النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
باب ٣٠ / ح ٢٨٢٩ - ٢٨٣٠
كتاب الجهاد
هريرةَ عَُّ، أنَّ رسولَ اللهَ وَّةِ قال: «الشُّهَداءُ خمسةٌ: المطعونُ، والمبطونُ، والغَرِقُ، وصاحبُ
الهَدْمِ، والشَّهيدُ في سبيلِ الله)).
٢٨٣٠ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا عاصمٌ، عن حفصةَ بنت سِيرِينَ،
عن أنسِ بنِ مالكٍ ◌َُ، عن النبيِّ ◌َ ﴿ قال: «الطاعونُ شهادةٌ لكلِّ مسلمٍ».
[طرفه في: ٥٧٣٢]
قوله: ((باب الشَّهادة سبع سوى القتل)) اختُلِفَ في سبب تسمية الشَّهيد شهيداً، فقال
النَّضْر بن شُمَيلٍ: لأنَّه حَيٍّ، فكأنَّ أرواحهم شاهدة، أي: حاضرة. وقال ابن الأنباري:
لأَنَّ الله وملائكته يَشْهَدونَ له بالجنَّة. وقيل: لأنَّه يَشْهَدُ عند خروج رُوحه ما أُعدَّ له من
الكرامة. وقيل: لأنَّه يُشْهَدُ له بالأمانِ من النار. وقيل: لأنَّ عليه شاهداً بكَونِه شهيداً./ ٤٣/٦
وقيل: لأَنَّه لا يَشْهَدُه عند موته إِلَّ ملائكة الرَّحمة. وقيل: لأنَّه الذي يَشْهَدُ يوم القيامة
بإبلاغِ الرُّسُل.
وقيل: لأنَّ الملائكة تَشْهَدُ له بحُسْن الخاتمة. وقيل: لأنَّ الأنبياء تَشهَد له بحُسْن
الاتِّباع. وقيل: لأنَّ الله يَشهَد له بحُسْن نيته وإخلاصه. وقيل: لأنَّه يشاهد الملائكة عند
احتضاره. وقيل: لأنَّه يُشاهد المَلَكُوت من دار الدُّنيا، ودار الآخرة. وقيل: لأنَّه مشهود
له بالأمانِ من النار. وقيل: لأنَّ عليه علامة شاهدة بأنَّه قد نَجَا. وبعض هذه يَخْتَصُّ بمَن
قُتِلَ في سبيل الله، وبعضها يَعُمّ غيره، وبعضها قد يُنازَع فيه.
وهذه التَّرجمة لفظ حديث أخرجه مالك (٢٣٣/١ -٢٣٤) من رواية جابر بن عَتِيك
- بفتح المهملة وكسر المثنَّاة بعدها تحتانية ساكنة ثمَّ كاف ـ: أنَّ النبي ◌َّ جاء يعود
عبد الله بن ثابت ... فذكر الحديث، وفيه: «ما تَعُدّونَ الشَّهيدَ فيكم؟» قالوا: مَن يُقتَل في
سبيل الله، وفيه: ((الشُّهَداء سبعة)) سوى القتل في سبيل الله، فذكر زیادة على حديث أبي
هريرة: ((الحريق، وصاحب ذات الجَنْب، والمرأة تموت بجُمْعٍ))، وتَوارَدَ مع أبي هريرة في
المبطون والمطعون والغريق وصاحب الهَدْم.

٨٢
باب ٣٠ / ح ٢٨٢٩ - ٢٨٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
فأمَّا صاحب ذات الجَنْب: فهو مرض معروف، ويقال: هو الشَّوْصة.
وأمَّا المرأة تموت بجُمْعٍ، فهو بضمِّ الجيم وسكون الميم، وقد تُفْتَح الجيم وتُكسَر أيضاً:
وهي النُّفساء، وقيل: التي يموت ولدها في بطنها ثمَّ تموت بسبب ذلك، وقيل: التي تموت
بمُزدَلِفَةَ، وهو خطأ ظاهر، وقيل: التي تموت عَذْراء، والأوَّل أشھَر.
قلت: حديث جابر بن عَتِيكِ أخرجه أيضاً أبو داود (٣١١١) والنَّسائي (١٨٤٦) وابن
حِبّان (٣١٨٩ و٣١٩٠)، وقد روى مسلم (١٩١٥/ ١٦٥) من طريق أبي صالح عن أبي
هريرة شاهداً لحديث جابر بن عَتِيكِ ولفظه: ((ما تَعُدّونَ الشُّهَداءَ فيكم؟» وزادَ فيه
ونَقَصَ، فمن زيادته: ((ومَن مات في سبيل الله فهو شهيد))، ولأحمد (١٧٧٩٧ و٢٢٧٥٦)
من حديث عُبادةَ بن الصَّامت نحو حديث جابر بن عَتِيكٍ ولفظه: ((وفي النُّفساء يَقتُلها
ولدها جُمْعاً شهادةٌ))، وله (١٥٩٩٨ و١٥٩٩٩) من حديث راشد بن حُبَيش نحوه، وفيه:
((والسِّ))(١) وهو بكسر المهمَلة وتشديد اللّام، وللنَّسائي (٣١٦٣) من حديث عُقْبةَ بن
عامر: ((خمسٌ مَن قُبِضَ فيهنَّ فهو شهيد)) فذكر فيهم النُّفساء.
وروی أصحاب السُّنَن(٢) وصحَّحه التِّرمِذي (١٤٢١) من حديث سعید بن زيد
مرفوعاً: ((مَن قُتِلَ دون ماله فهو شهيد)) وقال في الدِّين والدَّم والأهل مِثلَ ذلك، وللنَّسائي
(٤٠٩٦) من حديث سُوَيد بن مُقرِن مرفوعاً: ((مَن قُتِلَ دون مَظْلِمَته فهو شهيد)).
قال الإسماعيلي: التَّرجمة مخالفة للحديث. وقال ابن بَطَّال: لا تُخرَّج هذه التَّرجمة من
الحديث أصلاً، وهذا يدلّ على أنَّه مات قبل أن يُهذِّب كتابه.
وأجاب ابن المنيِّرِ بأنَّ ظاهر كلام ابن بَطَّل أنَّ البخاري أراد أن يُدخِل حديث جابر بن
عَتِيكِ فأعجَلَته المنيَّةُ عن ذلك، وفيه نظرٌ، قال: ويحتمل أن يكون أراد التَّنبيه على أنَّ
الشَّهادة لا تنحصرُ في القتل بل لها أسباب أُخَر، وتلك الأسباب اختَلَفَت الأحاديث في
(١) وقع في نسخنا من ((المسند)): السَّيل، بزيادة الياء، وانظر التعليق عليه فيه.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٧٢)، والنسائي (٤٠٩٥).

