النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ باب ٥٩ / ح ٢٨٧١ -٢٨٧٢ كتاب الجهاد وفيه جوازُ إضافة المسجدِ إلى قوم مخصوصينَ، وقد ترجم له البخاري بذلك في كتاب الصلاة (٤٢٠). وفيه جوازُ مُعامَلة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيباً لها في غير الحاجة كالإجاعة والإجراء، وفيه تنزيلُ الخلق منازلَهم؛ لأنَّه ◌ِوَلِ﴿ غايَرَ بين منزلة المضمَر وغير المضمَر، ولو خَلَطَهما لأتعَبَ غيرَ المضمَر. ٥٩- باب ناقة النبيّ صَلى الله وسام قال ابنُ عمَرَ: أردَفَ النبيُّ ◌َلاَ أُسامةَ على القَصْواءِ. وقال المِسوَرُ: قال النبيُّ ◌َّ: «مَا خَلَأَتِ القَصْواءِ)). ٢٨٧١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا معاويةُ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن مُميدٍ، قال: سمعتُ أنساً ظُه يقول: كانت ناقةُ النبيِّ وَ لِ يقالُ لها: العَضْباءُ. [طرفه في: ٢٨٧٢] طَوَّلَه موسى، عن حَمّادٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌َلّ. ٢٨٧٢ - حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا زهيرٌ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ ﴾ قال: كان للنبيِّ وَّ نَاقَةٌ تُسمَّى العَضْباءَ لا تُسبَقُ - قال مُميدٌ: أو لا تَكادُ تُسبَقُ - فجاء أعرابيٌّ على قَعُودٍ فسَبَقَها، فشَقَّ ذلك على المسلمينَ حتَّى عَرَفَه فقال: ((حقٌّ على الله أن لا يَرتَفِعَ شيءٌ مِن الذُّنْيا إِلا وَضَعَه)). قوله: ((باب ناقة النبي وَ ل) كذا أفرَدَ الناقةَ في التَّرجمة إشارة إلى أنَّ العَضْباء والقَصْواء واحدةٌ. قوله: ((وقال ابن عُمَر: أردَفَ النبيُّ نَّهِ أُسامة على القَصْواء)) هو طرفٌ من حديثٍ وَصَلَه المصنِّفُ في الحجِّ (١٦٦٩) وقد تقدَّم شرحُه في حَجَّة الوَدَاعِ. قوله: ((وقال المِسوَرُ: مَا خَلَأَت القَصْواء)) هو طرفٌ من الحديث الطّويل الماضي مع شرحِه في كتاب الشُّروط (٢٧٣١ و٢٧٣٢) وفيه ضبطُ القَصْواء. قوله: ((حدَّثنا معاوية)» هو ابن عَمْرو الأزْدي، وأبو إسحاق: هو الفَزَاري. ١٤٢ باب ٥٩ / ح ٢٨٧١ - ٢٨٧٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((طَوَّلَه موسى، عن حَمَّاد، عن ثابتٍ، عن أنس)) أي: رواه مُطوَّلاً، وهذا التَّعليق وقع في رواية المُستَمْلي وحدَه هنا، وموسى: هو ابن إسماعيل التَّبُوذَكي، وحَمَّاد: هو ابن سَلَمة، ووقع في رواية مَن عَدَا الهَرَوي بعدَ سياق رواية زهيرٍ. وقد وَصَلَه أبو داود (٤٨٠٢) عن موسى بن إسماعيل المذكور، وليس سياقُه بأطولَ من سياق زهير بن معاوية عن حُميد، نعم هو أطولُ من سياق أبي إسحاق الفَزَاري، فترجَّح روايةُ المُستَمْلِي، وكأنَّه اعتَمَدَ روايةَ ٧٤/٦ أبي إسحاق لمَا / وقع فيها من التَّصريح بسماع محُميدٍ من أنس، وأشارَ إلى أنَّه رُوِيَ مُطوَّلاً من طريق ثابت، ثمَّ وَجَدَه من رواية حُميدٍ أيضاً مُطوَّلاً فأخرجه، والله أعلم. قوله: ((لا تُسبَقُ، قال مُميدٌ: أو لا تكادُ تُسبَق)) شكٌّ منه، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور، وفي بقيَّة الرِّوايات بغير شكِّ. وقوله: ((أن لا يَرتَفِعَ شيءٌ من الذُّنْيا)) وفي رواية موسى بن إسماعيل: ((أن لا يرفعَ شيئاً))(١)، وكذا للمصنّف في الرِّقاق (٦٥٠١)، وكذا قال النُّفَيلي عن زهير عند أبي داود (٤٨٠٣)، وفي رواية شُعْبة عند النَّسائي (٣٥٩٢): ((أن لا يرفعَ شيء نفسَه في الدُّنيا». وقوله: ((فجاء أعرابي فسَبَقَها)) في رواية ابن المبارك وغيره عن حُميدٍ عند أبي نُعيم: فسابَقَها فسَبَقَها، وفي رواية شُعْبة: سابَقَ رسولَ اللهِ وَ ◌ّهِ أعرابي، ولم أَقِفْ على اسم هذا الأعرابي بعدَ التَُّّعِ الشَّدید. قوله: ((على قَعُودٍ)) بفتح القاف: ما استَحقَّ الُّكوبَ من الإبل، قال الجَوْهري: هو البَكْر حتَّى يُركَبَ، وأقلُّ ذلك أن يكون ابن سنتين إلى أن يَدخُلَ السادسةَ فُيُسمَّى جملاً. وقال الأزهَري: لا يقال إلَّا للذَّكَرِ، ولا يقال للُنثى: قَعُودةٌ، وإنَّما يقال لها: قَلُوصٌ، قال: وقد حكى الكِسائيُّ في ((النَّوادر)): قَعُودةٌ للقَلُوص، وكلام الأكثر على خلافه، وقال الخليل: القَعُودةُ من الإبلِ: ما يَقتَعدُه(٢) الرّاعِي لَحَمْل متاعه، والهاء فيه للمُبالَغة. (١) وهي عند أبي داود برقم (٤٨٠٢). (٢) في (أ): يعتقده، وفي (س): يقعده، وكلاهما تصحيف، وما أثبتناه من (ع) وهو الصحيح الثابت عن الخليل كما في ((تاج العروس)) مادة (قعد). ١٤٣ باب ٦٠ كتاب الجهاد قوله: ((حتَّى عَرَفَه)) أي: عَرَفَ أثرَ المشقّة، وفي رواية المصنّف في الرِّقاق: ((فلمَّا رأى ما في وُجوهِهِم وقالوا: سُبِقَت العَضْباء ... الحديث(١). والعَضْباءُ، بفتح المهمَلة وسكون المعجمة بعدَها موحّدة ومدٍّ: هي المقطوعةُ الأُذنِ أو المشقوقةُ، وقال ابن فارس: كان ذلك لَقَباً لها لقوله: تُسمَّى العَضْباءَ، ولقوله: يقال لها: العَضْباء، ولو كانت تلك صِفَتَها لم يَحَتَجْ لذلك، وقال الَّتَشَري: العَضْباءُ منقول من قولهم: ناقةٌ عَضْباء، أي: قصيرةُ اليد. واختُلِفَ هل العَضْباءُ هي القَصْواءُ أو غيرُها، فجَزَمَ الحربيُّ بالأوَّل، وقال: تُسمّى العَضْباءَ والقَصْواء والجَدْعاء، وروى ذلك ابن سعد عن الواقدي، وقال غيرُه بالثَّاني، وقال: الجَدْعاءُ كانت شَهْباءَ، وكان لا يَحمِلُه عند نزول الوَحْي غيرُها، وذُكِرَ له عدَّةُ نُوقٍ غير هذه تَتَبَّعَها مَن اعتَنى بجمع السِّيرة. وفي الحديث اتَّاذُ الإبل للرُّكوب والمسابقة عليها، وفيه التَّزهيدُ في الدُّنيا للإشارة إلى أنَّ كلَّ شيءٍ منها لا يَرتَفِعُ إلَّ اتَّضَعَ. وفيه الحثُّ على التَّواضُع. وفيه حُسْنُ خُلُق النبيِه وتَواضُعُهُ وعَظَمتُه في صُدُورِ أصحابه. ٦٠ - باب الغَزْو على الحمير قوله: ((باب الغزو على الحمير)) كذا في رواية المستَمْلي وحده بغير حديث، وضمَّ النَّسَفي هذه الترجمةَ للتي بعدها فقال: ((باب الغزو على الحمير، وبغلة النبي ◌َّر البيضاء)»، ولم يتعرَّض لذلك أحدٌ من الشراح، وهو مشكل على الحالين، لكن في رواية المستملي أسهل؛ لأنه يُحمَل على أنه وَضَعَ الترجمة وأَخْلى بياضاً للحديث اللائق بها فاستمرَّ ذلك، وكأنه أراد أن يكتب طريقاً لحديث معاذ: ((كنت رِدِفَ النبي ◌ِِّ على حمار يقال له: عُفَير)) وقد تقدم قريباً (٢٨٥٦) في ((باب اسم الفرس والحمار))، وكونه كان راكبَه يحتمل أن يكون في الحضر وفي السفر، فيحصل مقصود الترجمة على طريقة من لا يُفرِّق بين المطلَق والعامِّ، والله أعلم. (١) هو بهذا اللفظ عند أحمد (١٢٠١٠)، والنسائي (٣٥٨٨)، أما رواية البخاري في الرقاق (٦٥٠١) فهي بلفظ: فاشتدَّ ذلك على المسلمين وقالوا: سُبقت العضباء. ١٤٤ باب ٦١ / ح ٢٨٧٣ -٢٨٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وأما رواية النَّسَفي فليس في حديثَي الباب إلا ذِكرُ البغلة خاصةً، ويمكن أن يكون أخلى آخرَ الباب بياضاً كما قلناه في رواية المستَمْلي، أو يُؤخَذ حكم الحمار من البغلة. وقد أخرج عبدُ بن حُميد (١٢٢٩) من حديث أنس: أن النبيِ وَّ كان يوم خيبر على حمارٍ تَخَطُوم بحبلٍ من لِیفٍ، وفي سنده مَقَال. ٦١ - باب بغلة النبيّ ◌َّ البيضاء قاله أنسُ. وقال أبو مُميدٍ: أَهدَى ملكُ أَيْلَةَ للنبيِّوَِّ بِغْلَةً بيضاءَ. ٢٨٧٣- حدَّثْنَا عَمرُو بنُ عليٍّ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني أبو إسحاقَ، ٧٥/٦ قال: سمعتُ عَمْرَو بنَ الحارثِ قال: ما تَرَكَ النبيُّ ◌َّهِ إلا بَغْلَتَه البيضاءَ وسلاحَه، وأرضاً تَرَکَھا صَدَقةً. ٢٨٧٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: حدَّثني أبو إسحاقَ، عن البَرَاءِ ﴾ قال له رجلٌ: يا أبا عُمَارَةَ، وَلَّيْتُم يومَ حُنَيْنٍ؟ قال: لا والله ما وَلَّى النبيُّ وَّهِ، ولكنْ وَلَّى سَرَعانُ الناسِ، فَلَقِيَهم هَوَازنُ بِالنَّبْلِ، والنبيُّ ◌َِّ على بغلتِهِ البيضاءِ، وأبو سفيانَ بنُ الحارثِ آخِذٌ بِجَامِها، والنبيُّ وَلّ يقول: (أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِبْ)) قوله: ((باب بَغْلَة النبيِ نَّالبيضاءَ. قاله أنس)) يُشِيرُ إلى حديثه الطَّويل في قصَّة حُنَين، وسيأتي موصولاً مع شرحِه في المغازي (٤٣٣٧) وفيه: وهو على بَغلةٍ بيضاءَ. قوله: ((وقال أبو مُميدٍ: أهدى مَلِكُ أَيْلَةَ للنبيِ وَّهِ بَغْلَةً بيضاءَ))، يشيرُ إلى حديثه الطّويل في غزوة تَبُوكَ، وقد مضى موصولاً في أواخر كتاب الزَّكاة (١٤٨١)، وفيه هذا القَدْرُ وزيادةٌ، وتقدَّمت الإشارة إلى اسم صاحبٍ أيلةَ هناك مع بقيّة شرح الحديث. وممَا يُنَبَّه عليه هنا: أنَّ البغلةَ البيضاءَ التي كان عليها في حُنَين غيرُ البغلة البيضاءِ التي أهداها له مَلِك أيلةَ؛ لأنَّ ذلك كان في تَبُوكَ، وغزوة حُنَين كانت قبلَها، وقد وقع في مسلم ١٤٥ باب ٦٢ / ح ٢٨٧٥ - ٢٨٧٦ كتاب الجهاد (١٧٧٥) من حديث العبّاس: أنَّ البغلةَ التي كانت تحته في حُنَين أهداها له فَرْوة بن نُفَاثَةً - بضمِّ النُّون بعدَها فاءٌ خفيفة ثمَّ مُثلَّثة - وهذا هو الصحيحُ، وذكر أبو الحسين بن عَبْدوس: أنَّ البغلةَ التي رَكِبَها يومَ حُنَين هي دُلدُلِّ، وكانت شَهْباءَ أهداها له المُقَوقِسُ، وأنَّ التي أهداها له فَرْوة يقال لها: فِضَّة، ذكر ذلك ابن سعد وذكر عكسَه، والصحيح ما في مسلم. ثمَّ ذکر المصنّف في الباب حدیثین: أحدهما: حديث عَمْرو بن الحارث، وهو أخو جُوَيرِيَة أمّ المؤمنينَ، قال: ما تَرَكَ رسول الله وَي﴿ٍ إلَّاّ بغلتَه البيضاءَ ... الحديث، وقد تقدَّم في أوَّل الوَصَايا (٢٧٣٩) وأنَّ شرحَه يأتي في الوفاة آخرَ المغازي (٤٤٦١). ثانيهما: حديث البراء في قصَّة حُنَين، وقد تقدَّم قريباً (٢٨٦٤)، وفيه: والنبي ◌ُّ على بَغلةٍ بيضاءَ، وسيأتي شرحُه في المغازي (٤٣١٧) إن شاء الله تعالى. واستُدِلَّ به على جواز التَّاذِ البِغَال وإنزاءِ الحُمُرِ على الخيل، وأمَّا حديثُ عليٍّ أنَّ النبي وَلّم قال: ((إنَّما يفعلُ ذلك الذين لا يعلمون)) أخرجه أبو داود (٢٥٦٥) والنَّسائي (٣٥٨٠) وصحَّحه ابن حِبّان (٤٦٨٢)، فقال الطَّحَاوي (٣/ ٢٧١): أخَذَ به قوم فحَرَّموا ذلك، ولا حُجَّةَ فيه، لأنَّ معناه الحَضُّ على تكثير الخيل لما فيها من الثَّواب، وكأنَّ المراد: الذين لا يعلمون الثَّوابَ المرتَّبَ على ذلك. ٦٢ - باب جهاد النّساء ٢٨٧٥- حدَّثنا محمّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن معاويةَ بنِ إسحاقَ، عن عائشةَ بنت طَلْحَةَ، عن عائشةَ أمُّ المؤمنينَ رضي الله عنها قالت: استأذَنتُ النبيَّ ◌ََّ في الجهادِ، فقال: «جھادُکنَّ الحُّ)». وقال عبدُ الله بنُ الوليدِ: حدَّثنا سفيانُ، عن معاويةَ، بهذا. ٢٨٧٦ - حدَّثْنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن معاويةَ، بهذا. ١٤٦ باب ٦٣ / ح ٢٨٧٧ -٢٨٧٨ فتح الباري بشرح البخاري ٧٦/٦ وعن حَبِيبٍ بنِ أبي عَمْرةَ، عن عائشةَ بنت طَلْحَةَ،/ عن عائشةَ أمّ المؤمنينَ، عن النبيِّ وَلـ سأله نِساؤُه عن الجهادِ، فقال: ((نِعْمَ الجهادُ الحجُّ)). قوله: ((باب جهاد النِّساء)) ذَكَر فيه حديث عائشة: ((جهادُكنَّ الحجّ))، وقد تقدَّم في أوَّل الجهاد (٢٧٨٤)، ومضى شرحُه في كتاب الحجِّ (١٨٦١)، وله شاهدٌ من حديث أبي هريرة أخرجه النَّسائي (٢٦٢٦) بلفظ: ((جهادُ الكبير - أي: العاجزِ الضَّعيفِ - والمرأةِ الحُجّ والعمرةُ». قوله فيه: ((وقال عبدُ الله بن الوليد)) هو العَدَني، وروايتُه موصولة في ((جامع سفيان))(١)، وقوله في الطَّريق الأُخرى: ((وعن حَبيب بن أبي عَمْرة)) هو موصولٌ من رواية قَبِيصةَ المذكورة. والحاصل أنَّ عنده فيه عن سفيان إسنادين، وقد وَصَلَه الإسماعيلي من طريق هَنّاد بن السَّرِيِّ عن قبيصةَ كذلك. وقال ابن بَطَّال: دلَّ حديثُ عائشة على أنَّ الجهادَ غير واجبٍ على النِّساء، ولكن ليس في قوله: ((جهادُكنَّ الحجّ)) أنَّه ليس لهنَّ أَن يَتَطَوَّعنَ بالجهاد، وإنَّما لم يكن عليهنَّ واجباً لما فيه من مُغايرة المطلوب منهنَّ من السَّتْر ومجانبة الرِّجال، فلذلك كان الحجُّ أفضلَ لهنَّ من الجهاد. قلت: وقد لَمَّح البخاري بذلك في إيراده التَّرجمةَ مُجمَلَةً وتعقيِها بالتَّراجم المصرِّحة بخروجِ النِّساءِ إلى الجهاد. ٦٣ - باب غزوِ المرأة في البحر ٢٨٧٧، ٢٨٧٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا معاويةُ بنُ عَمرو، حدَّثنا أبو إسحاقَ . هو الفَزَاري - عن عبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحمن الأنصاريِّ، قال: سمعتُ أنساً ﴾ يقول: دَخَلَ رسولُ اللهَِّ على ابنةٍ مِلْحانَ فاتَّكأَ عندَها، ثمَّ ضَحِكَ، فقالت: لِمَ تَضْحَكُ يا رسولَ الله؟ فقال: ((ناسٌ من أمَّتي يَركَبونَ البحرَ الأخضَرَ في سبيلِ الله، مَثَلُهم مَثَلُ الملوكِ على الأسِرَّة» (١) ووصلها أيضاً إسحاق بن راهويه في («مسنده)) (١٠١٥) عن عبد الله بن الوليد العدني. ١٤٧ باب ٦٣ / ح ٢٨٧٧ -٢٨٧٨ كتاب الجهاد فقالت: يا رسولَ الله، ادْعُ اللهَ أن يجعلني منهم، فقال: ((اللهمَّ اجعَلْها منهم)) ثمَّ عادَ فضَحِكَ، فقالت له مِثلَ - أو مِمَّ - ذلك، فقال لها مِثْلَ ذلك، فقالت: ادْعُ اللهَ أن يجعلني منهم، قال: ((أنتِ مِن الأوَّلِينَ ولستٍ مِن الآخِرِينَ)). قال: قال أنس: فَتَزَوَّجَت عُبادةَ بنَ الصَّامتِ فَرَكِبَتِ البحرَ مع بنت قَرَظَةَ، فلمَّا قَفَلَت رَكِبَت دابّتَها، فوَقَصَت بها، فسَقَطَت عنها فاتَتْ. قوله: ((باب غَزْوِ المرأة في البحر)) ذكر فيه حديث أنس في قصَّة أمّ حَرَام، وقد تقدَّم قريباً في («باب فضل مَن يُصرَعُ في سبيل الله)) (٢٧٩٩ و٢٨٠٠)، ويأتي شرحُه في كتاب الاستئذان (٦٢٨٢ و ٦٢٨٣) إن شاء الله تعالى. وقوله في آخرِهِ: ((قال أنس: فَتَزَوَّجَتْ عُبادةَ بن الصَّامت)) ظاهره أنَّها تزوَّجته بعدَ هذه المقالة، ووقع في رواية إسحاق عن أنس في أوَّل الجهاد (٢٧٨٨ و٢٧٨٩) بلفظ: ((وكانت أمّ حَرَام تحت عُبادة بن الصَّامت، فدَخَلَ عليها رسولُ الله ◌ِوَلَه))، وظاهرُه أنَّها كانت حينئذٍ زوجتَه، فإمَّا أن يُحمَلَ على أنَّها كانت زوجته ثمَّ طَلَّقَها ثمَّ راجَعَها بعدَ ذلك، وهذا جواب ابن التِّين، وإمَّا أن يُجُعَلَ قوله في رواية إسحاق: ((وكانت تحت عُبادة)) جُملةً مُعتَرضةً أراد الرّاوي وصفَها به غيرَ مُقيَّدٍ بحالٍ من الأحوال، وظهَرَ من رواية غيره أنَّه إنَّما تزوَّجها بعدَ ذلك، وهذا الثَّانِي أَولى، لموافَقة محمَّد بن يحيى بن حَبّانَ عن أنس على أنَّ عُبادةَ تزوَّجها بعدَ ذلك کما سيأتي بعد اثني عشر باباً (٢٨٩٤و ٢٨٩٥). وقوله في آخره: ((فَرَكِبَت البحرَ مع بنتِ قَرَظة)) هي زوجُ معاوية، واسمُها فاختةُ، وقيل: كَنُود، وكانت تحت عُتْبَةَ بن سَهْل قبلَ معاوية، ويحتملُ أن يكون معاوية تزوَّج الأُختَين واحدةً بعد أُخرى، / هذه رواية ابن وَهْب في ((موطَّأيه))(١) عن ابن لهيعةَ عمَّن سمعَ قال: ٧٧/٦ ومعاويةٌ أوَّلُ مَن رَكِبَ البحرَ للغَزَاة، وذلك في خلافة عثمان. (١) في (أ) و(س): موطآته، والمثبت من (ع)، وهو الصواب، فإن ابن وهب صنف ((الموطأ الكبير)) و((الموطأ الصغیر))، وانظر ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان ٣٦/٣. ١٤٨ باب ٦٣ / ح ٢٨٧٧ - ٢٨٧٨ فتح الباري بشرح البخاري وأبوها قَرَظةُ - بفتح القاف والرّاءِ والظّاءِ المعجمة -: هو ابن عبد عَمْرو بن نَوفَل بن عبد مَنافٍ، وهي قُرَشيةٌ نَوفَليةٌ، وظنَّ بعضُ الشُّرّاحِ أنَّها بنتُ قَرَظةَ بن كعب الأنصاري فَوَهِمَ، والذي قلتُه صَرَّحَ به خَلِيفة بنُ خيَّاطٍ في ((تاريخه)) وزادَ: أنَّ ذلك كان سنةَ ثمانٍ وعشرينَ، والبَلاذُري في ((تاريخه)) أيضاً، وذكر أنَّ قَرَظَ بنَ عبد عَمْروٍ مات كافراً، فيكون لها هي رُؤْية، وكذا لأخيها مسلم بن قَرَظة الذي قُتِلَ يومَ الجمل مع عائشة. تنبيهان يتعلَّقانِ بهذا الإسناد: أحدُهما: وَقَع في هذا الإسناد: ((حدَّثنا أبو إسحاق - هو الفَزاري - عن عبد الله بن عبد الرّحمن الأنصاري)) هكذا هو في جميع الرِّوايات ليس بينهما أحد، وزَعَمَ أبو مسعود في ((الأطراف)) أنَّه سقط بينهما زائدةُ بنُ قُدامة، وأقرَّه المِزِّي على ذلك وقوَّاه بأنَّ المسيَّبَ بن واضحِ رواه عن أبي إسحاق الفَزَاري عن زائدةَ عن أبي طُوَالةَ، وقد قال أبو عليّ الجَيَّاني: تأمَّلتُه في ((السِّيَرَ)) لأبي إسحاق الفَزَاري، فلم أجِدْ فيها زائدةً، ثمَّ ساقه من طريق عبد الملك بن حبيب عنه عن أبي طُوَالةَ، ليس بينهما زائدةٌ، ورواية المسيّب بن واضح خطأً، وهو ضعيفٌ لا يُقضَى بزيادتِه على خطأ ما وقع في ((الصحيح))، ولا سيَّما وقد أخرجه الإمامُ أحمد في «مُسنَده)) (١٣٧٩٠) عن معاوية بن عَمْرو شيخ شيخ البخاري فيه كما أخرجه البخاريُّ سواءً ليس فيه زائدة، وسبب الوَهْم من أبي مسعود أنَّ معاوية بن عَمْرو رواه أيضاً عن زائدةَ عن أبي طُوَالة، فظَنَّ أبو مسعود أنَّه عند معاوية بن عَمْرو عن أبي إسحاق عن زائدة، وليس كذلك، بل هو عنده عن أبي إسحاق وزائدة معاً، جمعهما تارةً وفَرَّقَهما أُخرى، أخرجه أحمد (١٣٧٩٠) عنه عاطفاً لروايتِه عن أبي إسحاق على روايتِه عن زائدة، وأخرجه الإسماعيلي من طريق أبي خَيْئمةَ عن معاوية بن عَمْرو عن زائدةً وحدَه به، وكذا أخرجه أبو عَوَانةَ في «صحيحه» (٧٤٥٨) عن جعفرِ الصَّائغ عن معاوية، فَوَضَحَت صِحَّةُ ما وقع في ((الصحيح))، ولله الحمد. ثانيهما: هذا الحديثُ رواه عن أنس إسحاقُ بن أبي طلحة ومحمَّد بن يحيى بن حَبّان وأبو طُوَالةَ، فقال إسحاق في روايتِهِ عن أنس: كان رسولُ اللهِ وَّهِ يَدخُلُ على أمّ حَرَامِ، ١٤٩ باب ٦٤-٦٥ / ح ٢٨٧٩ - ٢٨٨٠ كتاب الجهاد وقال أبو طُوَالةَ في روايتِهِ: دَخَلَ رسولُ اللهِلَّهَ على بنت مِلْحانَ، وكلاهما ظاهر في أنَّه من مُسنَد أنسٍ، وأمَّا محمَّد بن يحيى فقال: ((عن أنس عن خالَتِهِ أمّ حَرَام)) وهو ظاهرٌ في أنَّه من مُسنَدَ أمّ حَرَام، وهو المعتمَد، وكأنَّ أنساً لم يَحِضُر ذلك فحَمَلَه عن خالَتِهِ، وقد حدَّث به عن أمّ حَرَامِ عُمَيرُ بن الأسوَد أيضاً كما سيأتي بعدَ أبوابٍ (٢٩٢٤)، وقد أحالَ المِزِّيّ برواية أبي طُوَالةَ في مُسنَد أنس على مُسنَد أمِّ حَرَام، ولم يفعل ذلك في رواية إسحاق بن أبي طلحة، فأوهَمَ خلافَ الواقع الذي حَرَّرتُه، والله الهادي. ٦٤- باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه ٢٨٧٩ - حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حذَّثنا عبدُ الله بنُ عمرَ الثُّمَيِيُّ، حذَّثنا یونسُ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ، قال: سمعتُ عُرْوةَ بنَ الزُّبَير وسعيدَ بنَ المسيّب وعَلْقمةَ بنَ وَقَّاصٍ وعُبيدَ الله بنَ عبدِ الله، عن حديث عائشةَ، كلٌّ حدَّثني طائفةً مِن الحديث، قالت: كان النبيُّ وَ لَ﴿ إِذا أرادَ أن يَخْرُجَ أقرَعَ بينَ نِسائِه، فأيَّتُهنَّ يَخْرُجُ سَهْمُها خَرَجَ بها النبيُّ ◌َِّ، فَأَقْرَعَ بينَنَا في غَزْوةٍ غَزَاها، فخَرَجَ فيها سَهْمي، فخرجتُ مع النبيِّ وَّ بعدَما أَنْزِلَ الحِجابُ(١). قوله: ((بابُ حَمْل الرجل امرأته في الغَزْوِ دونَ بعضِ نسائه)» ذكر فيه طرفاً من حديث ٧٨/٦ عائشة في قصَّة الإفك، وهو ظاهرٌ فيما ترجم له، وسيأتي شرحُ حديث الإفك تامّاً في التفسير (٤٧٥٠)، وفيه التَّصريحُ بأنَّ حمَلَ عائشةَ معه كان بعدَ القُرعة بين نسائه. ٦٥ - باب غزو النّساء وقتالهنّ مع الرجال ٢٨٨٠- حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أنسٍ ﴾ قال: لمَّا كان يومُ أُحد انهَزَمَ الناسُ عن النبيِّ ◌َّهَ، قال: ولقد رأيتُ عائشةَ بنتَ أبي بكرٍ وأمَّ سُلَيم وإنَّما لَمُشمِّرَتانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِما تَنقُزانِ القِرَبَ - وقال غيره: تَنقُلان القِرَبَ - علی مُتوضهما، ثمَّ تُفِرِغانِهِ في أفواه القومِ، ثمَّ تَرجِعانِ فَتَمْلَآنِها، ثمَّ تَجِيئانِ فتُفرِغانِه في أفواهِ القومِ. [أطرافه في: ٢٩٠٢، ٣٨١١، ٤٠٦٤] (١) في (س): قبل أن ينزل الحجاب، وهو خطأ. ١٥٠ باب ٦٥ / ح ٢٨٨٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب غَزْوِ النِّساءِ وقتالهنَّ مع الرِّجال)) وقع في هذه التَّرجمة حديثُ الرُّبَيِّع بنتِ مُعوِّذٍ، وسيأتي بعدَ بابٍ (٢٨٨٢)، وفي حديث أمّ عَطيَّة الذي مضى في الحيض، وفي حديث ابن عبّاس عند مسلم (١٨١٢١/ ١٣٧): كان يَغْزُو بهنَّ فيُداوينَ الجَرحِى ... الحديث، ووقع في حديثٍ آخرَ مُرسَل أخرجه عبد الرزّاق، عن مَعمَر، عن الزُّهْريّ(١) قال: كان النِّساءِ يَشهَدنَ مع النبي ◌َّرِ المشاهدَ ويَسِقِين المقاتِلةَ ويُداوينَ الجرحى، ولأبي داود (٢٧٢٩) من طريق حَشرَجٍ بن زياد عن جَدَّتِه: أنهنَّ خَرَجنَ مع النبيِّه في حُنَين، وفيه: أنَّ النبي ◌ََّ سألهنَّ عن ذلك فقُلن: خَرَجْنا نَغْزِلُ الشَّعرَ، ونُعِينُ في سبيل الله، ونُداوي الجرحى، ونُناوِلُ السِّهام، ونَسقي السَّويقَ. ولم أرَ في شيءٍ من ذلك التَّصريحَ بأنهنَّ قاتَلنَ، ولأجل ذلك قال ابن المنيِر: بَوَّبَ على قتالهنَّ وليس هو في الحديث، فإمّا أن يريدَ أنَّ إعانَتَهنَّ للغُزاة غَزْوٌ، وإمَّا أن يريدَ أنهنَّ ما ثَبَتنَ لسَقْي الجرحى ونحوِ ذلك إلّ وهنَّ بصَدَدِ أن يُدافعنَ عن أنفُسِهِنَّ، وهو الغالبُ. انتهى، وقد وقع عند مسلم (١٣٤/١٨٠٩) من وجهٍ آخرَ عن أنس: ((أنَّ أَمَّ سُلَيم اتَّخَذَت خِنجَراً يومَ حُنَين فقالت: اَّخَذْته إن دَنَا مِنِّي أحدٌ من المشركينَ بَقَرتُ به بطنَه. ويحتملُ أن يكون غَرَضُ البخاري بالتَّرجمة أن يُبيِّنَ أنهنَّ لا يقاتلنَ وإن خَرَجنَ في الغَزْو، فالتقدير بقوله: ((وقتاهنَّ مع الرِّجال)) أي: هل هو سائغٌ، أو إذا خَرَجنَ مع الرِّجال في الغَزْو يَقْتَصِرِنَ على ما ذُكِرَ من مُداواة الجرحى ونحوِ ذلك؟ ثم ذكر المصنف حديثَ أنس: لمَّا كان يومُ أُحدِ انْهَزَمَ الناس ... الحديثَ، والغَرَضُ منه قوله فيه: ((ولقد رأيتُ عائشةَ بنتَ أبي بكر وأمَّ سُلَيم وإنَّهما لَمُشمِّرَتان))، وقد أخرجه في المغازي (٤٠٦٤) بهذا الإسناد بأتمَّ من هذا السِّياق، ويأتي شرحُه هناك إن شاء الله تعالى. وقوله: ((خَدَمَ سُوقِهما)) بفتح الخاءِ المعجمة والدَّال المهمَلة، وهي الخَلاخيلُ، وهذه كانت قبلَ الحِجاب، ويحتملُ أنَّها كانت عن غير قصدٍ للنّظَر. (١) هو عند عبد الرزاق برقم (٩٦٧٣) عن معمر عن إبراهيم ... فذكره، وبرقم (٩٦٧٤) عن ابن جريج عن الزهري، مثله، وليس عنده معمر عن الزهري، إلا أن يكون إبراهيم تحرف عن الزهري، والله تعالى أعلم. ١٥١ باب ٦٦ / ح ٢٨٨١ كتاب الجهاد وقوله: ((تَنْقُزان)) بضمِّ القاف بعدَها زايٌ، و((القِرَب)) بكسر القاف وبالموحَّدة: جمعُ قِرِيةٍ. وقوله: ((وقال غيره: تَنقُلان القِرَبَ)) يعني: باللّام دونَ الزّاي، وهي روايةٌ جعفر بن مِهرانَ عن عبد الوارث، أخرجها الإسماعيلي. وقوله: (تَنْقُزان)) قال الدَّاوودي: معناه: تُسرِعانِ المشيَ كالهَرَوَلة. وقال عياضٌ: قيل: معنى ((تَنْقُزانٍ)): تَثِبان، والنَّقُزُ: الوَثبُ والقَفْزُ، كِنايةً عن (١) سُرعة السَّير، وضَبَطُوا الْقِرَبَ بالنَّصب، وهو مُشكِلٌ على هذا التأويل، بخلاف رواية ((تَنقُلان)) قال: وكان بعضُ الشَّيوخ يقرؤُه برفع ((القِرَب)) على أنَّ الجملةَ حالٌ، وقد خَرَّجَ روايةَ النَّصْب على نَزْع الخافض، كأنَّه قال: تَثِبانِ بالِقِرَب، قال: وضَبَطَه بعضُهم ((تُنِزانِ)) بضمّ أوَّلِه، / أي: تُحرِّكانِ القِرَبَ ٧٩/٦ لشدَّة عَدْوِهما، وتَصِحُّ على هذا رواية النَّصب. وقال الخطَّبي: أحسَبُ الرِّوايةَ: ((تَزِفِران)) بدل: تَنقُزان، والزَّفر: حَملُ القِرَبِ الثَّقال كما في الحديث الذى بعده. ٦٦ - باب حَمْل النساء القربَ إلى الناس في الغزو ٢٨٨١ - حدَّثْنَا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال ثَعْلبةُ بنُ أبي مالكٍ: إنَّ عمرَ بنَ الخطَّبِ عُ قَسَمَ مُرُوطاً بينَ نساءٍ من نساءِ المدينةِ، فبَقِيَ مِرْطٌ جيٌِّ، فقال له بعضُ مَن عندَه: يا أميرَ المؤمنينَ، أَعطِ هذا ابنةَ رسولِ اللهِ ﴿ التي عندَكَ؛ يريدونَ أَمَّ كُلْثُومٍ بنتَ عليٍّ، فقال عمر: أُّ سَلِيطٍ أحقُّ. وأُّ سَلِيطٍ من نساءِ الأنصارِ ممَّن بايعَ رسولَ الله ◌ِّهه قال عمرُ: فإنَّها كانت تَزْفِرُ لنا القِرَبَ يومَ أُحدٍ. قال أبو عبد الله: تزفِرُ: تَخِيط. [طرفه في: ٤٠٧١] قوله: («بابُ ◌َمْلِ النِّساءِ القِرَبَ إلى الناسِ في الغَزْو)» أي: جواز ذلك. قوله: ((قال ثَعْلبة بنُ أبي مالك» في رواية ابن وَهْب عن يونسَ عند أبي نُعيم في (١) في (أ) و(ع): كأنه من، والمثبت من (س). ١٥٢ باب ٦٦ / ح ٢٨٨١ فتح الباري بشرح البخاري (المستَخرَج)) عن ثَعْلبة القُرَظي - بضمِّ القاف وفتح الرّاءِ بعدَها مُعجَمة - مُخْتَلَفٌ في صُحَيَتِه، قال ابن معين: له رؤيةٌ(١)، وقال ابن سعد: قَدِمَ أبو مالك، واسمُه عبدُ الله بنُ سام، من اليمن وهو من كِندةَ، فتزوَّج امرأة من بني قُرَيظة فعُرِفَ بهم، وحالَفَ الأنصار. قلت: وكانت اليهوديةُ قد فَشَتْ في اليمن، فلذلك صاهَرَهم أبو مالك، وكأنَّه قُتِلَ في بني قُرَيظةَ، فقد ذكر مُصعَبُ الزُّبيري: أنَّ ثعْلبة ممَّن لم يكن أَنْبَتَ (٢) فتُرِكَ، وكان ثَعْلبةُ إمامَ قومِه، وله حديثٌ مرفوعٌ عند ابن ماجَهْ (٢٤٨١)، لكن جَزَمَ أبو حاتم بأنَّه مُرسَلٌ، وقد صَرَّحَ الزّهْريّ عنه بالإخبار في حديثٍ آخرَ سيأتي في (باب لواءِ النبي ◌َّرِ)) (٢٩٧٤). قوله: ((فقال له بعضُ مَن عنده)) لم أقِفْ على اسمِهِ. قوله: ((يريدونَ أمّ كُلُّوم) كان عمرُ قد تزوَّج أمَّ كُلُوم بنت عليّ وأمُّها فاطمةُ، ولهذا قالوا لها: بنتُ رسول اللهِ وَّ، وكانت قد وُلِدَت في حياته، وهي أصغرُ بنات فاطمة عليها السلام. قوله: ((أمّ سَلِيط)) كذا فيه بفتح المهمَلة وكسر اللّام وزن رَغِيف، ولم أرَ لها في كتب مَن صَنَّفَ في الصحابة ذِكْراً إلَّا في ((الاستيعاب)) فذكرها مختصرةً بالذي هنا، وقد ذكرها ابن سعد في طبقات النِّساءِ وقال: هي أمّ قيس بنت عُبيد بن زياد بن ثَعْلبة من بني مازن، تزوَّجها أبو سَلِيط بنُ أبي حارثة عَمْرو بن قيس من بني عَدِيٍّ بن النَّجّار، فَوَلَدَت له سَلِيطاً وفاطمة، يعني فلذلك يقال لها: أمّ سَلِيط، وذُكِرَ أنَّهَا شَهِدَت خيبر وحُنَيناً، وغَفَلَ عن ذِكْر شُهُودِها أُحداً، وهو ثابتٌ بهذا الحديث، وذَكَر في ترجمة أمّ عُمارةَ الأنصارية (٤١٥/٨) شَبيهاً بهذه القصّة من وجهٍ آخرَ عن عمرَ، لكن فيه: فقال بعضُهم: أعطِهِ صَفيَّة بنتَ أبي عُبيد زوجَ عبد الله بن عمر، وقال فيه أيضاً: لقد سمعتُ رسولَ الله وَلِّ يقول: ((ما التَّفَتُّ يميناً ولا شمالاً يومَ أُحد إلَّا وأنا أراها تقاتل دوني))(٣)، فهذا يُشعِرُ بأنَّ القصَّةَ تَعدَّدَت. (١) تحرف في (س) إلى: رواية. (٢) زاد هنا في (أ) و(س) كلمة ((قوله))، وتصحف لفظ ((أنبت)) في (س) إلى: أثبت، وكلاهما خطأ، والصواب ما أثبتنا من (ع)، ومعناه: أنبت شعر قُبُله. (٣) وإسناده ضعيف لا يصلح للاحتجاج به. ١٥٣ باب ٦٧-٦٨ / ح ٢٨٨٢ - ٢٨٨٣ كتاب الجهاد قوله: ((تَزْفِرِ)) بفتح أوَّلَه وسكون الزّاي وكسر الفاء، أي: تَحمِلُ، وزناً ومعنى. قوله: ((قال أبو عبد الله: تَزْفِرُ: تَخِيط)) كذا في رواية المُستَمْلِي وحدَه، وتُعقّبَ بأنَّ ذلك لا يُعرَفُ في اللُّغة، وإنَّما الزَّفْرُ الحَمْل، وهو بوزنِه ومعناه، قال الخليل: زَفَرَ بالِحِمْلِ زَفْراً: نَهَضَ به. والزِّفْر أيضاً: القِرْبة نفسُها، وقيل: إذا كانت مملوءَةً ماءً، ويقال للإماءِ إذا حَمَلنَ القِرَبَ: زَوافرُ، والزّفر أيضاً: البحرُ الفيَّاضُ، وقيل: الزّافر: الذي يعينُ في حمل القِربة. قلت: وقع عند أبي نُعيم في ((المستَخرَج)) بعدَ أن أخرجه من طريق عبد الله بن وَهْب ٨٠/٦ عن يونسَ: قال عبد الله: تَزفِرُ: تَحمِلُ، وقال أبو صالح كاتبُ اللَّث: تَزْفِرُ: تَخُرُز. قلت: فلعلَّ هذا مُستند البخاري في تفسيره. وسيأتي بقيَّةُ الكلام على فوائدٍ هذا الحديث في غزوة أحد (٤٠٧١) إن شاء الله تعالى. ٦٧ - باب مُداواة النّساء الجرحى في الغزو ٢٨٨٢ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا بِشرُ بنُ المفضَّلِ، حدَّثنا خالدُ بنُ ذَكْوانَ، عن الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذٍ قالت: كنَّا مع النبيِّ وَلَ نَسْقي، ونُداوي الجَرْحَى، وَرُدُّ القتلَى إلى المدينةِ. [طرفاه في: ٢٨٨٣، ٥٦٧٩] ٦٨ - باب ردِّ النّساء الجرحى والقتلى ٢٨٨٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشرُ بنُ المفضَّل، عن خالدِ بنِ ذَكْوانَ، عن الرُّبَيِّع بنت مُعوِّدٍ قالت: كنّا نَغْزُو مع النبيِّ وَّهِ فَتَسْقي القومَ، ونَخْدُمُهم، ونَرُدُّ الجَرْحَى والقتلَى إلى المدينة. قوله: ((باب مُداواة النِّساءِ الجَرْحى)) أي: من الرِّجال وغيرهم ((في الغَزْو)). ثم قال بعده: ((باب ردِّ النساء الجرحى والقتلى)) كذا للأكثر، وزاد الكُشميهني: إلى المدينة. قوله: ((عن الرُّبَيِّع)) بالتَّشديد، وأبوها مُعوِّذ بالتَّشديد أيضاً والذّال المعجمة، لها ولأبيها صُحْبة. قوله: ((كنَّا مع النبيِِّّ نَسْقي)) كذا أورَدَه في الأوَّل مختصراً، وأورَدَه في الذي بعده وسياقه أتمُّ وأوفى بالمقصودِ، وزاد الإسماعيلي من طريقٍ أُخرى عن خالد بن ذَكْوان: ولا نُقاتل. ١٥٤ باب ٦٩ / ح ٢٨٨٤ فتح الباري بشرح البخاري وفيه جوازُ مُعالَجَة المرأة الأجنبية الرجلَ الأجنبيَّ للضَّرُورة، قال ابن بَطَّل: ويَخْتَصُّ ذلك بذَوَات المَحَارمِ ثمَّ بالمتجالَّات منهنَّ؛ لأنَّ موضع الجُرْح لا يُلتَذَّ بلمسِه بل يَقشَعِرُّ منه الجلدُ، فإن دَعَت الضَّرُورةُ لغير المتجالّات، فليكن بغير مُباشَرةٍ ولا مَسِّ، ويدلُّ على ذلك اتّفاقُهم على أنَّ المرأة إذا ماتت ولم تُوجَد امرأة تُغسِّلُها أنَّ الرجلَ لا يباشرُ غَسْلَها بالمسّ، بل يُغْسِّلُها من وراءِ حائلِ في قول بعضِهم كالزّهْريّ، وفي قول الأكثر: تُممَّمُ، وقال الأوزاعي: تُدفَنُ كما هي. قال ابن المنيِِّ: الفرقُ بين حال المداواة وتغسيل المَيِّتِ أنَّ الغُسلَ عبادةٌ، والمداواةَ ضَرُورة، والضَّرُوراتُ تُبِيحُ المحظورات. ٦٩ - باب نَزْع السَّهم من البَدَن ٢٨٨٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيد بنِ عبدِ الله، عن أبي بُرْدَ، عن أبي موسى ﴾ قال: رُمِيَ أبو عامرٍ في رُكْبتِهِ فانتَهَيتُ إليه، فقال: انزِعْ هذا السَّهْمَ، فَزَعتُه فَتَزَا منه الماءُ، فدخلتُ على النبيِّ ◌َِّ فأخبرتُه، فقال: ((اللهمَّ اغفِرْ لعُبيدٍ أبي عامٍ)). [طرفاه في: ٤٣٢٣، ٦٣٨٣] ٨١/٦ قوله: ((بابُ نَزْعِ السَّهْم من البَدَن)) ذكر فيه حديث أبي موسى في قصَّة عمِّه أبي عامر باختصار، وساقه في غزوة حُنَين بتمامه (٤٣٢٣)، وسيأتي شرحُه هناك إن شاء الله تعالى. قال المهلَّب: فيه جواز نَزْعِ السَّهم من البَدَن وإن كان في غِبِّه الموتُ(١)، وليس ذلك من الإلقاءِ إلى التَّهلُكة إذا كان يَرجُو الانتفاعَ بذلك، قال: ومِثْلُه البَطَّ والكَيُّ وغيرُ ذلك من الأُمور التي يُتَداوی بها. وقال ابن المنيِِّ: لعلَّه ترجم بهذا لئلا يُتَخَيَّلَ أنَّ الشَّهيدَ لا يُنزَعُ منه السَّهُمُ بل يبقى فيه، كما أمَرَ بدَفْنِهِ بدمائه حتَّى يُبعَثَ كذلك، فبيَّن بهذه التَّرجمة أنَّ هذا ممَّا شُرِعَ، انتهى. (١) أي: في عاقبته، وفي ((اللسان)) مادة (غبب): وغِبُ كل شيء: عاقِتُهُ. ١٥٥ باب ٧٠ / ح ٢٨٨٥ كتاب الجهاد والذي قاله المهلَّب أَولى؛ لأنَّ حديثَ الباب يَتعلَّقُ بمَن أصابه ذلك وهو في الحياة بعدُ، والذي أَبداه ابنُ المنيِّ يَتعلَّقُ بنَزِعِه بعدَ الوفاة. ٧٠ - باب الحراسة في الغزو في سبيل الله ٢٨٨٥ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ خَلِيلٍ، أخبرنا عليٌّ بنُ مُسهِرٍ، أخبرنا يحيى بنُ سعیدٍ، أخبرنا عبدُ الله بنُ عامٍ بنِ رَبِيعةً، قال: سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها تقولُ: كان النبيُّ نَّهُ سَهِرَ، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ قال: ((لَيَتَ رجلاً من أصحابي صالحاً يَجِرُّسُني اللَّيلَةَ)) إذ سمعْنا صوتَ سلاحٍ، فقال: ((مَن هذا؟)) فقال: أنا سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ، جِئتُ لأحرُسَكَ، فَنامَ النبيُّ وَّة. [طرفه في: ٧٢٣١] قوله: ((باب الحِراسَةِ في الغَزْوِ في سبيلِ الله)) أي: بيانُ ما فيها من الفضل. وذكر فيه حديثين: أحدهما: عن عائشة. قوله: ((أخبرنا يحيى بن سعيد)) هو الأنصاري، وعبدُ الله بن عامر بن ربيعة: هو العَنَري، له رُؤْيٌ ولأبيه صُحْبة. قوله: (( كان النبي ◌َّهُ سَهِرَ فلمَّا قَدِمَ المدينةَ قال: ليتَ رجلاً صالحاً من أصحابي يَحرُسُني ٨٢/٦ اللَّيلةَ)) هكذا في هذه الرِّواية ولم يُبيِّن زمانَ السَّهَر، وظاهرُه أنَّ السَّهَرَ كان قبلَ القُدُوم والقول بعده، وقد أخرجه مسلم (٢٤١٠/ ٤٠) من طريق اللَّيث عن يحيى بن سعيد، وقال فيه: سَهِر رسول الله وَل﴿ مَقدَمَه المدينةَ ليلةً فقال ... فذكره، وظاهرُه أنَّ السَّهَرَ والقولَ معاً كانا بعدَ القُدُوم، وقد أخرجه النَّسائي (ك٨١٦٠) من طريق أبي إسحاق الفَزَاري عن يحيى ابن سعيد بلفظ: ((كان رسولُ اللهِ وَّ﴿ أوَّلَ ما قَدِمَ المدينةَ يَسهَرُ من اللَّيل))، وليس المراد بقُدُومِه المدينة أوَّلَ قُدُومِه إليها من الهجرة؛ لأنَّ عائشةَ إذ ذاكَ لم تكن عنده، ولا كان سعدٌ أيضاً ممَّن سَبَقَ، وقد أخرجه أحمدُ (٢٥٠٩٣) عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد بلفظ: أنَّ رسولَ اللهِ وَ وَ سَهِرَ ذات ليلةٍ وهي إلى جَنِهِ، قالت: فقلت: ما شَأْنُكَ يا رسول الله؟ الحديث. ١٥٦ باب ٧٠ / ح ٢٨٨٦ فتح الباري بشرح البخاري وقد روى التِّرمِذي (٣٠٤٦) من طريق عبد الله بن شَقِيق عن عائشة قالت: كان النبي وَّه يُجْرَسُ حتَّى نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وإسناده حسنٌ، واختلفَ في وصلِه وإرساله. قوله: ((جِئتُ لأحرُسَكَ)) في رواية اللَّيث المذكورة: فقال: وقع في نفسي خَوفٌ على رسول الله وَله، فجئت أحرُسُه، فدعا له رسولُ الله ◌َێ. قوله: ((فنامَ النبي ◌َّ) زاد المصنِّف في التمنِّي (٧٢٣١) من طريق سليمانَ بن بلال عن يحيى بن سعيد: حتَّى سمعنا غَطِيطَه. وفي الحديث الأخذُ بالحَذَرِ والاحتراس من العدوِّ، وأنَّ على الناس أن يَحِرُسوا سُلطانَهم خَشْيَةَ القتل. وفيه الثَّنَاءُ على مَن تَبرَّعَ بالخير وتسميتُه صالحاً، وإنَّما عانَى النبي وَّ ذلك مع قُوَّةٍ تَوَكَّلِه للاستنانِ به في ذلك، وقد ظاهَرَ بين دِرعَين مع أنَّهم كانوا إذا اشتَدَّ البأسُ كان أمامَ الكلِّ، وأيضاً فالتوكُّل لا يُنافي تَعاطِي الأسباب؛ لأنَّ التوكُّلَ عملُ القلب، وهي عملُ البَدَن، وقد قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَلَكِن لِيَظْمَبِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: ((اعِلْها وتَوَكَّلْ))(١). قال ابن بَطَّال: نُسِخَ ذلك كما دلَّ عليه حديثُ عائشة. وقال القُرْطُبي: ليس في الآية ما يُنافي الحِراسَةَ، كما أنَّ إعلامَ الله نصرَ دينِه وإظهارَه، لا يمنعُ الأمرَ بالقتال وإعدادَ العُدَد، وعلى هذا فالمرادُ العِصمةُ من الفتنة والإضلال، أو إزهاقِ الرُّوح، والله أعلم. ٢٨٨٦ - حدَّثنا يحيى بنُ يوسفَ، أخبرنا أبو بكرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ ◌َُ، عن النبيِّ ◌َِّ قال: ((تَعِسَ عبدُ الدِّينارِ والدِّرْهمِ والقَطِيفَةِ والخَمِيصةِ، إن أُعطِيَ رَضِيَ، وإن لم يُعْطَ لم يَرْضَ)). لم يَرْفَعْه إسرائيلُ ومحمدُ بن جُحَادةَ عن أبي حَصِينٍ. [طرفاه في: ٦٤٣٥،٢٨٨٧] (١) أخرجه الترمذي (٢٥١٧) من حديث أنس بن مالك. ١٥٧ باب ٧٠ / ح ٢٨٨٦ -٢٨٨٧ كتاب الجهاد ٢٨٨٧ - وزادَنا عَمْرٌو، قال: أخبرنا عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ الله بنِ دینارٍ، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّه قال: («تَعِسَ عبدُ الدِّينار وعبدُ الدِّرْهمِ وعبدُ الخَمِيصةِ، إن أُعطِيَ رَضِيَ، وإن لم يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانتَكَسَ، وإذا شِيكَ فلا انتَقَشَر، طُوبَى لعَبْدِ آخِذٍ بعِنانِ فرسِه في سبيلِ الله، أشعَثَ رأسُه، مُغيَرَّةٍ قَدَماه، إن كان في الحِراسةِ كان في الحِراسةِ، وإن كان في السَّاقةِ كان في السَّاقِةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لم يُؤْذَنْ له، وإن شَفَعَ لم يُشفَّعْ)). وقال: ((فَتَعْساً)) فكأنَّه يقول: فأتعَسَهم الله. طُوبَى: فُعْلَى من كلِّ شيءٍ طيِّبٍ، وهي ياءٌ حُوِّلَت إلى الواو، وهي مِن يَطِيبُ. ثانیھما: عن أبي هريرة. قوله: ((وزادنا عَمْرو بن مرزوقٍ)) هكذا، وعَمرٌو هو من شيوخ البخاري، وقد صَرَّحَ بسماعه منه في مواضعَ أُخرى، وجميعُ الإسناد سواه مدنيّونَ، وفيه تابعيانٍ: عبدُ الله بنُ دينار وأبو صالح، والمراد بالزِّيادة قولُه في آخره: (تَعِسَ وانتَكَسَ ... )) إلى آخره، وقد وَصَلَه أبو نُعيم من طريق أبي مسلم الحجّي وغيره عن عمرو بن مرزوق. وسيأتي مزيد لهذا في التمنِّي إن شاء الله تعالى(١). قوله: (تَعِسَ عبدُ الدِّينار)) الحديث سيأتي بهذا الإسناد والمتنِ في كتاب الرِّقاق (٦٤٣٥)، ونذكر شرحَه هناك إن شاء الله تعالى، والغَرَضُ منه هنا قوله في الطَّريق الثَّانية: ((طُوبى لعبدٍ آخِذٍ بعِنانِ فرسِه)) الحديث، لقوله: ((إن كان في الحِراسة كان في الحِراسة». قوله: ((تَعِسَ)) بفتح أوَّله وكسر المهمَلة، ويجوزُ فتحُها، وهو ضِدُّ: سَعِدَ، تقولُ: نَعِسَ فلانٌ، أي: شقيَ، وقيل: معنى التَّعْس: الكَبُّ على الوجه، قال الخليل: التَّعسُ: أن يَعثُرَ فلا يُفِيقُ من عَثْرتِه، وقيل: التَّعسُ: الشرُّ، وقيل: البُعْدُ، وقيل: الهلاكُ، وقيل: التَّعْسُ: أن يَخِرَّ على وجهه، والنَّكْسُ: أن يَخِرَّ على رأسِه، وقيل: تَعِسَ: أخطَا حُجَّتَه وبُغيَتَه. (١) صواب هذه الإحالة أن تكون بإثر شرح حديث عائشة السابق، فهو الذي سيأتي في كتاب التمنِّي برقم (٧٢٣١). ١٥٨ باب ٧٠ / ح ٢٨٨٦ - ٢٨٨٧ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((وانتكَسَ)) بالمهمَلة، أي: عاوَدَه المرضُ، وقيل: إذا سقط اشتَغَلَ بسَقطَتِهِ حتَّى يَسقُطَ أُخرى، وحكى عياضٌ أنَّ بعضَهم رواه: ((انتكَشَ)) بالمعجمة وفَسَّرَه بالرُّجوع، وجَعَلَه دعاءً له لا عليه، والأوَّلُ أَولى. قوله: ((وإذا شِيكَ فلا انتَقَشَ)) شِيكَ: بكسر المعجمة وسكون التَّحتانية بعدَها كافٌ، وانتَقَشَ: بالقاف والمعجمة، والمعنى: إذا أصابته الشَّوكةُ فلا وُجِدَ مَن يُخْرِجُها منه بالمِنقاش، تقولُ: نَقَشتُ الشَّوكَ: إذا استَخرَجتَه. وذكر ابن قُتَيبةَ أنَّ بعضَهم رواه بالعين ٨٣/٦ المهمَلة بدلَ القاف، ومعناه صحيحٌ، لكن مع ذِكْرِ الشَّوكة/ تقوى روايةٌ القاف. ووقع في رواية الأَصِيلي عن أبي زيد المروَزي: ((وإذا شِيتَ)) بمُثَنَّة فَوْقانية بدل الكاف، وهو تغييرٌ فاحشٍ. وفي الدُّعاءِ بذلك إشارةٌ إلى عَكسٍ مقصودِه؛ لأنَّ مَن عَثَرَ فدَخَلَت في رجلِهِ الشَّوكُ فلم يَجِدْ مَن يُخْرِجُها، يصيرُ عاجزاً عن الحركة والسَّعي في تحصيل الدُّنيا. وفي قوله: ((طُوبى لعبدٍ ... )) إلى آخره، إشارةٌ إلى الحَضِّ على العمل بما يَحَصُلُ به خيرُ الدُّنيا والآخرة. قوله: ((أشعَثَ)) صفة لعبدٍ، وهو مجرورٌ بالفتحة لعَدَم الصَّرف، و((رأسُه)) بالرفع الفاعل، قال الطِّبي: ((أشعَثَ رأسُه مُغبَرَّةً قدماه)) حالان من قوله: ((لعبدٍ)) لأنَّه