النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ باب ٢٠-٢١ / ح ٢٨١٦ -٢٨١٧ كتاب الجهاد آخرَ النَّهارِ شُهَداء»، فلعلَّ سفيان كان نسِيَه ثمَّ تذكَّر، وقد أخرجه المصنِّف في المغازي (٤٠٤٤) عن عبد الله بن محمّد عن سفيان بدون الزِّيادة، وأخرجه في تفسير المائدة (٤٦١٨) عن صَدَقة بن الفضل عن سفيان بإثباتها، وسيأتي بقيّة شرحه في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى. - ٢٠ - باب ظلِّ الملائكة على الشَّهيد ٢٨١٦ - حدَّثنا صَدَقةُ بنُ الفَضْلِ، قال: أخبرنا ابنُ عُبَينَةَ، قال: سمعتُ محمَّدَ بنَ المُنكَدِر، أَّ سَمعَ جابراً يقول: جِيءَ بأَبي إلى النبيِّ ◌ِّهِ وقد مُثِّلَ به، ووُضِعَ بينَ يديِهِ، فذهبتُ أكْشِفُ عن وجهِهِ فنَهَاني قومي، فسمعَ صوتَ نائحةٍ، فقيل: ابنةُ عَمْرٍو - أو أُختُ عَمرٍو - فقال: ((لِمَ تَبْكي - أو لا تَبْكي - ما زالَتِ الملائكةُ تُظِلُّه بأجنِحَتِها». قلتُ لصَدَقةً: أفيه «حتَّی رُفِعَ)»؟ قال: رُبّما قاله. قوله: ((باب ظِلّ الملائكة على الشَّهید» ذکر فیه حديث جابر في قصَّة قتل أبيه، وسيأتي بيانه في غزوة أُحد (٤٠٨٠)، وهو ظاهر فيما ترجم له، وقد تقدَّم الكلام عليه في كتاب الجنائز (١٢٤٤). قوله: ((قلت لصَدَقَةَ)) القائل هو المصنِّف، وصَدَقة: هو ابن الفضل شيخه فيه، وقد تقدَّم في الجنائز (١٢٩٣) عن عليّ بن عبد الله - وهو ابن المَدِيني - عن سفيان، وفي آخره: ((حتَّى رُفِعَ))، وكذلك رواه الحميدي (١٢٦١) وجماعة عن سفيان. ٢١ - باب تمنِّي المجاهد أن يرجع إلى الدّنيا ٢٨١٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ قَتَادةَ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ ◌ُه، عن النبيِّ وَّه قال: ((ما أحدٌ يَدخُلُ الجنَّةَ يُحِبُّ أن يَرجِعَ إلى الدُّنْيا وله ما على الأرضِ من شيءٍ، إلا الشَّهيدُ يَتَمنَّى أن يَرجِعَ إلى الدُّنْيَا فِيُقتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِن الگرامة». ٦١ باب ٢١ / ح ٢٨١٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب تَمَنِّي المجاهد أن يَرجِع إلى الدُّنْيا)) أورَدَ فيه حديث قَتَادة: سمعت أنس بن مالك عن النبي وَلَّ: ((ما أحدٌ يَدخُل الجنَّة ◌ُحِبُّ أن يَرجِع إلى الدُّنيا)) الحديث، وقد وَرَدَ بلفظ التمنِّي وذلك فيما أخرجه النَّسائي (٣١٦٠) والحاكم (٢/ ٧٥) من طريق حَمَّاد بن سَلَمة عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله وَله: ((يُؤتَى بالرجل من أهل الجنَّة فيقول الله تعالى: يا ابن آدم، كيف وجدتَ منزلك؟ فيقول: أي ربّ، خيرُ منزل، فيقول: سَلْ وتَنَّهْ، فيقول: ما أسألك وأتمنّى أن تَرُدّني إلى الدُّنيا فأُقتَل في سبيلك عشر مرَّات؛ لما رأى من فضل الشَّهادة) الحديث، ولمسلم (١٨٨٧) من حديث ابن مسعود رَفَعَه في الشُّهَداء قال: «فاطَّلَعَ عليهم ربُّك الطِّلاعة، فقال: هل تَشْتَهُونَ شيئاً؟ قالوا: نريد أن تُرَدّ أرواحنا في أجسادنا حتَّى نُقْتَل في سبيلك مرَّة أُخرى))، ولابن أبي شَيْبة (٣٢١/٥-٣٢٢) من مُرسَل سعيد بن جُبَير: أنَّ الخاطب بذلك حمزة بن عبد المطَّلِّب ومُصعَب بن عُمَير، وللتِّرمِذي (٣٠١٠) وحسّنه والحاكم (٢٠٣/٣ -٢٠٤) وصحَّحه من حديث جابر قال: قال لي رسول الله وَلّ: «ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: يا عبد الله، تَمَنَّ عليَّ أُعطِك، قال: یا ربّ تُحِينِي فَأُقْتَل فيك ثانية، قال: إنَّه سبق منِّي أَّهم إليها لا يُرجَعونَ)). قول شُعْبة في الإسناد: ((سمعت قَتَادة)) في رواية أبي خالد الأحمر عن شُعْبة: عن قَتَادة وُميدٍ، كلاهما عن أنس، أخرجه مسلم (١٠٨/١٨٧٧). قوله: «ما أحدٌ)) في رواية أبي خالد: ((ما من نفسٍ)). ٣٣/٦ قوله: «يَدخُل الجنَّة» في رواية أبي خالد: ((لها عند الله خير)). قوله: ((وله ما على الأرض من شيء)) في رواية أبي خالد: ((وأنَّ لها الدُّنيا وما فيها)). قوله: ((لمَا يَرَى من الكَرَامة)) في رواية أبي خالد: ((لما يرى من فضل الشَّهادة))، ولم يقل: ((عشر مرَّات))، وكأنَّ أبا خالد ساقه على لفظ حُميدٍ، والله أعلم. قال ابن بَطَّال: هذا الحديث أجَلُّ ما جاء في فضل الشَّهادة، قال: وليس في أعمال البِرّ ما تُبذَل فيه النَّفْس غير الجهاد، فلذلك عَظُمَ فيه الثَّواب. ٦٣ باب ٢٢ / ح ٢٨١٨ كتاب الجهاد ٢٢ - باب الجنَّة تحت بارقة السّيوف وقال المغيرةُ بنُ شُعْبةَ: أخبرنا نبيُّنَا وَِّ عن رسالةِ ربِّنا: ((مَن قُتِلَ منَّا صارَ إلى الجنَّة)). وقال عمرُ للنبيِّ وَّ: أليس قَتْلانا في الجنَّةِ وقَتْلاهم في النار؟ قال: ((بَلَى)). ٢٨١٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا معاويةُ بنُ عَمرِو، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن سالمٍ أبي النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ الله - وكان كاتبَه - قال: كَتَبَ إليه عبدُ الله بنُ أبي أوفَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ قال: ((واعلَمُوا أَنَّ الجنَّةَ تحتَ ظِلالِ السُّیوف)». تابَعَه الأُوَيسِيُّ، عن ابنِ أبي الزِّناد، عن موسى بنِ عُقْبَةَ. [أطرافه في: ٢٨٣٣، ٢٩٦٦، ٣٠٢٤، ٧٢٣٧] قوله: ((باب الجنَّة تحت بارِقَة السُّيوف)) هو من إضافة الصِّفة إلى الموصوف، وقد تُطلَق البارقةُ ويُراد بها نفس السّيف فتكون الإضافة بيانيّة، وقد أورَدَه بلفظ: ((تحت ظلال السُّيوف)) وكأنَّه أشارَ بالتَرجمة إلى حديث عَّار بن ياسر، فأخرج الطبراني(١) بإسنادٍ صحيح عن عمَّار بن ياسر أنَّه قال يوم صِفّين: الجنَّة تحت الأبارقة، كذا وقع فيه، والصواب ((البارقة)) وهي السُّيوف اللّمعة، وكذا وقع على الصواب في ترجمة عَّر من ((طبقات ابن سعد)) (٢٥٧/٣)، وروى سعيد بن منصور (٢٥٢١) بإسنادٍ رجاله ثقات من مُرسَل أبي عبد الرَّحمن الحُبُلي مرفوعاً: ((الجنَّة تحت الأبارقَة))، ويُمكِن تخريجه على ما قاله الخطَّابي: الأبارقة: جمعُ إبريق، وسُمّي السَّيف إبريقاً، فهو إفعيل من البَرِيق، ويقال: أبرَقَ الرجل بسيفِه: إذا لَمَعَ به، والبارقةُ: اللَّمَعان. قال ابن المنيِّر: كأنَّ البخاري أراد أنَّ السُّيوف لمَّا كانت لها بارقةٌ، كان لها أيضاً ظِلّ. قال القُرْطُبي: وهو من الكلام النَّفيس الجامع المُوجَز المشتَمِل على ضُرُوب من البلاغة مع الوَجازةِ وعُذُوبة اللَّفظ، فإنَّه أفادَ الحضَّ على الجهاد، والإخبار بالثَّواب عليه، والحضَّ (١) لم نقف عليه في المطبوع منه، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٧/ ٢٤١ معزوّاً إلى الطبراني باللفظ المذكور. ٦٤ باب ٢٢ / ح ٢٨١٨ فتح الباري بشرح البخاري على مُقارَبة العدوّ، واستعمال السُّيوف، والاجتماع حين الزَّحف حتَّى تصيرَ السُّيوف تُظِلُّ المتقاتلينَ. وقال ابن الجَوْزيّ: المراد أنَّ الجنَّة تَحصُل بالجهاد. والظِّلال جمع: ظِلِّ، وإذا تَدانی الخصمانِ صار كلٌّ منهما تحت ظلِّ سيف صاحبه لحِرصِه على رفعه عليه، ولا يكون ذلك إلَّا عند الْتِحام القتال. قوله: ((وقال المغيرة ... )) إلى آخره، هو طرف من حديث طويل وَصَلَه المصنّف بتمامه في الجِزْية (٣١٥٩). وقوله هنا: ((عن رسالة ربِّنا)) ثَبَتَ للكُشْمِيهنيِّ وحده، وهو كذلك في الطَّريق الموصولة، ويحتمل أن يكون حُذِفَ هنا اختصاراً. قوله: ((وقال عُمَر ... )) إلى آخره، هو طرفٌ من حديث سَهْل بن حُنَيَف في قصَّة عمرة الحُدَيبية (٣١٨٢)، وسيأتي بتمامه موصولاً في المغازي (٤١٨٩)، وتقدَّمت الإشارة إليه في الشُّروط. ٣٤/٦ قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)» هو الجُعْفيّ، وأبو إسحاق: هو الفَزَاري، وعمر بن عُبيد الله - أي: ابن مَعمَر -: هو الثَّيْمي، وكان أميراً على حرب الخَوَارج. قوله: ((و کان کاتبه)) أي أنَّ سالماً کان کاتب عبد الله بن أبي أوفى. قال: ((كَتَبَ إليه عبد الله بن أبي أَوفى)) الضَّمير لعمر بن عُبيد الله. قال الدَّارَقُطني في ((التبُّع)): أخرجا حديث موسى بن عُقْبةَ عن أبي النَّضْر مولى عمر ابن عُبيد الله قال: كَتَبَ إليه عبد الله بن أبي أَوفى فقرأته ... الحديث. قال: وأبو النَّصْر لم يسمع من ابن أبي أوفى، فهو حُجَّة في رواية المكاتَبة. وتُعقّبَ بأنَّ شرط الرِّواية بالمكاتَبة عند أهل الحديث أن تكون الرّواية صادرةً إلى المكتوب إليه، وابن أبي أَوفى لم يَكتُب إلى سالم إنَّما كَتَبَ إلى عمر بن عبيد الله، فعلى هذا تكون روايةُ سالم له عن عبد الله بن أبي أوفى من صُوَر الوِجَادة. ٦٥ باب ٢٣ / ح ٢٨١٩ كتاب الجهاد ويُمكِن أن يقال: الظّاهر أنَّه من رواية سالم عن مولاه عمر بن عُبيد الله بقراءتِه عليه، لأنَّه كان كاتِبَه(١)، عن عبد الله بن أبي أَوفى أنَّه كَتَبَ إليه، فيصير حينئذٍ من صُوَر المكاتَبة، وفيه تَعقُّب على مَن صَنَّفَ في رجال ((الصحيحَين)) فإنَّهم لم يَذكُروا لعمر بن عُبيد الله ترجمة، وقد ذكره ابن أبي حاتم وذکر له روايةً عن بعض التابعين ولم یذکر فیه جَرحاً. قوله: ((واعلَموا أنَّ الجنَّة)) هكذا أورَدَه هنا مختصراً، وذكر طرفاً منه أيضاً بهذا الإسناد بعد أبواب (٢٨٣٣) في ((باب الصَّبر عند القتال))، وأخرجه بعد أبواب كثيرة (٢٩٦٦) في ((باب تأخير القتال حتَّى تَزُول الشمس)) بهذا الإسناد مُطوَّلاً، ثمَّ أخرجه بعد أبواب أيضاً (٣٠٢٤) مُطوَّلاً من وجه آخر في النَّهي عن تَنِّي لقاء العدوّ، ويأتي الكلام على شرحه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: ((تَابَعَه الأُوَيسي، عن ابن أبي الزِّناد، عن موسى بن عُقْبةَ)) قلت: الأُوَيسي هو عبد العزيز بن عبد الله، أحد شيوخ البخاري، وقد حدَّث عنه بهذا الحديث موصولاً خارجَ ((الصحيح))، ورُوّيناه في كتاب ((الجهاد)) (١٠) لابن أبي عاصم قال: حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل البخاري به، وقد رواه عمر بن شَبَّة عن الأُوَيسي فبيَّن أنَّ ذلك كان يوم الخندق. قال المهلَّب: في هذه الأحاديث جوازُ القول بأنَّ قتلى المسلمين في الجنَّة، لكن على الإجمال لا على التَّعیین. ٢٣ - باب مَن طلب الولدَ للجهاد ٢٨١٩ - وقال اللَّيْثُ: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبِيعةَ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ هُرْمُزَ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ عُه، عن رسولِ الله ◌ِ لّه قال: «قال سليمانُ بنُ داود عليهما السلام: لَأَطُوفَنَّ اللَّيلةَ على مئةِ امرأةٍ - أو تسع وتسعينَ - كلُّهنَّ یأتي بفارسٍ ◌ُجاهدُ في سبيلِ الله، فقال له صاحبُه: قُلْ: إن شاءَ الله، فلم يقل: إن شاءَ الله، فلم تَحمِلْ منهنَّ إلَّا امرأةٌ واحدةٌ جاءت بشِقٌّ رجلٍ، والذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه، لو قال: إن شاءَ الله، لجاهَدُوا في سبيلِ الله فُرْساناً أجمعونَ)). [أطرافه في: ٣٤٢٤، ٥٢٤٢، ٦٦٣٩، ٦٧٢٠، ٧٤٦٩] (١) زاد في (س) هنا لفظة ((أبي))، وهي زيادة مقحمة لا وجه لها. ٦٦ باب ٢٤ / ح ٢٨٢٠ -٢٨٢١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب من طَلَبَ الولد للجهاد)) أي: ينوي عند المجامَعة حصولَ الولد ليجاهد في سبيل الله، فيَحصُل له بذلك أجرٌ وإن لم يقع ذلك. قوله: ((وقال اللَّيث ... )) إلى آخره، وَصَلَه أبو نُعيم في ((المستَخرَج)) من طريق يحيى بن بُكَير عن اللَّيث بهذا الإسناد، وسيأتي الكلام عليه في كتاب الأيمان والنُّذور (٦٦٣٩) إن شاء الله تعالى، ثمَّ تَعجَّتُ فشَرَحتُه في ترجمة سليمان (٣٤٢٤). ٢٤ - باب الشّجاعة في الحرب والجُبْن ٣٥/٦ ٢٨٢٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الملِكِ بنِ واقدٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ ◌َ﴾ قال: كان النبيُّ وَّ أحسنَ الناسِ وأشجَعَ الناسِ وأجوَدَ الناسِ، ولقد فَزِعَ أهلُ المدينةِ فكان النبيُّ ◌َلَّ سَبَقَهم على فرسٍ، وقال: ((وَجَدْناه بَحْراً». ٢٨٢١- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عمرُ بنُ محمَّدِ بنِ مُجُبَير بنِ مُطعِم، أنَّ محمَّدَ بنَ جُبير، قال: أخبرني جُبَيرُ بنُ مُطعِمٍ: أَنَّه بينَا هو يَسِيرُ مع رسولِ اللهِ وَ﴿ ومعه الناسُ مَقْفَلَهُ من حُنَيْنٍ، فَعَلِقَتِ الناسُ يسألونَه حتَّى اضْطَرُّوه إلى سَمُرةٍ فخَطِفَت رِدَاءَه، فَوَقَفَ النبيُّ وَّرِ فقال: ((أَعطُونِي رِدَائي، لو كان لي عَدَدَ هذه العِضَاءِ نَعَمِّ، لَقَسَمْتُه بينكم، ثمَّ لا تَجِدُونني بخيلاً ولا كَذُوباً ولا جَباناً». [طرفه في: ٣١٤٨] قوله: ((باب الشَّجاعة في الحرب والجُبْن)) أي: مَدْحِ الشَّجاعة وذَمّ الجُبن، والجُبْن بضمِّ الجيم وسكون الموحّدة: ضِدُّ الشَّجاعة. وأورد فيه حدیثین: أحدهما: عن أنس قال: كان النبي وَّرِ أَشجَعَ الناس. وسيأتي شرحه بعد عشرين باباً (٢٨٥٧)، ومضى بعض شرحه في آخر الهبة (٢٦٢٧). وقوله: ((وَجَدْناه بَخْراً)) أي: واسعَ الجَرْي. ثانيهما: حديث جُبَير بن مُطعِم في مَقفَله وَلِّ من حُنَين، والغَرَض منه قوله في آخره: (ثمَّ لا ◌َجِدونَني بخيلاً ولا جَباناً»، وسيأتي شرحه في كتاب فَرْض الخُمس (٣١٤٨). ٦٧ باب ٢٥ / ح ٢٨٢٢ كتاب الجهاد وعمر بن محمّد بن جُبَير بن مُطعِمٍ لم يَروِ عنه غيرُ الزُّهْريّ، وقد وَثَّقَه النَّسائي، وهذا مِثالٌ للردّ على مَن زَعَمَ أنَّ شرط البخاري أن لا يرويَ الحديث الذي يُخْرِجه أقلُّ من اثنين عن أقلّ من اثنين، فإنَّ هذا الحديث ما رواه عن محمَّد بن جُبَير غيرُ ولده عمر، ثمَّ ما رواه عن عمر غيرُ الزُّهْريّ، هذا مع تَفرُّد الزُّهْرِيّ بالرِّواية عن عمر مُطلَقاً، وقد سمعَ الزُّهْريّ من محمَّد بن جُبَير أحاديث، وكأنَّه لم يسمع هذا منه فحَمَلَه عن ولده، والله أعلم. وقوله فيه: ((مَقْفَله)) بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء وباللام، يعني: زمان رجوعه. وقوله: ((فعَلِقَت)) بفتح العين وکسر اللام الخفيفة بعدها قاف، وفي رواية الگُشْمِيهنيّ: ((فطَفِقَت» وهو بوزنه ومعناه. وقوله: ((اضْطَرُّوه إلى سَمُرة)) أي: ألْجَؤُوهُ وإلى شجرة من شجر البادية ذات شَوْك. وقوله: ((فخَطِفَتْ)) بكسر الطاء. وقوله: ((العِضَاء)) بكسر المهمَلة بعدها مُعجَمة خفيفة وفي آخره هاء: هو شجر ذُو شَوْك، يُقرأ في الوَصْل وفي الوقف بالهاء. وقوله: (نَعَمِّ)) بفتح النّون والعين، كذا لأبي ذرِّ بالرفع على أنَّه اسم كان، و((عددَ)) بالنَّصب خبر مُقدَّم، ولغيره: ((نِعَمًا)) بالنَّصب إمَّا على التَّمييز وإمَّا على أنَّه الخبر، و((عددُ)) هو الاسم، والله أعلم. ٢٥ - باب ما يتعوّذ من الجبن ٢٨٢٢ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، حدَّثنا عبدُ الملِكِ بنُ عُمَير، سمعتُ عَمْرَو بنَ ميمونِ الأَوْدِيَّ قال: كان سعدٌ يُعلِّمُ بَنِه هؤلاءِ الكلمات كما يُعلِّمُ المعلِّمُ الغِلْمَانَ الكتابةَ، ويقول: إنَّ رسولَ الله وَّةِ/ كان يَتَعَوَّذُ منهنَّ دُبُرَ الصَّلاة: ((اللهمَّ إنّ أعوذُ بكَ مِن ٣٦/٦ الجُبْنِ، وأعوذُ بكَ أن أُرَدَّ إلى أرذَلِ العُمُرِ، وأعوذُ بكَ مِن فِتْنِةِ الدُّنْيا، وأعوذُ بكَ من عذابٍ القبر)). فحدَّثْتُ به مُصعَباً فصَدَّقَه. [أطرافه في: ٦٣٦٥، ٦٣٧٠، ٦٣٧٤، ٦٣٩٠] ٦٨ باب ٢٥-٢٦ / ح ٢٨٢٢ -٢٨٢٤ فتح الباري بشرح البخاري ٢٨٢٣- حذَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا مُعتمِرٌ، قال: سمعتُ أَبي، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ قال: كان النبيُّ وَ الَّ يقول: ((اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ مِن العَجْزِ والكَسَلِ، والجُبْنِ والهَرَمِ، وأعوذُ بكَ من فِتْنِ المَحْيا والمَمات، وأعوذُ بكَ من عذابِ القيرِ)». [أطرافه في: ٤٧٠٧، ٦٣٦٧، ٦٣٧١] قوله: ((باب ما يُتَعَوَّذ من الجُبْن)) كذا للجميع بضمٍّ أوَّل ((يُتَعَوَّذ)» على البناء للمجهول. وذکر فیه حدیثین: أحدهما: حديث سعد - وهو ابن أبي وَقَّاص - في التعوُّذ من الجُبن وغيره، وسيأتي شرحه في كتاب الدَّعَوات (٦٣٦٥) إن شاء الله تعالی. وقوله في آخره: ((فحدَّثْتُ به مُصعَباً فصَدَّقَه)) قائلُ ذلك هو عبد الملك بن عُمَير، ومُصعَب: هو ابن سعد بن أبي