٨٣
باب ٣٠ / ح ٢٨٢٩ - ٢٨٣٠
كتاب الجهاد
عددها، ففي بعضها خمسة، وفي بعضها سبعة، والذي وافَقَ شرطَ البخاري الخمسةُ، فنبّه
بترجمةٍ على أنَّ العددَ الوارد ليس على معنى التَّحديد. انتهى.
وقال بعض المتأخّرينَ: يحتمل أن يكون بعض الرُّواة - يعني رُوَاة الخمسة - نسيَ الباقي.
قلت: وهو احتمال بعيد، لكن يُقرِّبه ما تقدَّم من الزِّيادة في حديث أبي هريرة عند مسلم
(١٦٥/١٩١٥)، وكذا وقع لأحمد (٩٦٩٥) من وجه آخر عنه: ((والمَجنُوب شهيد)) يعني
صاحب ذات الجَنْب، والذي يَظهَر أنَّه و﴿﴿ أُعلِمَ بالأقلِّ ثمَّ أُعلِمَ زيادةً على ذلك فذكرها
في وقت آخر، ولم يقصد الخضر في شيء من ذلك.
وقد اجتَمَعَ لنا من الطّرق الجيّدة أكثرُ من عشرين خَصْلة، فإنَّ مجموع ما قَدَّمتُه ممّا
اشْتَمَلَت عليه الأحاديث التي ذكرتها أربع عشرة خَصْلة، وتقدَّم في «باب مَن يُنكَب في
سبيل الله)) حديث أبي مالك الأشعري مرفوعاً: ((مَن وَقَصَه فرسُه أو بعيره، أو لَدَغَته
هامَّة، أو مات على فِراشه على أيّ حَتْف شاءَ الله تعالى، فهو شهيد))(١)، وصحَّح الدَّارَقُطني
من حديث ابن عمر: ((موتُ الغريب شهادة))(٢)، ولابن حِبّان(٣) من حديث أبي هريرة:
(١) وأشار في آخر شرح الباب المذكور وهو برقم (٩) من كتاب الجهاد، إلى أن حديث أبي مالك الأشعري
أخرجه أبو داود، وهو عنده برقم (٢٤٩٩)، وسنده ضعيف.
(٢) في ((العلل)) للدار قطني سؤال (٢٧٩٤)، وقد وهمَ الحافظ رحمه الله هنا في أمرين: الأول: زعمه أن
الدار قطني صحَّح من حديث ابن عمر، وإنما صحَّحه من حديث ابن عباس، الثاني: إيهامه أن هذا
التصحيح الذي هو بمقابل التضعيف، ولیس کذلك وإنما هو بمعنی الترجيح، وقد عاب هو نفسُه في
(التلخيص الحبير)) ١٤١/٢ على عبد الحق الإشبيلي اغترارَه بكلام الدار قطني وادِّعاءَه أن الدار قطني
صححه من حديث ابن عمر. وقد ضعَّف الحافظ إسناد هذا الخبر، وهو من حديث ابن عباس عند ابن
ماجه (١٦١٣).
(٣) في ((المجروحين)) له ٥٩/٢ بلفظ: ((من مات مرابطاً أجرى الله عليه رزقَه من الجنة وبما عمله يوم القيامة
ووقي فتنة القبر)»، وإسناده ضعيف، وهو باللفظ الذي ساقه الحافظ عند عبد الرزاق في ((مصنفه)»
(٩٦٢٢) بإسناد آخر عن أبي هريرة أشد ضعفاً من الذي لابن حبان، وأخرجه من طريق عبد الرزاق
ابنُ ماجه (١٦١٥) لكن بلفظ: ((من مات مريضاً)).

٨٤
باب ٣٠ / ح ٢٨٢٩ - ٢٨٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
٤٤/٦ ((مَن مات مُرابطاً مات شهيدا)) الحديث،/ وللطَّبَراني (١١٦٨٦) من حديث ابن عبّاس
مرفوعاً: ((المرء يموت على فِراشه في سبيل الله شهيد))(١)، وقال ذلك أيضاً في المبطون
واللَّديغ والغريق والشَّريق والذي يفترسه السَّبُع والخارِّ عن دابَّته وصاحب اهَدْم وذات
الجَنْب، ولأبي داود (٢٤٩٣) من حديث أمّ حَرَام: ((المائدُ في البحر الذي يصيبه القَيْءُ له
أجرُ شهيد))، وقد تقدَّمت أحاديثُ فيمَن طلبَ الشَّهادة بنيةٍ صادقة أنَّه يُكتَب شهيداً في
((باب تَمنِّي الشَّهادة )) (٢٧٩٧)، ويأتي في كتاب الطِّبّ (٥٧٣٤) حديث فيمَنْ صَبَرَ في
الطاعون أنَّه شهيد، وتقدَّم(٢) حديث عُقْبةَ بن عامر فيمَن صَرَعَته دابّته وأنَّه عند الطبراني
(٨٩٢/١٧)، وعنده (٩٧١٨/٩) من حديث ابن مسعود بإسنادٍ صحيح: إنَّ مَن يَتَرَدّى
من رؤوس الجبال، وتأكلُهُ السِّباع، ويَغرَق في البحار، لَشهيدٌ عند الله. ووَرَدَت أحاديث
أُخرى في أُمور أُخرى لم أُعرِّج عليها لضَعِفِها.
قال ابن التِّين: هذه كلُّها مِيتاتٌ فيها شِدَّة، تَفَضَّلَ الله على أمَّة محمَّد ◌َلِّ بأن جَعَلَها
تمحيصاً لذنوبهم، وزيادةً في أُجُورهم يُبلِّغهم بها مراتب الشُّهَداء.
قلت: والذي يَظهَر أنَّ المذكورينَ ليسوا في المرتبة سواء، ويدلُّ عليه ما روى أحمد
(١٤٢١٠) وابن حِبّان في («صحيحه)) (٤٦٣٩) من حديث جابر، والدَّارمي (١٤٢٤)
وأحمد (٥٤٠١١) والطَّحَاوي(٣) من حديث عبد الله بن حُبْشِيٍّ، وابن ماجَهْ (٢٧٩٤) من
حديث عَمْرو بن عَبَسَةٍ(٤): أنَّ النبي ◌َّرَ سُئِلَ: أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: ((مَن عُقِرَ جوادُه
وأُهريقَ دمُه))، وروى الحسن بن عليٍّ الحُلْواني في كتاب ((المعرفة)) له بإسنادٍ حسن من
(١) وإسناده ضعيف، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٥/ ٣٠٠: فيه عمرو بن عطية بن الحارث الوادعي، وهو
ضعيف.
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر تحت باب رقم (٨) وهو: فضل من يُصرع في سبيل الله.
(٣) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٩٩/١ بقصة الصلاة فحسب، وأشار إلى هذا الحافظ نفسه
في («إتحاف المهرة)» ٦/ ٥٧٢.
(٤) تصحف في (أ) و(س) إلى: عنبسة، وما أثبتناه من (ع) وهو الصواب.

٨٥
باب ٣٠ / ح ٢٨٢٩ - ٢٨٣٠
كتاب الجهاد
حديث علي بن أبي طالب قال: كلّ موتةٍ يموت بها المسلم فهو شهيد، غير أنَّ الشَّهادة
تَتَفَاضَل. وسيأتي شرح كثير من هذه الأمراض المذكورة في كتاب الطِّبّ، وكذا الكلام على
حديث أنس في الطاعون (٥٧٣٢) إن شاء الله تعالى.
ويَتَحصَّل مَمَّا ذُكِرَ في هذه الأحاديث أنَّ الشُّهَداء قِسمان: شهيد الدُّنيا وشهيد
الآخرة: وهو مَن يُقتَل في حرب الكفَّارِ مُقبِلاً غير مُدبِر مُخُلِصاً، وشهيد الآخرة: وهم
مَن ذُكِرَ، بمعنى أنَّهم يُعطَونَ من جنس أجر الشُّهَداء ولا تجري عليهم أحكامهم في
الدُّنيا. وفي حديث العِرْباض بن ساريةَ عند النَّسائي (٣١٦٤) وأحمد (١٧١٥٩)، ولأحمد
(١٧٦٥١) من حديث عُتْبة بن عبدٍ نحوه مرفوعاً: ((يَخْتَصِم الشُّهَداء والمتوَفَّونَ على
الفِراش في الذين يُتَوَفَّونَ من الطاعون فيقول: انظروا إلى جِراحهم، فإن أشبهَت جِراحَ
المقتولينَ فإنَّهم معهم ومنهم، فإذا جِراحُهم قد أشبَهَت جِراحَهم))، وإذا تَقرَّرَ ذلك
فيكون إطلاق الشُّهَداء على غير المقتول في سبيل الله مجازاً، فَيَحتَجّ به مَن يُجيز استعمالَ
اللَّفظ في حقيقته ومَجَازه، والمانعُ يجيب بأنَّه من عموم المجاز، فقد يُطلَق الشَّهيدُ على مَن
قُتِلَ في حرب الكفَّار، لكن لا يكون له ذلك في حكم الآخرة لعارضٍ يمنعُه كالانهزام
وفساد النِّية، والله أعلم.
قوله: ((الشُّهَداء خمسةٌ)) ثمَّ قال: ((والشَّهيد في سبيل الله)) قال الطِّيبي: يَلزَم منه حملُ الشيء
على نفسه، لأنَّ قوله: ((خمسة)) خبر للمُبتَدَأ، والمعدود بعده بيان له، وأجاب بأنَّه من باب
قول الشاعر: أنا أبو النَّجم وشِعْري شِعْري. ويحتمل أن يكون المراد بالشَّهيد في سبيل الله
المقتولَ، فكأنَّه قال: والمقتول، فعَبَّرَ عنه بالشَّهيد، ويُؤيِّده قوله في رواية جابر بن عَتِيك:
(الشُّهَداء سبعة سوى القتيل في سبيل الله))(١)، ويجوز أن يكون لفظ الشَّهيد مُكرَّراً في كلِّ
واحد منها، فيكون من التَّفصيل بعد الإجمال، والتقدير: الشُّهَداء خمسة: الشّهيد كذا،
والشَّهيد كذا ... إلى آخره.
(١) والتي أشار إليها الحافظ ابن حجر في أول الباب وقال: هي في ((الموطأ)) ٢٣٣/١ -٢٣٤.

