقاط بكير وسليمان بن يسار من السند، كما أن الدارمي لم يذكر في سنده
سلیمان بن يسار.

٢٧٤
باب ١٤٩ / ح ٣٠١٦
فتح الباري بشرح البخاري
شَرَطَ عليه أن يُجُهِّز إليه ابنتَه زينب فجَهَّزَها، فتَبِعَها هَبّار بن الأسوَد ورفيقه فنَخَسا بعيرها
فَأَسقَطَت ومَرِضَت من ذلك، والقصَّة مشهورة عند ابن إسحاق وغيره، وقال في روايته:
وکانا نَخَسا بزینب بنت رسول الله آلے حین خرجت من مگَّة، وقد أخرجه سعید بن
منصور (٢٦٤٦) عن ابن عُيَينةَ عن ابن أبي نَجِيح: أنَّ هَبّار بن الأسوَد أصاب زينب بنت
رسول الله وََّ بشيءٍ وهي في خِذْرها فَأَسقَطت، فَبَعَثَ رسول اللهِ وَلِّ سريّةً فقال: ((إن
وجدتُوه فاجعَلُوه بين حُزمَتَي حَطَبٍ ثمَّ أشعِلوا فيه النار)) ثمَّ قال: ((إنَّ لَأَستَحيي من الله،
لا ينبغي لأحدٍ أن يُعذّبَ بعذاب الله)) الحديث، فكأنَّ إفراد هَبّار بالذِّكرِ لكَونِه كان الأصل
في ذلك، والآخر کان تبعاً له.
وسمَّى ابن السَّكَن في روايته من طريق ابن إسحاق الرجل الآخر نافعَ بن عبد قيس،
وبه جَزَمَ ابن هشام في زوائد («السِّيرة)) عليه، وحكى السُّهَيلي عن ((مُسنَد البَزّار)) أنَّه خالد
ابن عبد قيس، فلعلَّ تَصَخَّف عليه، وإنَّما هو نافع، كذلك هو في النُّسَخ المعتمدة من
((مُسنَدَ البَزّار)) (٨٠٦٧)، وكذلك أورَدَه ابن بَشكُوَالٍ(١) من ((مُسنَد البَزّار))، وأخرجه
محمَّد بن عثمان بن أبي شَيْبة في ((تاريخه)) من طريق ابن لَهِيعة كذلك.
قلت: وقد أسلَمَ هَبّار هذا، ففي رواية ابن أبي نَجِيح المذكورة: ((فلم تُصِبه السَّرية
وأصابه الإسلام فها جَرَ» فذَکَر قصَّة إسلامه، وله حديث عند الطبراني (٥٢٩,٥٢٨/٢٢)
وآخر عند ابن مَندَهْ، وذكر البخاري في ((تاريخه)» لسليمان بن يسار عنه رواية في قصَّة جَرَت
له مع عمر في الحجّ، وعاش هبَّار هذا إلى خلافة معاوية، وهو بفتح الهاء وتشديد الموحّدة،
ولم أقِفْ لرفيقِه على ذِكْر في الصحابة، فلعلَّه مات قبل أن يُسلِم.
قوله: ((ثمَّ قال رسول الله وَل﴿ حين أرَدْنا الخروج)) في رواية ابن إسحاق: حتَّى إذا كان
من الغَد، وفي رواية عَمْرو بن الحارث: فأتيناه نُودِّعه حين أردنا الخروج، وفي رواية ابن
لهيعة: فلمَّا ودَّعَنا، وفي حديث حمزة الأسلَمي: فوَلَّيتُ فنادانِ فَرَجَعتُ.
(١) في كتابه ((غوامض الأسماء المبهمة)) ١/ ١٢٠.