وَقَّاص، وأغرَبَ الِزِّي فقال في ((الأطراف)» في رواية عَمْرو ابن ميمون هذه عن سعد: لم يَذكُر البخاري مُصعَباً وذكره النَّسائي. كذا قال! وهو ثابت عند البخاري في جمیع الِّوايات. وقوله في أوَّله: ((كان سعد يُعلِّم بَنِيهِ» لم أقِفْ على تعيينهم، وقد ذكر محمَّد بن سعد في ((الطَّبقات)) أولاد سعد فذكر من الذُّكُور أربعة عشر نفساً، ومِن الإناث سبعَ عشرةَ، وروى عنه الحديث منهم خمسة: عامر ومحمَّد ومُصعَب وعائشة وعمر. ثانيهما: حديث أنس بن مالك في التعوُّذ من العجز والكَسَل وغيرهما، وسيأتي شرحه أيضاً في الدَّعَوات (٦٣٦٧). والفرقُ بين العجز والكَسَلِ: أنَّ الكَسَل: تركُ الشيء مع القُدرة على الأخذ في عمله، والعجز: عَدَمِ القُدرة. ٢٦ - باب من حدّث بمَشَاهده في الحرب قاله أبو عثمانَ عن سعدٍ. ٢٨٢٤- حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حاتمٌ، عن محمَّدِ بنِ يوسفَ، عن السائبِ بنِ یزیدَ : : : : ٦٩ باب ٢٦ / ح ٢٨٢٤ كتاب الجهاد قال: صَحِبتُ طَلْحَةَ بنَ عُبيدِ الله وسعداً والمِقْدَادَ بنَ الأسوَدِ وعبدَ الَّحمن بنَ عَوْفٍ رضي الله عنهم، فما سمعتُ أحداً منهم يُحدِّثُ عن رسولِ الله وَّةِ، إلا أنّ سمعتُ طَلْحَ يُحدِّثُ عن يومٍ أُحدٍ. [طرفه في: ٤٠٦٢] قوله: ((باب مَن حدَّث بمَشاهدِه في الحرب، قاله أبو عثمان)) أي: النَّهْدي ((عن سعد)) أي: ابن أبي وَقَّاص، وأشارَ بذلك إلى ما سيأتي موصولاً في المغازي (٤٣٢٦ و٤٤٢٧) عن أبي عثمان عن سعد: إنّ أوَّل مَن رَمَى بسهم في سبيل الله، وإلى ما سيأتي أيضاً موصولاً في فَضْل طلحةَ (٣٧٢٢ ,٣٧٢٣) عن أبي عثمان: لم يَبَقَ مع النبيِّ في تلك الأيام التي قاتَلَ فيها غيرُ طلحة وسعد، عن حديثهما؛ أي: أنَّما حدَّثاه بذلك. قوله: ((حدَّثنا حاتم)) هو ابن إسماعيل، ومحمَّد بن يوسف: هو الكندي، وهو سِبطٌ للسائبِ المذكور، والسائب صحابي صغير ابن صحابيّين، والإسناد كلُّه مدنيُّون إلَّا قُتَيبة. قوله: «وسعداً)) أي: ابن أبي وَقَّاص. قوله: ((فما سمعتُ أحداً منهم يُحدِّث عن رسول الله (وَ)) في رواية يحيى بن سعيد/ ٣٧/٦ الأنصاري عن السائب: صَحِبتُ سعد بن مالك من المدينة إلى مكَّة، فما سمعته يُحدِّث عن النبي ◌َّر بحديث واحد، أخرجه ابن ماجَهْ (٢٩)، وسعد بن مالك: هو ابن أبي وَقَّاص، وأخرجه آدم بن أبي إياس في ((العلم)) له من هذا الوجه فقال فيه: صَحِبتُ سعداً كذا وكذا سنةً. قوله: ((إلَّا أني سمعت طَلْحة يُحدِّث عن يوم أُحد)» لم يُبيِّن(١) ما حدّث به من ذلك، وقد أخرج أبو يعلى (٦٥٩) من طريق يزيد بن خُصَيفة عن السائب بن یزید عمَّن حدَّثه عن طلحة: أنَّه ظاهَرَ بین دِرعَین یوم أُحد (٢). (١) في(س): يعيّن. (٢) ظاهر سياق الحافظ له أن الذي ظاهر بين درعين طلحة، وعليه بني كلامه لاحقاً، وهذا غير صحيح، = ٧٠ باب ٢٧ / ح ٢٨٢٥ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن بَطَّال وغيره: كان كثير من كبار الصحابة لا يُحدِّثونَ عن رسول الله وَلَ خَشْيَةَ المَزيد والنُّقصان. وقد تقدَّم بيان ذلك في العلم(١)، وأمَّا تحديث طلحة فهو جائز إذا أمِن الرِّياء والعُجَب، ويَتَرقّى إلى الاستحباب إذا كان هناك مَن يَقتَدي بفعلِه. ٢٧ - باب وجوب النّفير وما يجب من الجهاد والنّيَّة وقولِ الله عزَّ وجلّ: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لََّتَبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِالَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٤١ - ٤٢]. وقوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى اُلْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. ويُذكَرُ عن ابنِ عبَّاسٍ: ﴿فَأَنِفِرُواْ ثُّبَاتٍ﴾ [النساء: ٧١]: سَرَايا مُتَفرِّقِينَ، ويقالُ: واحدُ الثُّبَاتِ: نُبَّةٌ. ٢٨٢٥- حدَّثْنا عَمرُو بنُ عليٍّ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَِّ قال يومَ الفَتْحِ: ((لا هِجْرةَ بعدَ الفَتْحِ، ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ، وإذا استُنِرتُم فانِفِرُوا)). قوله: ((باب وجوب النَّفير)) بفتح النُّون وكسر الفاء، أي: الخروج إلى قتال الكفّار، وأصل النَّفير: مُفارَقة مكان إلى مكان لأمرٍ حَرَّكَ ذلك. قوله: ((وما يجبُ من الجهاد والنّية)) أي: وبيان القَدْر الواجب من الجهاد، ومشروعية النِّية في ذلك. = فإن الذي فعل ذلك هو النبي ێ کما في الخبر نفسه عند أبي يعلى وغيره. وأخرجه أبو داود (٢٥٩٠) من هذا الطريق ولم يذكر فيه طلحة، وأخرجه أيضاً أحمد (١٥٧٢٢)، وابن ماجه (٢٨٠٦)، والنسائي في ((الکبری)» (٨٥٢٩)، إلا أنهم وقفوا فیه عند السائب بن یزید وجعلوه من حديثه. (١) عند ((باب الفهم في العلم)) بين يدي الحديث (٧٢). ٧١ باب ٢٧ / ح ٢٨٢٥ كتاب الجهاد وللناس في الجهاد حالان: إحداهما: في زمن النبي وَلّ، والأُخرى: بعده. فأمَّا الأُولى: فأوَّل ما شُرِعَ الجهادُ بعد الهجرة النبويَّة إلى المدينة اتِّفاقاً. ثمَّ بعد أن شُرِعَ هل كان فرضَ عَينٍ أو كفايةٍ؟ قولان مشهورانٍ للعلماء، وهما في مذهب الشّافعي، وقال الماوَرْديّ: كان عَيناً على المهاجرينَ دون غيرهم. ويُؤْيِّده وجوبُ الهجرة قبل الفتح في حقّ كلِّ مَن أسلَمَ إلى المدينة لنَصِرِ الإسلام. وقال السُّهَيلي: كان عيناً على الأنصار دون غيرهم. ويُؤَيِّده مُبايعَتهم للنبي وَّ ليلة العَقَبة على أن يُؤْؤُوا رسولَ الله ◌َّهِ وَيَنصُرُوه، فيَخرُج من قولهما أنَّه كان عيناً على الطائفتين كفايةً في حقّ غيرهم، ومع ذلك فليس في حقّ الطائفتين على التَّعميم، بل في حقّ الأنصار إذا طَرَّقَ المدينةَ طارق، وفي حقّ المهاجرينَ إذا أُريدَ قتالُ أحد من الكفَّار ابتداءً، ويُؤيِّد هذا ما وقع في قصَّة بدر فیما ذكره ابن إسحاق، فإنَّه کالصَّريح في ذلك. وقيل: كان عيناً في الغزوة التي يَخْرُج فيها النبيُّ وَ ◌ّر دون غيرها، والتحقيق أنَّه كان عيناً على مَن عَيَّنْه النبيُّ وَّ في حقّه ولو لم يَخْرُج. الحال الثَّاني: بعدَه وَّةِ، فهو فرضُ كفاية على المشهور إلَّا أن تَدعُوَ الحاجة إليه،/ كأن ٣٨/٦ يَدِهَمَ العدوُ ويَتَعيَّن على مَن عَيَّنه الإمام، ويَتأدّى فرضُ الكفاية بفعلِه في السَّنة مرَّةً عند الجمهور، ومِن حُجَّتهم أنَّ الِزْية تجب بَدَلاً عنه، ولا تجبُ في السَّنة أكثرَ من مرَّة اتِّفاقاً، فلیکن بَدَهُا كذلك. وقيل: يَجِبُ كلَّما أمكنَ، وهو قوي، والذي يَظهَر أنَّه استَمَرَّ على ما كان عليه في زمن النبي ◌َله إلى أن تَكامَلَت فُتُوح مُعظَم البلاد وانتَشَرَ الإسلام في أقطار الأرض، ثمَّ صار إلى ما تقدَّم ذِكْره، والتحقيق أيضاً أنَّ جنس جهاد الكفَّار مُتَعيِّن على كلّ مسلم: إمَّا بيدِه، وإمَّا بلِسانِهِ، وإِمَّا بماله، وإِمَّا بقلبِهِ، والله أعلم. قوله: ((وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿انفِرُواْ خِفَافًا وَنِقَالًا﴾ الآية)) هذه الآية مُتأخّرة عن التي بعدها، والأمر فيها مُقيَّد بما قبلها، لأنَّه تعالى عاتَبَ المؤمنينَ الذين يَتأخّرونَ بعد الأمر ٧٢ باب ٢٧ / ح ٢٨٢٥ فتح الباري بشرح البخاري بالنَّفير، ثمَّ عَقَّبَ ذلك بأن قال: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، وكأنَّ المصنّف قَدَّمَ آيَة الأمر على آية العِتاب لعمومِها، وقد روى الطَّبَري (١٠/ ١٤٠) من رواية أبي الضُّحى قال: أوَّلُ ما نزل من («براءَة)): ﴿ أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. وقد فَهِمَ بعض الصحابة من هذا الأمر العمومَ فلم يكونوا يَتَخلَّفونَ عن الغَزْو حتَّى مات منهم أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن الأسوَد وغيرهم. ومعنى قوله: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾: مُتأهِّبين أو غيرَ مُتأهِّبين، نِشاطاً أو غير نشاط، وقيل: رجالاً ورُكباناً. قوله: ((وقوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ آنِفِرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآية)) قال الطَّبَري: يجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿إِلَّا نَفِرُوا يُعَذِبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] خاصّاً، والمراد به: مَن استَنَفرَه رسولُ اللهِ وَل فامتَنَعَ، وأخرج (١٣٥/١٠) عن الحسن البصري وعِكْرمة أنَّها منسوخة بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَاَفَّةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] ثمَّ تَعقَّبَ ذلك، والذي يَظهَر أنَّها مخصوصة وليست بمنسوخةٍ، والله أعلم. وطريق عِكْرمة أخرجها أبو داود (٢٥٠٥) من وجهٍ آخرَ حسنٍ عنه عن ابن عبّاس. قوله: ((ويُذكَر عن ابن عبّاس: ﴿فَانِفِرُ واْ ثُّبَاتٍ﴾: سَرَايا مُتَفرِّقِينَ)) وَصَلَه الطََّري (١٦٥/٥) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه بهذا، أي: اخرجوا سَرِيَّة بعد سَريَّة، أو انفِروا جميعاً، أي: مُجْتَمِعِينَ. وزَعَمَ بعضهم أنَّها ناسخةٌ لقوله تعالى: ﴿ أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، والتحقيق أن لا نَسْخَ، بل المَرجِعُ في الآيتينِ إلى تعيين الإمام وإلى الحاجة إلى ذلك. تنبيه: وقع في رواية أبي ذرِّ والقابِسي: ((ثُباتاً)) بالألف، وهو غَلَطُ لا وجه له، لأنَّه جمعُ ثُبَة کما ستری. قوله: ((ويقال: واحد الثُّبات: ثُبَة)) أي: بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الموحّدة بعدها هاء تأنيث، ٧٣ باب ٢٧ / ح ٢٨٢٥ كتاب الجهاد وهو قول أبي عُبيدة في ((المجاز)) وزادَ: ومعناها: جماعات في تَفرِقة، ويُؤيِّده قوله بعده: ﴿أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]، قال: وقد تُجمَع ثُبَة على ثُبِينٍ. وقال النَّحّاس: ليس من هذا ثُبَة الحوض: وهو وسَطُهُ، سُمّي بذلك لأنَّ الماء يَتُوب إليه، أي: يَرجِع إليه، ويجتمع فيه، لأنَّها من: ثابَ يَغُوب، وتصغيرها: ثُوَيبة، وتُبَة بمعنى الجماعة، من: ثَبَا يَئُبُو، وتصغيرها: ثُبَيَّة، والله أعلم. قوله: ((لا هِجْرة بعد الفَتْح)) أي: فتح مگّة. قال الخطَّابي وغيره: كانت الهجرة فرضاً في أوَّل الإسلام على مَن أسلَمَ لِقِلَّة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلمَّا فتحَ الله مكَّة دَخَلَ الناس في دين الله أفواجاً، فسقط فرضُ الهجرة إلى المدينة وبقيَ فرض الجهاد والنِّية على مَن قامَ به، أو نزل به عدوٌّ. انتهى. وكانت الحِكْمة أيضاً في وجوب الهجرة على مَن أسلَمَ، ليسلمَ من أذى ذَوِيه من الكفَّار، فإنَّهم كانوا يُعذِّبونَ مَن أسلَمَ منهم إلى أن يَرجِعَ عن دينه، وفيهم نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمَّ تَكُنْ أَرْضُ اُللَّهِ وَسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾/ الآية [النساء: ٩٧]، وهذه الهجرة باقية الحكم في حقّ مَن أسلَمَ ٣٩/٦ في دارِ الكفر وقَدَرَ على الخروج منها، وقد روى النَّسائي (٢٥٦٨) (١) من طريق بَهْز بن حَكِيم بن معاوية، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعاً: ((لا يقبلُ الله من مُشرِك عملاً بعدَما أسلَمَ أو يُفارقَ المشركينَ))، ولأبي داود من حديث سَمُرة مرفوعاً («أنا بريءٌ من كلِّ مسلم يقيم بين أظهُر المشركين))(٢)، وهذا محمول على مَن لم يأمَن على دينه، وسيأتي مَزِيد لذلك في أبواب الهجرة من أوَّل كتاب المغازي إن شاء الله تعالى. (١) وأخرجه ابن ماجه أيضاً برقم (٢٥٣٦). (٢) لم يخرجه أبو داود من حديث سمرة، وإنما خرجه من حديث جرير بن عبد الله البجلي برقم (٢٦٤٥)، وهو عند الترمذي أيضاً (١٦٠٤)، وأما حديث سمرة فقد أخرجه الطبراني في (الكبير)) (٦٩٠٥)، والحاكم ٢/ ١٥٤، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٩/ ١٤٢ بلفظ: ((لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا)»، وعند الطبراني: ((فهو منهم)). ٧٤ باب ٢٧ / ح ٢٨٢٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولكن جهادٌ ونية)) قال الطُّيي وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفةَ حكم ما بعده لمَا قبله، والمعنى: أنَّ الهجرة التي هي مُفارَقة الوطن التي كانت مطلوبةً على الأعيان إلى المدينة انقَطَعَت، إلَّا أنَّ المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقةُ بسبب نية صالحة كالفِرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفِرار بالدّين من الفتن والنِّية في جمیع ذلك. قوله: ((وإذا استُفِرتُم فانِفِرُوا)» قال النَّوَوي: يريد أنَّ الخيرَ الذي انقَطَعَ بانقطاع الهجرة يُمكِن تحصيلُه بالجهاد والنِّية الصَّالحة، وإذا أمَرَكم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوِه من الأعمال الصَّالحة فاخرُ جوا إلیه. وقال الطّيبي: قوله: ((ولكن جهاد)) معطوف على محلّ مَدخول ((لا هِجْرة)) أي: الهجرة من الوطن إمَّا للفِرار من الكفّار، أو إلى الجهاد، أو إلى غير ذلك كطلبِ العلم، فانقَطَعَت الأُولى وبقيَ الأُخَرَيانِ فاغتَنِمُوهما ولا تَقاعَدُوا عنهما، بل إذا استُنِرتُم فانفروا. قلت: وليس الأمر في انقطاع الهجرة من الفِرار من الكفّار على ما قال، وقد تقدَّم تحرير ذلك. وقال ابن العربي: الهجرةُ هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضاً في عَهْد النبيِ نَّهِ واستَمَرَّت بعده لمن خافَ على نفسه، والتي انقَطَعَت أصلاً هي القَصْد إلى النبي ◌ُّل﴾ حيثُ كان. وفي الحديث بِشارةٌ بأنَّ مَّة تبقى دارَ إسلام أبداً. وفيه وجوب تعيينِ الخروج في الغَزْو على مَن عَيَّنه الإمام، وأنَّ الأعمال تُعتبَرَ بالنِّيّات. تكملة: قال ابن أبي جَمْرة ما مُحُصَّله: إنَّ هذا الحديث يُمكِن تنزيلُه على أحوال السالك، لأَنَّه أوَّلاً يُؤمَر بهجرة مألوفاتهِ حتَّى يَحَصُل له الفتحُ، فإذا لم يَحَصُل له أُمِر بالجهاد، وهو مُجاهَدة النَّفس والشيطان مع النِّيّة الصَّالحة في ذلك. ٧٥ باب ٢٨ / ح ٢٨٢٦ -٢٨٢٧ كتاب الجهاد ٢٨ - باب الكافر يقتل المسلم ثمّ يُسلِم فيُسدِّد بعدُ ويُقتَل ٢٨٢٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزّناد، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ عُهُ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((يَضْحَكُ اللهُ إلى رجلَيْنِ يَقْتُلُ أحدُهما الآخرَ يَدخُلانِ الجنَّةَ، يقاتلُ هذا في سبيلِ الله فيُقْتَل ثمَّ يتوبُ الله على القاتلِ فُستَشْهَدُ)). ٢٨٢٧- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، قال: أخبرني عَنْبسةُ بنُ سعيدٍ عن أبي هريرةَ ◌ّه قال: أتيتُ رسولَ الله وَّهِ وهو بِخَيْرَ بعدَما افتَتَهُوها، فقلتُ: يا رسولَ الله، أَسِهِمْ لي، فقال بعضُ بني سعيد بنِ العاصِ: لا تُسِهِمْ له يا رسولَ الله، فقال أبو هريرةَ: هذا قاتلُ ابنِ قَوْقَلٍ، فقال ابنُ سعيد بنِ العاصِ: واعَجَباً لوَيْرٍ تَلَلَّ علينا من قَدُومٍ ضَأْنٍ، يَنْعَى عليّ قَتْلَ رجلٍ مسلمٍ أَكْرَمَه اللهُ على يَدَيَّ ولم يُمِنِّي على يديه، قال: فلا أدري أسهَمَ له أم لم يُسِهِمْ له. قال سفيانُ: وحدَّثنيه السَّعِيدِيُّ، عن جدِّه، عن أبي هريرةَ. ٤٠/٦ السَّعِيدِيُّ: هو عَمُرُو بنُ يحيى بنِ سعيدِ بنِ عَمرِو بنِ سعيدِ بنِ العاصِ. [أطرافه في: ٤٦٣٧، ٤٦٣٨، ٤٧٢٩] قوله: ((باب الكافر يَقتُل المسلمَ ثمَّ يُسلِم)) أي: القاتل ((فيُسدِّد بعدُ)) أي: يعيش على سَدَاد، أي: استقامة في الدِّين. قوله: ((ويُقتَل)) في رواية النَّسَفي: ((أو يُقتَل)) وعليها اقتَصَرَ ابن بَطَّال والإسماعيلي، وهي أليَقُ بِمُراد المصنّف. قال ابن المنيِّر: في التَّرجمة: ((فُيُسدِّد)) والذي وقع في الحديث: ((فُيُستَشهَد)) وكأنَّه نبَّه بذلك على أنَّ الشَّهادة ذُكِرَت للَّنبيه على وجوه التَّسديد، وأنَّ كلَّ تسديدٍ كذلك وإن كانت الشَّهادةُ أفضل، لكن دخول الجنَّة لا يَخْتَصُّ بالشَّهيد، فجَعَلَ المصنّف التَّرجمة كالشَّرح لمعنى الحديث. قلت: ويَظهَرُ لي أنَّ البخاري أشارَ في التَّرجمة إلى ما أخرجه أحمد (٧٥٧٥) والنَّسائي ٧٦ باب ٢٨ / ح ٢٨٢٦ -٢٨٢٧ فتح الباري بشرح البخاري (٣١٠٩) والحاكم (٢/ ٧٢) من طريق أُخرى عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يجتمعانِ في النار: مسلمٌ قتل كافراً، ثمَّ سَدَّدَ المسلمُ وقارَبَ)) الحديث. قوله: ((عن أبي الزِّناد)) كذا هو في ((الموطَّأ)) (٢/ ٤٦٠)، ولمالك فيه إسنادٌ آخر رواه أيضاً عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس، أخرجه الدَّارَقُطني(١). قوله: ((يَضْحَك الله إلى رجلين)) في رواية النَّسائي (٣١٦٥) من طريق ابن عُيَينةَ عن أبي الزِّناد: ((إنَّ الله يَعجَبُ من رجلَين)). قال الخطَّبي: الضَّحِك الذي يَعتَري البشر عندما يَستَخِفُّهم الفرَح أو الطَّرَب غير جائز على الله تعالى، وإنَّما هذا مَثَلُ ضُرِبَ لهذا الصَّنيع الذي يَحِلّ محلّ الإعجاب عند البشر فإذا رأوه أضحَكهم، ومعناه الإخبار عن رِضا الله بفعلِ أحدهما وقَبُوله للآخرِ ومجازاتهما على صَنِيعهما بالجنَّة معَ اختلاف حالَيهما، قال: وقد تأوَّلَ البخاريُّ الضَّحِكَ في موضع آخر على معنى الرَّحمة (٢)، وهو قريب، وتأويله على معنى الرِّضا أقرب، فإنَّ الضَّحِك يدلّ على الرِّضا والقَبُول. قال: والكِرام يُوصَفونَ عندما يسألهم السائل بالبِشْر وحُسْن اللِّقاء، فيكون المعنى في قوله: ((يَضحَك الله)) أي: يُحِزِل العطاء. قال: وقد يكون معنى ذلك أن يُعَجِّبَ الله ملائكته ويُضحِكَهم من صَنيعهما، وهذا يُخْرَّج على المجاز ومثله في الكلام یَكثُر. وقال ابن الجَوْزيّ: كان أكثر السَّلَف يمتنعونَ من تأويل مِثل هذا ويُمِرّونَه كما جاء، وينبغي أن يُراعَى في مِثل هذا الإمرار اعتقادُ أنَّه لا تُشبِهِ صِفاتُ الله صِفاتِ الخلق، ومعنى الإمرار: عَدَمُ العلم بالمراد منه مع اعتقاد التَّنزيه. (١) في كتاب ((الصفات)) له (٣١) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. (٢) هذا وقع عند الخطابي نفسه في كتابه ((أعلام الحديث)) في شرح البخاري بإثر الحديث رقم (٤٨٨٩) من ((الصحيح))، لكن قال الحافظ ابن حجر عند ذلك الموضع من ((الفتح)): لم أرَ ذلك في النسخ التي وقعت لنا من البخاري. قلنا: ومذهبُ السَّلف في هذه الصِّفة وأمثالها إمرارُها وإثباتُها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وكماله من غير تأويل ولا تمثيل بشيء من صفات المخلوقين، وهذا هو المذهب الحقُّ إن شاء الله، وقد سبق تقريرُ ذلك في حواشينا على ((الفتح)) مِراراً، والله تعالى أعلم. ٧٧ باب ٢٨ / ح ٢٨٢٦ -٢٨٢٧ كتاب الجهاد قلت: ويدلُّ على أنَّ المراد بالضَّحِكِ الإقبالُ بالرِّضا تَعدِيَتُه بـ((إلى))، تقول: ضَحِكَ فلان إلى فلان: إذا تَوَجَّهَ إليه طَلْق الوجه مُظهِراً للرِّضا عنه. قوله: (يَدخُلان الجنَّة)) زادَ مسلم (١٢٩/١٩٠) من طريق همَّام عن أبي هريرة: قالوا: کیف یا رسول الله؟ قوله: ((يقاتل هذا في سبيل الله فيُقتَل)) زادَ هَمَّامٍ: ((فَلِجُ الجنَّة)). قال ابن عبد البَرِّ: معنى هذا الحديث عند أهل العلم: أنَّ القاتل الأوَّل كان كافراً. قلت: وهو الذي استَنْبَطَه البخاري في ترجمته، ولكن لا مانعَ أن يكون مسلماً لعموم قوله: ((ثمَّ يتوبُ الله على القاتل)) كما لو قتل مسلم مسلماً عَمداً بلا شُبهَة ثمَّ تابَ القاتل واستُشهِدَ في سبيل الله، وإنَّما يمنع دخولَ مثلِ هذا مَن يذهب إلى أنَّ قاتل المسلم عَمداً لا تُقبَل له توبة، وسيأتي البحث فيه في تفسير سورة النِّساء (٤٥٩٠) إن شاء الله تعالى. ويُؤيِّد الأوَّلَ أنَّه وقع في رواية همَّام(١): ((ثمَّ يتوب الله على الآخَر فيَهدِيه إلى الإسلام))، وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد (١٠٦٣٦) من طريق الزُّهْريّ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة بلفظ: / قيل: كيف يا رسول الله؟ قال: ((يكون أحدهما كافراً فيَقتُل الآخرَ ثمَّ ٤١/٦ يُسلِمُ فَيَغْزُو فِيُقْتَل)). قوله: ((ثُمَّ يتوب الله على القاتل فيُستَشْهَد)) زادَ همَّامٍ(٢): ((فيَهديهِ إلى الإسلام، ثمَّ يجاهدُ في سبيل الله فيُستَشهَد)». قال ابن عبد البَرِّ: يُستَفاد من هذا الحديث أنَّ كلّ مَن قُتِلَ في سبيل الله فهو في الجنَّة. قوله: ((حدَّثنا الزُّهْري)) في رواية عليّ بن المَدِيني في المغازي (٤٢٣٧) عن سفيان: ((سمعت الزّهْريّ وسأله إسماعيلُ بن أُميَّة))، وفي رواية ابن أبي عمر في ((مُسنَدَه)) عن سفيان: سمعت إسماعيل بن أُميَّة يسأل الزُّهْريّ. (١) التي ذكرها قبل قليل، وهي عند مسلم (١٨٩٠) (١٢٩). (٢) عند مسلم (١٨٩٠) (١٢٩). ٧٨ باب ٢٨ / ح ٢٨٢٦ -٢٨٢٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أخبَرَني عَنْبسةُ)) بفتح المهمَلة وسكون النُّون ((بن سعيدٍ)) أي: ابنِ العاص بن سعيد بن العاص بن أُميَّة. قوله: ((عن أبي هريرة» في رواية الزُّبَيدي عن الزُّهْريّ التَّصریحُ بسماع عَنْبَسةَ له من أبي هريرة، وسيأتي بيان ذلك في المغازي (٤٢٣٨). قوله: «فقال بعضُ بني سعید بن العاص: لا تُسهِمْ له» هو أبان بن سعید کما بیّنته روایة الزُبيدي. قوله: ((قلت: هذا قاتل ابنٍ قَوْقَل)) بقافَينِ وزن جعفر، يعني: النُّعمان بن مالك بن ثَعْلبة ابن أصرَم - بمُهمَلتَين وزن أحمد - بن فَهْم بن ثَعْلبة بن غَنْم - بفتح المعجمة وسكون النّون بعدها ميم - بن عَمْرو بن عوف الأنصاري الأَوْسي، وقَوقَل لقبُ ثَعْلبة، وقيل: لقب أصرَمَ، وقد يُنسَب النُّعمان إلى جدِّه فيقال: التُّعمان بن قَوقَل، وله ذِكْر في حديث جابر عند مسلم (١٥) قال: جاء النُّعمان بن قَوقَل فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إذا صَلَّيتُ المكتوبات ... الحدیث. وروى البَغَوي في ((الصحابة)): أنَّ التُّعمان بن قَوقَل قال يوم أُحد: أقسَمتُ عليك يا ربّ أن لا تَغِيبَ الشمس حتَّى أطَأَ بعَرْجَتي في الجنَّة. فاستُشهِدَ ذلك اليوم، فقال النبي وَّهُ: (لقد رأيته في الجنَّة)). وذكر بعض أهل المغازي أنَّ صفوان بن أُميَّة هو الذي قتله. وهو مرجوح بهذا الحديث الذي في البخاري، ولعلَّهما جميعاً اشتَرَكا في قتله، وسيأتي بقيّة شرح حديث أبي هريرة هذا في كتاب المغازي (٤٢٣٧). والمراد منه هنا قول أبانَ: «أكرَمَه الله على يَدَيَّ ولم يُهِنّي على يديه)) وأراد بذلك أنَّ النُّعمان استُشْهِدَ بيد أبان فأكرَمَه الله بالشَّهادة ولم يُقتَل أبان على كفره فيَدخُل النار، وهو المراد بالإهانة، بل عاشَ أبانُ حتَّى تابَ وأسلَمَ، وكان إسلامه قبل خيبر بعد الحُدَيبية، وقال ذلك الكلامَ بحَضْرَة النبي ◌َّ وأقرّه عليه، وهو موافق لمَا تَضمَّنَه التَّرجمة. ٧٩ باب ٢٩ / ح ٢٨٢٨ كتاب الجهاد قوله: ((من قَدُوم ضَأْن)) قال ابن دقيق العيد: وقع للجميع هنا بالنّون، إلَّا في رواية الهَمْداني فباللام وهو الصواب: وهو السِّدْر البَرّي. قلت: وسيأتي في غزوة خيبر (٤٢٣٨) بأبسطَ من هذا. قوله: ((فلا أدري أسهَمَ له أم لم يُسهِم)) سيأتي في غزوة خيبر (٤٢٣٨) في آخره: ((فقال له: يا أبانُ اجلِسْ، ولم يَقِم لهم))، واحتَجَّ به مَن قال: إنَّ مَن حَضَرَ بعد فراغ الوَقْعة ولو كان خرج مَدَداً لهم، إنه لا يشارك مَن حَضَرَها، وهو قول الجمهور، وعند الکوفیین یشارکھم، وأجاب عنهم الطَّحَاوي بأنَّ النبي ◌َّ كان أرسله إلى نَجْد قبل أن يَشرَعَ في النَّجهيز إلى خيبر، فلذلك لم يَقِمْ له، وأمَّا مَن أراد الخروج مع الجيش فعاقَه عائقٌ ثمَّ لَحِقَهم، فإنَّه الذي يُقْسَم له كما أسهَمَ النبي ◌َِّ لعثمان وغيره ثمَّن لم يَحِضُر الوَقْعة، لكن كانوا ممَّن أراد الخروج معه، فعاقَهم عن ذلك عوائقُ شرعية. قوله: ((قال سفيان)) أي: ابن عُيَينَةَ، ووقع في رواية الحميدي في ((مُسنَده)) (١١٠٩) عن سفيان: وحدَّثنيه السَّعيدي أيضاً، وفي رواية ابن أبي عمر: عن سفيان، سمعت السَّعيدي. قوله: ((وحدَّثنيه السَّعيدي)) هو معطوف على قوله: ((حدَّثنا الزُّهْريّ))، وهو موصول بالإسناد الذي قبله. قوله: ((السَّعيدي: هو عَمْرو ... )) إلى آخره، هو كلام البخاري، ووقع لغیر أبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله)) فذكره. ٢٩ - باب من اختار الغزوَ على الصوم ٢٨٢٨- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبَةُ، حدَّثنا ثابتٌ البُنَانُّ، قال: سمعتُ أنْسَ بنَ مالكٍ ﴾ قال: / كان أبو طَلْحةَ لا يصومُ على عَهْدِ النبيِّ وٍَّ من أجلِ الغَزْوِ، فلمَّا قُبِضَ النبيُّنَلَّ لم أرَه ٤٢/٦ مُفطِراً إلا يومَ نِطْرٍ أو أضحَى. قوله: ((باب مَن اختارَ الغَزْو على الصوم)) أي: لئلا يُضِفه الصوم عن القتال، ولا يمتنع ذلك لمن عَرَفَ أنَّه لا يَنقُصه كما سيأتي بعد ستَّة أبواب (٢٨٤٠). ٨٠ باب ٣٠ / ح ٢٨٢٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((لا يصوم)) في رواية أبي الوليد - عند أبي نُعيم - وعليّ بن الجَعْد كلاهما عن شُعْبة عند الإسماعيلي: ((لا يَكادُ يصوم))، وفي رواية عاصم بن عليّ عن شُعْبة عند الإسماعيلي أيضاً: ((كان قَلَّما يصوم))، فدَلَّ على أنَّ النَّفي في رواية آدم ليس على إطلاقه، وقد وافَقَ آدمَ سليمانُ بن حرب عند الإسماعيلي أيضاً. قوله: ((إلَّا يومَ فِطْر أو أضحى)) أي: فكان لا يصومهما، والمراد بيوم الأضحى: ما تُشرَع فيه الأُضحيَّة، فَتَدخُل أيام التَّشريق. وفي هذه القصَّة إشعار بأنَّ أبا طلحة لم يكن يُلازم الغَزو بعد النبي ◌َِّ، وإنَّما تَرَكَ التطوُّع بالصوم لأجلِ الغَزْو خَشْيَةَ أن يُضعِفَه عن القتال، مع أنَّه في آخر عمره رَجَعَ إلى الغَزو، فروى ابن سعد (٥٠٧/٣) والحاكم (٢/ ١٠٤) وغيرهما من طريق حمّاد بن سَلَمة عن ثابت عن أنس: أنَّ أبا طلحة قرأ ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قال: اسْتَنَفرَنا الله شيوخاً وشُبّاناً، جَهِّزوني، فقال له بنوه: نحنُ نَغْزُو عنك، فأَبى فجَهَّزُوه، فغَزَا في البحر فمات، فدَفَنُوه بعد سبعة أيام ولم يتغيَّر. قال المهلَّب: مثَّل النبيُّ وَِّ المجاهدَ بالصَّائم لا يُفطِر - يعني: كما تقدَّم في أوَّل الجهاد - فلذلك قَدَّمَه أبو طلحة على الصوم، فلمَّا تَوَطَّأْ الإسلام وعَلِمَ أنَّه صار في سَعَة، أراد أن يأخذَ حَظَّه من الصوم إذ فاتَه الغَزو، وفيه أنَّه كان لا يرى بصيام الدَّهر بأساً. تنبيه: وقع عند الحاكم في ((المستدرك)) (٢/ ١٠٤) من رواية حَمَّد بن سَلَمة عن ثابت عن أنس: أنَّ أبا طلحة أقامَ بعد رسول الله وَّهِ أربعينَ سنة لا يُفطِرِ إلَّ يومَ فِطْر أو أضحى. وعلى الحاكم فيه مَأخَذان: أحدهما: أنَّ أصله في البخاري فلا يُستَدرَك، ثانيهما: أنَّ الزّيادة في مِقْدار حياته بعد النبي ◌َِّ غَلَطٌ، فإنَّه لم يُقِمْ بعده سوى ثلاث أو أربع وعشرين سنة، فلعلَّها كانت أربعاً وعشرين فتغيَّرت. ٣٠- بابٌ الشّهادةُ سبعٌ سوى القتل ٢٨٢٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن سُميٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي