النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ باب ١١١ / ح ٢٩٦٤ كتاب الجهاد لقول ابن مسعود: ((وإذا شكَّ في نفسه شيء سأل رجلاً فشَفَاه منه))، أي: من تقوى الله أن لا يُقدِمَ المرء على ما يَشُكّ فيه حتَّى يسأل مَن عنده علمٌ فيدُلّه على ما فيه شِفاؤُه. وقوله: ((شكَّ في نفسه شيء)) من المقلوب، إذ التقدير: وإذا شكَّ نفسُه في شيء، أو ضمّنَ ((شكَّ)) معنى: لَصِقَ، والمراد بالشيءِ ما يَتَرَدَّد في جوازه وعَدَمه. وقوله: ((حتَّى يَفْعَلَه)) غاية لقوله: ((لا يَعزِم)) أو للعَزم الذي يتعلَّق به المستثنى وهو: مرَّة. / والحاصل أنَّ الرجل سأل ابنَ مسعود عن حكم طاعة الأمير، فأجابه ابنُ مسعود ١٢٠/٦ بالوجوب بشرطِ أن يكون المأمورُ به موافقاً لتقوى الله تعالى. قوله: ((ما غَبَرَ)) بِمُعجَمةٍ وموخَّدة مفتوحتين، أي: مَضَى، وهو من الأضداد، يُطلَق على ما مضى وعلى ما بقيَ، وهو هنا محتمِلٌ للأمرَين. قال ابن الجَوْزيّ: هو بالماضي هنا أشبَهُ کقوله: «ما أذكُر)». والثَّغْب: بمُثلَّثة مفتوحة ومُعجَمة ساكنة ويجوز فتحها، قال القَزّاز: وهو أكثر، وهو الغَدِير يكون في ظِلّ فيَبرُد ماؤُه ويَرُوق، وقيل: هو ما يَحَتَفِرِهِ السَّيل في الأرض المنخَّفِضة فيصير مِثلَ الأُخدُود، فيبقى الماءُ فيه فَتَصِفِقُه الرّيح فيصير صافياً بارداً، وقيل: هو نُقْرة في صخرة يَبقى فيها الماء كذلك، فشَبَّهَ ما مضى من الدُّنيا بما شُرِبَ من صَفْوه، وما بقي منها بما تأخّرَ من كَدَره. وإذا كان هذا في زمان ابن مسعود، وقد مات هو قبل مَقتَل عثمان ووجود تلك الفتن العظيمة، فماذا يكون اعتقادُه فيما جاء بعد ذلك وهَلُمَّ جَرّاً؟! وفي الحديث أنَّهم كانوا يعتقدونَ وجوب طاعة الإمام، وأمَّا تَوقّف ابن مسعود عن خصوص جوابه وعُدُوله إلى الجواب العامّ، فللإشكال الذي وقع له من ذلك، وقد أشارَ إليه في بقيَّة حديثه، ويُستَفاد منه التَّوقُّفُ في الإفتاء فيما أَشكَل من الأمر، كما لو أنَّ بعض الأجناد استَقتى أنَّ السُّلطان عَيَّنه في أمر مَخُوف بمُجرَّد التَّشَهّي، وكَلَّفَه من ذلك ما لا يُطِيق، فمَن أجابه بوجوب طاعة الإمام أشكَلَ الأمرُ لمَا وقع من الفساد، وإن أجابه بجواز الامتناع أشكَلَ الأمر لمَا قد يُفْضي به ذلك إلى الفتنة، فالصواب التَّوقُّف عن الجواب في ذلك وأمثاله، والله الهادي إلى الصواب. ٢٢٢ باب ١١٢ / ح ٢٩٦٥ - ٢٩٦٦ فتح الباري بشرح البخاري ١١٢ - بابٌ كان النبيّ وَ له إذا لم يقاتل أول النهار أخّر القتال حتَّى تزول الشمس ٢٩٦٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا معاويةُ بنُ عَمرو، حذَّثنا أبو إسحاقَ - هو الفزاري - عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن سالمٍ أبي النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ الله - وكان كاتباً له۔ قال: كَتَبَ إليه عبدُ الله بنُ أبي أَوفَى رضي الله عنهما فقرأتُه: إنَّ رسولَ الله وَاه في بعضٍ أيامِه التي لَقِيَ فيها انْتَظَرَ حتَّى مالَتِ الشمسُ. ٢٩٦٦ - ثمَّ قامَ في الناسِ خطيباً قال: ((أيّها الناسُ، لا تَتَمنَّوْا لقاءَ العدوِّ، وسَلُوا اللهَ العافيةَ، فإذا لَقِيتُمُوهم فاصبِرُوا، واعلموا أنَّ الجنَّةَ تحتَ ظِلَال السُّيوف)) ثمَّ قال: ((اللهمَّ مُنزِلَ الكتاب، ومُجرِيَ السَّحاب، وهازمَ الأحزاب، اهزِمْهم وانصُرْنا عليهم)). قوله: ((باب كان النبي ◌َّه إذا لم يقاتل أوَّلَ النَّهار أخَّرَ القتال حتَّى تَزُول الشمس)) أي: لأنَّ الرّياحِ تَهُبُّ غالباً بعد الَّوال فيَحصُل بها تبريدُ حِدَّة السّلاح والحرب، وزيادةٌ في النَّشاط. أورد فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى بمعنى ما تَرجَم به، لكن ليس فيه: ((إذا لم يقاتل أوَّل النَّهار)) وكأنَّه أشارَ بذلك إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، فعند أحمد (١٩١٤١) من وجه آخر عن موسى بن عُقْبة بهذا الإسناد: أنَّه كان ◌َ يُحِبّ أن يَنْهَضَ إلى عدوّه عند زَوَال الشمس، ولسعيد بن منصور (٢٥١٨) من وجه آخر عن ابن أبي أوفى: كان رسول الله وَلهم يُمهِل إذا زالَت الشمس ثمَّ يَنهَض إلى عدوّه، وللمصنّف في الجِزْية (٣١٦٠) من حديث التُّعمان بن مُقرِّن: ((كان إذا لم يقاتل أوَّل النَّهار انتَظَرَ حتَّى تَهُبّ الأرواح وتَحَضُر الصَّلَوات، وأخرجه أحمد (٢٣٧٤٤) وأبو داود (٢٦٥٥) والتِّرمِذي (١٦١٣) وابن حِبّان ١٢١/٦ (٤٧٥٧) من وجه آخر وصَحَّحاه، وفي روايتهم: / («حتَّى تَزُولَ الشمس، وتَهُبّ الأرواح، ويَنْزِل النَّصر))، فيَظهَرُ أنَّ فائدة التأخير لكَونِ أوقات الصلاة مَظِنَّة إجابة الدُّعاء، وهُبُوب الرّيح قد وقع النَّصرُ به في الأحزاب، فصار مَظِنَّةً لذلك، والله أعلم. وقد أخرج التِّرمِذي (١٦١٢) حديث النُّعمان بن مُقرِن من وجه آخر عنه، لكن فيه انقطاع، ولفظه يوافق ما قلتُه، قال: غَزَوتُ مع النبي ◌ََّ، فكان إذا طَلَعَ الفجر أمسَكَ ٢٢٣ باب ١١٣ / ح ٢٩٦٧ كتاب الجهاد حتَّى تَطلُع الشمس، فإذا طَلَعَت قاتَلَ، فإذا انتَصَفَ النَّهارِ أمسَكَ حتَّى تَزُول الشمس، فإذا زالَتِ الشمس قاتلَ، فإذا دَخَلَ وقتُ العصر أمسَكَ حتَّى يُصلَّها ثمَّ يقاتل، وكان يقال: عند ذلك تَبِيج رياح النَّصر، ويَدعُو المؤمنونَ جیوشِھم في صلاتهم. تنبيه: وقع في رواية الإسماعيلي من هذا الوجه زيادة في الدُّعاء، وسيأتي التَّنبيه عليها في (باب لا تَتمنَّوْا لقاء العدوّ)) (٣٠٢٥) مع بقيَّة الكلام على شرحه إن شاء الله تعالی. ١١٣ - باب استئذان الرجل الإمام لقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ, عَلَى أَمٍْ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَّ يَسْتَعْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَذِنُونَكَ﴾ إلى آخرِ الآية [النور: ٦٢]. ٢٩٦٧- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا جَرِيرٌ، عن المغيرةِ، عن الشَّعْبيِّ، عن جابر ابنِ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: غَزَوتُ مع رسولِ الله وَ ◌ّه قال: فَتَلاحَقَ بِيَ النبيُّ وَلِيمٍ وأنا على ناضحٍ لنا قد أَعْيا فلا يكادُ يَسِيرُ، فقال لي: ((ما لِبَعيِرِكَ؟)) قال: قلتُ: أعْيا، قال: فتَخلَّفَ رسولُ الله ﴿ فَزَجَرَه ودَعَا له، فما زالَ بينَ يَدَيِ الإبلِ قُدّامَها يَسِيرُ، فقال لي: «كيفَ تَرَى بعيرَكَ؟)) قال: قلتُ: بخيرٍ، قد أصابتْه بَرَكَتُكَ، قال: ((أفتَبِيعُنيهِ؟)) قال: فاستَحْيَيتُ - ولم يكن لنا ناضحٌ غيرُه - قال: فقلتُ: نعم، قال: ((فِعْنِيهِ»، فِعْتُه إيّاه على أنَّ لِي فَقَارَ ظَهْره حتَّى أبلُغَ المدينةَ، قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّ عَرُوسُ، فاستَأْذَنْتُه فأذِنَ لي، فتقدَّمْتُ الناسَ إلى المدينة، حتى أتيتُ المدينةَ، فَلَقِيَني خالي فسألني عن البعيرِ فأخبَرَتُه بما صَنَعْتُ به فلامَني. قال: وقد كان رسولُ الله وَلّه قال لي حين اسْتَأْذَنْتُهُ: ((هل تَزَوَّجْتَ بِكْراً أم ثَبِّباً؟» فقلتُ: تَزَوَّجْتُ ثِيِّاً، فقال: ((فَهَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْراً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ؟» قلتُ: يا رسولَ الله، تُوقِّيَ والدي - أو اسْتُشْهِدَ - ولي أخَواتٌ صِغارٌ، فَكَرِهْتُ أن أَنْزَوَّجَ مِثْلَهنَّ فلا تُؤدِّبُهنَّ ولا تقومُ عليهنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثِيّاً لتقومَ عليهنَّ وتُؤدِّبَهنَّ، قال: فلمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ وَِّ المدينةَ غَدَوْتُ عليه بالبعيرِ، فأعطاني ثَمَنَه ورَدَّه عليّ. قال المغيرةُ: هذا في قَضائِنا حسنٌ لا نَرَى به بأساً. ٢٢٤ باب ١١٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب استِئْذان الرجل)) أي: من الرَّعية ((الإمامَ)) أي: في الرُّجُوع أو التخلُّف عن الخروج، أو نحو ذلك. قوله: (﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ, عَى أَمٍْ جَاِعِ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَّ يَسْتَذِئُوهُ﴾)) قال ابن التِّين: هذه الآية احتَجَّ بها الحسن على أنَّه ليس لأحد أن يذهب من العسكر حتَّى يستأذنَ الأمير، وهذا عند سائر الفقهاء كان خاصّاً بالنبي ◌َّ. كذا قال، والذي يَظهَر أنَّ الْخَصُوصيّة في عموم وجوب الاستئذان، وإلّا فلو كان ممَّن عَيَّنَه الإمام فطَرأَ له ما يقتضي التخلَّفَ أو الرُّجُوع، فإنَّه يحتاج إلى الاستئذان. ١٢٢/٦ ثم أورد فيه حديث جابر في قصَّة جمله، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الشُّروط (٢٧١٨)، والغرضُ منه هنا قوله: ((إنّ عَرُوس فاستأذَنْتُه فأذِنَ لي))، وسيأتي الكلام على ما يَتعلَّق بتزويجِه في النِّكاح (٥٢٤٥). تنبيه: قوله في آخر هذا الحديث: ((قال المغيرة: هذا في قَضائنا حسنٌ لا نرى به بأساً» هذا موصول بالإسناد المذكور إلى المغيرة: وهو ابن مِقسَم الضَّبّي أحد فقهاء الكوفة، ومُرادُه بذلك ما وقع من جابر من اشتراط رُكُوب جمله إلى المدينة. وأغرَبَ الدَّاوودي فقال: مرادُه جوازُ زيادة الغريم على حقّه، وأنَّ ذلك ليس خاصّاً بالنبي ◌َّةِ. وقد تَعقَّبَه ابنُ التِّين بأنَّ هذه الزِّيادة لم تَرِدْ في هذه الطَّريق هنا، وهو كما قال. ١١٤ - باب مَن غزا وهو حديث عهدٍ بعِرْسه فيه جابرٌ عن النبيّ ◌َتلاقو. قوله: ((باب مَن غَزَا وهو حديث عَهْد بعِرْسه)) بكسر العين، أي: بزوجتِهِ، وبضمِّها، أي: بزمانِ عُرسه، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بعُرسٍ)) وهو يُؤْيِّد الاحتمال الثَّاني. قوله: ((فيه جابر عن النبي (وَّ)) يشير إلى حديثه المذكور في الباب قبله، وأنَّ ذلك في بعض طرقه، وسيأتي في أوائل النِّكاح (٥٠٧٩) من طريق سيّار عن الشَّعْبي بلفظ: فقال: ((ما يُعجِلُك؟)) قلت: كنت حديث عَهد بعُرسٍ ... الحديث. ٢٢٥ باب ١١٥-١١٦ / ح ٢٩٦٨ كتاب الجهاد ١١٥ - باب من اختار الغزو بعد البناء فيه أبو هريرة عن النبيّ ؛ قوله: ((باب مَن اختارَ الغَزْو بعد البناء. فيه أبو هريرة عن النبي ◌ِّ) يشير إلى حديثه الآتي في الخُمس (٣١٢٤) من طريق همَّام عنه فقال: ((غَزَا نبي من الأنبياء، فقال: لا يَتَبَعُني رجل مَلَكَ بُضْع امرأة ولمَّا يَيْنِ بها)) الحديث، وسيأتي شرحه هناك، وترجم عليه في النِّكاح (٥١٥٧): ((مَن أَحَبَّ البناء بعد الغزو)) وساقَ الحديث. والغَرَضُ هنا من ذلك أنَّ يَتَفَرَّغ قلبه للجهاد ويُقبِل عليه بنشاط، لأنَّ الذي يَعقِد عَقْده على امرأة يَبقى مُتعلِّق الخاطر بها، بخلاف ما إذا دَخَلَ بها، فإنَّه يصير الأمرُ في حقّه أخَفَّ غالباً، ونَظِيره الاشتغال بالأكل قبل الصلاة. تنبيهان: أحدهما: أو رَدَ الدَّاوودي هذه التَّرجمة مُرَّفةً، ثمَّ اعتَرَضَها، وذلك أنَّه وقع عنده: ((باب مَن اختارَ الغَزْو قبل البناء))، فاعتَرَضَه بأنَّ الحديث فيه أنَّه اختارَ البناءَ قبل الغزو. قلت: وعلى تقدير صِحَّة ما وقع عند الدَّاووديُ فلا يَلزَمُه الاعتراض، لأنَّه أورَدَ التَّرجمة مَورِدَ الاستفهام، فكأنَّه قال: ما حكم مَن اختارَ الغَزْو قبل البناء، هل يُمنَع كما دلَّ عليه الحديث، أو يَسُوغ؟ ويُحمَل الحديث على الأَولَويّة. ثانيهما: قال الكِرْماني: كأنَّه اكتَفى بالإشارة إلى هذا الحديث، لأنَّه لم يكن على شرطه. قلت: ولم يَستَحِضِرْ أنَّه أورَدَه موصولاً في مكان آخر كما سيأتي قريباً، والجواب الصحيح أنَّه جَرَى على عادتِه الغالبة في أنَّه لا يعيدُ الحديث الواحد إذا اتّحَدَ مَخَرَجُه في مكانين بصُورَتِه غالباً، بل يتصرّف فيه بالاختصار ونحوه في أحد الموضعين. ١١٦ - باب مبادرة الإمام عند الفَزَع ٢٩٦٨ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، حدَّثني قَتَادةُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، قال: كان بالمدينةِ فَزٌَ، فَرَكِبَ رسولُ اله ◌َِّ فرساً لأبي طَلْحةَ، فقال: ((ما رأَيْنا من شيءٍ، وإن وَجَدْناه لَبَحْراً». ٢٢٦ باب ١١٧-١١٨ / ح ٢٩٦٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب مُبادَرة الإمام عند الفَزَع)» ذكر فيه حديث أنس في رُكُوب النبي ◌َِّ فِرسَ أبي طلحة، وقد تقدَّم الكلام عليه في الهِبة (٢٦٢٧)، ومضى مِراراً منها في ((باب الشَّجاعة في الحرب)» (٢٨٢٠). ١٢٣/٦ ١١٧ - باب السرعة والرَّكض في الفزع ٢٩٦٩- حدَّثنا الفَضْلُ بنُ سَهْلٍ، حدَّثنا حسينُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازمِ، عن محمَّدٍ، عن أنسٍ بنِ مالكِ ﴾ قال: فَزِعَ الناسُ فَرَكِبَ رسولُ الله ◌َّهِ فرساً لأبي طَلْحةَ بَطِيْئاً، ثمَّ خَرَجَ يَرْكُضُ وحدَه، فَرَكِبَ الناسُ يَرْكُضونَ خَلْفَه فقال: ((لم تُراعُوا، إِنَّه لَبَحْرٌ)) فما سُبِقَ بعدَ ذلك اليومِ. قوله: ((باب السُّرْعة والرَّكْض في الفَزَع)) ذكر فيه حديث أنس المذكور من وجه آخر، وقد تقدَّم، ومحمّد المذكور في إسناده: هو ابن سِيرِينَ. ١١٨ - باب الخروج في الفزع وَحْدَه قوله: («باب الخروج في الفَزَع وَحْده)» كذا ثبتت هذه التَّرجمة بغير حديث، وكأنَّه أراد أن يَكتُب فيه حديثَ أنس المذكور من وجه آخر فاختُرِمَ قبل ذلك. قال الكِرْماني: ويحتمل أن یکون اکتفی بالإشارة إلى الحدیث الذي قبله. کذا قال، وفیه بُعْد. وقد ضمَّ أبو عليّ بن شَبّويه هذه التَّرجمة إلى التي بعدها فقال: ((باب الخروج في الفَزَع وحده، والجَعائل ... )) إلى آخره، وليس في أحاديث باب الجعائل مُناسَبة لذلك أيضاً، إلَّا أنَّه يُمكِن حَملُه على ما قلتُ أوَّلاً. قال ابن بَطَّال: جُملة ما في هذه التَّراجم أنَّ الإمام ينبغي له أن يَشُعَّ بنفسِه، لمَا في ذلك من النَّظَر للمسلمين، إلَّا أن يكون من أهل الغَنَاء الشَّديد والثَّبات البالغ، فيحتمل أن يَسُوغ له ذلك، وكان في النبي ◌َِّ من ذلك ما ليس في غيره، ولا سيّما مع ما عَلِمَ أنَّ الله يَعصِمُه وينصُره. ٢٢٧ باب ١١٩ كتاب الجهاد ١١٩ - باب الجعائل والحُمْلان في السَّبيل وقال مجاهدٌ: قلتُ لابنِ عمرَ: الغَزْوَ، قال: إنّ أُحِبُّ أن أُعِينَكَ بطائفةٍ من مالٍ، قلتُ: أوسَعَ اللهُ عليَّ، قال: إنَّ غِناكَ لكَ، وإنّي أُحِبُّ أن يكونَ من مالي في هذا الوَجْه. وقال عمرُ: إنَّ ناساً يأخذونَ من هذا المال ليُجاهِدُوا، ثمَّ لا يُجاهِدونَ، فمَن فعله فنحنُ أحقُّ بماله حتَّى نأخُذَ منه ما أخَذَ. وقال طاووسٌ ومجاهدٌ: إذا دُفِعَ إليكَ شيءٌ تَخْرُجُ به في سبيلِ الله، فاصنَعْ به ما شِئتَ وضَعْه عندَ أهلِكَ قوله: ((باب الجعائل والحُمْلان في السَّبيل)) الجعائل بالجيم: جمع جَعِيلة، وهي ما يجعله القاعدُ من الأُجرة لمن يَغْزُو عنه، والحُمْلان، بضمِّ المهمَلة وسكون الميم: مصدر كالحَمْل، تقول: حَمَلَ حَمْلاً وحُمْلاناً. قال ابن بَطَّال: إن أخرج الرجلُ من ماله شيئاً فَتَطَوَّعَ به، أو أعانَ الغازي على غَزوه بفرس ونحوها، فلا نزاعَ فيه، وإنَّما اختَلَفوا فيما إذا أجَّرَ نفسه أو فرسه في الغَزو، فَرِهَ ذلك مالك وكَرِهَ أن يأخذَ جُعْلاً على أن يَتقدَّم إلى الحصن، وكَرِه أصحاب أبي حنيفة الجعائل إلَّا إن كان بالمسلمين ضَعف وليس في بيت المال شيء، وقالوا: إن أعانَ بعضهم بعضاً جازَ، لا على وجه البَدَل. وقال الشّافعي: لا يجوز أن يَغْزُوَ بجُعلِ يأخذه، وإنَّما يجوز من السُّلطان دون غيره، لأنَّ الجهاد فرضُ كفاية، فمَن فعلَه وقع عن الفَرْض، ولا يجوز أن يَسْتَحِقّ على غيره عِوَضاً. انتهى، ويُؤيِّده ما رواه عبد الرزّاق (٩٤٥٩) من طريق ابن سِيرِينَ عن ابن عمر قال: يُمتِّع القاعدُ الغازيَ بما شاءَ، فأمَّا أنَّه يبيع غَزْوه فلا، ومِن وجه آخر عن ابن سِيرِین: سُئِلَ ابن عمر عن الجَعَائل، فكَرِهَه وقال: أرى الغازي يبيع غَزْوه، والجاعل يَفِرّ من غَزوه. والذي يَظهَر أنَّ البخاري أشارَ إلى الخلاف فيما يأخذُه الغازي: هل يَستَحِقّه بسبب الغَزْو فلا یتجاوزه إلی غیره، أو یَملِکە فیتصرَّف فیه بما شاءَ کما سيأتي بیان ذلك. ٢٢٨ باب ١١٩ / ح ٢٩٧٠ - ٢٩٧٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال مجاهد: قلت لابن عُمَر: الغَزْوَ)) هو بالنَّصب على الإغراء، والتقدير: عليك الغزو، أو على حذف فعل، أي: أُريد الغزوَ، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أَتغزُو؟)) بالاستفهام. وهذا الأثر وَصَلَه في المغازي في غزوة الفتح (٤٣٠٩) بمعناه، وسيأتي بيانه هناك، ونبّه به على مُراد ابن عمر بالأثرِ الذي رواه عنه ابن سِيرِينَ، وأَنَّه لا يُكرَه إعانة الغازي. قوله: ((وقال عُمَر ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٢ / ٢٩٢) من طريق أبي إسحاق سليمان الشَّيباني عن عَمْرو بن أبي قُرّة قال: جاءنا كتاب عمر بن الخطّاب: إنَّ ناساً، فذَكَر مثله، قال أبو إسحاق: فقمتُ إلى أُسَير بن عَمْرو فحدَّثته بما قال، فقال: صَدَقَ، جاءنا كتاب عمر بذلك. وأخرجه البخاري في ((تاريخه)) (٣٦٤/٦-٣٦٥) من هذا الوجه، وهو إسناد صحيح. قوله: ((وقال طاووسُ ومجاهد ... )) إلى آخره، وصله ابن أبي شَيْبة بمعناه عنهما (١). ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: ٢٩٧٠ - حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ مالكَ بنَ أنسٍ سأل زيدَ بنَ أسلَمَ، فقال زيدٌ: سمعتُ أَبي يقول: قال عمرُ بنُ الخطَّب ـ: حَلتُ على فرسٍ في سبيلِ الله فرأيتُه يُباعُ، فسألتُ النبيَّ وَّ: اشْتَرِيه؟ فقال: ((لا تَشْتَرِهِ، ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ)). ٢٩٧١ - حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّاب ◌َلَ على فرسٍ في سبيلِ الله فَوَجَدَه يُباعُ، فأرادَ أن يَبْتَاعَه، فسأل رسولَ اللهِ لّه فقال: ((لا تَبْتَعْه، ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ». ١٢٤/٦ ٢٩٧٢- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يحيى بن سعيد الأنصاريِّ، قال: حدثني أبو صالحٍ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ ﴾ قال: قال رسولُ اللهِوَله: «لولا أن أشُقَّ على أمَّتي ما تَخَلَّفْتُ عن سَرِيَّةٍ، ولكنْ لا أجِدُ حَمُولةً، ولا أجِدُ ما أحِلُهم عليه، ويَشُقُّ عليَّ أن يَتَخلَّفوا عَنِّي، ولَوَدِدْتُ أنّي قاتَلْتُ في سبيلِ الله فقُتِلْتُ ثمَّ أُحْيِيتُ، ثمَّ قُتِلْتُ ثمَّ أُحْبِيتُ)). (١) هو في مصنف ابن أبي شَيْبة)) ١٢ / ٤٨٦، لكن عن مجاهد وعطاء، وليس عن طاووس. ٢٢٩ باب ١٢٠ / ح ٢٩٧٣ كتاب الجهاد أحدها: حديث عمر في قصَّة الفرس الذي حَمَلَ عليه فَوَجَدَه يُباع، الحديث، وقد تقدَّم شرحه في الهبة (٢٦٢٣). ثانيها: حديث ابن عمر في هذه القصَّة نفسها، وقد تقدَّم أيضاً (١٤٨٩). ثالثها: حديث أبي هريرة في التَّحريض على الغَزو، وقد تقدَّم في أوَّل الجهاد (٢٧٩٧). ووجه دخول قصَّة فرس عمر من جِهَة أنَّ النبيِ نَّهِ أَقرَّ المحمولَ عليه على التصرُّف فيه بالبيع وغيره، فدَلَّ على تقوية ما ذهب إليه طاووسٌ من أنَّ للآخِذِ التصرُّفَ في المأخوذ، وقال ابن المنيِّر: كلُّ مَن أخَذَ مالاً من بيت المال على عمل، إذا أهمَل العمل يَرُدّ ما أخَذَ، وكذا الأخذ على عمل لا يَتأهَّل له، ويُحتاج إلى تأويل ما ذهب إليه عمرُ في الأمر المذكور بأن يُحمَل على الكراهة، وقد قال سعيد بن المسيّب: مَن أعانَ بشيءٍ في الغَزْو فإنَّه للَّذي يُعطاه إذا بَلَغَ رأس المغزَى، / أخرجه ابن أبي شَيْبة (٤٨٥/١٢) وغيره، وروى مالك في ((الموطَّ)) ١٢٥/٦ (٢/ ٤٤٩) عن ابن عمر: إذا بلغتَ وادي القُرى فشأنُك به؛ أي: تَصرَّفْ فيه، وهو قول اللَّيث والنَّوْري. ووجه دخول حديث أبي هريرة أنَّه مُتعلِّق بالزُّكنِ الثَّاني من التَّرجمة: وهو الحُمْلانُ في سبيل الله، لقوله أوَّلاً: ((ولا أجِدُ ما أحِلُهم عليه)). ١٢٠ - باب الأجیر وقال الحسنُ وابنُ سِيرِينَ: يُقْسَمُ للأجِيرِ مِن المغْتَم. وأخَذَ عَطِيَّةُ بنُ قيسٍ فرساً على النِّصْفِ، فبَلَغَ سَهْمُ الفرسِ أربعَ مئةِ دينارٍ، فَأَخَذَ مئتَين وأعطَی صاحبه مئتين. ٢٩٧٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا ابنُ جُرَيج، عن عطاءٍ، عن صَفْوانَ ابنِ يَعْلَى، عن أبيه ﴾ قال: غَزَوْتُ مع رسولِ الله ◌ِّهِ غَزْوَةَ تَبُوكَ فحَمَلتُ على بَكْرٍ، فهو أوثَقُ أعمالي في نفسي، فاستأجَرتُ أَجِيراً فقاتَلَ رجلاً، فعَضَّ أحدُهما الآخرَ، فانتَزَعَ يدَه من فيهِ ونَزَعَ ثَنِيَّتَهِ، فَأَتَّى النبيَّ ◌ََّ فأهدَرَها فقال: ((أُيَدْفَعُ بِدَه إليكَ فتَقْضَمُها كما يَقْضَمُ الفَحْلُ؟». ٢٣٠ باب ١٢٠ / ح ٢٩٧٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب الأجير)) للأجير في الغَزْو حالان: إمَّا أن يكون استُؤْجِرَ للخِدْمة، أو استُؤْجِرَ ليقاتل، فالأوَّل قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: لا يُسهَم له، وقال الأكثر: يُسهَم له لحديث سَلَمة: كنت أجيراً لطلحةَ أسُوسُ فرسه، أخرجه مسلم (١٨٠٧)، وفيه: أنَّ النبيِ وَلِّ أَسهَمَ له، وقال الثَّوْري: لا يُسهم للأجير إلَّ إن قاتَلَ، وأمَّا الأجير إذا استُؤْجِرَ ليقاتل فقال المالكية والحنفية: لا يُسهَم له، وقال الأكثر: له سهمُه. وقال أحمد: لواستأجَرَ الإمام قوماً على الغَزْو لم يُسهم لهم سوى الأُجرة، وقال الشّافعي: هذا فيمَن لم يَجِبْ عليه الجهاد، أمَّا الْحُرّ البالغ المسلم إذا حَضَرَ الصَّفَّ فإنَّه يَتَعيَّن عليه الجهاد، فيُسهَم له ولا يَسْتَحِقُّ أُجرةً. قوله: ((وقال الحسن وابن سِيرِينَ: يُقسَم للأجيرِ من المغْتَم)) وَصَلَه عبد الرزَّاق (٩٤٥٦) عنهما بلفظ: ((يُسهَم للأجير))(١)، ووَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٤٠٧/١٢) عنهما بلفظ: العبد والأجير إذا شَهِدا القتالَ أُعطُوا من الغنيمة. قوله: ((وأخَذَ عَطيّة بن قيس فرساً على النِّصْف ... )) إلى آخره، وهذا الصَّنیع جائز عند مَن يُجيز المخابرة، وقال بصِخَّتِه هنا الأوزاعي وأحمد خلافاً للثلاثة. وقد تقدَّمت مباحث المخابرة في كتاب المزارعة. ثم ذكر المصنف حديث صفوان بن يعلى عن أبيه - وهو يعلى بن