٨٦
باب ٣١-٣٢ / ح ٢٨٣١ -٢٨٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
٣١ - باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ
وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَىِّ وَفَضَّلَ اللّهُ
اُلْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
٤٥/٦ ٢٨٣١ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ ﴾ يقول:
لمَّا نزلتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] دَعَا رسولُ اللهِلهِ زيداً، فجاءَهُ
بكَتِفٍ فَكَتَبَها، وشَكَا ابنُ أمِّ مَكْتوم ضَرارَتَه فنزلتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ
أُوْلِ الضَّرَرِ﴾.
[طرفاه في: ٤٥٩٣، ٤٥٩٤]
٢٨٣٢- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدِ الزُّهريُّ، قال: حدّثني
صالحُ بنُ كَيْسانَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سَهْلِ بنِ سعدِ الساعدِيِّ أنَّه قال: رأيتُ مروانَ بنَ
الحَكَم جالساً في المسجدِ، فأقبَلْتُ حتَّى جَلستُ إلى جَنْبِهِ، فأخبَرَنا أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ أخبَرَه: أنَّ
رسولَ اللهَوَ ◌ّهِ أَمَلَى عَلِيَّ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .... وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ﴾.
قال: فجاءه ابنُ أمِّ مَكْتوم وهو يُمِلَّها عليَّ فقال: يا رسولَ الله، لو أستطيعُ الجهادَ لجاهدتُ
- وكان رجلاً أعمَى - فأنزلَ الله تباركَ وتعالى على رسولِهِ بَّهِ وفَخِذُه على فَخِذي، فَتَقُلَت عليَّ
حتَّى خِفْتُ أنَّ تُرَضَّ فَخِذي، ثمَّ سُرِّيَ عنه. فأنزَلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾.
[طرفه في: ٤٥٩٢]
قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء:
٩٥])» ذكر فيه حديثَي البراء بن عازب وزيد بن ثابت في سبب نزولها، وفيه ذِكْر ابن أمّ
مكتوم، وسيأتي الكلام على ذلك مُستَوقّ في تفسير سورة النِّساء (٤٥٩٢).
٣٢- باب الصَّبر عند القتال
٢٨٣٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا معاويةُ بنُ عَمرِو، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن

٨٧
باب ٣٣-٣٤ / ح ٢٨٣٤ -٢٨٣٥
كتاب الجهاد
موسى بنِ عُقْبةَ، عن سالم أبي النَّضْرِ، أنَّ عبدَ الله بنَ أبي أَوفَى كَتَبَ فقرأتُه: إنَّ رسولَ الله ◌َ
قال: ((إذا لَقِيتُمُوهم ناصِرُوا)).
قوله: ((باب الصَّبْر عند القتال)) ذكر فيه طرفاً من حديث ابن أبي أَوفى، وقد تقدَّم التَّنبيهُ
عليه قريباً (٢٨١٨).
٣٣- باب التَّحريض على القتال
وقولِ الله عزَّ وجلّ: ﴿حَرْضِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]
٢٨٣٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا معاويةُ بنُ عَمرِو، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن مُميدٍ،
قال: سمعتُ أنساً عُ يقول: خَرَجَ رسولُ اللهِ وَهُ إلى الخندَقِ، فإذا المهاجرونَ والأنصارُ
يَحِفِرونَ في غَدَاةٍ باردٍ، فلم يكن لهم عَبِيدٌ يعملونَ ذلك لهم، فلمَّا رَأَى ما بهم مِن النَّصَبِ
والجوعِ قال:
((اللهمَّ إنَّ العيشَ عيشُ الآخرَهْ فاغفِرِ اللهمَّ للأنصارِ والمهاجرَة)»
فقالوا مُچِیبینَ له:
نحنُ الذين بايعُوا محمَّدا على الجهادِ ما بَقِينا أبَدا
[أطرافه في: ٢٨٣٥، ٢٩٦١، ٣٧٩٥، ٣٧٩٦، ٤٠٩٩، ٤١٠٠، ٧٢٠١،٦٤١٣]
قوله: ((باب التَّحْريض على القتال)» ذكر فيه حديث أنس في حَفْر الخندق، وسيأتي الكلام
عليه مُستَوفَّى في المغازي (٤٠٩٩).
وانتزاع التَّرجمة منه من جِهَة أنَّ في مُباشَرَتِه وَلِّ الحفرَ بنفسِه تحريضاً للمسلمين على
العمل ليتأسّوْا به في ذلك.
٣٤- باب حفر الخندق
٢٨٣٥- حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أنسٍ ﴾ قال:

٨٨
باب ٣٤-٣٥ / ح ٢٨٣٥ -٢٨٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
جَعَلَ المهاجرونَ والأنصارُ يَخْفِرونَ الخندَقَ حَوْلَ المدينةِ ويَنْقُلونَ الثُّرابَ على مُتونهم ويقولونَ:
نحنُ الذين بايَعُوا محمَّدا على الجهادِ ما بَقِينا أبدا
والنبيُّ ◌َِّ مُجِبُهم ويقول:
((اللهمَّ إنَّهُ لا خيرَ إلا خيرُ الآخرَةُ فبارِكْ في الأنصارِ والمهاجرَة»
٢٨٣٦- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، سمعتُ البراءَ ﴾ يقول: كان
النبيُّ نَّهِ يَنْقُلُ ويقول: ((لولا أنتَ ما اهْتَدَينا)).
[أطرافه في: ٢٨٣٧، ٣٠٣٤، ٤١٠٤، ٤١٠٦، ٧٢٣٦]
٢٨٣٧ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن البَرَاءِ ﴾، قال: رأيتُ
رسولَ الله وَله يومَ الأحزابِ يَنْقُلُ التُرابَ - وقد وارَى التُرابُ بياضَ بَطْنِهِ - وهو يقول:
(لولا أنتَ ما اهتَدَينا ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّينا
وثَبِّتِ الأقدامَ إن لاقَيْنا
فأنزِلِ السَّکِینَ علینا
إِنَّ الأُلَى قدبَغَوْا علينا إذا أرادوا فِتْنَةً أَبَيْنا))
قوله: ((باب حَفْر الخندق)) ذكر فيه حديث أنس من وجه آخر، وسيأتي في المغازي
(٤٠٩٩)، وسیاقه هناك أتمّ، وذكر فيه حديث البراء بن عازب في ذلك من وجهينِ، ویأتي
هناك (٤١٠٤ و٤١٠٦) شرحه مُستَوفَى إن شاء الله تعالى.
٣٥ - باب مَن حبسه العُذْرُ عن الغزو
٢٨٣٨- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا زهيرٌ، حدَّثنا مُميدٌ، أنَّ أنساً حدَّثهم قال: رَجَعْنا
من غَزْوةٍ تَبُوكَ مع النبيِّ وَلَ.
[طرفاه في: ٤٣٢٣،٢٨٣٩]
٢٨٣٩ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا حَمَّدٌ - هو ابنُ زيدٍ - عن مُميدٍ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ
٤٧/٦ النبيَّ ◌ََّ/ كان في غَزَاةٍ فقال: ((إنَّ أقواماً بالمدينةِ خَلْفَنا، ما سَلَكْنا شِعْباً ولا وادياً إلا وهم مَعَنا
فيه، حَبَسَهم العُذْرُ)».