موصوفٌ. وقال الكِرْماني: يجوزُ الرفعُ. ولم يُوجِّهه، وقال غيرُه: ويجوزُ في ((أشعَثَ)) الرفعُ على أنَّه صفةٌ رأسٍ، أي: رأسُه أشعَثُ، وكذا قوله: ((مُغبَرَّة قَدَماه)). قوله: ((إن كان في الحِراسَةِ كان في الحِراسَةِ، وإن كان في السَّاقة كان في السَّاقة)» هذا من المواضع التي اَّحَدَ فيها الشَّرطُ والجزاء لفظاً، لكنَّ المعنى مُخْتَلِف، والتقدير: إن كان المهمُّ في الحِراسة كان فيها، وقيل: معنى ((فهو في الحِراسة)) أي: فهو في ثواب الحِراسة، وقيل: هو للتَّعظيم، أي: إن كان في الحراسة فهو في أمرٍ عظيم، والمراد منه لازمه، أي: فعليه أن يأتي بلوازمِه، ويكون مُشْتَغِلاً بخُوَيصَّة عملِه. ١٥٩ باب ٧١ / ح ٢٨٨٨ كتاب الجهاد وقال ابن الجَوْزيّ: المعنى: أنَّه خاملُ الذِّكرِ لا يَقصِدُ السُّمُوَّ، فإن اتَّفَقَ له السَّيرُ سارَ، فكأنَّه قال: إن كان في الحراسة استمرَّ فيها، وإن كان في الساقة استمرَّ فيها. قوله: ((إن استأذَنَ لم يُؤْذَنْ له، وإن شَفَعَ لم يُشفَّعْ)) فيه تَركُ حُبِّ الرِّياسة والشُّهرة، وفضلُ الحُمُول والتَّواضُع، وسيأتي مَزيدٌ لذلك في كتاب الرِّقاق (٦٤٣٥) إن شاء الله تعالى. قوله: ((فَتَعْساً، كأنَّه يقول: فأتعَسَهم الله)) وقع هذا في رواية المُستَمْلي، وهو على عادة البخاري في شرح اللَّفظة التي تُوافقُ ما في القرآن بتفسيرها، وهكذا قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَحْسَالَُّمْ﴾ [محمد: ٨]. قوله: ((طُوبَى: فُعْلى من كلِّ شيءٍ طيِّبٍ، وهي ياءٌ حُوِّلَت إلى الواو، وهي من: يَطِيب)) كذا في رواية المُستَمْلي أيضاً، والقولُ فيه كالقول في الذي قبلَه، وقال غيرُه: المرادُ الدُّعاءُ له بالجِنَّة؛ لأنَّ طُوبى أشهَرُ شجرها وأطيَبُه، فدَعَا له أن يَنالها، ودخولُ الجنَّة ملزومُ نَيْلها. تكميل: وَرَدَ في فضل الحِراسة عدَّةُ أحاديثَ ليست على شرط البخاري، منها حديث عثمان مرفوعاً: ((حَرسُ ليلةٍ في سبيل الله خيرٌ من ألفِ ليلةٍ يُقامُ ليلُها ويُصامُ نهارُها)) أخرجه ابن ماجَهْ (٢٧٦٦) والحاكم (٢/ ٨١)، وحديثُ سَهْل بن معاذ عن أبيه مرفوعاً: ((مَنْ حَرَسَ وراءَ المسلمين مُتطوِّعاً، لم يَرَ النارَ بعينِهِ إلَّا تَحِلَّةَ القَسَم)) أخرجه أحمدُ (١٥٦١٢)، وحديثُ أبي رَتْجانةَ مرفوعاً: ((حُرِّمَت النارُ على عينٍ سَهِرَت في سبيل الله)) أخرجه النَّسائي (٣١١٧)، ونحوُه للتِّرمِذي (١٦٣٩) عن ابن عبّاس، وللطَّبَراني (١٠٠٣/١٩) من حديث معاويةً بن حَيْدةَ، ولأبي يعلى (٤٣٤٦) من حديث أنس، وإسنادُها حسنٌ، وللحاكم (٨٢/٢) عن أبي هريرة نحوُه. ٧١- باب فضل الخدمة في الغزو ٢٨٨٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن يونسَ بنِ عُبيدٍ، عن ثابتِ البُنانيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾ قال: صَحِبتُ جَرِيرَ بنَ عبدِ الله فكان يَخْدُمُني - وهو أكبرُ من أنسٍ - قال جَرِيرٌ: إنّ رأيتُ الأنصارَ يَصْنَعونَ شيئاً لا أجِدُ أحداً منهم إلا أكرَمْتُه. ١٦٠ باب ٧١ / ح ٢٨٨٨ - ٢٨٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ٢٨٨٩ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حذَّثني محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن عَمرِو بنِ أبي عَمٍو مولى المطَّلِبِ بنِ حَتْطَبٍ، أَنَّه سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ ◌َُه يقول: خرجتُ مع رسولِ الله وَّل إلى ٨٤/٦ خَيْبِرَ أخذُمُه، / فلمَّا قَدِمَ النبيُّ ◌َّهِ راجعاً وبَدَا له أُحدٌ قال: ((هذا جبلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُه)) ثمَّ أشارَ بيدِه إلى المدينةِ قال: ((اللهمَّ إنّ أُحرِّمُ ما بينَ لابَيَها كتَحْرِيمِ إبراهيمَ مَكَّةَ، اللهمَّ بارِْ لنا في صاعِنا ومُدِّنا)). ٢٨٩٠- حدَّثنا سليمانُ بنُ داود أبو الرَّبيع، عن إسماعيلَ بنِ زکریًّا، حدَّثنا عاصمٌ، عن مُورِّقِ العِجْلِيِّ، عن أنسٍ عُ قال: كنَّا مع النبيِّ وَّهِ أُكثُرُنا ظِلَّ الذي يَسْتَظِلُّ بكِسائِهِ، وأمَّا الذين صاموا فلم يعملوا شيئاً، وأمَّا الذين أفطَروا فبَعَثُوا الرِّكَابَ وامتَهَنوا وعالَجُوا، فقال النبيُّ ◌َّ: ((ذهبَ المفطِرِونَ اليومَ بالأَجرِ)). قوله: (باب الخِدْمة في الغَزْو)) أي: فضلها سواءٌ كانت من صغيرٍ لكبيرٍ أو عَکسُه أو مع المساواة، وأحاديث الباب الثلاثة يُؤْخَذُ منها حكم هذه الأقسام، وثلاثتُها عن أنس: الأول: قوله: ((حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ)) بمُهمَلَتَين، وقد ذكر الطبراني في ((الأوسط)) (٢٤١٥) أنَّه تَفرَّدَ به عن شُعْبة، وهو من كبار شيوخ البخاري ثَمَّن روى عنه الباقونَ بواسطةٍ. قوله: ((صَحِبتُ جريرَ بنِ عبدِ الله)) في رواية مسلم (٢٥١٣) عن نَصْر بن عليٍّ عن محمَّد ابن عَرعَرةَ: خرجتُ مع جَرِیر بن عبد الله البجلي في سفر. قوله: ((فكان يَخْدُمُني، وهو أكبرُ من أنسٍ)) فيه التِفات أو تجريد؛ لأنَّه قال: ((من أنس)) ولم يقل: مِنّي، وفي رواية مسلم (٢٥١٣) عن محمَّد بن المثنى عن ابن عَرَعَرة: وكان جريرٌ أكبرَ من أنس. ولعلَّ هذه الجملةَ من قول ثابتٍ، وزادَ مسلم عن نَصرِ بن عليّ: فقلت: لا تفعل. قوله: ((يَصنَعونَ شيئاً) في رواية نصرٍ: يصنعونَ برسول الله وَ ل شيئاً؛ أي: من التَّعظيم، وأبهَمَ ذلك مُبالَغةً في تکثیر ذلك. قوله: ((لا أجِدُ أحداً منهم إلَّا أَكْرَمْتُه)) في رواية نصرِ: الَيتُ - أي: حَلَفتُ - أن لا أصحَبَ أحداً منهم إلَّا خدمتُه، وفي روايةٍ للإسماعيلي من وجهٍ آخرَ عن ابن عَرَعَرةَ: لا أزالُ أُحِبُّ الأنصار.