أُميَّة - قال: غَزَوتُ مع رسول الله وَّر غزوة تَبُوك ... الحديث، وسيأتي شرحُه في القصاص (٦٨٩٣)، والغَرَض منه قوله: فاستأجَرت أجيراً. قال المهلَّبُ: استَنَبَطَ البخاري من هذا الحديث جوازَ استئجار الحُرّ في الجهاد، وقد خاطَبَ الله المؤمنينَ بقوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، فدَخَلَ الأجيرُ في هذا الخِطاب. قلت: وقد أخرج الحديثَ أبو داود (٢٥٢٧) من وجه آخر عن يعلى بن أُميَّة أوضحَ من (١) وجاء عند عبد الرزاق ما نصُّه: ((لا سهم للأجير))، على النفي. ٢٣١ باب ١٢١ / ح ٢٩٧٤ كتاب الجهاد الذي هنا، ولفظه: أَذَّنَ رسول الله وََّ في الغَزْو وأنا شيخ ليس لي خادم، فالتَمستُ أجيراً يَكْفيني وأُجري له سهمي، فَوَجَدتُ رجلاً، فلمَّا دنا الرَّحيل أتاني فقال: ما أدري ما السُّهْمَانُ(١) وما يَبلُغ، فسَمِّ لي شيئاً، كان السَّهمُ أو لم يكن، فسَمَّتُ له ثلاثة دنانير ... الحديث. وقوله في هذه الرّواية: ((فهو أوثَقُ أعمالي))، في رواية السَّرَخْسي: ((أجمالي)) بالمهمَلة، وللمُستَملي بالجيم، والذي قاتَلَ الأجير هو يعلى بن أُميَّة نفسه كما رواه مسلم (١٦٧٣) من حدیث عمران بن حُصَين. تنبيهان: الأوَّل: وقع في رواية المُستَمْلِي بين أثر عَطيَّة بن قيس وحديث يعلى بن أُمِيَّة ((باب استعارة الفرس في الغَزْو))،/ وهو خطأ؛ لأنَّه يستلزم أن يَخْلُو ((باب الأجير)) من حديث ١٢٦/٦ مرفوع، ولا مُناسَبة بينه وبين حديث يعلى بن أُميَّة، وكأنَّه وَجَدَ هذه التَّرجمة في الصُّرَّة خاليةً عن حديثٍ فظَنَّ أنَّ هذا موضعها، وإن كان كذلك فحكمها حكم التَرجمة الماضية قريباً وهي: ((باب الخروج في الفَزَع وحده))، وكأنَّه أراد أن يُورِدَ فيه حديث أنس في قصَّة فرس أبي طلحة أيضاً، فلم يَتَّفِقْ ذلك، ويُقَوِّي هذا أنَّ ابن شَبّويه جَعَلَ هذه التَّرجمة مُستقِلَّة قبل ((باب الأجير)) بغير حديث، وأورَدَها الإسماعيليّ عَقِبَ ((باب الأجير)) وقال: لم يَذْكُر فيها حديثاً. ثانيهما: وقع في رواية أبي ذرِّ تقديم ((باب الجَعائل)) وما بعده إلى هنا، وأخَّرَ ذلك الباقونَ وقَدَّموا عليه ((باب ما قيل في لواء النبي ◌َّ-))، والخَطْب فيه قريب. ١٢١ - باب ما قيل في لواء النبيّ وَيّ- ٢٩٧٤- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: أخبرني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهاب، قال: أخبرني ثَعْلبةُ بنُ أبي مالكِ القُرَظيُّ: أنَّ قيسَ بنَ سعدٍ الأنصاريَّ ﴾ - وكان صاحبَ لواءِ رسولِ اللهِ وَلّ ـ أرادَ الحَجَّ فَرَجَّلَ. (١) في (س): ما سهمك، وما أثبتناه من الأصلين، وهو الموافق للمطبوع من ((سنن أبي داود)). ٢٣٢ باب ١٢١ / ح ٢٩٧٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب ما قيل في لواء النبي وَلَ)) اللّواء - بكسر اللّم والمدِّ -: هي الرّاية، ويُسمَّى أيضاً العَلَم، وكان الأصل أن يُمسِكها رئيس الجيش، ثمَّ صارت تُحمَل على رأسه، وقال أبو بكر بن العربي: اللِّواء غير الرّاية، فاللِّواء: ما يُعقَد في طرف الرُّمح ويُلوَى عليه، والرّاية: ما يُعقَد فيه ویُترَك حتَّى تَصفِقَه الرّياحُ. وقيل: اللّواء دون الرّاية، وقيل: اللُّواء العَلَم الضَّخم، والعَلَم علامة لمَحَلِّ الأمير يَدُور معه حيثُ دارَ، والرّاية يَتولَّاها صاحب الحرب. وجَنَحَ التِّرمِذي إلى التَّفْرِقة فترجم بالألوية، وأورَدَ حديث جابر (١٦٧٩): أنَّ رسول الله وَ ل﴿ دَخَلَ مَّة ولواؤه أبيض، ثمَّ ترجم للرّايات وأَورَدَ حديث البراء (١٦٨٠): أنَّ راية رسول الله ◌َ ﴿ كانت سوداءَ مُربَّعة من نَمِرة، وحديث ابن عبّاس: كانت رايته سوداءَ ولواؤُه أبيض، أخرجه التِّرمِذي (١٦٨١) وابن ماجه (٢٨١٨)، وأخرج الحديث أبو داود والنَّسائي ١٢٧/٦ أيضاً(١)، ومثله لابن عَديٍّ من / حديث أبي هريرة (٢)، ولأبي يعلى (٢٣٧٠) من حديث بُرَيدةَ، وروى أبو داود (٢٥٩٣) من طريق سِماكٍ عن رجل من قومه عن آخر منهم: رأيت رايةً رسول الله وَ﴿ صفراءَ (٣)؛ ويُجمَع بينها باختلاف الأوقات. وروى أبو يعلى(٤) عن أنس رَفَعَه: ((إِنَّ الله أكرَمَ أمَّتي بالألوية)) إسناده ضعيف، ولأبي الشَّيخ(٥) من حديث ابن عبّاس: كان مكتوباً على رايته: لا إله إلّ الله محمَّد رسول الله؛ وسنده واهٍ. (١) أخرجه أبو داود برقم (٢٥٩١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٥٥٢) من حديث البراء، وأخرجه أبو داود أيضاً برقم (٢٥٩٢)، والنسائي في ((المجتبى)) (٢٨٦٦) من حديث جابر، أما حديث ابن عباس فلم يخرجاه. (٢) في ((الكامل في الضعفاء)) ٢/ ٢٤٠. (٣) وإسناد ضعيف، سماك ــ وهو ابن حرب - فيه ضعف، وشيخه مبهم لا يُعرَف. (٤) كما في ((المطالب العالية)) ٢٦٨/٥ لابن حجر. (٥) في ((أخلاق النبي ◌َّ)) ص ١٤٤. ٢٣٣ باب ١٢١ / ح ٢٩٧٤ كتاب الجهاد وقيل: كانت له راية تُسمّى العُقاب، سَوداء مُربَّعة، وراية تُسمّى الرّاية البيضاء، ورُبّما جُعِلَ فيها شيء أسوَد. وذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: قوله: ((عن ثَعْلبة بن أبي مالك)) تقدَّم ذِكْره في ((باب حمل النِّساء القِرَبَ في الغَزو)) (٢٨٨١). قوله: ((أنَّ قيس بن سعد)) أي: ابن عُبادةَ الصَّحابي ابن الصَّحابي، وهو سيِّد الخَزْرَج ابن سيِّدهم، وسيأتي للمصنِّف من حديث أنس في الأحكام (٧١٥٥): أنَّه كان عند رسول الله وَلّه بمنزلة صاحب الشُّرطة. قوله: ((وكان صاحبَ لواء النبي ◌َّ)) أي: الذي يَخْتَصّ بالخَزْرَج من الأنصار، وكان النبي ◌َّ فِي مَغازِيه يَدَفَعُ إلى رأس كلّ قبيلة لواءً يقاتلون تحته. وأخرج أحمد (٣٤٨٦) بإسنادٍ قوي(١) من حديث ابن عبّاس: أنَّ راية النبي وَّ كانت تكون مع علي، وراية الأنصار مع سعد بن عُبادةَ ... الحديث. قوله: ((أرادَ الحَجَّ فَرَجَّلَ)) هو بتشديد الجيم، وأخطَأْ مَن قالها بالمهمَلة، واقتَصَرَ البخاري على هذا القَدْر من الحديث، لأنَّه موقوف وليس من غَرَضه في هذا الباب، وإنَّما أراد منه أنَّ قيس بن سعد كان صاحبَ اللِّواء النّبوي، ولا يَتَقرَّر في ذلك إلَّا بإذنِ النبي ◌ََّ، فهذا القَدْر هو المرفوع من الحديثَ تامّاً، وهو الذي يحتاج إليه هنا، وقد أخرج الإسماعيلي الحديث تامّاً من طريق اللَّيث التي أخرجها المصنّف منها، فقال بعد قوله: ((فَرَجَّلَ)): أحدَ شِقَّي رأسه، فقامَ غلامٌ له فقَلَّدَ هَدْيه، فنَظَرَ قيسُ هديَه وقد قُلِّدَ فأهَلَّ بالحجِّ ولم يُرجِّل شِقَّ رأسه الآخر. وأخرجه من طريقٍ أُخرى عن الزُّهْريّ بتمامه نحوه، وفي ذلك مَصِير من قيس بن سعد إلى أنَّ الذي يريد الإحرام إذا قَلَّدَ هَذْيه، يَدخُل في حكم المحرم. (١) بل إسناده ضعيف، فإن فيه عثمان الجزري، سُئل الإمام أحمد عنه فقال: روى أحاديث مناكير. وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في («المسند». ٢٣٤ باب ١٢١ / ح ٢٩٧٥ -٢٩٧٦ فتح الباري بشرح البخاري وقرأت في كلام بعض المتأخِّرِينَ أنَّ بعض الشّارحينَ تَحَيَّر في شرح القَدْر الذي وقع في البخاري، وتَكلَّفَ له وجوهاً عَجيبة، فليُنظَر المراد بالشّارح المذكور فإنّ لم أقِفْ عليه. ثمَّ رأيت ما نَقَلَه المتأخّر المذكور في كلام صاحب ((المطالع)) وأبهَمَ الشّارح الذي تَحَيَّر وقال: إِنَّه حَّل الكلام ما لا يحتمله. وذَكَر الدِّمياطي في ((الحاشية)) أنَّ البخاري ذكر بقيّة الحديث في آخر الكتاب، وليس في الکتاب شيء من ذلك. ٢٩٧٥- حذَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ ابنِ الأَْوَعِ ﴾ قال: كان عليّ ﴾، تَخَلَّفَ عن النبيِّ وَّهِ فِي خَيْرَ، وكان به رَمَدِّ، فقال: أنا أتخلَّفُ عن رسولِ اللهِوَلَّ! فِخَرَجَ عليٍّ فَلَحِقَ بالنبيِّ ◌َ ل﴾، فلمَّا كان مساءُ اللَّيلةِ التي فتحها في صباحِها، فقال رسولُ الله ◌ِّ: ((لأُعطِيَنَّ الرّايةَ - أو قال: لَيأخذَنَّ - غداً رجلٌ يُحِبُّهُ اللهُ ورسولُه. أو قال: يُحِبُّ اللهَ ورسولَه - يَفتَحُ اللهُ عليه)) فإذا نحنُ بعليٍّ وما نَرْجُوه، فقالوا: هذا عليٌّ، فأعطاه رسولُ الله ێ، فَفَتَحَ الله عليه. [طرفاه في: ٣٧٠٢، ٤٢٠٩] ثانيها: حديث سلمة بن الأكوع في قصّة عليّ يوم خيبر، وسيأتي شرحه في كتاب المغازي (٤٢٠٩)، والغَرَض منه قوله: ((لَأُعطينَّ الرّاية غداً رجلاً يُحِبّ الله ورسوله)) فإنَّه مُشعِر بأنَّ الرّاية لم تكن خاصَّة بشخصٍ مُعيَّنٍ، بل كان يعطيها في كلّ غزوة لمن يريد، وقد أخرجه أحمد (٢٢٩٩٣) من حديث بُرَيدةَ بلفظ: ((إنّ دافعٌ اللُّواءَ إلى رجل يُحِبّه الله ورسوله)) الحديث، وهذا مُشعِرٌ بأنَّ الرّاية واللِّواء سواءٌ. ٢٩٧٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن نافعِ ابنِ جُبَير، قال: سمعتُ العَبَّاسَ يقول للزُّبَيرِ رضي الله عنهما: هاهُنا أمَرَكَ النبيُّ ◌َّرِ أن تَركُزَ الرّايةَ. ثالثها: حديث نافع بن جُبَير: سمعت العبّاس - أي: ابن عبد المطَّلِب - يقول للزُّبَير - أي: ابن العَوّام -: هاهنا أمَرَك النبي ◌َِّ أن تَرِكُز الرّاية. وهو طرف من حديث أورَدَه ٢٣٥ باب ١٢٢ / ح ٢٩٧٧ -٢٩٧٨ كتاب الجهاد المصنّف في غزوة الفتح (٤٢٨٠)، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى هناك، وأُبيِّن هناك إن شاء الله تعالى ما في سياقه من صورة الإرسال والجوابَ عن ذلك، وأُبيِّن تعيين المكان المشار إليه وأنَّه الحَجُون، وهو بفتح المهمَلة وضمَّ الجيم الخفيفة. قال الطَّبَري: في حديث عليٍّ أنَّ الإمام يُؤمِّر على الجيش مَن يُوثَق بقُوَّتِه وبَصِيرته ومعرفته، وسيأتي بقيّة شرحه في المغازي إن شاء الله تعالى. وقال المهلَّب: وفي حديث الزُّبير أنَّ الرّاية لا تُركَز إلَّا بإذنِ الإمام، لأنَّها علامةٌ على مكانه، فلا يُتَصَرَّف فيها إلَّا بأمره. وفي هذه الأحاديث استحبابُ التّخاذ الألوية في الحروب، وأنَّ اللِّواء يكون مع الأمير / ١٢٨/٦ أو مَن يُقِيمه لذلك عند الحرب، وقد تقدَّم حديث أنس (١٢٤٦ و٢٧٩٨): «أخَذَ الرّايةَ زيدُ ابن حارثة فأُصيب، ثمَّ أخَذَها جعفرٌ فأُصيب)) الحديث، ويأتي تمام شرحه في المغازي (٤٢٦٢) إن شاء الله تعالى أيضاً. ١٢٢ - باب قول النبيّ وَلَه: (( نُصِرتُ بالرُّعب مسيرة شهر)) وقولِ الله عز وجَلَّ: ﴿سَنُلِّقِى فِ قُلُوبٍ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ﴾ [آل عمران: ١٥١]. قاله جابرٌ عن النبيِّ وَلِّ. ٢٩٧٧ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيد بنِ المسيّب، عن أبي هريرةَ عَّ، أنَّ رسولَ اللهَوَّم قال: «بُعِثْتُ بجَوَامعِ الكَلِمِ، ونُصِرِتُ بالرُّغْبِ، فبَيْنا أنا نائمٌ أَتِيتُ بمفاتيحِ خزائنِ الأرضِ فُوُضِعَت في يَدِي)). قال أبو هريرةً: وقد ذهبَ رسولُ اللهِوَّهِ وأنْتُمْ تَنَئِّلونَها. [أطرافه في: ٦٩٩٨، ٧٠١٣، ٧٢٧٣] ٢٩٧٨- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عبيدُ الله بنُ عبدِ الله، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخبَرَه، أنَّ أبا سفيانَ أخبَرَهُ: أنَّ هِرَقْلَ أرسَلَ إليه - وهم ٢٣٦ باب ١٢٢ / ح ٢٩٧٧ - ٢٩٧٨ فتح الباري بشرح البخاري بإيلياءَ - ثمَّ دَعَا بكتاب رسولِ اللهِ وََّ، فلمَّا فَرَغَ من قراءةِ الكتاب كَثُرَ عندَه الصَّخَبُ، وارتَفَعَتِ الأصواتُ وأُخرِجْنا، فقلتُ لأصحابي حين أُخرِ جْنا: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابنِ أبي كَبْشَةَ، إنَّه يَخافُهُ مَلِكُ بني الأصفَر. قوله: ((باب قول النبي ◌َّهَ: نُّصِرْت بالرُّعْبِ مسيرةَ شهر. وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿سَنُلْقِى فِي قُلُوبٍ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ قاله جابرٌ عن النبي ◌ِّه) يشير إلى حديثه الذي أوَّله ((أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهنَّ أحد من الأنبياء قبلي)) فإنَّ فيه: ((ونُصِرتُ بالرُّعبِ مسيرةَ شهر))، وقد تقدَّم شرحه في التيمُّم (٣٣٥)، ووقع في الطبراني من حديث أبي أمامةَ: ((شهراً أو شهرَين))(١)، وله (٦٦٧٤) من حديث السائب بن يزيد: ((شهراً أمامي وشهراً خَلْفي)). وظهرَ لي أنَّ الحِكْمة في الاقتصار على الشَّهر أنَّه لم يكن بينه وبين الممالك الكِبار التي حولَه أكثرُ من ذلك، كالشّام والعراق واليمن ومِصْر، ليس بين المدينة النبويَّة للواحدة منها إلَّا شهر فما دونه، ودَلَّ حديث السائب على أنَّ التردُّد في الشَّهر والشَّهرَين إمّا أن يكون الراوي سمعَه كما في حديث السائب، وإمَّا أنَّه لا أثر لتَرَدُّدِه، وحديث السائب لا يُنافي حديث جابر، وليس المراد بالخَصُوصَيَّة ◌ُجرَّدَ حصول الرُّعب، بل هو وما يَنشَأ عنه من الظَّفَر بالعدوّ. ثم ذکر المصنف في الباب حدیثین: أحدهما: حديث أبي هريرة الذي أوَّله: ((بُعِثت بجوامع الكَلِم)) وفيه: ((ونُصِرتُ بالرُّعب، وبينا أنا نائم أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض))، وسيأتي شرحه مُستَوقَى في كتاب التَّعبير (٦٩٩٨) إن شاء الله تعالى. وجوامعُ الكَلِمِ: القرآن، فإنَّه تَقَعُ فيه المعاني الكثيرةُ بالألفاظِ القليلة، وكذلك يقع في الأحاديث النبويَّة الکثیرُ من ذلك. (١) أخرج الطبراني حديث أبي أمامة في ((معجمه الكبير)) برقم (٧٩٣١) و(٨٠٠١)، وليس فيه اللفظ المذکور، وإنما هو عنده برقم (١١٠٤٧) في حديث ابن عباس. ٢٣٧ باب ١٢٣ / ح ٢٩٧٩ -٢٩٨١ كتاب الجهاد ومفاتيح خزائن الأرض: المراد بها ما يُفتَح لأمَّتِه من بعده من الفُتُوح، وقيل: المعادن. وقول أبي هريرة: ((وأنتُم تَنَئِلونَها)) بوزنٍ تَفْتَعِلونَها - من النَّثْلِ بالنّون والمثلَّثة - أي: تَستَخرِ جونَها، تقول: نَثَلتُ البِئر: إذا استخرجتَ ترابها. ثانيهما: حديث أبي سفيان في قصّة هِرَقل، ذكر طرفاً منها، وقد تقدَّم بهذا الإسناد بطوله في بَدْء الوحي (٧)، والغَرَضُ منه هنا قوله: ((إنَّه يَخافُه مَلِك بني الأصفر)) لأنَّه كان بين المدينة وبين المكان الذي كان قَصَرُ یَنزِل فیه مُدَّة شهر أو نحوه. ١٢٩/٦ ١٢٣ - باب حمل الزّاد في الغزو وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. ٢٩٧٩ - حذَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، قال: أخبرني أبي وحدَّثْني أيضاً فاطمةُ، عن أسماءَ رضي الله عنها قالت: صَنَعْتُ سُفْرةَ رسولِ الله ◌َلاۇ في بیتِ أبي بکرِ حين أرادَ أن يُهاجرَ إلى المدينةِ، قالت: فلم نَجِدْ لسُفْرِه ولا لسِقائِه ما نَرِبِطُهما به، فقلتُ لأبي بكرٍ: والله ما أجِدُ شيئاً أَربِطُ به إلا نِطَاقي، قال: فشُقِّه باثنين فاربُطِيه: بواحدِ السِّقَاءَ، وبِالآخَرِ السُّفْرةَ، ففَعَلْتُ، فلذلك سُمِّيَت ذاتَ النِّطاقَين. [طرفاه في: ٣٩٠٧، ٥٣٨٨] ٢٩٨٠- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، أخبرنا سفيانُ، عن عَمٍو؛ قال: أخبرني عطاءٌ، سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: كنَّ نَتَزَوَّدُ لحومَ الأضاحيِّ على عَهْدِ النبيِّ ◌َّ إلى المدينة. ٢٩٨١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، قال: سمعتُ يحيى، قال: أخبرني يُشَيرُ بنُ يَسارٍ، / أنَّ سُوَيَدَ بنَ النُّعْمانِ ﴾ أخبَرَهُ: أَنَّ خَرَجَ مع النبيِّ ◌َهِ عامَ خَيْرَ، حتَّى إذا ١٣٠/٦ كانوا بالصَّهْباءِ - وهي من خيبر، وهي أدنَى خَيْبَرَ - فصَلَّوا العصرَ، فَدَعَا النبيُّ ◌ِلَه بالأطْعِمةِ، ولم يُؤْتَ النبيُّ وَّهِ إِلا بِسَوِيقٍ، فَلُكْنا فأكَلْنا وَشَرِينا، ثمَّ قامَ النبيُّنَّهمَضْمَضَ ومَضْمَضْنا وصَلَّنا. ٢٣٨ باب ١٢٣ / ح ٢٩٧٩ -٢٩٨٢ فتح الباري بشرح البخاري ٢٩٨٢ - حدَّثْنا بِشرُ بنُ مَرْحُومٍ، حدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ ﴿ُه قال: خَفَّت أزوادُ الناسِ وأملَقُوا، فأَوُا النبيَّ ◌ََّ فِي نَحْرِ إِبِلِهِم، فَأَذِنَ لهم، فَلَقِيَهم عمرُ فأخبَرَوه، فقال: ما بَقاؤُكم بعدَ إِيلِكم؟ فدَخَلَ عمرُ على النبيِّ وَّ فقال: يا رسولَ الله، ما بَقاؤُهم بعدَ إِيلِهِم؟ فقال رسولُ الله ◌ِّيَ: ((نادِ في الناسِ يأتونَ بِفَضْلٍ أزْوادِهم)) فَدَعَا وبَرَّك عليهم، ثمَّ دَعَاهم بأوعِيَيِّهم فاحتَثَى الناسُ حتَّى فَرَغُوا، ثمّ قال رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ: ((أشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأنّ رسولُ الله)). قوله: ((بابُ حَمْلِ الزّاد في الغَزْو، وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ اَلَّقْوَى﴾)) أشارَ بهذه التَّرجمة إلى أنَّ حمَلَ الزّاد في السَّفَر ليس مُنافياً للتوُّل، وقد تقدَّم في الحجّ (١٥٢٣) في تفسير الآية من حديث ابن عبّاس ما يُؤيِّد ذلك. ثمَّ ذکر فیه أربعة أحاديث: أحدها: حديث أسماء بنت أبي بكر في تسميتها ذات النِّطاقَين، والغَرَضُ منه قولها: ((فلم نَجِدْ لسُفْرَتِه ولا لسِقائه ما نَربِطهما به)) فإنَّه ظاهر في حمل آلة الزّاد في السَّفَر، وسيأتي الكلام على شرحه في أبواب الهجرة (٣٩٠٧). والنِّطاق - بكسر النّون -: ما تَشُدُّ به المرأة وسَطَها ليرتفعَ به ثوبُها من الأرض عند المِهْنة. ثانيها: حديث جابر: ((كنَّا نَتَزَوَّد لحوم الأضاحي)) الحديث، وسيأتي شرحه في كتاب الأضاحي (٥٥٦٧) إن شاء الله تعالى. ثالثها: حديث سُوَيد بن النُّعمان وفيه: ((فَدَعَا النبي وس ليربالأطعمة))، وفي رواية مالك: ((بالأزواد))، وقد تقدَّم في الطَّهارة (٢٠٩) مع الكلام علیه. وقوله في هذه الرّواية: ((فَلُكْنا)) بضمِّ اللّام، أي: أدَرْنا اللُّقمة في الفم. وقوله: ((وشَرِبْنا)) قال الدَّاوودي: لا أُراه محفوظاً إِلَّ إن كان أراد المضمضةَ. كذا قال، ويحتمل أن يكون بعضهم استَفَّ السَّويقَ، وبعضهم جَعَلَه في الماء وشَرِبَه، فلا إشكال. ٢٣٩ باب ١٢٣ / ح ٢٩٧٩- ٢٩٨٢ كتاب الجهاد رابعها: حديث سَلَمة - وهو ابن الأكوَع -: خَفَّت أزوادُ الناس وأملَقُوا، فأتوا النبيِ وَله في نَحْرِ إِيلهم ... الحديث، وهو ظاهر فيما تَرجَم به. وقوله فيه: ((أملَقُوا)) أي: فَنَيَ زادُهم، ومعنى ((أمَلَقَ)): افتَقَرَ، وقد يأتي مُتعدّياً بمعنى: أَفْنَى. قوله: ((فَأَتَوُا النبي ◌َّهِ فِي نَحْرِ إبلهم)) أي: بسبب نَحْر إبلهم، أو فيه حذف تقديره: فاستأذَنوه في نحر إبلهم. قوله: ((نادٍ في الناس يأتونَ)) أي: فهم يأتون، ولذلك رَفَعَه، وزادَ في الشَّرِكة (٢٤٨٤): ((فُبُسِطَ لذلك نِطع)) وقد تقدَّم أنَّ فيه أربع لغات: فتح النّون وكسرها، وفتح الطاء وسكونها. قوله: ((وَبَرَّك)) بالتَّشديد، أي: دَعَا بِالبَرَكة. وقوله: ((عليهم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((عليه)) أي: على الطَّعام، ومِثلُه في الشَّرِكة. قوله: ((فاحتَثَّى الناسُ)) بمُهمَلة ساكنة ثمَّ مُثَنَّة ثمَّ مُثلَّئة، أي: أخَذوا حَتْيةً حَثيةً. وقوله: ((قال رسول الله (وَّهِ: أشهَد)) إلى آخر الشَّهادتَين، إشارة إلى أنَّ ظهور المعجِزَة ممَّاً يُؤيِّد الرِّسالة. وفي الحديث: حُسْنُ خُلُق رسول الله وَّةِ، وإجابتُه إلى ما يَلْتَمِس منه أصحابُه، وإجراؤُهم على العادة البشرية في الاحتياج إلى الزّاد في السَّفَرِ، ومَنقَبة ظاهرة لعمر دالَّة على قُوَّة يقينه بإجابة دعاء رسول الله وَّهَ، وعلى حُسْن نظره للمسلمين، على أنَّه ليس في إجابة النبي ◌َّ لهم على نَحْر إبلهم ما يَتَحَتَّم أَّهم يَبِقَونَ بلا ظَهْر، لاحتمال أن يَبعَث الله لهم ما يَحمِلهم من غَنِيمة ونحوها، لكن أجاب عمرَ إلى ما أشارَ به لتعجيل المعجِزة بالبَرَكة التي حَصَلَت في الطَّعام. وقد وقع لعمر شبيهٌ بهذه القصّة في الماء، وذلك فيما أخرجه ابن خُزَيمةَ (١٠١) وغيره، وستأتي الإشارة إليه في علامات النبوّة. وقول عمر: ما بَقاؤُكم بعد إِبلكم؟ أي: لأنَّ تَوالي المشي رُبَّا أفضى إلى الهلاك، وكأنَّ عمر أخَذَ ذلك من النَّهي عن الحُمُر الأهلية يوم خيبر استبقاءً لظهورها. ٢٤٠ باب ١٢٤ -١٢٥ / ح ٢٩٨٣ -٢٩٨٥ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن بَطَّل: استَنْبَطَ منه بعض الفقهاء أنَّه يجوز للإمام في الغَلاء إلزامُ مَن عنده ما يَفضُل عن قُوتِه أن يُخِرِجه للبيع، لما في ذلك من صلاح الناس، وفي حديث سَلَمة جوازٌ المشُورة على الإمام بالمصلحة وإن لم يَتقدَّم منه الاستشارة. ١٢٤ - باب حمل الزّاد على الرِّقاب ٢٩٨٣- حدَّثْنَا صَدَقةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا عَبْدةُ، عن هشام، عن وَهْب بنِ كَيْسانَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: خَرَجْنا ونحنُ ثلاثُ مئةٍ نَحْمِلُ زادَنا على رِقابِنا، فقَنِيَ زادُنا، حتَّى كان الرجلُ منَّا يأكُلُ في كلِّ يومٍ تَمْرةَ. قال رجلٌ: يا أبا عبدِ الله، وأينَ كانت التَّمْرةُ تَقَعُ مِن الرجل؟! قال: لقد وَجَدْنا فَقْدَها حين فَقَدْناها، حتَّى أَتينا البحرَ، فإذا حوتٌ قد قَذَفَه البحرُ، فأكَلْنا منها ثمانيةَ عَشَرَ يوماً ما أحبَبْنا. قوله: ((باب حَمْل الزّاد على الرُّقاب)) أي: عند تعذُّر حمله على الدَّواب، ذکر فیه حدیث جابر في قصَّة العَنبَرَ مُقتَصِراً على بعضه، والغَرَض منه قوله: ((ونحنُ ثلاث مئة نَحمِل زادَنا على رقابنا))، وسيأتي شرحه مُستَوفى في أواخر المغازي (٤٣٦٠). ١٢٥ - باب إرداف المرأة خلف أخيها ١٣١/٦ ٢٩٨٤- حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، حدَّثنا أبو عاصمٍ، حدَّثنا عثمانُ بنُ الأسوَدِ، حدَّثنا ابنُ أبي مُلَيكَةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّهَا قالت: يا رسولَ الله، يَرجِعُ أصحابُكَ بأجرٍ حَجِّ وهُمْرةٍ، ولم أزِدْ على الحجِّ؟! فقال لها: ((اذهبي، وليُرْدِفْكِ عبدُ الرَّحمن)). فأمَرَ عبد الرّحمن أن يُعْمِرَها مِن التَّنْعِيمِ، فانتَظَرَها رسولُ الله ◌َِّ بأعلَى مَكَّةً حَتَّى جاءتْ. ٢٩٨٥- حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عَمرِو بنِ أَوسٍ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي بكرِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنهما قال: أُمَرَنِي النبيُّ وَّهِ أَنْ أُردِفَ عائشةَ وأُعمِرَها مِن التَّعِيم. قوله: ((باب إرْداف المرأة خَلْف أخيها)) ذكر فيه حديثَ عائشة في ارتدافها في العمرة