٨٩
باب ٣٥ / ح ٢٨٣٨ -٢٨٣٩
كتاب الجهاد
وقال موسى: حدَّثنا حمّادٌ، عن مُميدٍ، عن موسى بنِ أنسٍ، عن أبيه، قال النبيُّ ◌َّل.
قال أبو عبد الله: الأوَّلُ أُصُّ.
قوله: (باب مَن حَبَسَه العُذْر عن الغَزْو)) العُذر: الوَصْف الطارئ على المكلَّف المناسِب
للتَّسهيلِ عليه. ولم يَذكُر الجواب، وتقديره: فله أجرُ الغازي إذا صَدَقَت نيَّتُه.
قوله: ((حدَّثنا زهير)) هو ابن معاوية أبو خَيْئمةَ الْجُعْفيّ، وقَرَنَ روايته برواية حمَّاد بن
زيد، مع أنَّ في رواية زهير تعيينَ الغزوة وتصريحَ حميد(١) بالتَّحديث، وفي كلٍّ منهما فائدة
ليست في رواية حَمَّد، لكنَّه أراد أنَّ زهيراً لم يَنْفَرِدْ بقوله: ((عن حُميدٍ عن أنس))، وقد تابَعَهما
على تركِ الواسطة بين حُميدٍ وأنسٍ مُعتَمِرُ بن سليمان وجماعة.
قوله: ((خَلْفَنا)) بسكون اللّام، أي: وراءَنا، وضَبَطَه بعضُهم بتشديد اللّام وسكون الفاء.
قوله: ((إلَّا وهم مَعَنا فيه حَسَهم العُذْر)) في رواية الإسماعيلي من طريقٍ أُخرى عن حمّاد
ابن زيدٍ: ((إلَّا وهم معكم فيه بالنِّية))، ولابن حِبّان وأبي عَوَانةَ من حديث جابرٍ: ((إلَّا
شَرَكُوكم في الأجر))(٢) بدلَ قوله: ((إلَّا كانوا معكم))، والمرادُ بالعُذرِ: ما هو أعمُّ من المرض
وعَدَمُ القُدْرة على السَّفَرِ، وقد رواه مسلمٌ من حديث جابرٍ بلفظ: ((حَبَسَهم المرض)»،
وكأنَّه محمولٌ على الأغلَب.
قوله: ((وقال موسى)) أي: ابن إسماعيلَ ((حدَّثنا حَمَّدٌ)) هو ابن سَلَمة.
قوله: ((قال أبو عبدِ الله)) هو المصنِّفُ ((الأوَّلُ عندي أصحُّ)) يعني حذفَ موسى بن أنسٍ
من الإسناد، وقد خالَفَه الإسماعيليُّ في ذلك فقال: حَمَّدٌ عالم بحديث حُميدٍ مُقدَّمٌ فيه على
غيره. انتهى.
قلت: وإنّما قال ذلك لتصریح ◌ُمیدٍ بتحديث أنس له كما تراه من رواية زهير، وكذلك
قال مُعتَمِر . -
(١) في الأصلين و(س): أنس، وما أثبتناه هو الصحيح، والمراد: تصريح حميد بالتحديث عن أنس.
(٢) أخرجه ابن حبان برقم (٤٧١٤)، وأبو عوانة ٨٤/٥- ٨٥، ولكن ليس بهذا اللفظ، وإنما هو عند مسلم
من حديث جابر (١٩١١) (١٥٩)، وعند أحمد برقم (١٤٢٠٨)، فانظره فيه.

٩٠
باب ٣٦ / ح ٢٨٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: ولا مانعَ من أن يكونا محفوظَينِ، فلعلَّ حُميداً سمعَه من موسى عن أبيه ثمَّ لقيَ
أنساً فحدَّثه به أو سمعَه من أنسٍ، فثبَّتَه فيه ابنُه موسى، ويُؤيِّدُ ذلك أنَّ سياق حمّاد عن حُميدٍ
أتمُّ من سياق زهیر ومن وافقه عن ◌ُمید، فقد أخرجه أبو داود (٢٥٠٨) عن موسی بن
إسماعيل بالإسناد المذكورِ بلفظ: ((لقد تَرَكتُم بالمدينة أقواماً ما سِرتُم من مَسِيرٍ، ولا أنفَقتُم
من نَفَقةٍ، ولا قَطَعتُم من وادٍ إلَّا وهم معكم فيه)» قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونونَ مَعَنا
وهم بالمدينة؟ قال: ((حَبَسَهم العُذْرُ)) وكذلك أورَدَه أحمد (١٢٦٢٩) عن عَفّانَ عن حمّاد،
وأخرجه (١٢٦٢٩) عن أبي كامل عن حمَّد فلم يَذكُر في الإسناد حُميداً. نعم أخرجه أحمد
(١٢٠٠٩) عن ابن أبي عَديٍّ عن حُميدٍ عن أنس، نحوَ سياق حمّاد إلَّا أنَّه لم يَذكُرِ النَّفَقَةَ.
قال المهلَّبُ: يَشْهَدُ لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ
الضَّرَرِ ﴾ الآية [النساء: ٩٥]، فإنَّه فاضَلَ بين المجاهدين والقاعدينَ، ثمَّ استثنى أُولي الضَّرَرِ
من القاعدينَ، فكأنَّه الْحَقَهم بالفاضلينَ. وفيه أنَّ المرءَ يَبلُغُ بِنيَّتَه أجرَ العاملِ إذا مَنَعَه
العذرُ عن العمل.
٣٦- باب فضل الصوم في سبيل الله
٢٨٤٠- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرٍ، حدَّثنا عبدُ الرزّاق، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني
يحيى بنُ سعيدٍ وسُهَيلُ بنُ أبي صالح، أنَّهما سمعا النُّعْمَانَ بنَ أبي عيَّاشٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ
◌َ﴾، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َل يقول: «مَن صامَ يوماً في سبيلِ الله، بَعَّدَ اللهُ وجهَه عن النارِ سبعينَ
خَرِيفاً».
قوله: ((باب فضل الصوم في سبيلِ الله)) قال ابن الجَوْزيّ: إذا أُطلِقَ ذِكرُ سبيل الله،
٤٨/٦
فالمراد به الجهاد. وقال القُرْطُبي: سبيلُ الله طاعةُ الله، فالمراد: مَن صامَ قاصداً وجه الله.
قلت: ويحتملُ أن يكون ما هو أعمُّ من ذلك. ثمَّ وجدتُه في ((فوائدِ أبي الطاهرِ الذُّهْلي)»
من طريق عبد الله بن عبد العزيز اللَّيْئي، عن المقبري، عن أبي هريرة بلفظ: ((ما من مُرابطٍ
يُرابِطُ في سبيلِ الله فيصومُ يوماً في سبيلِ الله) الحديثَ.

٩١
باب ٣٦ / ح ٢٨٤٠
كتاب الجهاد
وقال ابن دَقِيق العيد: العُرْفُ الأكثرُ استعمالُه في الجهاد، فإن ◌ُلَ عليه كانت الفضيلةُ
الاجتماع العبادتَين، قال: ويحتملُ أن يُرادَ بسبيلِ الله طاعَتُه كيف كانت، والأوَّل أقرَبُ، ولا
يعارضُ ذلك أنَّ الفِطرَ في الجهاد أَولِى، لأنَّ الصَّائمَ يَضعُفُ عن اللِّقاء كما تقدَّم تقريرُه في
(باب مَن اختارَ الغزوَ على الصوم))، لأنَّ الفضلَ المذكورَ محمول على مَن لم يَخْشَ ضَعفاً،
ولا سيَّما مَن اعتادَ به فصار ذلك من الأُمورِ النِّسبية، فمَن لم يُضعِفْه الصوم عن الجهاد،
فالصوم في حقِّه أفضلُ ليجمعَ بين الفضيلتَين، وقد تقدَّم مَزِيدٌ لذلك في كتاب الصيام في
الكلام على الصوم في السَّفَرَ(١).
قوله: ((أخبَرَني يحيى بن سعيد)) هو الأنصاري، وسُهَيل بن أبي صالح لم يُخْرِج له
البخاري موصولاً إلَّا هذا، ولم يَحْتَجَّ به، لأنَّه قَرَنَه بيحيى بن سعيد، وقد اختُلِفَ في إسناده
علی سُهَيل فرواه الأكثر عنه هكذا، وخالفهم شُعْبةُ فرواه عنه عن صفوان بن یزید عن أبي
سعيد، أخرجه النَّسائي (٢٢٤٧) ولعلَّ لسُهَيل فيه شیخَينِ.
وأخرجه النَّسائي أيضاً (٢٢٤٥) من طريق أبي معاوية عن سُهَيل عن المقبُري عن أبي
سعيد، ووَهِمَ فيه أبو معاوية، وإنَّما يرويه المقبُري عن أبي هريرة لا عن أبي سعيد، وإنّما رواه
سُهَيل من حديث أبي هريرة عن أبيه عنه لا عن المقبري، كذلك أخرجه النَّسائي (٢٢٤٦)
من طريق سعيد بن عبد الرَّحمن عن سُهَيل عن أبيه، وكذا أخرجه أحمد (٧٩٩٠) عن أنس
ابن عِیَاض عن سُھیل.
قوله: ((سبعينَ خَرِيفاً)) الخَرِيف: زمانٌ معلوم من السَّنة، والمراد به هنا: العامُ،
وتخصيص الخريف بالذِّكرِ دونَ بقيّة الفُصُولِ: الصَّيف والشِّتاء والرَّبيع، لأنَّ الخريفَ
أزكى الفُصُول لگونِه ◌ُحِنَی فیه الثِّار.
ونَقَلَ الفاكِهانيّ أنَّ الخريفَ يجتمعُ فيه الحرارةُ والبرودةُ والرُّطُوبة واليُبُوسة دونَ غيره،
ورُدَّبأنَّ الرَّبيع كذلك.
(١) انظر البابين (٣٥) و(٣٦) من كتاب الصيام.

٩٢
باب ٣٧ / ح ٢٨٤١ - ٢٨٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال القُرْطُبي: وَرَدَ ذِكرُ السَّبعينَ لإرادة التَّكثير كثيراً. انتهى، ويُؤْيِّدُه أنَّ النَّسائي أخرج
الحديث المذكور (٢٢٥٤) عن عُقْبة بن عامر، والطبراني(١) عن عَمْرو بن عَبَسةَ، وأبو يعلى
(١٤٨٦) عن معاذ بن أنس، فقالوا جميعاً في رواياتهم: ((مئة عام)).
٣٧ - باب فضل النّفقة في سبيل الله
٢٨٤١- حدَّثني سعدُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، أَّه سمعَ أبا
هريرةَ ◌ُّ، عن النبيِّ وَّهِ قال: ((مَن أَنفَقَ زوجَينٍ في سبيلِ الله، دَعَاهِ خَزَنُ الجِنَّةِ، كلُّ خَزَنِةٍ
بابٍ: أي قُلُ، هَلُمَّ)) قال أبو بكرٍ: يا رسولَ الله، ذاكَ الذي لا تَوَى عليه، فقال النبيُّ وَلاتَ: «إنّي
لأرجو أن تكونَ منهم».
٢٨٤٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدَّثنا فُلَيِحٌ، حدَّثنا هلالٌ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي
سعيدِ الخُذريِّ : أنَّ رسولَ الله ◌ِ قامَ على المِنْيرِ فقال: ((إنَّما أخشَی علیکم مِن بَعْدي ما
يُفتَحُ عليكم من بَرَكاتِ الأرضِ» ثمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا فِبَدَأْ بإحداهما وثَنَّى بالأخرَى، فقامَ
٤٩/٢ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، أوَيأتي الخيرُ بالشرِّ؟/ فسَكَتَ عنه النبيُّ ◌ََّ، قلنا: يُوحَى إليه،
وسَكَتَ الناسُ كأنَّ على رُؤُوسِهم الطَّيرَ، ثمَّ إنَّه مَسَحَ عن وجهِهِ الرُّحَضاءَ، فقال: ((أينَ
السائلُ آنِفاً: أوَخيرٌ هو - ثلاثاً.؟ إنَّ الخيرَ لا يأتي إلا بالخيرِ، وإِنَّه كلَّ ما يُنِبِتُ الرَّبِيعُ ما يَقْتُلُ
حَبَطَاً أو يُلِمُّ، أكَلَت حتَّى إذا امتَدَّتْ خاصرَ ناها استَقْبَتِ الشمسَ فَثَلَطَتْ وبالَتْ ثمَّ رَتَعَتْ،
وإنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، ونِعْمَ صاحبُ المسلمِ لمن أخَذَه بحقُّه فَجَعَلَه في سبيلِ الله واليتامَى
والمساكينِ، ومَن لم يأخذْ بحقُّه فهو كالآكِلِ الذي لا يَشْبَعُ ويكونُ عليه شهيداً يومَ القيامةِ».
قوله: «باب فضل النَّفَقة في سبیلِ الل)) ذکر فیه حدیثین:
أحدهما: عن أبي هريرة: ((مَن أنفَقَ زوجين في سبيلِ الله)) وقد تقدَّم في أوَّلِ الصوم
(١٨٩٧) من وجهٍ آخرَ.
وقوله في هذا الإسناد: ((عن أبي سَلَمة)) يأتي الكلامُ عليه وعلى قوله: ((أي فُلُ)) في فضل
(١) في ((الأوسط)) (٣٢٤٩).
--

٩٣
باب ٣٧ / ح ٢٨٤١ - ٢٨٤٢
كتاب الجهاد
أبي بكر (٣٦٦٦)، وأنَّ الخطّابِي جَزَمَ أنَّه تَرخيمٌ من فلان، وجَزَمَ غيرُه بأنَّه لغةٌ فيه. وتقدَّم
في ((باب مَن لم يَرَ الوضوءَ إلَّا من المَخْرَجَينَ» (١٧٩) التَّنبيهُ على وَهْم القابِسي في قوله:
سعيد بن حفص.
وقوله: ((زوجَينِ)) أي: شيئَين من أيِّ نوعٍ كان ممّا يُنفَقُ، والَّوجُ يُطلَقُ على الواحد وعلى
الاثنين، وهو هنا على الواحد جَزْماً.
وقوله: ((كلُّ خَزَنة باب)) كأَنَّه من المقلوب، لأنَّ المرادَ: خَزَنَةُ كلِّ باب.
قال المهلَّبُ: في هذا الحديث أنَّ الجهادَ أفضلُ الأعمال، لأنَّ المجاهدَ يُعطَى أجرَ المصلِّي
والصَّائم والمتصدِّق وإن لم يفعل ذلك، لأنَّ بابَ الرَّيّان للصَّائمينَ، وقد ذُكِرَ في هذا الحديث
أنَّ المجاهدَ يُدعَى من تلك الأبواب كلِّها بإنفاق قليل من المال في سبيلِ الله. انتهى.
وما جَرَى فيه على ظاهرِ الحديث يَرُدُّه ما قَدَّمتُه في الصِّيامِ (١٨٩٧) من زيادةٍ في
الحديث لأحمد (٩٨٠٠) حيثُ قال فيه: ((لكلِّ أهلِ عملٍ بابٌ يُدعَونَ بذلك العمل))، وهذا
يدلُّ على أنَّ المرادَ بسبيلِ الله ما هو أعمُّ من الجهاد وغيره من الأعمال الصَّالحة.
وقوله: ((لا تَوَى عليه)» بالمثنَّاة، والأكثر أنَّه مقصور، وحكى ابن فارسٍ المدَّ.
ثانيهما: حديث أبي سعيد: ((إنَّما أخشى عليكم مِن بَعْدي ما يُفتَحُ عليكم من بَرَكات
الأرض))، وسيأتي شرحُه مُستَوقَى في الرِّقاق (٦٤٢٧) إن شاء الله تعالى.
والغَرَضُ منه هنا قوله: ((فجَعَلَه في سبيلِ الله)) فإنَّه مطابقٌ لما ترجم له، وقد روى
النَّسائي (٣١٨٦) وصحَّحه ابن حِبّان (٤٦٤٧ و٦١٧١) من حديث خُرَيْم - بالرّاءِ مُصفَّر -
ابن فاتِكٍ - بفاءٍ ومُثنَّة مكسورةٍ - رَفَعَه: «مَن أَنفَقَ نَفَقَةً في سبيلِ الله، كُتِبَ له سبعُ مئةٍ
ضِعْف)). قلت: وهو موافقٌ لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ
حَبَّةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١].
وقوله في هذه الرِّواية: ((وإنَّه كلُّ ما يُنِبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أو يُلِمُّ)) بضمٍّ أوَّلَه وكسر اللّام
وتشديد الميم، أي: يُقرِّبُ من القتل.