٢٧٥
باب ١٤٩ / ح ٣٠١٦
كتاب الجهاد
قوله: ((وإنَّ النار لا يُعذِّبُ بها إِلَّ الله)) هو خبر بمعنى النَّهي، ووقع في رواية ابن لهيعة:
((وإنَّه لا ينبغي)) وفي رواية ابن إسحاق: ((ثمَّ رأيت أنَّه لا ينبغي أن يُعذِّب بالنار إلَّ الله))،
وروى أبو داود (٢٦٧٥) من حديث ابن مسعود رَفَعَه: ((إنَّه لا ينبغي أن يُعذِّب بالنار إلَّا
ربُّ النار)) وفي الحديث قصَّة.
واختَلَفَ السَّلَف في التَّحريق: فكَرِهَ ذلك عمرُ وابن عبّاس وغيرهما مُطلَقاً، سواء كان
ذلك بسبب كفر، أو في حال مُقاتلة، أو كان قِصاصاً، وأجازَه عليّ وخالد بن الوليد
وغيرهما، وسيأتي ما يتعلَّق بالقِصاص قريباً.
وقال المهلَّب: ليس هذا النَّهيُّ على التَّحريم، بل على سبيل التَّواضُع، ويدلّ على جواز
التَّحريق فعلُ الصحابة، وقد سَمَلَ النبيِِّ أعيُن العُرَنِيِّينَ بالحديد المحمَّى، وقد حَرَقَ
أبو بكر البُغاة بالنار بحَضْرة الصحابة، وحَرَّقَ خالد بن الوليد بالنار ناساً من أهل الرِّدَّة،
وأكثر علماء المدينة ◌ُجيزونَ تحريق الحُصون والمراكب على أهلها، قاله الثَّوريّ والأوزاعي.
وقال ابن المنيِر وغيره: لا حُجَّة فيما ذُكِرَ للجواز، لأنَّ قصَّة العُرَنِيِّينَ كانت قِصاصاً أو
منسوخة كما تقدَّم (١). وتجويز الصَّحابي مُعارَض بمَنْع صحابي آخر، وقصَّة الحُصون
والمراكب مُقيَّدة بالضَّرُورة إلى ذلك إذا تَعيَّنَ طريقاً للظَّفَرِ بالعدوّ، ومنهم مَن قَيَّدَه بأن لا
يكون معهم نساء ولا صِبيان كما تقدَّم.
وأمَّا حديث الباب، فظاهر النَّهي فيه التَّحريم، وهو نَسخٌ لأمره المتقدِّم، سواء كان
بوَحيٍ إليه أو باجتهادٍ منه، وهو محمول على مَن قَصَد إلى ذلك في شخص بعينه، وقد
اختُلِفَ في مذهب مالك في أصل المسألة وفي التَّدخين وفي القصاص بالنار.
وفي الحديث جواز الحكم بالشيءٍ اجتهاداً ثمَّ الرُّجُوع عنه، واستحباب ذِكْر الدَّليل عند
الحكم لرفع الإلباس، والاستنابة في الحدود ونحوها، وأنَّ طُولَ الَّمان لا يرفع العقوبةَ عمَّن
يَسْتَحِقّها. وفيه كراهة قتل مِثل البُرغُوث بالنار. / وفيه نسخُ السُّنَّة بالسُّنَّة، وهو اتفاق.
١٥١/٦
(١) عند شرح حديث أنس السالف عند البخاري برقم (٢٣٣).

٢٧٦
باب ١٤٩ / ح ٣٠١٧
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه مشروعية توديع المسافر لأكابر أهل بلده، وتوديع أصحابه له أيضاً.
وفيه جواز نَسْخ الحكم قبل العمل به، أو قبل التَّمَكُّن من العمل به، وهو اتِّفاقٌ إلَّا
عن بعض المعتزلة فيما حكاه أبو بكر بن العربي. وهذه المسألة غير المسألة المشهورة في
الأُصول في وجوب العمل بالناسخ قبل العِلْم به، وقد تقدَّم شيء من ذلك في أوائل
الصلاة في الكلام على حديث الإسراء (٣٤٩). وقد اتَّفَقوا على أنَّهم إن تمكَّنوا من العمل
به، ثَبَتَ حكمه في حقّهم اتِّفاقاً، فإن لم يَتمكَّنوا فالجمهور أنَّه لا يَئبُت، وقيل: يَثبُت في
الذِّمَّة كما لو كان نائماً ولكنّه معذور.