٩٤
باب ٣٨ / ح ٢٨٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((أكَلَت حتَّى إذا امتَّت)) وَقَعَ في السِّياق حذفٌ تقديرُه: إلَّا آكِلَةُ الْخَضِرِ أكَلَت،
وقد بُيِّنَ في الرّواية الأُخرى، وكذا أثبَتَه الأَصِيلي هنا وسقط للباقينَ.
وكذا سقط قوله: ((حَبَطا)) وهو بفتح المهمَلة والموخَّدة: وهو انتفاخُ البطن من كَثْرة الأكل.
٣٨- باب فضل من جهّز غازياً أو خَلَفه بخير
٢٨٤٣- حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني يحيى، قال:
حدَّثني أبو سَلَمَةَ، قال: حذَّثني بُسْرُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثني زيدُ بنُ خالِدٍ ﴾، أنَّ رسولَ الله
وَّ قال: ((مَن جَهَّزَ غازياً في سبيلِ الله، فقد غَزَا، ومَن خَلَفَ غازياً في سبيلِ الله بخيرٍ، فقد غَزَا)).
٥٠/٦ قوله: ((باب فضلٍ مَن جَهَّزَ غازياً) أي: هَيَّا له أسبابَ سفره «أو خَلَفَه)) بفتح المعجمة،
واللّام الخفيفة، أي: قامَ بحال مَن يَتْرُكُه.
قوله: ((حدَّثنا الحسين)) هو المعلِّمُ، نَسَبَه الطَّبَراني (٥٢٣٠) عن حفص بن عمر عن أبي
مَعمَر، وكذا صَرَّحَ به مسلم (١٨٩٤/ ١٣٦) في روایتِهِ من وجهٍ آخرَ عنه.
ويحيى: هو ابن أبي كثير، وفي الإسناد ثلاثة من التّابعينَ في نَسَقٍ: هو وأبو سَلَمة وبُسْرٌ،
وهو بضمِّ الموحّدة وسكون المهمَلة، وقد سمعَ أبو سَلَمة من زيد بن خالد وحدَّث عنه هنا
بواسطةٍ، وحدَّث عنه بلا واسطةٍ في غير هذا عند أبي داود (٤٧) والتِّرمِذي (٢٣)
وصحَّحه وغیرِ هما(١).
قوله: ((فقد غَزَا)) قال ابن حِبّان: معناه: أنَّه مِثلُه في الأجرِ وإن لم يَغْزُ حقيقةً، ثمَّ
أخرجه من وجهٍ آخرَ عن بُسرِ بن سعيد بلفظ: ((كُتِبَ له مِثلُ أجره غير أنَّه لا يَنقُصُ من
أجره شيء))(٢).
ولابن ماجَهْ (٢٧٥٨) وابن حِبّان (٤٦٢٨) من حديث عمرَ نحوه بلفظ: ((مَن جَهَّزَ
(١) ولفظ الحديث: ((لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ... )) إلخ.
(٢) هو عنده بهذا اللفظ من حديث عطاء بن أبي رباح عن زيد بن خالد الجهني برقم (٤٦٣٣)، وأما حديث
بسر بن سعيد عنه فهو عنده بسياق آخر برقم (٤٦٣٢).

٩٥
باب ٣٨ / ح ٢٨٤٣
كتاب الجهاد
غازياً حتَّى يَستَقِلَّ، كان له مِثلُ أجره حتَّى يموتَ أو يَرجِعَ))(١)، وأفادت فائدتَين:
إحداهما: أنَّ الوَعْدَ المذكورَ مُرتَّبٌ على تمام التَّجهيزِ، وهو المرادُ بقوله: ((حتَّى يَستَقِلَّ)).
ثانيهما: أنَّه يستوي معه في الأجرِ إلى أن تَنقَضيَ تلك الغزوة.
وأمَّا ما أخرجه مسلم (١٨٩٦) من حديث أبي سعيد: أنَّ رسولَ الله وَ لّهِ بَعَثَ بَعْئاً
وقال: ((ليخرُجْ من كلِّ رجلَينِ رجل والأجرُ بينهما))، وفي رواية له (١٣٨/١٨٩٦): ثمَّ قال
للقاعد: ((وأيُّكُمْ خَلَفَ الخارجَ في أهلِه وماله بخيرٍ، كان له مِثلُ نصفِ أجرِ الخارج»، ففيه
إشارةٌ إلى أنَّ الغازي إذا جَهَّزَ نفسَه أو قامَ بكفاية مَن يَخْلُفُه بعدَه، كان له الأجرُ مرَّتين.
وقال القُرْطُبي: لفظة ((نصف)) يُشبِه أن تكونَ مُقْحَمة؛ أي: مَزِيدة من بعض الرُّواة،
وقد احتَجَّ بها مَن ذهب إلى أنَّ المرادَ بالأحاديث التي وَرَدَت بِمِثْل ثواب الفعلِ حصولُ
أصلِ الأجرِ له بغير تضعيفٍ، وأنَّ التَّضعيفَ يَخْتَصُ بمَن باشَرَ العمل، قال القُرْطُبي: ولا
حُجَّةَ له في هذا الحديث لوجهَينِ: أحدهما: أنَّه لا يتناولُ محلّ النّزاع، لأنَّ المطلوبَ إنَّما هو
أنَّ الدَّالَّ على الخير مثلاً هل له مِثلُ أجرٍ فاعلِه مع التَّضعيف أو بغير تضعيف؟ وحديث
الباب إنَّما يقتضى المشارَكةَ والمشاطَرَةَ فافتَرَقا، ثانيهما: ما تقدَّم من احتمال كَونٍ لفظة:
((نصف)) زائدة.
قلت: ولا حاجةَ لدَعْوى زيادتها بعدَ ثبوتها في «الصحيح»، والذي يَظهَرُ في توجيهها
أنَّهَا أُطلِقَت بالنّسبة إلى مجموع الثَّواب الحاصلِ للغازي والخالفِ له بخير، فإنَّ الثَّوابَ إذا
انقَسَمَ بينهما نصفَينٍ، كان لكلٍّ منهما مِثْلُ ما للآخرِ، فلا تَعارُضَ بين الحديثين. وأمَّا مَن
وُعِدَ بِمِثْل ثواب العملِ وإن لم يعمله إذا كانت له فيه دلالة أو مُشارَكة أو نية صالحة،
فليس على إطلاقه في عَدَم التَّضعيفِ لكلِّ أحدٍ، وصَرْفُ الخيرِ عن ظاهره يحتاجُ إلى
مُستند، وكأنَّ مُستَنَدَ القائلِ أنَّ العاملَ يباشرُ المشقّة بنفسِه بخلاف الدَّالِّ ونحوِه، لكن مَن
يُجِهِّزُ الغازي بماله مثلاً وكذا مَن يَخْلُفُه فيمَن يَترُكُ بعدَه، يباشرُ شيئاً من المشقّة أيضاً، فإنَّ
(١) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٢٦)، وابن ماجه (٢٧٥٨)، وأما ابن حبان فقد أخرجه (٤٦٢٨) عن عمر
بلفظ: ((ومن جهز غازياً في سبيل الله، فله مثل أجره)).

٩٦
باب ٣٨ / ح ٢٨٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
الغازي لا يَتأَتَّى منه الغَزْوُ إلَّا بعدَ أن يُكفَى ذلك العملَ، فصار كأنَّه يباشرُ معه الغَزوَ
بخلاف مَن اقتَصَرَ على النِّية مثلاً، والله أعلم. وستكونُ لنا عَوْدٌ إلى البحث في هذا
الكلام على قوله: ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ تَعِدِلُ ثلثَ القرآن)) في شرح فضائل القرآن
(٥٠١٣) إن شاء الله تعالى.
٢٨٤٤- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا هَّامٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله، عن أنسٍ ﴾:
أنَّ النبيَّ ◌ٍَّ لم يكن يَدخُلُ بيتاً بالمدينةِ غيرَ بيتِ أمِّ سُلَيم، إلا على أزواجِه، فقيلَ له، فقال: ((إنّ
أرحُها، قُتِلَ أخوها معي)».
قوله: ((عن إسحاق بن عبد الله)) أي: ابن أبي طلحة، وفي رواية عَمْرو بن عاصم عن
همَّامٍ: ((أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة)) أخرجه ابن سعدٍ (٤٢٨/٨) عنه(١)، وعند
الإسماعيلي من طريق حِبّان بن هلال عن همَّام: حدَّثنا إسحاق.
٥١/٦ قوله: ((لم يكن يَدخُلُ بالمدينةِ بيتاً غيرَ بيتِ أم سُلَيم)) قال الحميدي: لعلَّه أراد على الدَّوام،
وإلَّا فقد تقدَّم أنَّه كان يَدخُلُ على أمّ حَرَام.
وقال ابن التِّين: يريدُ أنَّه كان يُكثِرُ الدُّخولُ على أمّ سُلَيم، وإلَّا فقد دَخَلَ على أُختِها أمّ
حَرَام، ولعلَّها - أي: أمُّ سُليم - كانت شقيقة المقتول، أو وَجَدَت عليه أكثرَ من أمّ حَرَام.
قلت: لا حاجةَ إلى هذا التأويل، فإنَّ بيت أمِّ حَرَام وأمّ سُلَيم واحد، ولا مانعَ أن تكونَ
الأُختانِ في بيتٍ واحدٍ كبيرٍ لكلٍّ منهما فيه مَعزِل(٢)، فنُسِبَ تارةً إلى هذه، وتارةً إلى هذه.
قوله: ((فقيل له)) لم أقِفْ على اسم القائل.
قوله: ((إنّ أرحُها، قُتِلَ أخوها معي)) هذه العِلَّةُ أَولى من قولِ مَن قال: إنَّما كان يَدخُلُ
عليها لأنَّها كانت مَحَرَماً له. وسيأتي بيانُ ما في هذه القصَّة في كتاب الاستئذان (٦٢٨١) إن
شاء الله تعالى.
(١) وفي النسخ المطبوعة منه: ((حدثنا))!
(٢) كذا في الأصلين، وفي (س): منزل.

٩٧
باب ٣٩ / ح ٢٨٤٥
كتاب الجهاد
والمرادُ بقوله: ((أخوها)) حَرَام بن مِلْحانَ الذي تقدَّم ذِكرُه في («بابٍ مَن ◌ُنگبُ في سبيل
الله)) (٢٨٠١)، وستأتي قصَّة قتله في غزوة بئر مَعُونة من كتاب المغازي (٤٠٩١).
والمراد بقوله: ((معي)) أي: مع عسكري، أو على أمري وفي طاعَتي، لأنَّ النبي ◌َّ لم
يَشْهَدْ بئر مَعُونة وإِنَّمَا أمَرَهم بالذَّهاب إليها. وغَفَلَ القُرْطُبي فقال: قُتِلَ أخوها معه في
بعض خُرُوبه وأظنُّه يومَ أُحد. ولم يُصِبْ في ظنِّه، والله أعلم.
تنبيه: قال ابن المنيِرِ: مُطابقةُ حديث أنس للتَّرجمة من جِهَة قوله: ((أو خَلَفَه في أهلِه))
لأنَّ ذلك أعمُّ من أن يكون في حياته أو بعدَ موتِه، والنبي ◌َّه كان يَجِبُرُ قلب أمِّ سُلَيم
بزيارَتِها، ويُعلِّلُ ذلك بأنَّ أخاها قُتِلَ معه، ففيه: أنَّه خَلَفَه في أهلِه بخيرٍ بعدَ وفاته، وذلك
من حُسن عَهدِه ◌َ
٣٩- باب التَّحتُّط عند القتال
٢٨٤٥ - حدّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهّاب، حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ، عن
موسى بنٍ أنسٍ - قال: ذَكَر يومَ اليَمامةِ - قال: أَتَى أنسٌ ثابتَ بنَ قيسٍ وقد حَسَرَ عن فَخِذَيه
وهو يَتَحتَّطُ، فقال: يا عمِّ، ما يَحِسُكَ أَّا تَّجِيءَ؟ قال: الآنَ يا ابنَ أخي، وجَعَلَ يَتَحَّطُ. يعني
مِن الخَنُوطَ - ثمَّ جاءَ فَجَلَسَ، فَذَكَر في الحديثِ انكِشافاً منَ الناسِ، فقال: هكذا عن وُجُوهِنا
حتَّى نُضارِبَ القومَ، ما هكذا كنَّا نفعلُ مع رسولِ الله ◌َّه بِثْسَ ماعَوَّدتُم أقرانَكم.
رواه حمّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ.
قوله: ((باب التحتُّط عند القتال)) أي: استعمال الحَنُوطِ وهو ما يُطَيِّبُ به الميِّتُ، وقد
تقدَّم بيانه في كتاب الجنائز (١٢٦٦).
قوله: ((عن موسى بن أنس)) أي: ابنِ مالك.
قوله: ((ذكر)) كذا للحَمُّوِي وللباقين: ((وذكر)) بزيادة الواو وهي للحال.
قوله: (يوم اليمامة)) أي: حين حارب المسلمون مُسَيلِمةَ الكذّاب وأتباعَه في خلافةِ
أبي بكر الصِّدّیق.

٩٨
باب ٣٩ / ح ٢٨٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أتى أنسُ بن مالك ثابتَ بن قيس)) بالنَّصب على المفعوليَّة.
قال الحميدي: كذا قال، لم يقل: عن أنس، وأخرجه البَرْقانيُّ من وجه آخرَ فقال: عن
موسی بن أنس عن أبيه قال: أتيتُ ثابت بن قيس.
قلت: وَصَلَه الطَّبَراني(١) والإسماعيلي من طريق ابن أبي زائدة عن ابن عَوْن، وقال ابن
سعد في ((الطَّقات)): حدَّثنا الأنصاري، حدَّثنا ابن عَوْنٍ، حدَّثنا موسى بن أنس، عن أنس
ابن مالك قال: لمَّا كان يومُ اليَمامة جئت إلى ثابت بن قيس بن شَمَّاس ... فذكره، وأخرجه
الحاكم في «المستدرَك)) (٢٣٤/٣) من طريقٍ أُخرى عن الأنصاري كذلك.
قوله: ((وقد حَسَرَ )) بمُهمَلتَين مفتوحتين، أي: كَشَفَ، وزنَه ومعناه.
قوله: ((يا عمِّ)) إِنَّمَا دَعاه بذلك لأنَّه كان أسَنَّ منه، ولأنَّه من قبيلة الخَزْرَج.
قوله: ((ما يَحِسُك؟)) أي: يُؤخّرُكَ، وفي رواية الأنصاري: فقلت: يا عمّ، ألا تَرى ما
يَلقى الناسُ، زاد معاذ بن معاذ عن ابن عَوْنٍ عند الإسماعيلي: ألَا تَجِيءُ، وكذا أخرجه
خَلِيفة في ((تاريخه))(٢) عن معاذ وقال في جوابه: بلى يا ابن أخي الآنَ.
٥٢/٦
قوله: ((ألّا)) بالتَّشديد، وتَجِيءَ بالنَّصب.
قوله: ((وجَعَلَ يَتَحتَّطُ، يعني: من الحَنُوط)) كذا في الأصل، وكأنَّ قائلَها أراد دفعَ مَن
يَتَوهَّمُ أنَّها من الحِنطة، ولم يقع ذلك في رواية الأنصاري المذكورة.
قوله: ((فَذَكَر من الناسِ انكِشافاً) في رواية ابن أبي زائدة: فجاء حتَّى جَلَسَ في الصَّفِّ
والناسُ يَنْكَشِفُونَ؛ أي: يَنْهَزِمونَ.
قوله: ((فقال: هكذا عن وُجوهِنا)) أي: افسَحُوا لي حتَّى أُقاتلَ.
قوله: ((ما هكذا كنَّا نفعلُ مع رسولِ اللهِ﴾﴾ أي: بل كان الصفُّ لا يَنحَرِفُ عن موضعِه.
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: الطبري، وما أثبتناه من (أ)، وهو في ((المعجم الكبير)) للطبراني (١٣٢٢) من
الطريق المذكورة.
(٢) ((تاريخ خليفة بن خياط)) ص ١٠٧.