٣٠١٧- حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن أيوبَ، عن عِكْرِمَةَ: أنَّ عليّاً ﴿ حَرَّقَ
قوماً، فبَلَغَ ابنَ عبَّاسٍ فقال: لو كنتُ أنا لم أُحرِّقْهم، لأنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((لا تُعذِّبوا بعذابٍ
الله)) ولَقَتَلتُهم كما قال النبيُّ ◌َّهِ: ((مَن بَدَّلَ دِينَه فاقتُلُوه)).
[طرفه في: ٦٩٢٢]
قوله: ((عن أبوب» صرَّحَ الحميدي (٥٣٣) عن سفيان بتحدیث أيوب له به.
قوله: ((أنَّ عليّاً حَرَّقَ قوماً)) في رواية الْحُميدي المذكورة: أنَّ عليّاً أحرَقَ المرتدِّينَ، يعني:
الَّنادقة، وفي رواية ابن أبي عمر ومحمّد بن عبّاد عند الإسماعيلي جميعاً عن سفيان قال:
رأيت عَمْرو بن دينار وأيوب وعمَّاراً الدُّهْني اجتَمَعوا فتذاكروا الذين حَرَّقَهم عليّ، فقال
أيوب ... فذكر الحديث: فقال عمَّار: لم يُحُرِّقهم، ولكن حَفرَ لهم حَفائر وخَرَّقَ بعضها إلى
بعض ثمَّ دَخَّنَ عليهم، فقال عَمْرو بن دينار: قال الشّاعر:
لِتَرَمِ بيَ المنايا حيثُ شاءَت إذا لم تَرمِ بي في الحُفرتَينِ
إذا ما أجَّجُوا حَطَباً وناراً هناك الموتُ نَقداً غيرَ دَينٍ
وكأنَّ عَمْرو بن دينار أراد بذلك الردّ على عمّار الدُّهْني في إنكاره أصلَ التَّحريق. ثمَّ
وجدتُ في الجزء الثَّالث من حديث أبي طاهر المخلِّص: حدَّثنا لُوَينٌ، حدَّثنا سفيان بن

٢٧٧
باب ١٥٠
كتاب الجهاد
عُيَينَةَ؛ فذكره عن أيوب وحده، ثمَّ أورَدَه عن عَّار وحده، قال ابن عُيَينَةَ: فذكرته لعَمرو
ابن دينار فأنكَرَه وقال: فأينَ قوله: أو قَدتُ ناري ودَعَوت قَنَراً؟ فظَهَرَ بهذا صِحَّة ما كنت
ظننتُه، وسيأتي للمصنّف في استتابة المرتدِّينَ (٦٩٢٢) في آخر الحدود من طريق حمّاد ابن
زيد، عن أيوب، عن عِكْرمة قال: ((أُتي عليّ بزَنادقةٍ فأحرَقَهم))، ولأحمد (٢٥٥١) من هذا
الوجه: أنَّ عليّاً أُتي بقوم من هؤلاءِ الزَّنادقة ومعهم كتبٌ، فأمَرَ بنارٍ فَأَجِّجَت ثمَّ أحرَقَهم
وكُتبَهم، وروى ابن أبي شَيْبة (١٤٢/١٠ و٣٩٢/١٢) من طريق عبد الرَّحمن بن عُبيد عن
أبيه قال: كان ناس يَعْبُدُونَ الأصنام في السِّ ويأخذونَ العطاء، فأَتيَ بهم عليٌّ فَوَضَعَهم في
السِّجن واستشارَ الناس، فقالوا: اقتُلهم، فقال: لا، بل أصنعُ بهم كما صُنِعَ بأبينا إبراهيم،
فحَرَّقَهم بالنار.
قوله: ((لأنَّ النبي ◌َّلِ قال: لا تُعذّبوا بعذاب الله)) هذا أصرحُ في النَّهي من الذي قبله،
وزادَ أحمد (١٨٧١) وأبو داود (٤٣٥١) والنَّسائي (٤٠٦٠) من وجهٍ آخر عن أيوب في
آخره: فَلَغَ ذلك عليّاً فقال: وَيْحَ ابن عبّاس(١)، وسيأتي الكلامُ على قوله: ((مَن بَدَّلَ دينه
فاقتلوه)) في استتابة المرتدِّينَ (٦٩٢٢) إن شاء الله تعالى.
١٥٠ - باب ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ﴾ [محمد: ٤]
فیه حدیثُ ثُمامةَ.
وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿ مَا كَانَ لِنَِّيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَسْرَى حَتَّى يُؤْخِنَ فِ الْأَرْضِ﴾ يعني:
يَغْلِبَ في الأرضِ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ الآية [الأنفال: ٦٧].
قوله: ((باب ﴿فَإِمَّا مَنّ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ﴾ فیہ حدیث ثُمامة» كأنَّه يشير إلى حديث أبي هريرة في
قصَّة إسلام ثُمامة بن أثَال، وستأتي موصولة مُطوَّلة في أواخر كتاب المغازي (٤٣٧٢)،
والمقصود منها هنا قوله فيه: ((إن تَقتُلْ تَقتُّل ذا دم، وإن تُنعِمْ تُنعِم على شاكر، وإن كنت
تريد المال فسَلْ منه ما شئت) فإنَّ النبي ◌َّهِ أَقرَّه على ذلك ولم يُنكِرِ عليه التَّقسيم، ثمَّ مَنَّ
(١) هذه الزيادة ليست عند النسائي.

٢٧٨
باب ١٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
عليه بعد ذلك، فكان في ذلك تقويةٌ لقول الجمهور: إنَّ الأمر في أسرى الكفرة من الرِّجال
إلى الإمام، يفعل ما هو الأحَظُّ للإسلام والمسلمين.
١٥٢/٦
وقال الزُّهْريّ ومجاهد وطائفة: لا يجوز أخذ الفِداء من أسرى الكفّار أصلاً، وعن
الحسن وعطاء: لا تُقْتَل الأُسارى، بل يُتَخَيَر بين المنّ والفِداء، وعن مالك: لا يجوز المنُّ
بغير فِداء، وعن الحنفية: لا يجوز المنّ أصلاً لا يفِداءٍ ولا بغيره، فيُرَدُّ الأسير حربيّاً، قال
الطَّحَاوي: وظاهر الآية حُجَّة للجمهور، وكذا حديث أبي هريرة في قصّة تُمامة، لكن في
قصّة تُمامة ذِكْر القتل.
وقال أبو بكر الرازي: احتَجَّ أصحابنا لكراهة فِداء المشركينَ بالمال بقوله تعالى: ﴿لَوْلَا
كِتَبٌ مِنَ اَللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية [الأنفال: ٦٨]، ولا حُجَّة لهم؛ لأنَّ ذلك كان قبل حِلِّ الغنيمة، فإن
فعلَه بعد إباحة الغنيمة فلا كراهة. انتهى، وهذا هو الصواب، فقد حكى ابن القَيِّم في
(الهَدْي)) اختلافاً: أيّ الأمرَين أرجَح؟ ما أشارَ به أبو بكر من أخذ الفِداء، أو ما أشارَ به
عمر من القتل؟ فَرَجَّحَت طائفة رأيَ عمر لظاهر الآية، ولمَا في القصَّة من حديث عمر
من قول النبي ◌َّهِ: ((أبكي لمَا عُرِضَ على أصحابك من العذاب لأخذِهم الفِدَاء))(١)
ورَجَّحَت طائفة رأي أبي بكر، لأنَّه الذي استَقرَّ عليه الحال حينئذٍ، ولموافَقة رأيِه الكتابَ
الذي سَبَقَ، ولموافَقة حديث: ((سَبَقَت رحمتي غَضَبِي))(٢)، ولحصول الخير العظيم بعدُ من
دخول كثير منهم في الإسلام والصُّحبة، ومَن وُلِدَ لهم مَن كان ومَن تَجدَّد، إلى غير ذلك ممّاً
يُعرَف بالتأمُّل. وحملوا التَّهديدَ بالعذاب على مَن اختارَ الفِداء، فيُحصِّل عَرَض الدُّنيا مُجرَّداً
وعَفَا الله عنهم ذلك.