٩٩
باب ٣٩ / ح ٢٨٤٥
كتاب الجهاد
قوله: (بِئْسَ ما عَوَّدْتُم أقرانَكم)) كذا للأكثر، ووقع في رواية المُستَمْلي: ((عَوَّدكم
أقرانُكم)) أي: نُظَراؤُكم، وهو جمعُ قِرْنٍ بكسر القاف: وهو الذي يُعادِلُ الآخرَ في الشِّدَّة،
والقَرْنُ بفتح(١) القاف: مَن يعادلُ في السِّنّ، وأراد ثابت بقوله هذا توبيخَ المنهزمين، أي:
عَوَّدتُم نُظَراءَكم في القُوَّة من عدوِّكم الفِرارَ منهم حتَّى طَمِعوا فيكم، وزاد معاذ بن معاذ
والأنصاري(٢) وابن أبي زائدةً في روايتِهم(٣): فتقدَّم فقاتَلَ حتَّى قُتِل.
قوله: ((رواه حمّاد)) أي: ابن سَلَمة ((عن ثابتٍ عن أنس)) كذا قال، وكأنَّه أشارَ إلى أصل
الحديث، وإلَّا فرواية حمّاد أتمُّ من رواية موسى بن أنس، وقد أخرجه ابن سعد والطبراني
(١٣٠٧) والحاكم (٢٣٥/٣) من طرقٍ عنه، ولفظُه: أنَّ ثابت بن قيس بن شََّاسٍ جاء يوم
اليمامة وقد تَخَّطَ ولَبِسَ ثوبَينِ أبيضَين يُكفَّنُ فيهما، وقد انهَزَمَ القومُ فقال: اللهمَّ إنّ أبرأُ
إليك مما جاء به هؤلاءِ المشركون، وأعتَذِرُ إليك مَمَّا صَنَعَ هؤلاءِ، ثمَّ قال: بئسَ ما عَوَّدتُم
أقرانكم منذُ اليوم، خَلُّوا بيننا وبينهم ساعةً، فحَمَلَ فقاتَل حتَّى قُتِلَ، وكانت دِرعُه قد
سُرِقَت فرآه رجلٌ فيما يرى النائمُ فقال: إنَّها في قِدْرٍ تحت إكافٍ بمكانٍ كذا، فأوصاه
بوصايا، فوجدوا الدِّرعَ كما قال وأنفَذُوا وصاياه. وأخرج الحاكم (٢٣٥/٣) قصَّة الدِّرع
والوَصيّة مُطوَّلةً من وجهٍ آخرَ عن بنت ثابت بن قيس المذكور، وفيها: أنَّه أوصى بعِتق
بعض رقيقِه، وسَمّى الواقديُّ في كتاب «الرِّدَة)» من وجهٍ آخرَ مَن أوصى بعِتقِه: وهم سعدٌ
وسالمٌ وأفادَ الواقدي أنَّ رائيَ المنام هو بلال المؤذِّن.
قال المهلَّبُ وغيرُه: فيه جوازُ استهلاك النَّفس في الجهاد وتَرْك الأخذِ بالرُّخصة،
والتَّهِئَةُ للموت بالتحتُّطِ والتَّكفين. وفيه قُوَّةُ ثابت بن قيس وصِحَّة يقينه ونيتِه. وفيه
التَّداعي إلى الحربِ والتَّحريض عليها وتوبيخ مَن يَفِرُّ. وفيه الإشارةُ إلى ما كان الصحابةُ
عليه في عَهْد النبي ◌َّهِ من الشَّجاعة والثَّبات في الحرب.
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: بكسر، وما أثبتناه من (ع) وهو الصواب.
(٢) في (س): الأنصاري، بإسقاط الواو، وهو خطأ.
(٣) في (س): روايتهما، وهو خطأ، فهي ثلاث روايات سبق أن خرَّجها الحافظ.

١٠٠
باب ٤٠-٤١ / ح ٢٨٤٦ -١٨٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
واستُدِلَّ به على أنَّ الفَخِذَ ليست عورةً، وقد مضى البحث فيه في أوائل كتاب
الصلاة (١)
٤٠- باب فضل الطَّليعة
٢٨٤٦- حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا سفيانُ، عن محمَّدٍ بنِ المُنكَدِر، عن جابرٍ ﴾ قال: قال
النبيُّ ◌ََّ: ((مَن يَأْتِيني بخيرِ القومِ؟» يومَ الأحزابِ، فقال الزُّبَيرُ: أنا، ثمّ قال: «مَن يَأتِيني بخير
القوم؟)) قال الزُّبَيرُ: أنا، فقال النبيُّ ◌َّةِ: ((إنَّ لكلِّ نبِيٍّ حَوَارّاً، وحَوَارِيَّ الزُّبَيرُ)).
[أطرافه في: ٢٨٤٧، ٢٩٩٧، ٣٧١٩، ٤١١٣، ٧٢٦١]
قوله: ((باب فضل الطَّليعة)) أي: مَن يُبعَثُ إلى العدوِّ ليطَّلِعَ على أحوالهم، وهو اسمُ
جنسٍ يَشمَلُ الواحدَ فما فوقَه، وقد تقدَّم في كتاب الشُّروط (٢٧٣١ و٢٧٣٢) في حديث
المِسِوَرِ الطّويل بيانُ ذلك.
قوله: ((حدَّثنا سفيان)) هو الثَّوْري.
٥٣/٦ قوله: «مَن یأتیني بخير القوم؟ یوم الأحزاب» في روایة وهب بن گیْسان عن جابر عند
النَّسائي (ك٨٧٩٢): لمَّا اشْتَدَّ الأمرُ يوم بني قُرَيظة قال رسول الله وَلّ: ((مَن يأتينا بخبرهم))
الحديث، وفيه: أنَّ الزُّبِيرَ تَوَجَّهَ إلى ذلك ثلاث مرَّات، ومنه يَظهَرُ المراد بالقوم في رواية ابن
المنكَدِر، وسيأتي بيانُ ذلك في المغازي (٤١١٣)، وأنَّ الأحزابَ من قريش وغيرهم لمَّا
جاؤوا إلى المدينة وحَفْرَ النبيِ نَّهِ الخندقَ بَلَغَ المسلمين أنَّ بني قُرَيظة من اليهود نَقَضُوا
العَهْد الذي كان بينهم وبين المسلمين ووافَقُوا قريشاً على حربٍ المسلمين، وسيأتي الكلام
على شرح الحَوَاريِّ في المناقب (٣٧١٩) إن شاء الله تعالى.
٤١ - بابٌ هل يُبعَث الطَّلیعة وحدَه
٢٨٤٧ - حدَّثنا صَدَقةُ، أخبرنا ابنُ عُيَينَةَ، حدَّثنا ابنُ المُنكَدِر، سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله
رضي الله عنهما قال: نَدَبَ النبيُّ نَّهِ الناسَ - قال صَدَقَةُ: أظنُّهُ يومَ الخندَقِ - فانتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثمّ
(١) في الباب رقم (١٢) منه: باب ما يُذكَر في الفخذ.