وحديث عمر المشار إليه في هذه القصَّة أخرجه أحمد (٢٠٨) مُطوَّلاً، وأصله في
((صحيح مسلم)) (١٧٦٣) بالسَّنَد المذكور.
(١) أخرجه مسلم (١٧٦٣) من حديث ابن عباس عن عمر.
(٢) سيأتي برقم (٣١٩٤)، وأخرجه مسلم (٢٧٥١).

٢٧٩
باب ١٥١
كتاب الجهاد
قوله: «وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ, أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِىِ الْأَرْضِ﴾
يعني: يَغْلِبَ في الأرض ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ الآية)) كذا وقع في رواية أبي ذرٍّ وكَرِيمة،
وسقط للباقينَ، وتفسير ((يُثْخِنَ)) بمعنى: يَغْلِب، قاله أبو عُبيدة، وزادَ: ويُبالغ. وعن
مجاهد: الإثخانُ القتل، وقيل: المبالَغة فيه، وقيل: معناه: حتّى يتمگَّن في الأرض. وأصل
الإثخان في اللُّغة: الشِّدَّة والقُوَّة.
وأشارَ المصنِّف بهذه الآية إلى قول مجاهد وغيره ممَّن مَنَعَ أخذَ الفِداء من أُسارى
الكفَّار، وحُجَّتهم منها أنَّه تعالى أنكَرَ إطلاق أسرى كفَّار بدرٍ على مال، فدَلَّ على عَدَم
جواز ذلك بعدُ، واحتَجّوا بقوله تعالى: ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]
قال: فلا يُستَثنى من ذلك إلَّا مَن يجوز أخذُ الجِزْية منه، وقال الضَّحّاك: بل قوله تعالى:
﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ ناسخٌ لقوله تعالى: ﴿فَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُوهُمْ﴾، وقال أبو
عُبيد: لا نسخَ في شيء من هذه الآيات، بل هي مُحكَمة، وذلك أنَّه وَلِّ عمل بما دَلَّت عليه
كلَّها في جميع أحكامه: فقتل بعض الكفَّار يوم بدر، وفَدَى بعضاً، ومَنَّ على بعض، وكذا
قتل بني قُرَيظة، ومَنَّ على بني المصطَلِقِ، وقتل ابن خَطَلِ وغيره بمكَّة ومَنَّ على سائرهم،
وسَبَى هَوَازنَ ومَنَّ عليهم، ومَنَّ على ثُمامة بن أُثال، فدَلَّ كلّ ذلك على ترجيح قول
الجمهور: إنَّ ذلك راجعٌ إلى رأي الإمام. ومُحصَّل أحوالهم تخيير الإمام بعد الأشر بين
ضرب الجِزْية لمن شُرِعَ أخذها منه، أو القتل أو الاسترقاق أو المنّ بلا عِوَض أو بعِوَض،
هذا في الرِّجال، وأمَّ النِّساء والصِّبيان فيُرَقُّونَ بنفسِ الأَسر، ويجوز المفاداة بالأسيرة
الكافرة بأسير مسلم أو مسلمة عند الكفَّار، ولو أسلَمَ الأسيرُ زال القتلُ اتَّفاقاً، وهل يصير
رقيقاً أو تبقى بقيّة الخِصال؟ قولان للعلماء.
١٥١ - باب هل للأسير أن يقتل أو يخدع الذين أسروه
حتّى ينجوَ من الكَفَرة؟
فيه المِسوَرُ عن النبيِّ ێ.

٢٨٠
باب ١٥٢ / ح ٣٠١٨
فتح الباري بشرح البخاري
١٥٣/٦
قوله: («باب هل للأسيرِ أن يَقْتُل أو تخْدَع الذين أسَرُوه حتَّى يَنْجُوَ من الكَفَرة؟ فيه المِسوَر
عن النبي (وَّ) يشير بذلك إلى قصَّة أبي بَصِير، وقد تقدَّم بسطها في أواخر الشُّروط (٢٧٣١
و٢٧٣٢)، وهي ظاهرةٌ فيما ترجم له، وهي من مسائل الخلاف أيضاً، ولهذا لم يَبْتَّ(١)
الحكم فيها، قال الجمهور: إن ائتَمَنُوه يَفِ لهم بالعَهْد، حتَّى قال مالك: لا يجوز أن يَهرُب
منهم، وخالَفَه أشهَبُ فقال: لو خرج به الكافر ليفاديَ به فله أن يَقتُله. وقال أبو حنيفة
والطَّبَري: إعطاؤُه العَهْدَ على ذلك باطل، ويجوز له أن لا يَفيَ لهم به. وقال الشّافعية:
يجوز أن يَهُرُب من أيديهم، ولا يجوز أن يأخذَ من أموالهم. قالوا: وإن لم يكن بينهم عهد،
جازَ له أن يَتَخلَّص منهم بكلِّ طريق، ولو بالقتل وأخذ المال وتحريق الدَّار وغير ذلك،
وليس في قصَّة أبي بَصِير تصريح بأنَّه كان بينه وبين مَن تَسَلَّمَه ليرُدَّه إلى المشركينَ عهدٌ،
ولهذا تَعَرَّضَ للقتل، فقتل أحدَ الرجلَين وانفَلَتَ الآخر، ولم يُنكِرِ عليه النبيِ وَل ◌ِ كما تقدَّم
مُستَوفَی.
١٥٢ - باب إذا حرّق المشركُ المسلمَ هل يُحرَّق؟
٣٠١٨- حدَّثْنا مُعَلَّى، حدَّثْنَا وُهَيبٌ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ
رَهْطاً من عُكْلٍ ثمانيةً قَدِموا على النبيِّ نَّهِ فَاجَتَوَوُا المدينةَ، فقالوا: يا رسولَ الله، أَبِغِنا رِسْلاً،
قال: ((ما أجِدُ لكم إلا أن تَلْحَقوا بالذَّوْدِ»، فانطَلَقوا فشَرِبوا من أبوالها وألبانِها حتَّى صَخُّوا
وسَمِنُوا، وقتلوا الرّاعيَ واستاقُوا الذَّوْدَ، وكفروا بعدَ إسلامهم، فأتى الصَّرِيخُ النبيَّ ◌َِّ،
فِبَعَثَ الطَّلَبَ، فما تَرَجَّلَ النَّهارُ حتَّى أَتيَ بهم فقطعَ أيدِيَهم وأرجلَهم، ثُمّ أمَرَ بمَسامِيرَ فَأُحْمِيَت
فَكَحَلَهم بها، وطَرَحَهم بالحَرَّةِ يَسْتَسِقُونَ فما يُسقَوْنَ حتَّى ماتُوا.
قال أبو قِلابةَ: قتلوا وسَرَقوا وحارَبوا اللهَ ورسولَه ◌َّهِ وسَعَوْا في الأرضِ فساداً.
قوله: ((باب إذا حَرَّقَ المشركُ المسلمَ هل يُحرَّق؟)) أي: جَزاءً بفعلِه. هذه التَّرجمة تَلِيق أن
تُذكَر قبل بابين، فلعلَّ تأخيرها من تصرُّف النَّقَلة، ويُؤيِّد ذلك أنَّهما سَقَطا جميعاً للنَّسَفي،
(١) هكذا في (س)، وفي (أ) و(ع): يُثبت.